الصفات، الذين يحكمون على الله بمثل ما يحكمون به على الناس، تعالى الله عن قولهم، وفيه الرد على إخوانهم في الضلالة، الخوارج، الذين يكفرون المؤمنين بالمعاصي.
*****
٩٥ – قال: ((حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، أن نبي الله سليمان – ﵇ – كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفن الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارسا يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدت منهن إلا امرأة، ولدت شق غلام. قال نبي الله – ﷺ : ((لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن، فولدت فارسا يقاتل في سبيل الله)) .
قال في الجهاد: ((باب من طلب الولد للجهاد)) ، ثم ذكر هذا الحديث، يعني: أن الذي ينوي عند جماع زوجته حصول الولد؛ لأجل أن يجاهد في سبيل الله يحصل له بذلك أجر نيته، وإن لم يولد له، أو ولد له ولم يجاهد.
قوله: ((كان له ستون امرأة)) جاء في رواية: سبعون، وفي أخرى: تسعون، وفي أخرى تسع وتسعون، وفي أخرى مائة، وكلها صحيحة.
قال الحافظ: ((يجمع بينها بأن له ستين حرائر، والزائد سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة، فما كان دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: تسعون، ألغى الكسر، ومن قال: مائة، جبره)) (١) .
قوله: ((لأطوفن الليلة على نسائي)) يقصد وطأهن، وقد استدل ((المصنف))
стр. 737
به على جواز مثل هذا الكلام أمام الناس.
وفيه: ما أُعطي سليمان ﵇ من القوة.
قوله: ((فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارساً يقاتل في سبيل الله)) قال هذا على سبيل التمني للخير، وإنما جزم به؛ لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد الخير وأمر الآخرة، لا عرض الدنيا.
قال بعض السلف: ((نبه – ﷺ – في هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التفويض، ولذلك نُسِّي الاستثناء ليمضي فيه القدر)) (١) .
قلت: جاء في رواية ذكرها البخاري في الجهاد والأنبياء، أن سليمان ﵇ لما قال ذلك قال له صاحبه: قل: إن شاء الله، وفي أخرى: قال له الملك، فلم يقل: إن شاء الله، وهذا يدل على أنه لم ينس، وأنه جزم بذلك لحسن قصده، وقيام السبب، فجوزي بعدم حصول المراد، وهذه الرواية أظهر في المقصود بهذا الباب. وجاء في رواية أخرى: ونسي أن يقول: إن شاء الله، فيحمل على أن معنى النسيان: تركه مع علمه، غير قاصد خروج ذلك عن مشيئة الله – تعالى -.
قوله: ((فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام)) الشق: النصف، أي: أنها جاءت بغلام ناقص، لا يستطيع أن يعمل شيئاً. وهذا يدل على أنه ليس لأحد مهما ملك من الأسباب أن يخرج عن مشيئة الله – تعالى -، سواء كان نبياً، أو ملكاً، أو غير ذلك، فمشيئة الله هي النافذة في كل شيء، ومشيئة الخلق مقيدة لها، لا يعملون شيئاً، ولا يتم لهم، إلا بعد أن يشاءه الله – تعالى -.
قوله: ((لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن، فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله)) .
стр. 738
في رواية: لو قال: ((إن شاء الله)) فهذا هو الاستثناء المراد هنا.
وفي هذا قدرة الله – تعالى – على تغيير الواقع إلى ضده، وما علم تعالى أنه لا يكون، وما يمتنع صدوره عنه، فلعدم إرادته، لا لعدم قدرته عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (١) ، وقال : ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٢) ونحو ذلك مما يبين فيه أنه – تعالى – لو شاء أن يفعل أموراً لم تكن، بل كان خلافها، لفعل، فدل ذلك على أنه قادر على ما علم أنه لا يكون.
وإذا قيل: هذا ممتنع، قيل: امتناعه لعدم مشيئة الرب تعالى له، لا لكونه ممتنعاً في نفسه، ولا لكون الله تعالى غير قادر عليه. ووجه الاستدلال بالحديث ظاهر.
****
٩٦ – قال: ((حدثنا محمد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس – ﵄ – أن رسول الله – ﷺ – دخل على أعرابي يعوده، فقال: ((لا بأس عليك، طهور إن شاء الله)) قال: قال الأعرابي: طهور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال النبي – ﷺ : ((فنعم إذا)) .
كان رسول الله – ﷺ – يعود المريض، ويتفقد أحوال المؤمنين، وهذا الأعرابي يجوز أنه مهاجر إلى المدينة فمرض، أو أنه جاء لحاجة.
والأعرابي: ساكن البراري، وأما العربي فهو أعم منه؛ لأنه من ينتسب إلى العرب، أو من يتكلم العربية.
стр. 739
قوله: ((لا بأس عليك، طهور إن شاء الله)) أي: أن المرض يزول، ويكون ذلك مكفراً لخطاياك، أو: أنه لا بأس عليك في مستقبلك؛ لأن المرض يطهرك من ذنوبك، فإن حصلت العافية اكتسب فائدتين، وإلا حصل له التكفير، وهذا دعاء خرج مخرج الخبر، ولهذا علقه بالمشيئة؛ لأنه أمر مستقبل، وكل ما يأتي يقيد بمشيئة الله – تعالى -، أما ما وقع فقد علم أن الله شاءه.
وقول الأعرابي: ((طهور؟!)) ، كأنه رد لقول رسول الله – ﷺ – واستبعاد له، ولهذا قال: ((بل هي حمى تفور)) أي: تغلى في جسمه ((على شيخ كبير)) والشيخ الكبير يكون ضعيفاً لا يتحمل ما يتحمله الشاب القوي ((تزيره القبور)) أي: يموت منها ويذهب به إلى المقبرة.
فلما رد ما قاله رسول الله – ﷺ – ولم يقبله، واختار ما ذكره هو، قال النبي – ﷺ – ((فنعم إذاً)) أي: إذا لم تقبل ما قلت لك، فالأمر كما تقول أنت.
قال الحافظ: ((روى الطبراني أن الأعرابي أصبح ميتاً، وأن النبي – ﷺ – قال: ((أما إذ أبيت فهي كما تقول، قضاء الله كائن)) فما أمسى من الغد إلا ميتاً)) (١) .
والمقصود من الحديث قوله: ((لا بأس عليك، طهور إن شاء الله)) وقد جاءت النصوص بأن المصائب كفارات للذنوب، كما جاء ترتيب الجزاء على أعمال معينة، فكل ذلك يكون مقيداً بمشيئة الله تعالى، فعلى العبد أن يضرع إلى الله تعالى بذل وافتقار، ويسأله من فضله أن يهديه لما يرضيه.
والأمور كلها بيده – تعالى – يتصرف فيها كيف يشاء، والخلق عبيده، وفقراء إليه، ولا يظلم ربك أحداً.
*****
стр. 740
٩٧ - قال: ((حدثنا ابن سلام، أخبرنا هشيم، عن حصين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، حين ناموا عن الصلاة، قال النبي ﷺ : ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء)) فقضوا حوائجهم، وتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت، فقام فصلى)) .
هذا الحديث مختصر، وقد ذكره في مواقيت الصلاة، باب الأذان بعد ذهاب الوقت، وقد اختلف في أي مسير كان ذلك.
قال الحافظ: ((جزم بعض الشراح بأنه في رجوعه من خيبر، معتمداً على ما قع عند مسلم، وفيه نظر؛ لما بينته في باب الصعيد الطيب)) (١) .
وقال في باب الصعيد الطيب: اختلف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم أنه وقع في رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة.
وفي أبي داود: ((أقبل النبي ﷺ من الحديبية ليلاً، فنزل، فقال: ((من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا)) الحديث (٢) .
وفي ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم مرسلاً: ((عَرَّسَ رسول الله ﷺ ليلة بطريق مكة، ووكل بلالاً)) الحديث (٣) .
وفي ((مصنف)) عبد الرزاق مرسلاً: أن ذلك بطريق تبوك، وفي ((الدلائل)) للبيهقي نحوه (٤) ، وذكر أشياء غير ذلك، ومال إلى تعدد القصة كعادته في مثل هذا.
стр. 741
ولم أجد في ((مصنف عبد الرزاق)) تعيين السفر، فإنه قال: ((أخبرني عطاء أن النبي ﷺ بينا هو في بعض أسفاره)) فذكره (١) . وكذلك ما في ((الدلائل)) ليس فيه ذكر تبوك، وإنما ذكر ما في ((الموطأ)) ، وسنن أبي داود، ومسلم، والصحيح أن ذلك في مرجعه من خيبر، كما قال عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: ((لما قفل رسول الله ﷺ من خيبر، أسرى ليله، حتى إذا كان آخر الليل عدل عن الطريق، ثم عَرَّسَ، وقال: من يحفط علينا الصلاة؟ فقال بلال: أنا)) وذكر الحديث (٢) وهذا مرسل.
ورواه أبو داود موصولاً، عن سعيد، عن أبي هريرة (٣) .
ورواه مسلم في ((صحيحه)) مطولاً (٤) .
قوله: ((وإن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء)) أي: أن الله - تعالى - له ملك كل شيء، فروح الإنسان التي بها حياته وتصرفه، هي بيد الله، إذا شاء قَبضَها من بدنها، وأصبح الإنسان ميتاً لا يستطيع أي عمل، وإذا شاء رَدَّها إلى بدنها فاستطاع العمل والتصرف، وكذلك الإنسان لا يستطيع أن ينام متى شاء، ويستيقظ متى شاء، إلا بمشيئة الله - تعالى -، قال : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٥) ﴾ .
стр. 742
قوله: ((فقضوا حوائجهم، وتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت فقام فصلى)) يعني: أنهم حين استيقظوا مع طلوع الشمس لم يستعجلوا بأداء الصلاة، بل قضوا حوائجهم مما يحتاجه عادة من يقوم من النوم من بول ونحوه، وتوضؤوا ثم انتظروا حتي ابيضت الشمس، ومعنى ابيضاضها ارتفاعها عن الأفق، ثم قام وصلى بهم، فهذا وقت صلاتهم، لأن النائم وقت صلاته إذا استيقظ، وكذلك الناسي، والله أعلم.
٩٨ - قال: ((حدثنا يحيى بن قزعة، حدثنا إبراهيم، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة والأعرج.
وحدثنا إسماعيل، حدثني أخي، عن سليمان، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: ((استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين، في قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بالذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال النبي ﷺ : ((لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري: أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله)) .
قال الحافظ: ((المسلم هو أبو بكر الصديق، جاء مصرحاً به فيما أخرجه سفيان ابن عيينة في ((جامعه)) ، وابن أبي الدنيا في ((كتاب البعث)) من طريقه، عن عمرو بن دينار، قال: هو أبو بكر الصديق)) (١) .
стр. 743
ولكن يعارض ذلك ما في الأنبياء في هذا الحديث: ((قال اليهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه)) (١) .
قوله: ((استب)) استب: افتعل، من السب، أي: كل واحد منهما سب الآخر، وهو الشتم وذكر العيوب والمثالب، أو الدعاء عليه.
وسبب ذلك قول اليهودي حينما كان يعرض سلعته، فأُعطي فيها ما لا يرضى، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فغضب المسلم ولطمه؛ لأنه فهم من كلامه تفضيل موسى على نبينا محمد – ﷺ ؛ لأنه متقرر عند المسلمين أن محمداً أفضل البشر على الإطلاق.
وجاء في رواية أبي سعيد: أن المسلم لما دعاه النبي – ﷺ – وقال له: ((أضربته؟)) قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد – ﷺ ؟ فأخذتني غضبة، ضربت وجهه)) (٢) .
وفهم المسلم أن اليهودي بحلفه ذلك ينتقص محمداً – ﷺ – فلهذا غضب، ولطمه، ولما ذكر قول اليهودي للنبي – ﷺ – لم يعاقبه، بل نهى عن تفضيل بعض النبيين على بعض، في مثل هذا المقام الذي يكون فيه الغضب والسب؛ لأن ذلك مدعاة إلى هضم حق بعضهم، أو التنقص لهم، أو الافتخار، وذلك من الكفر.
وأما ذكر الواقع للعلم به، واعتقاده، فلا يدخل في النهي، وقد قال الله – تعالى -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ َ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَد
стр. 744
ْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا َ﴾ (١) .
وصح عن النبي – ﷺ – أنه قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)) (٢) .
قال البيهقي عن الخطابي: معنى النهي عن التخيير بين الأنبياء: ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم والإيمان بهم.
وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم، فإن الله – – قد أخبر أنه فاضل بينهم، فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ .
وقوله: ((أنا سيد ولد آدم)) إنما هو إخبار عما أكرمه الله به من الفضل، والسؤدد، وتحدث بنعمة الله – تعالى – عليه، وإعلام لأمته بعلو مكانه عند ربه؛ ليكون إيمانهم بنبوته واعتقادهم لطاعته على حسب ذلك، وبيان هذا لأمته من اللازم له، والمفروض عليه)) (٣) .
قوله: ((لا تخيروني على موسى)) أي: لا تقولوا: أنا خير من موسى، وجاء النهي عن التخيير بين الأنبياء عامة، وهذا خاص بموسى؛ لأن المقام يقتضي ذلك لأجل ما وقع بين اليهودي والمسلم، وسبق وجه النهي. ثم ذكر ما يقتضي تفضيل موسى في كونه يجده باطشاً بجانب العرش، فيكون قد أفاق قبله أو لم يصبه الصعق، كما سبق بيانه. والمقصود هنا قوله: ((أو كان ممن استثنى الله)) أي: في قوله تعالى:: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ َ﴾ (٤) ، ففي هذه الآية أن الخلق لا ينجو أحد منهم
стр. 745
من صعق نفخة الصور، إلا من يشاء الله، فدل على أن مشيئة الله عامة شاملة لكل شيء، فلا يخرج عنها ما يعم الخلق كنفخ الصور، ولا ما يخص بعضهم، ومن أجل ذلك – والله أعلم – جاء قوله في أهل الجنة وأهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ َ﴾ (١) فما شاء الله كان كما يشاء، وما لم يشأ لم يكن.
واختلف في الذين استثناهم الله – تعالى – من صعقة الصور.
قال ابن جرير: ((قال بعضهم: عنى به جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت)) ، ثم روى ذلك عن السدي، وروى فيه حديثاً مرفوعاً بسند فيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف، عن أنس أن رسول الله – ﷺ – قرأ هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، فقيل له: من هؤلاء الذين استثنى الله يا رسول الله؟ قال: جبريل وميكائيل وملك الموت)) وذكره بطوله، ثم قال:
((وقال آخرون: عنى بذلك: الشهداء)) ، وروى ذلك عن سعيد بن جبير، واختار أن المستثنى من الفزع الشهداء ومن الصعق: جبريل وملك الموت، وحملة العرش، واستدل لذلك بحديث الصور، وهو ضعيف، وبأن الصعق في هذا الموضع: الموت، والشهداء قد ماتوا، فلا يذوقون الموت مرة أخرى، وذكر أن بعض السلف توقف فيه)) (٢) .
وقال ابن كثير: ((قال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي – ﷺ – قال: سألت جبريل عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ
стр. 746
فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ َ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم الشهداء، مقلدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، نمارها ألين من الحرير، مد خطاها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة، يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا – – لننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن، فلا حساب عليه)) قال ابن كثير: ((رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش فهو غير معروف)) (١) .
******
٩٩ – قال: ((حدثنا إسحاق بن أبي عيسى، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال، ولا الطاعون، إن شاء الله)) .
تقدم وجه تسمية الدجال.
قال الحافظ: ((ومما يحتاج إليه في أمر الدجال: أصله، وهل هو ابن صياد، أو غيره؟ وإذا كان غيره: فهل كان موجوداً في عهد النبي – ﷺ – أو لا؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما هي الخوارق التي تظهر على يديه، حتى يكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟)) (٢) .
وقد تبين أنه ليس ابن صياد؛ لأن ابن صياد قد مات في المدينة، وقد دخل مكة وولد له، والدجال لا يولد له، ولا يدخل مكة ولا المدينة، ويقتله
стр. 747
عيسى ابن مريم ﵇، ويكون رئيساً لليهود، وله خوارق عظيمة، وفتنة هائلة، ولم يحصل لابن صياد من ذلك شيء.
وحديث الجساسة في ((صحيح مسلم)) يدل على ذلك، وليس الأمر فيه مشكلاً كما قاله النووي – ﵀؛ لأن ابن صياد أول الدجاجلة الذين يتقدمون الدجال الأكبر، وأما كونه موجوداً في زمن النبي – ﷺ ، فخبر تميم الداري في قصة الجساسة يدل على وجوده.
وأما سبب خروجه، فجاء في ((صحيح مسلم)) ما يدل على أن سبب خروجه غضبة يغضبها، وسأذكر ذلك إن شاء الله – تعالى -.
وخروجه في آخر الزمان، إذ خروجه من علامات الساعة الكبار.
وهو خارج من المشرق، كما سيأتي.
وأما صفته فقد أوضحها رسول الله – ﷺ ، وقد تقدم أنه أعور العين اليمنى، وأنه مكتوب بين عينيه: كافر.
وإذا خرج ادعى أنه مصلح، ويريد القضاء على الفساد، كما هي عادة كل دجال وطاغوت من طواغيت العالم ودجاجلته الموجودين اليوم وقبله، ثم يدعي الولاية، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي أنه رب الخلق المتصرف فيهم.
قال الحافظ: ((وأخرج الطبراني من طريق سليمان بن شهاب، قال: نزل عليَّ عبد الله بن المعتمر، وكان صحابيَّا، فحدثني عن النبي – ﷺ – أنه قال: ((الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيتبع، ويظهر فلا يزال حتى يقدم الكوفة، فيظهر الدين ويعمل به، فيتبع ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبي، فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتغشى عينه، وتقطع أذنه، ويكتب بين عينيه: كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل
стр. 748
من إيمان)) قال: ((وسنده ضعيف)) (١) .
وأما ما ثبت في ((الصحيحين)) عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي – ﷺ – فلم ينكره النبي – ﷺ (٢) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عمر قال: لقيته مرتين، قال: فلقيته فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله، قال: قلت: كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالاً وولداً، فكذلك هو – زعموا – اليوم، قال: فتحدثنا، ثم فارقته، قال: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه، قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري، قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، فنخر كأشد نخير حمار سمعت: قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت.
قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه)) (٣) .
قال النووي: ((قال العلماء: قصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هو الدجال المشهور، أو غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة.
وظاهر الأحاديث أن النبي – ﷺ – لم يُوحَ إليه بأنه الدجال،، ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي – ﷺ – لا يقطع بأنه الدجال، ولا غيره)) (٤) .
стр. 749
قلت: ابن صياد فيه كلام كثير للعلماء، وفيه أحاديث بعضها في مسلم.
وليس هو الدجال المشهور، وإنما هو من جملة الدجالين كما سبق. والله أعلم.
قوله: ((المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال)) .
قد أثبت إتيانه إليها، ولكن لا يستطيع دخولها؛ لأن الملائكة تصده عنها، وذلك لأن سلطان المسلمين قد ضعف عن مقاومة الكفر وأهله، فلهذا جعل الله – تعالى – الملائكة هي التي تصد الدجال عن مدينة رسوله وعن مكة.
وفي مسند الإمام أحمد عن محجن بن الأدرع أن رسول الله – ﷺ – خطب الناس فقال: ((يوم الخلاص، وما يوم الخلاص، يوم الخلاص وما يوم الخلاص)) ثلاثاً، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: ((يجيء الدجال، فيصعد أحداً، فينظر المدينة فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد، ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها ملكاً مصلتاً، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق، ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة، إلا خرج إليه، فذلك يوم الخلاص)) (١) .
قوله: ((ولا الطاعون إن شاء الله)) الطاعون: من الطعن والوخز، وهو الوباء، وهذا من تكريم الله – تعالى – لرسوله، حيث منع الوباء من مدينته، وجاء في بعض الروايات أن مكة كذلك لا يدخلها الطاعون.
والشاهد قوله: ((إن شاء الله)) يعني: أن ذلك معلق بمشيئة الله، فلو شاء لم يحصل المنع.
стр. 750
وذكر البخاري هذا الحديث في فضائل المدينة بأبسط مما ها هنا، ولفظه:
((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق)) (١) .
قال الحافظ: ((هذا الخبر على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: لا يدخل وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد؛ لقصر مدته، وغفل عما في ((صحيح مسلم)) أن بعض أيامه كسنة)) (٢) .
وقوله: ثم ترجف المدينة، أي: يحصل لها زلزلة بعد أخرى، حتى يخرج منها من ليس مؤمناً، ويبقى المؤمنون الصادقون، فلا يسلط عليهم ولا ينالهم شره وفتنته.
ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة: ((لا يدخل المدينة رعب الدجال)) ؛ لأن المراد برعبه: ما يحدث من الفزع من فعله وعتوه، لا الرجفة التي تقع لإخراج المنافقين والكافرين، وحمل بعض العلماء حديث ((إنها تنفي الخبث)) على هذا، والصحيح أنه خاص بناس، وبزمان، فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد، ولا يلزم من كونه مراداً، نفي غيره)) .
****
١٠٠ – قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله – ﷺ –: ((لكل نبي دعوة فأريد – إن شاء الله – أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) .
стр. 751
أي: لكل نبي من أنبياء الله دعوة مستجابة، كدعوة نوح – ﵇ – على قومه: بقوله: ﴿ربِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (١) فاستجاب الله دعوته فأغرق أهل الأرض عموماً، وكدعوة صالح، وشعيب، ولوط، وغيرهم مما ذكره الله – تعالى – في كتابه.
والصحيح أن لكل نبي دعوة عامة مستجابة في أمته، وأما الدعوات غير العامة فكثيرة، منها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب.
قال النووي: ((معناه أن لكل نبي دعوة متيقنة الإجابة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم، فهم على طمع من إجابتها، وبعضها يجاب، وبعضها لا يجاب)) (٢) .
قوله: ((فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) .
هذا من رحمة الله – تعالى – بهذه الأمة، حيث ألهم رسوله – ﷺ – أن يجعل دعوته العامة المستجابة في أمته، شفاعة له فيهم.
وقد بين أنها للموحدين، فلا نصيب لمشرك في هذه الدعوة العامة، كما في رواية مسلم ((فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٣) .
قال النووي: ((في هذا الحديث كمال شفقة النبي – ﷺ – على أمته ورأفته بهم، واعتناؤه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخر – ﷺ – دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم)) (٤) .
стр. 752
وقال في قوله: ((إن شاء الله - تعالى -)) : هو على جهة التبرك والامتثال لقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (١)(٢) .
قلت: ليس كما قال ﵀ إن التعليق للتبرك وامتثال الأمر، ولكنه تعليق حقيقة، إذ لو شاء الله لم يقع ذلك، غير أنه تعالى شاء وقوعه فأخبر به على لسان رسوله ﷺ وخبره حق، والمقصود أن كل شيء بمشيئة الله.
*****
١٠١ - قال: ((حدثنا يسرة بن صفوان بن جميل اللخمي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بينا أنا نائم رأيتني على قليب فنزعت ما شاء الله أن أنزع، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها عمر، فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس حوله بعطن)) .
هذه رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء نوع من أنواع الوحي، كما في حديث عائشة: ((إن أول ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة)) .
والرؤيا: هي ما يراه الإنسان في نومه.
قوله: ((بينا)) هي ((بين)) الظرفية الزمانية، والألف للإشباع.
((رأيتني على قليب)) أي: رأيت نفسي على قليب وهي البئر المحفورة لاستخراج الماء منها، وقال النووي: ((هي البئر غير المطوية)) (٣) .
стр. 753
قوله: ((فنزعت ما شاء الله أن أنزع)) النزع هو: استخراج الماء من البئر بالدلو، وهذا محل الشاهد من الحديث حيث أسند كمية النزع إلى مشيئة الله – تعالى -، وقد سبق أن مشيئة الله عامة لا يخرج عنها شيء، والإنسان وإن كان له مشيئة، فهي داخلة تحت مشيئة الله تعالى -، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ (١) .
قوله: ((ثم أخذها ابن أبي قحافة)) أبو قحافة هو: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، والد أبي بكر الصديق – ﵄.
((فنزع ذنوباً أو ذنوبين)) الذنوب: الدلو المملوء ماء.
((وفي نزعه ضعف، والله يغفر له)) ، في رواية مسلم: ((وفي نزعه – والله يغفر له – ضعيف)) (٢) .
وفي رواية له: ((بينا أنا نائم رأيت أني أنزع على حوضي أسقي الناس، فجاء أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليروحني، فنزع دلوين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب، فأخذ منه، فلم أر نزع رجل قط أقوى منه، حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر)) وهذا يفسر الرواية المذكورة هنا.
والضعف المذكور إشارة إلى قلة المال من المغانم ونحوها في وقته، بالنسبة إلى زمن النبي – ﷺ – وزمن عمر، وذلك لما حصل من انتكاسة الناس وارتداد أكثر العرب عن الإسلام، فانشغل في قتالهم، وإدخالهم في الإسلام مرة أخرى، وهذا العمل أفضل مما حصل في وقت عمر – ومن بعده من الخلفاء – من الفتوح.
стр. 754
وقوله: ((والله يغفر له)) إشارة إلى أن ما يقع في الأمة من صدود عن الله أو انحراف، فإن الإمام قد يكون مسؤولاً عن ذلك، إذ هو القائد الذي يجب أن يقودهم إلى الصلاح والخير، ويحملهم على طاعة الله وطاعة رسوله، ولذلك أخبر أن هذه المسؤولية مغفورة لأبي بكر؛ لأنه بذل جهده في ردهم إلى الإسلام حتى استقاموا على الحق، والعلم عند الله.
قوله: ((ثم أخذها عمر، فاستحالت غرباً)) أي: الدلو، تحولت إلى غرب، والغرب – بفتح الغين المنقوطة وإسكان الراء – هي: الدلو العظيمة المتخذة من جلود الإبل أو البقر، والمعنى: أن الدلو التي كنت أنزع بها وأخذها مني أبو بكر، لما أخذها عمر بعد أبي بكر، صارت غرباً كبيراً يتسع لماء كثير.
((فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريَّه)) العبقري: الكامل من كل شيء.
قال في ((القاموس)) : العبقري: الكامل من كل شيء، والسيد من الرجال، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء، عن العبقري؟ قال: يقال: هذا عبقري قوم، كقولك: هذا سيد قوم، وكبيرهم، وشديدهم، وقويهم، ونحو ذلك.
وقيل: العبقري: الذي ليس فوقه شيء، يعني: من جنسه.
قال أبو عبيد: وأصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى ((عبقر)) وهي أرض يسكنها الجن، فصارت مثلاً لكل منسوب إلى شيء رفيع)) (١)
وقال الراغب: (عبقر: قيل: هو موضع للجن، ينسب إليه كل نادر من إنسان، وحيوان، وثوب، ولهذا قيل في عمر: لم أر عبقرياً مثله، ﴿وَعَبقَرِيٍ حِسَانِ﴾ هو ضرب من الفرش – فيما قيل – جعله الله – تعالى – مثلاً
стр. 755
لفرش الجنة)) (١) .
((يَفْري فَرِيَّهُ)) بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الراء، وفتح الفاء الثانية وكسر الراء وفتح الياء المشددة، قال ابن الأثير: ((أي: يعمل عمله، ويقطع قطعه، ويُروي: ((يفري فريه)) بسكون الراء الثانية والتخفيف، وحكي عن الخليل أنه أنكر التثقيل، وغلط قائله.
وأصل الفري: القطع، يقال: فريت الشيء أفريه فرياً: إذا شققته وقطعته للإصلاح، فهو مفري)) (٢) .
وقال النووي: ((أما يفري، بفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الراء، وأما فريه، فروى بوجهين: أحدهما: فريه بإسكان الراء وتخفيف الياء، والثانية بكسر الراء وتشديد الياء، وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد، وقال: هو غلط. واتفقوا على أن معناه: لم أر سيداً يعمل عمله، ويقطع قطعه، ثم ذكر ما ذكره ابن الأثير)) (٣) .
والمعنى: فلم أر رجلاً كاملاً، قوياً، يستخرج الدلاء من البئر مثله، حتى كثر الماء وشرب الناس، وجلسوا حول الحوض الذي يصب فيه الماء لا حاجة لهم فيه، وهذا معنى قوله: ((حتى ضرب الناس حوله بعطن)) كما في رواية مسلم.
((فلم أر نزع رجل قط أقوى منه، حتى تولى الناس، والحوض ملآن يتفجر)) (٤) .
стр. 756
قال النووي: ((قال القاضي عياض: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة، وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جيمعاً؛ لأن ذلك تم بنظرهما، وتدبيرهما، وقيامهما بمصالح المسلمين، وضرب الناس بعطن؛ لأن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين، وألَّف بينهم، وابتدأ الفتوح، ومهد الأمور، وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب، ﵄) (١) .
وقال أيضاً: ((قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر – ﵄ – في خلافتهما، وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي – ﷺ ، ومن بركته، وآثار صحبته، فكان النبي – ﷺ – هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره، وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأنزل الله – تعالى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ ، ثم توفي ﷺ فخلفه أبو بكر – ﵁ – سنتين وأشهراً، وهو المراد بقوله: ((ذنوباً أو ذنوبين)) وهذا شك من الراوي، بل هما ذنوبان، كما صرح به في الرواية الأخرى.
وحصل في خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، وعودة قوة المسلمين وهيبتهم.
ثم توفي، فخلفه عمر – ﵁ – فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبّر بالقليب عن أمر المسلمين؛ لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبه أميرهم بالمستقي لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم.
وأما قوله ﷺ في أبي بكر – ﵁: ((وفي نزعه ضعف)) .
стр. 757
فليس فيه حط من فضيلته، ولا إثبات لفضل عمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده وكثرة الأموال، وغيرها من الغنائم والفتوح، وتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين.
أما قوله: ((والله يغفر له)) فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يقولونها: افعل كذا، والله يغفر لك.
قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر، وصحة ولايتهما، وبيان صفتها، وانتفاع المسلمين بها)) (١) .
أما ما ذكره من أنه إعلام بصحة ولايتهما، فهو أمر متفق عليه عند أتباع رسول الله – ﷺ – الذين آمنوا به، ولم يخالف فيه إلا الذين دخلوا الإسلام تستراً لأجل هدمه ومحاربته، أمثال الرافضة والإسماعيلية والنصيرية، وهم ليسوا من المسلمين في شيء، ومن نظر في كتبهم تيقن أنهم من أبعد الناس عن الإسلام.
وأما ما ذكر من أن قوة نزع عمر لطول مدته، وضعف نزع أبي بكر لقصر مدته، فهو خلاف ظاهر الحديث، وإنما قوة نزع عمر كناية عن قوته في الحق وصلابته وقوة عزيمته، وضعف نزع أبي بكر كناية عن لينه ورقته، ولا يلزم من ذلك أن عمر أفضل من أبي بكر إذا فضله في خصلة من الخصال.
وأما المدة، فعبر عنها بالدلاء، فأبو بكر لم ينزع إلا ذنوبين، بينما عمر نزع حتى روى الناس، وتركوا الحوض ملآن.
******
١٠٢ – قال: ((حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كان النبي – ﷺ – إذا أتاه
стр. 758
السائل - وربما قال: جاءه السائل أو صاحب الحاجة - قال: ((اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)) .
الرسول ﷺ معلم الخير والداعي إليه، فلم يترك طريقاً يوصل الخلق إلى اكتساب الخير إلا دلهم عليه، وحضهم على سلوكه، حتى الأمور التي قد يظن بعض الناس أنها أمور عادية لا تدخل في العبادة، مثل ما في هذا الحديث، وخصوصا عند رسول الله ﷺ ، فلا يتصور مسلم أن النبي ﷺ يمنع أحداً ما يستحقه، أو يبخسه شيئاً من ذلك، ومع ذلك أمر بالشفاعة عنده، وأخبر أن شفاعتهم لا تأثير لها في مشيئة الله - تعالى -، بل المقصود حصول الثواب للشافع.
وأما ما يقع للمشفوع له فهو ما يقضيه الله - تعالى - ويشاؤه، ولهذا قال: ((اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء)) .
والشاهد فيه: أن مشيئة الله - تعالى - لا تؤثر فيها شفاعة ولا غيرها، بل ما شاء فِعْلَهُ فَعَلَهُ، وما شاء تَرْكَهُ تَرَكَهُ، لا راد لما أراد، ولا يمنع ذلك فعل الأسباب، ولا كون المسببات مرتبة على أسبابها، فكلها بمشيئة الله.
******
١٠٣ - قال: ((حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، سمع أبا هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له)) .
تقدم هذا الحديث من رواية أنس، وبينا الحكمة في النهي عن ذلك.
قال النووي: ((قال العلماء: عزم المسالة: الشدة في طلبها، والجزم من غير ضعف في الطلب، ولا تعليق على المشيئة ونحوها.
وقيل: هو حسن الظن بالله - تعالى - في الإجابة. ومعنى الحديث: استحباب
стр. 759
الجزم في الطلب، وكراهة التعليق على المشيئة.
قال العلماء: كراهة ذلك أنه لا يتحقق استعماله المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الإكراه، والله - تعالى - منزه عن ذلك، وهو معنى قوله ﷺ في آخر الحديث: ((فإنه لا مكره له)) .
وقيل: سبب الكراهة أن في هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه)) (١) .
وقال الحافظ: ((النهي لأن التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء، فيخفف الأمر عليه، ويعلمه بأنه لا يطلب منه الشيء إلا برضاه، والله - تعالى - منزه عن ذلك، فلا فائدة لتعليق. وقيل: لأن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب، والمطلوب منه، والأول أولى)) (٢) .
قلت: كلا الأمرين دل عليهما النهي، ويدخلان فيه، كما تقدم.
وكلام النووي ﵀ ظاهره أن النهي للكراهة، وليس للتحريم، ومثله كلامه في الأذكار، فإنه قال: ((ويكره أن يقول في الدعاء: اللهم اغفر لي إن شئت، أو إن أردت، بل يجزم بالمسألة)) (٣) .
وهذا خلاف ظاهر الحديث، ولا أدري ما دليله على ذلك؟ وقد جاء في رواية في ((الصحيحين)) ، قال النبي ﷺ : ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء)) (٤) ، وهذا ظاهر في التحريم، والقاعدة: أن النهي يحمل على التحريم، ما لم يدل دليل على أنه لكراهة التنزيه.
стр. 760
قال ابن عبد البر: ((لا يجوز لأحد أن يقول: اللهم أعطني إن شئت، [سواء] من أمور الدين أو الدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له، إذ لا يفعل إلا ما يشاء)) .
قال الحافظ: ((وظاهره أنه حمل النهي على التحريم، وهو الظاهر، وحمله النووي على كراهة التنزيه، وهو أولى)) (١) .
قلت: بل الأولى ما دل ظاهر النص عليه، وهو التحريم.
والمقصود من الحديث هنا قوله: ((إنه يفعل ما يشاء لا مكره له)) أي: أنه تعالى لا يحمله دعاء ولا غيره على فعل ما لا يريد، فلا يمكن أن يقع في الوجود إلا ما شاء، أما المخلوق فإنه قد يكره على فعل ما لا يريد.
******
١٠٤ - قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو حفص عمرو، حدثنا الأوزاعي، حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس ﵄ أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، في صاحب موسى، أهو خضر، فمر بهما أبي بن كعب الأنصاري، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا، في صاحب موسى، الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: نعم. إني سمعت رسول الله ﷺ قول: بينا موسى في ملأ بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال موسى: لا، فأوحي إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت
стр. 761
فارجع، فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن ذكره، قال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصاً، فوجدا خضراً، وكان من شأنهما ما قص الله)) .
المراء: المجادلة، يقال: ماريته، أماريه مماراة ومراء، ولا يكون المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداء، واعتراضاً، فهو أعم)) (١) .
فقوله: ((تماريت)) أي: جادلت معترضاً عليه، وهو كذلك، في أن صاحب موسى هو الخضر، وكان الحر بن قيس يرى أنه غيره.
قال الحافظ: ((لم يذكر ما قال الحر بن قيس، ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق الحديث، والخضر: بفتح أوله، وكسر ثانيه، أو بكسر أوله، وإسكان ثانيه)) (٢) .
وفي ذلك جواز المجادلة في العلم، إذا كان بغير تعنت وازدراء لغيره.
وفيه إنصاف الصحابة وأدبهم في طلب العلم.
وقد جاء في بعض طرق الحديث في الصحيح، أن ابن عباس لما رأى أُبيّاً قام إليه وسأله.
وفيه الرجوع إلى العلماء عند التنازع وقبول الحق ممن قاله، وقبول خبر الواحد الصدوق، وفضل العلم وأهله.
قوله: ((بينا موسى في ملأ بني إسرائيل)) أي: في أشرافهم، ورؤسائهم.
стр. 762
قال في ((المصباح)) : ((الملأ - مهموز -: أشراف القوم، سموا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف، وجودة الرأي؛ لأنهم يملؤون العيون أبهة، والصدور هيبة)) (١) .
وقال الراغب: ((الملأ: جماعة يجتمعون على رأي، يملؤون العيون، رواءً ومنظراً، والنفوس بهاء وجلالاً)) (٢) .
وجاء هذا اللفظ في كتاب الله - تعالى - كثيراً.
((إذ جاءه رجل، فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك)) كأن هذا الرجل أعجبه ما سمعه من موسى ﵇ من العلم، فدعاه ذلك إلى هذا السؤال، ويدل لذلك ما ذكره في ((التفسير: ((أن موسى ذكر الناس يوماً، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب ولَّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟)) (٣) .
وفي ((صحيح مسلم)) : ((بينما موسى ﵇ _ في قومه، يذكرهم بأيام الله - وأيام الله: نعماؤه - إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً، أو أعلم، مني)) (٤) .
((فأوحى إلى موسى: بلى، عبدنا خضر)) قال الحافظ: ((ظاهر هذا أن الخضر نبي، بل نبي مرسل، إذ لو لم يكن كذلك للزم تفضيل العالي على الأعلى، وهو باطل)) .
стр. 763
ثم قال: ((والحق أن المراد بهذا الإطلاق تقييد الأعلمية بأمر مخصوص؛ لقوله بعد ذلك: ((إني على علم من علم الله علمنية، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله، لا أعلمه)) ، والمراد بكون النبي أعلم أهل زمانه: أي: ممن أرسل إليهم، ولم يكن موسى مرسلاً إلى الخضر، فلا نقص على موسى إذا كان الخضر أعلم منه.
ومن أوضح ما يستدل به على نبوة الخضر: قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمرِي﴾ وينبغي اعتقاد كونه نبياً؛ لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم أن الولي أفضل من النبي)) (١)
وهذا لا يكفي لاعتقاد كونه نبياً، بل يجب الاعتماد على الأدلة الشرعية، وقوله: ﴿وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمرِي﴾ دليل على أنه فعله عن أمر الله بالوحي إليه، ومن يوحى إليه فهو نبي.
((فسأل موسى السبيل إلى لقيه)) أي: سأل ربه أن يدله على الطريق إليه، ويهيئ له أسباب ذلك.
((فجعل له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه)) .
جاء بيان ذلك في الرواية الأخرى، أنه حمل حوتاً بمكتل، ووكل موسى ﵇ ذلك إلى غلامه، وقال له: إذا فقدته فأخبرني، فنزلا مكاناً فيه صخرة على سيف البحر، فاضطرب الحوت ودخل البحر، ونسي الغلام أن يخبر موسى، حتى تعبا، وقبل ذلك لم ينلهما تعب، عند ذلك ((قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً)) يعني: الحوت كان طريقه يقف الماء عنه فيبقى لا ماء فيه.
стр. 764
((قال موسى: ذلك ما كنا نبغي)) أي: هو الذي نريد، حيث جعل فقد الحوت علامة لنا على وجود الخضر.
((فارتدا على آثارهما قصصاً)) أي: رجعا يتبعان آثارهما ويقصانها، فلما وصلا الموضع الذي فقدا فيه الحوت وجدا خضراً، وكان من شأنهما ما قص الله)) .
يعني: من خرق السفينة، وإقامة الجدار بدون أجر، وقتل الغلام.
وقد اختصر البخاري الحديث، ولم يذكر محل الشاهد منه، وهو قوله: ((ستجدني إن شاء الله صابراً)) فوعد بأنه يصبر على ما يراه منه، وأن يطيع أمره، وعلق ذلك بمشيئة الله - تعالى - وهو عازم على ذلك، ولكن الله - تعالى - لم يشأ لموسى الصبر على ما يراه من الخضر، فلم يصبر.
فمهما كان عند المخلوق من القوة والعزم، فإنه لا يستطيع فعل شيء إلا أن يشاء الله - تعالى -.
*****
١٠٥ - قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري.
وقال أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((ننزل غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر - يريد المحصب -)) .
ذكر هذا الحديث في كتاب الحج بلفظ يوضح ما هنا، حيث قال: ((قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر - وهو بمنى -: نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر - يعني بذلك المحصب - وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .
فهذا هو تقاسمهم على الكفر، وفي هذا أن هذا القول وهو بمنى في اليوم
стр. 765
الثاني عشر، وذلك في حجة الوداع. ويخالفه ما في الفضائل: ((قال رسول الله – ﷺ – حين أراد حنيناً: ((منزلنا غداً – إن شاء الله – بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر)) (١) .
وفي أخرى: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – ﷺ : ((منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف، حيث تقاسموا على الكفر)) فهذه والتي قبلها صريحتان في أن ذلك في فتح مكة، ولهذا قال بعض العلماء بتعدد هذا القول منه – ﷺ – في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع، فإنه ﷺ نزل هناك بعد ما خرج من منى)) (٢) .
((وكان تقاسمهم على الكفر في أول يوم من محرم السَّنة السابعة من البعثة كما ذكر ذلك أصحاب المغازي والسيرة، وذلك لما رأت قريش أن الصحابة الذين هاجروا قد وجدوا أرضاً أمنوا فيها الافتتان والأذية، وأن أمر الرسول – ﷺ – يقوي ويزداد ظهوراً، فقد دخل في الإسلام عمر بن الخطاب، وفشا الإسلام في القبائل، لذلك اجتمع رأيهم على أن يقتلوا رسول الله – ﷺ .
فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني عبد المطلب، فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، ومنعوه ممن أراد قتله. لذلك كتبت قريش عهداً بينهم بمقاطعة بني هاشم، وبني عبد المطلب، بأن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يتعاملوا معهم، وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقوها بالكعبة.
قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك ثلاث سنين، حتى اشتد الأمر عليهم، فسعى في نقض هذا العهد بعض رجالات قريش، فهذا هو تقاسمهم على
стр. 766
الكفر)) (١) .
قال الحافظ: ((ويختلج في خاطري أن ما بعد قوله: ((يعني: المحصب)) مدرج من كلام الزهري)) .
والخيف بسكون الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً من مسيل الماء، ولا يكون إلا بين جبلين، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه في خيف الجبل، والأصل: مسجد خيف منى، فخفف (٢) .
وكنانة: هو ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو الجد الرابع عشر للنبي – ﷺ ، وأولاد كنانة أربعة: النضر، ومالك، وعبد مناف، وملكان.
والنضر: هو قريش، فما كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي، ولذلك قال في الحديث: ((إن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبن عبد المطلب)) .
وقيل: قريش هو: فهر بن مالك بن الضر بن كنانة، فمن كان من ولد فهر فهو قرشي، وإلا فليس بقرشي، والله أعلم (٣)
والمقصود من الحديث قوله: ((ننزل غداً إن شاء الله)) حيث علق ما هو عازم على فعله، وقد توافرت أسباب ذلك لديه على مشيئة الله – تعالى – فإنه لو شاء لجعل الممكن الميسور عسيراً ممتنعاً، وليس قول ذلك لمجرد التبرك، بل لأن حصول ذلك مشروط بمشيئة الله – تعالى -.
*****
стр. 767
١٠٦ – ((حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمر قال: حاصر النبي – ﷺ – أهل الطائف فلم يفتحها، فقال: ((إنا قافلون غداً إن شاء الله)) ، فقال المسلمون: نقفل ولم نفتح؟ قال: ((فاغدوا على القتال)) ، فغدوا، فأصابتهم جراحات، قال النبي – ﷺ : ((إنا قافلون غدا إن شاء الله)) فكأن ذلك أعجبهم، فتبسم رسول الله – ﷺ )) .
الحصار: هو المنع أن يخرج أحد منهم، أو يدخل إليهم شيء، والتضييق عليهم. وكان ذلك بعد فراغه ﷺ من غزوة حنين، وتحصن الكفار بالطائف، فرأى ﷺ أنهم يحتاجون إلى مطاولة، وهم أهل رماية، فقد ينالون من المسلمين ما لا يناله المسلمون منهم، ورجاء أن تفتح عليه بأقل من ذلك العناء، وأشفق على أصحابه، فقال: ((إنا قافلون غداً إن شاء الله)) وهذا عرض عليهم من باب المشاورة وإشراكهم في الرأي، كما هي عادته ﷺ . ولهذا لم يلزمهم، ولما قالوا: نقفل ولم نفتح؟ قال: ((اغدوا على القتال)) ثم أعاد هذا القول من الغد بعد ما أمضوا يومهم ذلك في القتال، ولم يتحصلوا على طائل، وقد أصابتهم جراحات، ففرحوا بما قال رسولهم – ﷺ – وعلموا أن الخير والبركة في رأيه، عند ذلك تبسم رسول الله – ﷺ – لما رأى فرحهم، وقد كانوا بالأمس قد كرهوا ذلك، تعجباً من سرعة تغير رأيهم، ولإجماعهم على تصويب ما رآه ﷺ أولاً.
والمقصود منه قوله: ((إن شاء الله)) فقد أخبر أولاً بأنهم قافلون، معلقاً ذلك بمشيئة الله، فلم يحصل؛ لأن الله لم يشأ ذلك.
وفي المرة الثانية شاءه، فحصل بإيجاد الله له الأسباب التي جعلتهم يفرحون بذلك، وهكذا كل ما لا يريد الله – تعالى – حصوله، لا بد أن يوجد له من الأسباب ما يمنع وجوده، وبالعكس.
*****
стр. 768
قال: ((باب قول الله - تعالى -: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) ولم يقل: ماذا خلق ربكم)) .
أخبر تعالى أنه المالك لكل شيء، وأنه لا يقع لأي فرد من خلقه ضر أو نفع إلا بإرادته وتدبيره، فهو المالك للشفاعة وغيرها، فلا تقع الشفاعة لديه إلا بإذنه، ولا تنفع إلا لمن رضي عمله وقوله، فهو - تعالى - لا يأذن في الشفاعة إلا فيمن رضي عمله، وهو لا يرضى إلا بعبادته الخالصة.
قال النووي: ((أهل السُّنَّة متفقون على وقوع الشفاعة، ودل عليه العقل والسمع، فقد ثبت ذلك في كتاب الله وسنة رسوله، كما في هذه وغيرها، والأحاديث فيها بلغت حد التواتر، وأجمعوا على وقوعها للمذنبين من أهل التوحيد، وإنما خالف
فيها أهل البدع، الذين سلكوا غير سبيل المؤمنين)) (٢) .
قال في ((اللسان)) : ((فزع عنه)) أي: كشف عنه الخوف (٣) .
وقال الأزهري: ((اتفق أهل التفسير، وأهل اللغة، أن معنى قوله: ﴿فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ : كشف الفزع عن قلوبهم، وتأويل الآية: أن ملائكة سماء الدنيا كان عهدهم قد طال بنزول الوحي من السماوات، فلما نزل جبريل بالوحي على النبي ﷺ أول ما بعث نبياً، ظنت الملائكة الذين في السماء الدنيا أن جبريل نزل لقيام الساعة، ففزعوا له، فلما تقرر عندهم أنه نزل لغير ذلك، كشف الفزع عن قلوبهم، فأقبلوا على جبريل ومن معه من
стр. 769
الملائكة، وقالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ والذين فزع عن قلوبهم ها هنا ملائكة السماء الدنيا.
وقيل: إن ملائكة كل سماء، فزعوا لنزول جبريل، ومن معه من الملائكة، فقال كل فريق منهم لهم: ((ماذا أنزل ربكم؟)) (١) .
وهذه الآية لها تعلق بما قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ (٢) .
قال ابن كثير: ((بين تعالى أنه الإله الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك، ولا منازع، ولا معارض، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الآلهة التي عبدت من دونه، ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ كما في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ (٣) .
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ أي: لا يملكون شيئاً استقلالاً، ولا على سبيل الشركة: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ أي: ليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه)) (٤) .
والمقصود: أن الملائكة الذين سمعوا كلام الله يفزعون له خوفاً، ولم يفهموا كلامه من شدة فزعهم، فإذا ذهب فزعهم، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ماذا قال ربكم؟ فيجيب المسؤولون، بأنه تعالى: قال الحق، فيقولون كلهم: قال الحق، وهو العلي الكبير. كما وضح ذلك في الأحاديث التي ذكر هنا بعضها.
стр. 770
ومراد البخاري – ﵀ – من الآية: أنها تدل على أن لله كلاماً يتكلم به ويقوله بصوته، وأنه يسمع منه كما هو ظاهر الآية: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ ، وأن قوله صفة له تعالى، لا يكون مخلوقاً، كما زعم الضالون، ولهذا ذكر الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله ينادي بصوت، كما يأتي، وفي ذلك أبلغ دليل على بطلان قول المعتزلة، ومن تابعهم، على أن الله لا يتكلم بكلام يسمع منه، وإنما كلامه ما يخلقه في غيره، أو هو المعنى القائم في نفسه – تعالى الله عن قولهم – وأنه لا يكون بحرف وصوت يسمع، ((وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس، والمشاهدة قبل الاستدلال أن القرآن العربي، حروف، ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس، وأنها من مبادئ العلم وأسبابه المدارك)) (١) .
وما نقله الحافظ عن ابن بطال: من أن مراد البخاري: أن قول الله قديم لذاته قائم بصفاته، لم يزل موجودا ً به (٢) ، ولا يزال كلامه لا يشبه [كلام] المخلوقين)) (٣) إلى آخره.
فهو بعيد كل البعد عن مراد البخاري، بل هذا القول يدخل في قول من قصد البخاري الرد عليهم، ولكن ابن بطال يريد من البخاري أن يكون متفقاً معه في العقيدة، وبينهما مثل ما بين المشرق والمغرب.
قوله: ((ولم يقل ماذا خلق ربكم)) يشير بذلك إلى الرد على القائلين بخلق القرآن وغيره من كلام الله – تعالى – فالآية صريحة في إبطال قولهم.
قال الحافظ: ((هذا أول باب تكلم فيه البخاري على مسألة الكلام، وهي
стр. 771
طويلة الذيول)) (١) .
قال: ((وقال جل ذكره: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (٢) .
وهذا استفهام إنكار، ينكر تعالى على من يزعم أن أحداً يشفع عنده بدون إذنه، كما هو المعهود في الدنيا لدى العظماء، فإن الشفاعة عندهم تحصل بدون إذنهم.
أما رب العالمين فلعظمته وتمام ملكه، لا يستطيع أحد أن يقدم على الشفاعة عنده، مهما كان مقامه، حتى يأذن له، كما تقدم في حديث الشفاعة قوله ﷺ : ((فأستأذن على ربي، فإذا رأيته خررت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي من المحامد والثناء، ثم يقول: ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع)) وفيه: ((فيحد لي حداً، فيقول: هؤلاء اشفع فيهم)) فعاد الأمر كله لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا (٣) ﴾ .
والشاهد من الآية للباب قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فإن الإذن يكون بالقول المسموع، الذي يسمعه المأذون له على الأقل.
وأما قول الحافظ فيما ظنه: ((أن البخاري أشار بهذه الآية إلى ترجيح أن الضمير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ للملائكة)) (٤) إلى آخره، وأن فاعل الشفاعة في قوله: ((ولا تنفع الشفاعة عنده)) هم الملائكة، فهو بعيد عن مراد البخاري، وإن كان هذا الذي ذكره هو الصواب في كون الضمير للملائكة، وفاعل الشفاعة هم.
стр. 772
((وقال مسروق: عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت، عرفوا أنه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق)) .
قال الحافظ: رواه أحمد موصولاً، ولفظه: ((أن الله – – إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسة على الصفاء، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل، فزع عن قلوبهم، قال: ويقولون: يا جبريل، ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول: الحق، قال: فينادون: الحق، الحق)) (١) .
ورواه البخاري موصولاً في ((خلق أفعال العباد)) (٢) .
وقال أبو داود: ((حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، وعلي بن الحسين بن إبراهيم، وعلي بن مسلم، قالوا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق)) (٣) .
وقال ابن جرير: ((حدثني زكريا بن أبان المصري، قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي زكريا، عن جابر بن حيوة، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله
стр. 773
– ﷺ : ((إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله)) (١) .
وبهذه الأحاديث يتبين معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أن هذا الفزع الذي يصيبهم من شدة خوفهم من الله – تعالى -، عندما يسمعون صوت السماء، ويعملون أن ذلك الصوت الذي هو كجر السلسلة على الصفاء هو رعدة السماوات، وخوفها من الله لما سمعت كلامه بالوحي، فعند ذلك تصعق الملائكة خوفاً أن يكون الله – تعالى- أمر بقيام الساعة التي يجازي فيها كل عامل بعمله، هذا مع قيامهم بأمر الله وطاعته، وعظيم عبادتهم له، يخافون هذا الخوف الشديد، فكيف بمن يبارز الله – تعالى – بالمعاصي؟
وفي هذه الأحاديث ونحوها الدلالة الواضحة بأن الله يتكلم بكلام تسمعه السماوات ومن فيهن، من الملائكة، وأن كلامه لا يشبه كلام خلقه، وأن من أنكر كلام الله، فليس معه إلا مجرد الوهم وشُبَه الشيطان الباطلة.
وفيها إثبات الصوت لله – تعالى – وأن صوته لا يشبه صوت العباد كما سيأتي.
*****
١٠٧ – قال: ((ويذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس، قال: سمعت النبي – ﷺ – يقول: ((يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: ((أنا الملك، أنا الديان)) .
стр. 774
هذا الحديث ذكره في مواضع من ((صحيحه)) ، مرة بصيغة الجزم، ومرة بصيغة التمريض، وقد رواه في ((الأدب المفرد)) مسنداً مرفوعاً، حيث قال: ((حدثنا موسى، قال: حدثنا همام، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل، أن جابر بن عبد الله حدثه، أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلي شهراً، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه، أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني. قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت.
قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يحشر الله العباد - أو الناس - عراة، غرلاً، بهما. قلنا: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد - أحسبه قال: كما يسمعه من قرب -: أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف، وإنما نأتي الله عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)) (١) .
قوله: ((يحشر الله العباد)) الحشر: الإخراج والجمع. قال الراغب: ((الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم، وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها، وروي ((النساء لا يحشرن)) أي: لا يخرجن إلى الغزو، ويقال ذلك في الإنسان وغيره، ولا يقال: الحشر، إلا في الجماعة، قال تعالى: ﴿فَأرسَلَ فِرعَوَنُ فيِ المَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ .
стр. 775
وقال تعالى: ﴿وَالطَّيرَ مَحشُوَرَةً كُلُ لَّهُ أَوَّابُُ﴾ ، ﴿وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَاسُ﴾ ، ﴿فَسَيَحَشُرُهُم إِلَيهِ جَمِيعًا﴾ وسمي يوم القيامة: يوم الحشر، كما سمي يوم البعث، ويوم النشر)) (١) .
لأن الله – تعالى – يحيي كل من مات من خلقه، فيجمعهم في مكان واحد ليحاسبهم، فيجزيهم بعملهم.
قوله: ((فيناديهم بصوت)) النداء لا يكون إلا بصوت، ولا يعرف الناس نداء بدون صوت، فذكر الصوت هنا لتأكيد النداء، وهذا في غاية الصراحة والوضوح في أن الله يتكلم بكلام يسمع منه تعالى، وأن له صوتاً، ولكن صوته لا يشبه أصوات خلقه، ولهذا قال:
((يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)) فهذه الصفة تختص بصوته تعالى، وأما أصوات خلقه فيسمعها القريب منها فقط، حسب قوة الصوت وضعفه، وقد كثرت النصوص المثبتة لذلك، منها ما ذكره البخاري – ﵀ – في هذا الباب، ومنها ما ذكره الله – تعالى – في كتابه في أكثر من عشرة مواضع، بلفظ النداء الذي لا يكون إلا بصوت.
منها قوله تعالى: ﴿ِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ (٢) .
وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٣) .
وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) .
وقوله : ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ