عليه الناس في الدنيا، ولا يستطيع عقل البشر الحكم عليها، وإنما تعرف حقائقها يوم القيامة، فهناك يأتي تأويلها، وإنما يجب علينا تصديقها، والتيقن منها.
وليس بمستنكر في قدرة الله – تعالى – أن يجعل النار غير مؤذية لهؤلاء المؤمنين الذاهبين إلى إخوانهم في النار، كالملائكة الذين فيها.
والمقصود بالصور في قوله: ((ويحرم صورهم على النار)) وجوههم، وقد تقدم أن الله يحرم على النار مواضع السجود، وذلك من آيات الله وعظيم قدرته.
واستشهاد أبي سعيد بالآية ظاهر في أن العبد إذا كان معه مثقال ذرة من إيمان، فإن الله يضاعفه له، فينجيه بسببه.
قوله: ((فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون)) صريح في أن هؤلاء الأقسام الثلاثة يشفعون، ولكن يجب أن يعلم أن شفاعة أي شافع، لا تقع إلا بعد أن يأذن الله فيها، كما تقدم في مناشدتهم ربهم وسؤالهم إياه، ثم يأذن لهم فيقول: اذهبوا فمن وجدتم، إلى آخره.
قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (١) .
ولا تقع أيضا إلا لمن يرضى الله – تعالى – عنه، وهو تعالى لا يرضى إلا عن أهل التوحيد والإخلاص، أما المشركون، ومنهم عباد الأولياء والقبور فحرام عليهم الشفاعة، كحرمة الجنة عليهم، كما هو معلوم من نصوص الشرع.
قوله: ((فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج
стр. 597
أقواماً قد امتحشوا)) الله تعالى هو مالك الشفاعة، والأمر له في كل شيء، والملائكة، والرسل، والمؤمنون، يطلبون منه أن يشفعهم في من دخل النار من المؤمنين بأن يخرجهم، وهو – تعالى – الذي يُلقي هذا الطلب في نفوسهم كما سبق، والمراد بشفاعته – تعالى – رحمته لهؤلاء المعذبين، فيخرجهم من النار.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (١) .
وقال تعالى ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (٢) .
والعهد: هو شهادة ألاَّ إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صادقاً مخلصاً، وعمل بما دلت عليه هذه الشهادة.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣) .
ففي هذه الآيات – ونحوه كثير – البيان الواضح في أن الشفاعة لله وحده، وأنها لا يمكن أن تقع من أحد عند الله إلا بعد أن يأذن لمن يشفع، ويرضى عن المشفوع له، وحقيقة الشفاعة أن الله يكرم الشافع بإذنه له في ذلك، ويرحم المشفوع فيه.
стр. 598
قوله: ((فيقبض قبضة)) فيه إثبات القبض لله تعالى، ومِنْ لازِمِهِ إثبات اليد التي يقبض بها، وكم في كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله ﷺ من نص يثبت ذلك، ولكن أهل التأويل الفاسد المحرِّفين يأبون قبول ذلك، والإيمان به، وسوف يعلمون أن الحق ما قاله الله وقاله رسوله، وأنهم قد ضلوا السبيل في هذا الباب.
قوله: ((قد امتحشوا)) يعني: احترقوا، وفي رواية مسلم: ((قد عادوا حمماً)) أي: صاروا حمماً، والحمم - بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة - هو الفحم.
والامتحاش: احتراق الجلد، وظهور العظم، وليس المقصود هنا أن عظامهم ظهرت، وإنما المقصود احتراقهم ظاهراً.
وبهذا استدل على أن من يدخل النار من الموحدين يموتون فيها؛ لأنهم احترقوا، وصاروا حمماً، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل)) (١) .
قال ابن رجب: ((وظاهر الحديث يدل على أن هؤلاء يموتون حقيقة، وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل على ذلك: ما أخرجه البزار، من حديث عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن مسلمة، أخبرني موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن أدنى أهل
стр. 599
الجنة حظاً – أو نصيباً – قوم يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب – تعالى – أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً، فينبذون بالعراء، فينبتون كما تنبت البقلة، حتى إذا دخلت الأرواح إلى أجسادها، قالوا: ربنا كما أخرجتنا من النار، وأرجعت الأرواح إلى أجسادها، فاصرف وجوهنا عن النار، فيصرف وجوههم عن النار)) (١) .
قال النووي: قوله ﷺ : ((لكن ناس أصابتهم النار)) إلى آخره، معناه: أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله – تعالى – إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أرادها الله – تعالى -، وهذه الإمامة، إماتة حقيقية، يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون فحماً، فيُحملون ضبائر، كما تحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة، فيصب عليهم ماء الحياة، فيحيون، وينبتون نبات الحبة في حميل السيل، في سرعة نباتها، وضعفها، فتخرج لضعفها صفراء، ملتوية، ثم تشتد قوتهم، ويصيرون إلى منازلهم، وتكمل أحوالهم، هذا هو ظاهر الحديث.
وحكى القاضي عياض فيه وجهين، أحدهما: أنها إماتة حقيقية، والثاني ليس بموت حقيقي، ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالألم، والمختار ما قدمناه)) (٢) .
قوله: ((فينبتون في حافتيه، كما تنبت الحبة في حميل السيل)) المقصود: نبات لحومهم وأبصارهم وعظامهم التي احترقت في النار، ولا يلزم عند من يقول إنهم لا يموتون موتاً حقيقياً أنهم ماتوا في النار بحيث تفارق أرواحهم أجسامهم، والله أعلم.
стр. 600
و ((الحبة)) بكسر الحاء، قال الحافظ: ((هي بزور الصحراء، وجمعها: حبب، بكسر الحاء، وأما الحبة بفتح الحاء – وهو ما يزرعه الناس – فجمعها حبوب)) (١)(٢)
((في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض)) يعني بذلك: سرعة خروج لحومهم؛ لأن النبت في حميل السيل – كما ذكر – يخرج بسرعة، ولهذا يكون من جانب الظل أبيض، ومن جانب الشمس أخضر، وذلك لضعفه ورقته، ولا يلزم أن يكون نبتهم كذلك – كما قاله بعضهم: بأن الذي من جانب الجنة يكون أبيض، والذي من جانب النار يكون أخضر – بل المراد تشبيههم بالنبت المذكور في سرعة خروجه، ورقته، ولذلك قال: ((فيخرجون كأنهم اللؤلؤ)) يعني: في صفاء بشرتهم، وحسنها.
قوله: ((فيجعل في رقابهم الخواتيم)) خواتيم: جمع خاتم، وهذه الخواتيم يكتب فيها ((عتقاء الرحمن من النار)) كما ذكر في الرواية الأخرى.
قوله: ((فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه)) يعني أنهم لم يعملوا صالحاً في الدنيا، وإنما معهم أصل الإيمان، الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان برسولهم. قال الكرماني: ((ليس معهم إلا مجرد الإيمان، دون أمر زائد عليه، من الأعمال والخيرات، وعلم منه أن شفاعة الملائكة، والنبيين، والمؤمنين، فيمن كان له طاعة غير الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله)) (٣) ، وتقدم في الحديث
стр. 601
أنهم يخرجون من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان، ومن كان في قلبه مثقال نصف دينار، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، والله أعلم.
قوله: فيقال لهم: ((لكم ما رأيتم، ومثله معه)) يظهر أنهم يدخلون أماكن من الجنة خالية، ولهذا قيل لهم ذلك.
ومحل الشاهد من الحديث قوله: ((فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته، التي رأوه فيه أول مرة)) ، وقوله: ((فيكشف عن ساق، فيسجد له كل مؤمن)) مع قوله: ((فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما)) جواباً لسؤالهم: ((هل نرى ربنا يوم القيامة)) وهي كما ترى أدلة واضحة صريحة، وهذا من أوضح الأدلة على أن عموم أهل الموقف من الرجال، والنساء، والمنافقين، يرونه، فإن الناس يعمهم، والحشر مشترك بينهم.
فقد ظهر مراد النبي – ﷺ – لكل عاقل عارف باللغة بقوله: ((إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ليس دونهما سحاب)) أن مراده رؤيتهم إياه بأبصارهم، لا يستريب في ذلك من عرف دلالة الألفاظ على المعاني، وليس في الممكن عبارة أوضح من هذا.
*******
٦٧ – وقال حجاج بن منهال: حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، عن أنس – ﵁ – أن النبي – ﷺ – قال: ((يحبس المؤمنون يوم القيامة، حتى يهموا بذلك.
فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم.
فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، لتشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا.
стр. 602
قال: فيقول: لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته التي أصاب، أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحاً، أول نبي بعثه الله – تعالى – إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً، أول نبي بعثه الله – تعالى – إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم.
ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن
ائتوا موسى، عبداً آتاه الله التوراة، وكلمه وقربه نجياً.
قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله، وروح الله وكلمته.
قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً – ﷺ – عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فيأتوني، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعط.
قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، فيحد لي حداً، فأخرج، فأدخلهم الجنة – قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: ((فأخرج فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة – ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه.
قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأخرج، فأدخلهم الجنة – قال قتادة: وسمعته يقول: فأخرج، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة – ثم أعود الثالثة، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه.
стр. 603
قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه.
قال: ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرج، فأدخلهم الجنة – قال قتادة: وقد سمعته يقول: فأخرج، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة – حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن – أي: وجب عليه الخلود -، ثم تلا الآية: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُكَ مَقَامَا مَّحمُودَا﴾ .
قال: وهذا المقام المحمود، الذي وعده نبيكم ﷺ –)) .
هذا حديث الشفاعة المشهور، وقد تقدم في باب قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقتُ بِيَدَىَّ﴾ .
وقد جاء من رواية عدد من الصحابة، ((وأول حديث أبي هريرة: ((أنا سيد الناس يوم القيامة، يجمع الله الناس، الأولين والآخرين، في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، ولا يحتملون))
وزاد في رواية إسحاق بن راهويه: ((فتدنو الشمس من رؤوسهم، فيشتد
стр. 604
عليهم حرُّها، ويشق عليهم دنُّوُّها، فينطلقون من الضجر والجوع مما هم فيه)) .
وأول حديث أبي بكر: ((عُرض عليَّ ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيفظع الناس لذلك، والعرق كاد يلجمهم)) .
وفي حديث عبادة بن الصامت: ((إني لسيد الناس يوم القيامة – بغير فخر -، وما من الناس إلا من هو تحت لوائي، ينتظر الفرج، وإن معي لواء الحمد)) (١)
وبهذا يتبين أن قوله في رواية أنس: ((يحبس المؤمنون يوم القيامة)) أن قبله كلاماً محذوفاً، وأن المقصود الخلق عامة، ولهذا جاءت أكثر الروايات بالتعبير ((بالناس)) .
وفي هذه الرواية – زائداً على ما تقدم -، ذكر الذنوب التي يعتذر بها الأنبياء، وتقدم أن هذا من الأدلة على وقع الذنوب في الجملة من الأنبياء، وتقدم الكلام في هذه المسألة.
ومن ذلك قوله: ((فاستأذن على ربي في داره)) ، وتكرر ذلك ثلاثا، قيل: المراد الجنة، والظاهر أن المراد مكان معين، كما في حديث الشفاعة الطويل ((فآتي تحت العرش)) ، وفي حديث الصور: ((فآتي مكاناً تحت العرش، يقال له: الفحص)) ، فيكون المعنى: المكان الذي تحت عرشه.
وما ذكره الحافظ، نقلاً عن الخطابي، أن قوله: ((فأستأذن على ربي في داره)) يوهم المكان، والله منزه عن ذلك، وإنما معناه في داره التي اتخذها لأوليائه، وهي الجنة، أضيفت إليه إضافة تشريف، مثل بيت الله وحرم
стр. 605
الله)) (١) .
فيقال له: ماذا تقصد بالمكان؟ إن كنت تريد مكاناً يحويه ويحيط به، فالله - تعالى - منزه عن ذلك.
وإن كنت تريد أنه ليس فوق عرشه، عال على خلقه، كما هو مذهب أهل الباطل من أشعرية، ومعتزلة، وغيرهم، فقد أثبت الله - تعالى - ذلك لنفسه وأثبتته له رسله، واتفقت عليه كتبه، وأجمعت عليه أتباع الرسل، وفطر الله - تعالى - عليه خلقه، فإنكار ذلك عناد، ومكابرة للعقول السليمة من الانحراف، ومخالفة للشرع، وقد تقدم من الأدلة على ذلك ما يكفي بعضه لمن يريد الحق.
ومما لم يتقدم في الرواية السابقة قوله: ((فأخرج)) فأخرجهم من النار)) يعني: يخرج من المكان الذي استأذن في الدخول فيه.
وفيه ألفاظ أُخر تختلف عما سبق، ولكن المعنى متقارب.
والمقصود منه هنا قوله: ((فأستأذن على ربي في داره، فإذا رأيته وقعت ساجداً)) كرر ذلك ثلاث مرات، وهو صريح في أن الرسول ﷺ يرى ربه عياناً في ذلك المكان، فيسجد له، وإذا رآه جاز أن يراه غيره.
وأما تلاوة الآية إلى آخر قول أنس، فهو تفسير للمقام المحمود، وسيأتي.
وفي هذا الحديث إشكال ظاهر، حتى قال الداودي: ((أول هذا الحديث ليس متصلاً بآخره، بل بقي بين طلبهم الشفاعة، وبين قوله: ((فأستشفع)) ، أمور كثيرة من أمور القيامة)) (٢) ، وقال: ((وكأن راوي الحديث ركّب شيئاً على غير أصله، وذلك أن أول الحديث في ذكر الشفاعة، في الإراحة من كرب الموقف، وآخره في الشفاعة لإخراج بعض العصاة من النار، وهذا إنما يكون
стр. 606
بعد انتهاء الوقوف، والقضاء بين الخلق، وذهاب أهل الجنة إليها، وأهل النار إليها)) ، قال الحافظ: ((وهذا إشكال قوي)) (١)
ثم ذكر جوابه، عن القاضي عياض، قال: وتبعه عليه النووي.
وحاصله: أن الحديث فيه اختصار، وحذف، وذكر بعض الروايات التي تبين ذلك.
منها ما في حديث أُبي بن كعب، عند أبي يعلى: ((ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط، وهو منصوب بين ظهراني جهنم، فيمرون)) .
ومنها ما في رواية ابن عباس عند الإمام أحمد: ((فيقول يا محمد، ما تريد أن أصنع في أمتك؟ فأقول: يا رب، عجِّل حسابهم)) .
وذكر جواب القرطبي، ((بأن قوله في حديث أبي هريرة: ((أدْخل من أمتك من الباب الأيمن من أبواب الجنة من لا حساب عليه ولا عذاب)) فهذا يدل على الشفاعة في تعجيل الحساب)) (٢)
وذكر غير ذلك مما هو مخالف لظواهر الأحاديث، فلا يعول عليه.
وقال ابن أبي العز: ((والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، ولا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، في إتيان الرب - تعالى - لفصل القضاء، مع أنه المقصود من سياق الحديث.
فإن الناس يطلبون الشفاعة ليقضى بينهم، فيستريحوا من عناء الموقف.
وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور المشهور، فإن فيه:
стр. 607
((فأذهب فأسجد تحت العرش، في مكان يقال له: الفحص، فيقول الله: ما شأنك؟ - وهو أعلم - فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك، فاقض بينهم، فيقول سبحانه: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم، قال: فأرجع فأقف مع الناس)) ، ثم ذكر ((انشقاق السماوات، وتنزل الملائكة، ثم يجيء الرب - تعالى - لفصل القضاء)) إلى آخره. وكأن السلف اقتصروا على هذا القدر من الحديث، للرد على الخوارج، ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج أحد من النار، بعد دخولها، فذكروا القدر الذي فيه التصريح بذلك)) (١) .
وبذلك يزول الإشكال، فإن حديث الصور مشهور، وإن كان سنده ضعيفاً، ولكن له شواهد كثيرة صحيحة، فيصلح أن يكون جواباً لهذا الإشكال، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ((عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)) فقال ابن جرير: ((يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : أقم الصلاة المفروضة، في أوقاتها التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتجهد فرضاً فرضته عليك، لعل ربك أن يبعثك يوم القيامة مقاماً تقوم فيه محموداً، تحمده وتغبط فيه.
قال أكثر أهل العلم: إنه الشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه، من شدة ذلك اليوم ... ثم ذكر الآثار في ذلك.
وذكر بسنده، عن مجاهد: أن المقام المحمود: أن يجلسه معه على عرشه.
ثم قال: الصواب: ما صح به الخبر، أنه الشفاعة ... وذكر بعض أحاديث الشفاعة، ثم قال: ((وما قاله مجاهد، غير مدفوع صحته سنداً، ولا نظراً،
стр. 608
إذ لا خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا عن صحابته، ولا التابعين بإحالة ذلك)) (١) .
قال الحافظ: ((الجمهور على أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة، وبالغ الواحدي ونقل فيه الإجماع.
ثم قال: والراجح أن المراد به الشفاعة، لكن الشفاعة التي وردت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان:
الأول: العامة في فصل القضاء.
والثاني: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار)) (٢) .
*****
٦٨ - قال: حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، حدثني عمي، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني أنس بن مالك ﵁ ((أن رسول الله ﷺ أرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة، وقال لهم: اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض)) .
ذكر البخاري ﵀ هذا الحديث من رواية أنس ﵁ في سبعة مواضع غير هذا الموضع، منها في غزوة الطائف، ولفظه: ((قال ناس من الأنصار - حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء، من أموال هوازن، فطفق النبي ﷺ يعطي رجالاً المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ
يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم.
قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم غيرهم.
стр. 609
فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال: ((ما حديث بلغني عنكم؟)) .
فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا، حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي ﷺ : ((فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر، أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به)) قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي ﷺ : ((ستجدون أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض)) (١) .
وله ألفاظ وروايات متعددة، من رواية أنس وغيره.
والأثرة: اختصاص غيرهم واستبدادهم بما يستحقونه هم، والمعنى: أن الناس يختصون بالدنيا، ويستأثرون بها، دون الأنصار، مع استحقاق الأنصار لها وهم الذين اجتمعوا على نصرة رسول الله ﷺ وآووه إلى بلادهم، وعاقدوه على أن ينصروه، ويمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأولادهم منه، فلنصرهم لله ورسوله سموا الأنصار، وهو أشرف أسمائهم وقد وقع لهم ما أخبرهم به رسول الله ﷺ ، وذلك تقدير الحكيم العليم، حيث استأثر الناس عليهم بالدنيا، مع أنهم الذين كانوا يؤثرون على أنفسهم، وهذا من فضل الله عليهم، حتى يجازيهم على أعمالهم الدرجات العالية في جنات عدن، فتظهر هناك فضيلتهم، ويغبطهم الناس الذين استأثروا عليهم بالدنيا أعظم غبطة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
قوله: ((جمعهم في قبة من أدم)) القبة: كل ما كان مقبباً، وفي الأصل
стр. 610
أن يكون عالي الوسط متداني الأطراف، والأدم: الجلود.
وتقدم تفسير الصبر.
وقوله: ((حتى تلقوا الله ورسوله)) هذا هو محل الشاهد من الحديث؛ لأن اللقاء يتضمن الرؤية والمعاينة كما قال أهل اللغة.
قال الأزهري: ((كل شيء استقبل شيئاً، أو صادفه، فقد لقيه، من الأشياء كلها)) (١)
وقال ابن فارس: ((اللقاء: الملاقاة، وتوافي الاثنين متقابلين، ولقيته لقيا، ولقيانا، واللقية: فعلة من اللقاء والجمع: لقى، قال:
وإني لأهوى النوم من غير نعسة لعل لقياكم في المنام تكون)) (٢) .
وقال الراغب: ((اللقاء: مقابلة الشيء ومصادفته معاً، وقد يعبر به على كل واحد منهما، يقال: لقيه يلقاه لقاء، ولقياً، ولقية.
ويقال ذلك: في الإدراك بالحس، وبالبصر، وبالبصيرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٤) .
وملاقاة الله عبارة عن القيامة، وعن المصير إليه، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ﴾ (٦) .
النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ َ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ َ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي َ﴾ (٤) .
فمن قرأ هذه الآيات ونحوها مما لم نذكر، مؤمناً بها، علم يقيناً أن مضمونها إخبار الله تعالى بأن العبد سيلقى ربه، لقاء يتضمن المحاسبة والكلام والمقابلة والمعاينة، والجزاء بالعمل الذي كان العبد يعمله في الدنيا.
ولم يزل أهل السُّنَّة من السلف، وأتباعهم، يستدلون بمثل هذه الآيات على رؤية الله تعالى.
وسيأتي حديث عدي بن حاتم، وفيه: ((واعلموا أن كل واحد منكم سيلقى ربه، ليس بينه وبينه ترجمان)) .
فمن أنكر ذلك فقد خالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وسلك غير سبيل المؤمنين.
والله تعالى - جعل التكذيب بلقائه كفراً، لا ينفع معه عمل كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (﴾ َ (٥) .
قال ابن بطة: ((سمعت أبا عمر الزاهد اللغوي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴿٤٣﴾ تَحِيَّتُهُمْ
стр. 613
يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ َ﴾ (١) : أجمع أهل اللغة أن اللقاء ها هنا لا يكون إلا معاينة ونظرة بالأبصار)) (٢) .
وقال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: ((اللقاء فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن رؤيته واحتجوا بآيات اللقاء على من أنكر رؤية الله في الآخرة، من الجهمية، والمعتزلة وغيرهم.
وجعلوا اللقاء يتضمن معنيين، أحدهما: السير إلى الملك.
والثاني: معاينته، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهَِ﴾ (٣) .
فذكر أنه يكدح إلى الله، فيلاقيه، والكدح يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبها.
وأما المعاينة من غير سير إلى المعاين - كمعاينة الشمس، والقمر - فلا يسمى لقاء.
وقول الذين يجعلون المراد من اللقاء، هو الجزاء، دون لقاء الله، معلوم الفساد بالاضطرار، بعد تدبر الكتاب والسُّنَّة.
ويظهر فساده من وجوه:
أحدها: أنه خلاف التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين.
الثاني: أن حذف المضاف إليه لا بد أن يقارنه قرائن تبين ذلك، كما في
стр. 614
قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (١) ولو قال قائل: رأيت زيداً أو لقيته، وأراد بذلك أنه رأى غلامه، أو أباه، أو لقيهما، لم يجز ذلك في لغة العرب بلا نزاع.
ولقاء الله - تعالى - قد ذكر في كتاب الله وسنة رسوله في مواضع كثيرة مطلقاً غير مقترن بما يدل على أنه أريد بلقاء الله بعض مخلوقاته من ثواب وغيره.
الثالث: أن اللفظ إذا تكرر ذكره في الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد، وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق، ولم يبين ذلك، كان تدليساً وتلبيساً يجب أن يصان كلام الله عنه، الذي أخبر أنه شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، وأنه بيان للناس.
وقد علم أن الرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين، وأنه بين للناس ما نزل إليهم.
وأما قول أهل البدع: إن القرينة الدالة على أن لقاء الله غير مراد من هذه النصوص: هو ما في العقل من امتناع ذلك وإحالته.
فهو مردود من وجهين:
أحدهما: أنه ليس في العقل ما يمنع ذلك، بل البراهين العقلية تتفق مع القرآن، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٢) .
وما يدعيه نفاة لقاء الله ورؤيته من الحجج العقلية التي تخالف ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، ليست حججاً، وإنما هي شبهات فاسدة، عند من له خبرة جيدة بالمعقولات، وإنما تنطلي على المقلدين.
стр. 615
الثاني: أنه لو فرض أن هناك دليلاً عقلياً ينافي مدلول القرآن لكان خفياً، له مقدمات طويلة، متنازع فيها، ليس فيها واحدة متفق عليها، والواقع أنها شبهات فاسدة، أورثها صدودهم عن كتاب الله.
ومن الضروري أن الذي أخبر أنه بيان للناس، وأن كلامه هدى ورحمة، وشفاء، وبلاغ مبين، إذا أراد بكلامه الموصوف بما ذكر ما يقوله هؤلاء المتكلمون، فإنه بعكس تلك الأوصاف، فيكون فيه الضلال، واللبس؛ لأنه لا يدل على قولهم.
واتفاق المسلمين على وجوب تنزيه كلام الله ورسوله من ذلك أمر ضروري.
الوجه الرابع: أنه سيأتي في حديث ابن عباس، قول الرسول ﷺ : ((أنت الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق)) . ففرق بين لقائه، وبين الجنة والنار.
ومعلوم أن الجنة والنار، تتضمن جزاء المطيعين، والعصاة، فعلم أن لقاء الله غير لقاء الثواب، والعقاب.
الوجه الخامس: ما بينه رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة أن العباد سوف يلقون ربهم، وقد ذكر البخاري في هذا الباب قليلاً منها، مثل حديث عدي بن حاتم ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب يحجبه، ولا ترجمان)) .
الوجه السادس: أنه لو أريد بلقاء الله ما يخلقه من ثواب أو عقاب أو غير ذلك، لكان ذلك واقعاً في الدنيا والآخرة، كما في عقاب الأمم المكذبة، ونصر المؤمنين، وإسعادهم.
وقد علم أتباع رسول الله ﷺ أن لقاء الله - تعالى - لا يكون إلا بعد الموت.
стр. 616
كما علموا بطلان قول أهل البدع: إن لقاء الله هو لقاء بعض مخلوقاته.
وعلى قولهم، فليس في اللفظ ما يدل على تعيين مخلوق دون مخلوق، فإذا قالوا: إن لقاء الله هو الجنة، أو النار، جاز أن يقال: بل هو بعض ملائكته أو بعض الشياطين، أو غير ذلك، إذ ليس دلالة اللفظ على تعيين هذا بأولى من دلالته على تعيين هذا، فبطل قولهم.
الوجه السابع: أن لقاء الله لم يستعمل في لقاء غيره، لا حقيقة ولا مجازاً، بل وفي المخلوق كذلك، فلا يقال: لقيت زيداً، وأنت تريد عمراً.
الوجه الثامن: النصوص الكثيرة التي تفرق بين لقاء الله، وثوابه وجزائه، كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (١) ، فلو كان لقاؤه هو لقاء جزائه، لكان هو الأجر الكريم، ولا يحسن أن يخبر بأنه أعده لهم بعد ما حصل لهم؛ لأنهم لقوه، فلقاؤه وسيلة، وإعداد الأجر الكريم مقصود، فكيف يخبر بالوسيلة بعد حصول المقصود.
ومثل هذا يصان عنه كلام أوسط الناس، فضلاً عن كلام رب العالمين، ولا سيما وقد قرن اللقاء بالتحية، التي لا تكون إلا في اللقاء.
الوجه التاسع: ما في الحديث من قوله ﷺ : ((من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) (٢) ، فلو كان لقاء الله هو جزاءه، لامتنع أن يحب جزاء عبده، ويكره جزاء آخر.
والله تعالى لا يكره جزاء عباده بما يستحقون، بل يحب ذلك، ولا يجزيهم إلا بما يستحقون، والجزاء لا يلقاه الله - تعالى -، ودلائل بطلان هذا القول
стр. 617
لا حصر لها)) (١) .
فيكتفى بما ذكر، وبذلك يتضح أن معنى قوله ﷺ للأنصار: ((اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله)) يتضمن معاينتهم لربهم، وتكليمه لهم ومجازاتهم، وتكريمه لهم بمخاطبتهم قبل أن يدخلهم دار النعيم الأبدي.
فهو ﷺ يقول لهم: تسلَّوا عما فاتكم من الدنيا مما تستحقونه، بما يكون لكم بعد البعث من الموت، عندما تلقون ربكم، فيكرمكم بتحيته لكم ومخاطبتكم، ورؤيتكم إياه، فذلكم اليوم الذي تسعدون فيه حقاً.
وكذلك تلاقون نبيكم على حوضه، الذي منّ الله به عليه، فأكرمه به في الموقف الذي يشتد فيه الظمأ، فأنتم أحق من يرد ذلك الحوض، فتشربون منه دون معوق، أو مكدر، فلا ينالكم بعد ذلك نصب، ولا وصب، ولا ظمأ، ولا أذى.
٦٩ - قال: ((حدثني ثابت بن محمد، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا تهجد من الليل قال: اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك خاصمت، وبك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وأسررت، وأعلنت، وما أنت أعلم به مني، لا إله إلا أنت)) .
стр. 618
قال أبو عبد الله: قال قيس بن سعد، وأبو الزبير، عن طاوس: قيام.
وقال مجاهد: القيوم: القائم على كل شيء، وقرأ عمر: القيام، وكلاهما مدح)) .
تقدم شرح هذا الحديث، والمقصود منه هنا قوله: ((أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق)) ففرق بين لقائه وجزائه، بقوله: ((ووعدك حق، ولقاؤك حق، والنار حق)) .
فلقاؤه غير وعده، وغير جزائه، الذي هو الجنة والنار.
فدل على أن تفسير لقائه بثوابه أو نحو ذلك تفسير باطل، لم يدل عليه لا كتاب ولا سنة، بل الأدلة من الكتاب والسُّنَّة تبين بطلانه.
وبذلك يتبين أن لقاءه - تعالى - يتضمن رؤيته، ومعاينته، وهو ما أراده البخاري من هذا الحديث، وذلك ما قاله السلف، وهو واضح.
*****
٧٠ - قال: ((حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، حدثني الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه)) .
قوله: ((ما منكم من أحد)) الخطاب للصحابة، ويتناول جميع المؤمنين، سابقهم ولاحقهم، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة.
والترجمان: هو الواسطة بين اثنين أو أكثر الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى، أو يبلغ عن المتكلم كلامه.
стр. 619
والمقصود هنا أنه ليس بين العبد وربه أحد يبلغه عنه، لا من الملائكة ولا من البشر.
بل الله - تعالى - هو الذي يتولى كلام عباده في ذلك الموقف بنفسه، فيحاسبهم على أعمالهم، وقد بين ذلك في لفظ الحديث، لكن الإمام البخاري ﵀ اختصره، واقتصر على محل الشاهد منه.
ولفظه: ((بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد نبئت عنها.
قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (١) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا الله.
- قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء (٢) الذين سعروا البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز.
ولئن طالت بك الحياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من الذهب أو الفضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحداً يقبله منه.
وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى.
فيقول ألم أعطك مالاً، وأفضل عليك؟ فيقول: بلى.
стр. 620
فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم.
قال عدي: سمعت النبي ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة.
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي ﷺ يخرج ملء كفه)) (١) .
وفي رواية: ((كنت عند رسول ﷺ فجاء رجلان، أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل. فقال رسول الله ﷺ : ((أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير (٢) .
وأما العيلة، فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه.
ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولا؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة)) (٣) .
ففي هاتين الروايتين بيان جلي بأن الله - تعالى - يتولى كلام عباده ومحاسبتهم بنفسه بدون واسطة بينه وبينهم، وفي ضمن ذلك رؤيته - تعالى - وسماع كلامه.
قوله: ((ولا حجاب يحجبه)) أي: ليس بين العبد وبين ربه ما يمنع رؤيته ومشاهدته. وهذا ظاهر الدلالة على رؤية المؤمن ربه يوم يحاسبه، وعلى سماعه كلامه.
стр. 621
وفيه دليل على أن لله تعالى حجاباً يحتجب به عن خلقه، والأدلة على ذلك كثيرة، وأهل البدع ينكرون حجاب الله تعالى، فهو عندهم كما يقول الفخر الرازي: ((هو عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين. وهذا محال على الله)) (١) .
ونقل الحافظ عن ابن بطال، أن الحجاب هو: الآفة المانعة من النظر التي تكون على أبصار المؤمنين، ومعنى رفع الحجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية، فيرونه لارتفاعها عنهم، بخلق ضدها فيهم)) (٢) .
ومقتضى هذا الكلام أن الذي يمنع المؤمنين في الدنيا من رؤية الله تعالى هو الآفة التي على أبصارهم، ولو زالت تلك الآفة لرأوه.
فالحجاب عند هؤلاء: هو عدم الإدراك في أبصار الخلق، وما وصف به الله - تعالى - من الحجاب راجع إلى الخلق. وشبهتهم: أن ما ستر بالحجاب، فالحجاب أكبر منه، ويكون متناهياً، ومحاذياً للحجاب، وهذا لا يكون إلا للأجسام.
نقل ابن حجر، عن العلائي قوله: ((المراد بالحاجب، والحجاب: نفي المانع من الرؤية)) ثم قال: ((وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة.
والله - سبحانه - منزه عما يحجبه، إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه: منعه أبصار خلقه، وبصائرهم، بما شاء متى شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم)) (٣) .
وهكذا شراح الحديث وغيرهم - الأشاعرة - ساروا على هذا المنوال.
стр. 622
ويلزم من ذلك أن الله - تعالى - وصف نفسه وكذلك رسوله وصفه بما يجب أن ينزه عنه، فهؤلاء المبتدعة أعلم من الله، ومن رسوله بالله، وأحرص على تنزيه الله من الله ورسوله، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (١) .
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٣) ، وعدم الإدراك الذي زعموا ليس شيئاً موجوداً فيكون حائلاً دون رؤيتهم ربهم، بل هو عدم، والعدم لا وجود له.
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) .
فتجليه للجبل يدل على أنه محتجب بحجاب كشف للجبل منه ما جعله دكاً.
وفي صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري، قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) (٥) .
стр. 623
ومعلوم أن بصر الله تعالى لا ينتهي دون شيء، ولا يحول دونه شيء، فهو بكل شيء بصير، فلولا الحجاب الذي احتجب به لما بقي شيء من المخلوقات إلا ذاب واحترق، فكيف جاز لهؤلاء الذين جعلوا أقيستهم وعقولهم هي الحكم على ما يوصف الله - تعالى - به، وما يمتنع عليه.
وسيأتي حديث أبي موسى، وفيه: ((وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) .
وفي ((صحيح مسلم)) ، عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال يقول الله ﵎: ((تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) (١)
والنصوص في إثبات الحجب لله - تعالى - كثيرة، يؤمن بها أتباع رسول الله ﷺ ، ويعلمون بما ورثوه من نور النبوة بأن الله - تعالى - احتجب بالنور، وبالنار، وبما شاء من الحجب، وأنه لو كشف عن وجهه الكريم الحجاب لما قام لنوره شيء من الخلق، بل يحترق، ولكنه تعالى في الدار الآخرة يكمل خلق المؤمنين ويقويهم على النظر إليه - تعالى - فينعمون بذلك، بل هو أعلى نعيمهم يوم القيامة.
وقد تولى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إبطال شبه هؤلاء المنكرين لحجب الله - تعالى -، في كتابه ((نقض تأسيس الجهمية، وإبطال بدعهم الكلامية)) بوجوه كثيرة، أكثر من أربعين وجهاً، كل وجه منها كاف في إبطال قولهم.
стр. 624
قال ﵀: ((أحدها: أنهم يقولون: إن الحجاب هو ما يخلقه الله في العين من الرؤية المتعلقة به تعالى.
وهذا باطل بالضرورة؛ لأنهم فسروا الحجاب بعدم الإدراك في أبصارهم، والعدم لا يخلق ولا وجود له، فهو ليس شيئاً.
الثاني: أنه ثبت في الحديث قوله: ((فيكشف الحجاب، فينظرون إليه)) .
وكشف الشيء: إزالته ورفعه، وهذا لا يوصف به المعدوم، فإنه لا يزال، ولا يرفع، وإنما الذي يُزال ويُرفع: الموجود.
الثالث: أنه قال: ((فيكشف الحجاب فينظرون إليه)) فجعل النظر متعقباً لكشف الحجاب. وعند هؤلاء المبتدعة: الحجاب هو عدم خلق الرؤية، وضده خلق الرؤية، فيكون زوال ذلك العدم هو عين الرؤية، لا يكون شيئاً يتعقب [كشف] الحجاب، وتقدم أن العدم ليس شيئاً.
الرابع: أن في الحديث: ((حجابة النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه)) .
ولو كان كما زعموا هو خلق الرؤية لم يكن كشف ذلك يحرق شيئاً. فالمؤمنون يرون ربهم في عرصات القيامة، وفي الجنة، ولا تحرق رؤيتهم شيئاً.
الخامس: [أنه] ثبت في ((الصحيحين)) : ((وما بين القوم وبين أن ينظرون إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنة عدن)) .
وعلى قول هؤلاء: ما بينهم وبين أن ينظرون إليه إلا زوال ذلك العدم بخلق الرؤية في أعينهم.
ومعلوم أن عدم خلق الرؤية فيهم ليس هو رداء الكبرياء، ولا هو على وجه الله الكريم، ولا هو في جنة عدن، ولا هو شيء أصلاً حتى يوصف بصفات الموجود.
стр. 625
السادس: أن من تأمل نصوص الكتاب والسُّنَّة، وما ورد في ذلك من الآثار عن الصحابة والتابعين، علم بالضرورة علماً يقيناً لا يستريب فيه أن لله حجاباً، وحجباً منفصلة عن العباد، يكشفها إذا شاء، فيتجلى، وإذا شاء لم يكشفها.
وإذا كان الحجاب كما يقول الرازي وذووه: ((هو الجسم المتوسط بين جسمين)) فلازم الحق حق، لا يمكن أن يدفع حيث علم بالاضطرار من دين المرسلين، فلا يدفع بما أحدثه سلف الرازي، وأئمته، ولا بما يشنعون به على أهل السُّنَّة من اصطلاحات، وألفاظ ابتدعوها، ما أنزل الله بها من سلطان.
فإن من أعظم بدعهم: قولهم: إن الله ليس بجوهر ولا جسم، وهذا هو الصنم الأكبر الذي صدوا به عباد الله عن معرفته، والإيمان به.
وهو الذي عُطل الله به من أسمائه وصفاته.
بل هو أساس الشرك والردة، والنفاق، وإن كان قد اغتر به طوائف من أهل الإيمان، لم يعلموا ما قصده واضعوه الذين أفسدوا به فطرة العباد التي فطرهم الله عليها، وأفسدوا به معاني كتاب الله، وصدوا به عن سبيل الله.
وهو لهؤلاء المبتدعة كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى للمشركين القدماء.
فإن الله - تعالى - لم ينزل في شيء من كتبه، ولا قال أحد من رسله، ولا أحد من ورثتهم: إن الله ليس بجوهر ولا جسم، وإن كان إثبات ذلك أيضاً بدعة وضلالة، إلا أن نفيه أعظم وأضل.
السابع: أن الله - تعالى - قال: ﴿وَمَا كَاَنَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحيًا أَو مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومعلوم أن هذا التكليم مثل ما حصل لموسى، وهو أرفع درجة من التكليم بالوحي، وإرسال الرسول باتفاق المسلمين، كما دل على ذلك الكتاب والسُّنَّة.
стр. 626
فإذا كان الحجاب كما يقول هؤلاء: هو عدم خلق الرؤية، فذلك مشترك بين الأقسام الثلاثة، فلا يكون لمن كلم من وراء حجاب ميزة.
وبطلان ذلك ظاهر.
وقوله تعالى: ﴿مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ معناه: من خلف حجاب، وعدم خلق الرؤية عدم محض، ليس له خلف، ولا أمام، فعلم أن الحق إثبات الحجاب لله حقيقة؛ لأنه موجود.
والتقدير على قولهم: أن يقال: ((أو من وراء عدم خلق الرؤية)) وهذا يشبه كلام المجانين، ولا يجعل هذا معنى كلام الله إلا زنديق متلاعب بالقرآن.
الثامن: أنه تعالى قال في الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (١)) ، فجعل حجابهم يوم القيامة، ولو كان الحجاب هو عدم خلق الرؤية لكانوا محجوبين في الدنيا والآخرة، ولكان المؤمنون أيضاً داخلين في ذلك، معذبين بهذا الحجاب الذي عذب به الكفار في الآخرة.
ولكنه حجاب خاص يحجب الله به الكفار حين يتجلى للأبرار.
ثم هذا الذي قالوه في الحجاب حمل للفظ على ما لا تحتمله اللغة بوجه من الوجوه فهو تبديل للغة، كما هو تحريف للقرآن وتبديل لمعانيه)) (٢) .
قوله: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه)) .
وفي رواية ((حاجب)) وهذا يدل على وجود الحاجب كما تقدم، ويدل على جواز أن يكون له ترجمان يبلغ عنه.
стр. 627
وقد جاء نص القرآن بأن التكليم يكون من وراء حجاب، وعلى قول المنكرين للحجاب لا يمكن أن يكون بينه وبين عباده حجاب حقيقي، ولا ترجمان، وهذا يلزم منه إما إنكار وجود الله، أو أنه حال مع خلقه، تعالى الله عن ذلك.
ومذهبهم في المسألتين من أعظم الباطل - أعني الرؤية والكلام - لأنهم يقولون: التكليم: هو خلق إدراك الكلام؛ لأن كلام الله معنى قائم بنفسه.
كما أنهم يقولون: الرؤية هي رفع الموانع، وخلق الرؤية في العين، فعلى هذا يكون الذي يراه المؤمنون في الجنة شيئا مخلوقاً، والنصوص تبطل ذلك، وكذلك العقل والفطر إذا سلمت من الانتكاس، والتغيير.
٧١ - قال: ((حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عمران، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ((جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) .
قال الحافظ: في رواية الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، في أول هذا الحديث: ((جنان الفردوس أربع، ثنتان من ذهب)) ... الخ.
وهذا يبين أن الحديث قد حذف شيء من أوله.
وهو يدل على تفاوت منازل الجنة ودرجاتها، فبعضها أعلى من بعض حساً ومعنى، حيث يكون بناؤها من الذهب، وأوانيها من الذهب، ومعلوم أن الذهب هو أغلى المعادن وأنفسها لدى المخاطبين بالقرآن عند نزوله، ويجوز أن يكون فيها ما هو أعلى من الذهب وأرفع؛ لأن الله - تعالى - أخبر أن فيها ما لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر، وتقدم البحث في درجات الجنة.
стр. 628
قوله: ((وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن.
هذا الشاهد من الحديث للباب، إذ فيه التصريح بقرب نظرهم إلى ربهم فإذا أراد تعالى أن ينعمهم ويزيد في كرامتهم رفع رداء الكبرياء عن وجهه فنظروا إليه، وفي الرواية التي ذكرها في ((التفسير)) ، ((رداء الكبر على وجهه)) (١)
لقد تخبط شراح الحديث هنا من الأشاعرة - تخبطهم في كثير من صفات الله - تعالى - فأخرجوا كلام رسول الله ﷺ عن ظاهره إلى المجازات البعيدة، وطلبوا له التأويلات المستكرهة، تحريفاً له وتعطيلاً لله من أوصافه، ظانين أن ما وصفه به رسوله في مثل هذا الحديث فيه تجسيم وتشبيه، كما هي طريقتهم.
نقل الحافظ كثيراً من كلامهم على هذا الحديث، فنقل عن القاضي عياض قوله: ((من أجرى هذا الكلام على ظاهرة أفضى به إلى التجسيم)) .
وقال الكرماني: ((هذا من المتشابهات، فإما مفوض، وإما متأول بأن المراد من الوجه الذات، والرداء صفة من صفات الذات اللازمة، المنزه عما يشبه المخلوقات)) ، وقال المازري: ((عبر عن زوال الموانع، ورفعها عن أبصارهم برداء الكبرياء) (٢) .
ونحن نجيبهم عما قالوا بجوابين، أحدهما مجمل، والآخر مفصل.
أما المجمل، فنقول: نحن لا نشك، ولا يشك مسلم عرف رسول الله ﷺ وعرف قدره، أنه أفصح منكم، وأقدر على بيان الحق وإيضاح ما يريد
стр. 629
منكم ومن أئمتكم، وأنه أنصح للأمة وأشفق عليها وأحرص على هدايتها، وسد طرق الكفر والضلال عنها، منكم ومن غيركم، وأنه أعلم بالله وما يجب له وما يمتنع عليه، وأنه أخشى لله وأتقى له، فمع ذلك يمتنع أن يتكلم بما ظاهره الكفر والضلال، أو بما يؤدي إلى الباطل، بل كلامه فيه الهدى والنور والعصمة من الضلال والانحراف لمن آمن به واتبعه.
بخلاف كلام غيره من الناس فإنه لا بد من عرضه على قول الله وقول رسوله، فإن وافقه قبل، وإلا رد على قائله.
فالحق قطعاً فيما قاله رسول الله ﷺ وليس في قول من خالفه ممن يتلقى عقيدته عن أهل الكلام والفلسفة المبنية على آراء الرجال وتخرصاتهم.
وأما الجواب المفصل: فمن وجوه:
أحدها: أن ما قالوه خلاف ظاهر النصوص، كما صرحوا بذلك، وليس في اللفظ المذكور ولا في غيره مما جاء عن الرسول ﷺ ما يدل على ما قالوه.
ومعلوم أن صرف اللفظ عن ظاهره يحتاج إلى دليل يدل على ذلك، وإلا صار التأويل تحريفاً وتلاعباً.
أما ما يدعون من قرينة دلالة العقل، فمجرد دعوى تفتقر إلى برهان، والحق أن العقل يدل على ما دل عليه نص الشرع.
الوجه الثاني: أنه قال: ((وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) ، ومن المعلوم أن الكبرياء من صفات الله - تعالى - ولا يجوز للعباد أن يتصفوا بها، فقد توعد الله المتكبر بجهنم، كما قال تعالى َ ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينََ﴾ (١) .
стр. 630
وفي الحديث: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) (١) .
فلا يجوز أن يكون رداء الكبرياء إلا وصفاً لله - تعالى - فبطل قولهم: ((إن المقصود من رداء الكبرياء: زوال الموانع)) .
الوجه الثالث: أنه أضاف رداء الكبرياء إلى وجه الله الكريم حجاباً له.
فقال: ((إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) ، فلا يجوز أن يكون رداء الكبرياء ما في أعين العباد من المانع الذي منعهم من رؤية الله كما يقوله هؤلاء، وقيد ذلك في جنة عدن.
وعلى مقتضى قولهم أنه لو زال المانع عن أعين العباد لرأوه في الدنيا.
الوجه الرابع: أنه ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: قال الله - تعالى -: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار)) (٢) .
ورواه مسلم، ولفظه: ((العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته)) (٣) .
ورواه ابن ماجه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم)) (٤) .
ووصف الله - تعالى - بأن العظمة إزاره، والكبرياء رداؤه، كسائر صفاته، تثبت على ما يليق به، ويجب أن يؤمن بها على ما أفاده النص دون تحريف ولا تعطيل.
стр. 631
قوله: ((في جنة عدن)) قيد لكونهم ليس بينهم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم - جل وعلا - إلا رداء الكبرياء.
وهذا دليل على فضل جنة عدن، وعلوها، ومن لازم ذلك علو الله - تعالى -؛ لأنهم ينظرون إليه - تعالى - من فوقهم، وتقدم بحث ذلك بما فيه الكفاية.
وأما قول ابن بطال: ((لا تعلق به للمجسمة في إثبات المكان؛ لما ثبت من استحالة أن يكون جسماً، أو حالاً في مكان.
فيكون تأويل الرداء: الآفة الموجودة في أبصارهم، المانعة لهم من رؤيته، وسماه رداء لتنزله في المنع منزلة الرداء الذي يحجب الوجه عن رؤيته، فأطلق عليها الرداء مجازاً، وقوله: ((في جنة عدن)) راجع إلى القوم)) (١) .
فيقال له أولاً: من هم المجسمة؟ ومعلوم أنه يقصد من أثبت أن الله فوق عرشه، وأنه يراه أهل الجنة من فوقهم، ولا شك أن نصوص الكتاب والسُّنَّة في إثبات ذلك أكثر من أن يحاط بها.
وعلى اصطلاح ابن بطال وذويه، كل من أثبت ذلك فهو مجسم. والله - تعالى - قد أثبت ذلك لنفسه، وأثبته رسوله له، ونحن نتبع ذلك، سواء سماه أهل البدع تجسيماً شنعوا على من اعتقده، أو قاله، أو لم يسموه، فإنه هو الحق الذي لا مرية فيه عند أهله.
وأما قوله: ((لما ثبت من استحالة أن يكون - سبحانه - جسماً، أو حالاً في مكان)) فكما سبق أن هذه البدعة هي التي عُطل رب العالمين من أسمائه وصفاته بها، وأنها الصنم الذي عبده المتكلمون، وصدوا به عباد الله عن معرفته وعبادته بأسمائه وصفاته.
стр. 632
ثم هذا القول من ابن بطال ومن قال به مجرد دعوى، لا برهان عليها، فمن أين لهم استحالة أن يكون الله في مكانه، وكتب الله وسنة رسوله ظاهرة في ذلك جلية تنادي بأن الله فوق عرشه مستو عليه، عال على خلقه؟
أما يستحيون من الدعاوى الكاذبة، التي يريدون بها التشنيع على أتباع الرسل؟!
وقد علم أن مقصودهم بالجسم: ما شغل مكاناً، أو ما يصلح أن يقال إنه هنا أو هناك، أو ما صحت الإشارة إليه، أو ما كان له مقدار.
وتقدم من الأدلة على استواء الله - تعالى - على عرشه، وعلوه على خلقه، وأنه يشار إليه، ويقال: إنه في السماء، ما فيه مقنع لمن يريد الحق.
وأما قوله: ((في جنة عدن راجع إلى القوم)) فمراده: أن القوم في جنة عدن، وأنه لا يجوز أن يقال: إن الله يرى في جنة عدن، وإنما معناه الإخبار بأن القوم في جنة عدن.
فيقال: أولاً: هذا رد صريح لقول رسول الله ﷺ وكفى بذلك ضلالاً، وبعداً عن سبيل المؤمنين.
ويقال: ثانيا: إن هذا من جنس تأويلات أهل البدع الباردة، التي لا تصدر عن عربي يعرف معنى ما يقول، فضلا عن رسول الله ﷺ الذي هو أفصح العرب، وكونهم في جنة عدن قد علم من أول الحديث؛ لأنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما)) ... الخ، ثم أخبر أن رؤيتهم لربهم قريبة، ليس دونها إلا رفع الحجاب، فهم يرونه في جنة عدن من فوقهم، يوضحه الحديث المتقدم: ((إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وسقفه عرش الرحمن)) ، ومن أجل ذلك أورده البخاري ﵀ في هذا الباب مستدلاً به على رؤية الله - تعالى - كما هو واضح وصريح في ذلك.
****
стр. 633
٧٢ - قال: ((حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الملك بن أعين، وجامع ابن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة؛ لقي الله وهو غضبان)) .
قال عبد الله: ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله﴾ ُ (١) الآية.
قوله: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة)) ((مَن)) مِن أدوات العموم، والأغلب أن تكون لخطاب من يعقل.
و ((مال)) نكرة، أضيفت إلى نكرة موصوفة بالإسلام، فشملت كل مسلم، وكل ما يسمى مالاً، قليلاً كان أو كثير.
روى الطبراني من حديث جابر بن عتيك، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار)) ، قالوا: يا رسول الله، وإنْ شيء يسير؟ قال: ((وإن كان سواكاً)) (٢) .
ورواه الحاكم، ولفظه: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)) ، قالوا: يا رسول الله، وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: ((وإن كان سواكاً، وإن كان سواكاً)) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة (٣) . وقال الذهبي: صحيح.
стр. 634
((اقتطع)) من القطع؛ لأنه قطعه عن صاحبه، أو أخذ قطعة من ماله بالحلف الكاذب.
قوله: ((لقي الله وهو عليه غضبان)) هذا محل الشاهد من الحديث الذي أورده من أجله، وتقدم أن اللقاء يتضمن النظر والمعاينة، وأن السلف استدلوا بلفظ اللقاء على الرؤية.
قال الحافظ: ((في حديث وائل بن حجر عند مسلم: ((لقي الله وهو عنه معرض)) .
وفي رواية كردوس، عن الأشعت، عند أبي داود: ((لقي الله، وهو أجذم)) قال: وفي حديث أبي أمامة عند مسلم، والنسائي، نحو ما في هذا الحديث: ((فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة)) ، وفي حديث عمران، عند أبي داود ((فليتبوأ مقعده من النار)) (١) .
وهذا وعيد شديد جداً لمن يفعل ذلك، فعلى المسلم أن يحذر كل الحذر من أموال المسلمين بأي وسيلة كانت، فإن ذلك من أسباب سخط الله - تعالى -.
قوله: ((مصداقه من كتاب الله جل ذكره)) إلى آخره، أي: الذي يصدق هذا الحديث ويوافقه.
قال ابن كثير: ((يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدهم عليه من اتباع محمد ﷺ وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة، بالأثمان القليلة الزهيدة - وهي عرض الدنيا الزائلة - ﴿أُولَئِكَ لاَ خَلَقَ لَهُم فِي الأَخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظ لهم منها، ﴿وَلاَ يُكَلِمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنُظُر إِلَيهِم يَومَ القِيامَةِ﴾ برحمة منه لهم،
стр. 635
بمعنى: لا يكلمهم كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿وَلاَ يُزَكِيهِم ِ﴾ أي: من الذنوب، والأدناس، بل يأمر بهم إلى النارِ، ﴿وَلَهُم عَذَابُ أَلِيمُ ِ﴾ (١) مؤلم شديد الألم.
قال الحافظ: ((يؤخذ من الآية تفسير قوله: ((لقي الله وهو عليه غضبان)) ، ومقتضاه: أن الغضب سبب لمنع الكلام، والرؤية، والرضا سبب لوجودهما)) (٢) .
وفيه وصف الله - تعالى - بالغضب، وأنه يغضب على بعض عباده بسبب ذنوبهم، وفيه أن الغضب غير العقاب، وإذا كان يغضب فهو تعالى يرضى، والأدلة على ذلك كثيرة.
٧٣ - قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى، وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله - تعالى - يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)) .
قوله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله)) أي: ثلاثة من أجناس الناس، يعم الذكور والإناث، والأحرار والعبيد.
وعدم تكليم الله لهم يوم القيامة دليل على غضبه عليهم، ومقتضاه: أنهم