← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الأفعال كما أنه متصف بصفات الذات، ولم يخالف في ذلك إلا الجهمية والمعتزلة. ولا ينبغي أن يعد خلاف هؤلاء خلافاً؛ لأنهم تركوا صريح الأدلة في ذلك من كتاب الله - تعالى -، ومن سنة رسوله، ومن العقل أيضاً. وقد علم أن الأفعال نوعان: متعد، ولازم، والله - تعالى - متصف بالنوعين. فالمتعدي مثل الرزق، والإحياء، والإماتة، والخلق، ونحو ذلك. واللازم مثل المجيء، والنزول، والإتيان، والاستواء، ونحوه. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) ، فجمع النوعين في هذه الآية، وكل ذلك واقع بمشيئته تعالى. وهذا معنى قول أهل السُّنَّة: إن الله موصوف بالأفعال الاختيارية، أي: التي يفعلها باختياره تعالى، وأدلة ذلك في كتاب الله، وسنة رسوله، كثيرة جداً، وسوف يذكر فيما يأتي طرفاً من ذلك. ومراده بيان أن أفعال الله من صفاته، وهي ثابتة بالكتاب والسُّنَّة والإجماع من أهل العلم والإيمان، وبالعقل السليم، وسيأتي في الباب بعد هذا التفرقة بين الفعل والمفعول، وما يأتي بعده إلى آخر الكتاب تفريع عليه. *** ٧٨ - قال: ((حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يضع السماء على إصبع،

стр. 667

والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول بيده: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾ . سبق هذا الحديث في باب قول الله - تعالى -: ﴿لِمَا خَلَقتُ بِيَدَىَّ﴾ وذكره هناك من طريقين، غير الطريق التي هنا، وتقدم شرحه هناك، وجرياً على عادته إذا أعاد ذكر الحديث؛ فلا بد أن يغاير بين لفظه اللاحق وبين السابق، وبين سنديه، فإن لم يمكن ذلك فعل ما أمكنه منه. وهنا قد غاير بين لفظه هنا وهناك، وكذلك في الإسناد. ففي الباب السابق ((أن يهودياً جاء إلى النبي ﷺ )) . وفي الطريق الأخرى: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب)) . وهنا: ((جاء حبر إلى رسول الله ﷺ . قال الراغب: ((الحبر: الأثر المستحسن، ومنه ما روي: (يخرج من النار رجل قد ذهب حبره، وسبره)) أي: جماله، وبهاؤه، ومنه سمي الحبر بالكسر، والحبر: العالم، وجمعه أحبار - سموا بذلك - لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهم الحسنة المقتدى بها)) (١) ، وفي ((القاموس)) : الحبر: ((العالم أو الصالح)) . قوله: ((ثم يقول بيده: أنا الملك)) ، أي: أنه تعالى يهزهن، استخفافاً لهذه المخلوقات، واستصغاراً لها أمام عظمة الله وقوته - جل وعلا -، وقد جاء مصرحاً بذلك في الروايات الأخرى. قال ابن جرير: ((وحدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، عن منصور، عن خيثمة بن عبد الرحمن،

стр. 668

عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا عند رسول الله ﷺ حين جاءه حبر من أحبار اليهود، فجلس إليه فقال له النبي ﷺ : ((حدثنا؟)) قال: إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة جعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والماء الشجر على إصبع، وجميع الخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لما قال، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعَا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامِةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيَّاتٌ بِيمِينِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ (١) . ثم رواه من طريق أخرى، وهو صحيح لا مطعن فيه، وقد رواه أحمد والبخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن عمر، ولفظه: ((قال: قال رسول الله ﷺ : ((يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)) وهذا لفظ رواية مسلم (٢) . وقال ابن جرير: ((حدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رسول الله ﷺ على المنبر، يخطب الناس، فمر بهذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعَا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامِةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيَّاتُ بِيمِينِهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : ((يأخذ السماوات والأرضين السبع فيجعلها في كفه، ثم يقول بهما - كما يقول الغلام بالكرة -: أنا الله الواحد، أنا الله العزيز)) حتى لقد رأينا

стр. 669

المنبر وإنه ليكاد يسقط به)) (١) وقال أيضاً: ((حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي حازم، قال: حدثني أبو حازم، عن عبيد الله بن مقسم، أنه سمع عبد الله بن عمر، يقول: ((رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: ((يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيديه)) وقبض رسول الله ﷺ يديه، وجعل يقبضهما، ويبسطهما، قال: ((ثم يقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)) وتمايل رسول الله ﷺ عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ )) (٢) . وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث في هذا، ففي هذه ونحوها أن الرسول ﷺ كان يذكر صفات الله - تعالى - فى المجامع العامة، ويخطب ببيانها على المنبر، ويبالغ في إيضاحها، وتفهيم السامعين لها، حتى إنه يقبض يديه ويبسطهما عند ذكره لقبض الله - تعالى - السماوات والأرض، خلافاً لمن زعم أنه لا ينبغي ذكر صفات الله عند عامة الناس، وهو زعم باطل مخالف للحق وطريق الرسول ﷺ ، حيث كان يعرف الناس بربهم، ويذكر لهم صفاته وأفعاله وأقواله في كل موطن، ويكرر ذلك في مجالسه، وخطبه، يعرف ذلك من سبر حاله، وتتبع سنته، صلوات الله وسلامه عليه. وهذا الذي فعله رسول الله ﷺ لا يدع مجالاً للشك في أن المراد من هذه النصوص هو ما دلت عليه ظاهراً، وأن تأويلها وصرفها عن ظاهرها باطل قطعاً، وتحريف للكلم عن مواضعه.

стр. 670

ويزيد ذلك تأكيداً وبياناً أن أحداً من الصحابة لم يسأل رسول الله ﷺ ، ولم يستفسر عن شيء منها؛ لأنهم فهموا المراد من ظاهر الخطاب ونصه. ومما يزيد ذلك تأكيداً أيضاً، أن الرسول ﷺ لم يذكر ولا حرفاً واحداً يدل على وجوب التأويل كما يقوله الموجبون للتأويل. ومعلوم أن بيان ما أنزل الله إلى عباده واجب على رسول الله ﷺ ، وقد فعل بقوله، وفعله، كما كان يقبض يديه ويبسطهما عندما ذكر قبض الله - تعالى - لسماواته وأرضه بيديه، تقريراً منه ﷺ لظاهر النص، وتأكيداً لما يفهمه كل مخاطب عربي يسمع هذا الكلام، ولو كان من أبلد الناس. وهذا الذي فعله رسول الله ﷺ لو فعله أحد أمام من يدعون التحقيق، وأنهم أهل السُّنَّة، لصاحوا به، وعدوه مشبهاً مجسماً. وكان ﷺ يفعل مثل ذلك كثيراً عند ذكر صفات الله - تعالى -، كما سبق أنه ﷺ لما قرأ قول الله - تعالى -: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعَا بَصِيراً﴾ . وضع إصبعه على عينه، والأخرى على أذنه، زيادة إيضاح وتبيين أنه أراد ظاهر الخطاب، وكما سبق أيضاًً أنه قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ليس دونهما سحاب ولا قتر)) ، وغير ذلك. وفي هذا الحديث ثبوت صفة الكف لله - تعالى -؛ لقوله: ((فيجعلهما في كفه)) . وتقدم أن ضحك الرسول ﷺ لفرحه بما قاله الحبر حيث ذكر ما يصدق ما جاء به ﷺ مما أوحاه الله إليه، ولهذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدرِهِ وَالأَرضُ جَمِيعَا قَبضَتُهُ يَومَ القِيامِةِ وَالسَّماواتُ مَطوِيَّاتٌ بِيمِينِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ (١) ؛ لأن هذه الآية مطابقة لما قاله الحبر،

стр. 671

وهو من العلم الموروث عن الأنبياء الذي أوحاه الله إليهم، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك؛ لأنه إخبار عن شيء لم يقع، وإنما سيقع كما هو ظاهر. وقد تقدم ذكر الأدلة في إثبات يدي الله - تعالى - وأصابعه، وتفنيد تأويلات المنكرين لها، وبيان أن تأويلها من تحريف الكلم عن مواضعه. **** قال: ((باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض، وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره [وكلامه] وهو الخالق، هو المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكون)) . التخليق: مصدر، والمصدر هو: الحدث الذي لم يقترن بزمن، والحدث لا بد له من محدث، فتخليق السماوات والأرض هو فعل الله الذي وجدت به، فالله - تعالى - هو الخالق، والخلق والتخليق فعله الواقع منه على المخلوق، فالمخلوقات وجدت بفعل الله. والمخلوق ليس هو فعل الله، وإنما هو مفعوله، أي: مخلوقه الذي صدر عن تخليقه. وأفعاله الله نوعان: لازم، ومتعدَّ، فاللازم: نحو نزوله، ومجيئه، والمتعدي: نحو خلقه ورزقه، ولابد لهذا النوع من مفعول يتعدى إليه، وهو المخلوق، والمرزوق، بخلاف الأول. قوله: ((وهو فعل الرب ﵎ وأمره)) يعني: أن التخليق فعل الرب - تعالى - والمقصود بالأمر هنا: قوله للمخلوق: ((كن)) . قوله: ((فالرب بصفاته وفعله وأمره [وكلامه] يعني: أن صفاته وأمره وفعله، وكلامه، داخل في مسمى اسم الرب - تعالى - لا يكون شيء

стр. 672

منها غيره؛ لأن صفة الشيء تقوم به، وفعله يقوم به - لا بغيره - وكذا أمره وكلامه. ولفظه: ((وكلامه)) ثبتت في بعض نسخ الصحيح، وهي رواية أبي ذر، أحد رواة الصحيح عن البخاري، وهو من عطف الخاص على العام. قوله: ((وهو الخالق، المكوِّن، غير مخلوق)) المكون بكسر الواو المشددة، وهو بمعنى المصوِّر. قوله: ((وما كان بفعله وأمره، وتخليقه، وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكوَّن)) يعني: أن الفعل غير المفعول، فالفعل من صفات الفاعل يقوم به، والمفعول هو ما وجد بالفعل، فهو مفعول له محدث بعد أن لم يكن، بخلاف الفعل، فإنه قائم بالفاعل، فهو صفته، فالمفعول مخلوق، مكوَّن - بفتح الواو المشددة - بعد أن لم يكن. ومراد البخاري ﵀ الرد على من لم يفرق بين الفعل المفعول، كما بين ذلك في كتابه ((خلق أفعال العباد)) فإنه قال فيه: ((اختلف الناس في الفاعل، والمفعول، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، ليست من الله. وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله. وقالت: الفعل والمفعول واحد، لذلك قالوا: لـ ((كن)) مخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (١) ، يعني: السر والجهر من القول، ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق)) (٢)

стр. 673

وقال أيضاً: ((وأما الفعل من المفعول، فالفعل إنما هو إحداث الشيء، والمفعول هو الحدث؛ لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (١) ، فالسماوات والأرض مفعولة، وكل شيء سوى الله بصفاته - فهو مفعول - فتخليق السماوات فعله؛ لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل، وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله، ففعله من ربوبيته، حيث يقول: ((كن فيكون)) ، و ((كن)) من صفته، وهو الموصوف به، كذلك قال: رب السماوات، ورب الأشياء، وقال النبي ﷺ : ((رب كل شيء ومليكه)) (٢) . وهذا شرح لما ترجم به هنا، وبيان لمراده، وهو واضح. وبه يتبين خطأ ابن بطال في قوله: ((غرضه بيان أن جميع السماوات والأرض وما بينهما مخلوق؛ لقيام دلائل الحدوث عليها)) إلى آخره، كما ذكره الحافظ عنه في ((الفتح)) (٣) ؛ لأن هذا أمر ظاهر، لا ينكره أحد. **** ٧٩ - قال: ((حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرها محمد بن جعفر، أخبرني شريك ابن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: بت في بيت ميمونة ليلة، والنبي ﷺ عندها، لأنظر كيف صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه قعد، فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلىِ الأَلبَابِ﴾ ثم قام فتوضأ، واستن،

стр. 674

ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى للناس الصبح)) . هذا الحديث أكثر البخاري ﵀ من تكراره، فقد ذكره فيما يقرب من عشرين موضعاً، كما بينته في دليل القارئ. وميمونة: أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية، وهي خالة ابن عباس أخت أمه لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب. وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير. تزوجها رسول الله ﷺ في عمرة القضاء، سنة سبع، بسرف، وهو حلال غير محرم، وتوفيت ﵂ بسرف، سنة إحدى وخمسين، وقيل غير ذلك، وصلى عليها ابن عباس، ودفنت هناك (١) . قوله: ((بت في بيت ميمونة)) في رواية مسلم: ((فرقبت رسول الله ﷺ كيف يصلي)) ، وفي أخرى له، قال: ((بعثني العباس إلى النبي ﷺ )) . وكان العباس بعثه في حاجة، فقال له رسول الله ﷺ : ((يا بني، بت عندنا الليلة)) ذكره الحافظ، عن قيام الليل، لمحمد بن نصر (٢) ، فانتهز ابن عباس هذه الفرصة لينظر إلى عمل رسول الله - في الليل، فيتخذه قدوة. قوله: ((فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة)) كان ﷺ خير الناس لأهله، فكان يفعل ما يأنسون به من المحادثة، والتعليم لكل خير، من أمور الدنيا والآخرة.

стр. 675

قوله: ((فلما كان ثلث الليل الأخير)) يجوز أن يكون التقدير: فلما كان النبي ﷺ في ثلث الليل الأخير، ويجوز أن تكون (كان) تامة، والتقدير: فلما جاء ثلث الليل، وهذا هو الأظهر. قوله: ((أو بعضه)) أي: بعض الليل، والبعض يصدق على كل فترة منه. وقد جاء في غير هذا الموضع: ((حتى انتصف الليل، أو قريباً منه)) . قوله: ((قعد، فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ﴾ إلى آخره، المعنى: أنه ﷺ حين استيقظ نظر إلى السماء معتبراً بخلقها، ولهذا قرأ الآيات المذكورات، وجاء في روايات أنه قرأ العشر آيات من آخر سورة آل عمران، وهذا هو محل الشاهد من الحديث للباب؛ لأن فيها قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ﴾ ، مع قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ ، فالمنظور إليه، المشاهد، المشار إليه بقوله: ﴿مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ ، مفعول مخلوق، وهو غير الفعل الذي هو صفة الفاعل، والفعل نتج عنه المفعول المحدث، هذا هو وجه الاستدلال الذي أراده البخاري ﵀. قوله: ((ثم قام فتوضأ واستن)) أي: استاك بالسواك دالكاً به أسنانه. وكان ﷺ يفعل ذلك، ويحث عليه، وأخبر أنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب - تعالى. قوله: ((ثم صلى إحدى عشرة ركعة)) هذه سنته ﷺ التي استمر عليها كما أخبرت بذلك زوجه عائشة ﵂ أنه ما كان يزيد على إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره. قوله: ((ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى ركعتين)) هاتان الركعتان، غير ما سبق ذكره من أنه صلى إحدى عشرة ركعة، بل هما سنة الفجر، لأنه صلاهما بعد الأذان، وكان ﷺ يصليهما في بيته، ويحافظ عليهما حضراً وسفراً.

стр. 676

قوله: ((وصلى للناس الصبح)) أي: صلى بهم إماماً، كما هو ظاهر، وقد تقدم شرح بعض هذا الحديث في باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِالحَقِ﴾ . **** قال: ((باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) . قال ابن جرير: ((يقول جل ذكره: ولقد سبق منا القول لرسلنا إنهم لهم المنصورون، أي: مضى بهذا منا القضاء، والحكم في أم الكتاب، وهو أنهم لهم النصرة والغلبة، بالحجج)) ثم روى عن قتادة: قال: سبق هذا من الله لهم أن ينصرهم. ثم ذكر أن بعضهم فسر السبق: بالسعادة، أي: سبق القضاء، والحكم لهم بالسعادة، وذكر أنه روي في قراءة عبد الله: (ولقد سبقت كلمتنا على عبادنا المرسلين) فجعلت ((على)) مكان اللام، فكأن المعنى: حقت عليهم ولهم، كما قيل: ﴿عَلَى مُلكِ سُلَيمانَ﴾ ، وفي ملك سليمان، إذ كان المعنى في ذلك واحداً)) (٢) . والسبق هو التقدم على الشيء، والكلمة المضافة إلى الله - تعالى - هي كلمته الكونية القدرية. والقدر يتضمن علم الله بالشيء، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ثم إيجاده له وفق تقديره، وهذا لابد أن يكون بكلامه. وقد علم أن كلام الله - تعالى - ينقسم إلى: كوني قدري، وإلى شرعي أمري، وهذا الذي يخالفه أكثر العباد، ويعصونه.

стр. 677

أما القسم الأول فلا يخالفه أحد، بل لابد من وقوعه وحصوله، وهو قد يكون متفقاً مع الكلام الشرعي الأمري، وقد يكون مخالفا له، وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله تعالى - في موضعه. ومراد البخاري ﵀ أن كلمة الله - تعالى - سبقت وجود الرسل والمرسل إليهم، فهي قبل الخلق الذي هو المخلوق، وهي غيره؛ لأنها صفة الله - تعالى -، وأما نصر الرسل وإسعادهم فهو جزاء عملهم وطاعتهم، فهو من إثابته لهم وفضله عليهم، فهو مخلوق بكلمته - تعالى -. وأما قول الحافظ: ((أشار به إلى ترجيح القول بأن الرحمة من صفات الذات؛ لكون الكلمة من صفات الذات، فمهما استشكل في إطلاق السبق في صفة الرحمة، جاء مثله في صفة الكلمة، ومهما أجيب عن قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُناَ﴾ حصل به الجواب عن قوله: ((سبقت رحمتي)) ، وقد غفل عن مراده من قال: دل وصف الرحمة بالسبق على أنها من صفات الفعل)) (١) . فهذا بعيد كل البعد عن مراد البخاري، وهو مبني على مذهب الأشعرية القائلين بأن الكلام من صفات الذات، وهو المعنى القائم بذات الله - تعالى -، وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، واعتقاد أهل السُّنَّة، وإنما مراده ما ذكرت. والله أعلم. وأما صفات الرحمة فتكون صفة ذات وصفة فعل، كما سبق الكلام في ذلك. وفي كتاب ((خلق أفعال العباد)) للبخاري ﵀ نقلاً عن أبي عبيدة: ﴿إنمَاَ قَولُنَاَ لِشَيءٍ إِذَا أَرَدناهُ نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ، فأخبر أن أول خلقه بقوله، وأول خلق هو من الشيء الذي قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ فأخبر

стр. 678

أن كلامه قبل الخلق)) (١) ، وهذا قريب مما ذكره هنا، وهو يعين على فهم مراده. قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي)) . تقدم هذا الحديث في باب قول الله - تعالى -: ((ويحذركم الله نفسه)) لكن بلفظ يختلف عما هنا، فلفظه هناك: ((لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش -: إن رحمتي تغلب غضبي)) والمعنى لا يختلف، والمقصود بالقضاء: التقدير، ويأتي القضاء بمعنى الأمر والحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢) ، ويأتي بمعنى: قدر وأمضى، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ﴾ (٣) ، ويأتي بمعنى: فرغ من الشيء وأتقنه، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٤) ، والمعنى هنا: لما فرغ من تقدير الخلق، كما في الرواية الآتية في باب قول الله تعالى -: ﴿بَل هُوَ قُرءَانُ مَّجِيدُ﴾ ؛ أن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق)) . ومراد البخاري من هذا الحديث: أن الكتاب الذي كتبه قبل خلق الخلق فيه سبق رحمته لعباده المرسلين، أي: أن كلمته التي سبقت بنصره عباده المرسلين قبل وجودهم.

стр. 679

وبهذا يتبين أن قوله غير خلقه، ونصرته لعباده المرسلين من رحمته التي سبقت غضبه، وتقدم الكلام على قوله ((عنده فوق عرشه)) ، وأنه يدل على استوائه على عرشه، وعلوه على خلقه، كما تقدم الكلام في صفة الرحمة والغضب. ٨٠ - قال: ((حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا الأعمش، سمعت زيد بن وهب، سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وأربعين ليلة، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها)) . علماء الأمة يعدون هذا الحديث أصلاً كبيراً من أصول الإسلام؛ لأن فيه بيان وجوب الإيمان بالقدر، وهو أحد أركان الإيمان بالله ورسوله. قوله: ((الصادق المصدوق)) وصف للنبي ﷺ مستمر، أي: أنه صادق فيما يخبر به، وما يفعله، فلا يخبر إلا بالحق المطابق للواقع. والصدق يطلق أيضاً على الفعل، يقال: صدق القتال، وهو صادق فيه والرسول ﷺ صادق في أقواله وأفعاله. ((المصدوق)) فيما يأتيه من الأخبار؛ لأنه وحي من الله - تعالى -. قوله: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً وأربعين ليلة)) يعني:

стр. 680

أنه في هذه المدة يكون نطفة داخل بويضة المرأة، فيستمر هذه المدة، وتغلب عليه هذه الصفة في الأربعين الأولى - يعني: وصف النطفة، وفي الثانية: وصف العلقة، وفي الثالثة: وصف المضغة، وإن كانت خلقته قد تمت وتم تصويره. قوله: ((ثم يكون علقة مثله)) يعني: بعد مضى أربعين على النطفة في الرحم، تصير علقة، وهي قطعة دم جامد، فتنقلب النطفة بعد دخولها بويضة المرأة، ومرور أربعين يوماً، إلى علقة، بدون تخطيط ولا روح. ((ثم يكون مضغة مثله)) يعني: بعد تمام الأربعين الثانية تصير العلقة مضغة. والمضغة: قطعة لحم على قدر ما يمضغ الإنسان في فمه، وفي هذا الدور يبدأ تخطيط خلقه. فالحديث يدل على أن خلق الإنسان يتقلب في مِئَة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار، في كل أربعين يوماً منها يكون في طور، فهو في الأربعين الأولى نطفة، وفي الثانية علقة، وفي الثالثة مضغة، وبعد ذلك يأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتابة رزقه وأجله، وشقاوته أو سعادته. ((ثم يبعث إليه الملك)) جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ﷺ وقال: ((يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي: رب، أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص)) (١) . وفيه أيضاً عنه قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا مر بالنطفة اثنتان

стр. 681

وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر، ولا ينقص)) (١) . وقد يبدو أن هذا يخالف حديث عبد الله بن مسعود؛ لأن ظاهر حديث عبد الله – كما تقدم- أنه يبقى أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين أخرى علقة، ثم أربعين مضغة، ثم يبعث إليه الملك بعد الأربعين الثالثة. قال ابن رجب: ((ظاهر حديث حذيفة يدل على أن تصوير الجنين، وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في الأربعين الثانية، فيلزم أن يكون في الأربعين الثانية لحماً وعظاماً، وهذا خلاف ظاهر حديث عبد الله، وظاهره أنه يصورها، ويخلق هذه الأجزاء كلها، وقد يكون خلق ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، فلا يكون بين الحديثين اختلاف. وتأول بعضهم على أن الملك يقسّم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء، فيجعل بعضها للجلد، وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدر ذلك كله قبل وجوده، وهذا خلاف ظاهر الحديث)) (٢) . قال ابن رجب: ((وقد ذكر علماء الطب ما يوافق الحديث، قالوا: إن المني إذا وقع في الرحم حصل له زبدة ورغوة ستة أيام، أو سبعة أيام، وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير استمداد من الرحم (٣) ، ثم بعد ذلك تستمد منه.

стр. 682

وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدم ويتأخر يوماً، ثم بعد ستة أيام، وهو الخامس عشر من وقت العلوق، ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير علقة، ثم تتميز الأعضاء تميزاً ظاهراً، ويتنحى بعضها عن مماسة بعض، وتمتد رطوبة النخاع، ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع [ويتميز] تميزاً يستبين في بعض، ويخفى في بعض. قالوا: وأقل مدة يتصور فيها الذكر ثلاثون يوماً، والزمان المعتدل في تصوير الجنين خمسة وثلاثون يوماً، وقد يتصور في خمسة وأربعين يوماً، ولم يوجد في الإسقاط ذكر تم قبل ثلاثون يوماً، ولا أنثى قبل أربعين يوماً. فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفة في التخليق في الأربعين الثانية، ومصيره لحماً فيها أيضاً)) (١) . وقال ابن القيم: ((إذا اشتمل الرحم على المني، ولم يقذف به إلى الخارج، استدار على نفسه وصار كالكرة، وأخذ بالشدة إلى تمام ستة أيام، فإذا اشتد نقط فيه نقطة في الوسط، وهو موضع القلب، ونقطة في أعلاه، وهي نقطة الدماغ، وفي اليمين، وهي نقطة الكبد، ثم تتباعد تلك النقط، ويظهر بينها خطوط حمر، إلى تمام ثلاثة أيام أخر، ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر، فيصير المجموع سبعة وعشرين يوماً، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنبين، وذلك في تسعة أيام، فتصير ستة وثلاثين يوماً، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهوراً بيناً في تمام أربعة أيام، فيصير المجموع أربعين يوماً تجمع خلقه. وهذا مطابق لقوله – ﷺ : ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً)) واكتفى ﷺ بهذا الإجمال عن التفصيل، وهذا يقتضي أن الله قد جمع

стр. 683

خلقه فيها جمعاً خفياً)) (١) . وهذا الذي ذكره ابن رجب وشيخه ابن القيم – رحمهما الله تعالى – يكاد يكون متفقاً مع ما يقرره الأطباء حديثاً، وقد أصبحت الأجنة مشاهدة بواسطة آلات التصوير والمناظير، فصارت عند علماء الأجنة من الأطباء من الأمور الظاهرة، وعندهم التخليق يبدأ مبكراً من أيام الأربعين الأولى، وأحاديث رسول الله – ﷺ – لا تخالف الواقع، وإنما يأتي الغلط من عدم فهم مراده ﷺ . وقد ذكر خلق الإنسان في مواضع عديدة من القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣) وحديث عبد الله يتفق مع هذه الآية الكريمة. ولدلالة خلق الإنسان على خالقه، وعظيم قدرته، وعلى إعادته بعد موته، وعلى وجوب عبادة الله وحده، أكثر الله – تعالى – من ذكره في كتابه، وأمر عباده بالاعتبار به. والملك الذي يرسل إلى النطفة في الرحم خلقه الله لذلك، وجعل ذلك وظيفته، وقد جعل الله – تعالى – لملائكته أعمالاً يختص بها كل فريق منهم. قوله: ((فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد)) .

стр. 684

قال الحافظ: ((المراد بالكلمات: القضايا المقدرة، وكل قضية تسمى كلمة)) (١) . وهذا هو الذي عناه العلماء بقولهم في هذا الحديث: وجوب الإيمان بالقدر، فكل ما سيجري على هذه النطفة التي ذكر تكوينها في أول بدايتها، مكتوب مفروغ منه، قبل وجودها، فما تأكله مكتوب مسجل، لا يزيد ولا ينقص، وما تعمله كذلك، وبقاؤها حية في هذه الدنيا كذلك، ونهايتها ومصيرها مسجل معلوم لله – تعالى -: فالسعادة والشقاوة قد سبق بهما الكتاب، غير أن ذلك مقدر بحسب الأعمال التي يعملها هذا المخلوق، ومرتب عليها، بمعنى أن الله علم ذلك فكتبه، وكل ميسر لما خلق له. وهذا أصل عظيم من أصول الإسلام، لا يمكن أن يستقيم لأحد دينه إلا بالإيمان به، وهو محل الشاهد الذي ساقه البخاري من أجله، فقد سبقت كلمة الله لعباده السعداء بالسعادة قبل وجودهم، وذلك فضل من الله ورحمة تفضل عليهم بذلك. وظاهر حديث عبد الله بن مسعود هذا أن الكتابة تكون بعد الأربعين الأخيرة، وحديث حذيفة بن أسيد ظاهر في أن الكتابة تكون بعد الأربعين الأولى. قال ابن رجب: ((جمع بعضهم بينهما بأن الكتابة تكون مرتين، ثم قال: وقد يقال: إن إحداهما في السماء، والأخرى في بطن أمه. والأظهر أنها مرة واحدة. ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين

стр. 685

الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة)) (١) . وقال ابن القيم: ((ما في حديث ابن مسعود تقدير ثان بعد التقدير الذي ذكره في حديث حذيفة، فأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان. والتقدير الثاني: تقدير عند كمال خلقه، ونفخ الروح، فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره، وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره)) (٢) . قوله: ((ثم ينفخ فيه الروح)) في رواية لمسلم: ((ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات)) . قال الحافظ: ((ويجمع بأن هذه الرواية صريحة في تأخير النفخ؛ للتعبير بقوله: ((ثم)) ، والأخرى محتملة، فترد إلى الصريحة، ولأن قوله في رواية مسلم: ((ويؤمر بأربع كلمات)) معطوفة بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب فيكون عطف جملة على جملة، والتقدير: ((يجمع خلقه في هذه الأطوار، ويؤمر الملك بالكتابة)) ، وجاء قوله: ((ينفخ فيه الروح)) متوسطاً بين الجمل)) (٣) . وقال ابن رجب: ((إما أن يكون هذا من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار فقط، لا ترتيب ما أخبر به)) . وعلى كل فحديث ابن مسعود يدل على تأخير نفخ الروح في الجنين وكتابة الملك [ما أمر به] إلى ما بعد أربعة أشهر، حتى تتم الأربعون الثالثة. فأما نفخ الروح فقد روي صريحاً عن الصحابة – ﵃ – أنه

стр. 686

إنما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود)) (١) . وقال عياض: ((اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم تختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود في الشاهد، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام، وقيل: إنه الحكمة في عدة الوفاة)) (٢) . والحديث يدل صراحة أن الملك هو الذي ينفخ في الجنين الروح، التي تحصل بها الحياة، وتسري في الجسد، وهي سر من الله، لا يعلم حقيقتها إلا هو تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣) . قوله: ((فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها)) . هذا مما يدل على ما أراده البخاري – ﵀؛ لأن سبق الكتاب لما سيكون صريح في هذا النص، وهو دليل على كمال علم الله تعالى – وكمال قدرته، وإحاطته بكل شيء، فهو – تعالى – يعلم الأشياء قبل وجودها، وكتب كل ما هو كائن، فكل الحوادث تقع وفق علمه وكتابته. فإذا وضعت النطفة التي يتكون منها الإنسان في رحم المرأة، وأراد - تعالى - تكوينها مخلوقاً أمر بكتابة ما يعمله هذا المخلوق، وما يكون له من رزق، وما سيلاقيه في حياته، وما يؤول إليه وينتهي، من سعادة أو شقاوة.

стр. 687

وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائق، المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا (١) ﴾ . وقوله ﷺ فيما رواه مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)) ونحو ذلك من النصوص. وليس في كتابة الله تعالى وتقديره كل شيء قبل وجوده منافاة لمشيئة الإنسان واختياره، كما يتوهمه بعض الناس. لأن الله – تعالى – كتب علمه بما يعمله هذا المخلوق، وما يترتب على عمله، ولم يجبره على فعل المعاصي، بل نهاه عنها وزجره وحذره من فعلها، وتوعده على ذلك، وخلّى بينه وبين نفسه ليختار ما يريد من غير إكراه وإلزام. والمقصود أن هذا يدل على سبق الرحمة من الله لأهل السعادة قبل وجودهم، حيث قدر ذلك وكتبه، تفضلاً منه وإحساناً، ثم هيأهم للعمل لذلك ويسره لهم، فيدخل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقد سَبَقَت كَلِمَتُنَا لِعبَادِنَا المُرسَلِينَ﴾ . ثم هذا يدل على أن الجزاء مرتب على العمل، فلا يدخل أحد الجنة إلا إذا عمل بعمل أهل الجنة، ولا يدخل أحد النار إلا إذا عمل بعمل أهل النار. قال ابن رجب: ((فيه أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلاً ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب السعادة أو الشقاوة)) (٢) .

стр. 688

وفيه أن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة، وهو في الحقيقة من أهل النار، فلا بد أن يعمل بعمل أهل النار قبيل موته، فيختم له بذلك وبالعكس؛ لأن الكتاب سبق بذلك، والحقيقة أن الذي سبق هو علم الله بأنه سوف يكون كذلك، وقد كتب الله ذلك. وهذا هو الذي أزعج كثيراً من السلف، وأقلقهم. قال ابن رجب: ((بكى أحد الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك؟ فقال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: ((إن الله – تعالى – قبض خلقه قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار)) ولا أدري في أي القبضتين كنت. وقال بعض السلف: الذي أبكى العيون أشد البكاء هو الكتاب السابق)) . وقال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن الشهادة: لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته. وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال ذلك الرجل: تركتني لا أفرح أبداً. وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق، والخواتيم، فكان يبكي، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، ويبكي ويقول: أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت. وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضاً على لحيته ويقول: يا رب، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك؟ وقال حاتم الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغتر، فلا يأمن الشقاء:

стр. 689

الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنة، ولا أبالي، وهؤلاء في النار، ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان؟ والثاني: لما خلق في الظلمات الثلاث، حين نادى الملك بالشقاوة أو السعادة ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ والثالث: ذكر هول المطلع بعد الموت، فلا يدري: أيبشر برضاء الله، أم بسخطه؟ والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتاً، فلا يدري مع أي الفريقين يسلك به؟ وقال سهل التستري: المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر. وكان الصحابة – رضوان الله عليهم – ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه. فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر. وقد كان النبي – ﷺ يُكثر أن يقول في دعائه: ((يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)) فقيل له: يا نبي الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ فقال: ((نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن – – يقلبها كيف يشاء)) (١) . وفي الجملة: فالخواتم ميراث السوابق، فكل شيء سبق في الكتاب السابق.

стр. 690

وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتم، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟)) (١) . ٨١ - قال: ((حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا عمر بن ذر، سمعت أبي يحدث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((يا جبريل، ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)) فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأمرِ رَبِكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِيِنَا وَمَا خَلفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَّا﴾ قال: كان الجواب لمحمد ﷺ )) . المقصود: أن كل شيء بتصريف الله وتدبيره، فلا أحد يملك معه شيئاً حتى يملكه هو ما يريد، فله الأمر من قبل وجود الخلق، ومن بعد وجودهم، وما بين ذلك، فلا يخرج من قبضته شيء، فإذا وقع في خلقه خير وفضل فبرحمته التي سبقت منه لهم، وإن وقع غير ذلك، فبعدله وسبب ذنوب خلقه، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأمره تعالى غير خلقه وأفعاله، فلهذا قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأمرِ رَبِكَ﴾ فالتنزيل فعل جبريل، ولا يقع إلا بأمر الله - تعالى -، فأمره تعالى سابق خلقه وما يفعلونه. ذكر ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأمرِ رَبِكَ﴾ قال: احتبس جبريل عن النبي ﷺ حتى تكلم المشركون في ذلك، واشتد ذلك على نبي الله، فأتاه جبريل، فقال: اشتد عليك احتباسنا عنك، وتكلم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرني بأمر أطعته، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأمرِ رَبِكَ﴾ أي: بقول ربك، ﴿لَهُ مَا بَينَ أَيدِيِنَا وَمَا خَلفَنَا﴾ معناه: له ما بين أيدينا من أمر الآخرة؛ لأن ذلك لم يجيء [وهو

стр. 691

آت] ، فهو بين أيديهم، وما خلفنا من أمر الدنيا، وذلك ما قد خلفوه فمضى، فصار خلفهم بتخليفهم إياه، وما بين ذلك ما لم يمض من أمر الدنيا إلى الآخرة)) (١) . وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَّا﴾ أي: أنه تعالى علم كل شيء، فلا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه صغير أو كبير، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أكبر من ذلك ولا أصغر إلا في كتاب مبين، قد كتبه قبل وجود خلقه لا من خشية نسيان أو فوات. ووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن الأمر الذي قال جبريل عنه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأمرِ رَبِكَ﴾ يدخل فيه الأمر الكوني القدري الذي سبق كل ما هو كائن، والأمر الشرعي التكليفي، ونزول جبريل إلى النبي ﷺ لا يكون إلا بالخير والبركة والنصر والتأييد للمؤمنين، فهو مما سبقت به كلمته تعالى لرسوله ومن معه، والله أعلم. قال البخاري في كتابه ((خلق أفعال العباد)) : ((قال الله عن جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأمرِ رَبِكَ﴾ فبين أن التنزيل غير الأمر)) (٢) . وتقدم أن أمر الله سابق لخلقه. ٨٢ - قال: ((حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، فسألوه، فقام متوكئاً على العسيب، وأنا خلفه، فظننت

стр. 692

أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه)) . قال ابن جرير: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ يعني: أنه من الأمر الذي يعلمه الله دونكم، فلا تعلمونه، ويعلم ما هو. ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ خرج الكلام خطاباً لمن خوطب به، والمراد: جميع الخلق؛ لأن علم كل أحد سوى الله - تعالى - وإن كثر، فهو في علم الله - تعالى - قليل، والمعنى: وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلاً من كثير مما يعلم الله)) (١) . قوله: ((في حرث بالمدينة)) في رواية لابن مردويه: ((في حرث للأنصار)) ، وعند مسلم: ((كان في نخل)) وكل هذه الألفاظ تؤكد أن هذه الواقعة كانت في المدينة، ومعلوم أن سورة الإسراء مكية، فإما أن يقال: إن هذه الآية مدنية، وهو الأوجه، فكثير من السور المكية يكون فيها آيات مدنية، أو يقال: إنها نزلت مرتين للتأكيد، كما قيل في الفاتحة، وغيرها. وأما كونه ﷺ -لم يجبهم بها من أول وهلة، فلعله كان ينتظر الأمر يأتيه من الله، إما بزيادة أو بغير ذلك. والله أعلم. قوله: ((وهو متكئ على عسيب)) أي: معتمد عليه وهو يمشي، والعسيب بوزن عظيم، هو جريد النخل، بمنزلة الغصن من الشجرة، ويسمى عسيباً إذا كان فيه خوصة، فإذا أزيل فهو جريدة. قوله: ((فظننت أنه يوحى إليه)) ، في الرواية الأخرى: ((فعلمت أنه يوحى

стр. 693

إليه)) وقد يستعمل الظن بمعنى العلم. قال ابن كثير: ((قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎. والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه - تعالى -. وقد اختلف في الروح المسؤول عنها هنا، فقيل، المراد: أرواح بني آدم، قال العوفي: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : أخبرنا عن الروح، وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ ولم يكن نزل فيه شيء فلم يحر إليهم جواباً، فأتاه جبريل، فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أخبرهم النبي ﷺ بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ فقال: ((جاءني به جبريل من عند الله)) . وقيل: المراد هنا: جبريل ﵇، قاله قتادة. وقيل: المراد: ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يقول: الروح: ملك عظيم. وقيل: المراد طائفة من الملائكة)) (١) .

стр. 694

وقال الحافظ: ((قال الأكثر: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد، وقال أهل النظر: سألوه عن كيفية مسلك الروح في البدن، وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه. وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح. وقال الرازي: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه. وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل أن يكون عن ماهيته، أو عن صفته، أو كيفية تعلقه بالبدن، أو غير ذلك، وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء)) (١) . وقال ابن القيم: ((في المراد بالروح في هذه الآية خلاف بين السلف والخلف. وأكثر السلف، بل كلهم، على أن الروح المسؤول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم، بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم)) (٢) . قال الحافظ: ((الراجح أنها روح الإنسان)) . وهذا هو الظاهر، أن المراد: الروح الذي تحصل به الحياة، وهو ما ذهب إليه أكثر المفسرين من المتأخرين وشراح الحديث. وأما قول ابن القيم ﵀: ((ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف

стр. 695

إلا بالوحي، وذلك هو الروح الذي عند الله، لا يعلمها الناس، وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس، من أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة)) (١) . فيقال: بل الروح من الغيب الذي لا يعلمه الناس، فإن هذه الروح التي في بني آدم وإن تكلم فيها طوائف من الناس فهي مجهولة الحقيقة، لا يعلمها إلا الله، والذين تكلموا فيها تكلموا بالظنون، ولم يصلوا إلى معرفة شيء من حقيقتها. ((قال بعض السلف في تفسيرها: جرى بأمر الله في أجساد الخلق، وبقدرته استقر، وهذا بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان)) (٢) . ((قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من المعلوم قطعاً أنه ليس المراد بالأمر ها هنا الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المعنى: إن الروح كلامه الذي يأمر به، بل المراد بالأمر هنا: المأمور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمرُ اللهِ فَلاَ تَستَعجِلُوهُ﴾ أي: مأموره الذين قدره وقضاه، وقال له: كن، فيكون، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ﴾ (٣) ، أي: مأموره الذي أمر به، من إهلاكهم)) (٤) . ومقصود البخاري من الحديث: قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ يعني: أنها كانت ووجدت بأمر الله، فأمر الله ليس هو الروح، وإنما وجدت الروح

стр. 696

بأمره، وهو سابق لما وجد به. ٨٣ - قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، مع ما نال من أجر أو غنيمة)) . ((تكفل)) معناه: ضمن له حصول ما ذكره، فلا يمكن فواته؛ لأن الله - تعالى - إذا ضمن شيئاً فلا بد من حصوله لمن ضمنه له. وفي رواية: بدل ((تكفل)) : ((انتدب الله لمن خرج)) ومعناه: سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل: أجاب إلى المراد، ففي الصحاح: ندبت فلاناً فانتدب، أي: أجاب إليه، وقيل: معناه: تكفل بالمطلوب، ويدل عليه رواية ((تكفل)) (١) . قلت: المعنى الأخير هو الصواب، والمعنيان الأولان يدخلان فيه، وقد جاء في رواية مسلم ((تضمن الله لمن خرج في سبيله)) ، والمعنى واحد. وهذا من باب التأكيد، وإلا فوعد الله لابد من وقوعه، فإن الله لا يخلف وعده، والتكفل: وعد وزيادة تأكيد لوقوعه بالضمان. قوله: ((لمن جاهد في سبيله)) الجهاد، والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، فهو بذل للجهد بالنفس والمال. قال الراغب: ((الجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله - تعالى - ﴿وَجَاهِدُوا

стр. 697

فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١) ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢) و ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ ِ (٣) . والمجاهدة تكون باليد، واللسان)) (٤) وقال الحافظ: ((الجهاد بكسر الجيم: أصله لغة: المشقة، يقال: جهدت جهاداً: بلغت المشقة. وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس، والشيطان، والفساق. فأما مجاهدة النفس؛ فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان؛ فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار؛ فيقع باليد، والمال، واللسان، والقلب. وأما مجاهدة الفساق؛ فباليد، ثم اللسان، ثم القلب)) (٥) . ((سبيل الله)) : طريقه الذي شرعه لعباده المؤمنين، وهو دينه وشرعه. قوله: ((لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته)) أي: ليس له أي دافع غير ذلك، بل الجهاد في سبيل الله، والإيمان بوعده للمجاهدين في سبيله هو الحامل له على الخروج، وهذا هو الإخلاص لله - تعالى - في الجهاد،

стр. 698

والإخلاص هو الذي يجعل العمل القليل كثيراً عظيماً، مع أنه شرط في قبول العمل. والتصديق بكلمات الله - تعالى - يشمل الإيمان بكلماته الأمرية الشرعية والعمل بها، والإيمان بكلماته الكونية القدرية، وهي التي سبقت بتقدير الأشياء كلها قبل وجودها. وهذه الجملة هي المقصودة من الحديث هنا؛ لهذا المعنى المذكور. قوله: ((بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة)) هذا هو الذي كفله الله لمن يخرج مجاهداً في سبيله. وسبيل الله - تعالى - هو الجهاد لإعلاء كلمته التي هي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أي: عبادة الله وحده، ومتابعة رسوله ﷺ ، وأن لا يحكم إلا بشرعه، ولا يتعبد إلا بما جاء به رسوله. فهذا هو غاية المجاهد في سبيل الله، فمن خرج مجاهداً لهذا الغرض، فإن قتل أو مات في مخرجه ذلك فهو في الجنة، وإن فاته ذلك فلا بد أن يصل إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من الأجر، والغنيمة، فهو متحصل على إحدى الحسنيين على كل تقدير، وهذا هو الربح. **** ٨٤- ((حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي موسى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) . الحمية: مأخوذة من الحم: وهو الحرارة المتولدة من الجواهر المتوقدة، كالنار والشمس.

стр. 699

وعبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحمية. وإذا كانت من أجل الباطل، ومدافعة الحق، فهي حمية الجاهلية. والمقصود بالحمية هنا: القتال لأجل القومية، أو الدنيا من أرض أو ملك أو غير ذلك، لا لأجل إعلاء دين الله - تعالى -. وأما الشجاعة: فهي الجرأة والإقدام على العدو بقوة، ودون تهيب، وهي من الصفات المحمودة، إذا كانت في الحق، وهي من المفاخر التي يفتخر بها الناس، فقد يقدم المرء على القتال لأجل إظهار شجاعته وحبه للقتال فقط. وأما الرياء، فهو: مراءاة الناس للأعمال الحسنة، حتى يثنى عليه أو يحبوه ونحو ذلك، وهذا كله من الشرك، فقد يكون شركاً أكبر، وقد يكون أصغر، على حسب الدافع وما يقوم بالنفس. وقوله: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) جواب جامع شامل لما ذكر في السؤال وغيره من الأغراض والدوافع التي قد تدفع الإنسان إلى القتال، فمن كان قصده في قتاله: رفع دين الله وإعزازه، وأن لا يعبد معه غيره، ولا يحكم إلا بشرعه، فهو في سبيل الله، وإلا فليس في سبيل الله. والمقصود من الحديث قوله: ((لتكون كلمة الله هي العليا)) والذي يقاتل لذلك هو الذي سبقت له كلمة الله الكونية أنه من المنصورين؛ لأنه من أتباع المرسلين، فهو منهم في هذا الحكم، وهذا وجه الشاهد، والله أعلم. **** قال: ((باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيءٍ﴾ . قال ابن كثير: ((أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء، وإنما إذا أمر به مرة واحدة كان من غير تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى

стр. 700

لا يمانع ولا يخالف)) (١) . قال ابن بطال: ((غرضه الرد على المعتزلة، في زعمهم أن أمر الله مخلوق، فبين أن الأمر هو قوله للشيء ((كن)) فيكون بأمره له، وأن أمره وقوله بمعنى واحد، وأنه يقول: ((كن)) حقيقة، وأن الأمر غير الخلق، لعطفه عليه بالواو)) (٢) . وقال الحافظ: ((قال ابن أبي حاتم في كتاب ((الرد على الجهمية)) : حدثنا أبي قال: قال أحمد بن حنبل: دل على أن القرآن غير مخلوق حديث عبادة ((أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب)) الحديث، وإنما نطق القلم بكلامه؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ، فكلام الله سابق على أول خلقه، فهو غير مخلوق. وعن الربيع بن سليمان، سمعت البويطي يقول: خلق الله الخلق بقوله: ((كن)) فلو كان ((كن)) مخلوقاً، لكان قد خلق الخلق بمخلوق، وليس كذلك)) (٣) . وقال البخاري: ((قال سفيان: إن كل شيء مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق، وكلامه أعظم من خلقه؛ لأنه يقول للشيء: ((كن)) فيكون، فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق، والقرآن كلام الله)) (٤) . وقال: ((وقيل لأبي عبيد: إن المريسي سئل عن ابتداء خلق الأشياء، وعن قول الله : ﴿إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن

стр. 701

فَيَكُونُ﴾ فقال: كله صلة (١) ، فمعنى قوله: ﴿أَن نَّقُولَ﴾ صلة، كقوله: قالت السماء فأمطرت، وكقوله: قال الجدار فمال، قال الله - تعالى -: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (٢) ، والجدار لا إرادة له، فمعنى قوله: إذا أردناه: كوناه، فكان. لم يكن عند المريسي جواب أكثر من هذا، يعني: أن الله - تعالى - لا يتكلم. قال أبو عبيد، القاسم بن سلام: أما تشبيه قول الله - تعالى -: ﴿إِذَا أَرَدنَاهُ﴾ ، بقوله: قالت السماء فأمطرت، أو: قال الجدار فمال. فإنه لا يشبهه، وهذه أغلوطة أدخلها؛ لأنك إذا قلت: قالت السماء، ثم سكت، لم يدر ما معنى ((قالت)) ، حتى تقول: فأمطرت. وكذلك إذا قلت: أراد الجدار، ثم لم تبين ما معنى: أراد، لم يدر ما معناه، وإذا قلت: ((قال الله)) اكتفيت بقوله ((قال)) . فـ ((قال)) كافٍ، لا يحتاج إلى شيء يستدل به على ((قال)) ، كما احتجت، ((إذا قال الجدار فمال)) ، وإلا لم يكن لقال الجدار معنى. ومن قال هذا فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه. ومن قال هذا، فقد قال على الله ما لم يقله اليهود، والنصارى، ومذهبه التعطيل للخالق)) (٣) . يعني: أن القول إذا أسند إلى ما لا يعقل فلا بد أن يقيد بالفعل الذي يصدر من ذلك المسند إليه؛ لأن القول عبارة عن ذلك الفعل.

стр. 702

فالمراد بقوله: قال الجدار فمال: الإخبار على ميل الجدار، وقوله حسب ما يليق به، أما إذا أسند القول إلى من يتكلم حقيقة فلا يحتاج إلى أي قيد، بل إذا قلت: قال أبو بكر، فهم السامع أنه نطق بكلام ينتظر أن نذكره له. وأراد البخاري أن يبين أن القول غير الشيء الذي أراد الله إيجاده، فالقول صفة لله - تعالى -، وبه يوجد الأشياء التي يريد وجودها، فإذا قال لها: ((كوني)) كانت بلا مهلة ولا امتناع، والقول والأمر سواء. *** ٨٥ - قال: ((حدثنا شهاب بن عباد، حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله)) . في رواية مسلم عن المغيرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) (١) . وفيه عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) (٢) . وفيه أيضاً من حديث جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة)) (٣) . قوله: ((لا يزال من أمتي قوم ظاهرين)) أي: يستمرون في الظهور على

стр. 703

الناس، يعني: أنهم يكونون على الحق منصورين ظاهرين على عدوهم. قوله: ((حتى يأتيهم أمر الله)) أي: حكمه وقضاؤه، إما بقيام الساعة كما في حديث جابر: ((إلى يوم القيامة)) ، أو بالريح التي يموتون منها، كما جاء في الحديث. قال الحافظ: ((أي: غالبون من خالفهم، أو المراد بالظهور: أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى؛ لما في مسلم: ((لن يبرح هذا الدين قائماً تقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة)) ، وفيه أيضاً من حديث عقبة بن عامر: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة)) (١) ، والمراد بالساعة: الريح التي تقبض روح كل مؤمن، وذلك قبيل الساعة، فلا يبقى إلا شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة، وهذا معنى الذي في مسلم: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) . وهذه الطائفة هم أتباع سنة رسول الله ﷺ . قال البخاري ﵀: ((هؤلاء هم أهل العلم)) (٢) أي: العلم الشرعي، الذين علموا ما جاء به الرسول ﷺ وعملوا به. وقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: ((سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث)) (٣) . وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله، محمد بن علي بن عبد الحميد الأدمي بمكة يقول:

стр. 704

سمعت موسى بن هارون، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن معنى هذا الحديث، فقال: ((إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم)) وهذا إسناد صحيح، قال الحاكم: ((فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر، أن الطائفة المنصورة، التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة، هم أصحاب الحديث)) (١) . والمقصود من هذا الحديث قوله: ((حتى يأتيهم أمر الله)) وهو أمره الكوني القدري الذي قضاه، وكتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فأوحاه الله إلى رسوله ليعلم أمته به فيؤمنوا به، ويصدقوه، فإذا وصل وقته قال الله - تعالى -: كن، فيكون كما أراد. ومراد البخاري أن أمر الله من صفاته، فهو غير المخلوق، وغير المأمور، وهو مرادف للقول. ****** ٨٦ - قال: ((حدثنا الحميدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، حدثني عمير بن هانئ، أنه سمع معاوية، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من كذبهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) . فقال مالك بن يخامر: سمعت معاذاً يقول: وهم بالشام، فقال معاوية: ((هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول: وهم بالشام)) . ((الأمة)) تطلق على الجماعة من الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا

стр. 705

فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً (١) ﴾ . فالأمة: كل جماعة يجمعهم أمر من الأمور؛ إما دين، أو زمان، أو مكان. ويراد بها الملة والدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٢) . ويراد بها الطائفة من الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعدَ أُمَّةٍ﴾ (٣) ، أي: بعد حين. ويراد بها: الإمام القدوة المتبع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ (٤) . والمقصود أن جماعة من هذه الأمة تبقى ظاهرة على دين الله، منصورة إلى قيام الساعة، وهذا من فضل الله - تعالى - أن جعل الحق باقياً، لا يذهب ولا يضمحل وإن كثر محاربوه وأعداؤه، كما هو الواقع، والحمد لله على ذلك. قوله: ((لا يضرهم من كذبهم، ولا من خذلهم)) هذا من نصر الله - تعالى -، وتأييده لهذا الدين، ومن آياته: بقاء هذه الأمة ظاهرة، منصورة على عدوها، مع كثرة الأعداء، ومحارتهم لها بأنواع الأسلحة المادية والمعنوية، ومع خذلان من هم على دينها من المسلمين. فقوله: ((من كذبهم)) يقصد بهم: الكفار من جميع الأجناس، من ملاحدة، ويهود، ونصارى، ومشركين، ومرتدين، وغيرهم. وقوله: ((ولا من خذلهم)) يقصد بهم: من قعد عن نصرتهم ممن هو على
следующие страницы →