← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لأنه تعالى لم يظهر لهم بأوصافه التي يعرفونه بها, وقد جاء في رواية أبي سعيد الآتية: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) ولهذا قالوا: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه)) . قوله: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا, فيتبعونه)) وهذه الجملة أيضاً هي المرادة من سياق الحديث في الباب؛ لأن فيها دلالة واضحة على رؤية المؤمنين ربهم في ذلك الموقف, وسيأتي بحث ذلك والرد على شبه النفاة, إن شاء الله تعالى. وفي هذه الجملة من الحديث, والتي قبلها, كثر اضطراب شراح الحديث, وتخبطوا كثيراً؛ لأنهم على عقيدة الأشاعرة, وسأذكر بعض أقوالهم في ذلك؛ للعبرة, ثم أذكر ما يبين بطلانها, مستعيناً بالله تعالى. ثم إنه يجب على كل مسلم أن يعلم بأن الله تعالى – قد أكمل لهذه الأمة دينها, وبينه بياناً لا يحتاج معه إلى استدراك أحد من الناس, وسيأتي دليل ذلك, ورسول الله – ﷺ – قد أقام الحجة وأوضح المحجة, فيجب على المسلم أن يؤمن بأنه أكمل الخلق هداية, وأنه بلغ عن الله ما أمره الله بتبليغه, وأنه أفصح الناس, وأقدرهم على بيان مراده, وأنه أنصح الخلق لأمته وأحرصهم على هدايتهم, وهو أعظم الناس خوفاً من الله, وتعظيماً له, وهو أعلم الناس بالله, وبما يجب له - تعالى - وما يمتنع عليه. فلابد أن يبين لأمته ما يجب عليهم أن يعتقدوه في ربهم, بياناً لا لبس فيه, ولا غموض, فلا يحتاجون معه إلى بيان غيره, وإلا لا يكون بلغ البلاغ المبين, قال الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) , وقد سأل الناس: هل بلغ رسالة

стр. 492

ربه؟ فشهدوا له بأنه بلغ البلاغ المبين. وأخبر – صلوات الله وسلامه عليه – أنه ترك أمته على البيضاء, ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها إلا هالك (١) . ولا يعقل أنه يبين لأمته آداب الأكل والشرب والنوم, ودخول المنزل والخروج منه, وركوب الدابة, ولبس النعل والثوب, وقضاء الحاجة, وغير ذلك مما لو تركه المسلم لم يأثم على تركه, ثم يترك معرفة الله, وما يجب أن يعتقد ويثبت له - تعالى -, وما يجب أن ينفى عنه مجهولاً, أو ملتبساً حقه بباطله. إن من يترك التعصب ويتخلص من التقليد الأعمى, وينظر بعقل وإنصاف, فلابد أن يقتنع بأن الذي قاله الرسول – ﷺ – وبلغه هو الحق. ثم صحابة الرسول – ﷺ – الذين تلقوا العلم والإيمان منه لابد أن تكون هدايتهم أتم وأكمل ممن جاء بعدهم, لا يخالف في هذا إلا ضال أو مضلل تائه, لا يعرف الإسلام. ولم يأت عنهم – رضوان الله عليهم – كما لم يأت عن الرسول – ﷺ – ما يشير, ولو إشارة, إلى أن ظاهر النصوص التي فيها أوصاف الله – تعالى – أنه لا يجوز اعتقاد ما دلت عليه ظاهراً, أو أنه ينبغي تأويلها. قال الله -تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دينًا﴾ (٢) . وقال – تعالى -: ﴿ِ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ

стр. 493

يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال – تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) , وقال – تعالى -: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) وقال – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (٤) . ولا يشك مسلم بأن الرسول – ﷺ – قد امتثل أمر ربه, فبلغ البلاغ المبين, حتى ترك أمته على المحجة البيضاء, ليلها كنهارها, لا لبس فيها, ولا غموض. وأعظم ذلك باب معرفة الله - تعالى – بأسمائه وصفاته. وبهذا يتبين أن قول أهل التأويل باطل قطعاً, وأن الحق فيما قاله الله – تعالى – عن نفسه, وما قاله رسوله – ﷺ – وأن ظاهر قول الله – تعالى – وقول رسوله – ﷺ – حق وهدى. ولكن يجب أن يفهم مراد الله – تعالى – في خطابه لعباده, ومراد رسوله – ﷺ , من غير تقصير, ولا غلو. وإن من الخذلان أن ينصرف العبد عما تعرف الله به إلى عباده, من أسمائه وأوصافه, ويعتقد أنها تدل على خلاف الحق, وأن الحق والهدى في كلام أهل الجدل والفلسفة, الذين يعتمدون على آرائهم, وعقولهم, فيما يجب لله, وما يمتنع عليه, مع أنهم لم يجنوا من ذلك إلا الحيرة والشك, فإذا حضرهم الموت, أقروا على أنفسهم بأنهم لم يعلموا شيئاً. قال شيخ الإسلام: ((بلغني بإسناد متصل, عن بعض رؤوسهم, وهو الخونجي,

стр. 494

وهو عند كثير منهم, غاية في هذا الفن (١) ، أنه قال عند الموت: ((أموت, وما علمت شيئاً, إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب, ثم قال: الافتقار: وصف عدمي, أموت وما علمت شيئاً. قال: وذكر الثقة, عن الآمدي أنه قال: ((أمعنت النظر في الكلام, وما استفدت منه شيئاً إلا ما عليه العوام)) . وقال الأصبهاني للشيخ إبراهيم الجعبري: ((بت البارحة أفكر إلى الصباح, في دليل على التوحيد سالم عن المعارض, فما وجدته)) (٢) . وحدثني من قرأ على ابن واصل الحموي, أنه قال: ((أبيت بالليل, وأستلقي على ظهري, وأضع الملحفة على وجهي, وأبيت أقابل أدلة هؤلاء, بأدلة هؤلاء, وبالعكس, وأصبح وما ترجح عندي شيء)) كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة)) (٣) ولهذا وأمثاله قال الشافعي: ((لئن يبتلى العبد بكل ذنب نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام)) . بعض أقوال شراح الحديث: قال الحافظ ابن حجر – ﵀: ((نسبة الإتيان إلى الله, عبارة عن رؤيتهم إياه, وقيل: الإتيان: فعل من أفعال الله (٤) يجب الإيمان به مع تنزيه الله عن سمات الحدوث.

стр. 495

وقيل: فيه حذف, تقديره: يأتيهم بعض ملائكته, ورجحه عياض, ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها؛ لما رأوا فيها من سمة الحدوث. ويحتمل وجهاً رابعاً: وهو أن المعنى: يأتيهم الله بصورة – أي بصفة - تظهر لهم, من الصور المخلوقة, التي لا تشبه صفة الإله, ليختبرهم بذلك, فإذا قال لهم هذا الملك: أنا ربكم, رأوا عليه من علامة المخلوقين ما يعلمون به أنه ليس ربهم)) (١) وقال الرازي: ((الكلام على هذا الحديث من وجوه: الأول: أن تكون ((في)) بمعنى الباء, والتقدير: فيأتيهم الله بصورة, غير الصورة التي عرفوها في الدنيا, وذلك بأن يريهم ملكاً من الملائكة, ونظيره قول ابن عباس في قوله – تعالى -: ﴿هَل يَنظُرُونَ إَّلا أَن يَأتِتَهُمُ اللهُ فيِ ظُلَلِ مّنَ الغَمَامِ﴾ . أي: بظلل من الغمام. ثم إن تلك الصورة تقول: أنا ربكم, وكأن ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة. أما قولهم: ((إذا جاء ربنا عرفناه)) فيحمل على أن يكون المراد: فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه. وقوله: ((فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها)) فمعناه: فيأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان. الثاني: أن يكون المراد من الصورة: الصفة, والمعنى: أن يظهر لهم من بطش الله, وشدة بأسه, ما لم يألفوه, ولم يعتادوه من معاملة الله – تعالى – معهم, ثم يأتيهم بعد ذلك بأنواع الرحمة والكرامة, على الوجه الذي اعتادوه

стр. 496

وألفوه)) (١) . وقال الخطابي: ((الذي يجب على كل مسلم أن يعلم أن ربنا ليس بذي صورة, ولا هيئة, فإن الصورة تقتضي الكيفية, وهي عن الله وعن صفاته منفية, وقد يتأول معناها على وجهين: أحدهما: أن تكون الصورة بمعنى الصفة, كقول القائل: صورة هذا الأمر كذا وكذا, يريد صفته, فوضع الصورة موضع الصفة. والثاني: أن المذكور من المعبودات في أول الحديث إنما هو صور وأجسام, كالشمس والقمر, والطواغيت, ونحوها, ثم لما عطف عليها ذكر الله – سبحانه – خرج الكلام فيه على نوع من المطابقة, فقيل: يأتيهم الله في صورة كذا)) (٢) . وهذا كثير من كلام أهل التأويل ممن يتصدى لشرح الحديث, وغيرهم ممن يتكلم في العقائد, حتى لا تكاد تجد من تكلم على هذا الحديث بالصواب. لهذا سأجعل الكلام على هذه الجملة من الحديث في أربعة فصول: الأول: في ذكر ما تيسر من روايات الحديث. الثاني: في معنى الصورة في اللغة. الثالث: في تعيين المراد من الحديث. الرابع: في رد التأويل الباطل الذي يُؤول به الحديث, كما ذكرت أمثلة منها.

стр. 497

الفصل الأول في ذكر ما تيسر من روايات الحديث فحديث أبي هريرة هذا رواه البخاري في الصلاة, في باب فضل السجود, ولفظه: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها, فيأتيهم الله, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)) إلخ (١) . ورواه في ((الرقاق)) ولفظه: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها, فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك, هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا أتانا ربنا عرفناه, فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه)) ورواه في ((التوحيد)) : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله, حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب)) إلخ, وقد مضى ذكر لفظه. وأخرجه مسلم, ولفظه: ((وتبقى هذه الأمة, فيها منافقوها, فيأتيهم الله – ﵎ – في صورة غير صورته التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك, هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه, فيأتيهم الله – تعالى – في صورته التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا, فيتبعونه)) إلخ (٢) . وذكر الدارقطني له عدة ألفاظ بطرق عدة, في إحداها: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة, جاء الرب – – إلى المؤمنين, فوقف عليهم, والمؤمنون على كوم – قالوا لعقبة: وما الكوم؟ قال: المكان المرتفع – فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إن عرفنا نفسه عرفناه, فيقول لهم الثانية: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إن عرفنا نفسه عرفناه, قال: فيتجلى

стр. 498

لهم – – فيضحك في وجوههم فيخرون له سجداً)) (١) . وذكر روايات كثيرة كلها تتفق مع لفظ البخاري ومسلم, وفي بعض رواياته: ((فيأتيهم الله – – في غير صورته, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك, هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه, فيأتيهم الله – – في صورته التي يعرفون, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا)) إلخ (٢) . ورواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري, وسيأتي – إن شاء الله تعالى – ولفظ الشاهد منه: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا, فلا يكلمه إلا الأنبياء)) . ورواه في ((التفسير)) ولفظه: ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله, من بر وفاجر, أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها, فيقول: ماذا تنتظرون)) ولم يذكر بقيته (٣) . ورواه في ((الرقاق)) وفي ((الإيمان)) مختصراً جداً. ورواه مسلم مطولاً: ((حدثني سويد بن سعيد, قال: حدثني حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري: أن ناساً في زمن رسول الله – ﷺ – قالوا: يا رسول الله, هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله – ﷺ : ((نعم – قال– هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب؟)) قالوا: لا يا رسول الله, قال: ((ما تضارون

стр. 499

في رؤية الله – ﵎ – يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما, إذا كان يوم القيامة, أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد, فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله – سبحانه – من الأصنام والأنصاب, إلا يتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله, من بر وفاجر, وغُبَّرُ أهل الكتاب, فيدعى اليهود, فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيزاً ابن الله, فيقال: كذبتم, ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد, فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا, فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار, كأنها سراب, يحطم بعضها بعضاً, فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى, فقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله, فيقال لهم: كذبتم, ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد, فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا, قال: فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم, كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً, فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله, من بر وفاجر, أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها, قال: فماذا تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا, فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم, ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك, لا نشرك بالله شيئاً - مرتين أو ثلاثاً - حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية, فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم, فيكشف عن ساق, فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود, ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء, إلا جعل الله ظهره طبقة

стр. 500

واحدة, كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. ثم يرفعون رؤوسهم, وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة, فقال: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا)) (١) وذكر بقية الحديث. ورواه ابن أبي عاصم في ((السُّنَّة)) وفيه: ((فيبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر, ثم يتبدى الله لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة, فيقول: أيها الناس, لحقت كل أمة ما كانت تعبد, وبقيتم, فلا يكلمه يومئذ إلا الأنبياء: فارقنا الناس ونحن إلى صحبتهم أحوج, لحقت كل أمة ما كانت تعبد, ننتظر ربنا الذي كنا نعبد. فيقول: أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك, فيقول: هل بينكم وبين الله آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم, فيكشف عن ساق, فيخرون سجداً أجمعين، ولا يبقى أحد كان يسجد في الدنيا سمعة ولا رياء, ولا نفاقاً, إلا على ظهره (٢) طبق, كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. ثم يرفع برنا ومسيئنا, وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة, فيقول: أنا ربكم, فنقول: نعم)) (٣) . وفيه مع رواية مسلم التصريح بأنهم قد سبق أن رأوه مرة قبل هذه. وفي هذه المرة تنكر لهم في غير صورته التي تبدى لهم بها قبلها, وذلك للامتحان, ولهذا قالوا: نعوذ بالله منك, لا نشرك بالله شيئاً, هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا, فإذا جاء ربنا عرفناه, فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم, الساق, فيكشف عن ساقه, عند ذلك يعرفونه, فيخرون

стр. 501

له سجداً, فإذا رفعوا رؤوسهم من السجود، إذا هو قد عاد في صورته التي رأوه فيها أول مرة. وهذا الحديث كما يقول ابن فورك: ((يدخل في باب المستفيض الذي تلقاه أهل العلم بالقبول, ولم ينكره منهم منكر)) (١) وقد جاء ذكر الصورة في أحاديث أخرى, ثابتة لا مطعن فيها, كما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة, عن النبي – ﷺ , قال: ((خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا, فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس, فاستمع ما يحيونك, فإنها تحيتك وتحية ذريتك, فقال: السلام عليكم, فقالوا: السلام عليك ورحمة الله, فزادوه: ورحمة الله – فكل من يدخل الجنة على صورة آدم, فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) (٢) . وفيهما أيضاً من حديث أبي هريرة, عن النبي – ﷺ – قال: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه, فإن الله خلق آدم على صورته)) (٣) وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان, عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة, عن النبي – ﷺ : ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)) (٤) . وقال أيضاً: ((حدثنا يحيى, عن ابن عجلان, عن سعيد, عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه, ولا تقل: قبح الله وجهك, ووجه من أشبه وجهك, فإن الله – تعالى –

стр. 502

خلق آدم على صورته)) (١) , وفي رواية الدارقطني: ((فإن الله خلقه على صورته)) . حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا المثنى بن سعيد, وبهز, قالا: حدثنا همام, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن أبي هريرة, عن النبي – ﷺ – قال: ((إذا قاتل أحدكم, فليجتنب الوجه, قال ابن المهدي: فإن الله – تعالى – خلق آدم على صورته)) (٢) . قال: حدثنا سليمان بن داود, أخبرنا المثنى, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن أبي هريرة, أن النبي – ﷺ – قال: ((إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله – – خلق آدم على صورته)) (٣) . وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبو خيثمة, حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن عجلان, حدثنا سعيد, عن أبي هريرة, عن النبي – ﷺ – قال: ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه, ولا يقول قبح الله وجهك, ووجه من أشبه وجهك)) (٤) . وقال أيضاً: كتب إلى قتيبة بن سعيد, يذكر أن الليث حدثهم, عن ابن عجلان, عن سعيد المقبري, عن أبي هريرة, أن النبي – ﷺ – قال: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك, ووجه من أشبه وجهك, فإن الله خلق آدم على صورته)) (٥) ٠) .

стр. 503

وقال أيضاً: حدثني أبو معمر, حدثنا جرير, عن الأعمش, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عطاء, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله – ﷺ : ((لا تقبحوا الوجه, فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) (١) وقال: حدثني أبو بكر الصاغاني, حدثنا أبو الأسود, وهو النضر بن عبد الجبار, حدثنا ابن لهيعة, عن أبي يونس, عن أبي هريرة, عن رسول الله – ﷺ – قال: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه, فإن صورة الإنسان على وجه الرحمن)) (٢) . وقال ابن أبي عاصم: ((حدثنا محمد بن ثعلبة بن سواء, حدثني عمي محمد بن سواء عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن أبي رافع, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه, فإن الله – تعالى – خلق آدم على صورة وجهه)) (٣) هذا إسناد صحيح, وهو ظاهر في إبطال قول من جعل الضمير في قوله ((على صورته)) عائداً إلى آدم. وقال: حدثنا يوسف بن موسى, حدثنا جرير, عن الأعمش, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عطاء, عن ابن عمر, قال: قال رسول الله – ﷺ : ((لا تقبحوا الوجوه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)) (٤) . هذا حديث صحيح صححه الأئمة, الإمام أحمد, وإسحاق بن راهويه, وليس لمن ضعفه دليل إلا قول ابن خزيمة, وقد خالفه من هو أجل منه.

стр. 504

((قال شيخ الإسلام – ﵀: ((وأما تضعيف ابن خزيمة لحديث ابن عمر بأن الثوري أرسله, فخالف فيه الأعمش, وأن الأعمش وحبيباً مدلسان. فيقال: قد صححه إسحاق بن راهويه, وأحمد بن حنبل, وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس. وأيضاً فمن المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي – ﷺ – فلابد أن يكون قد سمعه من أحد (١) , فإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر, كان هذا بياناً وتفسيراً لما تركه وحذفه في الطريق الأخرى, ولم يكن هذا اختلافاً أصلاً)) (٢) ويأتي بقيته – إن شاء الله تعالى -. وقال ابن أبي عاصم أيضاً: ((حدثنا عمر بن الخطاب, حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا ابن لهيعة, عن أبي يونس – سليم بن جبير -, عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله – ﷺ : ((من قاتل فليجتنب الوجه, فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)) (٣) , وسنده أقل درجاته الحسن, فابن لهيعة رمي بسوء الحفظ, وهو في هذا لم يخالف غيره من الثقات, كما في الذي قبله. وقال الخلال: أخبرنا علي بن حرب الطائي, حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن ابن لهيعة, عن أبي يونس, والأعرج, عن أبي هريرة, عن النبي – ﷺ – قال: ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه, فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن ) (٤) .

стр. 505

وروى الإمام أحمد, والترمذي, وابن خزيمة, من حديث معاذ بن جبل قال: احتبس عنا رسول الله – ﷺ – ذات غداة, عن صلاة الصبح, حتى كدنا نترائى قرن الشمس, فخرج رسول الله – ﷺ – سريعاً, فثوب بالصلاة, فصلى, وتجوز فيها, فقال: ((إنما حبسني أني رأيت ربي – – في أحسن صورة)) (١) . وأخرج الدرامي, عن عبد الرحمن بن عائش, سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: ((رأيت ربي في أحسن صورة, فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أي رب, فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي, فعلمت ما في السماوات والأرض)) وذكر بقيته مطولاً)) (٢) . وأخرج الترمذي عن ابن عباس, أن النبي – ﷺ – قال: ((أتاني ربي في أحسن صورة, فقال: يا محمد, فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب – أعادها ثلاثاً – فرأيته وضع كفه بين كتفي, حتى وجدت برد أنامله بين صدري, فتجلى لي كل شيء وعرفت,

стр. 506

فقال: يا محمد, فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات)) (١) إلى آخره. وروي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة, منهم: أنس, وأبي أمامة, وعمران بن حصين, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, وثوبان مولى رسول الله – ﷺ , وغيرهم, ذكر أحاديثهم الدراقطني في ((الرؤية)) وغيره. *******

стр. 507

الفصل الثاني في معنى الصورة في اللغة ((وهو شكل الشيء, وحقيقته, وهيئته)) , وفي متن اللغة: ((الصورة: الشكل, والهيئة, والحقيقة)) (١) . قال في ((القاموس)) : ((الصورة, بالضم: الشكل, جمعها صور)) . وقال في ((شرحه)) : ((الصورة بالضم: الشكل, والهيئة, والحقيقة, والصفة)) (٢) . وقال الراغب: ((الصورة: ما ينتقش به الأعيان, ويتميز بها عن غيرها, وذلك ضربان: أحدهما: محسوس, يدركه الخاصة والعامة, بل يدركه الإنسان, وكثير من الحيوان, كصورة الإنسان, والفرس والحمار, بالمعاينة والرؤية. والثاني: معقول, يدركه الخاصة دون العامة, كالصورة التي اختص الإنسان بها, من العقل والرؤية, والمعاني التي خص بها. وإلى الصورتين أشار بقوله - تعالى -: ﴿فَأَحَسَنَ صُوَرَكُم﴾ , ﴿يُصَوِرُكُم فِي الأَرحَامِ﴾ , فالصورة المراد بها: ما خص الإنسان بها من الهيئة المدركة بالبصر, والبصيرة, وبها فضله على كثير من خلقه)) (٣) .

стр. 508

وقال ابن الأثير: ((الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها ,وعلى معنى حقيقة الشيء, وهيئته, وعلى معنى صفته)) (١) . وقال ابن فارس: ((الصورة جمعها صور, وهي هيئة خلقته)) (٢) . وبهذا يتبين أن الصورة في اللغة: هيئة الشيء القائم بنفسه, وشكله, وكل موجود غير مفتقر لغيره يكون قائماً بنفسه, تصح رؤيته ومشاهدته, يكون له صورة وحقيقة, والله – – أعظم موجود وأكبره, وهو مستغن بنفسه عن غيره, وهو القائم بنفسه, والقائم على كل شيء بما يصلحه, فهو – تعالى – حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم, ورؤيته تعالى جائزة في العقل في الدنيا؛ لأن كليم الله موسى سألها, ولا يسأل نبي الله إلا ما هو جائز, وواقعة في الآخرة للمؤمنين والمنافقين أيضاً في الموقف, كما نطقت بذلك الأحاديث. وأما في الجنة فلا يراه إلا المؤمنون, والمنافقون لا يدخلون الجنة. قال شيخ الإسلام: ((الصورة: هي الصورة الموجودة في الخارج, ولفظ ((صَ وَرَ)) يدل على ذلك, وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج, وما يكون من الوقائع يشتمل على أمور كثيرة لها صورة موجودة في الخارج, ثم تلك الصورة الموجودة ترتسم في النفس صورة ذهنية, فمثلاً صورة الواقعة, أو صورة المسألة, إما أن يراد بها الصورة الخارجية, أو الصورة الذهنية)) (٣) . وقد يقصد بالصورة: الوجه, كما في ((المسند)) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((ونهى أن تضرب الصور – يعني الوجه-)) (٤) .

стр. 509

وفيه أيضاً عن ابن عمر أنه كان يكره العلم في الصورة, أو قال: ((نهى رسول الله – ﷺ – عن ضرب الصور – يعني الوجه -) (١) . وقال شيخ الإسلام أيضاً: ((لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات, التي قد يسمى المخلوق بها, على وجه التقييد, وإذا أطلقت على الله اختصت به, مثل العليم, والقدير, والرحيم, والسميع, والبصير, ومثل خلقه بيديه, واستوائه على العرش, ونحو ذلك)) (٢) . وقال أيضاً: ((وكما أنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به, فلابد لكل قائم بنفسه من صورة يكون عليها, ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يكون عليها)) (٣) . وبهذا يتبين أن الصورة كالصفات الأخرى, فأي صفة ثبتت لله تعالى بالوحي, وجب إثباتها والإيمان بها.

стр. 510

الفصل الثالث في المعنى المراد من حديث الصورة إن من يتتبع روايات هذه الأحاديث يتبين له بوضوح المعنى المراد بها, وقد تقدم ما فيه الكفاية من ذكر الروايات, لمن كان قصده الحق. قال ابن قتيبة: ((الصورة ليست بأعجب من اليدين, والأصابع, والعين, وإنما وقع الإلف لتلك؛ لمجيئها في القرآن, ووقعت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن, ونحن نؤمن بالجميع, ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد)) (١) . قال شيخ الإسلام: ((وقد ذكر الخلال في ((السُّنَّة)) ما ذكره إسحاق بن منصور الكوسج عن أحمد, وإسحاق, أنه قال لأحمد: لا تقبحوا الوجه, فإن الله خلق آدم على صورته, أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح, وقال إسحاق: صحيح. وذكر عن يعقوب بن بختان, أن أبا عبد الله, أحمد بن حنبل, سئل عن حديث النبي ﷺ : ((خلق الله آدم على صورته؟)) قال: الأعمش يقول: عن حبيب بن أبي ثابت, عن عطاء, عن ابن عمر (٢) . وقد رواه أبو الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ ((على صورته)) , فنقول كما جاء بالحديث.

стр. 511

قال: وسمعت أبا عبد الله, يقول: لقد سمعت الحميدي بحضرة سفيان بن عيينة, وذكر هذا الحديث: ((خلق الله آدم على صورته)) , فقال: من لا يقول بهذا الحديث, فهو كذا وكذا – يعني من الشتم – وسفيان ساكت, لا يرد عليه شيئاً. قال المروزي: أظن أني ذكرت لأبي عبد الله, عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال: قول النبي – ﷺ : ((خلق الله آدم على صورته)) , قال: صورة الطين, قال: هذا جهمي, وقال: نسلم للخبر كما جاء. وروى الخلال, عن أبي طالب, من وجهين, قال: سمعت أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – يقول: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي. وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ قال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني, قال: سمعت إسحاق – ابن راهويه – يقول: قد صح عن النبي – ﷺ – أنه نطق به. قال إسحاق: حدثنا جرير, عن الأعمش, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عطاء, عن ابن عمر, عن رسول الله – ﷺ – قال: ((لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) . فقد صحح إسحاق حديث ابن عمر مسنداً, خلاف ما قاله ابن خزيمة. وقال الخلال: أخبرنا علي بن حرب الطائي, حدثنا يزيد بن أبي الزرقاء, عن ابن لهيعة, عن أبي يونس, والأعرج, عن أبي هريرة, عن النبي – ﷺ – قال: ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه, فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن – )) (١) .

стр. 512

وقال الحافظ: ((الأكثر على أن الضمير يعود على المضروب؛ لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه, ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها)) . وقال القرطبي: أعاد بعضهم الضمير على الله, متمسكاً بما ورد في بعض طرقه: ((إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) , قال: وكأن من رواه أورده بالمعنى, متمسكاً بما توهمه, فغلط. وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة. ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري – . قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في ((السُّنَّة)) والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات, وأخرجها ابن أبي عاصم أيضاً من طريق أبي يونس, عن أبي هريرة ,بلفظ يرد التأويل الأول (١) , ولفظه: ((من قاتل فليجتنب الوجه, فإن صورة وجه الإنسان, على صورة وجه الرحمن)) . فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السُّنَّة, من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه (٢) , أو من تأويله على ما يليق بالرحمن (٣) ﷻ . وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم (٤) , أي على صفته, أي خلقه موصوفاً بالعلم الذي فضل به على الحيوان, وهذا محتمل. وقال حرب في كتاب ((السُّنَّة)) : ((سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) .

стр. 513

وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. وقال الطبراني: في كتاب السُّنَّة: حدثنا عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل قال: قال رجل لأبي: إن رجلاً قال: خلق الله آدم على صورته, أي صورة الرجل, فقال: كذب, هو قول الجهمية)) (١) . ********

стр. 514

الفصل الرابع في بيان بطلان قول أهل التأويل الفاسد فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ في تأويل إتيان الله - تعالى - بأنه رؤيتهم إياه, أو أنه مجاز حذف تقديره: ((يأتيهم بعض ملائكة الله, أو: أن يأتيهم بصورة من الصور المخلوقة)) إلى آخر ما ذكر. والجواب: أن هذه التأويلات مخالفة لكتاب الله - تعالى - ولأحاديث رسول الله ﷺ مخالفة صريحة, بحيث يجوز أن نقول: إنها تكذيب لكلام الله وكلام رسوله, ورد له, وفتح لباب الزندقة والكفر. لأن النصوص في ذلك جلية واضحة, فإذا صح تأويلها بما ذكر, أمكن كل مبطل أن يؤول ما شاء من التأويل. قال الله - تعالى -: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الامُورُ﴾ (١) . وقال- تعالى -: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلآئِكَةُ أوْ يَأتِىَ رَبُّكَ﴾ (٢) . فبين تعالى أن إتيانه غير إتيان الملائكة, وغير إتيان الآيات. وقال - جل وعلا -: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٣) .

стр. 515

وغير ذلك من الآيات, وأما الأحاديث, فكثيرة جداً, وسيأتي ذكر بعضها, إن شاء الله – تعالى -. فالحق الذي دلت عليه نصوص الوحي: أن لله – تعالى – أفعالاً اختيارية يفعلها بمشيئته, كالاستواء, والنزول, والمجيء, والخلق, والرزق, ونحو ذلك. قال ابن كثير: ((قوله – تعالى -: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ﴾ , يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين, فيجزي كل عامل بعمله, إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, ولهذا قال – تعالى -: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الامُورُ﴾ (١) . وقال ابن جرير: ((والأولى بالصواب من وجه قوله: ﴿فيِ ظُلَلِ مِنَ الغَمَامِ﴾ أنه من صلة فعل الله – تعالى – وأن معناه: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام, وتأتيهم الملائكة)) ؛ لما حدثنا به محمد بن حميد, قال: حدثنا إبراهيم بن المختار, عن ابن جريح, عن زمعة بن صالح, عن سلمة بن وهرام, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن النبي – ﷺ – قال: ((إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفاً)) , وذلك قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (٢) . ثم ذكر حديث الصور الطويل المشهور, وفيه: ((فيقول الله لي: يا محمد, فأقول: نعم, وهو أعلم, فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب, وعدتني الشفاعة, فشفعني في خلقك (٣) , فاقض بينهم, فيقول: قد شفعتك, أنا آتيكم فأقضي بينكم ... فبينا نحن وقوف سمعنا حساً من السماء شديداً,

стр. 516

فهالنا فنزل أهل السماء الدنيا, بمثلي من في الأرض من الجن والإنس, حتى إذا دنوا من الأرض, أشرقت الأرض بنورهم, وأخذوا مصافهم, فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا, وهو آت)) . ثم ذكر مثل ذلك في كل سماء, ثم قال: ((حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام, والملائكة, ولهم زجل من تسبيحهم, يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت, سبحان رب العرش ذي الجبروت, سبحان الحي الذي لا يموت, سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت, سبوح قدوس, رب الملائكة والروح, قدوس, قدوس, سبحان ربنا الأعلى, سبحان ذي السلطان والعظمة, سبحانه أبداً أبداً، فينزل ﵎ يحمل عرشه يومئذ ثمانية)) (١) . وهذا صريح في أن إتيان الله – تعالى – على ظاهره, يأتي إلى الأرض, يفصل بين عباده, ويتولى حسابهم بنفسه – تعالى -, وكل واحد منهم سوف يخاطبه, كما سيأتي في حديث عدي بن حاتم. وهذا الحديث الذي استشهد به الإمام الطبري, وإن كان سنده ضعيفاً, إلا أن هذا القدر منه قد دلت عليه النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة, فوجب قبوله, والإيمان به. والله – – ليس كمثله شيء لا في ذاته, ولا في أوصافه, ولا في أفعاله, فمجيء الله – تعالى – ونزوله, وعلوه, واستواؤه, خاص به, على ما يليق بعظمته. ((والمجيء والإتيان, والصعود والنزول, توصف به روح الإنسان التي تفارقه بالموت, وتوصف به الملائكة, وليس نزول الروح وصعودها من جنس نزول

стр. 517

البدن وصعوده, فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق السماوات ثم تهبط إلى الأرض فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره. وهذا زمن يسير لا يمكن صعود البدن ثم نزوله في مثله. وكذلك صعودها في النوم, وذهابها إلى أماكن نائية, ثم عودها إلى البدن في اليقظة, لا يمكن للبدن مثل ذلك. فإذا كانت الروح تعرج إلى السماء في هذا الوقت القصير, فهذا يدل على أن عروجها ومجيئها ليس من جنس عروج البدن ومجيئه, ومثل ذلك يقال في الملائكة. فمجيء الرب تعالى, وصعوده, واستواؤه, فوق ذلك كله وأجل منه وأعظم, فإنه – تعالى – أبعد عن مماثلة كل مخلوق, من مماثلة مخلوق لمخلوق كالروح والبدن مثلاً)) (١) . وقوله: ((نسبة الإتيان إلى الله عبارة عن رؤيتهم إياه)) . فنقول: هذا من التحريف الجلي, فالناس كلهم يفرقون بين الإتيان والرؤية, فإن الإتيان المذكور في الحديث فعل الله – تعالى – يفعله إذا شاء, وأما الرؤية فهي تقع من الخلق. وقد ذُكرت في أول الحديث في قوله: ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)) وذلك بعد مجيئه – تعالى – إليهم في الموقف, وقوله لأهل ذلك الموقف: ((ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون, فتمثل لهم معبوداتهم, ثم يتبعونها إلى النار)) . فهذا التأويل بطلانه ظاهر, وهو أشبه باللعب في كلام رسول الله – ﷺ ,

стр. 518

بل هو تحريف كتحريف الباطنية والفلاسفة وأهل الزندقة. وأما قوله: ((وقيل: الإتيان: فعل من أفعال الله يجب الإيمان به مع تنزيه الله عن سمات الحدوث)) . فيقال: لو أن الحافظ ﵀ اقتصر على هذا القول الذي ذكره بصيغة التمريض, لكان أولى له وأعذر عند الله – تعالى – وعند عباده المؤمنين؛ لأنه لا يخالف لفظ الحديث, وإن كان الفعل عند الأشعرية يقصد به المفعول, كما تقدم. وأما قوله: ((وقيل: فيه حذف تقديره: يأتيهم بعض ملائكة الله، ورجحه عياض)) فيقال: بطلان هذا أظهر مما تقدم. وكل مَنْ قَبِلَ ما جاء به الرسول – ﷺ – وسلم له منقاداً, فإنه يعلم يقيناً بطلان هذا القول, بل هذا يعلمه كل عاقل يتصور ما يقول. ونحن نسأل أصحاب هذا القول الذي رجحه عياض: هل يجوز للمَلَك الذي يأتيهم – كما زعموا- أن يقول لأهل ذلك الموقف: أنا ربكم؟ وقد قال الله – تعالى – عن الملائكة أجمعين: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين َ﴾ (١) . والله – تعالى – لا يأمره بذلك؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر, فإن هذا شرك وكفر, والله – تعالى – لا يأمر به. ومثل هذا, التأويل الرابع, الذي جعله محتملاً له, وهو قولهم: إن الله – تعالى – يأتيهم بصورة مخلوقة, تقول لهم: أنا ربكم)) فهذا كلام سخيف مضحك, وشر البلية ما أضحك. فلولا أنه مسطور في الكتب المتداولة بين طلبة العلم لنزهت كتابي عن ذكره,

стр. 519

فإن مثله يجب أن تنزه عنه كتب العلم؛ لأنه منكر من القول وزور, وهو أقرب إلى السخرية والتهكم بكلام رسول الله – ﷺ – من كونه يحتمله, ولا يشك من يعرف معاني الكلام أن هذا تحريف لكلام رسول الله – ﷺ – وتعطيل لله – تعالى – عن الإتيان, والصعود والاستواء, أو فعل ما يريد من ذلك. ولكن هؤلاء المحرفون يجهدون أنفسهم ويبذلون وسعهم في تحريف كلام الله وكلام رسوله, وصد الناس عن قبوله على ظاهره, ثم يغلبون وتكون جهودهم عليهم حسرة, وسوف يندمون عند ظهور الحقائق. قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى -: ((وأما أهل التحريف والتأويل, فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر, وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا. ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات, التي يحتاج فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة, وإلى الاستعانة بغرائب المجازات, والاستعارات. وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علماً يقيناً أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه. وهؤلاء كثيراً ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض, فيقصدون حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم, لا يقصدون طلب مراد المتكلم به, وحمله على ما يناسب حاله. وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان مراد المتكلم, وتفسير كلامه بما يعرف به مراده, وعلى الوجه الذي يعرف مراده, فصاحبه كاذب على من تأول كلامه.

стр. 520

ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل, بل يقولون: يجوز أن يراد كذا, وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ. فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين, وغيرهم)) (١) . ومن تأمل هذه الأحاديث التي تقدم ذكر بعضها, وتفهم سياقها, وما دلت عليه من المعاني, وما اتفقت عليه من الأخبار بأن الله يأمر كل من عبد غيره أن يتبعه, بعدما يمثل له ذلك المعبود, وأنه لا يبقى في الموقف إلا من يعبد الله وحده, من بر وفاجر, فيأتيهم الله في صورة لا يعرفونه فيها, امتحاناً, فيثبتهم, ثم يتجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة, وذلك بعد أن كشف لهم عن ساقه فسجدوا له, هل يصح عند عاقل أنهم يسجدون لصورة مخلوقة؟ فمن تأمل ذلك علم قطعاً أن الذي يأتيهم هو رب العالمين, وليس ملكاً ولا شيئاً آخر مما ذكره المحرفون, وعلم قطعاً بطلان تأويلهم. وأما قوله: ((يحتمل أن المعنى: يأتيهم الله بصورة, تظهر لهم من الصور المخلوقة)) , فهذا الاحتمال هو ما ذكره الرازي في تأسيسه, وقد تكفل شيخ الإسلام بدحض باطلة, قال ﵀: ((الوجه الثاني: أن قوله: تكون ((في)) بمعنى الباء, والتقدير: فيأتيهم الله بصورة, غير الصورة التي عرفوها في الدنيا إلى آخره. يقال: أولاً: هذا تبديل للغة, وقلب [لها] , فإن الباء في مثل قولك: جئت بكذا, تكون لتعدية الفعل, فالمجرور بالباء في مثل هذا اللفظ يدل دلالة صريحة على أنه أوقع الفعل ممن غيره, فهو جعل غيره آتياً, كقوله – تعالى -: ﴿عَسَى

стр. 521

اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (١) . وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاءَ﴾ (٢) . وقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ (٣) . فليس في هذا النظم إشعار بأن المأتي به ظرف للفاعل, ولا أنه فوقه, أو في جوفه, أو غير ذلك من المعاني التي يدل عليها لفظ ((في)) ولذلك لا تصلح أن توضع ((في)) موضع الباء في هذا الاستعمال, فلا تقول: ((عسى الله أن يأتيني فيهم)) ((إنما يأتيكم فيه الله)) . وأما قوله: ﴿فَلَنَأتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ﴾ , فإذا كان هو الذاهب بالجنود, فإنه يصح أن يقول ((فلنأتينهم في جنود)) وإلا لم يصح, وهذا من المشهور في اللغة يعرفه عامة علماء اللغة. فلذلك صار هذا التأويل تحريفاً لكلام الله, وكلام رسوله, فإن قوله – تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ (٤) , لا يصلح أن يراد به أنه يرسل ذلك، ولا يأتي هو. ثم قال: ((الوجه الثالث)) : أن قوله: ((فيأتي الله في صورته التي يعرفون)) وقوله: ((فيأتيهم الله في صورة غير صورته)) . وقوله: ((أتاهم رب العالمين في أدني صورة من التي رأوه فيها أول مرة)) . وقوله: ((في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) ، ونحو ذلك،

стр. 522

لو احتمل أن يكون بمعنى: فيأتيهم بصورة، فإن لفظ الصورة المضاف إلى شيء هو من باب الإضافة النفسية, لا الخلقية، فإن الإضافة تكون فيما هو قائم بنفسه، كما في قوله ((ناقة الله)) و ((بيت الله)) و ((أرض الله)) ونحو ذلك مما فيه دلالة على أنه منفصل عن المضاف إليه، وأما الصفات، مثل العلم، والقدرة، ونحو ذلك، فإذا أضيف كانت إضافته إضافة نفسية، إذا لم يتبين خلاف ذلك. والصورة صفة قائمة بذي الصورة، فليست من الأعيان المنفصله عن المضاف إليه، حتى تجعل بمعنى الملك، فلا يمكن أن تكون صورة الله التي يأتي فيها مخلوقاً منفصلاً عنه. الوجه الرابع: أنه قال: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون (١) ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا)) ، وفي لفظ: ((أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم)) (٢) . ومعلوم أن أحداً من الملائكة لا يقول للخلق: أنا ربكم، بل لا يدعي هذه الدعوى إلا كافر بالله، كفرعون, والدجال، والشيطان. بل الملائكة عباد مطيعون لله – تعالى –، لا يدعون الربوبية، ولا الإلهيَّة، كما قال – تعالى -: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين َ﴾ (٣) . ولا يأمر الله أحداً من الخلق أن يقول لجميع العباد: أنا ربكم، فإنه - تعالى – لا يأمر بالشرك.

стр. 523

ومن زعم أن الله يأمر بهذا، فهو مفتر على الله. وإن كان الملك يقول امتحاناً، فهذا لا يصلح، كما لا يصلح أن يقول أحد من الأنبياء والمرسلين للناس: أنا ربكم، على سبيل الامتحان. ولسنا ننكر الامتحان في القيامة، فإن المحنة لا تنقطع إلا بدخول دار الجزاء، الجنة أو النار، ولكن المحنة من الملائكة أن يقول للعبد: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ الوجه الخامس: أنه لو كان الممتحن لهم في ذلك الموقف، ملكاً من الملائكة، لقال لهم: من ربكم؟ ومن تعبدون؟ ويقال لهم: هلا تذهبون مع ربكم؟ إذ من الممكن أن يظهر لهم صورة، ويقول لهم الملك: هلا تذهبون مع هذه الصورة؟ كما أنه في أول الحديث قال: وأذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. فلو كان المخاطب لهم عن الله – تعالى – لقال ما يصلح له، كما في نظائر ذلك، ولكن من شأن الجهمية أنهم يجعلون المخاطب للعباد بدعوى الربوبية غير الله، كما قالوا: إن الخطاب الذي سمعه موسى، بقوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (١) ، كان قائماً بمخلوق، كالشجرة، وكما قالوا: في قوله: ((من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) (٢) . إنه يقول هذا ملك من الملائكة. وهذا كله من الكفر والإلحاد. وكما يزعم الرازي في قوله: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٣) . أن ربه ملك من الملائكة.

стр. 524

الوجه السادس: أنه قال: ((فيأتيهم الله في صورة، غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) (١) ، وهذا نص في أنهم رأوا الله قبل هذا الخطاب في صورة غير الصورة [التي ظهر لهم فيها حال الخطاب] ، فلو كان المخاطب لهم ملكاً لكان المرئي قبل ذلك هو الملك، لا الله، والحديث نص في أنهم رأوا الله قبل هذه المرة. الوجه السابع: أنه قال: ((فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه)) (٢) . وفي الحديث الآخر: ((إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله، من بر وفاجر، أتاهم الله في أدنى صورة، من التي رأوه فيها (٣) . وفي رواية: ((إنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، فيأتيهم الجبار في صورة، غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) (٤) . وفي رواية: ((أتاهم رب العالمين، في أدنى صورة من التي رأوه فيها، فيقال: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: فارقنا الناس أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربكم؟ فيقولون: لا نشرك بالله شيئاً، مرتين، أو ثلاثاً فيقول: هل بينكم وبينه آية، فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه، إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد

стр. 525

اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)) (١) . وهذا صريح بأن الذي أتاهم، وقال: أنا ربكم، هو الذي أراهم العلامة حتى عرفوه فسجدوا له بعد ذلك، وعرفوا أنه رب العالمين، ولو كان القائل: أنا ربكم، ملكا، لكان الملك هو الذي اعترفوا آخر اً أنه رب العالمين، وهو الذي سجدوا له، وهذا من أعظم الكفر والضلال. الوجه الثامن: أن قوله: ((فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)) وأنه يبدي العلامة التي ذكرها، فيسجدون له، صريح بأن الذي يسجدون له، قد جاء في الصورة التي يعرفون، ويتجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وذلك صريح بأن الله هو الآتي، في الصورة التي عرفوه فيها، ويسجدون له لما عرفوه)) (٢) . وقولهم: ((يحتمل أن يكون المراد: إذا جاء إحسان ربنا عرفناه)) ، وقوله: ((فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون)) ، معناه: بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان. فيقال: هذا باطل، فإن معرفة آياته تكون في الإحسان والعقاب، في الدنيا والآخرة، والله – تعالى – هو الخالق لكل شيء، كما قال – تعالى -: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ (٣) . وقال – تعالى - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (٤) .

стр. 526

فمعرفة الله بآياته ليست موقوفة على الإحسان، فبطلان هذه الدعوى واضح، كما أن الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام كلها تبطل هذا الزعم. ومما يبطله أيضاً ما ذكر في الأحاديث، أنه إذا قال لهم أولاً: ((أنا ربكم، يقولون: لا نشرك بالله شيئاً، أو نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء عرفناه، فيقول: هل بينكم وبينه آية، فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى ممن كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود)) إلى آخره. وقد قال أهل التأويل الباطل: إن المراد بقوله: ((فيكشف عن ساق)) : الشدة، كما يقال: كشفت الحرب عن ساق. كما قالوا في قوله: ((فيأتيهم في الصورة التي يعرفون)) إنها أمارات الإحسان)) وهذا تناقض، حيث جعلوا ما تتوقف معرفته عليه: مرةً الإحسان، ومرة أخرى هو الشدة والعذاب. ومما يبطل قولهم أيضاً ما في حديث جابر: ((ثم يأتينا ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه)) (١) ، وهذا صريح أن الذي أتاهم، والذي تجلى لهم هو ربهم – تعالى – وأنهم عرفوه لما تجلى لهم يضحك. ثم إن جميع ألفاظ الحديث صريحة في أن الذي يأتي، وجاء إليهم، وقال: أنا ربكم، ورأوه، هو الذي سجدوا له، فاقتضى ذلك أن يكون المتجلي لهم، المسجود له، هو الذي جاءهم في الصورة، وتكرر ذلك، فلا يجوز أن يكون ذلك ملكاً، أو بعض النعم المخلوقة، أو شدة، أو غير ذلك مما زعمه المبطلون.

стр. 527

ولهذا كان الإمام أحمد يحتج على إثبات الرؤية بالمجيء والإتيان، كما ذكر الخلال في السنة، عن أبي طالب، قال: ((وقول الله تعالى: ﴿هَل يَنِظُرُونَ إِلا أَن يَأتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالمَلائِكَةُ﴾ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّاَ صَفَّاَ﴾ فمن قال: إن الله لا يرى فقد كفر)) . فبين أن هذه الآيات تدل على أنه يأتي، ويجيء، وذلك يقتضي الرؤية, كما صرحت به الأحاديث المفسرة لكتاب الله تعالى. ومما يبين فساد قول المؤولين: أن في حديث ابن مسعود فرقاً بين إتيان الرب نفسه، وإتيان سائر المعبودات، وذلك يفسر ما ورد في بقية الأحاديث، فإنه قال: ((ثم ينادي مناد: يا أيها الناس، ألا ترضون من ربكم الذي خلقكم ورزقكم، وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولاه، ويعبده في الدنيا؟ أليس ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلى، قال: فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا, قال: فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون. فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون، قال: ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويتمثل لمن كان يعبد عزيزاً شيطان عزيز. قال: فيتمثل لهم الرب فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهاً ما رأيناه بعد، فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إذا رأيناها عرفناه، فيقول: ما هي؟ قال: فيقولون: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه،

стр. 528

قال: فيخر من كان يسجدله طوعاً، ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصي البقر)) (١) . فلما ذكر تلك المعبودات، ذكر أنه يمثل أشباهها، وأن المعبود من الأنبياء تأتي شياطينهم؛ لأنهم قد اتبعوها في الدنيا وعبدوها، وذكر أن الرب - تعالى - لما امتحن العباد هو الذي يتمثل لهم، وهو الذي أظهر لهم العلامة التي عرفوه بها حتى سجدوا. فلو كان الآتي هو ملك من ملائكة الله، أو شيء من مخلوقاته، لكان بيان هذا أولى من بيان أن أولئك إنما جاءت أشباههم، إذ في هذا من المحذور ما ليس في ذلك، بل هذا التفريق بين هذا وهذا دليل واضح على أن الذي أتاهم هو رب العالمين، الذي تمثل لهم في الصورة، والذي اتبعه المشركون هو أشباه المعبودات، وشياطين الأنبياء. ومما يبين ذلك ما أخبر به: أنه بعد إتيانه إياهم في الصورة التي يعرفون، وإظهار الآية التي عرفوه بها، وسجود المؤمنين له دون المنافقين أنهم اتبعوه حتى مروا على الصراط، كما بين ذلك في حديث أبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن مسعود، فلو كان الذي جاء في هذه المرة الثانية هو بعض النعم – كما زعم المحرفون – لكانوا قد اتبعوا تلك النعمة المخلوقة، وليس الرب الذي عبدوه، وهو خلاف نصوص الأحاديث، وخلاف العدل الذي أخبر به الحديث، وذلك أن العبادة مستلزمة كمال المحبة للمعبود، وكمال التعظيم له، فإن المعبود هو الذي يقصد ويحب لذاته، والمرء مع من أحب، وهذا حقيقة العدل: أن يكون الإنسان مع المحبوب الذي يحبه محبة كاملة بحيث يحبه لذاته.

стр. 529

وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون المؤمنون متبعين لغير الله، والذي جاءهم هو الذي اتبعوه، وهو الله، وهو الذي جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها. ولا ريب أن عند الجهمية ممتنعاً أن يكونوا متبعين لله، كما يمتنع أن يكون هو الآتي، وكما يمتنع أن يكون قد أتاهم في صورة، وكما يمتنع أن يتجلى لهم ضاحكاً، وكما يمتنع أن يكشف عن ساقه، بل أن يكون له ساق. فأحد الأمرين لازم: إما أن يكون ما أخبر به الرسول ﷺ – هو الحق، أو ما يقوله هؤلاء الجهمية – المحرفون -. وهما متناقضان غاية التناقض، ومن عرف ما جاء به الرسول – ﷺ ثم وافقهم فلا ريب أنه منافق)) (١) . وأما قولهم: ((يحتمل أن يراد بالصورة: الصفة (٢) ، والمعنى: أنه يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه ما لم يألفوه، ولم يعتادوه، ثم يأتيهم بعد ذلك بأنواع الرحمة والكرامة، على الوجه الذي اعتادوه وألفوه)) (٣) . قال شيخ الإسلام: ((هذا التأويل أفسد من الذي قبله، وأكثر الوجوه التي أبطل بها التأويل السابق تبطل هذا، ولهذا خصائص تظهر بوجوه: أحدها: أن تفسير الصورة بمجرد الصفة فاسد (٤) ، فحيث دل لفظ الصورة على صفة قائمة بالموصوف، أو على صفة قائمة بالذهن واللسان، فلا بد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية. الثاني: أن إظهار الشدة في تسمية ذلك صفة، كإظهار النعمة، وكإظهار

стр. 530

الملك، إذ جميع ذلك عبارة عن خلق شيء من الأجسام وإظهاره. فتسمية هذا صفة دون الملك والإحسان تحكم باطل. الثالث: أن الناس مازالوا يألفون أن الله يبتليهم بالسراء والضراء، فدعوى أن أحدهما مألوف دون الآخر باطل. الرابع: أن الله إذا أظهر عذابه وشدته، لم يجز الامتناع من السجود له في هذه الحال، ولا يجوز إنكار ربوبيته، حتى يقول الأنبياء والمؤمنون: نعوذ بالله منك، وينكرون أن يكون هو ربهم، ومعلوم أن السجود في حال إظهار الشدة أولى منه في حل إظهار النعمة، كما في الكسوف والخسوف ونحوهما. الخامس: أن هذا يكون قبل مرورهم على الصراط، وقبل تميز المنافقين من المؤمنين، والنعيم والعذاب والشدة بعد ذلك، إذا مروا على الصراط وتميز السعداء من الأشقياء. السادس: أنه أخبر في الأحاديث أن المشركين الذين عبدوا مع الله إلهاً آخر قد صاروا إلى العذاب، وبعد ذلك يأتي المسلمين ربُّهم في غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها. فلم يظهر الشدة والبطش والعذاب إلا للكفار من المشركين وأهل الكتاب. السابع: أن في الأحاديث: ((إذا سجد المسلمون، لم يتمكن من السجود المنافقون)) ، وفي أحاديث أخرى (١) : أنهم يعطون بعد هذا الأنوار, على قدر أعمالهم, ثم يمرون على الصراط، فناج مسلم، وهو الذي ينجو بلا أذى، وناج مخدوش، وهو الذي يصيبه من لفح النار، ومكدوس في نار
следующие страницы →