قوله: ((في جنة عدن)) قيد لكونهم ليس بينهم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم - جل وعلا - إلا رداء الكبرياء.
وهذا دليل على فضل جنة عدن، وعلوها، ومن لازم ذلك علو الله - تعالى -؛ لأنهم ينظرون إليه - تعالى - من فوقهم، وتقدم بحث ذلك بما فيه الكفاية.
وأما قول ابن بطال: ((لا تعلق به للمجسمة في إثبات المكان؛ لما ثبت من استحالة أن يكون جسماً، أو حالاً في مكان.
فيكون تأويل الرداء: الآفة الموجودة في أبصارهم، المانعة لهم من رؤيته، وسماه رداء لتنزله في المنع منزلة الرداء الذي يحجب الوجه عن رؤيته، فأطلق عليها الرداء مجازاً، وقوله: ((في جنة عدن)) راجع إلى القوم)) (١) .
فيقال له أولاً: من هم المجسمة؟ ومعلوم أنه يقصد من أثبت أن الله فوق عرشه، وأنه يراه أهل الجنة من فوقهم، ولا شك أن نصوص الكتاب والسُّنَّة في إثبات ذلك أكثر من أن يحاط بها.
وعلى اصطلاح ابن بطال وذويه، كل من أثبت ذلك فهو مجسم. والله - تعالى - قد أثبت ذلك لنفسه، وأثبته رسوله له، ونحن نتبع ذلك، سواء سماه أهل البدع تجسيماً شنعوا على من اعتقده، أو قاله، أو لم يسموه، فإنه هو الحق الذي لا مرية فيه عند أهله.
وأما قوله: ((لما ثبت من استحالة أن يكون - سبحانه - جسماً، أو حالاً في مكان)) فكما سبق أن هذه البدعة هي التي عُطل رب العالمين من أسمائه وصفاته بها، وأنها الصنم الذي عبده المتكلمون، وصدوا به عباد الله عن معرفته وعبادته بأسمائه وصفاته.
стр. 632
ثم هذا القول من ابن بطال ومن قال به مجرد دعوى، لا برهان عليها، فمن أين لهم استحالة أن يكون الله في مكانه، وكتب الله وسنة رسوله ظاهرة في ذلك جلية تنادي بأن الله فوق عرشه مستو عليه، عال على خلقه؟
أما يستحيون من الدعاوى الكاذبة، التي يريدون بها التشنيع على أتباع الرسل؟!
وقد علم أن مقصودهم بالجسم: ما شغل مكاناً، أو ما يصلح أن يقال إنه هنا أو هناك، أو ما صحت الإشارة إليه، أو ما كان له مقدار.
وتقدم من الأدلة على استواء الله - تعالى - على عرشه، وعلوه على خلقه، وأنه يشار إليه، ويقال: إنه في السماء، ما فيه مقنع لمن يريد الحق.
وأما قوله: ((في جنة عدن راجع إلى القوم)) فمراده: أن القوم في جنة عدن، وأنه لا يجوز أن يقال: إن الله يرى في جنة عدن، وإنما معناه الإخبار بأن القوم في جنة عدن.
فيقال: أولاً: هذا رد صريح لقول رسول الله ﷺ وكفى بذلك ضلالاً، وبعداً عن سبيل المؤمنين.
ويقال: ثانيا: إن هذا من جنس تأويلات أهل البدع الباردة، التي لا تصدر عن عربي يعرف معنى ما يقول، فضلا عن رسول الله ﷺ الذي هو أفصح العرب، وكونهم في جنة عدن قد علم من أول الحديث؛ لأنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما)) ... الخ، ثم أخبر أن رؤيتهم لربهم قريبة، ليس دونها إلا رفع الحجاب، فهم يرونه في جنة عدن من فوقهم، يوضحه الحديث المتقدم: ((إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وسقفه عرش الرحمن)) ، ومن أجل ذلك أورده البخاري ﵀ في هذا الباب مستدلاً به على رؤية الله - تعالى - كما هو واضح وصريح في ذلك.
****
стр. 633
٧٢ - قال: ((حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الملك بن أعين، وجامع ابن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة؛ لقي الله وهو غضبان)) .
قال عبد الله: ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله﴾ ُ (١) الآية.
قوله: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة)) ((مَن)) مِن أدوات العموم، والأغلب أن تكون لخطاب من يعقل.
و ((مال)) نكرة، أضيفت إلى نكرة موصوفة بالإسلام، فشملت كل مسلم، وكل ما يسمى مالاً، قليلاً كان أو كثير.
روى الطبراني من حديث جابر بن عتيك، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار)) ، قالوا: يا رسول الله، وإنْ شيء يسير؟ قال: ((وإن كان سواكاً)) (٢) .
ورواه الحاكم، ولفظه: ((من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)) ، قالوا: يا رسول الله، وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: ((وإن كان سواكاً، وإن كان سواكاً)) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة (٣) . وقال الذهبي: صحيح.
стр. 634
((اقتطع)) من القطع؛ لأنه قطعه عن صاحبه، أو أخذ قطعة من ماله بالحلف الكاذب.
قوله: ((لقي الله وهو عليه غضبان)) هذا محل الشاهد من الحديث الذي أورده من أجله، وتقدم أن اللقاء يتضمن النظر والمعاينة، وأن السلف استدلوا بلفظ اللقاء على الرؤية.
قال الحافظ: ((في حديث وائل بن حجر عند مسلم: ((لقي الله وهو عنه معرض)) .
وفي رواية كردوس، عن الأشعت، عند أبي داود: ((لقي الله، وهو أجذم)) قال: وفي حديث أبي أمامة عند مسلم، والنسائي، نحو ما في هذا الحديث: ((فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة)) ، وفي حديث عمران، عند أبي داود ((فليتبوأ مقعده من النار)) (١) .
وهذا وعيد شديد جداً لمن يفعل ذلك، فعلى المسلم أن يحذر كل الحذر من أموال المسلمين بأي وسيلة كانت، فإن ذلك من أسباب سخط الله - تعالى -.
قوله: ((مصداقه من كتاب الله جل ذكره)) إلى آخره، أي: الذي يصدق هذا الحديث ويوافقه.
قال ابن كثير: ((يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدهم عليه من اتباع محمد ﷺ وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة، بالأثمان القليلة الزهيدة - وهي عرض الدنيا الزائلة - ﴿أُولَئِكَ لاَ خَلَقَ لَهُم فِي الأَخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظ لهم منها، ﴿وَلاَ يُكَلِمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنُظُر إِلَيهِم يَومَ القِيامَةِ﴾ برحمة منه لهم،
стр. 635
بمعنى: لا يكلمهم كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿وَلاَ يُزَكِيهِم ِ﴾ أي: من الذنوب، والأدناس، بل يأمر بهم إلى النارِ، ﴿وَلَهُم عَذَابُ أَلِيمُ ِ﴾ (١) مؤلم شديد الألم.
قال الحافظ: ((يؤخذ من الآية تفسير قوله: ((لقي الله وهو عليه غضبان)) ، ومقتضاه: أن الغضب سبب لمنع الكلام، والرؤية، والرضا سبب لوجودهما)) (٢) .
وفيه وصف الله - تعالى - بالغضب، وأنه يغضب على بعض عباده بسبب ذنوبهم، وفيه أن الغضب غير العقاب، وإذا كان يغضب فهو تعالى يرضى، والأدلة على ذلك كثيرة.
٧٣ - قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى، وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله - تعالى - يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)) .
قوله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله)) أي: ثلاثة من أجناس الناس، يعم الذكور والإناث، والأحرار والعبيد.
وعدم تكليم الله لهم يوم القيامة دليل على غضبه عليهم، ومقتضاه: أنهم
стр. 636
يذهب بهم إلى النار بدون سؤال ومحاسبة؛ لأنهم قد تناهى جرمهم في القبح، فاستحقوا أليم العذاب، مع الإعراض عنهم وإهانتهم من أول الأمر، فيكون هذا الحديث مخصصاً لحديث عدي السابق، وهو قوله: ((ما منكم من أحد إلاَّ سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) .
وقوله: ((ولا ينظر إليهم)) نظر الله - تعالى - إلى العبد يقتضي الرحمة، وهؤلاء فعلوا أفعالاً مقتهم الله عليها، فأعرض عنهم، ومن أعرض الله عنه فهو هالك، الهلاك الأكبر.
والمقصود بالنظر المنفي هنا، نظر خاص يتضمن الإحسان والرحمة، ويفهم منه نظر العبد إلى الله - تعالى - لا يحجب بصره شيء أبداً، في أي وقت كان.
وهذا القدر من الحديث: أعني قوله: ((لا يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة)) هو محل الشاهد لما مر، ولأن الكلام والنظر المقيد بيوم القيامة يدل على اللقاء، واللقاء يتضمن المعاينة.
ثم ذكر أفعالهم التي استحقوا عليها هذا الوعيد الشديد، وهي ثلاثة أنواع:
أحدها: الحلف على السلعة التي يريد بيعها، أنه أعطى بها أكثر مما يريد المشتري أن يأخذها به، وهو كاذب في حلفه، وذلك لأنه اشترى بيمينه ثمناً قليلاً بخساً، مما يدل على رغبته في الدنيا وزهده في الآخرة، واليمين دين يتعبد الله به، فمن خاف الله في يمينه، فلم يكذب فهو من المتقين في ذلك.
ومن بذل يمينه بعرض من الدنيا، فهو فاجر يستحق العقوبة، مستخف بحرمات الله.
والسلعة هي: كل بضاعة عرضت للبيع.
والنوع الثاني - وهو أخص من الذي قبله - وهو الحلف على يمين كاذبة
стр. 637
بعد العصر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، وهذا يكون عند من يحكم بين الحالف والمحلوف له، وهو الحاكم؛ لأن المحلوف له يلزم بأن هذا المال للحالف بمقتضى يمينه، وهذا هو معنى الاقتطاع.
وخص المسلم لأن ماله أشد حرمة، وحقه على أخيه المسلم أعظم، وإلا فمال الكافر غير المحارب لا يجوز أخذه إلا بحق.
وخص وقت بعد العصر لفضله، ولأنه آخر النهار الذي أثنى الله على المسبحين فيه لقرب نهاية النهار وختم عمله، وقرب الليل الذي فيه النوم المذكر بالمصير إلى الله - تعالى -، وهو وقت أصوات الداعين لله والمسبحين.
وهذه اليمين هي الغموس سميت بذلك؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم فلا يخرج منه إلا أن يشاء الله - تعالى - فإنه يخرج الحي من الميت.
النوع الثالث: منع فضل الماء الذي زاد عن حاجته، ويحتاج إليه سالك الطريق؛ وذلك لأن الماء يتجدد بدله كلما أخذ منه، ولا يضر بذله، فمانعه لا يكون إلا لئيماً خبيث النفس، يقصد الأذية، وليس لديه رحمة للخلق، ولا رغبة في الخير.
وفهم من قوله: ((فضل ماء)) أن ما يحتاجه لشربه هو ومن يلزمه إعاشته لا يلزمه بذله.
ولكون الماء يتجدد بما أخذ منه، ولا صنع للإنسان فيه، كالطعام مثلاً واللباس الذي يحتاج معالجة وعملاً، لأجل ذلك يقول الله - تعالى - يوم القيامة: ((اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)) .
ومن منع فضل الله فهو الخاسر الخسران الأبدي.
وقوله: ((يقول الله)) إلى آخره، لا يعارض أول الحديث أن هؤلاء
стр. 638
لا يكلمهم الله، لأنه لا يلزم أن يكون هذا القول مواجهاً به صاحب هذا العمل فقد يكون للملائكة الذين يتولون عذابه، أو غير ذلك، والله أعلم.
٧٤ - قال: ((حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: ((الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى.
قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس البلدة؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى.
قال: ((فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام، كحرمةِ يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم.
ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى من بعض من سمعه)) .
فكان محمد إذا ذكره، قال: صدق النبي ﷺ ، ثم قال: ((ألا هل بلغت، ألا هل بلغت)) .
стр. 639
هذا الحديث قاله ﷺ في خطبته العظيمة يوم النحر، في حجة الوداع، وفي هذا الحديث بيان وجوب الاجتماع على الحق، والاعتصام بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وعظم حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ووجوب سلوك طريقه ﷺ ، وبيان أن الله - تعالى - أتم عليهم نعمته بنبيه، وأخذهم بما جاء به.
وحذرهم من ترك هذا الهدى والرجوع إلى الضلال وكفر النعمة والفرقة الداعية إلى التصارم والقتال، فإن ذلك من الكفر.
وبين أن الزمان قد عاد كما خلقه الله، بعد تبديل المشركين الشهور المحرمة بالتقديم والتأخير حسب أهوائهم، حتى يستحلوا القتال في الأشهر الحرم.
وفيه بيان تأكد حرمة الأشهر الحرم التي حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، وحرمة مكة، وأن هذا التحريم مستمر إلى يوم القيامة لا يستحله إلا من جانب طريق الرسل، وأحل شعائر الله والشهر الحرم والبلد الحرام، وذلك من العظائم.
قوله: ((الزمان قد استدار، كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض)) كان المشركون لا يستحلون القتال في الأشهر الحرم، ولما كان منها ثلاثة متواليات، طالت عليهم، فتحيلوا على تأخير المحرم وتقديم صفر مكانه، فيحلون المحرم عاماً ويحرمون صفر بدله ويحرمونه عاماً، فيجعلون المحرم هو صفر في هذا العام مثلاً، وفي العام الآخر يبقون المحرم وصفر على ما هما عليه، يفعلون ذلك تحيلاً على استحلال القتال، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ِ﴾ (١) .
فيستحلون القتال في الشهر الحرام، ويسمونه بغير اسمه، ويحرمون في
стр. 640
الشهر الحلال ويسمونه محرماً؛ ليتفق ذلك مع عدة ما حرم الله - تعالى- من الأشهر؛ لأن توالى ثلاثة شهور محرمة يطول عليهم، ففعلوا ذلك لأجل قتال أعدائهم، ولغير ذلك من أغراضهم.
وفي السَّنة التي حج فيها النبي ﷺ اتفق أن الأشهر الثلاثة كلها محرمة، لأنها السَّنة التي كانوا يحرمون القتال في محرم على ما هو عليه، ولهذا قال ﷺ : ((الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض)) أي: رجع تحريم الأشهر الحرم في حساب المشركين وعملهم متفقاً مع حكم الله وشرعه، فقد جعل الله السَّنة اثني عشر شهراً، منها أربعة حرم، يحرم القتال فيها، والظلم فيها أعظم منه في غيرها.
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، ((كان جنادة بن عوف بن أمية الكناني، يوافي الموسم في كل عام، وكان يُكْنَى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، ألا إن محرم العام الأول هذا العام حلال، فيحله الناس، فيحرم صفر عاماً ويحرم المحرم عاماً)) .
قال شاعرهم - وهو عمير بن قيس الذي يقال له: جذل الطعان - يفتخر بذلك:
لقد علمت معدُّ بأن قومي ... كرام الناس إن لهم كراما
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما
فأى الناس لم ندرك بوتر ... وأي الناس لم نعلك لجاما
وقوله: ((ورجب مضر)) إضافة إليهم؛ لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه وحرمة القتال فيه، أكثر من غيرهم، وكان بعض العرب يعمل فيه ما يعملونه في محرم حسب حاجتهم إلى القتال.
وقوله: ((الذي بين جمادى وشعبان)) تأكيد لتعريفه، ونَص عليه.
والمراد بالزمان في قوله: ((إن الزمان قد استدار)) : السَّنة:
стр. 641
قال الخطابي: ((كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم والتقديم والتأخير؛ لأسباب تعرض لهم.
منها: استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرمون بدله شهراً غيره، فتتحول بذلك السنة وتتبدل، فإذا أتى عدة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبي ﷺ عند ذلك)) (١) .
فعلى هذا يكون المراد بالزمان: مطلقة.
قوله: ((أي شهر هذا؟)) إلى قوله: ((أليس يوم النحر؟)) لما كان متقرراً عندهم حرمة ذي الحجة وحرمة البلد الحرام، وحرمة يوم النحر، أراد ﷺ أن يؤكد تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بالتمثيل البالغ في الحرمة منتهاها.
وفيه تعظيم شأن الدماء والأموال والأعراض وشدة حرمتها، حيث قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) فهذا غاية ما يمثل به شدة حرمة الشيء وتعظيمه.
وقد صح أن أول ما يبدأ به في المُقَاصَّة بين الناس يوم القيامة: الدماءُ.
قوله: ((وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم)) هذا هو المقصود من الحديث؛ لأنه ظاهر في مواجهتهم لله - تعالى - ومخاطبته لهم، فيدل على أنهم يرونه، كما تقدم أن اللقاء يتضمن المعاينة والرؤية.
وهذه الجملة تأكيد لما سبق من ذكر حرمة الدماء، وما عطف عليها، إذ المعنى: إذا تأكد لديكم شدة حرمة ذلك، فاحذروا أن تقعوا فيه، فإنكم
стр. 642
سوف تلاقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وهو أعلم بها منكم.
والسؤال يتضمن الجزاء.
وقوله: ((فلا ترجعون بعدي ضلالاً، يضرب بعضكم رقاب بعض)) أي: إياكم أن تعرضوا عما تركتكم عليه، وحضضتكم عليه، وهو التمسك بكتاب ربكم وسنة نبيكم، فإنه الصراط المستقيم، الذي يوصلكم إلى الجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، فإنكم إن ملتم عن ذلكم ضللتم الطريق السوي، وارتكبتم أعظم ما حذرتكم منه، وهو الوقوع في الدماء، فيصبح بعضكم يضرب رقاب بعض، وهذا هو الضلال.
قوله: ((ألا ليبلغ الشاهد الغائب)) هذا من الواجب الذي لا يجوز الإخلال به أو التساهل؛ لأن الأمة لا تصلح إلا بمعرفة ما جاء به ﷺ العمل به، كما قال الإمام مالك: ((إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها)) .
ولما جهلت الأمة طريق الرسول كثر الضلال فيها، والتخبط في ظلمات الجهل والخرافة، فظهرت فيها الرافضة، والصوفية، والباطنية، والملاحدة والزنادقة، وكل منهم يدعي أن الحق معه لا يعدوه، ومن خالفه فهو ضال أو كافر حلال الدم والمال، وغالب ذلك بسبب الجهل بما جاء به الرسول – ﷺ – وإن كان رؤساء هذه الطرق بالغالب ملاحدة يتسترون بالإسلام، هدفهم هدمه من أساسه، ﴿وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ واللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾ .
قوله: ((فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى من بعض من سمعه)) .
الوعي: هو الفهم والمعرفة ثم الامتثال، والمراد تبليغ أقواله – ﷺ – المتضمنة لأحكام الدين الذي جاء به.
وقوله: ((فلعل)) مشعر بقلة ذلك، ولهذا جاء في رواية بدل ((فلعل)) ((رُبَّ)) المفيدة للتقليل.
стр. 643
قال الحافظ: ((فيه الحث على تبليغ العلم، وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء، وأنه يأتي في الآخر من يكون أفهم من بعض من تقدم ولكن بقلة)) (١)
هذه النصوص التي ذكرها المؤلف – رحمة الله – كلها دلت على أن الله – تعالى – يُرى في الآخرة، دلالة متنوعة.
منها ما هو نص جلي لا يحتمل أي تأويل، مثل قوله ﷺ : ((إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر)) .
وقوله: ((إنكم سترون ربكم عياناً)) .
وقوله جواباً لسؤالهم: ((هل نرى ربنا يوم القيامة؟)) فقال: ((هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟ قالوا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما)) .
وقوله: ((فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون. فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه)) .
وقوله في حديث الشفاعة: ((فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجداً)) كرر ذلك مراراً، كل هذه الألفاظ صريحة في الرؤية، غير قابلة لتأويل وصرف عن ظاهرها.
فلا عذر لمن خالفها، ولا حجة له، إلا اتباع الهوى، والتقليد الأعمى أو التعصب، أو الضلال البعيد، أو الكفر والجحود.
فقد وضح مراد النبي – ﷺ – من هذه الأحاديث لكل عاقل، عارف باللغة،
стр. 644
لا يستريب في ذلك من عرف دلالة الألفاظ على المعاني؛ أن مراده بهذه الألفاظ المذكورة رؤيتهم إياه بأبصارهم، وليس في الممكن أوضح من هذه العبارات.
وهناك نصوص كثيرة غير ما ذكره هنا دالة على رؤية الله – تعالى – في الآخرة دلالة ظاهرة، استقصاها كثير ممن ألف في هذا الموضوع.
قال ابن القيم: ((اتفق [على أن الله يُرَى في الآخرة] الأنبياء، والمرسلون وجميع الصحابة، والتابعون، وأئمة الإسلام، على تتابع القرون.
وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مَسبَّةِ أصحاب رسول الله عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون.
وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال، وشيعة اللعين، وأعداء الرسول وحزبه)) (١) .
وقال شيخ الإسلام: ((والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: هو أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة، في عرصة القيامة (٢) ، وبعد ما يدخلون الجنة، على ما تواترت به الأحاديث، عن النبي – ﷺ – عند العلماء بالحديث، فإنه أخبر أنا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر، والشمس عند الظهيرة، لا نُضَام في رؤيته)) (٣)
стр. 645
واعلم أن الذين أنكروا رؤية الله - تعالى - اعتمدوا على شبه سموها براهين عقلية، وتعلقوا ببعض الأيات والأخبار، وهي في الحقيقة مبطلة لقولهم.
ومن أعظم الفرق إنكاراً لرؤية الله - تعالى - بالأبصار: المعتزلة، وبنوا إنكارهم لها على التشبيه المستكن في نفوسهم؛ لأنهم بنوا علمهم على الجدل، الذي أصله القياس المبني على تشبيه الغائب بالمشاهد، فإذا نظرت فيما ذكروه وجدت ذلك واضحاً في استدلالاتهم وتعليلاتهم إلى جانب التعصب للآراء.
قال عبد الجبار: ((قال أهل العدل بأسرهم، والزيدية، والخوارج وأكثر المرجئة: لا يجوز أن يُرَى الله - تعالى - بالبصر، ولا يدرك به على وجه، لا لحجاب ومانع، لكن لأن ذلك يستحيل)) (١)
١ - ثم استدل ((بأن الرؤية لا تصح إلا بحاسة البصر، والله لا يجوز أن يوصف بأن له حواس)) (٢) فالله عنده لا يَرى ولا يُرى - تعالى الله عن ذلك -.
٢ - ((ولأن البصر لا يصح أن يَرَى إلا ما كان مقابلاً، أو في حكم المقابل، وهذا لا يكون إلا للجسم ذي الألوان، وهو محال على الله)) (٣) .
٣ - ((ما يصح أن يُرى، لا يجوز أن يختص بصحة رؤيته بعض الرائين دون بعض، كما أن ما يصح أن يُعلم لا يجوز أن يختص بالعلم به بعض الأحياء دون بعض)) (٤) .
стр. 646
٤ – ((ولأن الموانع من الرؤية لا تختص بشيء تصح رؤيته دون شيء، وهي القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجاب، واللطافة، والرقة، وأن يكون المرئي في غير جهة محاذاة الرائي، أو يكون حالاً فيما هذا سبيله، فإذا زالت هذه الموانع، وجب أن يُرى ما صحت رؤيته)) (١) والحجاب عندهم مستحيل على الله، كما تقدم.
فهذه جملة من أدلة هذه الفرقة، التي يسمونها براهين، إذا تأملها العاقل وجدها مبنية على قياس رب العالمين على المخلوق، وتحكيم الآراء، ولهذا ذهبت هيبة الله وعظمته من قلوبهم، واستخفوا بكتابه، فاجتهدوا في تحريف معانيه وصرفه عما قصد به.
والمقصود ذكر بعض أدلتهم العقلية – كما يقولون – وهي في الحقيقة شبه داحضة، وضلالات بينَّة لمن عرف الحق.
وهم لا يقبلون أحاديث رسول الله – ﷺ ، وإن كانت أسانيدها في غاية الصحة والجودة، ويقبلون قول فلان وفلان؛ لأنهم يزعمون أن ذلك براهين عقلية.
فقوله: ((إن لله لا يرى بالبصر، لا لحجاب يحجبه، أو مانع يمنع رؤيته، لكن لأن رؤيته مستحيلة)) فيقال له: هذا مجرد دعوى غير مقبولة، وهو في مقابلة قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.﴾
وقوله في المعذبين: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿للَّذينَ أَحسَنُواْ الحُسنَى وَزِيَادَةُ﴾ وفسر رسول الله – ﷺ – الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، ((كما في صحيح مسلم)) ، وهو أيضا مصادم لقول
стр. 647
رسول الله – ﷺ : ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته)) كما سبق.
فأيهما أحق بالاتباع: قول طائفة الاعتزال، عبّاد الآراء والأهواء، أم قول الله ورسوله؟ إن المقارنة بين هذا وهذا غير سائغة ولا مقبولة، لولا أن المسلمين قد بُلُوا بمن يعظّم آراء المعتزلة ويرى لها وزناً.
وكل ما أشرنا إليه عن المعتزلة هو في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة، فلا يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر الاعتداد بها، أو جعلها أدلة على أمر قد بان ووضح غاية الوضوح من كتاب الله وسنة رسوله.
((وقد ثبت اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وثبت في النصوص المتواترة عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)) .
وقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر صحواً ليس دونه سحاب)) (١) .
وقولهم: ((إن ما يُرى يجب أن يكون مقابلاً للرائي، وأن يكون متحيزاً في جهة، ولا يكون ذلك إلا لجسم، والله يتعالى عن ذلك؛ لأن هذا صفة المحدث.
وهذا شيء لازم للرؤية، ولهذا سخر المعتزلة وغيرهم من الأشعرية لما قالوا: إن الله يُرى لا من جهة؛ لأن هذه رؤية غير معقولة؛ لإثباتهم الرؤية ونفيهم الجهة.
وأهل السُّنَّة يقولون: لا مانع من كون المرئي – الذي هو رب العالمين –
стр. 648
جل وعلا – في مقابلة الرائين من عباده المؤمنين، فهم يرونه من فوقهم، كما صرحت به النصوص، ولا محذور فيه.
وأما اللوازم الباطلة، التي يدعيها المعتزلة وغيرهم، فهي منتفية عن الله – تعالى -.
ونحن نستفسر منهم: ما هو مرادكم بكونه مقابلاً للرائي؟ هل تريدون أنه لا بد له من مكان يحويه ويحيط به؟ فإن كان هذا ما أردتم، فالله – تعالى – له مكان هو فوق عرشه، ولا يحيط به شيء، ولا يحويه شيء – جل وعلا – وهو أكبر من كل شيء وأعظم، فهو – تعالى – يطوي السماوات كلها بيمينه، ويقبض الأرض كلها بيده الأخرى، وتكون كالخردلة في يد أحدنا، ولله المثل الأعلى.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) .
وأما التحيز، فإن أردتم أن الله مختلط بخلقه لئلا يلزم أن يكون متحيزاً، فنحن نكفر بقولكم هذا، ونتيقن أنه باطل، والنصوص من الشرع ترده، وكذلك العقل يرده.
وإن أردتم أن الله لا حقيقة له تميزه عن خلقه، فكذلك هذا كفر وضلال.
وإن أردتم أن الله – تعالى – متميز من خلقه، وأنه بائن منه، فهذا حق، والنصوص فيه أكثر من أن تحصى، وهو ما يعتقده المسلمون ويؤمنون به، واتفق عليه سلف هذه الأمة وأئمتها قبل ظهور المعتزلة والفرق الضالة، ومثل ذلك يقال في الجهة.
стр. 649
وتقدم من أدلة الكتاب والسُّنَّة، والعقل، وإجماع أهل الحق، وأدلة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، على أن الله في السماء مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه ما يكفي عن ذكر شيء من ذلك هنا.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى -: ((كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله في جهة من الرائي أمر ثبت بالنصوص المتواترة، كما في قوله: ((هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ولا قتر؟)) .
قالوا: لا يا رسول الله، قال: ((فإنكم ترونه كذلك)) . وذكر الحديث بطوله.
قال أبو سعيد: أشهد لحفظته من رسول الله – ﷺ .
فهذا فيه مع إخباره أنهم يرونه، إخبارهم أنهم يرونه في جهة منهم، من وجوه:
أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون في جهة منهم، فأما رؤية ما ليس في جهة فلم يكونوا يتصورونه، فضلا عن أن يكون اللفظ دالاً عليه، بل لا يتصور أحد من الناس وجود موجود في غير جهة.
الثاني: أنه قال: ((فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً، وكما ترون القمر صحواً)) فشبه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر، وهما يريان من جهة.
الثالث: أنه قال: ((هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟)) .
فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات، إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي.
وفي لفظ في ((الصحيح)) : ((إنكم ترون ربكم عياناً)) (١) .
стр. 650
((فقد أخبرنا أنا نراه، وأخبرنا أيضاً أنه قد استوى على العرش، فهذه النصوص يصدق بعضها بعضاً، والعقل أيضاً يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته، وأنه فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم، ولا مداخل له، محال في بديهة العقل.
فإذا كانت رؤيته تعالى مستلزمة هذه المعاني التي شنعتم بها، فهي حق، وإذا سميتم أنتم هذا قولاً بالجهة والتجسيم، لم تكن هذه التسمية نافية لما علم بالشرع والعقل.
ثم يقال: ما تعنون بقولكم: إن هذا إثبات للجهة، والجهة ممتنعة على الله؟ أتعنون بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟
فإن أردتم الأول، فقد علم أنه ليس هناك موجود إلا الخالق والمخلوق، والله – تعالى – فوق مخلقاته، بائن منها.
وعليه فليس الله – تعالى – في جهة موجودة.
وقولكم: إن المرئي لا بد أن يكون في جهة موجودة، باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر.
وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي – كما تقولون -: ((إن الجسم في حيز، والحيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزاً)) .
فيقال: الجهة والحيز إذا كانا أمراً عدمياً فهو ليس شيئاً، وما كان في جهة عدمية أو في حيز عدمي فليس هو في شيء.
ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء، وبين قوله: هو في العدم، أو أمر عدمي.
فإذا كان الخالق – تعالى – مبايناً للمخلوقات عالياً عليها، وما ثم موجود إلا الخالق، أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلاً عن أن
стр. 651
يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره ويحيط به)) (١) .
((وقوله ﷺ : ((هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟)) تشبيه لرؤيتهم لربهم برؤية أظهر المرئيات، إذا لم يكن بينهم وبينها حجاب منفصل عنهم يحول بينهم وبين المرئي.
ومن يقول: إنه يُرى في غير جهة، يمتنع عنده أن يكون بينه بين العباد حجاب منفصل، إذ الحجاب لا يكون إلا للجسم ولما يكون في جهة.
والحجاب عندهم عدم خلق الإدراك في العين، كما تقدم.
الرابع: أنه أخبر أنهم لا يضارون في رؤيته، وفي رواية ((لا يضارون)) ، ونفي الضير، والضيم، إنما يكون لما يمكن لحوقه للرائي، ومعلوم أن رؤية ما ليس بجهة من الرائي، لا فوقه ولا في شيء من جهاته، لا يتصور فيها ضير ولا ضيم حتى ينفي ذلك.
وقد روى ابن ماجه، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قول الله – تعالى - ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ .
قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته في ديارهم)) (٢) وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند، فإن الأدلة الصحيحة تؤيده.
الخامس: أن كون الله – تعالى – يُرى بجهة من الرائي، ثبت بإجماع السلف، ونصوصهم في ذلك مشهورة.
стр. 652
((فسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن الله يُرى في الآخرة عياناً كما نرى الشمس والقمر، وأنه لا يلزم من تعذر رؤية الشيء في حال تعذُّرُها في حال أخرى، بل قد يرى الشيء في حال دون حال، كما أن الأنبياء يرون ما لا يراه غيرهم)) (١) .
السادس: ((أن كل موجود قائم بنفسه فلا بد أن يكون في جهة، والله – تعالى – هو الحق، وهو فوق خلقه، عال عليهم)) (٢) .
وأما ما تعلقوا به من مثل قوله: ﴿لَن تَرَاني﴾ ، وقوله: لاَ تُدرِكُهُ الأبصَارُ﴾ ونحو ذلك، فكله يدل على عكس ما قالوا.
والإدراك المنفي هو الإحاطة، وليست الرؤية، كما بيّن ذلك حبر الأمة ابن عباس، ومثَّل ذلك بالسماء، والشمس، حيث قال للسائل: ((ألست ترى السماء؟ قال: بلى. فقال: أكلها ترى؟ قال: لا. قال: فالله أعظم)) .
وما يذكر عنه أنه فسر الآية بنفي الرؤية كذب عليه.
وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٣) .
فأثبت الرؤية ونفى الإدراك، فدل ذلك على أن الإدراك غير الرؤية. وبهذا أجاب العلماء عن استدلالهم بهذه الآية.
стр. 653
قال: ((باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) .
الرحمة المضافة إلى الله - تعالى - تكون صفة له ذاتية، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ ٍ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَة (٣) ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٤)
وقوله تعالى: ﴿ِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥) . ونحو ذلك وهو كثير.
وتكون مفعولاً له مخلوقاً، وهي من أثر صفة الرحمة الذاتية، كقوله تعالى:: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ (٦) ، وقوله تعالى: ﴿ِ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٧) ﴾
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٨) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (٩) ﴾ وهو أيضا كثير.
стр. 654
ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : ((خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه، وخبّأ عنده مِئَةً إلا واحدة)) (١) .
ومثله ما يأتي من قوله: ((فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)) .
ومراده بيان أن الرحمة تطلق على المخلوق، فتكون مخلوقة لله مفعولاً له، وذلك من آثار رحمته التي هي صفته تعالى، كما في قوله ﷺ جواباً لسعد بن عبادة، لما قال له: ما هذا؟ قال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عبادة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) .
ولكن أشار إلى هذا اللفظ كعادته بذكره غير الصريح، والاكتفاء بالتلويح.
وفي الآية التي ترجم بها إشارة إلى مراده، فكأنه لحظ أن الرحمة فيها الجنة، وهي قريب من المحسنين، كما في الحديث: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شِرَاك نعله، والنار مثل ذلك)) يعني: من المسيئين.
وبذلك تظهر المناسبة بين الآية المترجم بها وأحاديث الباب. والله أعلم)) .
وقال الحافظ: ((المراد أنه يدخل من أحسن الجنة التي وعد المتقين برحمته، وقد قال للجنة: أنت رحمتي، وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة، والعلم عند الله)) (٢) .
وليس هذا من التأويل المذموم؛ لأنه من المعنى الذي دلت عليه الآية ضمناً، وإلا فمنطوقها دال على صفة الرحمة الموصوف بها رب العالمين - جل وعلا -.
ومما يبين ذلك أن هذه الآية جاءت عقب الأمر بالدعاء تضرعاً وخفية،
стр. 655
والنهي عن الاعتداء والإفساد في الأرض بالمعاصي، ثم أمر تعالى بدعائه خوفاً وطمعاً، وهذه حال المتقين، الذين أحسنوا في أعمالهم، وأحسنوا إلى عباد الله بالنصح لهم، وإصلاح الأرض بالطاعة، والبعد عن مساخط الله التي هي الإفساد في البلاد والعباد، وهؤلاء هم المحسنون الذين قريبة منهم رحمة الله - تعالى -، ومنها الجنة.
قال ابن جرير: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول جل ذكره: إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم، وذلك هو رحمته؛ لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعد لهم من كرامته إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم.
ولذلك ذكَّرَ قوله: ((قريبٌ)) وهو خبر عن الرحمة، والرحمة مؤنثة؛ لأنه أريد به القرب في الوقت)) (١) .
وقال ابن كثير: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره، ويتركون زواجره، كمال قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٢) .
وقال: ((قريب)) ولم يقل قريبة؛ لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله.
وقال مطر الوراق: ((استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين)) رواه ابن أبي حاتم (٣) .
****
стр. 656
٧٥ - قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن أسامة، قال: كان ابن لبعض بنات النبي ﷺ يقضي، فأرسلت إليه أن يأتيها، فأرسل: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب)) ، فأرسلت إليه فأقسمت عليه، فقام رسول الله ﷺ وقمت معه، ومعاد بن جبل، وأبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ الصبي، ونفسه تقلقل في صدره، حسبته قال: كأنها شنة، فبكى رسول الله ﷺ ، فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ فقال: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) .
تقدم هذا الحديث في باب قول الله - تعالى -: ﴿قُلِ أدعُواْ اللهَ أَوِ أدعُواُ الرَّحَمَنَ﴾ .
وتقدم شرحه هناك، والشاهد منه قوله: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) أي: الذين جعل الله في قلوبهم الرحمة، التي يرحمون بها عباد الله، فرحمة الله منهم قريب.
وسبق أن اللفظ الذي تقدم في الباب المشار إليه أوضح وأظهر في الدلالة على مقصوده هنا، ولكنه عدل عنه كعادته، إيثاراً للإشارة على التصريح في العبارة، حتى يروّض ذهن القارئ على التفطن والاستنباط، ولأن عادته أيضاً إذا أعاد الحديث فلا بد أن يختاره بألفاظ غير لفظه المتقدم، ما وجد إلى ذلك سبيلاً في المتن وفي رجال السند، أو على الأقل في أحدهما.
هنا السند أكثرهم غير من تقدم، والمتن فيه تغاير عما سبق.
٧٦ - قال: ((حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي
стр. 657
هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب، ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: يعني: أوثرت بالمتكبرين؟
فقال الله - تعالى - للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها.
قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحداً، وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد - ثلاثاً - حتى يضع فيه قدمه، فتمتلئ، ويرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط)) .
الاختصام: هو التنازع بين فريقين، يذكر كل واحد منهما حجته أمام من يحكم بينهما.
وتقدم هذا الحديث في ((التفسير)) بلفظ تحاجت الجنة والنار.
وفي ((صحيح مسلم)) : ((احتجت)) ، والمعنى واحد.
قال المهلب: ((يجوز أن يكون هذا الخصام حقيقة، بأن يخلق الله فيهما فهماً، وكلاماً، والله قادر على كل شيء، ويجوز أن يكون هذا مجازاً، كقولهم: ((امتلأ الحوض، وقال قَطْنِِي)) ، والحوض لا يَتكلم، وإنما ذلك عبارة عن امتلائه)) (١) .
قلت: الأول هو المعتمد، وتقدم الكلام فيه والاستدلال له في شرح حديث أنس: ((لا يزال يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد)) .
стр. 658
وقال النووي: ((هذا الحديث على ظاهره، وأن الله – تعالى – يجعل في النار والجنة تمييزاً تدركان له، فتحاجتا، ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز دائماًً)) (١) .
قال الحافظ: ((وحاصل اختصامهما: افتخار إحداهما على الأخرى بمن يسكنها، فتظن النار أنها بمن ألقي فيها من عظماء الدنيا أبر عند الله من الجنة.
وتظن الجنة أنها بمن أسكنها من أولياء الله – تعالى – أبر عند الله.
فأجيبتا: بأنه لا فضل لأحدهما على الأخرى من طريق من يسكنها، وفي كلامهما شائبة شكاية إلى ربهما، إذ لم تذكر كل واحدة منهما إلا ما اختصت به، وقد ردَّ الله الأمر في ذلك إلى مشيئته)) (٢) .
قلت: الظاهر أن افتخار النار على الجنة بأنها محل انتقام الله – تعالى – من الطغاة والمجرمين الذين عصوا الله وكذبوا رسله، وسخروا منهم وبارزوا الله بالجرائم والآثام.
وغالب هذا النوع من قادة الناس ورؤسائهم وأغنيائهم، وأهل السيادة والقيادة فيهم، وأهل التجبر والتكبر.
وأما الجنة فإنها اشتكت لكون من يدخلها الضعفاء والفقراء وأهل المسكنة غالباً، ولهذا قالت: ((ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟)) .
قوله: ((قالت الجنة)) إلى آخره. تقدم أن الصحيح أن هذا بلسان المقال، أي: أنه قول قالته الجنة حقيقة، وأن الله جعل لها شعوراً وتمييزاً، وعقلاً ونطقاً، والله لا يعجزه شيء.
стр. 659
وليس هذا خاصاً بالجنة والنار، فقد ذكر الله – تعالى – أن الجبال كانت تسبح مع نبي الله داود ﵇.
وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) .
وقوله: ((فقالت: يا رب ما لها)) . عدول بالخطاب من المتكلم إلى الغائب، كأن الراوي كره أن يأتي به على أصله خشية أن يظن ظان أنه مضاف إليه، وهذا كثير في روايات الحديث.
والمقصود بضعفاء الناس: فقراؤهم، وأهل المسكنة والتواضع، الذين لا يبغون في الأرض علواً ولا فساداً، ولا يترفعون على عباد الله، بل هم متواضعون لله خاضعون له، أذلة على المؤمنين، وإن كانوا عند ذوي السلطان حقيرين ساقطين في أعينهم، لا يؤبه لهم لديهم، فهم عند الله عظماء رفعاء.
قوله: ((قالت النار: يعني: أوثرت بالمتكبرين)) أي: خصصت بأهل التكبر على عباد الله والتجبر والظلم للناس باحتقارهم، وغمط حقوقهم.
قوله: ((فقال الله للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء)) .
هذا هو حكم الله بينهما، يعني: أن الله – تعالى – خلق الجنة ليرحم بدخولها من شاء من عباده، من يتفضل عليه ويجعله مؤهلاً لذلك.
وأما النار فخلقها لمن عصاه وكفر به، وبرسله، يعذبهم بها.
وذلك كله ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولكن لا يدخل النار إلا من استوجبها بعمله.
стр. 660
وهذه الجملة وهي قوله: ((فقال الله للجنة: أنت رحمتي)) هي الشاهد للباب، فالجنة قريب من المحسنين، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
ثم قال: ((ولكل واحدة منكما ملؤها)) وهذا وعد من الله – تعالى – لهما بأن يملأهما بمن يسكنهما، وفي هذا إشعار بأنهما يرغبان ذلك، وقد جاء الطلب من النار صريحاً، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (١) ﴾ ، وأقسم الله – تعالى – ليملأن جهنم من الجِنَّةِ والناس أجمعين)) .
فهما يمتلآن من بني آدم ومن الجن.
فمن آمن وعبد الله وحده، واتبع رسله، فمصيره إلى الجنة، ومن عصى وبغى، وطغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى.
قوله: ((فأما الجنة، فإن الله لا يظلم من خلقه أحداً، وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقيهم فيها)) ، وتقدم حديث أنس في باب قول الله – تعالى -: ﴿هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ، عن النبي – ﷺ – قال: ((لا يزال يلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع فيها رب العالمين قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: قد قد بعزتك وكرمك.
ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة)) (٢) .
وفي ((صحيح مسلم)) في هذا الحديث قال: ((فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله – ﵎ – رجله، تقول: قط قط قط، فهناك تمتلئ، ويُزْوَى بعضها إلى بعض، ولا يظلم ربك من خلقه أحداً.
стр. 661
وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً)) (١) ، ورواه البخاري بهذا اللفظ في ((التفسير)) (٢) .
وبهذا يتبين أن قوله: ((وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقيهم فيها)) أنه خطأ، وإنما انقلب على الراوي، فصار ما للجنة للنار، فإن إنشاء الخلق يكون للجنة، وأما النار فإن الله – تعالى – يضع عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتتضايق على من فيها، وبذلك تمتلئ ولا يظلم ربك أحداً. ويؤيد ذلك أن هذا الحديث جاء في ((التفسير)) من ((صحيح البخاري)) ، وجاء كذلك في مسلم على الوجه الصحيح، كما ذكره آنفاً، وبأنه خطأ قد انقلب على الراوي جزم به شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، ويؤيده أيضا قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من ذريتك وممن تبعك من بني آدم.
فلو دخلها أحد من غير أتباع الشيطان من ذريته وذرية آدم لم تمتلئ منهم.
قال الحافظ: قال أبو الحسن القابسي: ((المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقاً، وأما النار فيضع فيها قدمه. قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقاً إلا هذا) انتهى.
وقد مضى في تفسير سورة ق، من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: ((ويقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد، فيضع الرب عليها قدمه، فتقول: قط قط)) .
ومن طريق همام بلفظ: ((فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ، ويُزْوَى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً)) (٣) .
стр. 662
وقال: ((وقد قال جماعة من الأئمة: إن هذا الموضع من الحديث مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله – تعالى – أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه من بني آدم، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني، واحتج بقوله: ﴿وَلاَ يَظلِمُ رَبُكَ أَحَدَا﴾ . ثم ذكر تأويلات بعيدة جداً، بل باطلة، ثم قال: ((وفي الحديث دلالة على اتساع الجنة والنار، بحيث تسع كل من كان، ومن يكون إلى يوم القيامة، وتحتاج إلى زيادة، وقد تقدم أن آخر من يدخل الجنة يُعطى مثل الدنيا عشر مرات.
وقال الداودي: يؤخذ من الحديث أن الأشياء توصف بغالبها؛ لأن الجنة يدخلها غير الضعفاء، والنار قد يدخلها غير المتكبرين، وفيه رد على من حمل قول النار: ﴿هَلْ مِن مَّزِيد﴾ على أنه استفهام إنكار، وأنها لا تحتاج إلى زيادة)) (١) .
وقال شيخ الإسلام: ((قوله: وأما الجنة، فيبقى فيها فضل، فينشئ الله لها خلقاً فيسكنهم)) : ((ووقع في بعض طرق البخاري غلط، قال فيه: ((وأما النار فيبقى فيها فضل)) ، والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب؛ ليبين غلط هذا الراوي، كما جرت عادته بمثل ذلك، إذا وقع من بعض الرواة غلط في لفظ، ذكر ألفاظ سائر الرواة التي يعلم بها الصواب، وما علمت وقع فيه غلط إلا وقد بين فيه الصواب)) (٢) .
وقال ابن القيم: ((وأما اللفظ الذي وقع في ((صحيح البخاري)) في حديث أبي هريرة: ((وأنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقى فيها، فتقول: هل من مزيد)) فغلط من بعض الرواة، انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده، فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه،
стр. 663
فإنه لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، وكذب رسله، قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ (١) ، ولا يظلم الله أحداً من خلقه)) (٢) .
٧٧ - قال: ((حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليصيبن أقواماً سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: الجهنميون)) .
((سفع)) بفتح السين، وسكون الفاء، هو أثر تغير البشرة من حر النار أي: يصيبهم من لهبها ما يغير ألوانهم، وتقدم أنهم يحترقون حتى يكونوا فحماً.
قوله: ((بذنوب أصابوها)) أي: أن إصابتهم بسفع النار جزاء على ما اقترفه من الذنوب عقوبة لهم.
((ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته)) أي: يرحمهم الله تفضلاً منه وجوداً عليهم من غير استحقاق للجنة، وهذا محل الشاهد من الحديث، ووجهه أن هؤلاء لما كان معهم شيء من الإيمان صارت رحمة الله قريبة إليهم بالنسبة لمن هو في النار، وبقدر ما معهم من إيمان وإحسان.
والجهنميون نسبة إلى جهنم؛ لأن أثر إحراقهم ظاهر عليهم.
قولُهُ: ((وقال هَمّامٌ: حدثنا قتادة، حدثنا أنس)) إلى آخره.
يريد بيان أن عنعنة قتادة محمولة على السماع؛ لأنه صرح بالتحديث من هذه الطريق. والله أعلم.
стр. 664
قال: ((باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا﴾ (١) .
قال ابن كثير: ((أخبر تعالى عن قدرته العظيمة، التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فلا تضطربا عن أماكنهما، كما قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ (٣)(٤) ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ (٥) ، أي: لا يقدر على إبقائهما بلا زوال واضطراب إلا هو - تعالى -، ومع موجب زوالهما واضطرابهما من جرائم بني آدم أمسكهما، فحلم الله الواسع، ومغفرته العظيمة، تدعوه تعالى إلى إمساكهما، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورَا﴾ فيحلم ويغفر، ويستر، ويصفح عن العظيم مما يبارزه به عباده من الجرائم، كما ذكر تعالى عن بعض المجرمين ما يقتضى تفطر السماوات، وتشقق الأرض، وانهداد الجبال الراسيات منه، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿٨٨﴾ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (٦) .
стр. 665
ومراد البخاري ﵀ من هذا الباب إثبات جنس الفعل لله تعالى؛ لقوله في الآية: ((يمسك)) وقوله في الحديث: ((يضع السماوات على إصبع)) إلى آخره، وإن تقدم ذكر الاستواء المتضمن للعلو فهو من صفات الذات والفعل، وأما هذا فهو نوع آخر من صفات الله - تعالى - الدالة على أنه تعالى فعَّال لما يريد، وهذا ما أنكره أهل الباطل من معتزلة وغيرهم، فأراد البخاري أن ينبه عى بطلان قولهم.
يعني: أن الله - تعالى - هو الممسك للسماوات والأرض بقدرته، وإذا أراد أن يطوي السماوات والأرض لترك إمساكهما فزالتا، فهو تعالى يفعل باختياره ما شاء، وفعله غير خلقه، وهذا يرد مذهب المعتزلة ومن قال بقولهم، حيث قالوا: إن أفعال الله - تعالى - مخلوقة.
قال المؤلف ﵀ في كتابه ((خلق أفعال العباد)) : ((ادعت المعتزلة: أن فعل الله مخلوق، وأن أفعال العباد غير مخلوقة، وهذا خلاف علم المسلمين، إلا من تعلق من البصريين بكلام سنسويه، كان مجوسياً فادعى الإسلام)) (١) .
يعني: أن المسلمين مجمعون على خلاف ما يقوله المعتزلة من أن فعل الله - تعالى - مخلوق، ومراده بذلك: أنه لا فرق عندهم بين الفعل والخلق، فليس لله فعل يفعله باختياره وإرادته، وإنما يخلق، والخلق هو المخلوق المفعول.
وقوله: ((إلا من تعلق بكلام سنسويه من البصريين)) ، يقصد القدرية الذين أنكروا علم الله بالأشياء قبل وجودها، وتقديره لها، وخلقه إياها، فهؤلاء شذوا عن المسلمين.
وقد اتفق سلف هذه الأمة وأئمتها على أن الله - تعالى - متصف بصفات
стр. 666
الأفعال كما أنه متصف بصفات الذات، ولم يخالف في ذلك إلا الجهمية والمعتزلة.
ولا ينبغي أن يعد خلاف هؤلاء خلافاً؛ لأنهم تركوا صريح الأدلة في ذلك من كتاب الله - تعالى -، ومن سنة رسوله، ومن العقل أيضاً.
وقد علم أن الأفعال نوعان: متعد، ولازم، والله - تعالى - متصف بالنوعين.
فالمتعدي مثل الرزق، والإحياء، والإماتة، والخلق، ونحو ذلك.
واللازم مثل المجيء، والنزول، والإتيان، والاستواء، ونحوه.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) ، فجمع النوعين في هذه الآية، وكل ذلك واقع بمشيئته تعالى.
وهذا معنى قول أهل السُّنَّة: إن الله موصوف بالأفعال الاختيارية، أي: التي يفعلها باختياره تعالى، وأدلة ذلك في كتاب الله، وسنة رسوله، كثيرة جداً، وسوف يذكر فيما يأتي طرفاً من ذلك.
ومراده بيان أن أفعال الله من صفاته، وهي ثابتة بالكتاب والسُّنَّة والإجماع من أهل العلم والإيمان، وبالعقل السليم، وسيأتي في الباب بعد هذا التفرقة بين الفعل والمفعول، وما يأتي بعده إلى آخر الكتاب تفريع عليه.
***
٧٨ - قال: ((حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يضع السماء على إصبع،
стр. 667
والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول بيده: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾ .
سبق هذا الحديث في باب قول الله - تعالى -: ﴿لِمَا خَلَقتُ بِيَدَىَّ﴾ وذكره هناك من طريقين، غير الطريق التي هنا، وتقدم شرحه هناك، وجرياً على عادته إذا أعاد ذكر الحديث؛ فلا بد أن يغاير بين لفظه اللاحق وبين السابق، وبين سنديه، فإن لم يمكن ذلك فعل ما أمكنه منه.
وهنا قد غاير بين لفظه هنا وهناك، وكذلك في الإسناد.
ففي الباب السابق ((أن يهودياً جاء إلى النبي ﷺ )) .
وفي الطريق الأخرى: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب)) .
وهنا: ((جاء حبر إلى رسول الله ﷺ . قال الراغب: ((الحبر: الأثر المستحسن، ومنه ما روي: (يخرج من النار رجل قد ذهب حبره، وسبره)) أي: جماله، وبهاؤه، ومنه سمي الحبر بالكسر، والحبر: العالم، وجمعه أحبار - سموا بذلك - لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهم الحسنة المقتدى بها)) (١) ، وفي ((القاموس)) : الحبر: ((العالم أو الصالح)) .
قوله: ((ثم يقول بيده: أنا الملك)) ، أي: أنه تعالى يهزهن، استخفافاً لهذه المخلوقات، واستصغاراً لها أمام عظمة الله وقوته - جل وعلا -، وقد جاء مصرحاً بذلك في الروايات الأخرى.
قال ابن جرير: ((وحدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، عن منصور، عن خيثمة بن عبد الرحمن،
стр. 668
عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا عند رسول الله ﷺ حين جاءه حبر من أحبار اليهود، فجلس إليه فقال له النبي ﷺ : ((حدثنا؟)) قال: إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة جعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والماء الشجر على إصبع، وجميع الخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لما قال، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعَا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامِةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيَّاتٌ بِيمِينِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ (١) .
ثم رواه من طريق أخرى، وهو صحيح لا مطعن فيه، وقد رواه أحمد والبخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن عمر، ولفظه: ((قال: قال رسول الله ﷺ : ((يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)) وهذا لفظ رواية مسلم (٢) .
وقال ابن جرير: ((حدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رسول الله ﷺ على المنبر، يخطب الناس، فمر بهذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعَا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامِةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيَّاتُ بِيمِينِهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : ((يأخذ السماوات والأرضين السبع فيجعلها في كفه، ثم يقول بهما - كما يقول الغلام بالكرة -: أنا الله الواحد، أنا الله العزيز))
حتى لقد رأينا
стр. 669
المنبر وإنه ليكاد يسقط به)) (١)
وقال أيضاً: ((حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي حازم، قال: حدثني أبو حازم، عن عبيد الله بن مقسم، أنه سمع عبد الله بن عمر، يقول: ((رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ((يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيديه)) وقبض رسول الله ﷺ يديه، وجعل يقبضهما، ويبسطهما، قال: ((ثم يقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)) وتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ )) (٢) .
وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث في هذا، ففي هذه ونحوها أن الرسول ﷺ كان يذكر صفات الله - تعالى - فى المجامع العامة، ويخطب ببيانها على المنبر، ويبالغ في إيضاحها، وتفهيم السامعين لها، حتى إنه يقبض يديه ويبسطهما عند ذكره لقبض الله - تعالى - السماوات والأرض، خلافاً لمن زعم أنه لا ينبغي ذكر صفات الله عند عامة الناس، وهو زعم باطل مخالف للحق وطريق الرسول ﷺ ، حيث كان يعرف الناس بربهم، ويذكر لهم صفاته وأفعاله وأقواله في كل موطن، ويكرر ذلك في مجالسه، وخطبه، يعرف ذلك من سبر حاله، وتتبع سنته، صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الذي فعله رسول الله ﷺ لا يدع مجالاً للشك في أن المراد من هذه النصوص هو ما دلت عليه ظاهراً، وأن تأويلها وصرفها عن ظاهرها باطل قطعاً، وتحريف للكلم عن مواضعه.
стр. 670
ويزيد ذلك تأكيداً وبياناً أن أحداً من الصحابة لم يسأل رسول الله ﷺ ، ولم يستفسر عن شيء منها؛ لأنهم فهموا المراد من ظاهر الخطاب ونصه.
ومما يزيد ذلك تأكيداً أيضاً، أن الرسول ﷺ لم يذكر ولا حرفاً واحداً يدل على وجوب التأويل كما يقوله الموجبون للتأويل.
ومعلوم أن بيان ما أنزل الله إلى عباده واجب على رسول الله ﷺ ، وقد فعل بقوله، وفعله، كما كان يقبض يديه ويبسطهما عندما ذكر قبض الله - تعالى - لسماواته وأرضه بيديه، تقريراً منه ﷺ لظاهر النص، وتأكيداً لما يفهمه كل مخاطب عربي يسمع هذا الكلام، ولو كان من أبلد الناس.
وهذا الذي فعله رسول الله ﷺ لو فعله أحد أمام من يدعون التحقيق، وأنهم أهل السُّنَّة، لصاحوا به، وعدوه مشبهاً مجسماً.
وكان ﷺ يفعل مثل ذلك كثيراً عند ذكر صفات الله - تعالى -، كما سبق أنه ﷺ لما قرأ قول الله - تعالى -: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعَا بَصِيراً﴾ .
وضع إصبعه على عينه، والأخرى على أذنه، زيادة إيضاح وتبيين أنه أراد ظاهر الخطاب، وكما سبق أيضاًً أنه قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ليس دونهما سحاب ولا قتر)) ، وغير ذلك.
وفي هذا الحديث ثبوت صفة الكف لله - تعالى -؛ لقوله: ((فيجعلهما في كفه)) .
وتقدم أن ضحك الرسول ﷺ لفرحه بما قاله الحبر حيث ذكر ما يصدق ما جاء به ﷺ مما أوحاه الله إليه، ولهذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعَا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامِةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيَّاتٌ بِيمِينِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ (١) ؛ لأن هذه الآية مطابقة لما قاله الحبر،