← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

طويلة الذيول)) (١) . قال: ((وقال جل ذكره: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (٢) . وهذا استفهام إنكار، ينكر تعالى على من يزعم أن أحداً يشفع عنده بدون إذنه، كما هو المعهود في الدنيا لدى العظماء، فإن الشفاعة عندهم تحصل بدون إذنهم. أما رب العالمين فلعظمته وتمام ملكه، لا يستطيع أحد أن يقدم على الشفاعة عنده، مهما كان مقامه، حتى يأذن له، كما تقدم في حديث الشفاعة قوله ﷺ : ((فأستأذن على ربي، فإذا رأيته خررت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي من المحامد والثناء، ثم يقول: ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع)) وفيه: ((فيحد لي حداً، فيقول: هؤلاء اشفع فيهم)) فعاد الأمر كله لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا (٣) ﴾ . والشاهد من الآية للباب قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فإن الإذن يكون بالقول المسموع، الذي يسمعه المأذون له على الأقل. وأما قول الحافظ فيما ظنه: ((أن البخاري أشار بهذه الآية إلى ترجيح أن الضمير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ للملائكة)) (٤) إلى آخره، وأن فاعل الشفاعة في قوله: ((ولا تنفع الشفاعة عنده)) هم الملائكة، فهو بعيد عن مراد البخاري، وإن كان هذا الذي ذكره هو الصواب في كون الضمير للملائكة، وفاعل الشفاعة هم.

стр. 772

((وقال مسروق: عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت، عرفوا أنه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق)) . قال الحافظ: رواه أحمد موصولاً، ولفظه: ((أن الله – – إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسة على الصفاء، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل، فزع عن قلوبهم، قال: ويقولون: يا جبريل، ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول: الحق، قال: فينادون: الحق، الحق)) (١) . ورواه البخاري موصولاً في ((خلق أفعال العباد)) (٢) . وقال أبو داود: ((حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، وعلي بن الحسين بن إبراهيم، وعلي بن مسلم، قالوا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق، الحق)) (٣) . وقال ابن جرير: ((حدثني زكريا بن أبان المصري، قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي زكريا، عن جابر بن حيوة، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله

стр. 773

– ﷺ : ((إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله)) (١) . وبهذه الأحاديث يتبين معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أن هذا الفزع الذي يصيبهم من شدة خوفهم من الله – تعالى -، عندما يسمعون صوت السماء، ويعملون أن ذلك الصوت الذي هو كجر السلسلة على الصفاء هو رعدة السماوات، وخوفها من الله لما سمعت كلامه بالوحي، فعند ذلك تصعق الملائكة خوفاً أن يكون الله – تعالى- أمر بقيام الساعة التي يجازي فيها كل عامل بعمله، هذا مع قيامهم بأمر الله وطاعته، وعظيم عبادتهم له، يخافون هذا الخوف الشديد، فكيف بمن يبارز الله – تعالى – بالمعاصي؟ وفي هذه الأحاديث ونحوها الدلالة الواضحة بأن الله يتكلم بكلام تسمعه السماوات ومن فيهن، من الملائكة، وأن كلامه لا يشبه كلام خلقه، وأن من أنكر كلام الله، فليس معه إلا مجرد الوهم وشُبَه الشيطان الباطلة. وفيها إثبات الصوت لله – تعالى – وأن صوته لا يشبه صوت العباد كما سيأتي. ***** ١٠٧ – قال: ((ويذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس، قال: سمعت النبي – ﷺ – يقول: ((يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: ((أنا الملك، أنا الديان)) .

стр. 774

هذا الحديث ذكره في مواضع من ((صحيحه)) ، مرة بصيغة الجزم، ومرة بصيغة التمريض، وقد رواه في ((الأدب المفرد)) مسنداً مرفوعاً، حيث قال: ((حدثنا موسى، قال: حدثنا همام، عن القاسم بن عبد الواحد، عن ابن عقيل، أن جابر بن عبد الله حدثه، أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلي شهراً، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه، أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني. قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت. قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يحشر الله العباد - أو الناس - عراة، غرلاً، بهما. قلنا: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد - أحسبه قال: كما يسمعه من قرب -: أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف، وإنما نأتي الله عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)) (١) . قوله: ((يحشر الله العباد)) الحشر: الإخراج والجمع. قال الراغب: ((الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم، وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها، وروي ((النساء لا يحشرن)) أي: لا يخرجن إلى الغزو، ويقال ذلك في الإنسان وغيره، ولا يقال: الحشر، إلا في الجماعة، قال تعالى: ﴿فَأرسَلَ فِرعَوَنُ فيِ المَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ .

стр. 775

وقال تعالى: ﴿وَالطَّيرَ مَحشُوَرَةً كُلُ لَّهُ أَوَّابُُ﴾ ، ﴿وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَاسُ﴾ ، ﴿فَسَيَحَشُرُهُم إِلَيهِ جَمِيعًا﴾ وسمي يوم القيامة: يوم الحشر، كما سمي يوم البعث، ويوم النشر)) (١) . لأن الله – تعالى – يحيي كل من مات من خلقه، فيجمعهم في مكان واحد ليحاسبهم، فيجزيهم بعملهم. قوله: ((فيناديهم بصوت)) النداء لا يكون إلا بصوت، ولا يعرف الناس نداء بدون صوت، فذكر الصوت هنا لتأكيد النداء، وهذا في غاية الصراحة والوضوح في أن الله يتكلم بكلام يسمع منه تعالى، وأن له صوتاً، ولكن صوته لا يشبه أصوات خلقه، ولهذا قال: ((يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)) فهذه الصفة تختص بصوته تعالى، وأما أصوات خلقه فيسمعها القريب منها فقط، حسب قوة الصوت وضعفه، وقد كثرت النصوص المثبتة لذلك، منها ما ذكره البخاري – ﵀ – في هذا الباب، ومنها ما ذكره الله – تعالى – في كتابه في أكثر من عشرة مواضع، بلفظ النداء الذي لا يكون إلا بصوت. منها قوله تعالى: ﴿ِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ (٢) . وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٣) . وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) . وقوله : ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ

стр. 776

حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨﴾ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ﴾ يعني: أن المنادي هو الله العزيز الحكيم. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) أي: ناداه تعالى بهذا القول: ((يا موسى إني أنا الله رب العالمين)) . ومنها: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٣) . وقوله في السورة أيضاً ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٤) ﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥) . وقوله: ﴿َ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ (٦) . وقوله: ﴿َ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿١٥﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (٧) ﴾ فهذه عشرة مواضع كلها صريحة في أن الله ينادي، منها ما وقع في الدنيا، ومنها ما سيقع يوم القيامة. وليس مع من ينكر نداء الله، وأنه تعالى يسمع من يشاء من خلقه نداءه،

стр. 777

إلا مجرد الوهم والقياس الفاسد، الناتج عن الأفكار المضللة. قال البخاري – ﵀: ((ويذكر عن النبي – ﷺ – أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن الله – – ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب. فليس هذا لغير الله – جل ذكره – وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ لأن صوت الله – جل ذكره – يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا. وقال – : ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ (١) فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين)) (٢) . ((قال الخلال: وأخبرنا المروذي: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله، وعدو للإسلام: فتبسم أبو عبد الله، وقال: ما أحسن هذا، عافاه الله)) (٣) . و ((قال الخلال في ((السُّنَّة)) : أخبرنا علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم، قال: إن أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى، فقد كفر بالله، وكذب القرآن ورد على رسول الله – ﷺ – أمره، يستتاب من هذه المقالة، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قال: وسمعت أبا عبد الله قال: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكلِيماً﴾ فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال يؤكد كلامه: ﴿تَكلِيماً﴾ .

стр. 778

قلت لأبي عبد الله: الله – – يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله – ؟ يكلم عبده، ويسأله. الله متكلم لم يزل يأمر بما يشاء، ويحكم، وليس له عدل ولا مثيل، كيف شاء، وأنى شاء. أخبرنا محمد بن علي بن بحر، أن يعقوب بن بختان حدثهم، أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت، فقال: بلى، تكلم بصوت، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها، لكل حديث وجه، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر. قال شيخ الإسلام: ((قلت: وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد، بل ذلك صوت العبد كما هو معلوم لعامة الناس. وقد نص على ذلك الأئمة، أحمد وغيره، فالكلام المسموع من العبد حال تلاوته القرآن هو كلام الله، لا كلام غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ (١) . وقال النبي – ﷺ : ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلا م ربي، فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي)) رواه أبو داود وغيره (٢) . وقال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) (٣) ، وقال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) (٤) .

стр. 779

((وقال أبو نصر السجزي: ((فأما الله – تعالى – فإنه متكلم فيما لم يزل، ولا يزال، إذا شاء ذلك، ويكلم من يشاء تكليمه بما يعرفه [المخاطب] ولا يجهله، وكلامه أحسن الكلام، وفيه سور، وآي، وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو المسموع منه على الحقيقة سماعاً يعقله الخلق، وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم في حال واحدة، يما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا)) (١) . وقال أيضا: ((لما وجدنا أحكام الشريعة المتعلقة بالكلام منوطة بالنطق الذي هو حرف وصوت، دون ما في النفس، علمنا أن حقيقة الكلام هو الحرف والصوت. فلو حلف امرؤ أنه لا يتكلم ساعة من النهار، فأقام في تلك الساعة يحدث نفسه بأشياء، ولا ينطق بها، كان باراً، غير حانث. ولو كان الكلام هو ما في النفس، حنث في أول ما يحدث به نفسه)) (٢) . وقال أيضا: (فالله – تعالى – قد بين في كتابه ما كلامه، وبين ذلك الرسول – ﷺ – واعترف به الصدر الأول والسلف الصالح، فقال الله - تعالى-: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ (٣) ، وقال: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن﴾ ِ (٤) ، والمستجير لا يسمع إلا كلاماً ذا حروف، والقارئ لا يقرأ إلا كلاماً ذا حروف. ولما سمى تعالى هذا القرآن كلامه، علم أن كلامه حروف، وقد أكد ذلك بذكر الحروف المقطعة في أوائل السور ... ﴿كَهيعص﴾ ونحوها.

стр. 780

فمن زعم أن هذه الحروف ليست من القرآن فهو كافر، ومن قال: إنها من القرآن، والقرآن ليس كلام الله، فهو كافر، ومن زعم أنها عبارة عن الكلام الذي لا حروف فيه، فهو جهل وغباء؛ لأن ذلك لا يعرف، والنبي – ﷺ – قال: ((من قرأ القرآن، فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: ((الم)) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، وبهذا يتبين أن القرآن سور، وآيات، وحروف، وهكذا كلام الله)) (١) . وقال أيضاً: ((الأصل الذي يجب أن يعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمَّيْن بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود، رؤوف، واحد، حي، عليم، سميع، بصير، متكلم، وقلنا: إن النبي – ﷺ – كان موجوداً، حيا، عالماً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، لم يكن ذلك تشبيهاً، ولا خالفنا به أحداً من السلف، والأئمة. بل الله موجود لم يزل، واحد، حي، قديم، قيوم، عالم، سميع، بصير، متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات. والموجود منا إنما وجد من عدم، وحين ينقضي أجله ثم يصير ميتاً يزول ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم وسمع وأبصر وتكلم بحوارح تلحقها الآفات. فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق – – وإن اتفقت مسميات هذه الصفات)) (٢) . ((وقد بين الله في كتابه أن الكلام لا يكون إلا بصوت وحروف، قال تعالى: ﴿وَإِذ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ والعرب لا تعرف نداء إلا صوتاً.

стр. 781

وقد جاء عن موسى تحقيق ذلك، فإن أنكروا الظاهر كفروا، وإن قالوا إن النداء غير صوت خالفوا لغات العرب. وإن قالوا: نادى الأمير إذا أمر بالنداء، دفعوا فضيلة موسى – ﷺ – المختصة به من تكليم الله إياه بذاته، من غير واسطة، ولا ترجمان. وليس في وجود الصوت من الله – تعالى – تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق، كما لم يكن في إثبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه، وكلام الله حروف، وأصوات بحكم النص)) (١) . ((والله – تعالى – لم يزل متكلماً إذا شاء، وإذا شاء تكلم بصوت يسمع، وبحروف، وكل ما قام بذات الله – تعالى – فليس بمخلوق، سواء كان قديما أو حادثاً، وكلامه – تعالى – وفعله متعلق بمشيئته وإرادته، هذا قول أهل السُّنَّة والجماعة. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: ((سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى، لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود: ((إذا تكلم الله سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان)) . قال أبي: وهذا الجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر)) (٢) . وقال أيضا: ((حدثني أبي: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن

стр. 782

الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال: سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء، ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا)) (١) . وقال أبو يعلى بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره: ((اعلم أن هذه الأخبار تدل على أن كلام الله – تعالى – بحرف وصوت، لا كحروف الآدميين وأصواتهم، كما أن له علماً وقدرة لا تشبه صفات الآدميين، وقد نص أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصوت)) (٢) ، وكلام أهل العلم من السلف وأتباعهم في هذا كثير. قوله: ((أنا الملك أنا الديان)) يعني: أن النداء الذي يسمعه أهل الموقف كلهم يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، هو بهاتين الكلمتين: ((أنا الملك أنا الديان)) ، فهو تعالى الملك الذي بيده ملك السماوات والأرض، ومن فيهن، وهو الديان الذي يجازي عباده بعملهم، من عمل خيراً جازاه بأفضل مما عمل، ومن عمل شراً جازاه بما يستحق. وفي هذا الحديث دليل على أن بعض أهل الموقف أقرب إلى الله من بعض. ودل على هذا المفهوم آيات من كتاب الله، وأحاديث ثابتة عن رسول الله – ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذيِنَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْملُونَ العَرشَ وَمَن حَولَهُ﴾ ، ونحو ذلك، وعند الذين ضلوا في هذا الباب، الخلق بالنسبة إلى الله سواء بالقرب والبعد، وكفى بذلك ضلالاً أنه مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وللفطر والعقول. *****

стр. 783

١٠٨ – قال: ((حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة يبلغ به النبي – ﷺ – قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على الصفوان)) . قال علي: وقال غيره: ((صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير)) . قوله: ((إذا قضى)) المراد بالقضاء هنا: الأمر بالشيء، والحكم، بأن يتكلم آمراً ملائكته، كما في حديث ابن مسعود المتقدم، وحديث النواس بن سمعان: إذا تكلم الله بالوحي. قوله: ((ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله)) صريح بأن الملائكة تسمع قوله: ولا يعقل شيء يدركه السمع إلا ما كان بصوت وحروف. هذا هو مراد البخاري – ﵀ – أن كلام الله يسمع منه؛ لأنه يتكلم حقيقة، والكلام الحقيقي الذي يسمع لا بد أن يكون بصوت وحروف، وهذا الذي فهمه صحابة رسول الله – ﷺ – منه، وهو الذي أراد منهم فهمه، وكذا فهمه أتباعه إلى اليوم. ((خضعاناً)) مصدر لخضع، كغفران مصدر لغفر، والمعنى: أن الملائكة تخضع لله عند سماع كلامه، وتستكين، فتضرب بأجنحتها من الخضوع. والصفوان هي الحجارة الكبيرة الصلبة. قوله: ((ينفذهم ذلك)) يعني: أن الصوت المذكور يبلغهم كلهم ويسمعونه. قوله: ((قال سفيان: قال عمرو: سمعت عكرمة، حدثنا أبو هريرة بهذا، قلت لسفيان: قال: سمعت عكرمة ... )) إلى آخره. يقصد بيان أن عكرمة قد صرح بالتحديث، فينتفي احتمال التدليس.

стр. 784

قوله: ((فزع)) قال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه هكذا أم لا. قال سفيان: ((وهي قراءتنا)) . هذه القراءة بضم الفاء وبالراء المهملة المشددة، وبالغين المعجمة، قال في إتحاف فضلاء البشر: ((قي قراءة الحسن)) (١) . وعمرو المذكور هو ابن دينار. قوله: ((فلا أدري سمعه هكذا أم لا)) أي: سمعه من عكرمة، أو قرأها كذلك من قبل نفسه بناء على أنها قراءته. وقول سفيان: هي قراءتنا، يريد نفسه، ومن تابعه (٢) . قال الحافظ بعد أن ذكر عدة روايات تتعلق بهذا الحديث، سجود الملائكة عند سماعهم صوت الوحي من الله، قال: ((فهذه الأحاديث ظاهرة جداً في أن ذلك وقع في الدنيا، بخلاف قول بعض المفسرين الذين أقدموا على الجزم بأن الضمير في قوله: ((عن قلوبهم)) للكفار، وأن ذلك يقع يوم القيامة، مخالفين لما صح من الحديث النبوي، من أجل خفاء معنى الغاية في قوله: ((حتى إذا فزع عن قلوبهم)) . وما قاله هو الذي يجب أن يعتمد، ولا يلتفت إلى غيره؛ لأن الأحاديث أوضحته غاية الإيضاح. **** ١٠٩ - قال: ((حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : ((ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي يتغنى بالقرآن)) وقال صاحب له: يريد: يجهر به)) .

стр. 785

قال ابن كثير: ((معناه: أن الله – تعالى – ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت؛ لكمال خلقهم، وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك. وهو يسمع أصوات العباد كلهم، برهم فاجرهم، كما قالت عائشة – ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات)) . ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (١) ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ، كما دل عليه هذا الحديث العظيم. ومنهم من فسر الإذن ها هنا بالأمر، والأول أولى؛ لقوله: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)) أي: يجهر به، فالأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ ﴿١﴾ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ فالإذن هنا الاستماع، ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجه بسند جيد، عن فضالة بن عبيد، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن، من صاحب القينة إلى قينته)) . وقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني: يستغني به، فإن أراد أنه يستغني به عن الدنيا – وهو الظاهر من كلامه – فخلاف الظاهر من مراد الحديث؛ لأنه فسره بعض رواته بالجهر، وهو تحسين القراءة، والتحزين بها)) (٢) . ثم قال: ((والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه، وتحزينه، والتخشع به، كما رواه بقي بن مخلد، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله

стр. 786

– ﷺ – ذات يوم: ((يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة)) قلت: أما – والله – لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيراً)) (١) . ومن تأمل الأحاديث الواردة في ذلك تبين له أن معنى قوله: ((يتغنى بالقرآن)) : تحسين الصوت وتزيينه بما يستطيع القارئ، والتغني لا يكون إلا بالكلام ذي الحروف، كما أن الاستماع لا يكون إلا للكلام المصوت به، وهذا هو وجه استدلال البخاري بهذا الحديث. فالقرآن الذي يحب الله من عبده أن يتغنى به، ويحب استماعه إليه في ذلك، ينطق به بالحروف ويصوت به. والله – تعالى – قد تكلم به بصوت نفسه، وبهذه الحروف المكتوب بها. ((وذكر الطبري)) عن الشافعي، أنه سئل عن تأويل ابن عيينة: ((التغني بالاستغناء)) فلم يرتضه، وقال: ((لو أراد الاستغناء، لقال: يستغني وإنما أراد تحسين الصوت)) ويؤيده ما في رواية الطبري: ((ما أذن لنبي في الترنم في القرآن)) . وفي رواية عبد الرزاق: ((ما أذن لنبي حسن الصوت)) ، وهو عند مسلم. وفي رواية للطحاوي: ((حسن الترنم بالقرآن)) . قال الطبري: الترنم لا يكون إلا بالصوت، إذا أحسنه القارئ، وطرب به، ولو كان معناه: الاستغناء، لما كان لذكر الصوت والجهر معنى)) . ولا نعلم في كلام العرب ((تغنى بمعنى استغنى، ولا في أشعارهم)) .

стр. 787

ومثل ذلك قال الإسماعيلي، وقال: الاستغناء لا يحتاج إلى استماع؛ لأن الاستماع أمر خاص، زائد على الاكتفاء به، والاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة. وقال عمر بن شبة: ذكرت لأبي عاصم النبيل: تفسير ابن عيينة – يعني: يستغني به – فقال: لم يصنع شيئاً، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: كان داود – ﵇ – يتغنى – يعني: حين يقرأ – ويَبكي ويُبكي. وظواهر الأخبار ترجح أن المراد: تحسين الصوت بالقراءة، ويؤيده قوله: ((يجهر به)) فإن كان ذلك مرفوعاً قامت الحجة، وإن كان غير مرفوع، فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره، ولا سيما إذا كان فقيهاً. وقد جزم الحليمي بأن ذلك من قول أبي هريرة، والعرب تقول: سمعت فلاناً يتغنى بكذا، أي: يجهر به، قال ذو الرمة: أحب المكان القفر من أجل أنني به أتغنى باسمها غير معجم يعني: أجهر بذكر اسم حبيبتي من غير تورية. والحاصل: أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة. وهو أنه يحسن به صوته، جاهراً به، مترنماً، على طريق التحزن، مستغنياً به عن غيره من الأخبار، طالباً به غنى النفس، راجياً به غنى اليد)) (١) . قلت: في هذا الجمع نظر، فإن الرسول – ﷺ – أراد بذلك معنى معيناً، وظواهر أقواله في ذلك أنه أراد تحسين الصوت، وكذا التحزن الذي يستجلب به الخشوع ومحبة القرآن والإقبال إلى استماعه.

стр. 788

ولا يلزم الجمع بين التأويلات، بل كل تأويل خالف النص يجب رده على من قاله. قال الحافظ: ((ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب، وإجراء الدمع. ولا خلاف بين السلف في استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وتقديم حسن الصوت على غيره. وإنما اختلفوا في التلحين، بين مانع ومجيز. والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقراءة مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة، أحد رواة الحديث، أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ومن جملة تحسينه: أن يراعي فيه قوانين النغم، فإن الحسن الصوت يزداد بذلك حسناً، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه. وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يفِ تحسين الصوت بقبح الأداء. ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معاً، فلا شك أنه أرجح من غيره، لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويتجنب الممنوع من حرمة الأداء. والله أعلم)) (١) . ****** ١١٠ – قال: ((حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال:

стр. 789

قال النبي ﷺ : ((يقول الله - تعالى -: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار)) . قال محب الدين الطبري: ((لبيك: مصدر مثنى، للتكثير والمبالغة، ومعناه: إجابة بعد إجابة، ولزوماً لطاعتك. وتثنيته للتوكيد، لا تثنية حقيقة، قال ابن الأنباري: ثنوا لبيك، كما ثنوا حنانيك، أي: تحنناً بعد تحنن)) (١) . وقال ابن الأنباري: ((سمعت أبا العباس يقول: معنى قولهم: لبيك: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك، من قولهم: قد لبَّ الرجل في المكان وألبَّ، إذا أقام فيه، قال الشاعر: محل الجهر أنت به مقيم ملب ما يزول ولا يريم وقال الفراء: معنى لبيك: إجابتي لك يا رب، ونصب على المصدر، وثني؛ لأنه أراد إجابة بعد إجابة. وقال آخرون: معناه: اتجاهي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلبُّ دارك، أي: تواجهها. وقال آخرون: معناه: محبتي لك، من قولهم: امرأة لبَّة، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه)) (٢) ، ويذكر مثل ذلك الجوهري (٣) .

стр. 790

وقال الزمخشري: ((معنى لبيك: دواماً على طاعتك، وإقامة عليها مرة بعد أخرى، من ألب بالمكان: إذا أقام به، وألب على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير، ولا يكون عامله إلا مضمراً، كأنه قال: ألب إلباباً بعد إلباب. والتلبية من لبيك، بمنزلة التهليل من لا إله إلا الله)) (١) . ((وقال الخليل: هي من قولهم: دار فلان تلب داري، أي: تواجهها. فيكون معناه: اتجاهي وقصدي إليك يا رب، مرة بعد أخرى. وقيل: هي من قولهم: حب لباب، إذا كان خالصاً محضاً، ومنه: لب الطعام ولبابه، فعل هذا معناه: إخلاصي لك يا رب، مرة بعد أخرى. وقيل: هو من الإلباب، أي: القرب: أي: قربي منك، وقيل: من قولهم: أنا ملب بين يديك، أي: خاضع)) (٢) . قوله: ((فينادي بصوت)) قال الحافظ: ((أكثر الرواة، رووه بكسر الدال - يعني رواة صحيح البخاري - قال: وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول، ولا محذور في رواية الجمهور، فإن قرينة قوله: ((إن الله يأمرك)) تدل ظاهراً على أن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك)) (٣) . قلت: هذا مجانب للإنصاف، وبعيد عن ظاهر قول رسول الله ﷺ بل الظاهر أن المنادي هو الله - تعالى -. والنداء صفة كمال، لا محذور فيه كما توهمه أهل التأويل الباطل.

стр. 791

وقد ثبت بالنصوص الكثيرة اتصاف الله - تعالى - بالكلام، والنداء منه. وأي محذور يخشاه هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم لتحريف كلام الله وكلام رسوله، وصرفه عن الظاهر المراد منه، حتى عطلوه - تعالى-، حتى جعلوا المخلوق أكمل منه، ولذلك قالوا: المنادي ملك يأمره الله أن ينادي آدم، هذا مع وضوح الكلام وكونه يأبى هذا التحريف، فإنه قال: ((يقول الله: يا آدم، فينادي بصوت)) فقوله: ((فينادي بصوت)) تفسير لقوله: ((يقول الله: يا آدم)) ، وبيان له، ولكن الذين تأثروا بأصول الجهمية ظنوا أن اتصاف الله - تعالى - بالكلام حقيقة والنداء من التشبيه، فنفوا ذلك عن الله - تعالى - ظانين أن هذا قول أهل السُّنَّة فصار الأخذ بظاهر هذا النص ونحوه لا يجوز؛ لأنه عندهم على خلاف أصولهم، التي منها: نفي حقيقة الكلام عن الله - تعالى -، فوجب تأويله - كما زعموا -، والحق خلاف ظنهم. ثم نقول: إذا كان الله - تعالى - ليس هو المنادي، وإنما يأمر ملكاً ينادي، نقول: بأي شيء يأمر الملك، وأنتم تقولون: لا يتكلم بكلام يسمع منه؟ أيكون أمره بالإشارة؟ وبذلك يكون الملك أكمل من رب العالمين. أم يكون الأمر بأن يخلقه بقلبه؟ فإن قالوا ذلك فيلزم أن يكون الأمر صفة للملك؛ لأن ما كان مخلوقاً فيه فهو صفة له. فالحق أن الله يتكلم بصوت مسموع يسمعه من شاء من عباده، وليس الصوت الذي يتكلم الله به قديماً كما يقوله بعض أهل البدع، بل لم يزل يتكلم متى شاء، وسيكلم عباده يوم القيامة ويحاسبهم، كما في حديث عدي بن حاتم: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) . ولما علم أئمة الأشعرية القدماء أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة العين، لم يمكنهم أن يقولوا: القديم هو الحروف، والأصوات؛ لأنها لا تكون إلا متعاقبة.

стр. 792

والصوت عرض، لا يبقى زمانين إلا بواسطة ما يمسكه كشريط التسجيل ونحوه، فلذلك قالوا: القديم معنى واحد، لامتناع معانٍ لا نهاية لها عندهم، وهذا هو أصلهم الذي بنوا عليه مذهبهم الباطل. ((والاختلاف في القرآن والكلام، هل هو حرف وصوت أو غير ذلك؟ محدث حدث في حدود المائة الثالثة، وانتشر في المائة الرابعة. فإن ابن كلاب والأشعري ونحوهما لما ناظروا المعتزلة في إثبات الصفات، وأن القرآن ليس مخلوقاً، وأنه لا يمكن أن يكون قديماً إلا أن يكون معنى قائماً بنفس الله، كعلمه. وزادوا: إن الله لا يتكلم بصوت، ولا لغة، ولا قديم ولا غير قديم، لما رأوا امتناع قيام أمر حادث به، وخالفوا في ذلك جمهور المسلمين. والآثار شاهدة بأن الله يتكلم بصوت، ولهذا جعل الإمام أحمد من أنكر ذلك: جهمياً. قال عبد الله: قلت لأبي: إن قوماً يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت؟ فقال: هؤلاء جهمية، إنما يدورون على التعطيل)) (١) قال شيخ الإسلام: ((السلف والأئمة يقولون: إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه تعالى قديم النوع، بمعنى أنه لم يزل متكلماً إذا شاء، فإن الكلام صفة الكمال، ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته، ومن لا يزال متكلماً بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكناً له بعد أن يكون ممتنعاً)) (٢) .

стр. 793

وقال أيضاً: ((والصواب أن الله - تعالى - لم يزل متكلماً إذا شاء، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلماته لا نهاية لها، وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى، وإنما ناداه حتى أتى، لم يناده قبل ذلك، وأن صوت الرب لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم)) (١) . وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: ((حدثنا أبي، حدثنا جرير، عن منصور، عن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل الأشجعي، قال: كنت جاراً لخباب، فخرجنا يوماً من المسجد، وهو آخذ بيدي فقال: يا هناه، تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه)) يعني: القرآن. وروي بسند حسن، عن جبير بن نفير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)) يعني: القرآن. وقال: ((حدثني أبو معمر، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك. وحدثني أبي، سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى، تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت)) (٢) . يعني: أنها لا تؤول، بل يجب الإيمان بها على ما يدل عليه ظاهرها، من أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت.

стр. 794

ولو كان ما يفهم من ظاهرها باطل، لبينه رسول الله ﷺ ؛ لأن الله - تعالى - كلفه ببيان ما نزل إليه. ثم قال: ((سمعت أبا معمر الهذلي يقول: من زعم أن الله لا يتكلم، ولا يسمع ولا يبصر، ولا يغضب، ولا يرضى - وذكر أشياء من هذه الصفات - فهو كافر بالله)) . حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، فيخرون سجداً، حتى إذا فرغ عن قلوبهم، قال: سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال كذا وكذا، ورواه مرفوعاً)) (١) . وفي الترمذي، عن عمران بن حصين، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فتفاوت بين أصحابه في السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَأيُّها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُم إِنَ زَلزَلَةَ السَاعِة شَيءُ عَظِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابَ اللهِ شَدِيدُ﴾ ، فلما سمع ذلك أصحابه حثوا المطى، وعرفوا أنه عنده قول يقوله، فقال: ((هل تدرون أي يوم ذلك؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذاك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم، ابعث بعث النار)) إلى آخر الحديث، وقال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)) (٢) . فهذا ظاهر جداً في أن المنادي هو الله - تعالى -، والنداء لا يكون إلا بصوت يسمع من بعدٍ عن المنادي، فللَّه - تعالى - صوت يليق به، فصوته لا يشبه أصوات خلقه، كصفاته.

стр. 795

ولثبوت ذلك بالأدلة التي ذكر شيء منها في هذا يتعين على المؤمن الإيمان بأن الله - تعالى - يتكلم بكلام يُسْمِعُه من يشاء من خلقه، وأنه بصوت، إذا شاء صوت به. فتبين أن قول الحافظ: ((إن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك)) باطل، إذ هو خلاف الحق، وأن المنادي هو الله. وإذا كان الله - تعالى - لا يتكلم بكلام مسموع منه، فكيف يأمر الملك؟ وكيف يرسل الرسل؟ أو ليس الكلام صفة كمال، ومن يتكلم وينادي أكمل ممن لا يقدر على ذلك؟ فما هو المسوغ لتحريف كلام الله وكلام رسوله؟ مع أن السلف وأهل السُّنَّة مجمعون على وصف الله بالكلام، وأن من نفى ذلك ضال سالك غير سبيل المؤمنين. قال الألوسي: ((الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي، والأشعري، وغيرهما من المحققين، أن موسى ﵇ سمع كلام الله - تعالى - بحرف وصوت، كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغاً لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب في مقابلته قال وقيل، بل قد ورد في إثبات الصوت لله - تعالى - أحاديث لا تحصى)) (١) . ***** ١١١- قال: ((حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة)) . تقدم هذا الحديث في الفضائل، والنكاح، والأدب، وفي ألفاظ متنه وفي

стр. 796

إسناده اختلاف عما هنا، وقد بينت عائشة ﵂ سبب غيرتها: أنه كثرة ذكر النبي ﷺ لها، وثناؤه عليها، وجاء في رواية ((لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره ربه أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن)) (١) . والغيرة عند النساء جبلة لا يستطعن التخلي عنها، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على عائشة، وفي هذا الحديث فضل خديجة ﵂. والمقصود من الحديث هنا قوله: ((ولقد أمره ربه أن يبشرها)) ؛ لأن الأمر عند الإطلاق لا يكون إلا بالكلام، فلذلك قال العلماء: إن من نفي الكلام عن الله - تعالى - فقد نفى الرسالة، والشرائع كلها؛ لأنها أمر ونهي. ((قال الخلال في ((السُّنَّة)) : أخبرني علي بن عيسى، أن حنبلاً حدثهم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى، فقد كفر بالله، وكذب بالقرآن، ورد على رسول الله ﷺ أمره، يستتاب من هذه المقالة، فإن تاب وإلا ضربت عنقه)) . قال: وسمعت أبا عبد الله: قال الله - تعالى-: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكلِيماً﴾ فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال -تعالى - يؤكد كلامه: ﴿تَكلِيماً﴾ . قلت لأبي عبد الله: الله - تعالى - يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ؟ يكلم الله عبده ويسأله، لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم، وليس له عدل ومثل، كيف شاء، وأنى شاء)) (٢) . ********

стр. 797

قال: ((باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة)) . يريد بهذا تنويع الأدلة، وأن الله يتكلم متى شاء، ويكلم من يشاء من ملائكته في أي وقت أراد، وسبق الكلام في النداء. ((وقال معمر:: ﴿وَإِنّكَ لَتُلَقَّى القُرآنَ﴾ أي: يلقى عليك، وتلقاه أنت - أي: وتأخذه عنهم - ومثله: ﴿فَتَلَقَّىَ آدَمُ مِن رَّبّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال الحافظ: ((معمر هذا يتبادر أنه ابن راشد، شيخ عبد الرازق، وليس كذلك، بل هو أبو عبيدة، معمر بن المثنى اللغوي. قال أبو ذر الهروي: وجدت ذلك في كتاب المجاز له، فقال في تفسير سورة النمل في قوله : ﴿وَإِنّكَ لَتُلَقَّى القُرآنَ﴾ أي: تأخذه عنه، ويلقى عليك. وقال في سورة البقرة: ﴿فَتَلَقَّىَ آدَمُ مِن رَّبّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي: قبلها، وأخذها عنه، قال أبو عبيدة: وتلا علينا أبو مهدي آية، فقال: تلقيتها من عمي، تلقاها عن أبي هريرة، تلقاها عن النبي ﷺ . وقال في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلا الصَابِروُنَ﴾ أي: لا يوافق لها، ولا يرزقها ولا يلقنها. وحاصله: أنها تأتي بالمعاني الثلاثة، وأنها هنا صالحة لكل منها. وأصله: اللقاء، وهو: استقبال الشيء ومصادفته)) (١) .

стр. 798

ومقصوده بالمعاني الثلاثة: تأخذها، وتقبلها، وتوفق لها وترزقها. وبعضها قريب من بعض. وقال ابن جرير: ((وإنك يا محمد لتحفظ القرآن، وتعلمه)) (١) . وقال: ﴿فَتَلَقَّىَ آدَمُ مِن رَّبّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قيل: إنه أخذ وقبل، وأصله: التفعل من اللقاء، كما يتلقى الرجل مستقبله عند قدومه من غيبته، أو سفره. فكأنه استقبله، فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه، أو أخبره، ومعناه: فلقَّى الله آدم كلمات توبة، فتلقاها آدم من ربه، وأخذها عنه تائباً)) (٢) . **** ١١٢ - قال: ((حدثني إسحاق، حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن - هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ﵎ إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في أهل الأرض)) . قال الحافظ: ((وقع في بعض طرقه بيان سبب هذه المحبة والمراد بها، ففي حديث ثوبان: أن العبد يلتمس مرضاة الله - تعالى - فلا يزال كذلك حتى يقول: يا جبريل، إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضينى، ألا وإن رحمتي غلبت عليه)) (٣) . يعني: أن المراد بالمحبة هي الرحمة، كما يقوله الأشاعرة، وليس كذلك،

стр. 799

بل المحبة صفة الله - تعالى - غير صفة الرحمة، ورحمة الله - تعالى - لعبده من لوازم محبته له، وقد تقدم تقرير ذلك، والرد على المحرفين من الأشاعرة وغيرهم (١) . وأسباب محبة الله - تعالى - لعبده متعددة، حسب ما دلت عليه النصوص في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، منها: التوبة، فالله - تعالى - يحب التوابين، ومنها: التطهير من الأنجاس الحسية والمعنوية: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُ المُتَطَهِرِينَ﴾ ومنها: الثبات أمام العدو صفوفاً كالبنيان المرصوص: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ . وفي الحديث الصحيح: ((لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به)) الحديث. قوله: ((إن الله ﵎) قال ابن عباس: تبارك: تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدس ربنا)) (٢) . وقال الأزهري: ((أخبرني المنذري عن أبي العباس، أنه سئل عن تفسير ((تبارك الله)) فقال: ارتفع، والمتبارك: المرتفع، ومعنى البركة: الكثرة في كل خير، وتبارك: تعالى وتعاظم، وقال ابن الأنباري: تبارك الله: أي: يتبرك باسمه في كل أمر، وقال الليث: تبارك الله: تمجيد وتعظيم، وقال أبو بكر: تبارك: تقدس، أي: تطهر، والمقدس: المطهر)) (٣) . وقال: ((عن الليث: ((تعالى)) هو: العلي المتعالي، العالي الأعلى، ذو العلاء والعُلا والمعالي، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وهو الأعلى - سبحانه -

стр. 800

بمعنى العالي، وتفسيره ((تعالى)) : جل عن كل ثناء، فهو أعظم وأجل وأعلى مما يثنى عليه، لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) (١) . يعني: أن ثناء الخلق عليه - تعالى - لا يبلغ ما يستحقه من الثناء، ولا قريباً من ذلك، بل هو كما أثنى على نفسه، ولهذا قال النبي ﷺ : ((لا أحصي ثناء عليك، بل أنت كما أثنيت على نفسك)) (٢) . قال الأزهري: ((وتفسير هذه الصفات لله - تعالى - يقرب بعضها من بعض، فالعلي: الشريف، فعيل من علا يعلو، وهو بمعنى العالي، وهو الذي ليس فوقه شيء، ويقال: هو الذي علا الخلق فقهرهم بقدرته. وأما المتعالي: فهو الذي جل عن إفك المفترين، وتنزه عن وساوس المتحيرين، وقد يكون المتعالي بمعنى العالي. والأعلى هو الله الذي أعلى من كل عال، واسمه الأعلى، أي: صفته أعلى الصفات)) (٣) . وقال ابن القيم: ((الرب تعالى يقال في حقه: تبارك، ولا يقال: مبارك. ثم قالت طائفة - منهم الجوهري -: إن تبارك بمعنى: بارك، مثل قاتل وتقاتل، إلا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى. وهذا غلط عند المحققين، وإنما تبارك: تفاعل من البركة، وهذا الثناء في حقه - تعالى - إنما هو لوصف رجع إليه، كتعالى، فإنه تفاعل من العلو، ولهذا يقرن بين هذين اللفظين فيقال: ﵎، وهو سبحانه أحق بذلك وأولى من كل أحد، فإن الخير كله بيده،

стр. 801

وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة، وخيرات لا شرور فيها. وهذا ثناء يشعر بالعظمة والرفعة والسعة، كما يقال: تعاظم، وتعالى ونحوه، فهو دليل على عظمته، وكثرة خيره، ودوامه، واجتماع صفات الكمال فيه، وأن كل نفع في العالم كان ويكون، فمن نفعه - سبحانه - وإحسانه. ويدل هذا الفعل أيضاً في حقه على العظمة، والجلال وعلو الشأن)) (١) . قوله: ((إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل)) . صريح في أن الله - تعالى - يحب من يشاء من عباده من أهل الطاعة له والتقوى، كما هو صريح أيضاً في أنه - تعالى - يتكلم وينادي متى يشاء لمن يشاء، وفي هذا الحديث النداء لجبريل خاصة، وتقدم أن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع، وأن مثل هذه النصوص من أبلغ الأدلة على إثبات صفة الكلام لله - تعالى -، وهذا القدر من الحديث هو المقصود، إذ هو محل الشاهد، وفيه: أن جبريل ﵇ بمجرد إخبار الله له بأنه تعالى يحب العبد يحبه، وأنه هو سفير الله - تعالى - إلى الملائكة، كما أنه سفيره إلى الرسل من البشر، ولهذا قال: ((ثم ينادي جبريل في السماء)) ، مما يعجب له العاقل أن جميع شراح الحديث الذين اطلعت على أقوالهم يقولون: إن هذا النداء من جبريل نداء حقيقي يسمع منه بصوته، تسمعه ملائكة السماء، وأكثرهم يقول: إن النداء المسند إلى الله - تعالى ليس حقيقياً، وإنما معناه: أمره لمن ينادي، أو إعلام جبريل بما يفهم منه أن الله يحب ذلك العبد.

стр. 802

وهكذا يتلاعبون بكلام الله كلام رسوله، مما سبَّب ضلال كثير من الخلق. والله - جل وعلا - سوف يسألهم عن ذلك، وسوف يعلمون حين يقفون بين يديه أي جناية جنوها عليه وعلى أنبيائه، وعلى شرعه، وعلى عباده. والمراد بالسماء هنا: الجنس، أي: السماوات، ونداؤه فيهم يقول: ((إن الله قد أحب فلاناً، فأحبوه)) . ((فيحبه أهل السماء)) أي: أن ملائكة السماوات بمجرد إخبار جبريل وأمره يحبونه؛ لأنهم يحبون الله ويحبون ما يحبه، ومن ثمرات ذلك: استغفارهم لهذا العبد، وموالاتهم له، وهذا في الحقيقة هو الشرف والرفعة، وبه تحصل السعادة بمشيئة الله - تعالى -. ((فيوضع له القبول في أهل الأرض)) أي: تقبله قلوبهم وتحبه؛ لأن الله - تعالى - يحبه، ومن أحبه الله - تعالى - حببه إلى عباده في السماوات والأرض. فشهدوا له بالخير ورجوا له الفلاح؛ لما وقع في قلوبهم له. ******* ١١٣ - قال: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)) . تقدم هذا الحديث وشرح في باب قوله تعالى: ﴿تَعرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالُّروحُ إِليهِ﴾ ، والمقصود منه في هذا الباب قوله: ((فيسألهم - وهو أعلم

стр. 803

بهم - كيف تركتم عبادي؟)) ؛ لأن الظاهر من السؤال أنه بالكلام وسماع صوت السائل. وملائكة الله لكل منهم مقام معلوم لا يتجاوزه، وأعلاهم مقاماً جبريل ﵇، وقد سبق أنه تعالى يناديه، فهؤلاء أولى بالمناداة؛ لأنهم أنزل مقاماً منه. وفي الأنبياء: ((الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار)) فعلى هذه لا يكون فيه شاهد لما يسمى بلغة (أكلوني البراغيث)) . وفي سؤال الله - تعالى - عن عباده، مباهاة بهم، وإظهار لفضلهم عند الملائكة، وبيان لشيء من عظيم كرم الله - تعالى - وإحسانه. ****** ١١٤ - قال: ((حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن واصل، عن المعرور، قال: سمعت أبا ذر، عن النبي ﷺ قال: ((أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: ((وإن سرق، وإن زنى)) . قوله: ((أتاني جبريل)) يعني: بالوحي من الله، فهو لا يأتي إلا بأمر الله - تعالى - له. ((فبشرني)) ، البشرى: هي الإخبار بما يسر؛ لأن ذلك يغير بشرة الوجه؛ لأن النفس إذا سرت انتشر الدم في الجسم كانتشار الماء في عروق الشجرة، فيظهر ذلك على وجه المبشر. وقد تستعمل البشارة فيما يسوء، من باب النكاية والتهكم والإياس من الخير (١) .

стр. 804

((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) يعني: وإن حصل منه تقصير بالواجبات، وفعل لبعض المحرمات غير الشرك، فإن من مات على ذلك دخل الجنة، ولا ينافي هذا حصول العذاب له، بل قد يعذب في قبره، وبعد ما يبعث، وقد يدخل النار، ثم يخرج منها بعدما يطهر من الخطايا التي تلطخ بها في الدنيا، وقد يعفو الله عنه فيدخله الجنة بلا عذاب، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جداً. فكل عاص لله - تعالى - من الموحدين لا بد من دخوله الجنة، وإن أصابه ما أصابه، وإنما الشأن في اجتناب الشرك، فهو أمر صعب إلا على من هدى الله قلبه، وهو أنواع، منها الجلي والخفي. فقوله: ((لا يشرك بالله شيئاً)) يعم أنواع الشرك كلها؛ لأنه نكرة بعد النفي، فيدخل فيه الأصغر، والقليل، والله المستعان. ((قلت: وإن سرق، وإن زنى)) كأنه فهم من هذا الإطلاق أن ما عدا الشرك من الذنوب يحصل دخوله مع وجوده، فأراد أن يتثبت عن هذا المفهوم، فأخبره أن ذلك صحيح، وأن من اجتنب الشرك دخل الجنة، وإن تفاوت دخول العصاة غير المشركين الجنة في الوقت والمكان، أعني تقدم الدخول والمنزلة. والشاهد منه: قوله: ((فبشرني أنه من مات)) إلى آخره؛ لأن هذه البشارة لا بد أن تكون من الله، أرسل جبريل بها إلى محمد ﷺ ، والرسالة لا تكون إلا بالكلام، والنداء داخل فيه، فالله - تعالى - قد نادى جبريل أن يذهب بهذا الأمر إلى محمد ﷺ ، والله أعلم. *****

стр. 805

قال: باب قول الله - تعالى -: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلمِهِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشهَدُونَ﴾ . الضمير في (أنزله)) يعود إلى القرآن، كما هو واضح من الآية، وهي قوله تعالى: ﴿لَكِن اللهُ يَشهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِليكَ أَنَزَلَهُ بِعِلمِهِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ . ﴿لَكِن﴾ للاستدراك مما سأله اليهود فيما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿يَسأَلُكَ أَهلُ الكِتابِ أَن تُنَزِلَ عَلَيهِم كِتَاباً مِنَ السَمَاءِ﴾ ، فهم يرون أن مجيء الوحي إليه بواسطة جبريل غير كافٍ في الدلالة على نُبُوَّته، وأنه إذا كان صادقاً فليأت بكتاب من السماء، كما جاء موسى ﵇ بالتوراة مكتوبة. ثم ذكر تعالى أنهم سألوا موسى ما هو أكبر من ذلك، سألوه أن يُرِيَهم الله جهرة، وعدَّد تعالى ما فعلوه من الظلم، والتعنت، والبهتان العظيم، والكفر، ورميهم مريم بالزنا، ومحاولتهم قتل رسول الله عيسى، وأكلهم الربا، وذكر ما أصابهم بسبب ذلك، ثم ذكر تعالى أن منهم راسخين في العلم، ومؤمنين بما أنزل الله من كتاب، ثم أخبر تعالى أنه أوحى إلى محمد كما أوحى إلى النبيين من قبله، وعدد بعضهم، وبعضاً منهم لم يذكره، وأنه تعالى خص موسى بتكليمه، ثم ذكر الحكمة من إرسال الرسل؛ لئلا يكون للناس على الله حجة، ثم قال تعالى: ﴿لَكِن اللهُ يَشهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِليكَ﴾ الآية. قال ابن جرير: ((يعني بذلك - جل ثناؤه - إن يكفر بالذي أوحينا إليك يا محمد اليهود الذين سألوك أن تُنزِّل عليهم كتاباً من السماء، وقالوا لك: ما أنزل الله على بشر من شيء، فكذبوك، وليس الأمر كما قالوا، ((لكن الله يشهد)) بتنزيله إليك من الكتاب، والوحي، أنزل ذلك إليك، بعلم منه بأنك خِيرَته من خلقه، وصَفيَّه من عباده، ويشهد لك بذلك الملائكة، فلا يَحزُنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك، وحسبك بالله شاهداً على

стр. 806

صدقك، فإنه لا يضرك مع ذلك تكذيب من كذبك)) (١) . ومراد البخاري بهذه الترجمة أن يبين أن القرآن من علم الله - تعالى - وصفة له، فليس مخلوقاً، فكأنه يقول: أنزله فيه علمه، أي: هو من علمه، وقد احتج الإمام أحمد على كفر من قال: القرآن مخلوق، بأن القرآن من عِلْم الله، فمن زعم أن عِلْم الله مخلوق فهو كافر، واستدل على ذلك بنحو قوله تعالى: ﴿فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِن العِلمِ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢) . وتقدم الكلام على هذه الآية وذكر أقوال المفسرين فيها (٣) قوله: ((قال مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَيَنهُنَّ﴾ بين السماء السابعة، والأرض السابعة)) . مقصوده أن الله - تعالى - أخبر بأنه خلق السماوات السبع ومن الأرض مثلهن، ثم ذكر أن الأمر يتنزل بينهن، أي: بين السماوات وبين الأرضين، فالأمر غير الخلق، ثم قال تعالى: ﴿لِتَعلمُواْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَد أَحَاطَ بِكُلِ شَيءٍ عِلمَا﴾ فأمره تعالى الذي يتنزل بين السماوات والأرض بعلمه، وأمره، وعلمه من صفاته. فأمر الله - تعالى -، وعلمه، وحكمه، وتصرفه، ينفذ في السماوات السبع والأرضين السبع، لا يمتنع عليه شيء، ولا يخفى عليه فيهن شيء فالكل في قبضته وتحت تصرفه، وفي علمه واطلاعه جل وعز. وما يذكره كثير من المفسرين عند هذه الآية من أن الأرضين سبع طبقات

стр. 807

منفصل بعضها عن بعض، وبين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمِئَة عام، وبعضهم يذكر أن في كل أرض أنبياء مثل الذين ذُكِروا في القرآن وعلى أسمائهم، إلى آخر ما ذكروه مما يشبه هذيان المجانين، كل ذلك خرافات مصدره زنادقة اليهود وإخوانهم من كل شيطان رجيم. قال القرطبي: ﴿وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ﴾ أي: سبعاً، واختلفوا فيهن على قولين: أحدهما: قول الجمهور، أنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: ((ومن الأرض مثلهن)) أي: سبعاً من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق، بخلاف السماوات. والأول أصح؛ لأن الأخبار دالة عليه)) (١) . قلت: بل قول الضحاك هو الصواب، والأول باطل قطعاً بدون شك، وما زعمه من أنه قول الجمهور، وأن الأخبار دالة عليه، ليس كما زعم. نعم، قد روي عن ابن عباس، فإن صح فهو مما تلقاه من أهل الكتاب ممن هو متهم بالكذب منهم، وأما دلالة الأخبار عليه فليس فيه أخبار صحيحة صريحة في الدلالة عليه، بل نقطع أن الأخبار عن الله ورسوله لم تدل عليه؛ لأن كلام الله وكلام رسوله حق، لا يؤيد الباطل ولا يدل عليه، بل الأخبار دلت على أن الأرضين سبع فقط، بدون فتوق، كما في ((الصحيحين)) ((من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين)) ونحوه من الأحاديث. فيتعين حملها على أنها طبقات غير مفتوقة كما قاله الضحاك.

стр. 808

وفي هذا الوقت أمكن الدوران على الأرض في وقت وجيز جداً مما يبين بالحس والمشاهدة بطلان ما رجحه القرطبي. ***** ١١٥ – قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((يا فلان، إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت في ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً)) . البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري، الأوسي، استصغره رسول الله – ﷺ – يوم بدر هو وابن عمر، فردَّهما، وشهد أُحداً وما بعدها من الغزوات، وروي عنه أنه غزا مع النبي – ﷺ – أربع عشرة غزوة، وفي رواية: خمس عشرة، قال الحافظ: إسناده صحيح. وقال: سافرت مع رسول الله – ﷺ – ثمانية عشر سفراً. أخرجه أبو ذر الهروي (١) . وكان يقول: أنا الذي أرسل معه النبي – ﷺ – السهم إلى قليب الحديبية فجاش بالري. قال الذهبي فيه: ((الفقيه الكبير، من أعيان الصحابة، نزل الكوفة، توفي سنة اثنتين وسبعين، أو إحدى وسبعين، عن بضع وثمانين سنة)) (٢) .

стр. 809

قوله: ((يا فلان)) جاء في الروايات الأخرى أن المُخاطَب هو البراء بن عازب، ففي الدعوات عند المؤلف: ((عن عبيدة قال: حدثني البراء بن عازب، قال: قال لي رسول الله – ﷺ ....)) وذكر الحديث (١) ، وفيه: ((إذا أتيت إلى مضجعك فتوضأ وضوءَك للصلاة)) . قال الحافظ: ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم، ولو كان على طهارة. ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن كان محدثاً)) (٢) . ((إذا أويت إلى فراشك)) أوى إلى مكان: إذا أقام فيه، ورجع إليه، والمعنى: إذا جئت إلى فراشك تريد النوم. ((فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك)) قال الحافظ: ((على رواية ((فتوضأ)) الأمر فيه للندب، وله فوائد، منها: أن يبيت على طهارة؛ لئلا يبغته الموت، فيكون على هيئة كاملة، ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب؛ لأنه أولى من طهارة البدن. وقد أخرج عبد الرازق، عن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: ((لا تنامن إلا على وضوء، فإن الأرواح تُبعث على ما قبضت عليه)) . وروي عن أبي مرثد العجلي، قال: ((من أوى إلى فراشه طاهراً، ونام ذاكراً، كان فراشه مسجداً، وكان في صلاة وذِكْر حتى يستيقظ، ومن أوى إلى فراشه غير طاهر، ونام غير ذاكر، كان فراشه قبراً، وكان جيفة حتى يستيقظ)) (٣) . ويتأكد ذلك في حق الجنب، وإن اغتسل قبل نومه فهو أفضل.

стр. 810

ومنها: أن يكون ذلك أبعد عن تلاعب الشيطان، وأصدق للرؤيا)) (١) . وقوله: ((اللهم أسلمت نفسي إليك)) أي: استسلمت لك، نفسي منقادة مذعنة لك، راضية بك رباً، وبدينك شرعاً، وبنبيك رسولاً، ومنقادة لحكمك وقضائك، لا إله إلا أنت. ((ووجهت وجهي إليك)) أي: جعلت قصدي ومرادي إليك، راجياً ثوابك، خائفاً من عقابك. ((وفوضت أمري إليك)) أي: توكلت عليك مستكفياً بك، فأمري كلَّه إليك تتصرف فيَّ كيف تشاء، ورغبتي في جودك وفضلك. ((وألجأت ظهري إليك)) أي: أنت عمادي، وعليك استنادي، فأعتمد عليك بأن تكفيني كل ما أهمني، وتحميني من كل ما يؤذيني. ((رغبة ورهبة إليك)) أي: أفعل ذلك راغباً في فضلك وإحسانك، وراهباً من عقابك وعذابك بسبب ذنوبي. ((لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك)) أي: لا مهرب ينجي من هرب منك، ولا نجاة لمن أردته بعذابك، إلا بالرجوع إليك، والاستسلام لك، والإنابة إليك. ((آمنت بكتابك الذي أنزلت)) أي: أتوسل إليك بأني أصدِّق وأوقن بأن الكتب التي أنزلتها على رسلك هي قولك حقاً، وفيها الهدى والنور، الذي هو شرعك، ولمن اتبعها السعادة، ومن أعظمها القرآن الذي أنزلته على عبدك ورسولك محمد خاتم الرسل – ﷺ فأنا أؤمن بذلك، وأرغب إليك بأن تستجيب دعائي لذلك.
следующие страницы →