← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته﴾ (١) . فلو كان موجب العندية معنى عاماً، كدخولهم تحت قدرته، ومشيئته، ونحو ذلك، لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحد مستكبراً عن عبادته. وأما الأحاديث، والآثار عن الصحابة، والتابعين فلا يحصيها إلا الله -تعالى-. فلا يخلو أن يكون ما اتفقت عليه هذه النصوص، من إثبات علو الله -تعالى- على خلقه هو الحق، أو الحق نقيضه، إذ الحق لا يخلو عن النقيضين. فإذا كان نفي العلو هو الحق، فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا، لا نصاً، ولا مفهوماً، وكذلك الرسول ﷺ ، ولا أحد من الصحابة وأتباعهم، ولا أحد من أئمة المسلمين، ولا يمكن أحد أن ينقل عن واحد منهم شيئاً من ذلك، بل نقيضه هو المستفيض عنهم، كما هو الموافق للكتاب والسنة. ويلزم على ذلك أن يكون الله ورسوله والمؤمنون، لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل تكلموا بما يدل على الضلال، إما نصاً، أو ظاهراً. فإن قيل: هذه النصوص ما أريد بها إثبات علو الله على خلقه، وإنما أريد بها علو المكانة والقدر. قيل: فكان يجب على المتكلم بها أن يبين للناس الحق، الذي يجب أن يؤمن به ويعتقد، ظاهراً وباطناً، وأنه لم يرد بهذا الكلام مفهومه، ومقتضاه. فإن قيل: إنه تكلم بالمجاز، المخالف للحقيقة. قيل: من المعلوم باتفاق العقلاء: أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز، فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول ﷺ

стр. 457

الذي بين للناس ما نزل إليهم - يعلم أن المراد بالكلام خلاف مقتضاه وظاهره، وجب عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرده، ولا سيما إذا كان ذلك المعنى باطلاً، ولا يجوز اعتقاده في الله -تعالى-، وهذا يجب ولو لم يخاطبهم بما يفهم منه خلاف الحق، الذي يجب اعتقاده، إذا كان مخوفاً عليهم، فكيف إذا كان في كلامه ما يفهم منه خلاف الحق" (١) . فلا عذر لمن أنكر علو الله، ونفاة العلو والصفات، يقولون: إن هذه النصوص لم يرد بها الحقيقة والظاهر المفهوم منها، والقرينة الصارفة عن ذلك هي دلالة العقل، فاكتفى المتكلم بهذه القرينة؛ لأنها عقلية، عند كل عاقل. فيقال لهم: إذا كان ما تكلم به الله ورسوله، إنما يفيد مجرد الضلال، والهدى إنما يستفاد من العقول، فلماذا ينزل الله الكتاب، ويرسل الرسول؟ للعناء والشقاء؟ فإن تركهم على جاهليتهم خير لهم من أن ينزل عليهم الكتاب، ويرسل إليهم الرسول، هذا هو لازم هذا القول الباطل. ويقال أيضاً: الرسول جاء بإثبات العلو، والصفات، وذلك أظهر في العقل من قولكم. ثم الرسول ﷺ أما أن يتكلم بالهدى، أو بالضلال، أو يسكت عنهما. ومعلوم أن السكوت عنهما خير من التكلم بالضلال. وبذلك يعلم بالعقل، أنه لم يسكت عن بيان الحق، والهدى، والتحذير من اعتقاده الباطل، وبذلك يتفق ما جاء به الرسول ﷺ مع العقل الصحيح، الذي لم تفسده الشياطين، والهوى المضل. فالعقل يوافق ما جاء به الرسول ﷺ لا ما يقوله نفاة الصفات،

стр. 458

وليس بين العقل الصريح والنقل الصحيح تناقض أصلاً، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، وغيره. فقولهم: إن القرينة الصارفة عن الظاهر، هي العقل، خطأ محض، إذ العقل يوافقها لا يخالفها كما توهموه، كما أن إثبات الصفات ليس فيه تشبيه كما زعموا، ولكن الأوهام وسوء الظن بالله ورسوله أرداهم. ومن حججهم الباطلة التي حملتهم على صرف النصوص عن ظاهرها، ورأوا وجوب تأويلها لذلك، هي قاعدتهم في أن جميع الأجسام حادثة لملازمتها للأعراض التي هي الصفات، فوجب تنزيه الرب -تعالى- عن كل صفة تستلزم التركيب، أو الجسمية؛ لأن الأعراض لا تكون إلا في جسم، والجسم لا بد أن يكون مركباً من الجواهر - كما زعموا-، ولهذا قالوا: إن الاستواء والعلو، يلزم منهما النقلة، والمكان، والحركة، وهذه من صفات الأجسام. فيقال لهم: الحياة، والعلم، والسمع، والبصر - مما جوزتم لأنفسكم أن تصفوه به- لا يعقل أن تقوم إلا بجسم، مع أنكم تسمون الصفات: أعراضاً، ولا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه في المعنى، ألا يجوز لغيركم أن يصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه، ووصفته به رسله بأنه -تعالى- مستوٍ على عرشه، وعالٍ على خلقه، وبأن له وجهاً ويدين حقيقة، ونحو ذلك مما تسمونه: أبعاضاً، تستلزم التركيب، والجسمية؟ كما افتريتموه على رب العالمين، ورميتم من وصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه، بالتشبيه، والتجسيم، مع أنهم أقرب إلى المعقول منكم، وقد سلم لهم المنقول بدون تحريف. قال شيخ الإسلام: " ولا ريب أن الله موجود، قائم بنفسه، وترفع إليه الأيدي عند الدعاء، كما فطر على ذلك جميع عباده، ولا ريب أنه تجوز رؤيته في الآخرة، كما أخبر بذلك في كتابه، فإذا سموا هذه المعاني تجسيماً، فلا ينبغي لنا أن نترك ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، ونذهب إلى تأويلها، لمجرد هذه

стр. 459

التسميات الحادثة المبتدعة" (١) وقال أيضاً: " ولفظ الظاهر فيه إجمال، واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. والسلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً، وباطلاً. والله سبحانه - وتعالى - أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه، لا يظهر منه إلا ما هو كفر، أو ضلال. والذين يجعلون ظاهرها ذلك، يغلطون من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوا المعنى الفاسد، هو ظاهر نص كلام الله وكلام رسوله، ولذلك أوجبوا تأويله، ليخالف الظاهر الذي زعموا، وليس الأمر كذلك. الثاني: أنهم ردوا المعنى الصحيح الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أنه باطل، كقولهم في الحديث: " قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن "، قالوا: لا يجوز أن يراد به الظاهر، فليس في قلوبنا أصابع. ومعلوم أنه ليس ظاهره أن القلوب متصلة بالأصابع، ولا مماسة لها، ولا أن أصابع الرحمن في جوف العبد، ولا يفهم من قول القائل: هذا بين يدي، ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: إن السحاب بين السماء والأرض، لم يقتض أن يكون مماساً للسماء، أو الأرض، ونظائر ذلك كثيرة " (٢) .

стр. 460

وقال أبو نصر السجزي في "الإبانة": "وأئتمنا، كسفيان، ومالك، والحمادين، وابن عيينة، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يغضب، ويرضى، ويتكلم بما يشاء" (١) . وقال ابن عبد البر في شرحه لحديث النزول: "وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش، من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية، في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهل الحق: قوله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) وقوله -تعالى-: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (٣) ، وقوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٤) ، وقوله -تعالى-: ﴿إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً﴾ (٥) ، وقوله -تعالى-: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٦) ، وقوله -تعالى-: ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (٧) ، وقوله -تعالى-: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ (٨) ، وقوله -تعالى-: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وهذا من العلو، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿العلي العظيم﴾ (٩) ،

стр. 461

وقوله -تعالى-: ﴿الكبير المتعال﴾ (١) ، وقوله -تعالى-: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (٢) ، وقوله -تعالى-: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (٣) ، والجهمي يزعم أنه أسفل. وقال - جل ذكره -: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٤) ، وقال -تعالى-: تعرج الملائكة والروح (٥) ، وقال -تعالى- لعيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (٦) ، وقال -تعالى-: بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ (٧) ، وقال -تعالى-: فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (٨) ، وقال -تعالى-: وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (٩) ، وقال تعالى: لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (١٠) ، والعروج: الصعود. وأما قوله -تعالى-: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ (١١) ، فمعناه: من على السماء، يعني على العرش، وقد يكون "في" بمعنى "على" ألا ترى إلى قوله -تعالى-: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١٢) ، وقوله -تعالى-: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١٣) ؟ أي: على الأرض، وهذا كله يعضده قوله -تعالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (١٤) ، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب" (١٥) ا. هـ.

стр. 462

وقال أيضاً: " وما روي عن ابن عباس في قوله -تعالى-: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (١) ، أنه قال على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان". فالجواب: أنه منكر، ونقلته مجهولون، وضعفاء، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يحتجون بمثل هذا الأثر الساقط؟ وأما تعلقهم بقوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٢) ، وقوله -تعالى-: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية (٣) ، وزعمهم أنه الله ﵎ في كل مكان بنفسه وذاته. فيقال لهم: أنتم لا تخالفون بأنه ليس في الأرض دون السماء، بذاته، فيجب حمل هذه النصوص على المعنى الصحيح المجمع عليه، وهو أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وهو الذي قاله أهل العلم بالتفسير. وقوله -تعالى-: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٤) الآية، ليس فيها حجة لهم؛ لأن علماء الصحابة والتابعين، الذين روي عنهم التفسير، قالوا في هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان. ولم يخالفهم في ذلك من يعتد به. ثم ذكر عن ابن مسعود: قال: " الله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" وذكر عن الضحاك، وسفيان الثوري مثله" (٥) .

стр. 463

فتبين بما ذكره أن هذه الآيات التي تعلق بها نفاة العلو، تدل على عكس قولهم، فهي متفقة مع النصوص الصريحة في الدلالة على علو الله -تعالى-. من الحجج القاطعة أن الله تعالى فوق السماوات على عرشه: أن كل داع يدعو الله -تعالى- يجد في نفسه دافعاً إلى الاتجاه إلى الله فوقه، وهو أمر ضروري وقطعي، فلا يمكن لأي سائل يسأل الله ويطلب منه إلا – رفع – يديه، واتجه بقلبه إلى من يستغيث به، الذي هو عال فوق جميع مخلوقاته، مستو على عرشه، فالعلم بذلك فطري ضروري عقلي، ونصوص الشرع جاءت مؤيدة ذلك مقررة له. قال شيخ الإسلام: " ذكر محمد بن طاهر المقدسي، عن الشيخ الجليل أبي جعفر الهمداني، أنه حضر مجلس أبي المعالي الجويني، وهو يقول: كان الله، ولا عرش ﴿ولا مكان﴾ وهو على ما ﴿كان﴾ عليه ﴿قبل خلق المكان﴾ ، أو كلام من هذا المعنى، فقال: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟. فصرخ أبو المعالي، ولطم رأسه، وقال: " حيرني الهمداني" (١) . وقد تعلق نفاة العلو أيضاً: بأن الله -تعالى- لو كان في مكان، لأشبه المخلوقات؛ لأن ما أحاطت به الأمكنة فهو مخلوق. فيقال: هذا نشأ عن القياس الفاسد، والتشبيه المستكن في نفوس هؤلاء، إذ لو آمنوا بأن الله على كل شيء قدير، وأنه ليس كمثله شيء، ما انطلت هذه الشبه وهذا الهراء على نفوسهم. ويقال أيضاً: ألستم تقرون بأن الله -تعالى- موجود قبل خلق الكون،

стр. 464

فهو -تعالى- كما قال رسول الله – ﷺ : " كان الله، ولم يكن شيء معه" (١) ونحن وأنتم وكل العقلاء، لا نعقل وجود أحد منا، إلا في مكان، وما ليس في مكان، فهو عدم، والله بخلاف ذلك، فلا يجوز أن يقاس بخلافه كما فعلتم، قلتم: لو كان في مكان لأشبه خلقه. فإن زعموا أنه يلزم من كونه -تعالى- في العلو، التغير، والانتقال؛ لأنه، كان ولا مكان، فلما خلق المكان صار في العلو، فزال عن صفته في الأزل وصار في مكان. قيل: وأنتم يلزمكم أقبح من ذلك، وهو زعمكم أنه -تعالى- كان، لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فقد تغير عندكم معبودكم، وانتقل من لا مكان، إلى كل مكان، وهذا لازم لكم، لا انفكاك لكم منه. وقولهم: كان الله، ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، كلام فاسد، متناقض، وذلك أن النفاة للاستواء والعلو، وغيرهما، على قسمين: قسم يقول: إن الله لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، ولا داخل العالم، ولا خارجه، وهذا لا يفهم منه إلا العدم المحض، فليس له وجود فعلي على هذا الوصف، فهو إذاً ليس له مكان أصلاً، إذ لا وجود له. وقسم يقول: إنه في كل مكان، فيلزم أنه كان في كل مكان، قبل خلق المكان، فهو إذا في هذا الكون كله، قبل خلقه له، وهذا قول ظاهر الفساد، إذ معناه: كان في الأمكنة، قبل خلقها. فالحق " أن الله -تعالى- ليس كمثله شيء، لا في نفسه، ولا في فعله، ولا في

стр. 465

صفاته، ولا في مفعولاته، فإذا رام الإنسان أن ينفي شيئاً مما يستحقه؛ لعدم نظيره في الشاهد المحسوس، صار ما يثبته بدل نفيه أبعد عن المعقول، والمشهود" (١) . ومن الحجج المشهورة على وجوب علو الله -تعالى-: ما تقدم في كلام ابن أبي العز: وهو أن يقال: لما خلق الله الخلق، لا بد أن يكون خلقه بائناً منه، فلا يجوز أن يكون الخالق -جل وعلا- في المخلوق، وأن يكون المخلوق حاوياً له، تعالى عن ذلك، فلا بد أن يكون بائناً عنه، ولا يجوز أن يكون المخلوق فوق الخالق -تعالى وتقدس - فلا بد أن يكون عالياً فوق خلقه. قال شيخ الإسلام: " معرفة القلوب، وإقرارها بفطرة الله التي فطرها عليها، أن ربها فوق العالم، ودلالة الكتاب والسنة على ذلك، وظهور ذلك في خاصة الأمة وعامتها، وكلام السلف في ذلك، أعظم من كونه -تعالى- يرى بالأبصار يوم القيامة، أو أن رؤيته بالأبصار جائزة. ويشهد لهذا أن الجهمية، أول ما ظهروا في الإسلام، في أوائل المائة الثانية، وكان حقيقة قولهم في الباطن: تعطيل الرب -تعالى- من الصفات كلها، ولا يصفونه -تعالى- إلا بالسلوب المحضة، التي لا تنطبق إلا على المعدوم، وكانوا في الباطن ينكرون أن يرى، أو يتكلم، أو أنه فوق العرش، أو أن يكون موصوفاً بالصفات التي جاءت بها كتب الله، أو دلت عليها مع ذلك الدلائل العقلية، لكن ما كانوا يظهرون من قولهم للناس، ما هو ظاهر البطلان، وما ليس فيه شبهة، مثل نفي العلو المعروف، المتيقن من الدين بالضرورة عند العامة والخاصة، وإنما يظهرون ما فيه شبهة، ولهم عليه حجة، ويكونون فيه أقل مخالفة لما يعلمه الناس من الحجج الفطرية، الشرعية، وهذا شأن كل من أراد أن يظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق، فإنهم لا ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة ابتداء" (٢) . ومن المؤسف أن بعض ضلالات الذين ذكرهم الشيخ، قد ورثها كثير من علماء المسلمين، كالأشعرية الذين يزعمون أنهم أعداء لهم وخصوم، مع أنهم

стр. 466

يتفقون معهم على إنكار علو الله تعالى، واستوائه على عرشه، ومجيئه لفصل القضاء بين عباده، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، كما أخبر به رسول الله ﷺ . كما أنهم يؤولون الصفات إلا قليلاً، تأويلاً يؤول إلى الإنكار، مثل اليدين، والرجلين، والوجه، والرحمة، والمحبة، والضحك، والرضا، والغضب، والسخط، والمقت، وغير ذلك. ويوافقون الجهمية في كون القرآن مخلوقاً، فإنهم يجعلون الكلام قسمين: نفسي، وهو المعنى القائمة بالنفس، وهذا هو الذي يصفون الله به، ولفظي حرفي وهو المكتوب في المصاحف، وهو ليس كلاماً لله عندهم، بل هو عبارة عن كلام الله، وهو مخلوق، وهذا قول الجهمية الذين كفرهم السلف من أجله. والمقصود: أن علو الله -تعالى- واستواءه على عرشه ثابت بنصوص الكتب المنزلة على رسل الله، وأما العلو فهو ثابت بذلك، وبالفطر التي عليها عباده، وبالعقول التي لم تنتكس بفعل الشياطين، وبإجماع أهل العلم والإيمان من جميع الأمم، كما تقدمت الإشارة إليه، ولم يعرف خلاف في هذه المسألة، ونحوها إلا بعدما دخل كثير من الزنادقة في الإسلام نفاقاً، وقصداً لإفساد الدين، بعد المائة الأولى للهجرة، وإن كان قد وجد قبل ذلك بعض المفسدين المتطرفين، الذين كان لهم الأثر السيء في الأمة. قال شيخ الإسلام: " افترق الناس، في علو الله واستوائه، أربع فرق: الأولى: الجهمية، النفاة، يقولون: ليس داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق، ولا تحت، وجميع الطوائف، من أهل البدع يتمسكون بنصوص، إلا الجهمية. وقسم ثان منهم يقولون: إنه بذاته في كل مكان، ويدخل فيهم الأشاعرة، وهؤلاء هم الفرقة الثانية.

стр. 467

الثالثة: من يقول: إنه فوق العرش، وهو في كل مكان، ويزعم أنه بذلك يجمع بين النصوص. الرابعة: المتبعون للكتاب، والسنة، الذين أثبتوا ما أثبته الله ورسوله، من غير تحريف، فآمنوا بالله فوق سماواته، مستوٍ على عرشه" (١) . وقد تقدم ذكر بعض الآيات الدالة على علو الله -تعالى- صراحة، وبعض الأحاديث مما ذكره البخاري وغيره. ومما لم يذكره: قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه فوق السماوات كلها، وهي ثابتة ثبوتاً قطعياً بدون ريب. وفي حديث الرقية: " ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك" (٢) . وفي حديث الأوعال: " والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه" (٣) وفي "سنن أبي داود"، عن جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله ﷺ ، حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال: " ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، إن الله على عرشه، وإن عرشه على سماواته وأرضه هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة" (٤) .

стр. 468

وفي خطبته ﷺ في عرفة، في أعظم جمع اجتمع له ﷺ بعدما أمر، ونهى، جعل يقول: " ألا هل بلغت؟ " فيقولون: نعم، عند ذلك يرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: " اللهم اشهد" - غير مرة - (١) . والنصوص في ذلك كثيرة جداً، والحق في هذه المسألة واضح جلي، بل وفي كل ما يجب لله -تعالى- وما يمتنع عليه، ومعلوم أن الله -تعالى- قد أكمل لهذه الأمة دينها على لسان رسولها، وأتم عليها النعمة بذلك، وأنزل كتابه فيه تبيان كل شيء، ومعرفته -تعالى- بما له من الأوصاف، ومعرفة ما يمتنع عليه، هي أجل أمور الدين وأعظم أصوله، فلا بد أن يكون هذا قد بين غاية البيان. ثم إنه ليس بين علو الله -تعالى- على جميع خلقه، ومعيته لخلقه، وقربه من عباده، منافاة، فعلوه -تعالى- واستواؤه على عرشه، ثابت ثبوتاً قطعياً، كما وضح ذلك -تعالى- في كتابه، وبينه رسوله ﷺ وكذلك معيته -تعالى- لخلقه، قد وضحها وبينها رسوله، فوجب الإيمان بذلك، فكما أنه تعالى مستوٍ على عرشه، وعالٍ على خلقه، حقيقة، فهو كذلك موصوف بالقرب والمعية على الحقيقة. قال شيخ الإسلام: " لا يخالف ما ثبت من علو الله، وأنه فوق العرش، معيته لخلقه، الثابت بمثل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (٢) . وقوله ﷺ : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه" (٣) ونحو ذلك. وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، كما جمع الله بينهما في

стр. 469

قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) ، فأخبر -تعالى- أنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: " والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه" (٢) . وذلك أن كلمة "مع" في اللغة، إذا أطلقت، لم يكن ظاهرها، في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة، أو محاذاة، عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني، دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة. ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فقوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (٣) دل ظاهر الخطاب أن حكم هذه المعية، ومقتضاها: أنه مطلع عليكم شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (٤) ، حق على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية: الاطلاع، والنصر، والتأييد، ومثلها قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ (٥) ، وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم

стр. 470

مُّحْسِنُونَ﴾ (١) حق، وحكمها النصر، والتأييد" (٢) . و المعية نوعان: عامة وخاصة. فالأولى: هي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (٣) . والثانية: هي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٤) ، فهذه خاصة بأنبيائه وأوليائه، وعباده المؤمنين، فهو -تعالى- معهم دون أعدائهم، ومعهم بسمعه ورؤيته، ونصره وتأييده، كما أنه -تعالى- معهم بإحاطته وقبضته. والمعية لا تدل على المخالطة، والممازجة، وإنما تدل على المصاحبة، كما قال رسول الله ﷺ : " اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل" (٥) . فهو - سبحانه - مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، وهو فوق عرشه، وكل ذلك على ظاهره، غير محتاج إلى تأويل، ولا يلزم منه أن تكون ذاته مختلطة بذوات خلقه -تعالى الله وتقدس عن ذلك -؛ وذلك لأن المفهوم من المعية في اللغة العربية: المصاحبة والمقارنة، حكمها حسب مورد الخطاب، فقوله -تعالى-: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٦) أي: على الإيمان، لا أن ذواتهم حالة في ذاته، بل هم مصاحبون له ومتبعون له على الإيمان، وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يدل على موافقتهم في الإيمان، وموالاتهم.

стр. 471

فالله -تعالى- مع عباده، يراهم، ويسمع كلامهم، وهو محيط بهم، وعلمه بهم من لوازم معيته لهم، وليست المعية هي العلم كما يتوهمه بعض الناس، فعلمه - تعالى - محيط بكل شيء ولا يختلف أو يتغير، ولذلك صارت المعية إلى خاصة، وعامة، وكل واحدة لها مقتضاها وحكمها، فمن مقتضى العامة: المراقبة، والتخويف، والاطلاع على جميع التصرفات، وما تكنه الصدور. ومن مقتضى الخاصة: النصر، والتأييد، والحفظ. وتفسير من فسرها بالعلم من السلف، يقصد بيان أن الله ليس مختلطاً بخلقه أو حالاً فيهم، أو أن شيئاً من مخلوقاته تحويه، أو تظله، أو تقله - تعالى وتقدس-. وأما القرب، فقد جاء على صيغتين: الإفراد، نحو قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١) ، وكما في حديث أبي موسى المتقدم: " إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". وهو -تعالى- فوق عرشه، ويقرب ممن يشاء من خلقه، كيف يشاء، كما قرب من موسى ﵇ حين كلمه، وهو فوق عرشه، فوق السماوات كلها، فلا تنافي بين علوه، وقربه ومعيته؛ لأنه تعالى أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، تعالى الله عن ظنون السوء الكاذبة. فعلو الله العلي العظيم، واستواؤه على عرشه، ومعيته وقربه، كل ذلك ثابت له، حق على ظاهره، كما أخبر به -تعالى- عن نفسه، وأخبرت به رسله، فالكل ثابت لله -تعالى- في الكتب الإلهية، وفي نصوص الأنبياء. وأهل الفطرة العقلية السليمة، من الأولين والآخرين، يقولون: إنه -تعالى- فوق عرشه، عالٍ على خلقه، وهو معهم، بعلمه ورؤيته، وسمعه وإحاطته، وقبضته وهيمنته عليهم.

стр. 472

ومع أنبيائه وأوليائه بذلك، وبنصره، وتأييده، وحفظه. ومعيته -تعالى- من صفاته الخاصة به. وأما الصيغة الأخرى للقرب: صيغة الجمع، كقوله -تعالى-: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١)، وهذا يقصد به لغة العرب: الواحد العظيم، الذي له عبيد يطيعونه، ويسارعون في أمره، وإذا وقع الفعل منهم عن أمره قال: نحن فعلنا، كما يقول الرئيس: نحن أمرنا بكذا، والله -تعالى- رب الملائكة، وخالقهم، وخالق أفعالهم، وهم ممتثلون لأمره: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢)، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، مع أنه -تعالى- غني بذاته عن ملائكته، وجميع خلقه، وهو الذي أقدر خلقه على ما يفعلون، وأعطاهم القدرة على ذلك، وإذا شاء سلبهم ذلك، فإذا قال -تعالى-: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ (٤)، إذا كان المراد الملائكة، كان من هذا الباب. والمقصود: أن علو الله -تعالى- ثابت له بالفعل، وأدلة الكتاب، وما بلغه الرسول ﷺ أمته، وثابت بالضرورة الفطرية، والأدلة عليه لا تحصى، ومنكره منكر للمعلوم بالضرورة من الدين، والمعلوم بالضرورة العقلية الفطرية، وليس بين علو الله واستوائه على عرشه، وبين معيته لخلقه، ولأوليائه وأنبيائه، وقربه منهم تعارض. تم الجزء الأول من الشرح ويليه الجزء الثاني وأوله: باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

стр. 473

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري تأليف عبد الله بن محمد الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الجزء الثاني قال: باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١). قال ابن جرير: ((يقول - تعالى -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة, ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ حسنة جميلة من النعيم, يقال: نَضُر وجه فلان: إذا حسن من النعمة, ونضَّرَ الله وجهه: إذا حسنه كذلك)) (٢). ثم روى ذلك بأسانيده عن المفسرين من السلف. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تلك الوجوه النضرة, تنظر بأبصارها إلى ربها, وذلك أعلى نعيم الآخرة. روى ابن جرير, عن عكرمة, والحسن, وعطية العوفي: ينظرون إلى ربهم. روي عن مجاهد, وأبي صالح: تنتظر ثواب ربها. ثم قال: والصواب القول الأول: أنها تنظر إلى خالقها, وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ حدثني علي بن الحسين بن أبجر, قال: حدثنا مصعب بن المقدام, قال: حدثنا إسرائيل بن يونس, عن ثوير, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أدنى أهل الجنة منزِلة, لَمَن ينظر في مُلْكه ألفي سنة - قال -

стр. 474

وإن أفضلهم منزلة, لمن ينظر في وجه الله كل يوم مرتين)) ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة ٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ , قال: البياض, والصفاء, ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ تنظر كل يوم في وجه الله )). حدثنا محمد بن منصور الطوسي, وإبراهيم بن سعيد الجوهري, قالا: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق, قال: حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي (١) , عن عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة ٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ , قال: تنظر وهي تنظر إلى ربها نظراً. حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق, قال: سمعت أبي يقول: أخبرني الحسن بن واقد, في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة﴾ من النعيم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أخبرني يزيد النحوي, عن عكرمة, وإسماعيل بن أبي خالد, وأشياخ من أهل الكوفة, قال: تنظر إلى ربها نظراً. حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا المبارك عن الحسن, في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة﴾ قال: حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال تنظر إلى الخالق, وحق لها أن تنضَّر وهي تنظر إلى الخالق (٢). وقال ابن كثير: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة﴾ من النضارة, أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي تراه عياناً, كما رواه البخاري في ((صحيحه)): ((إنكم ستَرَوْن ربكم عَياناً)) [أي: معاينة ينظرون إليه].

стр. 475

وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة, في الأحاديث الصحاح, من طرق متواترة عند أئمة الحديث, لا يمكن دفعها, ولا منعها)) (١) ثم ذكر طرفاً منها. وقال البغوي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿نَّاضِرَة﴾ قال ابن عباس: حسنة, وقال مجاهد: مسرورة, وقال ابن زيد: ناعمة, وقال مقاتل: بيض يعلوها النور, وقال السدي: مضيئة, وقال يمان: مسفرة, وقال الفراء: مشرقة بالنعيم, يقال: نضر الله وجهه, ينضر نضراً, ونضره الله, وأنضره, ونَضُر وجهه, ينضر نضرة ونضارة، قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم﴾ (٢) . ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة﴾ قال ابن عباس, وأكثر الناس: تنظر إلى ربها عياناً بلا حجاب. قال الحسن: تنظر إلى الخالق, وحق لها أن تنضَّر وهي تنظر إلى الخالق. ثم روى بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه, وأزواجه, ونعيمه, وخدمه, وسرره, مسيرة ألف سنة, وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية)) ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة ٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) . وهذا الحديث هو الذي نقلته عن تفسير الطبري قريباً, وفيه ثوير بن أبي

стр. 476

فاختة, سعيد بن جهمان, ضعيف, قال الحافط: ((أطبقوا على تضعيفه)) (١) . وقال ابن عدي: ((أثَرُ الضعف بَيِّنٌ على رواياته, وهو إلى الضعف أقرب منه إلى غيره)) (٢) . وهذا لا يمنع من الاستشهاد بحديثه, كما هي طريقة العلماء فيما لا يخالف الثابت الصحيح, بل يوافقه. وفي ((الدر المنثور)) : ((أخرج ابن مردويه, عن ابن عباس, في قوله - تعالى -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة ٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى وجه ربها)) (٣) . وذكر أحاديث في ذلك وآثاراً كثيرة. و الأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كثيرة جداً, وقد تواترت عن رسول الله ﷺ وتلقاها أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها, وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن, يوم يلقاه. ولم يرد هذه الأحاديث إلا أهل البدع والضلال, الذي اعتاضوا بهداية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ آراء فاسدة, زعموا أنها معقولات, وهي ضلالات وجهالات وشبهات, كما سيأتي بيان ذلك, إن شاء الله تعالى. وقد أفرد كثير من أهل السُّنَّة هذه المسألة بمؤلفات خاصة. قال البيهقي: ((لا يخلو النظر أن يكون الله - تعالى - عنى به: نظر الاعتبار,

стр. 477

كقوله – تعالى -: ﴿َفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١) . أو عنى به: نظرَ التعطف والرحمة, كقوله – تعالى -: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) . أو عنى به: الانتظار, كقوله – تعالى -: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (٣) أو عنى به: الرؤية, كقوله – تعالى -: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٤) . ولا يجوز أن يكون عنى بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر التفكر والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار, وإنما هي دار اضطرار. ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن ليس في شيء من أمر الجنة انتظار؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير, والآية خرجت مخرج البشارة, وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, من العيش, فهم مُمَكَّنون مما أرادوا, وإذا خطر ببالهم شيء, أُتوا به مع خطوره, فلم يجز أن يكون الله أراد بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر الانتظار. ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه: نظر العينين اللتين في الوجه, كما قال – تعالى -: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ (٥) , أراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء, ولأنه قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .

стр. 478

ونظر الانتظار لا يكون مقروناً بإلى؛ لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار ((إلى)) إذا كان معناه الانتظار, قالت بلقيس فيما أخبر الله - تعالى - عنها: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١) . ولا يجوز أن الله - تعالى - أراد نظر التعطف والرحمة؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم, فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة, صح القسم الرابع من أقسام النظر, وهو معنى قوله - تعالى -: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ , أنها رائية ترى الله . ولا يجوز أن يكون معناه: إلى ثواب ربها ناظرة؛ لأن ثواب الله غير الله, والله - تعالى - قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ لم يقل: إلى غير ربها ناظرة. والقرآن على ظاهره, وليس لنا أن نزيله عن ظاهره, إلا بحجة. ألا ترى أنه لما قال: ((اعْبُدُونِي, وَاشْكُرُواْ لِي)) لم يجز أن يقال: أراد: ملائكتي أو رسلي. ثم نقول: إنْ جاز لكم أن تدَّعوا هذا, في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جاز لغيركم أن يدعيه في قوله - تعالى -: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (٢) فيقول: أراد بها: لا تدرك غيره, ولم يرد أنها لا تدركه هو, وإذا لم يجز ذلك لم يجز هذا)) (٣) ************ ٦٢ - قالَ: ((حدثنا عمرُو بنُ عَوْن, حدثنا خالدٌ وهُشَيمٌ, عن إسماعيلَ, عن قيسٍ, عن جَرير, قالَ: كُنا جُلوساً عند النبيِّ ﷺ إذا نظرَ إلى القمر ليلةَ البدر, قالَ: ((إنَّكم سترونَ رَبَّكُم,

стр. 479

كما ترونَ هذا القمرَ, لا تُضامُّونَ في رؤيتِهِ, فإنَ استطعتُمْ أنْ لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ, وصلاةٍ قبلَ غروبِ الشمسِ, فافعَلُوا)) . ٦٣ – حدثنا يوسفُ بنُ موسى, حدثنا عاصمُ بنُ يوسفَ اليَرْبُوعِيُّ, حدثنا أبو شهابٍ, عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ, عن قيس بن أبي حازمٍ, عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ, قالَ: قالَ النبيُّ – ﷺ : ((إنكم سترونَ رَبَّكُم عِيَاناً)) . ٦٤ – حدثنا عَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ, حدثنا حُسَينٌ الجُعْفِيُّ, عن زائدةَ, حدثنا بَيانُ بنُ بِشْرٍ, عن قيسِ بن أبي حازمٍ, حدثنا جريرٌ, قال: خرج علينا رسولُ اللهِ – ﷺ – ليلةِ البدرِ, فقالَ: ((إنكم سَتَروْنَ رَبَّكُم يومَ القيامةِ, كما تَرَونَ هذا, لا تُضَامُون في رؤيتهِ)) . هذا حديث واحد, ذكره هنا من ثلاثة طرق إلى قيس بن أبي حازم, اقتصر على المقصود في الطريقين الأخيرين, وقد رواه في الصلاة, وفي التفسير. قوله: ((كنا جلوساً عند النبي – ﷺ – إذ نظر إلى القمر ليلة البدر)) هذا يدل على أنه – ﷺ – بدأهم بذلك, وسيأتي في حديث أبي هريرة, وأبي سعيد, أن الناس سألوه عن ذلك, فهي قضية أخرى. فهو – ﷺ – أخبرهم ابتداء بأنهم يرون ربهم يوم القيامة, ووقع من بعضهم السؤال, فأجابهم بأنهم يرونه. وليلة البدر: هي ليلة أربع عشرة, سميت ليلة البدر؛ لأن القمر يكمل فيها ويبدر, وإبداره: كماله وتمامه. قوله: ((إنكم سترون ربكم, كما ترون هذا القمر)) , هذا بيان بليغ, وتأكيد عجيب, فأكده بأن, وبالفعل المضارع المسبوق بالسين, وبقوله:

стр. 480

((كما ترون هذا القمر)) مع إشارته إليه, فليس بعد هذا البيان بيان, ولا مزيد على هذه التأكيدات, فمن حاول تأويل رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بعد ما سمع هذا البيان من رسول الله – ﷺ – فهو يجادل بالباطل ليدحض به الحق, قد اختار الباطل على الحق, وسوف يولّه الله ما تولى. وإذا دخلت السين على الفعل, صار وقوعه في المستقبل. ورؤية العباد لربهم – تعالى – لا تقع إلا في الآخرة, كما سيأتي, إن شاء الله تعالى. وفي ((صحيح مسلم)) عن النبي – ﷺ – قوله: ((أما إنكم سَتُعرَضون على ربكم فَتَرَونه)) (١) . ففي كلا اللفظين تأكيد بليغ منه – ﷺ – بأن المؤمنين يرون ربهم رؤية حقيقية بأبصارهم, مؤكدة كما سيأتي بيان ذلك, إن أراد الله تعالى. قوله: ((لا تضامون في رؤيته)) يروى بضم التاء وتخفيف الميم, والمعنى: لا ينالكم في رؤية ربكم ضيم, أي ظلم وهضم. ويروى بفتح التاء, وتشديد الميم, والمعنى: أنكم ترون ربكم رؤية واضحة, لا تحتاجون في رؤيته أن ينضم بعضكم إلى بعض لتتساعدوا على الرؤية, كما يقع عند رؤية الأمور الخفية. ويروى أيضا: ((تضارون)) بفتح التاء, وضمها, والمعنى: لا يضر بعضهم بعضاً في رؤية الله – تعالى -, فيراه بعضهم, ويحجب عن رؤيته آخرون منهم, بل يراه المؤمنون رؤية واضحة, كوضوح الشمس والقمر. قال الحافظ: ((تضارون بضم أوله, وبالضاد, وتشديد الراء, بصيغة

стр. 481

المفاعلة من الضرر, وأصله: تضاررون, بكسر الراء وفتحها, أي لا تضرون أحداً, ولا يضركم, بمنازعة ولا مضايقة. وجاء – أيضا – بتخفيف الراء, من الضير, وهي لغة في الضر, أي لا يخالف بعض بعضاً, فيكذبه وينازعه, فيضيره بذلك, يقال: ضاره, يضيره. وقيل: المعنى: لا يحجب بعضكم بعضاً عن الرؤية, فيضر به)) (١) . والمقصود من هذا كله أنهم يرون ربهم, رؤية واضحة, لا يلحقها نقص وليس فيها خفاء, ولا يحتاجون معاونة عليها. قوله: ((فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس, وصلاة قبل غروبها, فافعلوا)) تعقيب الخبر عن رؤيتهم لربهم بالفاء المقترنة بالحث على فعل الصلاة المذكورة, يدل على أن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب حصول الرؤية. وعلق ذلك بالاستطاعة؛ لأنها مناط التكليف, فالله – تعالى – لا يكلف إلا بالمستطاع, كما تدل لذلك النصوص من الكتاب والسُّنَّة. ولهذا قال: ((فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس, وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا)) . والمقصود بالصلاة قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر, والصلاة قبل غروبها: صلاة العصر. وقد جاءت أحاديث عن رسول الله – ﷺ – بالحض على زيادة الاعتناء بهاتين الصلاتين.

стр. 482

ففي ((الصحيحين)) عن أبي موسى الأشعري, أن رسول الله – ﷺ – قال: ((من صلى البردين دخل الجنة)) . وفي ((صحيح مسلم)) عن عمارة بن رؤيبة, عن أبيه, قال: قال رسول الله – ﷺ : ((لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس, وقبل غروبها – يعني صلاة الفجر والعصر -)) (١) . وفي ذلك أحاديث كثيرة: وقد قال الله – تعالى -: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٤) . قوله: ((إنكم سترون ربكم عياناً)) هذا اللفظ من أبلغ النصوص في إثبات الرؤية, فقد أكد رؤية المؤمنين لربهم عدة تأكيدات, كما سبق في الطريق الأولى, غير أنه هنا قال: ((عياناً)) وهو لا يحتمل أي تأويل. ومعنى عياناً: معاينة مقابلين له – تعالى – ينظرون إليه بأعينهم, وفي هذا أبلغ الرد على منكري الرؤية الحقيقية, كما فيه الرد على المتطرفين من الصوفية الذين يزعمون بأنهم يرون الله في الدنيا؛ لأنه قال: ((سترون ربكم)) وهذا

стр. 483

يكون في المستقبل وفي الرواية الأخرى قيد الرؤية بيوم القيامة, وفي ((صحيح مسلم)) : ((وتعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)) (١) والواقع أن هؤلاء الأدعياء يرون آلهتهم من الشياطين الذين أضلوهم. قال الأزهري: ((رأيت فلاناً عياناً, أي: مواجهة)) (٢) . وهذا التفسير لقوله: ((سترون ربكم عياناً)) متفق عليه عند أهل الأثر, وأهل اللغة, وهو من الأمور الواضحة, ولكن لما جاء أهل البدع والتحريف احتيج في ذلك إلى ذكر أقوال العلماء, وسيأتي لذلك مزيد بيان, إن شاء الله تعالى. قوله: ((إنكم سترون ربكم يوم القيامة, كما ترون هذا, لا تضامون في رؤيته)) قيد الرؤية بيوم القيامة, لئلا يتوهم أحد أنه يرى ربه قبل يوم القيامة. وقوله: ((كما ترون هذا)) الإشارة إلى القمر تلك الليلة التي هي ليلة البدر والقمر فيها أتم ما يكون, وأوضح ما يكون, فشبه الرسول – ﷺ – رؤية المؤمنين لربهم – تعالى – برؤيتهم القمر تلك الليلة في تمامه واستوائه, ووضوحه, والمعنى: أنكم ترون ربكم يوم القيامة رؤية واضحة جلية, لا لبس فيها, ولا خفاء, كما ترون القمر وقت تمامه وكماله ليلة أربع عشرة من الشهر, ليس بينكم وبينه حائل ولا قتر. وهذا غاية البيان والإيضاح في أن المؤمنين يرون الله – تعالى – يوم القيامة, ومع هذا يأبى من غلبت شقوته وضلاله الإيمان بذلك، ويحاول تحريف النصوص الواضحة, لتتفق مع مذهبه الفاسد. ٦٥ – قالَ: حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ, حدثنا إبراهيمُ بنُ

стр. 484

سعدِ, عن ابنِ شهابٍ, عن عطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ, عن أبي هريرةَ, أنَّ الناسَ قالوا: يا رسولَ اللهِ, هل نَرى ربنا يومَ القيامةِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((هل تضارونَ في القمرِ ليلةَ البدرِ؟)) . قالوا: لا يا رسولَ اللهِ, قالَ: ((فهل تضارونَ في الشمسِ ليسَ دونها سحابٌ؟)) . قالوا: لا يا رسولَ اللهِ, قال: ((فإنَّكم ترونَهُ كذلكَ, يجْمَعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامِة, فيقولُ: مَنْ كانَ يعبدُ شيئاً فليتَّبِعْهُ, فَيَتَّبِعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الشمسَ الشمسَ, ويَتَّبِعُ مَنْ كانَ يعبدُ القمرَ القمرَ, ويتبعُ منْ كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ, وتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ, فيها شافِعُوها – أو مُنَافِقُوها – شكَّ إبراهيمُ فيأتِيهُمُ اللهُ فيقولُ: أنا ربكم, فيقولونَ: هذا مكانُنا حتّى يأتِينَا ربُّنا, فإذا جاءَ ربُّنا عَرَفْناهُ, فيأتِيهُمُ اللهُ في صُورَتِهِ التي يعرفُونَ, فيقول: أنا ربكم, فيقولونَ: أنتَ رَبُّنا, فَيَتَّبعُونَهُ, ويُضْرَبُ الصراطُ بين ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ, فأكُونُ أنا وأُمَّتي أوَّل مَنْ يجيزُها. ولا يتكلمُ يومئذٍ إلا الرسلُ, ودعوى الرسلِ يومئذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وفي جهنمَ كلاليبٌ مثلُ شَوْكِ السَّعْدانِ, هل رَأيْتُمُ السَّعدانَ؟)) قالوا: نَعَمْ يا رسولَ اللهِ, قال: ((فإنها مثلُ شوكِ السعدانِ, غيرَ أنّه لا يَعْلَمُ ما قَدْرُ عِظَمِها إلا اللهُ, تَخْطَفُ الناسَ بأعمالهم, فمنهم المُوبَقُ, بَقِيَ بعَمَلِهِِ, أو الموثَقُ بعَمَلِهِ, ومنهمُ المُخَرْدَلُ, أو المُجازَى – أو نحوه -.

стр. 485

ثم يتجلّى, حتى إذا فرغَ اللهُ مِنَ القضاءِ بينَ العِبادِ, وأرادَ أنْ يُخْرِجَ برحمتِهِ مَنْ أرادَ مَنْ أهل النارِ, أمرَ الملائكةَ أنْ يُخرجوا مِنَ النارِ مَنْ كان لا يُشركُ بالله شيئاً, ممن أرادَ اللهُ أنْ يرحمَهُ, ممن يشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ, فيعرفونهم في النارِ بأثرِ السجودِ, تأكلُ النارُ ابنَ آدمَ إلا أثَرَ السجودِ, حَرَّم اللهُ على النارِ أن تأكلَ أثرَ السجودِ, فيخرجونَ من النارِ قد امْتُحِشُوا, فَيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ, فينبتونَ تحتَهُ, كما تنبتُ الحبةُ في حميلِ السيلِ, ثم يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القضاءِ بينَ العبادِ, ويبقى رَجُلٌ مقبلٌ بوجههِ على النارِ, هو آخرُ أهلِ النارِ دُخُولاً الجنةَ. فيقولُ: أيُ ربِّ, اصْرِفْ وَجْهي عَنِ النارِ, قَدْ قَشَبَني ريحُها, وأحْرَقنيِ ذكاؤُها, فيدعو الله بما شاءَ أنْ يدعُوه, ثم يقول اللهُ: هل عَسَيْتَ إن أعْطَيْتُكَ ذلك أن تَسْألني غيرَه. فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ لا أسألكَ غيرَه, ويعطي رَبَّهُ منْ عهودِ ومواثيقَ ما شاءَ, فيصرف وجهَهُ عن النارِ, فإذا أقبلَ على الجنةِ ورآها سكتَ ما شاءَ اللهُ أنْ يسكتَ, ثم يقولُ: أيْ رَبِّ, قدِّمني إلى بابِ الجنةِ, فيقولُ اللهُ: ألستَ قد أعطيتَ عهودَك ومواثيقَكَ أنْ لا تسألَني غيرَ الذي أُعطِيتَ أبداً؟ ويلكَ يا ابن آدمَ, ما أغْدَرَكَ. فيقول: أيْ رَبِّ, ويدعو الله, حتى يقولَ: هل عسيتَ إنْ أُعطيتَ ذلك أن تسألَ غيرَهُ؟ فيقول: لا وعزتكَ, لا أسألكُ غيرَهُ, ويُعطي ما شاءَ مِنْ عهودٍ ومواثيقَ, فيقدَّمه إلى بابِ الجنةِ. فإذا قامَ إلى بابِ الجنةِ انْفَهَقَتْ له الجنةُ, فرأى ما فيها من الحَبْرَةِ,

стр. 486

والسرورِ, فيسكتُ ما شاءَ اللهُ أنْ يسكتَ. ثم يقولُ: أيْ رَبِّ, أدْخِلْني الجنةَ, فيقولُ اللهُ: ألستَ قد أعطيتَ عهودَكَ ومواثيقَكَ أنْ لا تسألَ غيرَ ما أُعطيتَ؟ فيقول: ويلكَ يا ابنَ آدمَ, ما أغدركَ. فيقول: أيْ رَبِّ, لا أكُونَنَّ أشْقَى خَلْقِكَ, فلا يزالُ يدعُو حتى يضحكَ اللهُ مِنْهُ, فإذا ضحكَ مِنْهُ, قالَ له: ادْخُلِ الجنةَ, فإذا دَخَلَها, قالَ اللهُ له: تَمَنَّهْ. فسألَ رَبَّهُ وتمنّى, حتى إنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ, يقولُ: كَذا وكَذا, حتى إذا انقطعتْ بهِ الأمانيُّ, قالَ اللهُ: ذلكَ لَكَ, ومِثْلُهُ مَعَهُ)) . قال عَطَاءُ بنُ يزيدَ: وأبو سعيدٍ لخُدْرِيُّ مع أبي هريرةَ, لا يَرُدُّ عليهِ مِنْ حديثِهِ شيئاً, حتى إذا حَدَّثَ أبو هريرةَ أنَّ اللهَ – ﵎ – قالَ: ذلك لكَ, ومِثلُهُ مَعَهُ, قال أبو سعيد الخدريُّ: وَعَشَرَةُ أمثَالِهِ مَعَهُ, يا أبا هريرةَ. قال أبو هريرةَ: ما حفظتُ إلا قولَهُ: ذلك لك, ومثلُهُ معهُ. قال أبو سعيد الخدريُّ: أشْهَدُ أني حفظتُ مِنْ رسولِ اللهِ – ﷺ – قَوْلَهُ: ذلكَ لكَ, وعشرةُ أمثالِهِ. قال أبو هريرة: فذلكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهلِ الجنةِ دُخُولاً الجنة)) . قوله: إن الناس قالوا: هل نرى ربنا يوم القيامة؟)) , هذا السؤال تكرر من الصحابة في مجالس متعددة, كما تدل على ذلك الأحاديث, وسبب ذلك الدافع الإيماني, والاشتياق من المؤمنين صادقي

стр. 487

الإيمان, إلى رؤية ربهم, ﵎. وقد أجابهم رسول الله ﷺ جواباً شافياً, وواضحاً غاية الوضوح, حتى لو تكلف أحد أن يوضحه أكثر من إيضاح الرسول – ﷺ – له ما استطاع. فلذلك صار من لم يقبل ذلك تاركاً للحق عناداً وقصداً, والله يوليه ما تولى. ولذلك قال: ((هل تضارون في القمر ليلة البدر)) أي: هل يضر بعضكم بعضاً في مشاهدة القمر, في أتم ما يكون, وأكمل ما يكون, وهذا أمر واضح جداً. ولهذا قالوا: لا. ثم قال ﷺ ((فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)) أي: لم يحل دونها حجاب, مع صحة أبصاركم, قالوا: لا يا رسول الله, قال: ((فإنكم ترونه كذلك)) أي: أنكم ترون ربكم, رؤية واضحة, كرؤيتكم للقمر ليلة أربع عشرة, وكوضوح الشمس طالعة ليس دونها ما يحول بينكم وبينها. فأي وضوح أوضح وأجلى من ذلك؟ قوله: ((يجمع الله الناس يوم القيامة)) أي أنه: - تعالى - يبعثهم من قبورهم أحياء, ثم يجمعهم جميعاً في مكان واحد, من أولهم – الذي هو أبوهم آدم ﵇ – إلى آخر مولود منهم, ثم يقفون في ذلك المكان, وقوفاً طويلاً جداً, ينتظرون ربهم يأتيهم فيقضي بينهم, قال الله – تعالى -: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) , فيأتيهم – تعالى – ((فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه)) يعني من كان في الدنيا يعبد شيئاً غير الله فإنه يمثل له, أو يؤتى بذلك المعبود

стр. 488

نفسه – إن لم يكن ممن يطيع الله – كهيئته في الدنيا, سواء كان ذلك المعبود رجلاً, أو صنماً, أو مالاً, أو شهوة, أو غير ذلك, ثم يؤمر بتلك المعبودات إلى النار ((فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس, ويتبع من كان يعبد القمر القمر, ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت)) الطواغيت هي: كل معبود من دون الله, وتطلق على الأصنام, والأوثان, والقبور, التي يتجه إليها بالعبادة, قال الأزهري: ((قال أبو إسحاق: كل معبود من دون الله: جبت وطاغوت. وقيل: الجبت والطاغوت: الكهنة والشياطين. وفي بعض التفسير: الجبت والطاغوت: حيي بن أخطب, وكعب بن الأشرف, اليهوديان, وهذا غير خارج مما قال أهل اللغة؛ لأنهم إذا اتبعوا أمرهما فقد أطاعوهما من دون الله)) (١) . وقال ابن القيم: ((الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود, أو متبوع, أو مطاع, فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله – تعالى – ورسوله – ﷺ أو يعبدونه, من دون الله, أو يتبعونه على غير بصيرة من الله, أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله, فهذه طواغيت العالم, إذا تأملتها, وتأملت أحوال الناس, رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت, وعن التحاكم إلى الله, وإلى الرسول, إلى التحاكم إلى الطاغوت, وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته)) (٢) . قلت: أكثر الخلق اليوم واقعون فيما ذكره ابن القيم, فهم يعبدون

стр. 489

الطواغيت من الأحياء والأموات ويتحاكمون إليها, ويدينون لها بالولاء والطاعة, ويجعلون السيادة للقانون الذي هو طاغوت يحكمونه من دون الله ويستخفون بشرع الله وحكمه, مع تيسر الوصول إليه, ولكنهم لا يريدون حكم الله, وإنما يريدون حكم الجاهلية, وقد قال الله – تعالى -: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (١) . قوله: ((تبقى هذه الأمة فيها شافعوها – أو منافقوها – شك إبراهيم)) قال ابن أبي جمرة: ((يحتمل أن يكون المراد بالأمة: أمة محمد – ﷺ ، يحتمل أن يدخل فيه جميع أهل التوحيد, حتى من الجن, ويدل عليه ما في بقية الحديث: ((ممن كان يعبد الله من بر وفاجر)) (٢) . قال الحافظ: ((ويدل له أيضاً قوله: ((فأكون أول من يجيز)) فإن فيه إشارة إلى أن الأنبياء يجيزون أممهم بعده)) (٣) . وفي رواية أبي سعيد: ((حتى يبقى من يعبد الله من بر وفاجر)) كما سيأتي. قوله: ((فيها شافعوها – أو منافقوها -)) هذه رواية إبراهيم بن سعد. قال الحافظ: ((والمعتمد: رواية ((منافقوها)) كما هي رواية الأكثر)) (٤) . ويأتي في رواية أبي سعيد: ((حتى يبقى من كان يعبد الله, من بر وفاجر, وغبرات من أهل الكتاب)) وفي رواية مسلم: ((وغبر)) وكلاهما: جمع غابر, والغبرات: جمع غبر, وغبر: جمع غابر, ويجمع أيضا على أغبار, والمراد البقية,

стр. 490

أي بقايا قليلة من اليهود والنصارى, الذين كانوا يعبدون الله – تعالى – وحده, أما معظمهم, فقد ذهب بهم إلى جهنم, عندما قال الله: ((ليتبع كل عابد ما كان يعبده)) . وفي قصة لوط – ﷺ – قول الله – تعالى -: ﴿إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِين َ﴾ (١) . والمراد: أن كل من يعبد – غير الله تعالى – يحضر له معبوده الذي كان يعبده في الدنيا أو يمثل له, فيقال: اتبعه, ويذهب به إلى النار, ويبقى الذين لا يعبدون إلا الله من المؤمنين الصادقين, والمنافقين. قوله: ((فيأتيهم الله)) هذا من أوصاف الله وأفعاله التي يفعلها إذا شاء, وهي مما يجب الإيمان به على ظاهر النص, كما هي طريقة سلف هذه الأمة الذين تلقوا ذلك عن الله ورسوله بالقبول, والتسليم, ومعلوم أن رسول الله – ﷺ – أغير على الله, وأعظم تعظيماً له, وأعلم به وبما يجب له, وما يمتنع عليه, من أهل التأويل الذين يزعمون أنهم ينزهون الله عن أوصاف المحدثين, كما يقولون, ولهذا تجدهم يجهدون أنفسهم في تحريف كلام الله – تعالى – وكلام رسوله – ﷺ – زاعمين أنه لو أُجري على ظاهره لأفاد التشبيه والتجسيم, فلذلك جعلوا تأويله واجباً. والواقع أن ما يسمونه من ذلك تأويلاً هو تحريف وإلحاد, كما أشرنا إليه فيما سبق. وفي هذه الجملة من الحديث, وهي قوله: ((فيأتيهم الله, فيقول: أنا ربكم، فيقولون: ((هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه)) شاهد للباب, لأن ظاهره أنهم يرونه, غير أنهم في هذه المرة لم يعرفوه؛

стр. 491

لأنه تعالى لم يظهر لهم بأوصافه التي يعرفونه بها, وقد جاء في رواية أبي سعيد الآتية: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) ولهذا قالوا: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه)) . قوله: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا, فيتبعونه)) وهذه الجملة أيضاً هي المرادة من سياق الحديث في الباب؛ لأن فيها دلالة واضحة على رؤية المؤمنين ربهم في ذلك الموقف, وسيأتي بحث ذلك والرد على شبه النفاة, إن شاء الله تعالى. وفي هذه الجملة من الحديث, والتي قبلها, كثر اضطراب شراح الحديث, وتخبطوا كثيراً؛ لأنهم على عقيدة الأشاعرة, وسأذكر بعض أقوالهم في ذلك؛ للعبرة, ثم أذكر ما يبين بطلانها, مستعيناً بالله تعالى. ثم إنه يجب على كل مسلم أن يعلم بأن الله تعالى – قد أكمل لهذه الأمة دينها, وبينه بياناً لا يحتاج معه إلى استدراك أحد من الناس, وسيأتي دليل ذلك, ورسول الله – ﷺ – قد أقام الحجة وأوضح المحجة, فيجب على المسلم أن يؤمن بأنه أكمل الخلق هداية, وأنه بلغ عن الله ما أمره الله بتبليغه, وأنه أفصح الناس, وأقدرهم على بيان مراده, وأنه أنصح الخلق لأمته وأحرصهم على هدايتهم, وهو أعظم الناس خوفاً من الله, وتعظيماً له, وهو أعلم الناس بالله, وبما يجب له - تعالى - وما يمتنع عليه. فلابد أن يبين لأمته ما يجب عليهم أن يعتقدوه في ربهم, بياناً لا لبس فيه, ولا غموض, فلا يحتاجون معه إلى بيان غيره, وإلا لا يكون بلغ البلاغ المبين, قال الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) , وقد سأل الناس: هل بلغ رسالة

стр. 492

ربه؟ فشهدوا له بأنه بلغ البلاغ المبين. وأخبر – صلوات الله وسلامه عليه – أنه ترك أمته على البيضاء, ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها إلا هالك (١) . ولا يعقل أنه يبين لأمته آداب الأكل والشرب والنوم, ودخول المنزل والخروج منه, وركوب الدابة, ولبس النعل والثوب, وقضاء الحاجة, وغير ذلك مما لو تركه المسلم لم يأثم على تركه, ثم يترك معرفة الله, وما يجب أن يعتقد ويثبت له - تعالى -, وما يجب أن ينفى عنه مجهولاً, أو ملتبساً حقه بباطله. إن من يترك التعصب ويتخلص من التقليد الأعمى, وينظر بعقل وإنصاف, فلابد أن يقتنع بأن الذي قاله الرسول – ﷺ – وبلغه هو الحق. ثم صحابة الرسول – ﷺ – الذين تلقوا العلم والإيمان منه لابد أن تكون هدايتهم أتم وأكمل ممن جاء بعدهم, لا يخالف في هذا إلا ضال أو مضلل تائه, لا يعرف الإسلام. ولم يأت عنهم – رضوان الله عليهم – كما لم يأت عن الرسول – ﷺ – ما يشير, ولو إشارة, إلى أن ظاهر النصوص التي فيها أوصاف الله – تعالى – أنه لا يجوز اعتقاد ما دلت عليه ظاهراً, أو أنه ينبغي تأويلها. قال الله -تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دينًا﴾ (٢) . وقال – تعالى -: ﴿ِ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ

стр. 493

يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال – تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) , وقال – تعالى -: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) وقال – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (٤) . ولا يشك مسلم بأن الرسول – ﷺ – قد امتثل أمر ربه, فبلغ البلاغ المبين, حتى ترك أمته على المحجة البيضاء, ليلها كنهارها, لا لبس فيها, ولا غموض. وأعظم ذلك باب معرفة الله - تعالى – بأسمائه وصفاته. وبهذا يتبين أن قول أهل التأويل باطل قطعاً, وأن الحق فيما قاله الله – تعالى – عن نفسه, وما قاله رسوله – ﷺ – وأن ظاهر قول الله – تعالى – وقول رسوله – ﷺ – حق وهدى. ولكن يجب أن يفهم مراد الله – تعالى – في خطابه لعباده, ومراد رسوله – ﷺ , من غير تقصير, ولا غلو. وإن من الخذلان أن ينصرف العبد عما تعرف الله به إلى عباده, من أسمائه وأوصافه, ويعتقد أنها تدل على خلاف الحق, وأن الحق والهدى في كلام أهل الجدل والفلسفة, الذين يعتمدون على آرائهم, وعقولهم, فيما يجب لله, وما يمتنع عليه, مع أنهم لم يجنوا من ذلك إلا الحيرة والشك, فإذا حضرهم الموت, أقروا على أنفسهم بأنهم لم يعلموا شيئاً. قال شيخ الإسلام: ((بلغني بإسناد متصل, عن بعض رؤوسهم, وهو الخونجي,

стр. 494

وهو عند كثير منهم, غاية في هذا الفن (١) ، أنه قال عند الموت: ((أموت, وما علمت شيئاً, إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب, ثم قال: الافتقار: وصف عدمي, أموت وما علمت شيئاً. قال: وذكر الثقة, عن الآمدي أنه قال: ((أمعنت النظر في الكلام, وما استفدت منه شيئاً إلا ما عليه العوام)) . وقال الأصبهاني للشيخ إبراهيم الجعبري: ((بت البارحة أفكر إلى الصباح, في دليل على التوحيد سالم عن المعارض, فما وجدته)) (٢) . وحدثني من قرأ على ابن واصل الحموي, أنه قال: ((أبيت بالليل, وأستلقي على ظهري, وأضع الملحفة على وجهي, وأبيت أقابل أدلة هؤلاء, بأدلة هؤلاء, وبالعكس, وأصبح وما ترجح عندي شيء)) كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة)) (٣) ولهذا وأمثاله قال الشافعي: ((لئن يبتلى العبد بكل ذنب نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام)) . بعض أقوال شراح الحديث: قال الحافظ ابن حجر – ﵀: ((نسبة الإتيان إلى الله, عبارة عن رؤيتهم إياه, وقيل: الإتيان: فعل من أفعال الله (٤) يجب الإيمان به مع تنزيه الله عن سمات الحدوث.

стр. 495

وقيل: فيه حذف, تقديره: يأتيهم بعض ملائكته, ورجحه عياض, ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها؛ لما رأوا فيها من سمة الحدوث. ويحتمل وجهاً رابعاً: وهو أن المعنى: يأتيهم الله بصورة – أي بصفة - تظهر لهم, من الصور المخلوقة, التي لا تشبه صفة الإله, ليختبرهم بذلك, فإذا قال لهم هذا الملك: أنا ربكم, رأوا عليه من علامة المخلوقين ما يعلمون به أنه ليس ربهم)) (١) وقال الرازي: ((الكلام على هذا الحديث من وجوه: الأول: أن تكون ((في)) بمعنى الباء, والتقدير: فيأتيهم الله بصورة, غير الصورة التي عرفوها في الدنيا, وذلك بأن يريهم ملكاً من الملائكة, ونظيره قول ابن عباس في قوله – تعالى -: ﴿هَل يَنظُرُونَ إَّلا أَن يَأتِتَهُمُ اللهُ فيِ ظُلَلِ مّنَ الغَمَامِ﴾ . أي: بظلل من الغمام. ثم إن تلك الصورة تقول: أنا ربكم, وكأن ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة. أما قولهم: ((إذا جاء ربنا عرفناه)) فيحمل على أن يكون المراد: فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه. وقوله: ((فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها)) فمعناه: فيأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان. الثاني: أن يكون المراد من الصورة: الصفة, والمعنى: أن يظهر لهم من بطش الله, وشدة بأسه, ما لم يألفوه, ولم يعتادوه من معاملة الله – تعالى – معهم, ثم يأتيهم بعد ذلك بأنواع الرحمة والكرامة, على الوجه الذي اعتادوه
следующие страницы →