← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فمعرفة الله بآياته ليست موقوفة على الإحسان، فبطلان هذه الدعوى واضح، كما أن الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام كلها تبطل هذا الزعم. ومما يبطله أيضاً ما ذكر في الأحاديث، أنه إذا قال لهم أولاً: ((أنا ربكم، يقولون: لا نشرك بالله شيئاً، أو نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء عرفناه، فيقول: هل بينكم وبينه آية، فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى ممن كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود)) إلى آخره. وقد قال أهل التأويل الباطل: إن المراد بقوله: ((فيكشف عن ساق)) : الشدة، كما يقال: كشفت الحرب عن ساق. كما قالوا في قوله: ((فيأتيهم في الصورة التي يعرفون)) إنها أمارات الإحسان)) وهذا تناقض، حيث جعلوا ما تتوقف معرفته عليه: مرةً الإحسان، ومرة أخرى هو الشدة والعذاب. ومما يبطل قولهم أيضاً ما في حديث جابر: ((ثم يأتينا ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه)) (١) ، وهذا صريح أن الذي أتاهم، والذي تجلى لهم هو ربهم – تعالى – وأنهم عرفوه لما تجلى لهم يضحك. ثم إن جميع ألفاظ الحديث صريحة في أن الذي يأتي، وجاء إليهم، وقال: أنا ربكم، ورأوه، هو الذي سجدوا له، فاقتضى ذلك أن يكون المتجلي لهم، المسجود له، هو الذي جاءهم في الصورة، وتكرر ذلك، فلا يجوز أن يكون ذلك ملكاً، أو بعض النعم المخلوقة، أو شدة، أو غير ذلك مما زعمه المبطلون.

стр. 527

ولهذا كان الإمام أحمد يحتج على إثبات الرؤية بالمجيء والإتيان، كما ذكر الخلال في السنة، عن أبي طالب، قال: ((وقول الله تعالى: ﴿هَل يَنِظُرُونَ إِلا أَن يَأتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالمَلائِكَةُ﴾ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّاَ صَفَّاَ﴾ فمن قال: إن الله لا يرى فقد كفر)) . فبين أن هذه الآيات تدل على أنه يأتي، ويجيء، وذلك يقتضي الرؤية, كما صرحت به الأحاديث المفسرة لكتاب الله تعالى. ومما يبين فساد قول المؤولين: أن في حديث ابن مسعود فرقاً بين إتيان الرب نفسه، وإتيان سائر المعبودات، وذلك يفسر ما ورد في بقية الأحاديث، فإنه قال: ((ثم ينادي مناد: يا أيها الناس، ألا ترضون من ربكم الذي خلقكم ورزقكم، وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولاه، ويعبده في الدنيا؟ أليس ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلى، قال: فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا, قال: فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون. فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون، قال: ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويتمثل لمن كان يعبد عزيزاً شيطان عزيز. قال: فيتمثل لهم الرب فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهاً ما رأيناه بعد، فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إذا رأيناها عرفناه، فيقول: ما هي؟ قال: فيقولون: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه،

стр. 528

قال: فيخر من كان يسجدله طوعاً، ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصي البقر)) (١) . فلما ذكر تلك المعبودات، ذكر أنه يمثل أشباهها، وأن المعبود من الأنبياء تأتي شياطينهم؛ لأنهم قد اتبعوها في الدنيا وعبدوها، وذكر أن الرب - تعالى - لما امتحن العباد هو الذي يتمثل لهم، وهو الذي أظهر لهم العلامة التي عرفوه بها حتى سجدوا. فلو كان الآتي هو ملك من ملائكة الله، أو شيء من مخلوقاته، لكان بيان هذا أولى من بيان أن أولئك إنما جاءت أشباههم، إذ في هذا من المحذور ما ليس في ذلك، بل هذا التفريق بين هذا وهذا دليل واضح على أن الذي أتاهم هو رب العالمين، الذي تمثل لهم في الصورة، والذي اتبعه المشركون هو أشباه المعبودات، وشياطين الأنبياء. ومما يبين ذلك ما أخبر به: أنه بعد إتيانه إياهم في الصورة التي يعرفون، وإظهار الآية التي عرفوه بها، وسجود المؤمنين له دون المنافقين أنهم اتبعوه حتى مروا على الصراط، كما بين ذلك في حديث أبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن مسعود، فلو كان الذي جاء في هذه المرة الثانية هو بعض النعم – كما زعم المحرفون – لكانوا قد اتبعوا تلك النعمة المخلوقة، وليس الرب الذي عبدوه، وهو خلاف نصوص الأحاديث، وخلاف العدل الذي أخبر به الحديث، وذلك أن العبادة مستلزمة كمال المحبة للمعبود، وكمال التعظيم له، فإن المعبود هو الذي يقصد ويحب لذاته، والمرء مع من أحب، وهذا حقيقة العدل: أن يكون الإنسان مع المحبوب الذي يحبه محبة كاملة بحيث يحبه لذاته.

стр. 529

وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون المؤمنون متبعين لغير الله، والذي جاءهم هو الذي اتبعوه، وهو الله، وهو الذي جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها. ولا ريب أن عند الجهمية ممتنعاً أن يكونوا متبعين لله، كما يمتنع أن يكون هو الآتي، وكما يمتنع أن يكون قد أتاهم في صورة، وكما يمتنع أن يتجلى لهم ضاحكاً، وكما يمتنع أن يكشف عن ساقه، بل أن يكون له ساق. فأحد الأمرين لازم: إما أن يكون ما أخبر به الرسول ﷺ – هو الحق، أو ما يقوله هؤلاء الجهمية – المحرفون -. وهما متناقضان غاية التناقض، ومن عرف ما جاء به الرسول – ﷺ ثم وافقهم فلا ريب أنه منافق)) (١) . وأما قولهم: ((يحتمل أن يراد بالصورة: الصفة (٢) ، والمعنى: أنه يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه ما لم يألفوه، ولم يعتادوه، ثم يأتيهم بعد ذلك بأنواع الرحمة والكرامة، على الوجه الذي اعتادوه وألفوه)) (٣) . قال شيخ الإسلام: ((هذا التأويل أفسد من الذي قبله، وأكثر الوجوه التي أبطل بها التأويل السابق تبطل هذا، ولهذا خصائص تظهر بوجوه: أحدها: أن تفسير الصورة بمجرد الصفة فاسد (٤) ، فحيث دل لفظ الصورة على صفة قائمة بالموصوف، أو على صفة قائمة بالذهن واللسان، فلا بد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية. الثاني: أن إظهار الشدة في تسمية ذلك صفة، كإظهار النعمة، وكإظهار

стр. 530

الملك، إذ جميع ذلك عبارة عن خلق شيء من الأجسام وإظهاره. فتسمية هذا صفة دون الملك والإحسان تحكم باطل. الثالث: أن الناس مازالوا يألفون أن الله يبتليهم بالسراء والضراء، فدعوى أن أحدهما مألوف دون الآخر باطل. الرابع: أن الله إذا أظهر عذابه وشدته، لم يجز الامتناع من السجود له في هذه الحال، ولا يجوز إنكار ربوبيته، حتى يقول الأنبياء والمؤمنون: نعوذ بالله منك، وينكرون أن يكون هو ربهم، ومعلوم أن السجود في حال إظهار الشدة أولى منه في حل إظهار النعمة، كما في الكسوف والخسوف ونحوهما. الخامس: أن هذا يكون قبل مرورهم على الصراط، وقبل تميز المنافقين من المؤمنين، والنعيم والعذاب والشدة بعد ذلك، إذا مروا على الصراط وتميز السعداء من الأشقياء. السادس: أنه أخبر في الأحاديث أن المشركين الذين عبدوا مع الله إلهاً آخر قد صاروا إلى العذاب، وبعد ذلك يأتي المسلمين ربُّهم في غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها. فلم يظهر الشدة والبطش والعذاب إلا للكفار من المشركين وأهل الكتاب. السابع: أن في الأحاديث: ((إذا سجد المسلمون، لم يتمكن من السجود المنافقون)) ، وفي أحاديث أخرى (١) : أنهم يعطون بعد هذا الأنوار, على قدر أعمالهم, ثم يمرون على الصراط، فناج مسلم، وهو الذي ينجو بلا أذى، وناج مخدوش، وهو الذي يصيبه من لفح النار، ومكدوس في نار

стр. 531

جهنم، وهم المعذبون. فلم يكن العذاب والشدة إلا بعد هذا كله، حيث المرور على الصراط، فكيف يقال: إن إتيانه أولاً في غير صورته التي يعرفون، هو إتيان عذابه وبأسه، وهو لم يأت منه شيء بعد؟ الثامن: أنهم تأولوا كشفه عن ساقه بأنه إظهار الشدة، وفي نفس هذه الأحاديث أنه إذا أتاهم في الصورة التي [لا] يعرفونها يكشف لهم عن ساقه فيسجدون له، فإذا تأولوا مجيئه في الصورة التي يعرفون على إظهار رحمته وكرامته، كان هذا من التحريف والتناقض في تفسير الكتاب والسنة. التاسع: أنه ليس في ما ذكره إلا أنه يجيء بعض مخلوقاته، إما التي تسر، وإما التي تضر، ومن المعلوم أن الله – تعالى – لا يوصف بنفسه مخلوقاته، بل كونها ليست صفات له أظهر من كونها ليست صورة له، فقول القائل: يأتيهم الله في صورته التي يعرفون، أو التي لا يعرفون، أي في صفته التي يعرفون، أو التي لا يعرفون، ثم يؤول ذلك بمجيء بعض ما يخلقه من الضراء أو السراء، من أفسد الكلام، فإن النعم والنقم ليست من صفات الله التي يوصف بها، وإنما يوصف بأنه يخلقها ويحدثها ويفعلها، فلا يصح أن يكون مجيئها مجيء الله في صفته. العاشر: أن أكثر هؤلاء المؤولة أشاعرة، وعندهم أن الخلق هو المخلوق، كما سيأتي – إن شاء الله – بيانه، فليس الخلق صفة لله – تعالى – عندهم، كالمعتزلة، فإذا كان كذلك كيف يكون المخلوق المكون من صفات الله تعالى؟ الحادي عشر: أنه لو كان اللفظ: فيأتيهم الله في صورة عظيمة، أو: في صفة عظيمة، كما يقال: وجاء الملك في صورة عظيمة، ودخل المدينة على صفة عظيمة، ونحو ذلك، لأمكن صحة دعواهم أن الصورة أو الصفة من

стр. 532

المخلوقات؛ لأن قوله: في صورة، أو صفة، نكرة مثبتة لم يعين صاحبها. فإذا قيل: في صورته التي يعرفون، أو صورته التي لا يعرفون، أو: في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، وقيل: إن الصورة بمعنى الصفة، كان ذلك صفة له، فيمتنع أن يكون عائداً إلى غيره. الثاني عشر: أن ألفاظ الحديث في هذا كله مصرحة بأن الله – تعالى – هو الآتي، وهي بذلك موافقة لدلالة القرآن مفسرة له، حيث أخبر النبي – ﷺ – في أول الأحاديث بأنهم يرون ربهم، كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب، جواباً لهم لما سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وأخبرهم أيضاً ابتداءً بدون سؤال، فإنه – ﷺ – كان يحدثهم بهذا الحديث مرات متعددة. ثم وصف هذه الرؤية، فأخبر أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، وأخبر باتباع المشركين لما كانوا يعبدونه، ثم قال: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم، أنت ربنا، فيتبعونه)) . وفي الحديث الآخر يقال لهم: ((هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً, ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة)) . وفي الحديث الآخر: ((ثم يأتينا ربنا، بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى

стр. 533

لهم يضحك، قال: فينطلق بهم فيتبعونه)) . وفي الحديث الآخر: قال: ((يجمع الله الأولين والآخرين لميقات)) (١) يوم معلوم، قياماً، أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد ... )) الخ. وإذا كانت الأحاديث مصرحة بمجيء الرب نفسه صريحاً يعلمه الخاص والعام، ويزيل كل شبهة، علم أن هذه التحريفات، تكذيب للرسول – ﷺ , لا تصدر إلا من جاهل بما أخبر به أو منافق، ليس بمؤمن به. فأما من آمن به، وعلم ما جاء به، فلا يكون إلا مصدقاً بمضمونها. ومضمون ما يقوله هؤلاء المحرفون: أن العبادة تكون لغير الله، وهذا من جملة شركهم، فإنهم دخلوا في الشرك من وجوه: منها: إثباتهم خصائص الربوبية لغير الله، حتى جعلوه يدعي الربوبية، ويحاسب العباد, ويسجدون له)) (٢) . واعلم أن لهم تأويلات غير ما ذكر هنا، من ذلك ما ذكره الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وما ذكره الفخر الرازي في ((تأسيسه)) ، وتبعه على ذلك كل من جاء بعده من شراح الحديث, إلا من شاء الله – تعالى -, فلذلك ننقل ما فيه شبهة قد تشكل على من قرأ كلامهم، وننقل رد شيخ الإسلام عليهم، أما ما هو ظاهر البطلان، فلا حاجة إلى ذكره. قال الرازي: ((اعلم أن الصورة ما وردت في القرآن، ولكنها واردة في الأخبار، عن النبي ﷺ كقوله: ((إن الله خلق آدم على صورته)) وقوله: ((لا يقولن أحدكم لعبده: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)) . ثم قال: ((والجواب: اعلم أن الهاء في قوله: على صورته،

стр. 534

يحتمل أن تكون عائدة على شيء غير صورة آدم، وغير الله، ويحتمل أن تكون عائدة إلى آدم، ويحتمل أن تكون عائدة إلى الله، فهذه طرق ثلاث)) . ثم ذكر الطريقين الأولين والتأويل فيهما، ولظهور بطلان ما ذكره نعرض عنهما؛ لأننا قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين بطلان كون الضمير عائدا إلى غير الله – تعالى -. ثم قال: (الطريق الثالث أن يكون ذلك الضمير عائداً إلى الله – تعالى – وفيه وجوه: الأول: المراد من الصورة: الصفة، فيكون المعنى: أن آدم ﵇ امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات، قادراً على استنباط الحرف, والصناعات, وهذه صفات شريفة, مناسبة لصفات الله من بعض الوجوه, فصح قوله ﷺ : ((إن الله خلق آدم على صورته)) بناءً على هذا التأويل. فإن قيل: المشاركة في صفات كمال تقتضي المشاركة في الإلهية. قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية, ولهذا المعنى قال الله – تعالى - ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ (١) , وقال – ﷺ : ((تخلقوا بأخلاق الله)) (٢) . الثاني: أنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف، فقد يصح إضافتها إلى الخالق، والموجد, فيكون الغرض من هذه الإضافة الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور, بمزيد الكرامة والجلالة.

стр. 535

قال: والخبر الثاني: ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه ((التوحيد)) بإسناده عن ابن عمر، عن النبي – ﷺ – أنه قال: ((لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) ، قال: واعلم أن ابن خزيمة ضعف هذه الرواية، ويقول: إن صحت هذه الرواية فلها تأويلان: الأول: أن يكون المراد بالصورة: الصفة على ما بيناه. الثاني: أن يكون المراد من هذه الإضافة: بيان شرف هذه الصورة، كما في قوله: ((بيت الله)) و ((ناقة الله)) (١) . وقد تولى شيخ الإسلام – ﵀ – رد هذه التأويلات, ردا مقنعاً، عن علم، وبإنصاف، ولخطورة هذه المسألة، ومكانة شيخ الإسلام، فإني أكتفي بنقل كلامه هنا، وهو كاف واف. قال – ﵀ – بعدما نقل الكلام المتقدم عن الرازي: ((فيقال: هذا الحديث مخرج في ((الصحيحين)) من وجوه: ففي ((الصحيحين)) عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي – ﷺ – قال: ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، ثم قال له: اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك, وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم)) (٢) . قال في رواية جعفر بن محمد بن رافع على صورته. وروى البخاري من حديث أبي سعيد المقبري، ويحيى بن همام عن

стр. 536

أبي هريرة عن النبي – ﷺ – قال: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه)) (١) . وذكر بعض ما تقدم من روايات الحديث، ثم قال: لم يكن بين السلف، من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث عائد إلى الله – تعالى – فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك، وهو أيضاً مذكور فيما عند أهل الكتابين، من الكتب، كالتوراة، وغيرها، وما كان من العلم الموروث عن نبينا محمد – ﷺ ، فلنا أن نستشهد عليه بما عند أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٢) . ولكن كان العلماء في القرن الثالث، من يكره روايته، ويروي بعضه، كما يكره رواية بعض الأحاديث، لمن يخاف أن يلم نفسه ويفسد عقله، أو دينه، كما قال عبد الله بن مسعود: ((ما من رجل يحدث قوماً حديثاً، لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم)) (٣) . وفي البخاري، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: ((حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) (٤) . وإن كانوا مع ذلك، لا يرون كتمان ما جاء به الرسول – ﷺ – مطلقاً، بل لا بد أن يبلغوه، حيث يصلح ذلك، ولذلك اتفقت الأمة على تبليغه، وتصديقه، وإنما دخلت الشبهة في الحديث؛ لتفريق ألفاظه، فإن من ألفاظه

стр. 537

المشهورة: ((إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته، ولا يقل أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)) (١) . وهذا فيه حكم عملي، يحتاج إليه الفقهاء، وفيه الجملة الثانية الخبرية المتعلقة بالإخبار، عن خلق آدم، فكثير من الفقهاء روى الجملة الأولى فقط، وهي قوله: ((فإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه)) ولم يذكر الثانية. وعامة أهل الأصول والكلام، إنما يروون الجملة الثانية وهي قوله: ((خلق الله آدم على صورته)) ، ولا يذكرون الجملة الطلبية, فصار الحديث متواتراً بين الطائفتين، وصاروا متفقين على تصديقه، لكن مع تفريق بعضه عن بعض، وإن كان هو محفوظاً عند آخرين من علماء الحديث وغيرهم. وقد ذكره النبي – ﷺ – ابتداءً في إخباره بخلق آدم، في ضمن حديث طويل، إذا ذكر على وجهه زال كثير من الأمور المحتملة. ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة، جعل طائفة الضمير فيه عائداً إلى غير الله – تعالى -، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة، في عامة أمورهم، كأبي ثور، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة. قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتاب ((الفصول في الأصول)) : ((فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة، فغير مقبول، وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف، غير مجهول، نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة، في تأويل الحديث: ((خلق الله آدم

стр. 538

على صورته)) ، فإنه: يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أئمة الحديث، كما روينا عن أحمد – ﵀، ولم يتابعه أيضاً من بعده، حتى رأيت في كتاب الفقهاء للعبادي الفقيه: أنه ذكر الفقهاء، وذكر عن كل واحد منهم مسألة انفرد بها، فذكر الإمام ابن خزيمة، وأنه انفرد بتأويل هذا الحديث: ((خلق الله آدم على صورته)) ، على أني سمعت عدة من المشايخ رووا أن ذلك التأويل مزور مربوط على ابن خزيمة، وإفك مفترى عليه، فهذا وأمثال ذلك من التأويل لا نقبله ولا يلتفت إليه)) . قلت: ذكر الحافظ أبو موسى المديني، فيما جمعه من مناقب إسماعيل بن محمد التيمي، قال: سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه ذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب. قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة، فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته, ترك كثير من الأئمة. إذا عرف ذلك فيقال: أما عود الضمير إلى غير الله – تعالى -، فباطل من وجوه: أحدها: ما في ((الصحيحين)) ابتداءً ((أن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)) . وفي أحاديث أخر: ((أن الله خلق آدم على صورته)) ولم يقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه. وما ذكر بعضهم: من أن النبي – ﷺ – رأى رجلاً يضرب رجلاً، ويقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال: (خلق الله آدم على صورته)) أي صورة هذا المضروب. فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث. الثاني: أن الحديث الآخر لفظه: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن

стр. 539

الله خلق آدم على صورته) (١) وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه. الثالث: أن اللفظ الذي ذكره ابن خزيمة, وتأوله، وهو قوله: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجهاً أشبه وجهك, فإن الله خلق آدم على صورته)) (٢) , ليس فيه ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه، وقوله في التأويل: أراد – ﷺ – أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب, والذي قبح وجهه، فزجر – ﷺ – أن يقول: ووجه من أشبه وجهك. فيقال له: لم يتقدم ذكر مضروب، فيما رويته عن النبي – ﷺ , ولا في لفظه ذكر ذلك، بل قال: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) ، ولم يقل: إذا قاتل أحدكم أحداً، أو إذا ضرب أحداً، والحديث الآخر ذكرته (٣) من رواية الليث بن سعد، ولفظه: ((ولا يقل أحدكم: قبح الله وجهك، ووجهاً أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)) (٤) . وليس في هذا ذكر مضروب، حتى يصلح عود الضمير إليه. فإن قيل: قد يعود الضمير إلى ما دل عليه الكلام، وإن لم يكن مذكوراً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (٥) أي: البخل؛ لأن لفظ البخل يدل على المصدر الذي هو البخل، ومنه قول الشاعر

стр. 540

إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف، والسفيه إلى خلاف أي: إلى السفه. قيل: إنما يكون ذلك فيما لا لبس فيه، حيث لم يتقدم ما يصلح لعود الضمير إلا ما دل عليه الخطاب، فيكون العلم بأنه لا بد للظاهر من مضمر يدل على ذلك، أما إذا تقدم اسم صريح قريب إلى الضمير، فلا يصلح أن يترك عوده إليه، ويعود إلى شيء متقدم، لا ذكر له في الخطاب، وهذا مما يعلم بالضرورة فساده في اللغات. الرابع: أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير، فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم، فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر، بأن الله خلق آدم على صورته، في غاية البعد. لا سيما وقوله: ((إذا قاتل أحدكم)) ، و ((إذا ضرب أحدكم)) عام في كل مضروب. والله خلق آدم على صورهم جميعهم، فلا معنى لإفراد الضمير. وكذلك قوله: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك)) عام في كل مخاطب، والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم. الخامس: أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم، لم يخلق آدم على صورهم. فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه: خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم في الوجود، لا يقال: إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود، كما يقال: خلق الخلق على غير مثال, أو نسج هذا على منوال هذا، ونحو ذلك، فإنه في جميع هذا إنما يكون المصنوع المقيس متأخراً في الذكر، عن المقيس عليه. وإذا قيل: خلق الوالد على صورة ابنه، أو على خلق ابنه، كان كلاماً

стр. 541

فاسداً، بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق، وما يقوم مقامه، مثل أن يقال: الوالد يشبه ولده، فإن هذا سائغ؛ لأن قوله: ((خلق)) إخبار عن تكوينه، وإبداعه، على مثال غيره، ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال ما لم يكن بعد، وإنما يكون على مثال ما قد كان. السادس: أنه إذا كان المقصود أن هذا المضروب والمشتوم يشبه آدم، فمن المعلوم أن هذا من الأمور الظاهرة، المعلومة للخاص والعام، فلو أريد التعليل بذلك لقيل: ((فإن هذا يدخل فيه الأنبياء، إذ هذا يدخل فيه آدم، أو نحو ذلك من العبارات، التي تبين قبح كلامه، وهو اشتمال لفظه على ما يعلم هو وجوده)) . أما مجرد إخباره بما يعلم وجوده كل أحد، فلا يستعمل في مثل هذا الخطاب. السابع: أن يقال إذا أريد مجرد المشابهة لآدم وذريته، لم يحتج إلى لفظ ((خلق)) على كذا، فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فعل على مثال غيره، بل يقال: ((فإن وجهه يشبه وجه آدم)) ، أو ((فإن صورته تشبه صورة آدم)) . الثامن: أن يقال: مثل هذه تصلح لقوله: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك)) فكيف يصلح لقوله: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه)) . ومعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم، لا توجب سقوط العقوبة عنه، فإن الإنسان لو كان يشبه نبياً من الأنبياء، أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه، ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة, لم تسقط عقوبته بهذا الشبه باتفاق المسلمين، فكيف يحوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم؟

стр. 542

التاسع: أن في ذرية آدم من هو أفضل منه، وتناول اللفظ لجميعهم واحد، فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم، من ابتداء خلقه على صورته، بل المقصود مجرد مشابهة المضروب المشتوم له، لكان ذكر سائر الأنبياء أولى، كإبراهيم، وموسى، وعيسى، وإن كان آدم أباهم، فليس هذا المقام مقاماً له به اختصاص، على زعم هؤلاء. العاشر: - وهو قاطع أيضاً – أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم، هو مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم، ويده تشبه يده، ورجله تشبه رجله، وبطنه، وظهره، وفخذه، وساقه، يشبه بطنه وظهره وفخذه وساقه، فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص. بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك، فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب، لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم؛ لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم. وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء، في الجهاد للكفار والمنافقين، وإقامة الحدود - مع كونها مشابهة لأعضاء آدم، وسائر النبيين – دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه، ولا غيره؛ لأجل هذه المشابهة. الحادي عشر: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه: أنه يشبه وجه آدم, لنهي أيضاً عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء [فيقال] : لا يقولن أحدكم: قطع الله يدك، ويد من أشبه يدك. الثاني عشر: أن ما ذكروه من أنه إبطال لقول من يقول: إن آدم كان على صورة أخرى، مثل ما يقال: عظيم الجثة، طويل القامة، وإن النبي – ﷺ – أشار إلى إنسان معين، وقال: إن الله خلق آدم على صورته، أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان، من غير تفاوت البتة. فيقال لهم: الحديث المتفق عليه في ((الصحيحين)) ، مناقض لهذا التأويل،

стр. 543

مصرح فيه بأن خلق آدم أعظم من صور بنيه بشيء كثير، وأنه لم يكن على شكل أحد من أبناء الزمان. فعن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي – ﷺ – قال: ((خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعاً، ثم قال له: اذهب، فسلم على أولئك الملائكة، فاسمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) (١) . قال في رواية يحيى بن جعفر، ومحمد بن رافع: ((على صورته)) ، وذكر فيه: طوله ستون ذراعاً، وأن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن، وأن أهل الجنة يدخلون على صورة آدم. ولم يقل: إن آدم على صورتهم، بل قال: على صورة آدم. وقد روي: أن عرض أحدهم سبعة أذرع، فهل في تبديل كلام الله ورسوله أبلغ من هذا؟ أن يجعل ما أثبته النبي – ﷺ – وأخبر به، وأوجب التصديق به، قد نفاه، وأبطله، وأوجب تكذيبه، وإبطاله؟ الثالث عشر: أنه قد روي من غير وجه: ((على صورة الرحمن)) (٢) . وأما عود الضمير على آدم ففاسد، وبيان ذلك من وجوه: أحدهما: أنه إذا قيل: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق

стр. 544

آدم على صورة آدم)) أو: ((لا يقل أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورة آدم)) . كان هذا من أفسد الكلام، فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلاً؛ فإن كون آدم مخلوقاً على صورة آدم، فأي تفسير فسر، فليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه، ولا عن تقبيحها، وتقبيح ما يشبهها. وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرق الحديث: فروى قوله: ((إذا قاتل أحدكم، فليتق الوجه)) وحده مفرداً. وروى قوله: ((إن الله خلق آدم على صورته)) مفرداً. أما مع أداء الحديث على وجهه، فإن عود الضمير إلى آدم، يمتنع فيه؛ وذلك أن خلق آدم على صورة آدم، سواء كان فيه تشريف لآدم، أو كان مجرد إخبار بالواقع، لا يناسب الحكم. الوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلو كان ذلك مانعاً من ضرب الوجه وتقبيحه لوجب أن يكون مانعاً من ضرب سائر الأعضاء, وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين، وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة، من أقبح الكلام. وإضافة ذلك إلى النبي – ﷺ – لا يصدر إلا عن جهل عظيم، أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه، وحكمته، وحسن كلامه. فإن هذا مثل أن يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم، فإن أباهم له صفات يختص هو بها دونهم، مثل كونه خلق من غير أبوين. أو يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم، فإن أباهم خلق من تراب. الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه، وهذا من أعظم

стр. 545

التناقض، وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة، وعلقة، ومضغة، وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة، بواسطة العناصر، وبنوه قد خلقوا من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضعة، وخلقوا في مدة من عناصر الأرض. فإن كانت العلة المانعة من الضرب للوجه وتقبيحه كونه خلق على هذا الوجه، وهذه العلة منتفية في بنيه، فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه، وتقبيحها؛ لانتفاء العلة فيها، فإن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم، إذ هم لم يخلقوا على صورهم التي هم عليها، كما خلق آدم، بل نقلوا من نطفة إلى علقة، ثم إلى مضغة. الوجه الرابع: ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل، حيث قال: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق؟ وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث كلها، قوله ابتداء: ((إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً)) . وقوله: ((لا تقبحوا الوجه)) إلى آخره، و ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) . وذلك أن قوله: ((خلق آدم على صورته)) يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق [خلقه] عليها. فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك، وبمثل هذا أبطلنا قول من يقول: إن الضمير عائد إلى المضروب، فإن المضروب متأخر عن آدم، فجميع ما يذكر من التأويلات مضمونها أن صورته تأخرت عنه، فتكون باطلة. وأيضاً: فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله – تعالى -.

стр. 546

الوجه الخامس: أن جميع ما يذكر من التأويلات، كقولهم: خلق آدم على صورة آدم، موجود نظيره في جميع المخلوقات، سواء أريد بذلك الصورة الثابتة قدراً في علم الله وكتابه، أو غير ذلك. وأما كونه خلق على صورته ابتداء، أو في غير مدة، فإنه ليس كذلك، بل خلقه تنقل من حال إلى حال، من التراب إلى الطين، ثم إلى الصلصال، كبنيه فإنهم من نطف، إلى علق، ثم إلى مضع. فإذا جاز أن يقال في أحدهما: خلق على صورته، مع تنقل إلى هذه الأطوار، جاز ذلك في الآخر. ولاشك أن هذه الأحاديث وردت في تخصيص آدم، بأنه خلق على صورته دون غيره من الخلق، وإن كان بنوه تبعاً له في ذلك. ولكن هذا كخلقه بيده، وإسجاد ملائكته له، وبهذا علم بطلان ما يوجب الاشتراك، ويزيل الاختصاص. الوجه السادس: أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هي من الأمور المعلومة ببديهة العقل، التي لا يحسن بيانها، والخطاب بها لتعريفها، فإن قول القائل: إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه، لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل، إن كان مخلوقاً على الصورة التي خلق عليها. وهذا مثل أن يقال: أوجد الله الشيء، كما أوجده، وخلق الله الأشياء على ما هي عليه، وعلى الصورة التي هي عليها، ونحو ذلك، مما هو معلوم ببديهة العقل، ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جداً. الوجه السابع: أن ما ذكروه من كون آدم خلق على صورة آدم، أو أنه خلق من غير نطفة، ثم علقة، ثم من مضغة، أو أنه لم يخلق من مادة، أو بواسطة القوى والعناصر – كما يدعون – لا دليل عليه، وليس في هذه

стр. 547

الأحاديث ما يدل عليه بحال من الأحوال. الوجه الثامن: أن الحديث، وري من وجوه، بألفاظ تبطل دعوى الضمير إلى آدم، مثل قوله: ((لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) (١) . وقوله في الطريق الآخر، من حديث أبي هريرة: ((إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن)) (٢) . وقول ابن عباس فيما ذكره عن الله – تعالى -: ((تعمد إلى خلق من خلقي، خلقتهم على صورتي، فتقول لهم: اشربوا يا حمير)) (٣) . وأما تضعيف ابن خزيمة لحديث ابن عمر، بأن الثوري أرسله، فخالف فيه الأعمش، وأن الأعمش وحبيباً مدلسان. فيقال: قد صححه إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس. وأيضاً فمن المعلوم أن عطاء بن أبي رباح، إذا أرسل هذا الحديث، عن النبي – ﷺ – فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد. فإذا كان في إحدى الطريقين، قد بين أنه أخذه عن ابن عمر، كان بياناً وتفسيراً لما تركه، وحذفه في الطريق الأخرى، ولم يكن هذا اختلافاً أصلاً. ولو قدر أن عطاء لم يذكره إلا مرسلاً، عن النبي – ﷺ ، فمن المعلوم أن عطاء من أجل التابعين قدراً، فإنه هو، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، من أئمة التابعين في زمانهم.

стр. 548

ومن المعلوم أن مثل عطاء، لو أفتى في مسألة فقه، بموجب خبر أرسله، لكان ذلك يقتضي ثبوته عنده. ولهذا يجعل الفقهاء احتجاج المرسل بالخبر دليلاً على ثبوته عنده. والأخبار التي توجب العلم أعظم من التي توجب العمل. فإذا كان عطاء، قد جزم بهذا الخبر العلمي، عن النبي – ﷺ – في هذا الباب العظيم، فلا يمكن أن يستجيز ذلك من غير أن يكون ثابتاً عنده. واتفاق السلف على رواية هذا الخبر، ونحوه، مثل عطاء، وحبيب بن أبي ثابت، والأعمش، والثوري، وأصحابهم، من غير نكير سمع من أحد لمثل ذلك، في ذلك العصر، مع أن هذه الروايات المتنوعة في مظنة الاشتهار، دليل على أن علماء الأمة [لا] تنكر إطلاق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا. وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات، له نظائر، فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال، وإن كان متفقاً عليه بين علماء المسلمين. والله – تعالى – قد وصف هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس، وأنها تأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر، فمن الممتنع أن يكون في عصر التابعين، يتكلم أئمة ذلك العصر بما هو كفر، وضلال، ولا ينكر عليهم أحد. فلو كان قوله: ((خلق آدم على صورة الرحمن)) ، باطلاً، لكانوا مقرين للباطل، غير منكرين له. وقد روي بهذا اللفظ من طريقين مختلفين، كما روي عن أبي هريرة، فيؤيد أحدهما الآخر، ويشهد له، ويعتبر به، بل قد يفيد ذلك العلم، إذا خيف في الرواية من تعمد الكذب، أو من سوء الحفظ. فإذا كان الرواة ممن لا يتواطأون في العادة على الكذب، لم يبق إلا سوء

стр. 549

الحفظ، فإذا تبين أن كل واحد منهم حفظ مثل ما حفظ الآخر، كان ذلك دليلاً على أن الحديث محفوظ، ولهذا مَنْ منع مِن الاحتجاج بالمرسل، إذا روي من وجه آخر؛ احتج به. ولهذا الترمذي وغيره، يجعل الحسن: ما وري من وجهين مختلفين، وليس في طريقه متهم بالكذب، ولم يكن مخالفاً للأخبار المشهورة، وأدنى أحوال هذا الحديث ذلك. ويؤيده أن الصحابة تكلموا بمعناه، كما تقدم عن ابن عباس. وليس ذلك مأخوذاً عن أهل الكتاب؛ لأنه كان ينهى عن الأخذ عنهم، كما في البخاري وغيره، ولا يجوز أن يكون ذلك من قبيل الرأي. وهذه الوجوه كلها مبطلة لقول من يعيد الضمير إلى آدم. فهي أدلة مستقلة في الإخبار بأن الله خلق آدم على صورة نفسه – تعالى -. وبهذا يحصل الجواب عما يذكر من كون الأعمش وحبيب مدلسين، فقد أخذه عنهما الأئمة، ووافقهما الثوري, وتلقاه العلماء – مثل أحمد وإسحاق وسفيان، وغيرهم – بالقبول. وقد قدمنا أنه يجوز الاستشهاد بما عند أهل الكتاب، مما هو موافق لما أثر عن نبينا – ﷺ – ففي السفر الأول من التوراة: ((سنخلق بشراً على صورتنا، يشبهنا)) (١) . وأما قول المؤولة: إن الله لم يغير صورة آدم، ولم يمسخها كل مسخ غيره، كالحية والطاووس، ولهذا قيل: خلق آدم على صورته، أي: على صورة آدم.

стр. 550

فيقال: العبارة المعروفة عن هذا المعنى أن يقال: أبقى آدم على صورته، أو تركه على صورته، أو لم يغير صورة آدم، لا يقال: خلقه على صورة نفسه، فإن هذا اللفظ لا يستعمل في مثل هذا المعنى. ولهذا قال الله – تعالى – عن الذين مسخ منهم قردة، وخنازير: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ (١) ، ولم يقل: وخلق منهم. كما أن من المعروف الظاهر لكل أحد: أن صورة آدم كانت كهذه الصور لبنيه لم تمسخ، وما ذكروه من مسخ غير آدم غير معلوم، ولا مذكور. وأما قولهم: إنه أراد به بيان بطلان قول الدهرية، في أن الإنسان لا يتولد إلا من نطفة، ودم الطمث. فيقال لهم: قد أخبر الله – تعالى – أنه خلق آدم من الماء والتراب، ومن الطين، ومن الحمأ المسنون، فهذه نصوص ظاهرة متواترة، يسمعها العام والخاص، تبين أنه لم يخلق من نطفة، ودم الطمث، وتبطل هذا القول إبطالاً بيناً معلوماً بالاضطرار. وأما قوله: إن آدم خلق على صورة آدم، فليس فيه دلالة على إبطال قول الدهرية ولا غيرهم. وقولهم: خلق آدم ابتداء من غير تقدم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. يقال لهم: بعد تقدم، تراب، وطين، وصلصال. وأما قولهم: إن الصورة تذكر ويراد بها الصفة، يقال: شرحت له صورة هذه الواقعة، وذكرت له صورة هذه المسألة. والمراد: أن الله – تعالى – خلق آدم من أول الأمر كاملاً، تاماً، في علمه، وقدرته، وكونه سعيداً، عارفاً، تائباً.

стр. 551

فيقال: الصورة: هي الصورة الموجودة في الخارج، ولفظ ((صَ وَرَ)) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا [له] صورة في الخارج. وما يكون من الوقائع، يشتمل على أمور كثيرة، لها صور موجودة. وكذلك المسئول عنه من الحوادث، وغيرها، له صور موجودة في الخارج، ثم تلك الصور الموجودة، ترتسم في النفس صورة ذهنية. فقوله: شرحت له صورة الواقعة، وأخبرني بصورة المسألة. إما أن يكون المراد به الصورة الخارجية، أو الصورة الذهنية. وأما الصفة: فهي في الأصل: مصدر وصفت الشيء، أصفه، وصفاً، ثم يسمون المفعول، باسم المصدر [صفة] . وإذا كان ما في النفس من العلم بالشيء، يسمى مثلاً له، وصفة. فالصورة الذهنية: هي المثل الذي يسمى أيضاً صفة، ومثلاً. ولهذا يقال: تصورت الشيء، وتمثلت الشيء، وتخيلته، إذا صار في نفسك صورته ومثاله وخياله. كما يسمى مثاله الخارجي: صورة، كما قال النبي – ﷺ : ((لعن الله المصورين)) (١) . كما يسمى ذلك تمثالاً، في مثل قول علي: ((بعثني رسول الله – ﷺ – فأمرني أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) (٢) . وقوله: لفظ الصورة يذكر ويراد به: الصفة.

стр. 552

إن أراد به أن الصورة توصف بالقول، وأن لفظ الصورة يراد به ما يوصف بالقول من الصورة الخارجية, أو ما يطابقه من الصورة الذهنية، فهذا قريب. ولكن هذا يوجب أن يكون له صورة خارجية، وإن طابقتها الصورة الذهنية. وإن أراد به أن لفظ الصفة قد لا يراد به إلا ما يقوم بالأعيان، كالعلم، والقدرة، فهذا باطل، لا يوجد في الكلام أن قول القائل – مثلاً -: صورة فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة [به] ، من العلم، والقدرة، ونحو ذلك. بل هذا من البهتان على اللغة وأهلها. وأيضا فقول القائل: خلق آدم، على صورة آدم، بمعنى: على صفة آدم، لا يدل على أنه خلق على صفات الكمال ابتداء، ولو أريد بالصورة ما يتأخر عن وجوده، فإن المخلوق على صفة من الصفات، يخلق عليها في وقت خلقه وبعده، يبين ذلك أنه جعل أحد المحملين كونه خلق عارفاً، تائباً، مقبولاً عند الله – تعالى – ومعلوم أن هذه الصفة تأخر وجودها عن ابتداء خلقه، فإن التوبة كانت بعد الذنب. فإذا كان لا ينافي كونه مخلوقاً عليها تأخرها، فكذلك صفة العلم والقدرة، لا ينافي كونه مخلوقاً عليهما تأخرهما عن ابتداء خلقه، وإذا كان كذلك، فلا فرق بينه وبين غيره. وعلى كلِّ فما ذكره من أن معنى الحديث: أنه خلق كاملاً، باطل، فإن آدم لم يجعل ابتداء على صفة الكمال، بل بعد أن خلقه الله – تعالى – علمه الأسماء التي لم يكن بها عالماً، كما علم بنيه البيان، بعد أن خلقهم. فهذه التأويلات: تارة يكون المعنى المحمول عليه النص فيها باطلاً، وتارة يكون غير دال عليه، وتارة يكون النص دالاً على نقيض ما يقول المؤول، ومضاداً له.

стр. 553

وتارة يجمع من ذلك ما يجمع، وهذا شأن أهل التحريف، والإلحاد، ومن ذلك ما ذكر لأحمد، فقال: إن قائل ذلك جهمي، وهو قوله: ((خلق على صورة الطين)) ، وهذا وإن كان أجود من هذه التأويلات المذكورة، فإنه فاسد، فإن هذا يقتضي أن تكون له صورة أخرى، خلقت على تلك الصورة، وآدم بعينه هو تلك الصورة، التي خلق فيها الروح. بل تصويره هو خلقه من تراب، ثم من طين، كما قال – تعالى -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (١) فقدم الخلق على التصوير، فكيف تكون الصورة لآدم سابقة على الخلق، حتى يقال: خلق آدم على تلك الصورة. ولو أريد أنه خلق من صورة الطين، لا من أبوين، لقيل كما قال الله – تعالى -: ﴿مِن تُرَابِ﴾ ، وقال تعالى -: ﴿خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ (٢) ، وقال – تعالى -: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ (٣) . وكذلك لو تأوله متأول على الصورة المقدرة له، وهي ما سبق له في علم الله – تعالى – وكلامه، وكتابه، أي خلق آدم على الصورة التي قدرها له، فهذا لا يصح، وإن كان الله – تعالى – خلق كل شيء على ما سبق من تقديره، فتأويل الحديث بذلك باطل؛ لأن جميع الأشياء خلقها الله - تعالى – على ما قدره، فلا اختصاص لآدم بذلك، كما أنه لا يصح أن يقول: لا تقبحوا الوجه، ولا يقول أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على ما قدره؛ فإن الوجه وسائر المخلوقات خلقها الله على ذلك، فينبغي أن لا يصلح تقبيح شيء من الأشياء البته؛ لعموم العلة.

стр. 554

وقوله في الحديث: ((فكل من يدخل الجنة يدخلها على صورة آدم)) صريح في أنه أراد صورة آدم المخلوقة، لا المقدرة. وتسمية ما قدر ((صورة)) ليس له أصل في كلام الله وكلام رسوله – ﷺ . وإن كان بعض المتأخرين يقول: لفلان عند فلان صورة عظيمة، وهذا الأمر مصور في نفسي، لكن مثل هذا لا يجوز أن يحمل عليه كلام رسول الله – ﷺ – ولا خطابه لأمته، لأنه ليس من لغته)) (١) . وأما قوله: المراد من الصورة الصفة، كما بيناه، فيكون المعنى: أن آدم امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات، قادراً على استنباط الحرف والصناعات، وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله من بعض الوجوه، فصح قوله: إن الله خلق آدم على صورته على هذا التأويل. فالكلام عليه من وجوه: أحدهما: أنه تقدم أن لفظ الصفة، سواء عني به القول الذي يوصف به الشيء، وما يدخل في ذلك من المثال العلمي الذهني، أو أريد به المعاني القائمة بالموصوف، فإن لفظ الصورة لا يجوز أن يقتصر به على ذلك، بل لا يكون لفظ الصورة إلا لصورة موجودة في الخارج، أو لما يطابقها من العلم والقول، وذلك المطابق يسمى صفة, ويسمى صورة. وأما الحقيقة الخارجية، فلا تسمى: صفة, كما أن المعاني القائمة بالموصوف لا تسمى وحدها: صورة. وإذا كان كذلك، فقوله: ((على صورته)) لا بد أن يدل على الصورة الموجودة في الخارج، القائمة بنفسها، التي ليست مجرد المعاني القائمة بها، من العلم والقدرة, وإن كان لتلك [المعاني] صورة، وصفة ذهنية؛ إذ

стр. 555

وجود هذه الصورة الذهنية مستلزم لوجود [الصورة الخارجية] وإلا [كانت الصورة الذهنية] جهلاً لا علماً. فسواء عنى بالصورة، الصورة الخارجية، أو العلمية، لا يجوز أن يراد به مجرد المعنى القائم بالذات، والمثال العلمي المطابق لذلك. الوجه الثاني: أن قوله: إن آدم امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بالعلم والقدرة، إن أراد به امتيازه عن بنيه، فليس كذلك، وإن أراد امتيازه عن الملائكة والجن، فهو لم يتميز بنفس العلم والقدرة، فإن الملائكة قد تعلم ما لا يعلمه آدم، كما أنها تقدر على ما لا يقدر عليه؛ وإن كان علمه الله ما لم تكن الملائكة تعلمه. فقد ثبت باتفاق الطوائف، أن آدم لم يخلق على صفة من العلم والقدرة امتاز بها عن سائر الأشخاص والأجسام، بل فيها من كان امتيازه عن آدم بالعلم والقدرة أكثر. الوجه الثالث: أن يقال: المشاركة في بعض الصفات، واللوازم البعيدة، إما أن يصحح قول القائل: إن الله خلق آدم على صورة الله، أو لا يصحح ذلك، فإن لم يصحح ذلك، بطل قولك. وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا الإطلاق، جاز أن يقال: إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته، بل خلق كل حي على صورته؛ إذ ما من شيء من الأشياء، إلا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة، كالوجود، والقيام بالنفس، وحمل الصفات. فعلى هذا يصح أن يقال في كل جسم وجوهر: أن الله خلقه على صورته. [فبطل هذا التأويل على التقديرين] .

стр. 556

الوجه الرابع: أن لفظ الحديث: ((إذ قاتل أحدكم، أو ضرب أحدكم، فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) فنهى عن ضرب الوجه؛ لأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المراد مجرد خلقه عالماً قادراً، ونحو ذلك، لم يكن للوجه بذلك اختصاص، بل لا بد أن يريد الصورة التي يدخل فيه الوجه، ومثل ذلك يقال في اللفظ الآخر: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)) ، فهو يقتضي النهي عن ذلك؛ لتناوله الله – تعالى -، وأن وجه ابن آدم داخل فيما خلقه الله على صورته. فإن قيل: هذا تصرح بأن وجه الله يشبه وجه الإنسان، كما ورد: ((صورة الإنسان على صورة الرحمن)) (١) . فالجواب: أن هذا أيضاً لازم للمنازع، ولهذا أورده الرازي، وأجاب عنه بقوله: ((فإن قيل: المشاركة في صفات الكمال، تقتضي المشاركة في الإلهية، قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة، مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة، لا تقتضي المساواة في الإلهية، ولهذا المعنى قال – تعالى - ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعلَى﴾ (٢) ، وقال – ﷺ : ((تخلقوا بأخلاق الله)) (٣) . فيقال: لا ريب أن كل موجودين، لا بد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى من الآخر، وإلا إذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلاً، ولا يشتركان فيه، لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية، التي لا يتنازع فيها العقلاء، الذين يفهمونها. وهذا الذي جاءت به السنة من ثبوت هذا الشَّبه من بعض الوجوه، وقد أخبر به الرسول – ﷺ – فوجب قبوله، والإيمان به، والله – تعالى – هو الذي

стр. 557

خلق آدم على صورته، وهذا لا يناقض قوله – تعالى -: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءُُُ ُ﴾ لأن المماثلة منفية عن الله – تعالى - على كل حال، فهو – جل وعلا – لا يماثله شيء، وليس له سمي، ولا ند، ولا كفء، وكل ذلك لا يمنع المشابهة من بعض الوجوه البعيدة، كالوجود مثلاً، والعلم، والحياة، ونحو ذلك. الوجه الخامس: أن يقال: المحذور الذي فروا منه إلى تأويل الحديث، على أن الصورة بمعنى الصفة، أو الصفة المعنوية؛ أو الروحانية، ونحو ذلك، يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا [منه] . فإذا كان مثل هذا لازماً على التقديرين، لم يجز ترك مقتضي الحديث، ومفهومه، مع أنه لا محذور فيه. وذلك أن كون الإنسان على صورة الله - تعالى – التي هي صفته، أو صورته المعنوية، أو الروحانية، فيه نوع من المشابهة كما أنه إذا أقر الحديث كما جاء فيه نوع من المشابهة، غايته أن يقال: المشابهة هنا أكثر، ولكن مسمى نوع من المشابهة لازم على التقديرين. والتشبيه المنفي بالنص، والإجماع، والأدلة العقلية الصحيحة، منتف على التقديرين. وإذا ادعى المنازع أن هذا فيه نوع من التجسيم المقتضي للتركيب، فقد تقدم أن ما يسمونه تركيباً لازم على القول بثبوت الصفات، بل على القول بنفس الوجود الواجب، بل هو لازم لمطلق الوجود. وتقدم بيان ذلك، وبيان أن جميع ما يدعى من الأدلة العقلية المانعة من ذلك أنها فاسدة، ومتناقضة. ومعنى فسادها ظاهر، ومعنى تناقضها: أن ما يدعيه يلزمه من الإثبات نظير ما نفاه، فيكون جامعاً بين النفي، وإثباته، وإثبات نظيره. الوجه السادس: أن يقال: إذا كان مخلوقاً (١) على صورة الله - تعالى –

стр. 558

المعنوية، فلا يخلو: إما أن يكون ذلك مقتضياً لكون صفات العبد المعنوية، من جنس صفات الله، بحيث تكون حقيقتها من جنس حقيقتها، أو لا يقتضي ذلك، بل يقتضي المشابهة فيها مع تباين الحقيقتين. فإن كان مقتضى الحديث الأول، فهو تصريح بأن الله له مثل، وهذا باطل، وهو أيضا ممتنع في العقل. فإن المتماثلين في الحقيقة، يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه. والمخلوق يجب أن يكون معدوماً، محدثاً، مفتقراً، ممكناً. والخالق يجب أن يكون قديماً، واجب الوجود غنياً. [فيلزم] أن يكون الشيء الواحد واجباً، ممكناً، غنياً، فقيراً، موجوداً، معدوماً، وهذا جمع بين النقيضين. فثبت أن الحديث لا يجوز حمله على هذا [المعنى] . وأيضا: فإنه لا هذا التقدير لا يكون في حمله على الصورة الظاهرة محذور، ولم يكن ذلك مقتضياً لكون صفات العبد من [جنس] صفات الرب – تعالى -، بحيث تكون الحقيقة من جنس الحقيقة، مع كون هذا عالماً، وهذا عالماً، وهذا حياً، وهذا حياً، وهذا قادراً، وهذا قادراً، وهذا سميعاً بصيراً، وهذا سميعاً بصيراً، بل هذا موجود، وهذا موجود، مع كون الحقيقتين، والعلم، والقدرة، متشابهات. وكذلك لا يجب إذا كان لهذا وجه وصورة، ولهذا وجه وصورة، أن تكون الحقيقة من جنس الحقيقة، مع تشابه الحقيقتين. يوضح ذلك أنه على التقديرين، لا بد أن يكون بين الذات والذات مشابهة

стр. 559

إذا كان على الصفة المعنوية، فإن كون هذا عالماً قادراً، وهذا عالماً قادراً، وهذا موجوداً، وهذا موجوداً، وهذا ذاتاً لها صفات، وهذا ذاتاً لها صفات، لا بد أن يثبت التشابه كما تقدم. الوجه السابع: أن الأدلة الشرعية، والعقلية، التي يثبت بها تلك الصفات، يثبت بنظيرها هذه الصورة. فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل، وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل. كذلك ثبوت ذات، لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل. وثبوت المشابهة في بعض الوجوه، في الأمور الكمالية، معلوم بالشرع والعقل. وكما أنه لا بد لكل موجود من صفات تقوم به، فلا بد لكل قائم بنفسه من صورة يكون عليها، ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يكون عليها. الوجه الثامن: أن هذا المعنى الذي ذكروه، وإن كان ثابتاً بنفسه (١) ، ويمكن أن يكون الحديث دالاً عليه باللزوم والتضمن، لكن قصر الحديث عليه باطل قطعاً، كما تقدم. الوجه التاسع: أن ثبوت الوجه، والصورة لله – تعالى – قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب، والسنة المتواترة، واتفق على ذلك سلف الأمة. [وقد تقدم بعض النصوص التي فيها إثبات الوجه والصورة لله – تعالى -] مع أن النصوص في الوجه لا يمكن استقصاؤها.

стр. 560

فإن قيل: قوله – ﷺ : ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة، فسلم عليهم واستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) (١) . وهذا الحديث إذا حمل على صورة الله – تعالى -، كان ظاهره أن الله طوله ستون ذراعاً، والله – تعالى – كما قال ابن خزيمة: جل أن يوصف بالذرعان، والأشبار. ومعلوم أن هذا التقدير في حق الله – تعالى – باطل، على قول من يثبت له حداً ومقداراً من أهل الإثبات، وعلى قول النفاة كذلك. أما النفاة فظاهر، وأما المثبتة فعندهم قدر الله – تعالى – أعظم، وحده لا يعلمه إلا هو، وكرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والعرش لا يعرف قدره إلا الله – تعالى -. وقد قال – تعالى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) . وقد تواترت النصوص عن النبي – ﷺ ، من حديث أبي هريرة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، أن الله يقبض السماوات والأرض بيديه. قال ابن عباس: ((ما السماوات السبع وما بينهما، وما فيهما، في يد

стр. 561

الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)) (١) . وإذا كان الأمر كذلك، كان – جل وعلا – أكبر وأعظم من أن يقدر بهذا المقدار. وهذا من المعلوم بالضرورة، من العقل والدين. [وليس ما ذكر هو ظاهر الحديث] ، ومن زعم أن الله طوله ستون ذراعاً، فهو مفتر كذاب، ملحد، وفساد هذا معلوم بالضرورة، ومعلوم عدم ظهور ذلك من الحديث، فإن الضمير في قوله: ((طوله)) عائد إلى آدم، الذي قيل فيه ((خلق آدم على صورته)) ثم قال: ((طوله ستون ذراعاً)) ، أي: طول آدم، ولفظ الطول وقدره، ليس داخلاً في مسمى الصورة، حتى يقال: إذا قيل: خلق الله آدم على صورته، وجب أن يكون على قدره. ومن المعلوم أن الشيئين المخلوقين يكون أحدهما على صورة الآخر، مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما، وقدر ذواتهما. والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه، فلما قال في آخر الحديث: ((فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، طوله ستون ذراعاً)) اقتضى ذلك مشابهة الجنس في القدر؛ لأن صورة المضاف، من جنس صورة المضاف إليه، وحقيقتهما واحدة. وأما قوله: ((خلق الله آدم على صورته)) ، فإنها تقتضي نوعاً من المشابهة فقط، لا تقتضي تماثلاً في حقيقة، ولا قدر. وأما قول ابن خزيمة: فإن الإضافة [فيه] إضافة خلق، كما في ((ناقة الله)) و ((بيت الله)) و ((أرض الله)) و ((فطرة الله))

стр. 562

فالكلام عليه من وجوه: أحدهما: أنه لم يكن قبل آدم صورة مخلوقة، خلق عليها، فقول القائل: خلق على صورة مخلوقة - لله – وليس هناك إلا صورة آدم، بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة. الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها، كالناقة والبيت، والأرض، والفطرة، التي هي [السنة] المطردة. فأما الصفات القائمة بغيرها، مثل العلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى الموصوف. وهذا هو الفرق بين [الإضافتين] وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف، والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق، وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين؛ لأن الأعيان القائمة بنفسها، قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله – تعالى – فيعلمون أنها ليست إضافة صفة. وأما الصفات القائمة بغيرها، فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به، وتضاف إليه. وعلى هذا، فالصورة قائمة بالموصوف بها، المضافة إليه. فصورة الله، كوجه الله، ويد الله، وعلم الله، وقدرة الله، ومشيئة الله، وكلام الله، ويمتنع أن تقوم بغيره. الوجه الثالث: أن الأعيان المضافة إلى الله، لا تضاف إليه؛ لعموم كونها مخلوقة مملوكة له؛ إذ ذلك يوجب إضافة جميع الأعيان إلى الله – تعالى -؛ لأنها كلها مخلوقة له، مملوكة. فلو كان قوله في ناقة صالح: ﴿نَاَقَةَ اللهِ﴾ بمعنى: الله خلقها، وهي

стр. 563

ملكه؛ لوجب أن تضاف سائر النوق إلى الله بهذا المعنى، فلا يكون حينئذ لها اختصاص بالإضافة، وكذلك قوله: ﴿وَطَهِر بَيتِيَ﴾ لو كان المراد به: خلقي وملكي؛ لوجب إضافة سائر البيوت إلى الله – تعالى – لمشاركتها في هذا المعنى. فلابد أن يكون في العين المضافة معنى يختص بها، تستحق به الإضافة، فبيت الله هو الذي اتخذ لذكر الله - تعالى – وعبادته، وهذه إضافة من جهة كونه معبوداً فيه، فهو إضافة إلى إلهيته، لا إلى عموم ربوبيته، وخلقه، كما في لفظ العبد، فإن قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (١) ، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٢) ، هو إضافة إليه؛ لأنهم عبدوه، لا لعموم كونه عَبَّدهم بخلقه لهم، فإن هذا يشركهم فيه جميع الناس. وهو تعالى قد خص بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا﴾ (٤) ، ونحو ذلك [خصهم من بين الناس بالإضافة إليه] . كذلك الناقة فيها اختصاص بكون الله – تعالى – جعلها آية، ففيها معنى الإضافة إلى إلهيته. وأما قوله – تعالى -: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٥) ،

стр. 564

وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ (١) ، ففي الإضافة تخصيص للأرض، التي هي باقية على ما خلقها الله – تعالى – فلم يستول عليها الكفار، والفجار من عباده، ويمنعوا – باستيلائهم عليها – من عبادة الله عليها. ولهذا لم تدخل أرض الحرب في هذا العموم. وقد يقال: الإضافة لعموم الخلق؛ لأن الأرض واحدة لم تتعد، كما تعددت النوق، والبيوت، والعبيد. وقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) ، تضاف إلى الله – تعالى – من الوجهين، من جهة أن الله خلقها، فتكون إضافة إلى جهة ربوبيته. ومن جهة أنه – تعالى – فطرها على الإسلام، الذي هو عبادة الله، فتكون الإضافة إلى ألوهيته. وأما الصورة المخلوقة، فهي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه، فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله – تعالى -؟. وأيضاً فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله – تعالى – خلق ذلك جميعه، فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله – تعالى – بهذا الاعتبار، حتى يقال [ليد الإنسان] : يد الله، ولوجهه: وجه الله، ولقدمه: قدم الله، ونحو ذلك؛ لأن الله خلقه. الوجه الرابع: أن قوله: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) ، لو كانت الإضافة خلق وملك؛ لوجب أن

стр. 565

لا يضرب شيء من الأعضاء؛ لأن إضافته إلى خلق الله – تعالى - وملكه كإضافة الوجه سواء. الوجه الخامس: أن قوله: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)) يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله – تعالى -. فلو أريد صورة يخلقها الله – تعالى -؛ لكان كونه هو مخلوقاً لله أبلغ من كونه مشبهاً لما خلقه الله، فيكون عدولاً عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها. الوجه السادس: أن العلم بأن الله خلق آدم، من أظهر العلوم، عند العامة والخاصة، فلو لم يكن في قوله: ((على صورته)) معنى إلا أن الله – تعالى – خلقها، وهي ملكه؛ لكان قوله: ((خلق آدم)) كافيا ً. إذ على هذا التقدير: ((خلق آدم)) و ((خلق آدم على صورته)) سواء، ولا فرق بين قول القائل: ((هذا مخلوق الله، وقوله: هذا خلقه الله على الصورة التي خلقها الله)) ومثل هذا الكلام لا يجوز أن يضاف إلى أدنى الناس، ممن يعرف اللغة، فكيف يضاف إلى النبي – ﷺ –؟ الوجه السابع: أن قوله: ((خلق آدم على صورته)) ، أو ((على صورة الرحمن)) يقتضي أن برأه، وصوره على تلك الصورة. فلو أريد الصورة المخلوقة المملوكة، التي هي صورة آدم المضافة إليه تشريفاً، لقيل: ((صورة آدم صورة الله)) ، أو ((صورة الإنسان صورة الله)) ، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الإضافة المجردة، وإن كان في ذلك ما فيه. أما إذا قيل: ((خلقه على صورته)) ، ولم يرد إلا أن صورته المخلوقة هي
следующие страницы →