فَيَكُونُ﴾ فقال: كله صلة (١) ، فمعنى قوله: ﴿أَن نَّقُولَ﴾ صلة، كقوله: قالت السماء فأمطرت، وكقوله: قال الجدار فمال، قال الله - تعالى -: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (٢) ، والجدار لا إرادة له، فمعنى قوله: إذا أردناه: كوناه، فكان.
لم يكن عند المريسي جواب أكثر من هذا، يعني: أن الله - تعالى - لا يتكلم.
قال أبو عبيد، القاسم بن سلام: أما تشبيه قول الله - تعالى -: ﴿إِذَا أَرَدنَاهُ﴾ ، بقوله: قالت السماء فأمطرت، أو: قال الجدار فمال.
فإنه لا يشبهه، وهذه أغلوطة أدخلها؛ لأنك إذا قلت: قالت السماء، ثم سكت، لم يدر ما معنى ((قالت)) ، حتى تقول: فأمطرت.
وكذلك إذا قلت: أراد الجدار، ثم لم تبين ما معنى: أراد، لم يدر ما معناه، وإذا قلت: ((قال الله)) اكتفيت بقوله ((قال)) . فـ ((قال)) كافٍ، لا يحتاج إلى شيء يستدل به على ((قال)) ، كما احتجت، ((إذا قال الجدار فمال)) ، وإلا لم يكن لقال الجدار معنى.
ومن قال هذا فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه.
ومن قال هذا، فقد قال على الله ما لم يقله اليهود، والنصارى، ومذهبه التعطيل للخالق)) (٣) .
يعني: أن القول إذا أسند إلى ما لا يعقل فلا بد أن يقيد بالفعل الذي يصدر من ذلك المسند إليه؛ لأن القول عبارة عن ذلك الفعل.
стр. 702
فالمراد بقوله: قال الجدار فمال: الإخبار على ميل الجدار، وقوله حسب ما يليق به، أما إذا أسند القول إلى من يتكلم حقيقة فلا يحتاج إلى أي قيد، بل إذا قلت: قال أبو بكر، فهم السامع أنه نطق بكلام ينتظر أن نذكره له.
وأراد البخاري أن يبين أن القول غير الشيء الذي أراد الله إيجاده، فالقول صفة لله - تعالى -، وبه يوجد الأشياء التي يريد وجودها، فإذا قال لها: ((كوني)) كانت بلا مهلة ولا امتناع، والقول والأمر سواء.
***
٨٥ - قال: ((حدثنا شهاب بن عباد، حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله)) .
في رواية مسلم عن المغيرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) (١) .
وفيه عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) (٢) .
وفيه أيضاً من حديث جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة)) (٣) .
قوله: ((لا يزال من أمتي قوم ظاهرين)) أي: يستمرون في الظهور على
стр. 703
الناس، يعني: أنهم يكونون على الحق منصورين ظاهرين على عدوهم.
قوله: ((حتى يأتيهم أمر الله)) أي: حكمه وقضاؤه، إما بقيام الساعة كما في حديث جابر: ((إلى يوم القيامة)) ، أو بالريح التي يموتون منها، كما جاء في الحديث.
قال الحافظ: ((أي: غالبون من خالفهم، أو المراد بالظهور: أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى؛ لما في مسلم: ((لن يبرح هذا الدين قائماً تقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة)) ، وفيه أيضاً من حديث عقبة بن عامر: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة)) (١) ، والمراد بالساعة: الريح التي تقبض روح كل مؤمن، وذلك قبيل الساعة، فلا يبقى إلا شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة، وهذا معنى الذي في مسلم: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) .
وهذه الطائفة هم أتباع سنة رسول الله ﷺ .
قال البخاري ﵀: ((هؤلاء هم أهل العلم)) (٢) أي: العلم الشرعي، الذين علموا ما جاء به الرسول ﷺ وعملوا به.
وقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: ((سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث)) (٣) .
وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله، محمد بن علي بن عبد الحميد الأدمي بمكة يقول:
стр. 704
سمعت موسى بن هارون، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن معنى هذا الحديث، فقال: ((إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم)) وهذا إسناد صحيح، قال الحاكم: ((فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر، أن الطائفة المنصورة، التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة، هم أصحاب الحديث)) (١) .
والمقصود من هذا الحديث قوله: ((حتى يأتيهم أمر الله)) وهو أمره الكوني القدري الذي قضاه، وكتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فأوحاه الله إلى رسوله ليعلم أمته به فيؤمنوا به، ويصدقوه، فإذا وصل وقته قال الله - تعالى -: كن، فيكون كما أراد.
ومراد البخاري أن أمر الله من صفاته، فهو غير المخلوق، وغير المأمور، وهو مرادف للقول.
******
٨٦ - قال: ((حدثنا الحميدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، حدثني عمير بن هانئ، أنه سمع معاوية، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من كذبهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) .
فقال مالك بن يخامر: سمعت معاذاً يقول: وهم بالشام، فقال معاوية: ((هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول: وهم بالشام)) .
((الأمة)) تطلق على الجماعة من الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا
стр. 705
فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً (١) ﴾ .
فالأمة: كل جماعة يجمعهم أمر من الأمور؛ إما دين، أو زمان، أو مكان.
ويراد بها الملة والدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٢) .
ويراد بها الطائفة من الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعدَ أُمَّةٍ﴾ (٣) ، أي: بعد حين.
ويراد بها: الإمام القدوة المتبع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ (٤) . والمقصود أن جماعة من هذه الأمة تبقى ظاهرة على دين الله، منصورة إلى قيام الساعة، وهذا من فضل الله - تعالى - أن جعل الحق باقياً، لا يذهب ولا يضمحل وإن كثر محاربوه وأعداؤه، كما هو الواقع، والحمد لله على ذلك.
قوله: ((لا يضرهم من كذبهم، ولا من خذلهم)) هذا من نصر الله - تعالى -، وتأييده لهذا الدين، ومن آياته: بقاء هذه الأمة ظاهرة، منصورة على عدوها، مع كثرة الأعداء، ومحارتهم لها بأنواع الأسلحة المادية والمعنوية، ومع خذلان من هم على دينها من المسلمين.
فقوله: ((من كذبهم)) يقصد بهم: الكفار من جميع الأجناس، من ملاحدة، ويهود، ونصارى، ومشركين، ومرتدين، وغيرهم.
وقوله: ((ولا من خذلهم)) يقصد بهم: من قعد عن نصرتهم ممن هو على
стр. 706
دينهم ممن آثر الحياة الدنيا، وركن إلى الدعة والراحة.
قال النووي: ((المراد بقوله: ((حتى يأتي أمر الله)) : الريح التي تأخذ كل مؤمن ومؤمنة، ورواية ((حتى تقوم الساعة)) أو ((إلى يوم القيامة)) ، يعني: قربها، وهو خروج تلك الريح.
وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم.
وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم.
وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السُّنَّة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف ما زال - بحمد الله تعالى - من زمن النبي ﷺ إلا الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور، وفيه دليل لكون الإجماع حجة)) (١) .
وروى مسلم في ((الصحيح)) من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق، حتى تقوم الساعة)) (٢) .
قال النووي: ((قال علي بن المديني: هم العرب، والمراد بالغرب: الدلو
стр. 707
الكبيرة، وهي خاصة بهم.
وقال آخرون: المراد الغرب من الأرض. وقال القاضي عياض: المراد بأهل الغرب: أهل الشدة والجلد)) (١) .
قال الحافظ: ((ذكر يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني، قال: المراد بالغرب: الدلو، أي: العرب؛ لأنهم أصحابها، لا يستقي بها أحد غيرهم.
لكن في حديث معاذ: ((وهم أهل الشام)) ، فالظاهر أن المراد بالغرب: البلد؛ لأن الشام غرب الحجاز، كذا قال، وليس بواضح (٢) .
ووقع في بعض طرق الحديث ((المغرب)) وهو يرد التأويل، ولكن يحتمل أن يكون بعض الرواة نقله بالمعنى الذي فهمه.
وقيل: هم أهل القوة، والاجتهاد.
ووقع في حديث أبي أمامة، عند أحمد أنهم بيت المقدس (٣) ، وعند الطبراني ونحوه، وله أيضاً في الأوسط، عن أبي هريرة: ((يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس، وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة)) .
قلت: ويمكن الجمع بأن المراد: قوم يكونون ببيت المقدس، وهي: من الشام، ويسقون بالغرب، وتكون لهم قوة في جهاد العدو)) .
ثم ذكر كلام النووي المتقدم، ثم قال: ((ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل
стр. 708
يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم، أولا، فأولاً، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله)) (١) .
وقوله: ((فإذا انقرضوا جاء أمر الله)) هذا خلاف ظاهر الحديث، فإن أمر الله يأتي عليهم.
والمقصود من الحديث قوله: ((حتى يأتي أمر الله)) أي: الأمر الذي يكون بقوله: ((كن)) فأمره هنا مأموره، الصادر عن قوله، فقوله الذي هو ((كن)) يصدر عنه ذلك الأمر الآتي، والفرق بينهما واضح، فإن قوله صفة له لا يدخل في المخلوقات، وأما مأموره كالريح التي تقبض كل مؤمن ومؤمنة، والساعة التي هي النفخ في الصور، فإن ذلك مأموره، والله أعلم.
*****
٨٧ - قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: وقف النبي ﷺ على مسيلمة في أصحابه، فقال: ((لو
стр. 709
سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله)) .
ذكر هذا الحديث في علامات النبوة، وفي المغازي، بأبسط مما ها هنا، ولفظه: ((عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: ((لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أُريت، وهذا ثابت يجيبك عني)) ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ : ((وإني لأراك الذي أُريت فيه ما أُريت)) فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحى إليَّ في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة)) (١) .
وهذا كان في آخر حياة رسول الله ﷺ ، كان في سنة عشر من الهجرة، وكان مسيلمة مع وفد قومه بني حنيفة.
قال الواقدي: كانوا بضعة عشر رجلاً، وكان معهم الرحال بن عنفوة، ومسيلمة بن حبيب الكذاب، وكان في رحالهم، فلما أسلموا وأعطاهم جائزتهم، ذكروا له أن مسيلمة في رحالهم، فقال: ((أما إنه ليس بشَرَّكُمْ مكاناً)) يعني: لكونه بقي يرصد رحالهم، ويخدمهم في ذلك.
فأخبروه بما قاله رسول الله ﷺ فتعلق بهذه الكلمة، وقال: إنما قال ذلك؛ لأنه عرف أن الأمر لي من بعده. واشتدت فتنته لما شهد له الرحال، بأنه شريك في النبوة، وقد كان تعلم شيئاً من القرآن، فكان يلقي على مسيلمة مما يحفظه من القرآن، فيدعي مسيلمة أنه أوحي إليه، فعظمت بذلك فتنته)) (٢) .
هذا خلاصة ما ذكره المؤرخون، عن ابن إسحاق وغيره.
قال الحافظ: ((وسياق ما ذكره البخاري يخالف ما ذكره ابن إسحاق:
стр. 710
أنه قدم مع وفد قومه، وأنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه له إلى آخر ما ذكره، وهذا - مع شذوذه - ضعيف السند؛ لانقطاعه.
وأمر مسيلمة كان عند قومه أكبر من ذلك، فقد كان يقال له: رحمان اليمامة؛ لعظم قدره عندهم.
وكيف يلتئم هذا الخبر الضعيف مع قوله - في هذا الحديث الصحيح - إن النبي ﷺ اجتمع به، وخاطبه، وصرح له بحضرة قومه أنه لو سأله قطعة الجريد التي كانت بيده ما أعطاه إياها؟
ويحتمل أن مسيلمة قدم مرتين، الأولى كان تابعاً، والرئيس غيره، ولهذا أقام في رحالهم يحفظها، ومرة متبوعاً، وفيها خاطبه النبي ﷺ ، أو القصة واحدة، وكان تخلفه في رحلهم أنفةً منه واستكباراً)) (١) ، والظاهر أنها مرة واحدة، والمعتمد ما ثبت في ((الصحيحين)) ، كما ذكر في هذا الحديث.
ولما علم النبي ﷺ أن قصده الرئاسة والعلو، وأنه ليس أهلاً لما يطمع فيه، وأن ذلك يخالف ما جاء به ﷺ ، فلم يأت لتأسيس حكم يورث من بعده، وإنما جاء بالنبوة، كما أخبر أن خلافة النبوة بعده تكون ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً)) (٢) .
ولهذا قال له: لو سألتني هذه القطعة من الجريد التي لا تساوي شيئاً لم أعطكها؛ لأنها خير منك، ولأنك ليس لك من الأمر شيء ولا تستحق، وما أنت بأهل لذلك.
قوله: (ولن تعدو أمر الله فيك)) يعني: حكمه وقضاءه، من شقاوتك التي حكم بها عليك قبل وجودك، وأمر الله هنا هو أمره الكوني القدري
стр. 711
وهذه الجملة هي المقصود من الحديث كما مر التنبيه على ذلك.
قوله: ((لئن أدبرت ليعقرنك الله)) أي: أعرضت عن الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ فإنك لا تعجز الله، فسوف يأخذك أخذ عزيز مقتدر، وقد فعل، فقتل شر قتلة، فقطع دابر القوم الذين لا يؤمنون، والحمد لله رب العالمين.
****
٨٨ - قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في بعض حرث المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمررنا على نفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه؛ أن يجيء فيه بشيء تكرهونه.
فقال بعضهم: لنسألنه، فقام إليه رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت عنه النبي ﷺ فعلمت أنه يوحى إليه.
فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قال الأعمش: ((هكذا في قراءتنا)) .
تقدم أن هذه الواقعة كانت في المدينة، وفي هذه الرواية نص على ذلك، وفي هذا دليل على أن اليهود يعلمون أنه نبي؛ لعلمهم أن الروح لا يعلم حقيقتها إلا الله، ولأنهم قالوا: لا تسألوه أن يجيء فيه بشيء تكرهونه، وهذا لا يأتي إلا بالوحي، والذي منعهم من متابعته: الحسد والبغي والكبر والعناد، وقد تقدم شرح هذا الحديث.
والمقصود هنا قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: مأموره الذي قال له: كن، فيكون، فهو تعالى أوجد الأرواح بقوله، فقوله غير الذي أوجده به، كما تقدم إيضاح ذلك.
*****
стр. 712
قال: ((باب قول الله - تعالى -: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) .
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٢) .
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) . سخر: ذَلَّلَ)) .
هذه ثلاث آيات، أما الأولى والثانية فمعناهما واحد.
قال الحافظ: ((جاء في سبب نزولها ماأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن ابن عباس، في قصة سؤال اليهود عن الروح، ونزول قوله تعالى -: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . قالوا: كيف وقد أوتينا التوراة؟
فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره من طريق أبي الجوزاء، قال لو كان كل شجرة في الأرض أقلاماً، والبحر مداد، لنفد الماء، وتكسرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله.
стр. 713
وعن معمر، عن قتادة، أن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، فنزلت)) (١) .
وقال ابن جرير: ((يقول - عز ذكره - لنبيه محمد- ﷺ : ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ للقلم الذي يكتب به كلمات ربي، لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً. يقول: ولو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء مدداً، من قولك: جئتك مدداً لك)) (٢) .
وقال في تفسير آية لقمان: ((يقول تعالى ذكره: لو أن شجر الأرض كلها، بريت أقلاماً: والبحر يمده)) يقول: والبحر له مداد، والهاء في قوله ((يمده)) عائدة على البحر، وقوله: ((من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله)) في هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه عنه، وهو يكتب كلامه بتلك الأقلام، وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفد ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله)) (٣) .
وقال ابن كثير: ((يقول تعالى - مخبراً عن عظمته، وكبريائه، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد -: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً، وجعل البحر مداداً، ومده سبعة أبحر معه، فكتب بها كلمات الله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدداً، وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر، ولا أن هناك سبعة أبحر تحيط بالأرض.
فليس المراد بقوله: ((بمثله)) آخر فقط، بل بمثله، ثم بمثله، ثم بمثله، ثم
стр. 714
هلم جرّاً؛ لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته)) (١) .
ففي هاتين الآيتين أكبر دليل على أن كلام الله غير مخلوق، وأنه من صفاته، إذ المخلوق لا بد أن يكون له نهاية ونفاد، فإنه مسبوق بالعدم فلا بد أن يلحقه العدم.
أما كلام الله - تعالى - فلا نهاية له، ولا نفاد، وقد قرب تعالى إلى أفهام المخاطبين بما ضرب من المثل بما ذكر من كون البحار كلها ويزاد معها مثلها مرات كثيرة، وكون جميع ما وجد على وجه الأرض من عود أقلاماً يكتب بها كلامه تعالى لنفد البحر، وأمسحت الأقلام، وكلمات الله كما هي لم تنقص.
وليس معنى قوله: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ أن كلمات الله لها نهاية، وأنها يمكن أن تنفد، بل المعنى أنها لا نهاية لها أبداً؛ لأنها من صفاته تعالى.
وليس هذا وصف المخلوق، وهذا وجه استدلال البخاري بهاتين الآيتين. ومراده الرد على القائلين بخلق كلم الله - تعالى -.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. ففيها يعلم تعالى عن عباده بأنه ربهم ومالكهم، المتصرف فيهم كيف يشاء، وهو الذي يصلح لهم حياتهم ويربيهم بنعمه الظاهرة والباطنة. وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وقد جاء بيانها في السنة أن أولها الأحد وآخرها يوم الجمعة، وأنه بعد خلقه السماوات والأرض استوى على عرشه، وهو السرير العظيم، وهو سقف المخلوقات، وقد تقدم الكلام فيه.
стр. 715
ويعلمهم - تعال - أنه يدخل الليل في النهار والنهار في الليل، أي يجعل أول هذا متصلاً بآخر هذا.
وأما قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْل ِ﴾ (١) فكل واحد يطلب الثاني، أي: يتبعه ((حثيثاً)) أي: سريعاً.
ويعلمهم أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، أي: منقادة طائعة لأمره، فجميع الكون بما فيه يسير حسب مشيئته، فالخلق والأمر له وحده.
وفسر البخاري كلمة ((مسخر)) بأنه مذلل، أي: هي خاضعة له منقادة لأمره، وهو تعالى لا يمتنع عليه شيء فكل شيء من حس وجامد في الأرض والسماوات وما بينهما مسخر لأمره الكوني القدري.
﴿تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ﴾ أي: تعاظم وتقدس عن قول الظالمين الذين لم يقدروه حق قدره، و ((العالمين)) جميع الخلق، فكل ما سواه تعالى عالم، وهو ربهم الذي يتصرف فيهم كيف يشاء.
والمقصود من الآية قوله: ((ألا له الخلق والأمر)) فهو دليل على أن الخلق غير الأمر، لعطف الأمر على الخلق؛ لأن العطف كما هو معلوم يقتضي المغايرة، وبهذه الآية استدل الأئمة على أن الكلام غير الخلق، وبها وأمثالها ردوا على المعتزلة الذين قالوا بخلق الكلام.
قال البخاري: ((والقرآن كلام الله غير مخلوق؛ لقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأّرضَ فيِ سِتَّةِ أَيّامِ ثُمَّ استَوَىَ عَلَى العَرشِ يُغشِى الَّليلَ النَّهَارَ يَطلُبُهُ حَثِيثَا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مَسَخَّراتِ بأَمرِهِ﴾ فبين أن الخلائق، والطلب الحثيث، والمسخرات، بأمره، ثم شرح فقال: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلقُ وَالأمرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ .
стр. 716
قال ابن عيينة: قد بين الله الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلقُ﴾ . فالخلق بأمره، كقوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ (١) ﴾ ، وكقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) ، وكقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٣) ولم يقل: بخلقه.
حدثنا أصبغ، أخبرني عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قلت لعبد الله بن عباس: ما القدر؟ قال: يا مجاهد، أين قوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلقُ وَالأمرُ﴾ (٤) .
****
٨٩- قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلمته، أن يدخله الجنة، أو يرده إلى مسكنه، بما نال من أجر أو غنيمة)) .
تقدم هذا الحديث في باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَد سَبَقَت كَلمِتُنَا لِعِبَادِنَا المُرسَليِنَ﴾ وتقدم شرحه هناك.
والمقصود منه هنا: قوله: ((وتصديق كلمته)) ، إذ هي غير الجهاد في سبيله، وغير التصديق، سواء قيل: هي كلمته الدينية الشرعية، أو الكونية القدرية، فكلمته من صفاته كما تقدم، وهي غير خلقه، هذا ما أراده البخاري ﵀ من الحديث، والله أعلم.
стр. 717
قال البخاري: قال سفيان في ((تفسيره)) : ((إن كل شيء مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق، وكلامه أعظم من خلقه؛ لأنه إنما يقول للشيء: كن فيكون، فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق، والقرآن كلام الله)) (١) .
******
قال: ((باب في المشيئة والإرادة)) .
أي: مشيئة الله وإرادته، وهذا مما يتعلق بربوبيته - تعالى -، وهو رب كل شيء وخالقه ومالكه، يدخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها، مثل أفعال العباد، فإنه - تعالى - خالق العبد وفعله، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان ذلك.
وهو سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته، ولا يمتنع عليه شيء يريده، بل هو القادر على كل شيء.
كما أنه سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد ذكر الله - تعالى - مشيئته عامة في القرآن، في ما يقرب من أربع مِائةِ موضع.
كقوله تعالى - ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٣) ، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤)
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) .
وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء
стр. 718
وَتُذِلُّ مَن تَشَاء﴾ (١) ، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣) ، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (٥) ففي هذه الآيات ونحوها الرد على طائفتي الضلال، نفاة المشيئة بالكلية، ونفاة مشيئة الله لأفعال العباد وحركاتهم، وهداهم، وضلالهم، وهذا هو مراد البخاري من هذا الباب، وسيذكر تفصيلاً لهذا الباب في الأبواب الآتية.
والله – – علق وجود كل شيء وعدمه بمشيئته، فمرة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وأخرى يخبر أن ما لم يشأ لم يكن، ومرة يخبر أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، وأنه لو شاء ما عصي، ولو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة.
فكل ما وجد من عين أو حركة، أو موت أو حياة، أو مصيبة، أو عز أو ذل، أو غير ذلك، فهو بمشيئته، وكل ما لم يوجد، ولم يقع، فهو لعدم مشيئته لوجوده، وهذا معنى كونه على كل شيء قدير، وهو حقيقة ربوبيته لكل شيء، ومعنى كونه القيوم بتدبير عباده، فلا خلق، ولا رزق، ولا عطاء، ولا منع، ولا قبض، ولا بسط، ولا ضلال، ولا هدى، ولا سعادة، ولا شقاء، إلا بمشيئته وتكوينه، إذ لا مالك غيره ولا رب سواه (٦) .
стр. 719
فمشيئته تعالى تتعلق بخلقه، وأمره الكوني والشرعي بما يحب وما يكره، كل شيء داخل تحت مشيئته، فقد شاء وجود إبليس والشياطين، والكفار والفساق، وهو يكره ذلك ويبغضه.
وكذلك ما يحبه ويرضاه كوجود الرسل والصِّدِّيقين، والشهداء والصالحين والطاعات، وأمثال ذلك من امتثال أمره الديني الشرعي، فهو أيضاً بمشيئته.
وأما الإرادة فقد بين الله – تعالى – أنها نوعان:
أحدهما: الإرادة الكونية القدرية، وهي مرادفة للمشيئة، وهذه الإرادة تستلزم وقوع المراد ولا بد، ولا يلزم أن يكون مرادها محبوباً لله مرضياً له.
بل قد يكون مكروهاً مسخوطاً له، ككفر الكافرين، ومعاصي العاصين، ووجود المفسدين.
وقد يكون مرادها محبوباً مرضياً لله تعالى، كوجود إيمان المؤمنين، وطاعات الطائعين، ووجود رسل الله وعباده المخلصين، والصديقين والشهداء والصالحين.
وهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (١) .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ... ﴿ْ وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ
стр. 720
مِنَ اللهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) ، ونحو ذلك من الآيات الدالة على عموم إرادته لما يشاء، وأنه لا راد لمراده تعالى، ولهذا صارت هذه الإرادة مرادفة للمشيئة، فالإرادة الكونية القدرية هي المشيئة، ولهذا لا بد أن يقع مرادها.
والنوع الثاني: الإرادة الدينية الأمرية الشرعية، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿ُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَه﴾ ُ (٣) .
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٢٦﴾ وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ﴿٢٧﴾ يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (٤) ، وأمثال ذلك من الآيات، فهذه الإرادة يحب الله مرادها، ويأمر به ويرضاه، ولا يلزم أن يقع المراد بها إلا أن يتعلق به الإرادة الكونية.
وقد أشار البخاري – ﵀ – إلى نوعي الإرادة بالمثال، فأشار إلى الإرادة الكونية بقوله تعالى: ﴿تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاىءٍ إِنيِ فَاعِلٌ ذَلكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلاَ أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ ؛ لأن الإرادة الكونية هي المشيئة العامة التي لا يخرج عنها شيء.
وأشار إلى النوع الثاني من الإرادة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ
стр. 721
بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فهذه الإرادة الدينية الأمرية، التي تتضمن الأمر والمحبة والرضا، فهذا ما دلت عليه نصوص كتاب الله وسنة رسوله – ﷺ – ومذهب أهل السُّنَّة، وبه تتفق الدلائل، وتنحل الإشكالات، وتفصيل ذلك أن يقال: الأشياء كلها لا تخرج عن أربعة أقسام:
((أحدها: ما تعلقت به الإرادتان، الكونية، والدينية، وهو ما يقع في الوجود من الأعمال الصالحة الموافقة لأمر الله وشرعه، فإن الله أرادها ديناً وشرعاً، فأمر بها، أرادها كوناً، وقدراً، فوجدت، ولولا إرادته إياها كوناً لم توجد؛ لأنه لا يوجد ما لا يريد وجوده، ولا يمتنع عليه ما يريد وجوده كما تقدم.
والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى أمره فيها الكفار، والفساق، فلم يفعلوها، فتلك الأعمال تعلقت بها الإرادة الدينية فقط؛ لأنه أمر ربها، وطلب فعلها، ولم يردها كوناً وقدراً، ولهذا تخلف وجودها، وإن كان يحب وجودها، ويرضاه، ولكن لا يلزم وجود ما يحب ويرضى.
ولا يقال: هذا يخالف كونه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ لأنه تعالى يريد قدراً وكوناً ما لا يحب ويرضى، كوجود إبليس، وجنوده المفسدين في الأرض بالمعاصي والكفر والفسوق، وذلك لحِكَمٍ عظيمة يعلمها تعالى، ويُطلع على ما يشاء منها من يشاء من عباده.
الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها، كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو – تعالى – لا يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا إرادته الكونية،
وقدرته، وخلقه لذلك، لما كان شيء منها، فإنه – تعالى – ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
стр. 722
الرابع: ما لم تتعلق به الإرادتان، فهذا ما لم يكن، ولن يكون، من الأفعال والأعيان)) (١) .
وبهذا البيان والتفصيل تزول الإشكالات التي يوردها أصحاب الشكوك والأهواء، الذين لم يستنيروا بنور كتاب الله – تعالى-.
قوله: ﴿تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ﴾ يخبر تعالى أن الملك بيده، فيعطى ملك الدنيا من يشاء من عباده، وينزعه ممن يشاء، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) فبين أن جميع التصرف في الكون ومن فيه بيده، وأنه على كل شيء قدير.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ (٣) في هذه الآية الكريمة الرد على طائفتي الضلال، القدرية، والجبرية، حيث أثبت – تعالى – للعباد مشيئة تتعلق بأفعالهم، وأخبر أن مشيئتهم وفعلهم موقوفان على مشيئته لهم، فلا تحصل لهم المشيئة ولا الفعل حتى يشاء تعالى ذلك، وسيأتي تفصيل ذلك، وبيان بطلان قول القدرية الذين يقولون: إن العباد يخلقون أفعالهم ويوجدونها استقلالاً دون مشيئة الله، وقول الجبرية الذين يجعلون العبد بمنزلة الآلة التي لا تصرف لها ولا خيار.
قوله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٤) .
هذه الآية نزلت في عم النبي – ﷺ – أبي طالب، ففي ((الصحيحين))
стр. 723
عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت الوفاة أبا طالب، جاءه رسول الله – ﷺ – فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: ((أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله – ﷺ – يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب – آخر ما كلمهم -: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ﴾ (١) الآية، وأنزل الله في أبي طالب، وقال لرسول الله – ﷺ ﴿إِنَّكَ لاَ تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٢)(٣) .
قال ابن كثير: ((يقول تعالى لرسوله – ﷺ : إنك يا محمد ((لا تهدي من أحببت)) أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿ليْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (٤) .
وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) .
وهذه الآية أخص من ذلك كله، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ﴾ ، أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، وقد ثبت في ((الصحيحين)) أنها نزلت في أبي طالب)) (٦) .
*****
стр. 724
٩٠ – قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له)) .
الدعاء عبادة للمدعو بالرغبة والرهبة، والذل والاستكانة والافتقار، ولهذا صار صرفه لغير الله شركاً أكبر، لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
والله جل وعلا هو رب الخلق وإلههم، خلقهم وتعبدهم، وجعل مصيرهم إليه، وهو يملك كل شيء، حتى أفعالهم الاختيارية لا يمكن أن تقع إلا بمشيئته.
ويملك هداية قلوبهم وإزاغتها، وهو الذي يحبب الإيمان إلى من يشاء، ويكرهه إلى من يشاء، ويكره الكفر والفسوق والعصيان إلى من يشاء، ويحببه إلى من يشاء، وبهذا يعلم شدة حاجة الإنسان إلى دعاء الله – تعالى – بصدق وإلحاح، وعزم قوي، ورغبة شديدة؛ لأنه فقير فقراً ذاتياً لا ينفك عنه لحظة واحدة إلى ربه، ولا خلاص له من العذاب السرمدي إلا إذا منّ الله عليه وتفضل بهدايته، لذلك وجب أن لا يعلق الدعاء على مشيئته – تعالى -، فهذه علة النهي، والعلة الثانية ما ذكره – ﷺ – بقوله: ((فإنه لا مستكره له)) فإن تعليق الدعاء بالمشيئة يشعر بأن الله – تعالى – يعطي ما لا يريد، كما يحصل لابن آدم، وهذا لا يجوز اعتقاده في الله.
والمقصود أنه يحرم تعليق الدعاء بالمشيئة لعلتين:
إحداهما: إشعار ذلك باستغناء الداعي عما يدعو، وهو خلاف الواقع، وخلاف العبودية الواجبة على العبد.
والثانية: إشعار ذلك بأن الله قد يعطي ما يكره عطاءه، فيجب على العبد أن يدعو ربه بعزم لا تردد فيه، وبرغبة وإلحاح وإظهار الافتقار والفاقة.
стр. 725
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة: ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما يشاء، لا مُكْرِه له)) .
وفي رواية: ((ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)) .
قال النووي: ((قال العلماء: عزم المسألة: الشدة في طلبها، والجزم من غير ضعف في الطلب، ولا تعليق على مشيئته ونحوها)) .
وقيل: هو حسن الظن بالله – تعالى – في الإجابة.
قال العلماء: سبب كراهته: أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الإكراه، والله – تعالى – منزه عن ذلك، وقيل: لأن في هذا صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه)) (١) .
وكلا المعنيين مشعر به الحديث، والظاهر منه تحريم ذلك، فالحديث ظاهر فيه، ولا صارف له عنه، والله أعلم.
*****
٩١ – قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، ح.
وحدثنا إسماعيل، حدثني أخي عبد الحميد، عن سليمان، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين أن حسين بن علي – ﵉ – أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله – ﷺ – طرقه وفاطمة بنت رسول الله – ﷺ – ليلة، فقال لهم: ((ألا تصلون؟)) قال علي:
стр. 726
فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله – ﷺ – حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنَسَانُ أَكثَر شَيءٍ جَدَلاَ﴾ .
علي بن أبي طالب بن هاشم بن عبد مناف: ابن عم رسول الله – ﷺ ، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من السابقين إلى الإسلام، وعمره لم يجاوز العشر، وكان في بيت رسول الله – ﷺ ، شهد مع رسول الله – ﷺ – سائر مشاهده مع الكفار ما عدا تبوك، خلفه ليقوم بمصالح أهله، ولما قال المنافقون: إنه استثقله لحق به، فقال له: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلاّ أنه لا نبي بعدي)) .
هلك فيه طوائف من الرافضة؛ غلوّاً فيه، بين قائل بألوهيته، وقائل بأنه وصي معصوم.
قتل سنة أربعين في رمضان، ﵁ وعن سائر صحابة النبي – ﷺ (١) .
((طرقه)) : أتاه ليلاً، وكل آت ليلاً فهو طارق، وقد يطلق على من يأتي نهاراً، كما في قوله – ﷺ : ((وأعوذ بك من طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير)) (٢) ، ولهذا قال: ((طرقه وفاطمة بنت رسول الله)) وهي زوجه؛ لأنهما كانا نائمين.
((فقال لهم: ألا تصلون؟)) الخطاب لعلي وفاطمة، وقد جمع الضمير العائد إليهما في قوله لهم: ((ألا تصلون؟)) ، وهو سائغ في اللغة.
стр. 727
((ألا تصلون)) عرض عليهما، يدل على أن الأمر غير واجب، وإنما هو التماس يدل على الاستحباب.
((فقلت: يا رسول الله إنما نفوسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا)) إلى آخره.
هذا هو محل الشاهد من الحديث، وأراد بيان أنه لا يجوز معارضة الأمر الشرعي بالقدر، كما صنع سلف القدرية المشركون في قوله: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ (١) .
ففي هذا الحديث بيان أنه لا ينبغي معارضة الأمر بالقدر، فإن قوله: ((إنما نفوسنا بيد الله)) إلى آخره، استناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر، وهذا القول في نفسه حق، ولكن لا يصلح لمعارضة الأمر، بل معارضة الأمر بهذا من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: ﴿وَكَانَ الإِنَسَانُ أَكثَر شَيءٍ جَدَلاَ﴾ . (٢)
ولهذا انصرف عنه النبي – ﷺ – كارهاً لمقالته، وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنَسَانُ أَكثَر شَيءٍ جَدَلاَ﴾ وضربه فخذه يدل على كراهته لذلك أيضاً، وتعجبه من علي كيف يعارض قوله له: ((ألا تصلون؟)) بتلك المقالة.
ومعلوم أن كل شيء بمشيئتة الله، فلو أن كل من أمر بأمر قال: إذا شاء الله فعلته، وإذا شاء لم أفعله، لتعطلت الأوامر كلها، وساد هوى النفوس، قال الحافظ: ((فيه أن الإنسان طبع على الدفاع عن نفسه بالقول والفعل، وأنه ينبغي له أن يجاهد نفسه لقبوله النصيحة ولو كان في غير واجب)) (٣)
****
стр. 728
٩٢ – قال: ((حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله – ﷺ – قال: ((مثل المؤمن كمثل خامة الزرع يفيء ورقه من حيث أتتها الريح تكفئها، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء، ومثل الكافر، كمثل الأرزة، صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء)) .
قال في ((المصباح)) : ((الخامة الغضة من النبات، والجمع خام، وخامات، والخام من الثياب: الذي لم يقصر، وثوب خام، أي: غير مقصور)) (١) .
وقال الحافظ: ((هي الطاقة الطرية اللينة، أو الغضة، أو القضبة، قال الخليل: ((خامة الزرع: أول ما ينبت على ساق واحد)) (٢) .
قلت: قول الخليل هو الصواب، فالزرع في أول أمره يكون على ساق واحد، ويكون ليناً طيعاً للريح ينثني معها حيث أتت، ولا تؤثر على صحته واعتداله، فإذا سكنت رجع على ساقه قائماً كأن لم يصبه شيء، بل ربما ازداد قوى ونضارة، وهذا هو المقصود من المثل، فإن المؤمن تأتيه المصائب من نواح شتى، ففي كل مرة يقال: هذه تهلكه، ثم تنجلي ويعود إلى صحة إيمانه قوياً سليماً، كأن لم يصب بأذى.
قال البكري: الخامة الغضة من الزرع: أول ما تستقل على ساق، وألفه منقلبة عن ياء، قال أبو عبيد: هي الغضة الرطبة، وأنشد:
إنما نحن مثل خامة زرع ... فمتى يأن يأت محتصده (٣)
стр. 729
ومعنى ((يفيء)) : يميل مع الريح ثم يرجع إلى اعتداله.
ومعنى ((تكفئها)) : تميل بشدة.
قوله: ((ومثل الكافر، كمثل الأرزة صماء معتدلة)) إلى آخره، في رواية: ((ومثل المنافق)) ، وفي أخرى: ((الفاجر)) والمثل يصدق على الكافر والمنافق، والفاجر هو الكافر، وكلهم أريد بالمثل.
والأرزة هي شجرة الصنوبر، وهو شجر قوي معتدل، ولا بد له من نهاية، فإذا شاء الله قصمه، وأهلكه، فإذا انثنى انكسر فلا يعود إلى اعتداله كخامة الزرع.
وكذلك الكافر والمنافق غالب حاله أنه معافى من المصائب، كالمرض وغيره من مصائب المال والولد؛ لأنه يعطى نصيبه من السعادة في الدنيا، ثم يوافى الآخرة مفلساً صفر اليدين، فتكون حسرته أشد، وهلاكه أنكى وأعظم، وقد يصاب أيضاً في الدنيا.
أما المؤمن: فمن رحمة الله – تعالى – به أن قدر عليه المصائب في الدنيا، حتى يكتسب بذلك الثواب، أو يكفر عنه به من ذنوبه، ليسلم له جزاء عمله في الآخرة.
قال البكري: ((الأرزة: شجرة معروفة، وهي من أصلب الخشب، قال أبو عبيد: وأهل العراق يسمونها الصنوبر، وإنما الصنوبر: ثمر الأرز.
ومعنى الحديث – والله أعلم -: أنه شبه المؤمن بالخامة التي تميلها الريح؛ لأنه مرزَّء في نفسه، وأهله، وماله، وولده، وأما الكافر، فمثل الأرزة التي لا تميلها الريح، والكافر لا يرزَّء شيئاً حتى يموت، وإن رزئ لم يؤجر عليه، فشبه موته بانجعاف تلك [الشجرة] حتى يلقى الله بذنوبه كملاً، والانجعاف: السقوط والانقلاب.
стр. 730
والشاهد قوله: ((حتى يقصمها الله إذا شاء)) فكل شيء ينتهي إلى مشيئة الله – تعالى – فلا يحدث حدث صغير أو كبير إلا إذا شاء الله، كما أن مشيئة الله عامة لكل شيء، وهو معنى أنه على كل شيء قدير.
*****
٩٣ – قال: ((حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر – ﵄ – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – وهو قائم على المنبر، يقول: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أعطي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا حتى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أعطيتهم القرآن فعملتم به حتى غروب الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة: ربنا، هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا؟ قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء)) .
قوله: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس)) أي: أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الأمم، كنسبة ما بعد العصر إلى غروب الشمس، إلى بقية النهار، و ((في)) في قوله: ((فيما قبلكم)) بمعنى إلى.
قوله: ((أعطي أهل التوراة، التوراة)) إلى آخره، شرح وبيان لما تقدم من تقدير مدة بقاء هذه الأمة بالنسبة لبقاء الأمم قبلها.
قوله: ((قيراطاً قيراطاً)) كرره ليدل على تقسيم القراريط على العمال؛ لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدد كررته، فيقولون: أقسم هذا المال
стр. 731
على بني فلان درهماً درهماً، أي: لكل واحد درهم (١) .
قوله: ((ثم عجزوا)) لا يلزم ما نقله الحافظ عن الداودي من الإشكال في أنه إذا كان المراد من مات مسلماً فلا يوصف بالعجز، وإن أريد من مات بعد التبديل والتغيير، فهو كافر لا يعطى أجراً. وهذا غير لازم ولا مراد، ولا داعي لتكلف الجواب عليه؛ لأن المقصود ضرب المثل لهذه الأمة مع أهل الكتاب مجموع هؤلاء مع أولئك، ولا يقصد كل فرد بعينه، وهذا واضح.
قال ابن العربي: ((المثل بفتح الميم والثاء: عبارة عن تشابه المعاني المعقولة.
والمثل بكسر الميم وإسكان الثاء: عبارة عن تشابه الأشخاص المحسوسة ويدخل أحدهما على الآخر)) (٢) .
والقيراط: النصيب المقدر، وهو في الأصل: نصف دانق، والدانق: سدس درهم، وقد يقصد بالقيراط، الشيء الكثير، كما في الحديث: ((من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان)) وقيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)) (٣) .
قوله: ((ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غروب الشمس)) مثل انتهاء الدنيا باليوم الكامل، فجعل لليهود من أول النهار إلى صلاة الظهر، وللنصارى من صلاة الظهر إلى العصر، ولهذه الأمة من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهو نهاية الدنيا، فكان نصيب هذه الأمة من الزمن أقل، ونصيبهم من الأجر أكثر وأوفر، وعندما اعترض أصحاب العمل الأكثر على ذلك قال لهم: ((هل ظلمتكم من عملكم شيئاً؟ قالوا: لا، فذلك فضلي أوتيه من أشاء)) .
стр. 732
وهذا هو المقصود من الحديث، أن مشيئة الله نافذة، لا يحكمها عرف أو نظر أو غير ذلك، بل ما شاء فِعْلَهُ فَعَلَهُ، وما لم يشأ لا يقع.
وبهذا وأمثاله كثير يتبين ضلال المعتزلة، ومن سلك طريقهم، الذين يحكمون على الله بعقولهم القاصرة، بأنه يجب أن يفعل كذا، ويمتنع أن يفعل كذا، كقولهم: يجب أن يعذب العاصي، ويثيب المطيع، بحكم العقل قياساً منهم على المخلوق، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
****
٩٤ – قال: ((حدثنا عبد الله المسندي، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت، قال: بايعت رسول الله – ﷺ – في رهط، فقال: ((أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فأخذ به في الدنيا فهو كفارة وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)) .
عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم، الأنصاري، الخزرجي: أحد النقباء، من أعيان البدريين، وسادة الصحابة وكبارهم، شهد مع رسول الله – ﷺ – غزواته كلها، وكان من حفظة كتاب الله – تعالى -، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ﵁ وعن جميع صحابة رسول الله – ﷺ (١) .
المبايعة: عبارة عن المعاهدة على فعل شيء أو تركه، سميت بذلك تشبيهاً
стр. 733
بالمعاوضة المالية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشتَرَىَ مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأموَالَهُم بِأَنَ لَهُمُ الجََنَّةَ﴾ (١) .
بدأ بما هو أعظم المحرمات، وهو الشرك بالله بأن يجعل ما هو لله من العبادة لغيره، أو شيئاً منها، ولكونه أعظم المحرمات حرمت الجنة على المشرك، كما قال تعالى: ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٢) ومنع صاحبه المغفرة إلا إذا تاب منه، لهذا وجب على العبد أن يهتم بمعرفته حتى لا يقع فيه وهو لا يشعر، كما هو حال كثير من الناس.
وقوله: ((شيئاً)) نكرة في سياق النهي، فيعم جميع أنواع الشرك، كبيره وصغيره، فعلاً كان أو قولاً.
والسرقة: هي أخذ مال غيره المحرز، على وجه الخفية، والخيانة فيه، وهي من الجرائم الكبيرة، فقد نفي الإيمان عن السارق.
وأما الزنا: فهي أيضاً جريمة شنيعة موجبة لسخط الله – تعالى – ومقته، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ (٣) .
وقوله: ((ولا تقتلوا أولادكم)) خص قتل الأولاد؛ لأنه أشنع قتل، وأعظمه ذنباً، ولأن بعض العرب كان يستسيغه، خوفاً من العار، أو الفقر؛ ولأن الأولاد ليس لهم من يدافع عنهم إذا كان والدهم هو الذي يقتلهم.
والمقصود جميع أنواع القتل بغير حق، فإنه من أكبر الكبائر، وفاعله متوعد بالخلود في النار، ولعنه الله وغضبه، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
стр. 734
عَظِيمًا﴾ (١) .
وقوله: ((وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)) البهتان: الكذب الذي يبهت سامعه؛ لأنه خلاف الواقع.
قال الحافظ: ((وخص الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، ولذلك يسمون الصنائع: الأيادي.
وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال: هذا بما كسبت يداك، ويحتمل أن يكون المراد: لا تبهتوا الناس كفاحاً، وبعضكم يشاهد بعضاً)) (٢) والأول أولى.
قوله: ((ولا تعصوني في معروف)) المعروف: ما عرف حسنه. وما جاء به الرسول وأمر به فهو معروف، وحسن، والشرع لا يأتي مخالفاً للعقل والفطرة.
والرسول – ﷺ – لا يأمر إلا بالمعروف.
قال النووي: ((يحتمل أن يكون المعنى: ولا تعصوني، ولا أحداً ولِّيَ الأمر عليكم في المعروف، فيكون التقيد بالمعروف متعلقاً بشيء بعده.
وقال غيره: نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله)) (٣) ودخل في قوله: ((ولا تعصوني في معروف)) : فعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه ﷺ .
стр. 735
قوله: ((فمن وَفَّى منكم)) أي: ثبت على العهد الذي أخذ عليه، ووفى به، دون وقوع في مخالفة (وفى)) بالتخفيف، وفي رواية بالتشديد، وكلاهما بمعنى واحد.
وقوله: ((فأجره على الله)) أطلق الأجر، ولم يعينه، لتفخيمه، وجاء في رواية تعيينه بالجنة، وهي الغاية التي يتسابق إليها العاملون.
قوله: ((ومن أصاب من ذلك شيئاً فأخذ به في الدنيا، فهو كفارة له وطهور)) يعني: إذا وقع في معصية مما ذكر أنه لا يفعله، ثم أقيم عليه الحد في الدنيا، فإن إقامة الحد عليه تكون كفارة له، وطهوراً يطهره، وهذا كما قال النووي مخصوص بالشرك، فإنه لا كفارة له إلا بالتوبة منه.
قال النووي: ((فيه تحريم هذه المذكورات، وما في معناها، وفيه الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر، ولا يقطع لصاحبها بالنار، إذا مات ولم يتب منها، بل هو بمشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، خلافاً للخوارج والمعتزلة، فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي، والمعتزلة يقولون: لا يكفر، ولكن يخلد في النار، وفيه أن إقامة الحد تكفر)) (١) .
قوله: ((ومن ستره الله، فذلك إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)) .
هذا هو محل الشاهد من الحديث، وهو أن الله يفعل ما يشاء، لا يحكمه شيء، ولا يمنعه عما يريد شيء، وهو حكيم عليم، فمن أصاب معصية مما ذكر أو غيره فاستتر، ولم يؤخذ بها في الدنيا ثم مات بدون توبة، فإن أمره إلى الله إن شاء أن يعذبه عذبه، وإن شاء أن يعفو عنه عفا عنه.
وقد تقدم التنبيه أن هذا فيه رد لمذهب المعتزلة، مشبهة الأفعال، نفاة
стр. 736
الصفات، الذين يحكمون على الله بمثل ما يحكمون به على الناس، تعالى الله عن قولهم، وفيه الرد على إخوانهم في الضلالة، الخوارج، الذين يكفرون المؤمنين بالمعاصي.
*****
٩٥ – قال: ((حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، أن نبي الله سليمان – ﵇ – كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفن الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارسا يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدت منهن إلا امرأة، ولدت شق غلام. قال نبي الله – ﷺ : ((لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن، فولدت فارسا يقاتل في سبيل الله)) .
قال في الجهاد: ((باب من طلب الولد للجهاد)) ، ثم ذكر هذا الحديث، يعني: أن الذي ينوي عند جماع زوجته حصول الولد؛ لأجل أن يجاهد في سبيل الله يحصل له بذلك أجر نيته، وإن لم يولد له، أو ولد له ولم يجاهد.
قوله: ((كان له ستون امرأة)) جاء في رواية: سبعون، وفي أخرى: تسعون، وفي أخرى تسع وتسعون، وفي أخرى مائة، وكلها صحيحة.
قال الحافظ: ((يجمع بينها بأن له ستين حرائر، والزائد سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة، فما كان دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: تسعون، ألغى الكسر، ومن قال: مائة، جبره)) (١) .
قوله: ((لأطوفن الليلة على نسائي)) يقصد وطأهن، وقد استدل ((المصنف))
стр. 737
به على جواز مثل هذا الكلام أمام الناس.
وفيه: ما أُعطي سليمان ﵇ من القوة.
قوله: ((فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارساً يقاتل في سبيل الله)) قال هذا على سبيل التمني للخير، وإنما جزم به؛ لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد الخير وأمر الآخرة، لا عرض الدنيا.
قال بعض السلف: ((نبه – ﷺ – في هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التفويض، ولذلك نُسِّي الاستثناء ليمضي فيه القدر)) (١) .
قلت: جاء في رواية ذكرها البخاري في الجهاد والأنبياء، أن سليمان ﵇ لما قال ذلك قال له صاحبه: قل: إن شاء الله، وفي أخرى: قال له الملك، فلم يقل: إن شاء الله، وهذا يدل على أنه لم ينس، وأنه جزم بذلك لحسن قصده، وقيام السبب، فجوزي بعدم حصول المراد، وهذه الرواية أظهر في المقصود بهذا الباب. وجاء في رواية أخرى: ونسي أن يقول: إن شاء الله، فيحمل على أن معنى النسيان: تركه مع علمه، غير قاصد خروج ذلك عن مشيئة الله – تعالى -.
قوله: ((فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام)) الشق: النصف، أي: أنها جاءت بغلام ناقص، لا يستطيع أن يعمل شيئاً. وهذا يدل على أنه ليس لأحد مهما ملك من الأسباب أن يخرج عن مشيئة الله – تعالى -، سواء كان نبياً، أو ملكاً، أو غير ذلك، فمشيئة الله هي النافذة في كل شيء، ومشيئة الخلق مقيدة لها، لا يعملون شيئاً، ولا يتم لهم، إلا بعد أن يشاءه الله – تعالى -.
قوله: ((لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن، فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله)) .
стр. 738
في رواية: لو قال: ((إن شاء الله)) فهذا هو الاستثناء المراد هنا.
وفي هذا قدرة الله – تعالى – على تغيير الواقع إلى ضده، وما علم تعالى أنه لا يكون، وما يمتنع صدوره عنه، فلعدم إرادته، لا لعدم قدرته عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (١) ، وقال : ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٢) ونحو ذلك مما يبين فيه أنه – تعالى – لو شاء أن يفعل أموراً لم تكن، بل كان خلافها، لفعل، فدل ذلك على أنه قادر على ما علم أنه لا يكون.
وإذا قيل: هذا ممتنع، قيل: امتناعه لعدم مشيئة الرب تعالى له، لا لكونه ممتنعاً في نفسه، ولا لكون الله تعالى غير قادر عليه. ووجه الاستدلال بالحديث ظاهر.
****
٩٦ – قال: ((حدثنا محمد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس – ﵄ – أن رسول الله – ﷺ – دخل على أعرابي يعوده، فقال: ((لا بأس عليك، طهور إن شاء الله)) قال: قال الأعرابي: طهور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال النبي – ﷺ : ((فنعم إذا)) .
كان رسول الله – ﷺ – يعود المريض، ويتفقد أحوال المؤمنين، وهذا الأعرابي يجوز أنه مهاجر إلى المدينة فمرض، أو أنه جاء لحاجة.
والأعرابي: ساكن البراري، وأما العربي فهو أعم منه؛ لأنه من ينتسب إلى العرب، أو من يتكلم العربية.
стр. 739
قوله: ((لا بأس عليك، طهور إن شاء الله)) أي: أن المرض يزول، ويكون ذلك مكفراً لخطاياك، أو: أنه لا بأس عليك في مستقبلك؛ لأن المرض يطهرك من ذنوبك، فإن حصلت العافية اكتسب فائدتين، وإلا حصل له التكفير، وهذا دعاء خرج مخرج الخبر، ولهذا علقه بالمشيئة؛ لأنه أمر مستقبل، وكل ما يأتي يقيد بمشيئة الله – تعالى -، أما ما وقع فقد علم أن الله شاءه.
وقول الأعرابي: ((طهور؟!)) ، كأنه رد لقول رسول الله – ﷺ – واستبعاد له، ولهذا قال: ((بل هي حمى تفور)) أي: تغلى في جسمه ((على شيخ كبير)) والشيخ الكبير يكون ضعيفاً لا يتحمل ما يتحمله الشاب القوي ((تزيره القبور)) أي: يموت منها ويذهب به إلى المقبرة.
فلما رد ما قاله رسول الله – ﷺ – ولم يقبله، واختار ما ذكره هو، قال النبي – ﷺ – ((فنعم إذاً)) أي: إذا لم تقبل ما قلت لك، فالأمر كما تقول أنت.
قال الحافظ: ((روى الطبراني أن الأعرابي أصبح ميتاً، وأن النبي – ﷺ – قال: ((أما إذ أبيت فهي كما تقول، قضاء الله كائن)) فما أمسى من الغد إلا ميتاً)) (١) .
والمقصود من الحديث قوله: ((لا بأس عليك، طهور إن شاء الله)) وقد جاءت النصوص بأن المصائب كفارات للذنوب، كما جاء ترتيب الجزاء على أعمال معينة، فكل ذلك يكون مقيداً بمشيئة الله تعالى، فعلى العبد أن يضرع إلى الله تعالى بذل وافتقار، ويسأله من فضله أن يهديه لما يرضيه.
والأمور كلها بيده – تعالى – يتصرف فيها كيف يشاء، والخلق عبيده، وفقراء إليه، ولا يظلم ربك أحداً.
*****
стр. 740
٩٧ - قال: ((حدثنا ابن سلام، أخبرنا هشيم، عن حصين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، حين ناموا عن الصلاة، قال النبي ﷺ : ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء)) فقضوا حوائجهم، وتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت، فقام فصلى)) .
هذا الحديث مختصر، وقد ذكره في مواقيت الصلاة، باب الأذان بعد ذهاب الوقت، وقد اختلف في أي مسير كان ذلك.
قال الحافظ: ((جزم بعض الشراح بأنه في رجوعه من خيبر، معتمداً على ما قع عند مسلم، وفيه نظر؛ لما بينته في باب الصعيد الطيب)) (١) .
وقال في باب الصعيد الطيب: اختلف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم أنه وقع في رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة.
وفي أبي داود: ((أقبل النبي ﷺ من الحديبية ليلاً، فنزل، فقال: ((من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا)) الحديث (٢) .
وفي ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم مرسلاً: ((عَرَّسَ رسول الله ﷺ ليلة بطريق مكة، ووكل بلالاً)) الحديث (٣) .
وفي ((مصنف)) عبد الرزاق مرسلاً: أن ذلك بطريق تبوك، وفي ((الدلائل)) للبيهقي نحوه (٤) ، وذكر أشياء غير ذلك، ومال إلى تعدد القصة كعادته في مثل هذا.