← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

صدقك، فإنه لا يضرك مع ذلك تكذيب من كذبك)) (١) . ومراد البخاري بهذه الترجمة أن يبين أن القرآن من علم الله - تعالى - وصفة له، فليس مخلوقاً، فكأنه يقول: أنزله فيه علمه، أي: هو من علمه، وقد احتج الإمام أحمد على كفر من قال: القرآن مخلوق، بأن القرآن من عِلْم الله، فمن زعم أن عِلْم الله مخلوق فهو كافر، واستدل على ذلك بنحو قوله تعالى: ﴿فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِن العِلمِ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢) . وتقدم الكلام على هذه الآية وذكر أقوال المفسرين فيها (٣) قوله: ((قال مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَيَنهُنَّ﴾ بين السماء السابعة، والأرض السابعة)) . مقصوده أن الله - تعالى - أخبر بأنه خلق السماوات السبع ومن الأرض مثلهن، ثم ذكر أن الأمر يتنزل بينهن، أي: بين السماوات وبين الأرضين، فالأمر غير الخلق، ثم قال تعالى: ﴿لِتَعلمُواْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَد أَحَاطَ بِكُلِ شَيءٍ عِلمَا﴾ فأمره تعالى الذي يتنزل بين السماوات والأرض بعلمه، وأمره، وعلمه من صفاته. فأمر الله - تعالى -، وعلمه، وحكمه، وتصرفه، ينفذ في السماوات السبع والأرضين السبع، لا يمتنع عليه شيء، ولا يخفى عليه فيهن شيء فالكل في قبضته وتحت تصرفه، وفي علمه واطلاعه جل وعز. وما يذكره كثير من المفسرين عند هذه الآية من أن الأرضين سبع طبقات

стр. 807

منفصل بعضها عن بعض، وبين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمِئَة عام، وبعضهم يذكر أن في كل أرض أنبياء مثل الذين ذُكِروا في القرآن وعلى أسمائهم، إلى آخر ما ذكروه مما يشبه هذيان المجانين، كل ذلك خرافات مصدره زنادقة اليهود وإخوانهم من كل شيطان رجيم. قال القرطبي: ﴿وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ﴾ أي: سبعاً، واختلفوا فيهن على قولين: أحدهما: قول الجمهور، أنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: ((ومن الأرض مثلهن)) أي: سبعاً من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق، بخلاف السماوات. والأول أصح؛ لأن الأخبار دالة عليه)) (١) . قلت: بل قول الضحاك هو الصواب، والأول باطل قطعاً بدون شك، وما زعمه من أنه قول الجمهور، وأن الأخبار دالة عليه، ليس كما زعم. نعم، قد روي عن ابن عباس، فإن صح فهو مما تلقاه من أهل الكتاب ممن هو متهم بالكذب منهم، وأما دلالة الأخبار عليه فليس فيه أخبار صحيحة صريحة في الدلالة عليه، بل نقطع أن الأخبار عن الله ورسوله لم تدل عليه؛ لأن كلام الله وكلام رسوله حق، لا يؤيد الباطل ولا يدل عليه، بل الأخبار دلت على أن الأرضين سبع فقط، بدون فتوق، كما في ((الصحيحين)) ((من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين)) ونحوه من الأحاديث. فيتعين حملها على أنها طبقات غير مفتوقة كما قاله الضحاك.

стр. 808

وفي هذا الوقت أمكن الدوران على الأرض في وقت وجيز جداً مما يبين بالحس والمشاهدة بطلان ما رجحه القرطبي. ***** ١١٥ – قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((يا فلان، إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت في ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً)) . البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري، الأوسي، استصغره رسول الله – ﷺ – يوم بدر هو وابن عمر، فردَّهما، وشهد أُحداً وما بعدها من الغزوات، وروي عنه أنه غزا مع النبي – ﷺ – أربع عشرة غزوة، وفي رواية: خمس عشرة، قال الحافظ: إسناده صحيح. وقال: سافرت مع رسول الله – ﷺ – ثمانية عشر سفراً. أخرجه أبو ذر الهروي (١) . وكان يقول: أنا الذي أرسل معه النبي – ﷺ – السهم إلى قليب الحديبية فجاش بالري. قال الذهبي فيه: ((الفقيه الكبير، من أعيان الصحابة، نزل الكوفة، توفي سنة اثنتين وسبعين، أو إحدى وسبعين، عن بضع وثمانين سنة)) (٢) .

стр. 809

قوله: ((يا فلان)) جاء في الروايات الأخرى أن المُخاطَب هو البراء بن عازب، ففي الدعوات عند المؤلف: ((عن عبيدة قال: حدثني البراء بن عازب، قال: قال لي رسول الله – ﷺ ....)) وذكر الحديث (١) ، وفيه: ((إذا أتيت إلى مضجعك فتوضأ وضوءَك للصلاة)) . قال الحافظ: ظاهره استحباب تجديد الوضوء لكل من أراد النوم، ولو كان على طهارة. ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن كان محدثاً)) (٢) . ((إذا أويت إلى فراشك)) أوى إلى مكان: إذا أقام فيه، ورجع إليه، والمعنى: إذا جئت إلى فراشك تريد النوم. ((فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك)) قال الحافظ: ((على رواية ((فتوضأ)) الأمر فيه للندب، وله فوائد، منها: أن يبيت على طهارة؛ لئلا يبغته الموت، فيكون على هيئة كاملة، ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب؛ لأنه أولى من طهارة البدن. وقد أخرج عبد الرازق، عن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: ((لا تنامن إلا على وضوء، فإن الأرواح تُبعث على ما قبضت عليه)) . وروي عن أبي مرثد العجلي، قال: ((من أوى إلى فراشه طاهراً، ونام ذاكراً، كان فراشه مسجداً، وكان في صلاة وذِكْر حتى يستيقظ، ومن أوى إلى فراشه غير طاهر، ونام غير ذاكر، كان فراشه قبراً، وكان جيفة حتى يستيقظ)) (٣) . ويتأكد ذلك في حق الجنب، وإن اغتسل قبل نومه فهو أفضل.

стр. 810

ومنها: أن يكون ذلك أبعد عن تلاعب الشيطان، وأصدق للرؤيا)) (١) . وقوله: ((اللهم أسلمت نفسي إليك)) أي: استسلمت لك، نفسي منقادة مذعنة لك، راضية بك رباً، وبدينك شرعاً، وبنبيك رسولاً، ومنقادة لحكمك وقضائك، لا إله إلا أنت. ((ووجهت وجهي إليك)) أي: جعلت قصدي ومرادي إليك، راجياً ثوابك، خائفاً من عقابك. ((وفوضت أمري إليك)) أي: توكلت عليك مستكفياً بك، فأمري كلَّه إليك تتصرف فيَّ كيف تشاء، ورغبتي في جودك وفضلك. ((وألجأت ظهري إليك)) أي: أنت عمادي، وعليك استنادي، فأعتمد عليك بأن تكفيني كل ما أهمني، وتحميني من كل ما يؤذيني. ((رغبة ورهبة إليك)) أي: أفعل ذلك راغباً في فضلك وإحسانك، وراهباً من عقابك وعذابك بسبب ذنوبي. ((لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك)) أي: لا مهرب ينجي من هرب منك، ولا نجاة لمن أردته بعذابك، إلا بالرجوع إليك، والاستسلام لك، والإنابة إليك. ((آمنت بكتابك الذي أنزلت)) أي: أتوسل إليك بأني أصدِّق وأوقن بأن الكتب التي أنزلتها على رسلك هي قولك حقاً، وفيها الهدى والنور، الذي هو شرعك، ولمن اتبعها السعادة، ومن أعظمها القرآن الذي أنزلته على عبدك ورسولك محمد خاتم الرسل – ﷺ فأنا أؤمن بذلك، وأرغب إليك بأن تستجيب دعائي لذلك.

стр. 811

وهذا القدر من الحديث هو محل الشاهد، فإن كتاب الله هو كلامه وفيه عِلْمه، كما قال الزَّجَّاج: ﴿أَنزَلهُ بِعِلمِهِ﴾ أي: أنزل القرآن الذي فيه علمه)) (١) . فمن زعم أن القرآن مخلوق، لزمه أن يكون عِلْم الله مخلوقاً، وهذا كفر، كما قال الأئمة أحمد وغيره. ((ونبيك الذي أرسلت)) أي: أتوسل إليك بإيماني واتباعي لنبيك محمد – ﷺ – الذي أرسلته إلينا ليبلغنا كلامك، وأمرك ونهيك، كما أؤمن بكل نبي لك أوحيت إليه وأرسلته إلى عبادك. ((فإنك إن مت في ليلتك مت على الفطرة)) يعني: إن كانت نومتك تلك فيها قبض روحك، وفراقها لبدنك، فإنك تموت على السُّنَّة التي جاء بها نبيك، ومن مات عليها فهو السعيد. ((وإن أصبحت أصبت خيراً)) أي: إن رُدَّت روحك بعد النوم إلى جسمك وأصبحت حياً، نلت بهذا الدعاء أجراً عند الله. ***** ١١٦ – قال: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله – ﷺ – يوم الأحزاب: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، وزلزلهم. زاد الحميدي: حدثنا سفيان حدثنا ابن أبي خالد، سمعت عبد الله، سمعت النبي – ﷺ .

стр. 812

عبد الله بن أبي أوفى – واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد الأسلمي – هو وأبوه صحابيان، شهد الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، وقال: غزوت مع رسول الله – ﷺ – ست غزوات نأكل الجراد (١) . لما قبض النبي – ﷺ – ذهب عبد الله إلى الكوفة، وهو آخر من توفي فيها من الصحابة، ثبت أن رسول الله – ﷺ – قال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) توفي ﵁ سنة ست وثمانين، أو ثمان وثمانين (٢) . قوله: ((يوم الأحزاب)) يدل على أن هذا الدعاء كان في غزوة الأحزاب، وجاء في روايات: ((أن رسول الله – ﷺ – في بعض أيامه التي لقي العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: ((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ثم قال: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) . وهو يدل على أنه يدعو بذلك عند لقاء العدو. ((اللهم منزل الكتاب)) هذا توسل إلى الله – تعالى – بفضله على عباده من إنزاله الكتاب الذي فيه حياة القلوب، والاعتصام من الضلال، وفيه وعده الكريم لعباده بالنصر والتأييد، كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣) . ((سريع الحساب)) قال ابن جرير: ((إنما وصف – جل ثناؤه – نفسه بسرعة الحساب؛ لأنه – جل ذكره – يحصي ما يحصي من أعمال عباده بغير عقد أصابع،

стр. 813

ولا فكر، ولا روية – فعل العجزة الضعفة من الخلق – ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما. ثم هو تعالى مجاز عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه – جل ذكره – بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثيل، فيحتاج في حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر)) (١) . وقال على قوله: ﴿وَهُوَ أَسرَعُ الحَسِبِينَ﴾ أي: أسرع من حسب عددكم، وأعمالكم وآجالكم، وغير ذلك من أموركم – أيها الناس -، وأحصاها، وعرف مقاديرها ومبالغها؛ لأنه لا يحسب بعقد يد، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، ﴿لاَ يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فيِ السَّمَاوَاتِ وَلا فيِ الأَرضِ وَلاَ أصغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكبَرُ إِلا فيِ كِتَابِ مُّبِينٍ﴾ )) (٢) . وهو – جل ذكره – سريع محاسبة عباده يوم القيامة، حيث لا يشغله محاسبة واحد عن الآخر. ((اهزم الأحزاب وزلزلهم)) الهزيمة هي: القهر والإذلال، والزلزلة: الاضطراب، وعدم الثبات، فهو يدعو عليهم بأن يقهرهم، ويذلهم بأيدي المسلمين، وأن ينزل عليهم الرعب والخوف الذي يزلزل قلوبهم وأجسامهم. قوله: ((زاد الحميدي)) إلى آخره: مراده به: التصريح بالسماع، بخلاف قتيبة بن سعيد فإنه عنعن السند. والمقصود من الحديث قوله: ((اللهم منزل الكتاب)) فإنه تعالى أنزله منه، فهو قوله ووصفه، ولو كان مخلوقاً كما يقوله الضالون، ما احتاج إلى إنزال بل يخلقه في أي مكان، فهو تعالى أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله

стр. 814

شهيداً، ونحن نشهد بذلك، ونرجو من منزل الكتاب، وسريع الحساب وهازم الأحزاب ومزلزهم، أن يثبتنا على هذه الشهادة ويثيبنا عليها خير ثواب. ١١٧ – قال: ((حدثنا مسدد، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخِافِت بِهَا﴾ قال: أنزلت ورسول الله – ﷺ متوار بمكة، فكان إذا رفع صوته سمع المشركون فسبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، وقال الله – تعالى -: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخِافِت بِهَا﴾ لا تجهر بصلاتك حتى يسمع المشركون، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم ﴿وَابتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن)) . المراد بالصلاة في الآية: القراءة، وقد قال ابن جرير – ﵀ ((لولا أننا لا نستجيز مخالفة أهل التفسير فيما جاء عنهم، لاحتمل أن يكون المراد: ﴿وَلاَ تَجهَر بِصَلاتِكَ﴾ أي: بقراءتك نهاراً، ﴿وَلاَ تُخِافِت بِهَا﴾ أي: ليلاً، وكان ذلك وجهاً لا يبعد في الصحة)) (١) . وقد جاء ذلك مفسراً كما في هذا الحديث أن المراد: القراءة وهو يصلي، فكان صلوات الله وسلامه عليه يرفع صوته في القراءة، رجاء أن يؤثر فيمن يسمعه من كفار قومه فيسلموا، ويسمعه من معه من المسلمين فيحفظوا، وكان للقرآن وقع عظيم في قلوبهم وأثر بالغ في نفوسهم، ولذلك منعه الملأ من الكفار؛ خوفاً أن يتأثر به بعضهم فيسلموا، كما جربوا ذلك وقالوا: إن رفعت صوتك به هجوناك، وهجونا من قاله، ومن جاء به، فأمره الله – تعالى – أن لا يرفع

стр. 815

صوته، وألا يخافت به بحيث لا يسمعه من عنده من المسلمين، بل يبتغي بين الجهر والإخفات سبيلاً، فيكون وسطاً بين الجهر والإخفات. والمقصود قوله: ((أُنْزِلَت ورسول الله – ﷺ – متوار بمكة)) والإنزال غير الخلق، بل هو كلامه، نزل بعلمه – تعالى – فهو صفته. فلا يجوز أن يعطى حكم المخلوق المفعول، كما أن المخلوق لا يجهر به ولا يخافت، وكون الرسول – ﷺ – وغيره ممن يقرؤه، يرفع صوته به أو يخفضه، لا يخرجه من كونه كلام، بل هو دليل على أنه كلام الله – تعالى – قرأه عبده، فرفع به صوته أو خفضه؛ لأن الكلام لمن قاله مبتدئاً، لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً، كما سيأتي بيان ذلك. قال: ((باب قول الله – تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ، ﴿إِنَّهُ لَقَولُ فَصلُ﴾ حق. ﴿وَمَا هُوَ بِالهزلِ﴾ باللعب. قال الله – تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (١) . قال ابن جرير: ((يقول – تعالى ذكره – لنبيه محمد – ﷺ : سيقول لك المخلفون في أهليهم عن صحبتك – إذا سرت معتمراً، تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة ﴿لِتَأخُذُوهَا﴾ ، وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من مغانم خيبر -: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ، يقول: أن يغيروا وعد الله لأهل الحديبية،

стр. 816

وذلك أن الله – تعالى – جعل مغانم خيبر لهم، ووعدهم ذلك، عوضاً من غنائم أهل مكة، إذ انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئاً)) (١) . ثم روى ذلك عن مجاهد، وقتادة، ومقسم. قال الحافظ: ((قال ابن بطال: أراد بهذه الترجمة، وأحاديثها، ما أراد في الأبواب قبلها – أن كلام الله تعالى – صفة قائمة به، وأنه لم يزل متكلماً ولا يزال. والذي يظهر أن غرضه أن كلام الله، لا يختص بالقرآن، فإنه ليس نوعاً واحداً، وأنه وإن كان غير مخلوق، وهو صفة قائمة به، فإنه يلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الأحكام الشرعية وغيرها من مصالحهم، وأحاديث الباب كالمصرحة بهذا المراد)) (٢) . قال في: ((خلق أفعال العباد)) : ((باب: ما كان النبي – ﷺ – يذكر ويروي عن ربه – )) ثم ذكر نحو ما ذكره هنا من الأحاديث. ويمكن أنه أراد بيان أن كلام الله يكون بأمره وشرعه، ووعده وجزائه، بخلاف خلقه، فإنه الصادر عن قوله: ((كن)) ، وخلق الله لا يبدل، كما قال – تعالى -: ﴿لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللهِ﴾ أما قوله: فيمكن أن يبدل، أو يحرف. وهذه الآية من الأدلة على أن هذا القرآن كلام الله – تعالى -، وأن ما يقوله الأشاعرة أن كلام الله: ما قام في نفسه، باطل، إذ لا يمكن أن يبدل ما في نفسه تعالى. وقد تبين بما ذكره ابن جرير – ﵀ – أن معنى قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ هو خروج المتخلفين عن الحديبية إلى خيبر؛ لأن الله – تعالى – وعدهم مغانم خيبر خاصة بهم. والقول الثاني في الآية: أن المراد تبديله هو قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّن تَخرُجُواْ مَعِيَ أَبَدَاً﴾ . غير أن ابن جرير رد هذا القول.

стр. 817

وسياق الآية يؤيد هذا القول، فإنه تعالى قال: ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُم قَالَ اللهُ مِن قَبلُ﴾ . والله أعلم. قال البغوي: ﴿إِنَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿لَقَولٌ فَصلٌ﴾ حق وجد، يفصل بين الحق والباطل. ﴿وَمَا هُوَ بِالهزلِ﴾ باللعب، والباطل)) (١) . ***** ١١٨ - قال: ((حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : ((قال الله - تعالى - يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل، والنهار)) . قال ابن كثير: ((معناه أنهم يقولون: يا خيبة الدهر، فعل كذا وكذا. فيسندون أفعال الله - تعالى - إلى الدهر، ويسبونه، وإنما الفاعل هو الله ، فنهى عن ذلك، هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء)) (٢) . وقال شيخ الإسلام: ((للناس في هذا الحديث قولان: أحدهما: قول أبي عبيد وأكثر العلماء: إنه خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية، ومن أشبههم: فإنهم إذا أصابتهم مصيبة، أو منعوا أغراضهم، أخذوا يسبون الدهر، والزمان، يقول أحدهم: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وما يقع كثيرا من الشعراء، وأمثالهم، كقولهم: يا دهر، فعلت كذا، وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله لانه هو الذي

стр. 818

فعل تلك الأمور، وأحدثها، والدهر مخلوق له، هو الذي يصرفه، ويقلبه. والتقدير: أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور، وأنا فعلتها، فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهر لا فعل له، وإنما الفاعل هو الله وحده. وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق، أو أفتاه مفت بحق، فجعل يقول: لعن الله من قضى بهذا، أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبي ﷺ وفتياه، فيقع السب عليه، وإن كان الساب لجهله أضاف الأمر إلى المبلغ، وهو ليس له إلا فعل التبليغ. وأما الزمان، فلا فعل له، وإنما الله هو الذي يقلبه ويصرفه. والقول الثاني: قول نعيم بن حماد، وطائفة معه: أن الدهر من أسماء الله، ومعناه: القديم الأزلي. وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله - تعالى - هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولكن لا يسمى بالدهر، الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان)) (١) . وقال ابن قتيبة: ((معناه: أن العرب في الجاهلية يقولون: أصابني الدهر في مالي، ونالتني قوارع الدهر، وبوائقه، ويقول الهرم: حناني الدهر. فينسبون كل شيء تجري به أقدار الله عليهم من موت، أو سقم، أو ثكل، أو هرم إلى الدهر، ويلعنونه، ويسمونه: المنون، كما ذكر الله عنهم: ﴿أَم يَقُولُونَ شَاعِرُ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ المَنُونِ﴾ والمنون: المنية، قال أبو ذؤيب:

стр. 819

أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع فقال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا الدهر، إذا أصابتكم المصائب ولا تنسبوها إليه، فإن الله هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر)) (١) . وهذا هو ما ذكره شيخ الإسلام عن جمهور العلماء. وكثير من الناس واقعون في هذا المنكر. وتقدم الكلام فيه. والمقصود هنا: قوله: ((قال الله: يؤذيني ابن آدم)) . وهذا خبر يتضمن النهي، والله - تعالى - يتأذى من فعل بني آدم، ولكن لا يضره شيء تعالى وتقدس، ووجه الشاهد منه أن هذا القول صدر من الله فيه إخباره - تعالى - عما يقع له من بني آدم، وهو بمعنى النهي والزجر، ومعلوم أنه لا يقع شيء إلا بإذنه وإرادته، ومن يسب الدهر كأنه يريد تبديل حكم الله وأمره الذي وجدت به الكائنات. وقوله: ((وأنا الدهر)) لا يدل على أنه تعالى اسمه الدهر؛ لأنه فسره بقوله: ((بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)) فكونه تعالى بيده الأمر يقلب الليل والنهار، هو معنى قوله: ((أنا الدهر)) . **** ١١٩ - قال: ((حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله الصوم لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته، وأكله وشربه من أجلي، الصوم جنة، وللصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) .

стр. 820

((الصوم لي)) يعني: أن الصوم غالباً يكون خالصاً لله - تعالى - سالماً من شوائب الشرك، من إرادة غير الله - تعالى -؛ لأنه أمانة بين العبد وربه لا يطَّلع عليه إلا الله - تعالى - فإنه يجوز أن يظهر للناس أنه صائم، وهو في حقيقة الأمر غير صائم. فإذا امتنع من شهوته وأكله وشربه، دل ذلك على أنه أراد ما عند الله - تعالى - وقد فسره بقوله: ((يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)) . قوله: ((وأنا أجزي به)) يعني: أن جزاء الأعمال قد أخبر الله - تعالى - عباده بها، أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمِائَة ضعف، أما الصوم فالله يجزي به بدون تقدير؛ لعظيم جزائه، وهذا يدل على فضل الصوم إذا كان خالصاً لله - تعالى -. ((يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي)) هذا هو السبب في كونه لله، وأنه يتولى جزاءه بغير تقدير، وفسرت الشهوة بالجماع، والأولى أن تكون عامة في كل ما يشتهي، ويكون عطف الأكل والشرب من عطف الخاص على العام. ((الصوم جنة)) في رواية سعيد بن منصور: ((جنة من النار)) ، ومثله عند النسائي. وفي رواية له من حديث عثمان بن أبي العاص: ((الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال)) . والجنة: بضم الجيم: الوقاية، والستر، وهذا أولى ما فسر به متعلق الجنة. واختار النووي: أنه جنة من جميع الشرور. وفي رواية لأحمد: ((الصيام جنة ما لم يخرقها)) ، زاد الدارمي: ((بالغيبة)) (١) .

стр. 821

((وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه)) يعني: أنه يفرح إذا كمل يومه صائماً، فيؤمل ثواب ذلك عند الله، ويتناول طعامه وشرابه الذي أحله الله له بعد ما منعه منه لأجل صومه. ويفرح إذا لقي ربه عندما يجزيه أعظم جزاء، وهذه أعظم فرحة وأحلى. ((ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) الخلوف هو: تغير الفم من أثر خلو المعدة من الطعام، فيتصاعد منها أبخرة تغير رائحة الفم. ولما كان ذلك بسبب الطاعة كان عند الله طيباً، كدم الشهيد، فإنه يأتي يوم القيامة لونه لون الدم، ورائحته رائحة المسك)) . والمقصود من الحديث قوله: ((يقول الله - تعالى - الصوم لي)) إلى آخره، كالذي قبله. ووجه الشاهد منه: أن الله يقول هذا القول الذي فيه حث العباد وترغيبهم في الصوم، فهو مما شرعه الله - تعالى - لعباده، ورضيه لهم بقوله وأمره، وهو قول أنزله على رسوله ليبلغه. ***** ١٢٠ - قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((بينما أيوب يغتسل عرياناً، خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك)) . ((بينما أيوب يغتسل عرياناً)) يعني: وهو خال: استدل به البخاري على جواز الغسل عرياناً في الخلوة، فقال: باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، ومن تستر فالستر أفضل)) (١) .

стр. 822

((خر عليه رجل جراد من ذهب)) رجل الجراد: القطعة من الجراد، كما قال الأزهري: ((الرجل: القطعة من الجراد)) (١) . وهذا جراد على خلاف المعهود، وإنما هو ذهب أنزله الله على نبيه أيوب، على صور الجراد، وذلك من جزاء صبره على البلاء، ورضاه بما قدره الله. ((فجعل يحثي في ثوبه)) أي: يجمع من ذلك الذهب بيديه جميعاً، ويضعه في ثوبه. ((فنادى ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك؟)) هذا النداء يجوز أن يكون بواسطة، ويجوز أن يكون بدون واسطة على ظاهره؛ لأنه تجرد عن قرينة تعين ذلك. وقوله: ((ألم أكن أغنيتك؟)) يدل على أن الله - تعالى - قد أعطاه من المال قبل هذا ما فيه غناه، ولهذا قال: ((بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك)) سمي هذا الذهب بركة؛ لأنه أرسل عليه بدون صنع آدمي أو كده، بل هو من عند الله - تعالى -، ففي ذلك طلب الزيادة من الخير. وفيه ما جبل عليه الإنسان من حب المال. والمقصود منه قوله: ((فنادى ربه: ألم أكن أغنيتك عما ترى؟)) إذ هو من كلام الله - تعالى - لنبيه أيوب، المتضمن إفضاله عليه، وتكريمه له بما أعطاه بدون حساب. **** ١٢١- قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((يتنزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني،

стр. 823

فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) . هذا الحديث له طرق متعددة ومستفيضة، قال ابن عبد البر: ((هذا الحديث منقول من طرق متواترة، ووجوه كثيرة، من أخبار العدول، عن النبي ﷺ )) (١) . وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، في كل زمان، على الإيمان بهذا الحديث وتلقيه بالقبول، كما أراد رسول الله ﷺ فإنه قاله علانية. وبلغه الأمة تبليغاً عاما، لم يخص به واحداً دون الآخرين. وكان الصحابة وأتباعهم يذكرونه، ويروونه، ويبلغونه تبليغاً عاماً. ولهذا ثبت في عامة كتب الإسلام، فمن أنكره، أو زعم أنه لا يجوز ذكره عند عامة الناس، أو تأوله على غير ظاهره، فهو ضال، سالك غير سبيل المؤمنين في ذلك. ومن زعم أنه يدل على ما يجب أن ينزه الله عنه، من النقص المنافي لكماله، فقد أُتي من فهمه الخاطئ، وسوء ظنه بالله العظيم. فإن وصف الله - تعالى - بالنزول كوصفه بغيره من الصفات، مثل الاستواء والفوقية والمجيء، والرضا والغضب، وغير ذلك مما وصف تعالى به نفسه ووصفته به رسله، يجب أن يؤمن به كله على وتيرة واحدة، إيماناً بلا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تأويل. ولا يجوز للإنسان مهما كان من العلم أن ينصب نفسه مستدركاً على الله ورسوله: ﴿قُل أأنتٌم أَعلَمُ أَمِ اللهُ﴾ ﴿وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثَا﴾ .

стр. 824

قال ابن عبد البر: ((إن من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا، علم أن الله – – لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون. ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجباً، [أو النظر] في الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه، لازماً ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم. ولو كان ذلك من عملهم مشهوراً، أو من أخلاقهم معروفاً، لاستفاض عنهم، ولشهروا به، كما شهروا بالقرآن. وقول رسول الله – ﷺ : ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) عندهم مثل قول الله – : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ﴾ ، ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء، بلا كيف، ولا يقولون: كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء، ولا من أين يتجلى؟ ولا من أين ينزل؟؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، تعالى عن الأشياء، لا شريك له. وفي قول الله – : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ﴾ دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجلياً للجبل، وفي ذلك ما يفسر معنى حديث النزول، ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله – ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ﴾ فلينظر في تفسير بقي بن مخلد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذكرا، ففيما ذكرا منه كفاية، وبالله العصمة والتوفيق)) (١) .

стр. 825

وما ذكره الحافظ في شرح هذا الحديث من كلام أهل التأويل فإن كل من آمن بأن رسول الله – ﷺ – بلغ ما أرسل به البلاغ المبين وآمن بأنه ﷺ أفصح الناس، وأقدرهم على البيان، وأنصحهم للخلق، من آمن بهذا علم أن ما ذكره كله باطل، وتغبير في وجه الحق، وزبد يذهب جفاء أمام نور النبوة. فقوله: إن الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم المشبهة. يقال له: بل الذين حملوه على ظاهره وحقيقته هم الصحابة عموماً وأتباعهم إلى يوم الدين، ولا تستطيع أن تأتي بكلمة واحدة عن الرسول، أو عن أصحابه، تؤيد قول أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم أهل السُّنَّة. قال شيخ الإسلام: ((والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئاً منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السُّنَّة والحديث أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السُّنَّة، ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة، يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة، وتكون إما غلطاً، أو محرفة، كقول الأوزاعي في النزول: ((يفعل الله ما يشاء)) فسره بعضهم بأن النزول مفعول مخلوق، وليس الأمر كذلك)) (١) . وقال أبو عثمان الأنصاري: ((ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب – – كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله – ﷺ – وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله، وكذلك يثبتون ما أنزله الله – عز اسمه – في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين

стр. 826

في قوله – : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ (١) ﴾ . وقوله – تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء أن يبين لنا كيفية ذلك لفعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه. ثم روى بسنده عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قال لي الأمير عبد الله ابن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي تروونه عن رسول الله – ﷺ – ((ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا)) كيف ينزل؟ قال: قلت أعز الله الأمير: لا يقال لأمر الرب: كيف، إنما ينزل بلا كيف. ثم روى عن أحمد بن سعيد الرياطي، قال: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، ذات يوم، وحضر إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول، أصحيح هو؟ قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق، حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق؟! فقال إسحاق: قال الله – : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ ، فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ (٢) . وقوله: ((ويكلون علمه إلى الله)) يعني: علم الكيفية، لا يبحث فيها؛ لأن الكيفية تتوقف على المشاهدة، والله تعالى لا يُرى في الدنيا، وكذا قول إسحاق بن راهويه: ((إنما ينزل بلا كيف)) ، يعني: بلا كيف يعلمه العباد، وإلا ففي

стр. 827

حقيقة الأمر له كيف يعلمه الله – تعالى -. قال أبو سعيد الدارمي – ﵀: ((فمن ما يعتبر به من كتاب الله – – في النزول، ويحتج به على من أنكره: قوله – تعالى -: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ (١) ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ ، وهذا يوم القيامة، فالذي يقدر على النزول يوم القيامة من السماوات كلها، للفصل بين عباده، قادر أن ينزل كل ليلة من سماء إلى سماء. فإن ردوا قول رسول الله – ﷺ – في النزول، فماذا يصنعون بقول الله – ؟)) (٢) . ثم ذكر بعض أحاديث النزول، ثم قال: ((فهذه الأحاديث قد جاءت كلها – وأكثر منها – في نزول الرب – ﵎ – وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة، فعارضت آثار رسول الله – ﷺ – بردها، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله؟ قلنا: لم نكلف كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلاً أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته، ولطف ربوبيته، كيف يشاء. فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله – ﷺ – في نزوله واجب، ولا يُسأل الرب عما يفعل، وكيف يفعل، وهم يُسألون؛ لأنه القادر على ما يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف، الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله – تعالى – عليه: كيف يصنع، وكيف قدر.

стр. 828

ولو قد آمنتم باستواء الرب على عرشه، وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءاً إذ خلقها، كإيمان المؤمنين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه ولا أعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءاً، فكما قدر على الأولى كيف يشاء يقدر على الأخرى كيف يشاء. وليس قول رسول الله – ﷺ – في نزوله بأعجب من قول الله – ﵎: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ (١) ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ (٢) فلما قدر على هذا يقدر على ذاك، فهذا الناطق من قول الله – ، وذاك المحفوظ من قول رسول الله – ﷺ – بأخبار ليس عليها غبار. فإن كنتم من عباد الله المؤمنين لزمكم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات، التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، فإن أهل العلم من أمركم لعلى يقين)) (٣) . وقال أبو عمرو الطلمنكي: ((أجمعوا – يعني: أهل السُّنَّة والجماعة – على أن الله يأتي يوم القيامة، والملائكة صفاً صفاً؛ لحساب الأمم وعرضها، كما يشاء وكيف يشاء، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ (٤) ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ (٥) وأجمعوا على أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، على ما أتت

стр. 829

به الآثار، كيف يشاء لا يجدون في ذا شيئاً)) (١) . ولا يعرف عن السلف وأهل العلم المقتدى بهم من أنكر النزول، أو تأوله، فإنه مثل صفات الله الأخرى، كالاستواء والمجيء، والرضا، والغضب، بل والخلق، والرزق، والإحياء والإماتة، فمن آمن بشيء من ذلك لزمه الإيمان بالباقي؛ لأن الباب واحد، ولا يجوز فيه قياس أو تمثيل، تعالى الله عن قول أهل الباطل من المحرفين بالتأويلات الفاسدة، والمعطلين. وما ذكره الحافظ في شرحه لهذا الحديث عن البيضاوي من قوله: ((لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية، والتحيز، امتنع عليه النزول، على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه. فالمراد: نور رحمته، أي: ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام، إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة)) (٢) . فهذا من كلام أهل البدع الذين اعتاضوا عن كلام الله ورسوله بنحاتة أفكار أهل الاعتزال، والتجهم، الذين لم يعرفوا من أوصاف الله – تعالى – إلا ما يعرفونه من أنفسهم، فقاسوا نزول الله، واستواءه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة، على نزولهم من أعلى إلى أسفل، واستوائهم على ما هو مرتفع، ومجيئهم من مكان إلى آخر. ولهذا قال: منزه عن الجسمية، والتحيز؛ لأنه اعتقد أن هذه الصفات لا تثبت إلا للجسم، والمتحيز، مع أن الجسمية والتحيز من الألفاظ المجملة

стр. 830

التي تحتمل حقاً وباطلاً. فإن كان يريد بالجسمية: القائم بنفسه البائن عن غيره، فالله – تعالى – قائم بنفسه، وبائن من خلقه، وإن كان يريد بالجسمية: الذي تصح الإشارة إليه، ويكون في مكان، فالله – تعالى – يشار إليه وتتوجه قلوب عباده إليه من فوقهم، وهو فوق عرشه مستوٍ عليه، كما علم المؤمنون. وإن كان يريد بالجسمية البدن، والجسد المركب من الأعضاء واللحم والدم ونحو ذلك، فالله – تعالى – ليس كمثله شيء، وهو منزه عن ذلك، ولم تدل النصوص على هذا. وإن كان يريد بالمتحيز: الذي تحوزه الأشياء وتحيط به، فالله – تعالى – أجلُّ وأعظم من أن يحيط به شيء مخلوق. وإن كان يريد أنه تعالى منحاز عن خلقه فلا يحيطون به، وليس حالاً فيهم، ولا شيء من مخلوقاته فيه – تعالى وتقدس، فالله – تعالى – كذلك، وقد علم أن مراد هؤلاء تعطيل الله – تعالى – عما وصف به نفسه وعما وصفه به رسوله، ولكنهم لم يجرؤوا على رد ذلك صراحة، فجاؤوا بمثل هذه الألفاظ المجملة، التي يظنها من لا يعرف مرادهم مراداً بها التنزيه، وهم يريدون تعطيل الله من أوصافه. ولا يجوز أن يرد كلام رسول الله – ﷺ – بمثل هذه الأغلوطات، التي يزعم البيضاوي وفريقه أنها أدلة قطعية، والحقيقة أنها شبهات تقطع المفتون بها عن سبيل الهدى. ثم نقول لهؤلاء: أأنتم أعلم بالله من الله؟ أم أنتم أعلم بالله من رسوله؟ أم أنتم أعظم تنزيهاً لله من رسوله؟ أم أنتم أقدر على البيان من رسوله؟ أم أنتم أحرص على هداية الأمة، وسلامة عقيدتها من رسول الله – ﷺ ؟ أم أنتم أشد غيرة على الله من رسول الله؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 831

قال شيخ الإسلام: ((إذا قال [أهل التأويل] : النزول، والاستواء، ونحو ذلك من صفات الأجسام، فإنه لا يعقل النزول، والاستواء، إلا لجسم مركب، والله منزه عن هذه اللوازم، فيلزم تنزيهه من ذلك. أو قالوا: هذه حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب. وكذلك إذا قالوا: الرضا والغضب، والفرح، والمحبة، ونحو ذلك هو من صفات الأجسام. فيقال لهم: وكذلك الإرادة، والسمع والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فكما لا يعقل ما يسمع، ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسم. وإن قالوا: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته وعلمه وقدرته. قيل: وكذلك نزوله، واستواؤه، ورضاه، وغضبه، وفرحه، ليس كنزولنا واستوائنا، ورضانا وغضبنا وفرحنا. فإن قالوا: لا يعقل في الشاهد نزول إلا انتقال، فيقتضى تفريغ مكان، وشغل آخر. قيل: كذلك لا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه المريد وينفعه، وفي ذلك فقره إلى ما سواه، ودفع ما يضره. والله أخبرنا كما في الحديث الإلهي بقوله: ((إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)) . فهو منزه عن الإرادة التي لا يعقل في الشاهد إلا هي، وكذا السمع لا يعقل إلا بدخول صوت في الصماخ، وذلك لا يكون إلا في جوف، والله منزه عن ذلك، فهو أحد صمد، كما قال ابن مسعود، وابن عباس، وغيرهما من السلف: ((الصمد: الذي لا جوف

стр. 832

له)) (١) . والمقصود أن هؤلاء المؤولة، أهل التحريف، يلزمهم على أصلهم أن لا يثبتوا لله صفة، وكفى بذلك ضلالاً وكفراً. أو أن يؤمنوا بصفات الله – تعالى – كلها، على ما جاءت بها النصوص، بلا تحريف، ولا تمثيل، على ما يليق بعظمة الله وجلاله، كما أخبر تعالى بأنه لا سمي له، ولا ند له، ولا مثيل له، فإن الباب واحد. ويجب أن يؤمن بصفات الله – تعالى – على وتيرة واحدة، وأن يطرح القياس وتوهم التمثيل، ويسلم للنص. وما ذكره الحافظ، عن ابن العربي، أنه اختار التأويل، وأن النزول راجع إلى أفعاله، لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه ... إلى آخر كلامه المتهافت. فيقال أولا: بئسما اخترت، فإنك اخترت الباطل. ثم يقال له أيضاً: أخبرنا من أين ينزل أمره ونهيه، وأنت وقبيلك تنكرون أن يكون الله فوق مخلوقاته؟ أينزل أمره ونهيه من العدم؟ ويلزمكم أن يكون الملك الذي ينزل بأمره ونهيه – كما يزعمون – أكمل من رب العالمين؛ لأنه كان عالياً، ومن يكون أعلى فهو أكمل ممن هو أسفل منه. ثم يقال له أيضاً: الملائكة لا تزال تنزل إلى الأرض، وإلى السماء الدنيا وغيرها بأمر الله، بالليل والنهار، فما بال هذا النزول يتحدد له ثلث الليل الآخر؟

стр. 833

ويقال له أيضاً: إن في الحديث قوله – تعالى -: ((من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له)) وهذا لا يجوز أن يقوله إلا رب العالمين، وهل يجوز أن الملك يقول: من يستغفرني؟ وهذا كافٍ في إبطال قول المتأولين، كما يبطل قول الحافظ: ((مما يقوي التأويل ما رواه النسائي في بعض طرق الحديث: ((ينادي مناد: هل من داع فيستجاب له)) الحديث، وزعم القرطبي أن هذا يزيل الإشكال. ونحن نقول لهؤلاء: إن الإشكال لازم لمذهبكم ولن ينفك عنه، ولن تجدوا ما يؤيده وإن أجهدتم أنفسكم، فهذه الرواية لا تخالف اللفظ الصريح الواضح الذي ضيق خناقكم، وقد جاء في بعض طرقه عند النسائي وابن ماجه قوله: ((لا أسأل عن عبادي غيري)) . مع أنه يجوز أن الله – تعالى – مع قوله ذلك – يأمر من ينادي، ولكن المنادي لا يقول: ((من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) . ومن زعم أن النبي – ﷺ – قال: إن الله يأمر منادياً يقول ذلك، فهو كاذب؛ لأنه خلاف المستفيض المتواتر عنه أن المنادي هو رب العالمين. وأما قول البيضاوي: ((إن ذلك عبارة عن نور رحمته)) إلى آخر ما قال. فيقال: رحمة الله – تعالى – تنزل كل وقت وآن، لا يختص نزولها بوقت معين، ونور الرحمة لا يقول: من يسألني فأعطيه ... إلى آخره. ((والأمر والرحمة إما أن يراد بهما أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، أو يراد بها صفات، وأعراض. فإن أريد الأول، فالملائكة تنزل كل وقت، والنزول المذكور في الحديث خص بجوف الليل، وجعل منتهاه السماء الدنيا، ومعلوم أن الملائكة نزولهم لا يختص لا بهذا الزمن، ولا بذاك المكان.

стр. 834

وإن أريد صفات، وأعراض، مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة، والتضرع، وحلاوة العبادة، ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا. ونزول أمره ورحمته لا يكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقتضي أنه فوق العالم، فنفس تأويلهم يبطل مذهبهم. وكذلك يبطله ما جاء من ألفاظ الحديث، مثل قوله: ((ثم يعرج)) وفي لفظ: ((ثم يصعد)) . يضاف إليه قوله: ((ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر)) . ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء، ويغفر الذنوب، ويعطي كل سائل سؤاله، إلا الله، وأمره ورحمته لا تفعل شيئاً من ذلك)) (١) قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي لما أوَّل بشر الحديث بمثل ما ذكره الحافظ: ((فيقال: هذا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان؛ لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة، ووقت، وأوان، فما بال النبي – ﷺ – يحد لنزوله الليل دون النهار، ويوقت من الليل شطره، أو الأسحار، أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه، فيقولان: هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان

стр. 835

إلى الإجابة والاستغفار، بكلامهما، وهذا محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ وقد علمتم ذلك ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينزلان عند شطر الليل ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر ثم يرفعان؟)) (١) . وليس نزوله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلثه الآخر كنزول المخلوق الذي يتخيله الجهال، حتى يلزم منه أنه دائم النزول، وأنه تحت السماوات، وفوق السماء الدنيا مقدار ثلث الليل على كل بلد، ولو كان كما يتخيله الجهال لكان النزول ممتنعاً؛ وذلك لوجوه: أحدها: أنه لا يكون فوق العرش أبداً، بل لا يزال نازلاً. الثاني: أنه على هذا التقدير يلزم أن يكون الزمان بقدر ما هو عليه مرات كثيرة، ليقع النزول في ثلث ليل كل بلد، مع أن الليل يختلف طوله وقصره باختلاف عرض البلاد، واختلاف الأوقات. الثالث: أنه لو كان كما تخيله الجاهل، فكيف يبقى عند هؤلاء إلى طلوع فجرهم، ويكون نازلاً عند من هم غربهم ولم يطلع فجرهم؟ وهلم جراً. والحق أن نزول الله – تعالى – الذي أخبر به الصادق المصدوق ليس كنزول المخلوق كما يتخيله الجهال بالله – تعالى – وأوصافه، بل يمكن أن يكون نزوله في وقت واحد لخلق كثير، ويمكن أن يكون قدره لبعض الناس أكثر، ولا يمتنع على الله – تعالى – أن يقرب إلى بعض عباده دون بعض، فيقرب إلى داعيه دون من لم يدعه. وهذا كما أنه تعالى يحاسب عباده يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة، وكل واحد منهم يخلو به، فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره.

стр. 836

وكما أنه سبحانه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . والمقصود من الحديث قوله: ((فيقول: من يدعوني فأستجيب له)) إلى آخره؛ لأن هذا من كلام الله الذي يحض به عباده المؤمنين بنزوله إلى التعرض إلى فضله وكرمه، فيستجيب للداعي، ويعطي السائل سؤله، ويغفر للمستغفر ذنبه، فما أكرم هذا الرب، وأقربه ممن يؤمن بقربه، وما أوسع عطاءه، ولكن أهل التعطيل والتحريف من أبعد الناس عنه، تعالى وتقدس عما تتصوره أفكارهم المنحرفة. وقوله وكلامه – تعالى – غير خلقه، فأهل التأويل والتعطيل يريدون أن يبدلوا كلامه ذلك وقوله، وأما خلقه فإنه لا يبدل، ﴿لاَ تَبدِيلَ لِخلقِ اللهِ﴾ . ***** ١٢٢ – قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، أن الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله – ﷺ – يقول: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) وبهذا الإسناد: ((قال الله: أنفق أنفق عليك)) . قوله: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) يعني: أن هذه الأمة آخر الأمم في الدنيا وعليها تقوم الساعة، وهم أول الأمم دخولاً الجنة، ويحاسبون قبل الناس كلهم. والمقصود قوله: ((قال الله: أنفق أنفق عليك)) إذ هو قول الله، رواه رسوله عن ربه – ﵎ – وفي هذا القول أمره لنبيه بالإنفاق في سبيل الله، والدعوة إلى دينه، ووعده – تعالى – أن ينفق عليه – أي: يعطيه ما يحتاجه لذلك وغيره.

стр. 837

وهذا القول يضاف إلى الله - تعالى - قولاً له حقيقة، وليس هو من القرآن، وقول الله - تعالى - غير خلقه، وتقدم هذا الحديث. **** ١٢٣ - قال: ((حدثنا زهير بن حرب، حدثنا ابن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة - فقال: ((هذه خديجة أتتك بإناء فيه طعام، أو إناء فيه شراب، فأقرئها من ربها السلام، وبشرها ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)) . قوله: ((فقال: هذه خديجة)) القائل هو جبرائيل، كما صرح به في باب تزويج خديجة. قوله: ((أتتك)) في رواية: ((تأتيك)) . قوله: ((بإناء فيه طعام، أو إناء فيه شراب)) شك من أحد الرواة، وفي بعض نسخ البخاري حذفت ((فيه)) الثانية. قوله: ((فأقرئها من ربها السلام)) أي: أخبرها. قال الحافظ: ((زاد الطبراني في الرواية المذكورة: فقالت: هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبرائيل السلام. قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها، لأنها لم تقل: وعليه السلام، عرفت أن الله لا يرد ﵇، كما يرد على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسمائه - تعالى -، وهو دعاء بالسلامة، وذلك لا يصلح أن يرد به على الله. ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام، وعلى من بلغه. واستدل بهذه القصة على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن الله أرسل إليها السلام، وأما عائشة فأرسل إليها السلام جبرائيل)) (١) .

стр. 838

قوله: ((وبشرها ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)) تقدم معنى البشارة، والقصب هو قصب اللؤلؤ كما جاء مفسراً في الحديث)) . قال الحافظ: ((عند الطبراني في ((الأوسط)) ، عن ابن أبي أوفي: ((يعني: قصب اللؤلؤ)) ، وفي ((الكبير)) من حديث أبي هريرة: ((ببيت من لؤلؤة مجوفة)) وأصله في مسلم. وفي ((الأوسط)) من حديث فاطمة: قلت: يا رسول الله، أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا، من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت)) (١) . والصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت. والنصب: التعب. قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين: أنها أجابت النبي – ﷺ – طوعاً، ولم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون بيتها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها)) (٢) . والمقصد من الحديث قوله: ((فأقرئها من ربها السلام)) إلى آخره؛ لأن الله – تعالى – خاطب جبريل بذلك حينما أرسل معه السلام إليها، والبشارة، فهذا من كلام الله المتضمن الإكرام والإفضال على زوج سيد المرسلين – ﷺ – ورضي الله عنها وعن سائر أزواجه وأصحابه أجمعين، وهذا من كلام الله المتعلق بمشيئته الذي أكرم به من شاء من خلقه، وهو غير القرآن وغير خلقه، فإن الخلق لا يرسل به. ****** ١٢٤ – قال: ((حدثنا معاذ بن أسد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا

стр. 839

معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي – ﷺ – قال: قال الله: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) . قال: قال الله تعالى: ((فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)) (١) . فلا يعلم بما أعد الله لهم من الكرامة والنعيم إلا الله – تعالى – الذي خلقه، ولذلك قال: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) فلا أحد يستطيع وصفه؛ لأنه لم يره، ولم يسمع بمثله، ولا يتصوره أحد، وإنما يعلمه الله وحده. روى مسلم في ((صحيحه)) ، من حديث المغيرة بن شعبة، يرفعه، قال: ((سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: هذا لك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت يا رب. قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه في كتاب الله – تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢) قال القرطبي: ((وهذه الكرامة إنما هي لأعلى أهل الجنة منزلاً، كما بينه

стр. 840

هذا الحديث)) (١) . والمقصود قوله: ((أعددت لعبادي الصالحين)) إلى آخره، فهو من قول الله – تعالى – الذي خاطب به عباده، مخبراً إياهم بما أعده – تعالى – لعباده الصالحين. والصالح: هو الذي يفعل ما أمره الله به، ويجتنب ما نهاه عنه، وإن فرط منه معصية، بادر بالتوبة والإنابة إلى ربه. وقول الله وكلامه لا يختص بالكتب المنزلة على رسله كهذه الأحاديث، فهي من كلام الله، وكلامه غير خلقه. ********** ١٢٥- قال: ((حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني سليمان الأحول، أن طاوساً أخبره، أنه سمع ابن عباس يقول: كان النبي – ﷺ – إذا تهجد من الليل قال: ((اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت)) . تقدم شرح هذا الحديث في باب قول الله – تعالى -: ﴿خَلَقَ السَمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِالحَقِ﴾ ، وبعض ألفاظه تختلف عما سبق، كما هي عادته إذا أعاد الحديث،

стр. 841

وسبق التنبيه عليه. وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي – ﷺ – من المداومة على قيام الليل؛ لأن لفظه ((كان)) تدل على ذلك غالباً. وفيه إخباته ﷺ في قيامه، واجتهاده في الدعاء والتضرع، والإخلاص، والثناء على الله – تعالى – والتوسل إليه تعالى بالإيمان بوعده ووعيده، وقوله، والتسليم له. والإنابة: الرجوع إلى الخير خاصة. أما الرجوع إلى الشر فلا يكون إنابة، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (١) أي: عودوا إلى ما يرضى به عنكم من التوبة والانقياد لأوامره، والانتهاء عن زواجره. والمراد من الحديث قوله: ((وقولك الحق)) أي: الثابت الذي فيه الهدى والعدل، فمحاولة المنافقين والكافرين والمفسدين تبديله، عدول منهم عن الحق، ولا يضرون بذلك إلا أنفسهم، كما أن من زعم أن الله لا يقول ولا يتكلم قد جانب الحق واستبدل به الباطل، وكلام الله – تعالى – لا نفاد له، وهو غير خلقه. ****** ١٢٦- قال: ((حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا عبد الله بن عمر النميري، حدثنا يونس بن يزيد الأيلي، قال: سمعت الزهري، قال: سمعت عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة زوج النبي – ﷺ – حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا. وكل حدثني طائفة من الحديث الذي حدثني، عن عائشة، قالت: ولكن والله

стр. 842

ما كنت أظن أن الله ينزل في براءتي وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فأنزل الله - تعالى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفكِ﴾ العشر الآيات)) . ((الإفك)) : أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، وقيل: هو البهتان، لا تشعر به حتى يفجأك، وأصله: الإفك، وهو القلب؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه. فبرَّأها الله مما قالوا، أي: بيَّن براءتها من ذلك الإفك، الذي قاله المنافقون وروجوه في مجتمع المدينة، فآذوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته وأصحابه. ولا يزال إلى اليوم فريق ممن يتستر بالإسلام - وهو يحاربه - ينمّي ذلك الإفك، ويشيعه، ويلفق الكذب والزور، ويحاول أن يلبِّس على السذج والمغفلين. ولا شك أن من يفعل ذلك أنه معاند لله ورسوله، وسالك غير سبيل المؤمنين، ومؤذن لله ورسوله والمؤمنين بالحرب، وليس هو من الإسلام في شيء، بل هذا من أعظم الكفر والتكذيب لله ولرسوله. قال الزمخشري: ((نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحد منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله ﷺ وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها)) (١) .

стр. 843

وقال أيضاً: ((ولو قلبت القرآن كله، وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تر الله - تعالى - قد أغلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة - رضوان الله عليها - ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه، على طرق مختلفة، وأساليب مفننة، كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى، حيث جعل القَذفَةَ ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب (١) الذي هم أهله)) (٢) . وقال ابن القيم: ((فإن قيل: فما بال رسول الله ﷺ توقف في أمرها، وسأل وهو أعلم بالله، وبمنزلته عنده؟ هلاّ قال: سبحانك هذا بهتان عظيم)) . فالجواب: أن هذا من تمام الحِكَم التي جعل الله هذه القصة سبباً لها، وابتلاءً لرسوله، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بها أقواماً، ويضع آخرين. ومن تمام الابتلاء أن تأخر الوحي، ليزداد المؤمنون إيماناً، والمنافقون إفكاً، ونفاقاً، وليظهر لرسوله والمؤمنين من سرائرهم، وتتم العبودية والمنة على الصدّيقة وأبويها.

стр. 844

والرسول ﷺ كان هو المقصود بالأذي، فلذلك تولى الله - تعالى - الدفاع عنه، والرد على أعدائه، وذمهم، وتوعدهم بالعذاب العظيم)) (١) . قولها: ((ولكن والله - الله - ما كنت أظن أن الله ينزل في براءتي وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم فيّ بأمر يتلى)) كانت ﵂ في نفسها صغيرة، ولكنها عند الله، وعند المؤمنين، عظيمة كبيرة؛ لأنها زوج رسول الله ﷺ وحبيبته، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه، حينما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة، فقال السائل: ومن الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر)) (٢) . وقال ﷺ : ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) أخرجاه في ((الصحيحين)) (٣) . وهكذا أهل الفضل يحتقرون أنفسهم، ويزدرونها في حق الله - تعالى -، وذاك مما يعلي منازلهم عند الله - تعالى -. وفيه التصريح بأن الله يتكلم بما يوحيه إلى نبيه، وكلامه - تعالى - منه ما يتعبد بتلاوته كالقرآن، وغيره كهذه الأحاديث التي ذكر البخاري شيئاً منها، وفيه أن كلامه ينزل من الله، فالله فوق خلقه، وكلامه غير مخلوق، وغير محصور في الكتب المنزلة، وهذا هو وجه الدليل منه. وقولها: ((ولكني كنت أرجو أن يرى رسوله الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها)) وذلك ليقينها ببراءتها، وثقتها بأن ذلك سوف يظهر لرسول الله ﷺ ، فكانت تطمع

стр. 845

وترجو الله - تعالى - أن يرى نبيه في المنام ما يكون فيه براءتها، ولكن الله بر كريم، وعدل حكم، له فيما يشرعه من الحكم والمنن على خلقه ما لا يحاط به، ومن ذلك ما أنزله على نبيه ببراءة زوجه أم المؤمنين، مما رماها به أهل النفاق والبهت، فحصل بذلك سروره، وسرور زوجه ووالديها والمؤمنين إلى يوم القيامة. كما حصل بذلك فضيحة المنافقين وخزيهم وبيان كذبهم، وظهور نياتهم الخبيثة، وانكشاف شيء من مؤامراتهم ضد نبي الله، وما جاء به من هذا الدين العظيم، وغير ذلك من الحكم. قوله: ((فأنزل الله - تعالى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفكِ﴾ العشر الآيات، الذي نزل في هذه الواقعة ثماني عشرة أية، كما سبق في كلام الزمخشري ﵀. والمقصود من الحديث - كما سبق قريباً - قولها: ((ما كنت أظن أن الله ينزل براءتي وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى)) ؛ لأن فيه التصريح بأن الله يتكلم بأمره، وما يشرعه لعباده، وما يحكم به بينهم، وما يعدهم، أو يتوعدهم به، على أعمالهم، وينزل ذلك منه على نبيه، الذي يبلغ عنه. ولا يمكن أن يأمر وينهى ويحكم، ويعد ويتوعد، ويجزي، إلا بقوله الذي يتكلم به، وليس قوله محصوراً في كتبه التي تَعَبَّدَ عباده بتلاوتها، في الصلاة وغيرها، ولكن كل ما يحكم به بين خلقه، وما يشرعه لعباده، وعده ووعيده كله بكلامه. والمنافقون والكفار يريدون أن يبدلوا كلام الله الذي هو شرعه ودينه فيخالفونه، أو لا يمتثلونه، والله يجزيهم بما يستحقون ولا يظلمهم. ولا أحد يستطيع تغيير خلق الله - تعالى -.
следующие страницы →