الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)) (١) .
وإذا كان الأمر كذلك، كان – جل وعلا – أكبر وأعظم من أن يقدر بهذا المقدار.
وهذا من المعلوم بالضرورة، من العقل والدين.
[وليس ما ذكر هو ظاهر الحديث] ، ومن زعم أن الله طوله ستون ذراعاً، فهو مفتر كذاب، ملحد، وفساد هذا معلوم بالضرورة، ومعلوم عدم ظهور ذلك من الحديث، فإن الضمير في قوله: ((طوله)) عائد إلى آدم، الذي قيل فيه ((خلق آدم على صورته)) ثم قال: ((طوله ستون ذراعاً)) ، أي: طول آدم، ولفظ الطول وقدره، ليس داخلاً في مسمى الصورة، حتى يقال: إذا قيل: خلق الله آدم على صورته، وجب أن يكون على قدره.
ومن المعلوم أن الشيئين المخلوقين يكون أحدهما على صورة الآخر، مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما، وقدر ذواتهما.
والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه، فلما قال في آخر الحديث:
((فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، طوله ستون ذراعاً)) اقتضى ذلك مشابهة الجنس في القدر؛ لأن صورة المضاف، من جنس صورة المضاف إليه، وحقيقتهما واحدة.
وأما قوله: ((خلق الله آدم على صورته)) ، فإنها تقتضي نوعاً من المشابهة فقط، لا تقتضي تماثلاً في حقيقة، ولا قدر.
وأما قول ابن خزيمة: فإن الإضافة [فيه] إضافة خلق، كما في ((ناقة الله)) و ((بيت الله)) و ((أرض الله)) و ((فطرة الله))
стр. 562
فالكلام عليه من وجوه:
أحدهما: أنه لم يكن قبل آدم صورة مخلوقة، خلق عليها، فقول القائل: خلق على صورة مخلوقة - لله – وليس هناك إلا صورة آدم، بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة.
الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها، كالناقة والبيت، والأرض، والفطرة، التي هي [السنة] المطردة.
فأما الصفات القائمة بغيرها، مثل العلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى الموصوف.
وهذا هو الفرق بين [الإضافتين] وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف، والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق، وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين؛ لأن الأعيان القائمة بنفسها، قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله – تعالى – فيعلمون أنها ليست إضافة صفة.
وأما الصفات القائمة بغيرها، فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به، وتضاف إليه.
وعلى هذا، فالصورة قائمة بالموصوف بها، المضافة إليه.
فصورة الله، كوجه الله، ويد الله، وعلم الله، وقدرة الله، ومشيئة الله، وكلام الله، ويمتنع أن تقوم بغيره.
الوجه الثالث: أن الأعيان المضافة إلى الله، لا تضاف إليه؛ لعموم كونها مخلوقة مملوكة له؛ إذ ذلك يوجب إضافة جميع الأعيان إلى الله – تعالى -؛ لأنها كلها مخلوقة له، مملوكة.
فلو كان قوله في ناقة صالح: ﴿نَاَقَةَ اللهِ﴾ بمعنى: الله خلقها، وهي
стр. 563
ملكه؛ لوجب أن تضاف سائر النوق إلى الله بهذا المعنى، فلا يكون حينئذ لها اختصاص بالإضافة، وكذلك قوله: ﴿وَطَهِر بَيتِيَ﴾ لو كان المراد به: خلقي وملكي؛ لوجب إضافة سائر البيوت إلى الله – تعالى – لمشاركتها في هذا المعنى.
فلابد أن يكون في العين المضافة معنى يختص بها، تستحق به الإضافة، فبيت الله هو الذي اتخذ لذكر الله - تعالى – وعبادته، وهذه إضافة من جهة كونه معبوداً فيه، فهو إضافة إلى إلهيته، لا إلى عموم ربوبيته، وخلقه، كما في لفظ العبد، فإن قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (١) ، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٢) ، هو إضافة إليه؛ لأنهم عبدوه، لا لعموم كونه عَبَّدهم بخلقه لهم، فإن هذا يشركهم فيه جميع الناس.
وهو تعالى قد خص بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا﴾ (٤) ، ونحو ذلك [خصهم من بين الناس بالإضافة إليه] .
كذلك الناقة فيها اختصاص بكون الله – تعالى – جعلها آية، ففيها معنى الإضافة إلى إلهيته.
وأما قوله – تعالى -: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٥) ،
стр. 564
وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ (١) ، ففي الإضافة تخصيص
للأرض، التي هي باقية على ما خلقها الله – تعالى – فلم يستول عليها الكفار، والفجار من عباده، ويمنعوا – باستيلائهم عليها – من عبادة الله عليها.
ولهذا لم تدخل أرض الحرب في هذا العموم.
وقد يقال: الإضافة لعموم الخلق؛ لأن الأرض واحدة لم تتعد، كما تعددت النوق، والبيوت، والعبيد.
وقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) ، تضاف إلى الله – تعالى – من الوجهين، من جهة أن الله خلقها، فتكون إضافة إلى جهة ربوبيته.
ومن جهة أنه – تعالى – فطرها على الإسلام، الذي هو عبادة الله، فتكون الإضافة إلى ألوهيته.
وأما الصورة المخلوقة، فهي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه، فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله – تعالى -؟.
وأيضاً فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله – تعالى – خلق ذلك جميعه، فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله – تعالى – بهذا الاعتبار، حتى يقال [ليد الإنسان] : يد الله، ولوجهه: وجه الله، ولقدمه: قدم الله، ونحو ذلك؛ لأن الله خلقه.
الوجه الرابع: أن قوله: ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) ، لو كانت الإضافة خلق وملك؛ لوجب أن
стр. 565
لا يضرب شيء من الأعضاء؛ لأن إضافته إلى خلق الله – تعالى - وملكه كإضافة الوجه سواء.
الوجه الخامس: أن قوله: ((لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)) يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله – تعالى -.
فلو أريد صورة يخلقها الله – تعالى -؛ لكان كونه هو مخلوقاً لله أبلغ من كونه مشبهاً لما خلقه الله، فيكون عدولاً عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها.
الوجه السادس: أن العلم بأن الله خلق آدم، من أظهر العلوم، عند العامة والخاصة، فلو لم يكن في قوله: ((على صورته)) معنى إلا أن الله – تعالى – خلقها، وهي ملكه؛ لكان قوله: ((خلق آدم)) كافيا ً.
إذ على هذا التقدير: ((خلق آدم)) و ((خلق آدم على صورته)) سواء، ولا فرق بين قول القائل: ((هذا مخلوق الله، وقوله: هذا خلقه الله على الصورة التي خلقها الله)) ومثل هذا الكلام لا يجوز أن يضاف إلى أدنى الناس، ممن يعرف اللغة، فكيف يضاف إلى النبي – ﷺ –؟
الوجه السابع: أن قوله: ((خلق آدم على صورته)) ، أو ((على صورة الرحمن)) يقتضي أن برأه، وصوره على تلك الصورة.
فلو أريد الصورة المخلوقة المملوكة، التي هي صورة آدم المضافة إليه تشريفاً، لقيل: ((صورة آدم صورة الله)) ، أو ((صورة الإنسان صورة الله)) ، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الإضافة المجردة، وإن كان في ذلك ما فيه.
أما إذا قيل: ((خلقه على صورته)) ، ولم يرد إلا أن صورته المخلوقة هي
стр. 566
المضافة إلى الله؛ لكونها مخلوقة له، فهذا تناقض ظاهر، لا يحتمله اللفظ)) (١) .
وأكتفي بهذا النقل المطول عن شيخ الإسلام ﵀، وقد اختصرته كثيراً، وتصرفت فيه قليلاً جداً؛ لأجل الإيضاح، ومن أراد الاستيعاب فليرجع إليه، فإن فيه علماً غزيراً، وإبطالاً لتأويل المتكلمين، بحجج وبراهين مقنعة لمن يريد الحق.
قوله: ((وضرب الصراط بين ظهري جهنم)) معنى ضرب: نصب ووضع فوق النار، والصراط: هو الجسر الذي يعبر عليه، كما هو معلوم في حياة الناس اليوم.
ومعنى قوله: ((بين ظهري جهنم)) يعني: فوقها، ويمتد من طرفها إلى طرفها الآخر.
يقال: أقام الرجل بين ظهراني القوم، إذا أقام معهم في أرضهم، كما في الحديث: ((أنا برىء من مسلم أقام بين ظهراني المشركين)) (٢) .
ومعنى ذلك: أن الصراط الذي يعبر عليه المؤمنون إلى الجنة يؤتى به في ذلك اليوم، فيوضع فوق النار، فيعبرون عليه، فليس لهم طريق إلى الجنة، إلا من فوق جهنم، ومع ذلك، فقد جاء وصف الصراط بأنه دقيق جداً، وغير ثابت، بل هو متحرك، ومضطرب، وهو في منتهى الحرارة؛ لأنه فوق جهنم، فالعبور عليه شديد جداً، والحقيقة أن العبور بالأعمال، فمن كان مستقيماً على صراط الله في الدنيا الذي هو دينه، استقام على ذلك الصراط.
وأما تثنية الظهر في قوله: ((بين ظهري جهنم)) فإنه يدل على أن الصراط مستوعب جهنم، يعني يمر عليها كلها، والله أعلم.
стр. 567
قوله: ((فأكون أنا وأمتي أول من يجيز)) يعني: رسولنا محمداً – ﷺ ، وأمته الذين هم أتباعه على دينه، هم أول من يعبر الصراط، إلى الجنة، وفيه دليل على فضله – ﷺ – على سائر الأنبياء، وفضل أمته على الأمم.
ثم يعبر الأمم الأخرى من أتباع الرسل مع رسلهم، فكل أمة معها رسولها.
قوله: ((ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل)) وذلك لهول الموقف، وعظم ذلك المنظر، وشدة الأمر، فالطريق الذي يمكن أن ينجو من سلكه من فوق جهنم، وهو كما مر دقيق، وغير ثابت، وفي منتهى الحرارة، وعليه كلاليب تخطف بعض الناس، فإذاً لا بد من النار، ومن أجل ذلك خرست الألسن، فلا أحد يستطيع أن يتكلم، وإنما ينفرد بالتكلم رسل الله، حيث أمنوا بأمان الله لهم، وكلامهم هو تضرع إلى الله – تعالى – بقولهم: ((اللهم سلم سلم)) .
قوله: ((وفي جهنم كلاليب)) جمع كلوب، وهو حديدة معقوف رأسها ومحدد، بحيث تدخل في الشيء الذي يراد إمساكه بها، وقد يقسم رأسها إلى عدة كلاليب يستخرج بها ما يسقط في البئر، أو غيرها، وقد يعلق بها اللحم.
ولكن هذه الكلاليب على خلاف المعهود للناس من كلاليب الدنيا، ولهذا قال: ((مثل شوك السعدان)) ، السعدان عشب تحبه الإبل، وتسمن عليه، له شوك مفلطح، يشبه القرص، وعلى دائرته شويكات كثيرة معقفة، وفي أحد جانبيه شويكات كذلك معقفة، إذا أمسكت شيئاً يصعب استخراجها، ولما كان شوك السعدان ليس كبيراً، قال: ((غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله)) ، يعني: لا أحد يستطيع وصف كبرها، وقدرتها على خطف من أمرت بخطفه، وإنما يعلم ذلك خالقها وحده.
قوله: ((تخطف الناس بأعمالهم)) أي: بسبب أعمالهم، التي عصوا الله بها
стр. 568
وخالفوا أمره، ولهذا قال: ((فمنهم الموبق)) أي: الهالك الذي أهلكته ذنوبه، وهو من سقط في النار.
((والمخردل)) وهو من يلقى في النار، ويرمى به فيها، والمعنى: أن الكلاليب تمسكه فتلقيه في النار صريعاً، إلقاء بقوة وشدة.
قوله: ((أو المجازى، ونحوه)) هو شك من الراوي: هل قال: المخردل، أو المجازى؟ والمجازى: هو الذي يجزى بعمله، فإذا لم يعف الله – تعالى - عن عبده فإنه يهلك.
قوله: ((ثم ينجلي)) أي: ينجلي ذلك الأمر الهائل، وينكشف، وهو العبور على النار، والمحاسبة، وغير ذلك من عظائم يوم القيامة.
قوله: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد)) كل عمل له بداية ونهاية، ونهايته الفراغ منه، والمعنى: أن الله تعالى يتولى محاسبة عباده بنفسه وينتهي من ذلك، وهو – تعالى – أسرع الحاسبين، وجاء وصف الله – تعالى – بذلك في كثير من النصوص، وهو من أوصاف الفعل، وهي كثيرة.
قوله: ((وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار)) المقصود بأهل النار هنا: أهل التوحيد، الذين دخلوا النار بذنوبهم، وموبقات أعمالهم، وهم كثيرون.
أما المشركون، والكافرون، فإنهم لا يخرجون من النار، بل هم خالدون فيها، وأوضح ذلك بقوله:
((أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يشهد أن لا إله إلا الله)) فهذا صريح في أنه يدخل النار خلق كثير ممن لا يشرك بالله شيئاً، ولكنهم عصوا الله بفعل المحرمات، غير الشرك، وبترك الأوامر، ولهذا قال: ((ممن يشهد أن لا إله إلا الله)) يعني:
стр. 569
يعبد الله وحده، ولا يشرك معه غيره في العبادة.
قوله: ((فيعرفونهم في النار، بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود؟ حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود)) وهذا أيضاً صريح وواضح في أنهم كانوا يصلون، ويسجدون لله - تعالى – ويعبدونه وحده.
وأثر السجود هي الأعضاء التي يسجد عليها، وهي: الجبهة والأنف، وبطون الكفين، والركبتان، وأطراف القدمين.
وفي هذا دليل على فضل السجود لله - تعالى – وهو من آيات الله تعالى الدالة على قدرته الباهرة، حيث تأكل النار جسم ابن آدم إلا هذه المواضع المختلفة في البدن، فإنها لا تضرها، ولا تغيرها؛ لأن الله حرمها عليها، والنار لا تأكل إلا ما أمرها الله بأكله.
قوله: ((فيخرجون من النار قد امتحشوا)) امتحشو: يعني احترقوا، وقد استدل بهذه الجملة من يقول: إنهم يموتون في النار، وقيل: إنهم لا يموتون، فالله أعلم.
أما قوله: ((فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته، كما تنب الحبة في حميل السيل)) فالمراد: نبات لحومهم وغيرها التي أحرقتها النار، ولا يلزم من ذلك أنهم ماتوا، وفارقتهم الحياة، بل الظاهر أنهم بقوا أحياء يذوقون العذاب، جزاء لإجرامهم، وسيأتي أنهم يموتون موتاً حقيقيًّا، فالله أعلم.
وماء الحياة، جاء تفسيره بأنه نهر من أنهار الجنة، وسيأتي في حديث أبي سعيد: أنهم يلقون في ذلك النهر، ثم ينبتون على حافتيه.
((والحبة)) هي: البذرة التي ينبت منها الزرع وغيره.
وحميل السيل هو: ما يحمله من الغثاء، ويلقيه على جوانب الوادي، والنبات يكون فيه أسرع، وأقوى؛ لما فيه من الأسمدة.
قوله: ((ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار)) يعني: أنه أخرج من النار
стр. 570
وأوقف قريباً منها، وجعل وجهه إليها، لا يستطيع أن يصرف وجهه عنها، وذلك من بقية عذابه، ولهذا يدعو ربه بأن يصرف وجهه عن النار، ويكون ذلك هو أعظم ما يتمناه ويريده، بل هو مراده.
قوله: ((هو آخر أهل النار دخولاً الجنة)) أهل الفساد قسمان: قسم خلق للنار، وهم المشركون والكفار باختلاف أنواعهم، فهؤلاء لا يخرجون من النار أبداً.
وقسم يكون من أهل النار مؤقتاً، وهؤلاء هم عصاة المؤمنين من الذين لا يعبدون إلا الله وحده، إلا أنهم ارتكبوا ذنوبا عظاماً استوجبوا بها النار، وهم خلائق لا يحصيهم إلا الله - تعالى -، ويتفاوتون في لبثهم في النار تفاوتاً عظيماً، ولكن لا يبقى في النار منهم أحد وإن طال لبثه، وهذا الرجل المذكور في الحديث هو آخر من يخر ج من النار من الموحدين الذين أدخلوا النار، وهو أدنى أهل الجنة منزلة، كما سيأتي التصريح بذلك في هذا الحديث.
قوله: ((قشبني ريحها)) قال النووي: معنى قشبني: سمني، وآذاني، وأهلكني، قاله جماهير أهل اللغة.
وقال الخطابي: قشبه الدخان: ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه، وأصل القشب: خلط السم بالطعام، يقال: قشبه، إذا سمّه (١) .
والمعنى: أن ريح النار الكريه عذّبه، وبلغ منه مبلغ الهلاك.
قوله: ((وأحرقني ذكاؤها)) ذكاؤها: حرها ووهجها.
((ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء)) .
стр. 571
هذا الرجل الذي هو آخر من يخرج من النار، من أهل الإيمان، يخاطبه الله - تعالى - بعد أن يدعوه، ويسأله بأن يصرف وجهه عن النار، فهو قد قصر مسألته لله على صرف وجهه عن النار فقط.
ولهذا يقول الله له: لعلك إذا أعطيتك ما سألتني، أن تسأل غيره، وليس ذلك لأن الله - تعالى - يكبر عليه شيء، بل لتحصل هذه المحاورة بين رب العالمين وبين هذا الرجل الذي هو أدنى أهل الجنة منزلة، وليظهر ضعف العبد، وقصر نظره، وغنى الرب - تعالى -، وكمال حلمه وعلمه، وحكمته ورحمته، وسيعيد البخاري هذا الحديث مستدلاً به على وقوع الكلام من الله - تعالى - لمن يشاء من عباده يوم القيامة.
قوله: ((فإذا أقبل على باب الجنة، ورآها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب: قدمني إلى باب الجنة)) أي: أنه يرى الجنة، ظاهراً، فيحاول أن يفي بعهوده ومواثيقه التي أعطاها ربه، فيسكت وقتاً، ولكن لضعفه وفقره، وحاجته إلى فضل ربه، لا يستطيع الصبر، فيعود مرة أخرى ناكثاً لعهوده ومواثيقه بأنه لا يسأل غير ما سأل أول مرة، ولكن الله - تعالى- يعفو عنه ويعذره؛ لأنه لا يستطيع الصبر على ما يرى.
وقول الله - تعالى - له: ((ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك)) يعني: أنك كثير الغدر والخيانة، فقد نكثت بالعهود والمواثيق التي أعطيتها بأنك لا تسأل غير ما سألت مرات متعددة.
قوله: ((انفهقت له الجنة)) أي: انفتحت، وانزاحت الستائر التي تحجب الرؤية، قوله: ((الحبرة والسرور)) أي: يرى أنواع النعيم، من المأكولات، وغيرها، فالخير كله بحذافيره في الجنة.
قوله: ((لا أكون أشقى خلقك)) يقول ذلك، لأنه يشاهد أهل الجنة يتنعمون بأنواع النعيم، وما هم فيه من الفرح والسرور، وهو ممنوع عن دخولها،
стр. 572
فتصور عند ذلك أنه أشقى خلق الله، وليس كذلك.
قوله: ((حتى يضحك الله منه)) صفة الضحك تكاثرت عليها الأدلة، وهي صفة من صفات الفعل، يجب الإيمان بها على ظاهر ما دلت عليه النصوص، ولا يجوز تأويل الضحك بلازمه، كما يقوله أهل الباطل، من الجهمية ومن سار على نهجهم، من أن الضحك هو الرضا أوالعطا، ونحو ذلك مما هو من مخلوقات الله - تعالى -.
قال أبو سعيد الدرامي ﵀: [وادعى المعارض أن ضحك الرب: رضاه ورحمته، وصفحه عن الذنوب، كقولك: رأيت زرعاً يضحك.
فيقال له: كذبت بأحاديث رسول الله ﷺ الله عليه وسلم - إذ شبهت ضحكه بضحك الزرع؛ لأن ضحك الزرع ليس بضحك، وإنما هو خضرته ونضارته، ولم تسبق إلى هذا التفسير، فأنت محرف لقول رسول الله ﷺ فكيف تجعل ضحك الرب إلى أوليائه، كضحك الزرع، الذي هو عبارة عن نضارته وخضرته؟ فهو ما دام كذلك فهو يضحك لكل من رآه، لمن يسقيه، ومن يحصده.
وقولك: إن ضحكه: رضاه ورحمته، تصديق لبعض الحديث، وتكذيب للبعض الآخر، حيث رددت الضحك وقبلت الرضا، والله - تعالى - لا يضحك لأحد إلا عن رضا، فيجتمع منه الضحك والرضا.
ولم نسمع عن أحد من أهل السنة أنه يشبه ضحك الله - تعالى - أو شيئاً من أفعاله بشيء من فعل المخلوقين، كما ادعيت أيها المعارض.
بل نقول: إن الله - تعالى - يضحك كما يشاء، وكما يليق به.
ثم ادعيت تفسيراً أوحش من هذا، فقلت: يحتمل أن يكون ضحكه أن يظهر من خلقه ضاحكاً، يأتيهم يبشرهم.
стр. 573
مع أن الحديث الذي ذكره المؤول يرد عليه، وفيه قول أبي رزين: ((قلت: يا رسول الله، أو يضحك ربنا؟ قال: نعم)) ، ولم يقل: يخلق ربنا من يضحك.
ثم قال أبو رزين: ((لن نعدم من رب يضحك خيراً)) فجعل الضحك من الرب - تعالى - دليلاً على حصول الخير.
ثم ادعى المعارض ما هو أبعد من هذا كله، فزعم أن معنى: يضحك الله من كذا، أي: يجعله ضاحكا.
فيقال: إذا تحولت اللغة العربية إلى لغتك، ولغة أصحابك، جاز فيها أنكر من هذا التأويل، وأفحش.
ولو كان كما ذكر، لكان سؤال أبي رزين، لرسول الله ﷺ الله عليه وسلم - يدل على الجهل، حيث سأل، أو يُضحك ربنا الخلق؟ وهو يعلم أن كل الخلق الذي يضحكهم هو الله - تعالى -، وقد قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ (١) .
ثم ذكر بسنده حديث ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم - قال: ((آخر رجل يدخل الجنة رجل يمشي، يكبو على الصراط مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي أنجاني منك، فترفع له الجنة، فيقول: يا رب أدنني إليها، وفيه: ((ألا تسألوني: مم أضحك؟)) فقالوا: مم تضحك؟ فقال: من ضحك رب العالمين)) (٢) .
وذكر الحديث: ((ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)) (٣) .
стр. 574
وحديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة يضحك الله - تعالى - إليهم يوم القيامة: رجل قام من الليل، والقوم إذا صفوا للقتال، والقوم إذا صفوا للصلاة)) (١) . وحديث نعيم بن عمار ((جاء رجل إلى النبي ﷺ الله عليه وسلم - فقال: أي الشهداء أفضل؟ قال: ((الذين يلقون في الصف، ولا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك الذين يتبلطون (٢) في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه)) (٣) .
وحديث عبد الله بن عمرو: ((يضحك الله إلى صاحب البحر ثلاث مرات، حين يركبه، ويخلى من أهله، وحين يميد متشطحاً، وحين يرى البر ... )) .
وحديث ابن مسعود: ((إن الله يضحك إلى اثنين: رجل قام من جوف الليل، فتوضأ وصلى، ورجل كان مع قوم، فلقوا العدو فانهزموا وحمل عليهم، فالله يضحك إليه)) (٤) .
وحديث أبي هريرة: ((يضحك الله من رجلين قتل أحدهما صاحبه، وكلاهما دخل الجنة)) (٥) .
وحديث أسماء بنت يزيد بن السكن: لما توفي سعد بن معاذ، صاحت أمه، فقال لها رسول الله ﷺ : ((ألا يرقأ دمعك، ويذهب حزنك؟ فإن
стр. 575
ابنك أول من يضحك الله إليه)) (١) ] (٢) .
((والضحك في موضعه المناسب له، صفة مدح وكمال، وإذا قُدِّر حَيَّان: أحدهما يَضْحَكُ منه، والآخر لا يضحك، فإن الأول أكمل من الثاني.
ولهذا قال النبي ﷺ : ((ينظر إليكم الرب قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب)) .
فقال له أبو رزين العقيلي: يا رسول الله، أو يضحك الرب؟ قال: ((نعم)) قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً)) .
فجعل الأعرابي العاقل - بصحة فطرته - ضحكه دليلاً على إحسانه وإنعامه، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك، مذموم بذلك.
وإذا كان الضحك فينا مستلزماً لشيء من النقص، فالله - تعالى - منزه عن ذلك، فضحكه - تعالى - يليق به، لا يلزم عليه شيء من النقص)) (٣) .
ولأصحاب التأويل، تأويلات مضحكة، وحجج متهافتة سخيفة، يحاولون أن ينفوا عن الله - تعالى - ما أثبته له رسوله ﷺ ، كقولهم: لو كان يضحك، لكان هذا القول - مثلا - مضحكاً له، وقوله: لو جاز عليه الضحك لجاز عليه البكاء.
وهكذا تكون حجج أهل الضلال والهوى، وطرد قولهم أن يقال: لو جاز عليه العلم لجاز عليه الجهل، ولو جاز أن يكون حياً لجاز أن يموت.
стр. 576
فكيف تجعل صفات الكمال مستلزمة لثبوت صفات النقص؟ أليس هذا هو قلب الحقائق، وعين المحال؟ سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.
ومن لا يكتفي بما جاء به الرسول ﷺ ويتخذه إماماً هادياً، اجتالته الشياطين، وتقاذفته الأهواء، ومن حكم عقله على الوحي فسوف يلقيه في مكان سحيق.
قوله: ((فإذا ضحك منه، قال له: ادخل الجنة)) الضحك دليل على الرضا، ولهذا لما ضحك الله - تعالى - من هذا
الرجل، رضي عنه فأمره بدخول الجنة، وهذا مما يبطل قول أهل التأويل الذين يفسرون الضحك في الله - تعالى - بالثواب.
قوله: ((فإذا دخلها قال الله له: تمنه)) أي: اسأل ما تريد، واطلب ما يخطر على بالك.
قوله: ((فسأل ربه، وتمنى)) السؤال لما يتوقع حصوله، والتمني لما لا يتوقع حصوله، بل هو بعيد المنال.
قوله: ((حتى إن الله ليذكره، يقول: كذا وكذا)) أي يقول له: اسأل كذا وكذا، من الأشياء التي لم تخطر على فكره.
قوله: ((حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله: ذلك لك ومثله معه)) كان أبو سعيد الخدري يستمع لأبي هريرة، فلما قال: ((ذلك لك ومثله معه قال له: ((عشرة أمثاله معه يا أبا هريرة)) يعني: أن الله - تعالى - يعطي هذا الرجل كل ما سأل وتمنى، ومعه عشرة أمثاله، قال أبو هريرة: ((ما حفظت إلا قوله: ((ذلك لك، ومثله معه)) ، قال أبو سعيد: ((أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: ((ذلك لك، وعشرة أمثاله)) .
وهذا يدل على أن الرسول ﷺ حدث أصحابه بهذا الحديث مرات
стр. 577
متعددة، في بعضها ذكر ما حفظه أبو سعيد، حيث حضر ذلك المجلس الذي قال فيه: ((ذلك لك وعشرة أمثاله)) وغاب عنه أبو هريرة، ولا منافاة، ومثل ذلك يحصل كثيراً.
قوله: ((قال أبو هريرة: فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً الجنة)) .
وهو أدنى أهل الجنة منزلة، ومع ذلك يعطى ما ذكر، وقد جاء في بعض الروايات أنه يعطى عشر مرات.
٦٦ - قال: حدثنا يحيي بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال: ((هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟ قلنا: لا، قال: ((فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما)) .
ثم قال: ((ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبرات من أهل الكتاب.
ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟
قالوا: كنا نعبد عزيز ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فما تريدون؟
стр. 578
قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.
ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟
فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون [في جهنم] .
حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟
فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا.
قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق.
فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعه، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً.
ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة، مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليب، وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان.
стр. 579
المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً، فما أنتم بأشد لى مناشدة في الحق، قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار.
وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا، إخواننا الذين كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا.
فيقول الله - تعالى – اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا.
ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا.
ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا.
قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرءوا ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (١) .
فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون.
فيقول الجبار ﷻ : بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار
стр. 580
فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه، كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض.
فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة.
فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه.
فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) .
قوله: ((قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟)) في رواية مسلم: ((أن ناساً في زمن رسول الله ﷺ قالوا ... الخ)) فما هنا تفسير لها.
قوله: ((هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟))
في رواية مسلم: ((في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب)) يعني: في وقت خلو السماء من السحاب والقتر، فقوله: ((ليس معها سحاب)) زيادة إيضاح لقوله: ((صحواً)) .
قوله: ((ثم ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون)) تقدم في حديث أبي هريرة قوله: ((يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه)) . فيكون المنادي هو الله تعالى، ومعلوم أن النداء هو رفع الصوت بالكلام، فما أبلغ هذا في إثبات تكلم الله تعالى حقيقة.
قوله: ((فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم)) يعني: عبَّاد الصليب، وهم النصارى كما هو معلوم.
((والأوثان هي الأصنام، وقد تطلق على كل معبود من دون الله تعالى)) .
стр. 581
قال ابن الأثير: ((الفرق بين الوثن، والصنم: أن الوثن: كل ما له جثة معمولة، من جواهر الأرض، أو من الخشب أو الحجارة، كصورة الآدمي تعمل وتنصب، فتعبد، والصنم: الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلعهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة)) (١) .
وقد جاء في قصة عدي بن حاتم أنه قال: ((قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: ((ألق هذا الوثن عنك)) (٢) وهذا يدل على أن الوثن يطلق على كل ما عبد من دون الله، وقد قال الأعشى:
تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن (٣)
يريد بالوثن: الصليب.
قوله: ((وأصحاب كل آلهة مع آلهتم)) ، قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُون﴾ (٤) والمقصود بأزواجهم: نظراؤهم وإخوانهم في العمل. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (٥) .
فالله تعالى يحشر كل عابد مع معبوده؛ لأنهم كانوا في الدنيا يزعمون أن معبوداتهم من دون الله سوف تتولاهم، وتشفع لهم وتنفعهم، فجمعهم الله مع معبوداتهم ليظهر كذبهم وغرورهم، وفقر كل من العابد والمعبود.
стр. 582
وفي رواية عبد الله بن مسعود: ((يقول الله – تعالى – للناس في ذلك الموقف: أليس عدل مني أن أُوَلِّيَ كل عابد ما كان يعبد؟)) . قوله: ((حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبرات من أهل الكتاب)) .
البر: هو المطيع لله، المتبع لرسله، والفاجر هو: الخارج عن الطاعة، ولو في بعض الأمور.
والغبرات جمع غبر، بضم الغين وفتح الباء، المقصود: بقايا من اليهود والنصارى قليلة، وأما معظمهم وجُلُّهم فقد ذهب بهم مع أوثانهم إلى جهنم.
قوله: ((ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب)) في ذلك الموقف أمور عظام ومهولة، وله أحوال متعددة، وحقائقها لا تعلم إلا بالمعاينة، ولكن الرسل، ولا سيما خاتمهم، جاءوا بما يكفي المؤمن في الإتقان من أوصاف ذلك اليوم.
وفي هذا: ((أن جهنم يؤتى بها كأنها سراب)) وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)) (١) .
فيؤتى بجهنم بهذه الصفة تعرض على الناس في ذلك الموقف، وهناك: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢) .
والسراب: هو ما يرى في الأرض الخالية المستوية وقت ما تشتد حرارة الشمس من أثر انعكاس أشعتها على الأرض، فيرى في القيعان كأنه ماء، فإذا قرب إليه الرائي أُبعد عنه، فهو كما قال الله تعالى:
стр. 583
﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (١) .
قوله: ((فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيزاً ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد)) السؤال لتبكيتهم، وتقريرهم بما يستحقون به العذاب، وهو عبادتهم لغير الله.
وفيه دليل على أن الناس في ذلك اليوم يكونون على عقائدهم في الدنيا؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى لما سئلوا عما كانوا يعبدون قالوا: عزيزاً ابن الله والمسيح ابن الله، فهم لا يزالون يعتقدون أن عزيزاً ابن الله، وكذلك النصارى يظنون ذلك في المسيح.
والكذب الذي أضيف إليهم هو قولهم: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله، ولهذا قال: لم يكن لله صاحبة ولا ولد.
قوله: ((فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم)) في ذلك الموقف يشتد الظمأ لتوالي الكربات، وترادف الشدائد المهولات، ولهذا صار أول مطلبهم الماء، وقد مثلت لهم جهنم كأنها ماء، كما سبق في قوله: ((كأنها سراب)) فيقال لهم: اذهبوا إلى ماترون، وتظنونه ماء، فاشربوا فيذهبون فيجدون جهنم يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون فيها، ومثل ذلك يقال للنصارى بعدهم.
قوله: ((حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر)) تقدم في الحديث قبله: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)) وما هنا أعم، وتقدم الكلام عليه.
قوله: ((فيقال لهم: ما يحبسكم، وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم)) الذي يخاطبهم بذلك هو رب العالمين، كما هو واضح في السياق.
والرواية التي ذكرها البخاري في ((التفسير)) : ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين)) (٢) ، وهذا من الامتحان
стр. 584
والابتلاء؛ ليتبين ثباتهم وصدقهم، ولذلك قالوا: فارقنا الناس في الدنيا ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وذلك لأنهم عصوا الله وخالفوا أمره وناصبوا من أطاعه العداوة، فعاديناهم لذلك، وزايلناهم بغضاً لهم في الله، وإيثاراً لطاعة ربنا، كما قال إبراهيم ﵇، والذين معه من الرسل والمؤمنين: ﴿قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) .
قوله: ((إليه)) قال مصححو الطبعة البولاقية: ((هكذا في جميع النسخ متناً وشرحاَ بضمير الإفراد، وهو مخالف لما ذكره الشارح [يعني: القسطلاني] نقلاً عن البرماوي والكرماني والعيني، حيث قال: ((وكنا في ذلك الوقت أحوج إليهم)) وتقدم في تفسير سورة النساء بضمير الجمع)) (٢) .
وقد أشار الحافظ إلى صحة الإفراد، وأن عياضاً رجحه، وجعل الضمير عائداً إلى الله تعالى، والمعنى: ((فارقنا الناس في معبوداتهم، ولم نصاحبهم، ونحن اليوم أحوج إلى ربنا من أي يوم كان، أي: إنا محتاجون إليه)) (٣) .
قوله: ((وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا)) يعني: أنهم امتثلوا قول المنادي، وليسوا ممن يعبد تلك المعبودات التي أحضرت إلى عابديها، ثم سيقوا معها إلى النار، وقد علموا أن ربهم تعالى سيأتيهم.
قوله: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) .
وقد تقدم الكلام في الصورة بما يكفي، وفي الرواية التي ذكرها في ((التفسير)) : ((أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة)) وهو لفظ
стр. 585
رواية مسلم (١) ، وفي السنة لابن أبي عاصم: ((ثم يتبدى الله لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة)) ، وفي رواية عنده أيضا: ((ثم يرفع برنا ومسيئنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة)) (٢) وقد تقدم.
وفي صحيح مسلم في هذا الحديث: ((ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)) (٣) .
ففي هذه الألفاظ بيان صريح بأنهم قد رأوه في صورة عرفوه فيها، قبل أن يأتيهم هذه المرة، وفي ذلك رد لما قاله الإمام أبو سعيد الدرامي ﵀، حيث جعل معرفتهم إياه بصفاته التي تعرف بها إليهم في الدنيا.
وكذلك قوله: ((إن هذا التحول من صورة إلى صورة، هو تمثيل يمثله الله في أعينهم.
أما هو - تعالى - فلا يتحول من صورة إلى صورة، وهذا خلاف ما صرحت به الأحاديث كما ذكرنا (٤) .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قول أبي سعيد هذا، ورده من وجوه عدة، فقال بعد ما ذكر أقوال أهل التأويل، من الجهمية والحلولية، لحديث الصورة وإتيان الرب - تعالى - إلى أهل الموقف بصورته، فقال: ((وأقرب ما يكون عليه إتيان الله - تعالى - في صورته بعد صورة - وإن كان تأويلا باطلاً - أيضاً ما ذكره بعض أهل الحديث، مثل أبي عاصم
стр. 586
النبيل، أنه كان يقول: ذلك تغيير يقع في عيون الرائين، كنحو ما يخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به فيتوهم الشيء على الحقيقة.
وقال عثمان بن سعيد في نقضه على بشر المريسي: ((وأما إنكارك على رسول الله – ﷺ أنه قال: إن الله يتراءى لعباده المؤمنين يوم القيامة، في غير صورته، فيقولون: نعوذ بالله منك، ثم يتراءى في صورته التي يعرفونها، فيتبعونه، فزعمت أن من أقر بهذا فهو مشرك.
فيقال لهم: أليس قد عرفتم ربكم في الدنيا، فكيف جهلتموه عند العيان، وشككتم فيه؟
وقد صح بهذا الخبر عن رسول الله – ﷺ كأنك تسمعه يقوله من جودة إسناده.
ولو أن الله تجلّى لهم أول مرة في صورته التي عرّفهم صفاتها في الدنيا، لاعترفوا بما عرفوا، ولكنه يُرى نفسه في أعينهم؛ لقدرته، ولطف ربوبيته، في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا؛ ليمتحن الله بذلك إيمانهم، ثانية في الآخرة، أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه، واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك.
فإذا مثل في أعينهم غير ما عرفوا من الصفة نفروا، وأنكروا، إيماناً منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا بها، من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة.
ولكن يمثل ذلك في أعينهم، كما مثل جبريل مع عظم صورته، في صورة دحية الكلبي، وكما مثل لمريم بشراً، وكما شبه عيسى في أعين اليهود)) (١) .
стр. 587
وهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن في حديث أبي سعيد المتفق عليه: ((فيأتيهم في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)) . ... وفي لفظ: ((في أدنى صورة من التي رأوه فيها)) ، وهذا يفسر قوله في حديث أبي هريرة: ((فيأتيهم الله في صورة غير
صورته التي يعرفون)) ، ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم متقدمة، في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها.
وفي هذا التفسير قد جعل صورته التي يعرفون، هي التي عرفهم صفاتها في الدنيا، وليس الأمر كذلك؛ لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة، لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا.
ولفظ الرواية صريح في ذلك، وقد بينا أنه في غير حديث ما يبين أنهم رأوه قبل هذه المرة.
الثاني: أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة، ولم يروه في الدنيا في صورة، فإن ما وصف الله – تعالى – به نفسه، ووصفه به رسوله، لا يوجب لهم معرفة صورة يعرفونه فيها، ولهذا قال – تعالى -: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءُُُ﴾ (١) ، فلو أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك.
فعلم أنهم لم يطبقوا الصورة التي رأوه فيها أول مرة [على ما علموه في الدنيا] (٢) .
وقد قال النبي – ﷺ – في سدرة المنتهى: ((فغشيها من أمر الله ما غشاها، حتى لا يستطيع أحد أن ينعتها من حسنها)) (٣) ، فالله أعظم من أن يستطيع
стр. 588
أحد أن ينعت صورته، وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم.
ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات أيسر، ومع هذا فقد قال: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) (١) فالخالق أن لا يكونوا يطيقون معرفة صفاته كلها أولى.
الوجه الثالث: أن في حديث أبي سعيد: ((فيرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة)) فقوله: ((لا يتحول من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم)) مخالف لهذا النص.
الوجه الرابع: أن في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، من طريق العلاء: ((أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون)) وفي لفظ ((أشباه ما كانوا يعبدون)) .
ثم قال: ((ويبقى محمد وأمته، فيتمثل لهم الرب – ﵎ ٠ فيأتيهم فيقول: ((ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهاً ما رأيناه بعد)) ، فقد أخبر أن الله – تعالى – هو الذي يتمثل لهم، ولم يقل لهم كما قال في معبودات المشركين، وأهل الكتاب.
الوجه الخامس: أن في عدة أحاديث، كحديث أبي سعيد، وابن مسعود: ((قال: هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه، فيسجدون له)) . وهذا بيِّن أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا، بل بآية وعلامة عرفوها في الموقف.
وكذلك في حديث جابر: ((قال: فيتجلى لنا يضحك)) ، ومعلوم أنه وإن
стр. 589
وصف بالدنيا بالضحك فصورته لا تعرف بغير المعاينة.
الوجه السادس: أنه مثل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ (١) ، وبقوله: ﴿وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم ْ﴾ (٢) ، وهذا غير مناسب؛ لأن اليهود غلطوا في الذي رأوه، حيث ظنوه المسيح، ولم يكن هو، ولكن ألقى شبهه عليه، وكذا الذي رأته مريم، ومحمد ﷺ ، هو جبريل نفسه في صورة آدمي، فكيف يقاس ما رئي هو نفسه في صورة على ما لم ير؟
وأما التقليل والتكثير في أعينهم فهو في المقدار، ليس في نفس المرئي، ولكن في صفته.
الوجه السابع: أن هذا المعنى كان مقيداً بالرائي، لا بالمرئي، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ْ﴾ (٣) ، فقيد ذلك بأعين الرائين، يقال: كان هذا في عين فلان رجلاً، فظهر امرأة، وكان كبيراً، فظهر صغيراً، ونحو ذلك.
لا يقال: جاء فلان في صورة كذا، ثم تحول في صورة كذا، ويكون التصوير في عين الرائي فقط)) (٤) .
قوله: ((فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن الضمير في قوله: ((فيكشف عن ساقه)) يعود إلى الله تعالى، ففي ذلك إثبات الساق صفة لله تعالى، ويكون هذا الحديث ونحوه تفسيراً لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ
стр. 590
يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ْ﴾ (١) .
قال البخاري في ((التفسير)) من ((صحيحه)) : ((باب: ((يوم يكشف عن ساق)) :
حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد – ﵁ _ قال: سمعت النبي – ﷺ – يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً)) وهذا حديث متفق على صحته، وفيه التصريح في أن الله تعالى يكشف عن ساقه، وعند ذلك يسجد له المؤمنون.
ومن تأوّله التأويلات المستكرهة، فقد استدرك على رسول الله – ﷺ – ولم يرض بما جاء به عن ربه ﵎.
ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ْ﴾ (٢) ليس نصاً في أن الساق صفة لله – تعالى -؛ لأنه جاء نكرة غير معرف بالإضافة إلى الله – تعالى -، فيكون قابلاً كونه صفة، وكونه غير صفة، وتعينه لواحد من ذلك يتوقف على الدليل، وقد دل الدليل الصحيح على أنه صفة لله – تعالى – فلا يجوز تأويله بعد ذلك.
أما ما جاء عن ابن عباس وغيره أن ذلك: الشدة والكرب يوم القيامة، فهذا بالنظر إلى لفظ الآية؛ لأنها كما قلنا لم تدل على الصفة بلفظها، وإنما الدليل هو الحديث المذكور، مع أنه جاء عن أبي سعيد، راوي الحديث، وجاء عن غيره أيضاً، أنهم جعلوها دالة على الصفة.
قال شيخ الإسلام: ((وقد طالعت التفاسير المنقولة، عن الصحابة،
стр. 591
وما رووه من الحديث، ووقفت على أكثر من مِائَة تفسير، فلم أجد عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات، أو أحاديثها، بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ْ﴾ فروي عن ابن عباس، وطائفة، أن المراد به: الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد، وطائفة، أنهم عدوها في الصفات، للحديث الذي رواه أبو سعيد في ((الصحيحين)) .
ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة، لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر)) (١) .
وقال أيضاً: ((الصحابة قد تنازعوا في تفسير هذه الآية، هل المراد به: الكشف عن الشدة، أو المراد: أنه يكشف الرب عن ساقه؟
ولم يتنازع الصحابة والتابعون فيما يذكر من آيات الصفات، إلا في هذه الآية، بخلاف [قوله: ﴿لِمَا خَلَقتُ بِيَدَى َّ ﴿﴾ وَيَبقَى وَجهُ رَبِكَ﴾ ونحو ذلك، فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون] ، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله – تعالى – [يعني قوله – تعالى -: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق﴾ ؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق﴾ ، ولم يقل عن ساق الله، ولا قال: يكشف الرب عن ساقه، وإنما ذكر ساقاً نكرة غير معرفة، ولا مضافة.
وهذا اللفظ بمجرده، لا يدل على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله – تعالى –أثبتوه بالحديث الصحيح، المفسر للقرآن، وهو
стр. 592
حديث أبي سعيد الخدري، المخرج في ((الصحيحين)) الذي قال فيه: ((فيكشف الرب عن ساقه)) .
وقد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك، من جهة أنه أخبر أن يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا لله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضاً فحمل ذلك على الشدة، لا يصلح، لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة – أي: أزالها – كما قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢) .
وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال: كشف الشدة – أي: أزالها – فلفظ الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق﴾ وهذا يراد به الإظهار والإبانة، وأيضاً هناك تحدث الشدة، لا إزالتها، فلا تكشف الشدة يوم القيامة.
لكن هذا الظاهر [من كون القرآن دالاً على الصفة] ليس ظاهراً من مجرد لفظة ((ساق)) بل بالتركيب، والسياق، وتدبر المعنى المقصود)) (٣) .
وبهذا يتبين بطلان قول من يقول: المراد بالساق: الأمر الشديد المهول، أو أنه مَلَكٌ يجعله الله علامة يعرفونها، ونحو ذلك من التأويلات الباردة السخيفة التي يجب أن ينزه عنها كلام العقلاء، فضلاً عن كلام رسول الله – ﷺ .
وكل من جرّد نفسه لله، وطرح عنه التعصب، والتقليد، فإنه يعلم بطلان هذه التأويلات، وسخافتها.
قوله -: ((فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب
стр. 593
كيما يسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً)) ، وهذا مما يدل على أن الساق صفة لله – تعالى – حيث عرفه المؤمنون بذلك فسجدوا له، ومعلوم أن الشدائد في ذلك اليوم متوالية، من النفخ في الصور، وجمع الناس في صعيد واحد من أولهم إلى آخرهم، فيطول وقوفهم، شاخصة أبصارهم، حفاة، عراة، غرلاً، جياعاً عِطاشاً، ثم يؤتى إليهم بجهنم، تُجر بسبعين ألف زمام، في كل زمام سبعون ألف ملك، ثم تتوالى الأهوال من نصب الموازين، والصراط، والعبور على النار، حتى ينجو المؤمنون إلى الجنة، وأما من عداهم فلا يخرجون من شدة إلا إلى ما هو أشد منها، وكل هذه الأمور وغيرها لم توجب للمؤمنين السجود.
فلما مثل لكل قوم ما يعبدون، وأمروا باتباع معبوداتهم إلى النار، وبقي المؤمنون ينتظرون معبودهم، حتى إذا جاءهم في صورة لا يعرفونه بها، وقال: أنا ربكم، فيتعوذون بالله منه، خوفاً أن يكون غير ربهم؛ لأنهم لم يكونوا يشركون به شيئاً ثم يقول لهم: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، الساق، عند ذلك يكشف عن ساقه - جل وعلا -، فيخرُّون له سُجَّداً.
وأما المنافقون الذين يراءون الناس بعبادتهم، فمنعوا من السجود، وجعلت ظهورهم طبقاً واحداً، لا يستطيعون الانحناء، ولا السجود؛ لأنهم ما كانوا في الحقيقة يسجدون لله في الدنيا، وإنما كانوا يسجدون لأغراضهم الدنيوية.
قوله: ((ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة، مزلة)) المدحضة: الذي لا تستمسك فيه الأقدام، ومزلة: صفة لمدحضة، يعني: أن القدم إذا وطئ عليه لا يثبت، بل يزل، والدحض: هو الموضع الذي فيه طين وأصابه الماء، فأصبح يدحض من وطئ عليه، أي: يزله، ولا يثبت عليه قدم.
قوله: ((عليه خطاطيف)) هو الحديدة المعقوفة، المحددة؛ لأجل أن تمسك
стр. 594
من أريد خطفه بها، فهي قريبة من الكلوب، وتقدم شرحها وتفسير السعدان.
قوله: ((المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب)) يعني: مرورهم على النار يختلف باختلاف إيمانهم، فمن كان إيمانه كاملاً، وعمله صالحاً خالصاً لله، فإنه يمر من فوق جهنم كلمح البصر، ومن كان دون ذلك يكون مروره بحسب إيمانه وعمله، كما فصل ذلك في الحديث، ومثل بالبرق، والريح، إلى آخره.
قوله: ((فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً)) جعل المارين على الصراط أربعة أصناف:
الأول: الناجي المسلم من الأذى، وهؤلاء يتفاوتون في سرعة المرور عليه كما سبق.
والثاني: الناجي المخدوش، والخدش هو الجرح الخفيف، يعني: أنه أصابه من لفح جهنم، أو أصابته الكلاليب والخطاطيف التي على الصراط بخدوش.
والثالث: المكدوس في النار، الملقى فيها بقوة، قال ابن الأثير: ((كأن الإنسان تجمع يداه، ورجلاه، ويشد، ويلقى في النار، وهو بمعنى المكردس، وجاء في بعض نسخ مسلم ((مكدوش)) (١) .
والرابع: الذي يسحب على الصراط سحباً قد عجزت أعماله عن حمله.
قوله: ((فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم، من المؤمن يومئذ للجبار)) هذا من كرم الله، ورحمته، حيث أذن لعباده المؤمنين في مناشدته وطلب عفوه عن إخوانهم الذين ألقوا في النار، بسبب جرائمهم التي كانوا
стр. 595
يبارزون بها ربهم، ومع ذلك ألهم المؤمنين الذين نجوا من عذاب النار وهول الصراط، ألهمهم مناشدته، والشفاعة فيهم، وأذن لهم في ذلك؛ رحمة منه لهم – ﵎.
((يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا)) مفهوم هذا أن الذين لا يصلون مع المسلمين، ولا يصومون معهم، لا يشفعون فيهم، ولا يناشدون ربهم فيهم.
وهو يدل على أن هؤلاء الذين وقعت مناشدة المؤمنين لربهم فيهم كانوا مؤمنين، موحدين؛ لقولهم: ((إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ولكن ارتكبوا بعض المآثم، التي أوجبت لهم دخول النار.
وفي هذا رد على طائفتين، ضالتين، الخوارج، والمعتزلة، في قولهم: إن من دخل النار، لا يخرج منها، وإن صاحب الكبيرة في النار.
((فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (١) أما كون المؤمنين يذهبون ِإلى النار، وكيف يستطيعون الوصول إليها؟ وكيف يعرفون من في قلبه مثقال دينار، أو نصف دينار، أو مثقال ذرة من إيمان؟ هذه كلها من أمور الآخرة، التي لا تقاس بما تعارف
стр. 596
عليه الناس في الدنيا، ولا يستطيع عقل البشر الحكم عليها، وإنما تعرف حقائقها يوم القيامة، فهناك يأتي تأويلها، وإنما يجب علينا تصديقها، والتيقن منها.
وليس بمستنكر في قدرة الله – تعالى – أن يجعل النار غير مؤذية لهؤلاء المؤمنين الذاهبين إلى إخوانهم في النار، كالملائكة الذين فيها.
والمقصود بالصور في قوله: ((ويحرم صورهم على النار)) وجوههم، وقد تقدم أن الله يحرم على النار مواضع السجود، وذلك من آيات الله وعظيم قدرته.
واستشهاد أبي سعيد بالآية ظاهر في أن العبد إذا كان معه مثقال ذرة من إيمان، فإن الله يضاعفه له، فينجيه بسببه.
قوله: ((فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون)) صريح في أن هؤلاء الأقسام الثلاثة يشفعون، ولكن يجب أن يعلم أن شفاعة أي شافع، لا تقع إلا بعد أن يأذن الله فيها، كما تقدم في مناشدتهم ربهم وسؤالهم إياه، ثم يأذن لهم فيقول: اذهبوا فمن وجدتم، إلى آخره.
قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (١) .
ولا تقع أيضا إلا لمن يرضى الله – تعالى – عنه، وهو تعالى لا يرضى إلا عن أهل التوحيد والإخلاص، أما المشركون، ومنهم عباد الأولياء والقبور فحرام عليهم الشفاعة، كحرمة الجنة عليهم، كما هو معلوم من نصوص الشرع.
قوله: ((فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج
стр. 597
أقواماً قد امتحشوا)) الله تعالى هو مالك الشفاعة، والأمر له في كل شيء، والملائكة، والرسل، والمؤمنون، يطلبون منه أن يشفعهم في من دخل النار من المؤمنين بأن يخرجهم، وهو – تعالى – الذي يُلقي هذا الطلب في نفوسهم كما سبق، والمراد بشفاعته – تعالى – رحمته لهؤلاء المعذبين، فيخرجهم من النار.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (١) .
وقال تعالى ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (٢) .
والعهد: هو شهادة ألاَّ إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صادقاً مخلصاً، وعمل بما دلت عليه هذه الشهادة.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣) .
ففي هذه الآيات – ونحوه كثير – البيان الواضح في أن الشفاعة لله وحده، وأنها لا يمكن أن تقع من أحد عند الله إلا بعد أن يأذن لمن يشفع، ويرضى عن المشفوع له، وحقيقة الشفاعة أن الله يكرم الشافع بإذنه له في ذلك، ويرحم المشفوع فيه.
стр. 598
قوله: ((فيقبض قبضة)) فيه إثبات القبض لله تعالى، ومِنْ لازِمِهِ إثبات اليد التي يقبض بها، وكم في كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ من نص يثبت ذلك، ولكن أهل التأويل الفاسد المحرِّفين يأبون قبول ذلك، والإيمان به، وسوف يعلمون أن الحق ما قاله الله وقاله رسوله، وأنهم قد ضلوا السبيل في هذا الباب.
قوله: ((قد امتحشوا)) يعني: احترقوا، وفي رواية مسلم: ((قد عادوا حمماً)) أي: صاروا حمماً، والحمم - بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة - هو الفحم.
والامتحاش: احتراق الجلد، وظهور العظم، وليس المقصود هنا أن عظامهم ظهرت، وإنما المقصود احتراقهم ظاهراً.
وبهذا استدل على أن من يدخل النار من الموحدين يموتون فيها؛ لأنهم احترقوا، وصاروا حمماً، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل)) (١) .
قال ابن رجب: ((وظاهر الحديث يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة، وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل على ذلك: ما أخرجه البزار، من حديث عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن مسلمة، أخبرني موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن أدنى أهل
стр. 599
الجنة حظاً – أو نصيباً – قوم يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب – تعالى – أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً، فينبذون بالعراء، فينبتون كما تنبت البقلة، حتى إذا دخلت الأرواح إلى أجسادها، قالوا: ربنا كما أخرجتنا من النار، وأرجعت الأرواح إلى أجسادها، فاصرف وجوهنا عن النار، فيصرف وجوههم عن النار)) (١) .
قال النووي: قوله ﷺ : ((لكن ناس أصابتهم النار)) إلى آخره، معناه: أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله – تعالى – إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أرادها الله – تعالى -، وهذه الإمامة، إماتة حقيقية، يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون فحماً، فيُحملون ضبائر، كما تحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة، فيصب عليهم ماء الحياة، فيحيون، وينبتون نبات الحبة في حميل السيل، في سرعة نباتها، وضعفها، فتخرج لضعفها صفراء، ملتوية، ثم تشتد قوتهم، ويصيرون إلى منازلهم، وتكمل أحوالهم، هذا هو ظاهر الحديث.
وحكى القاضي عياض فيه وجهين، أحدهما: أنها إماتة حقيقية، والثاني ليس بموت حقيقي، ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالألم، والمختار ما قدمناه)) (٢) .
قوله: ((فينبتون في حافتيه، كما تنبت الحبة في حميل السيل)) المقصود: نبات لحومهم وأبصارهم وعظامهم التي احترقت في النار، ولا يلزم عند من يقول إنهم لا يموتون موتاً حقيقياً أنهم ماتوا في النار بحيث تفارق أرواحهم أجسامهم، والله أعلم.
стр. 600
و ((الحبة)) بكسر الحاء، قال الحافظ: ((هي بزور الصحراء، وجمعها: حبب، بكسر الحاء، وأما الحبة بفتح الحاء – وهو ما يزرعه الناس – فجمعها حبوب)) (١)(٢)
((في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض)) يعني بذلك: سرعة خروج لحومهم؛ لأن النبت في حميل السيل – كما ذكر – يخرج بسرعة، ولهذا يكون من جانب الظل أبيض، ومن جانب الشمس أخضر، وذلك لضعفه ورقته، ولا يلزم أن يكون نبتهم كذلك – كما قاله بعضهم: بأن الذي من جانب الجنة يكون أبيض، والذي من جانب النار يكون أخضر – بل المراد تشبيههم بالنبت المذكور في سرعة خروجه، ورقته، ولذلك قال: ((فيخرجون كأنهم اللؤلؤ)) يعني: في صفاء بشرتهم، وحسنها.
قوله: ((فيجعل في رقابهم الخواتيم)) خواتيم: جمع خاتم، وهذه الخواتيم يكتب فيها ((عتقاء الرحمن من النار)) كما ذكر في الرواية الأخرى.
قوله: ((فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه)) يعني أنهم لم يعملوا صالحاً في الدنيا، وإنما معهم أصل الإيمان، الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان برسولهم. قال الكرماني: ((ليس معهم إلا مجرد الإيمان، دون أمر زائد عليه، من الأعمال والخيرات، وعلم منه أن شفاعة الملائكة، والنبيين، والمؤمنين، فيمن كان له طاعة غير الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله)) (٣) ، وتقدم في الحديث