← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وسبق التنبيه عليه. وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي – ﷺ – من المداومة على قيام الليل؛ لأن لفظه ((كان)) تدل على ذلك غالباً. وفيه إخباته ﷺ في قيامه، واجتهاده في الدعاء والتضرع، والإخلاص، والثناء على الله – تعالى – والتوسل إليه تعالى بالإيمان بوعده ووعيده، وقوله، والتسليم له. والإنابة: الرجوع إلى الخير خاصة. أما الرجوع إلى الشر فلا يكون إنابة، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (١) أي: عودوا إلى ما يرضى به عنكم من التوبة والانقياد لأوامره، والانتهاء عن زواجره. والمراد من الحديث قوله: ((وقولك الحق)) أي: الثابت الذي فيه الهدى والعدل، فمحاولة المنافقين والكافرين والمفسدين تبديله، عدول منهم عن الحق، ولا يضرون بذلك إلا أنفسهم، كما أن من زعم أن الله لا يقول ولا يتكلم قد جانب الحق واستبدل به الباطل، وكلام الله – تعالى – لا نفاد له، وهو غير خلقه. ****** ١٢٦- قال: ((حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا عبد الله بن عمر النميري، حدثنا يونس بن يزيد الأيلي، قال: سمعت الزهري، قال: سمعت عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة زوج النبي – ﷺ – حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا. وكل حدثني طائفة من الحديث الذي حدثني، عن عائشة، قالت: ولكن والله

стр. 842

ما كنت أظن أن الله ينزل في براءتي وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فأنزل الله - تعالى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفكِ﴾ العشر الآيات)) . ((الإفك)) : أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، وقيل: هو البهتان، لا تشعر به حتى يفجأك، وأصله: الإفك، وهو القلب؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه. فبرَّأها الله مما قالوا، أي: بيَّن براءتها من ذلك الإفك، الذي قاله المنافقون وروجوه في مجتمع المدينة، فآذوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته وأصحابه. ولا يزال إلى اليوم فريق ممن يتستر بالإسلام - وهو يحاربه - ينمّي ذلك الإفك، ويشيعه، ويلفق الكذب والزور، ويحاول أن يلبِّس على السذج والمغفلين. ولا شك أن من يفعل ذلك أنه معاند لله ورسوله، وسالك غير سبيل المؤمنين، ومؤذن لله ورسوله والمؤمنين بالحرب، وليس هو من الإسلام في شيء، بل هذا من أعظم الكفر والتكذيب لله ولرسوله. قال الزمخشري: ((نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحد منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله ﷺ وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها)) (١) .

стр. 843

وقال أيضاً: ((ولو قلبت القرآن كله، وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تر الله - تعالى - قد أغلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة - رضوان الله عليها - ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه، على طرق مختلفة، وأساليب مفننة، كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى، حيث جعل القَذفَةَ ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب (١) الذي هم أهله)) (٢) . وقال ابن القيم: ((فإن قيل: فما بال رسول الله ﷺ توقف في أمرها، وسأل وهو أعلم بالله، وبمنزلته عنده؟ هلاّ قال: سبحانك هذا بهتان عظيم)) . فالجواب: أن هذا من تمام الحِكَم التي جعل الله هذه القصة سبباً لها، وابتلاءً لرسوله، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بها أقواماً، ويضع آخرين. ومن تمام الابتلاء أن تأخر الوحي، ليزداد المؤمنون إيماناً، والمنافقون إفكاً، ونفاقاً، وليظهر لرسوله والمؤمنين من سرائرهم، وتتم العبودية والمنة على الصدّيقة وأبويها.

стр. 844

والرسول ﷺ كان هو المقصود بالأذي، فلذلك تولى الله - تعالى - الدفاع عنه، والرد على أعدائه، وذمهم، وتوعدهم بالعذاب العظيم)) (١) . قولها: ((ولكن والله - الله - ما كنت أظن أن الله ينزل في براءتي وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم فيّ بأمر يتلى)) كانت ﵂ في نفسها صغيرة، ولكنها عند الله، وعند المؤمنين، عظيمة كبيرة؛ لأنها زوج رسول الله ﷺ وحبيبته، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه، حينما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة، فقال السائل: ومن الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر)) (٢) . وقال ﷺ : ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) أخرجاه في ((الصحيحين)) (٣) . وهكذا أهل الفضل يحتقرون أنفسهم، ويزدرونها في حق الله - تعالى -، وذاك مما يعلي منازلهم عند الله - تعالى -. وفيه التصريح بأن الله يتكلم بما يوحيه إلى نبيه، وكلامه - تعالى - منه ما يتعبد بتلاوته كالقرآن، وغيره كهذه الأحاديث التي ذكر البخاري شيئاً منها، وفيه أن كلامه ينزل من الله، فالله فوق خلقه، وكلامه غير مخلوق، وغير محصور في الكتب المنزلة، وهذا هو وجه الدليل منه. وقولها: ((ولكني كنت أرجو أن يرى رسوله الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها)) وذلك ليقينها ببراءتها، وثقتها بأن ذلك سوف يظهر لرسول الله ﷺ ، فكانت تطمع

стр. 845

وترجو الله - تعالى - أن يرى نبيه في المنام ما يكون فيه براءتها، ولكن الله بر كريم، وعدل حكم، له فيما يشرعه من الحكم والمنن على خلقه ما لا يحاط به، ومن ذلك ما أنزله على نبيه ببراءة زوجه أم المؤمنين، مما رماها به أهل النفاق والبهت، فحصل بذلك سروره، وسرور زوجه ووالديها والمؤمنين إلى يوم القيامة. كما حصل بذلك فضيحة المنافقين وخزيهم وبيان كذبهم، وظهور نياتهم الخبيثة، وانكشاف شيء من مؤامراتهم ضد نبي الله، وما جاء به من هذا الدين العظيم، وغير ذلك من الحكم. قوله: ((فأنزل الله - تعالى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفكِ﴾ العشر الآيات، الذي نزل في هذه الواقعة ثماني عشرة أية، كما سبق في كلام الزمخشري ﵀. والمقصود من الحديث - كما سبق قريباً - قولها: ((ما كنت أظن أن الله ينزل براءتي وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى)) ؛ لأن فيه التصريح بأن الله يتكلم بأمره، وما يشرعه لعباده، وما يحكم به بينهم، وما يعدهم، أو يتوعدهم به، على أعمالهم، وينزل ذلك منه على نبيه، الذي يبلغ عنه. ولا يمكن أن يأمر وينهى ويحكم، ويعد ويتوعد، ويجزي، إلا بقوله الذي يتكلم به، وليس قوله محصوراً في كتبه التي تَعَبَّدَ عباده بتلاوتها، في الصلاة وغيرها، ولكن كل ما يحكم به بين خلقه، وما يشرعه لعباده، وعده ووعيده كله بكلامه. والمنافقون والكفار يريدون أن يبدلوا كلام الله الذي هو شرعه ودينه فيخالفونه، أو لا يمتثلونه، والله يجزيهم بما يستحقون ولا يظلمهم. ولا أحد يستطيع تغيير خلق الله - تعالى -.

стр. 846

وبهذا وأمثاله يتضح أن قول أهل الاعتزال ومقلديهم من الروافض وغيرهم ممن يزعم أن قول الله - تعالى - مخلوق قول خطل، بعيد عن الصواب كل البعد. ****** ١٢٧ - قال: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعلمها، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها، إلى سبعمائة)) . الإرادة: هي العزم على الشيء، وقد جاء في رواية ابن عباس بلفظ ((الهم)) وهو: ترجيح قصد الفعل على الترك، تقول: هممت بكذا، أي: قصدته بهمتي، وهو فوق خطور الشيء في القلب. وقد يطلق الهم على الإرادة. وهذا الخطاب من الله - تعالى - للملائكة الموكلين بحفظ عمل الإنسان وكتابته، وهو يدل على فضل الله على الإنسان، وتجاوزه عنه. قوله: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعلمها)) . قد تكون الإضافة في قوله: ((عبدي)) بمعنى العابد المطيع، أي: عابدي، وقد تكون بمعنى المعبد المذلل، والظاهر أنه مقيد بالمؤمن. والعمل قد يراد به عمل القلب والجوارح، وهو الظاهر؛ لأنه قد جاء ما يدل على أن عمل القلب يؤاخذ به، ويجزي عليه، قال الله - تعالى -: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)

стр. 847

وفي الحديث الصحيح: ((إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في المنار)) ، قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل أخيه)) (١) . وقد جاء قيد الهم بالعزم الجازم، ففي المسند من حديث خريم بن فاتك: ((من هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه)) (٢) . فهذه النصوص تصلح لتخصيص عموم قوله: ((إذا أراد أن يعمل سيئة فلا تكتبوها حتى يعملها)) وهذا لا يخالف قوله في السيئة: ((لم تكتب عليه)) ؛ لأن عزم القلب وتصميمه عمل. قوله: ((فإن علمها فاكتبوها بمثلها)) ، يعني: سيئة واحدة، قال الله – تعالى -: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤) . قوله: ((فإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة)) قيد تركها بأنه من أجل الله – تعالى – أي: خوفاً منه، وحياءً، أما إذا تركها عاجزاً، أو خوفاً من الخلق، أو لعارض آخر، فإنها لا تكتب له حسنة، بل ربما كتبت عليه سيئة.

стр. 848

وفي حديث ابن عباس: ((ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة)) (١) ، فأكدها بقوله: ... ((عنده)) ، وبقوله: ((كاملة)) ، وهو مقيد بما في هذا الحديث، يعني: أن يكون عدم عملها من أجل الله - تعالى -. قوله: ((وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة)) إلى آخره. وجاء وصفها في حديث ابن عباس المشار إليه، بأنها كاملة، وهذا تفضل من الله - تعالى - الكريم المنان على عباده، فله الحمد والمنة، فأي كرم أعظم من هذا، الهم بالحسنة يكتب الله به حسنة كاملة، وعمل الحسنة يكتب به عشر حسنات إلى سبعمائة حسنة، وفي حديث ابن عباس المشار إليه: ((إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)) يعني: أكثر من سبعمائة، فالحمد لله ذي الطول والكرم، فلن يهلك على الله إلا من لا يصلح للتفضل، وليس هو أهل لذلك. والمقصود من الحديث كما تقدم في نظائره السابقة، قوله: ((يقول الله: إذا أراد عبدي)) فأسند القول إلى الله، واصفاً له بذلك، وهذا القول من شرعه الذي فيه وعده لعباده، وتفضله عليهم، وهو غير القرآن، وليس مخلوقاً، فقوله تعالى غير خلقه. ***** ١٢٨ - قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني سليمان بن بلال، عن معاوية ابن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة.

стр. 849

قيام الرحم واستجارتها بالله من القطيعة ومعنى إضافة الحقو إلى الله تعالى فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب قال: فذلك لك)) . ثم قال أبو هريرة: ﴿فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُواْ فيِ الأرضِ وَتُقَطِعُواْ أَرحَامَكُم﴾ . ((أل)) في الخلق تدل على الشمول، فهي عامة لجميع الخلق، ويدل عليه قوله: ((فلما فرغ)) أي: انتهى من خلق المخلوقات، وهو يدل على أن ذلك وقع في وقت محدد، وإن كان الله - تعالى - لا حد لقدرته، ولا يشغله شأن عن شأن، ولكن اقتضت حكمته أن يجعل لفعله ذلك وقتاً معيناً، وهذا من الأدلة على أن أفعاله تتعلق بمشيئته، فمتى أراد أن يفعل شيئاً فعله. وليس معنى قوله: ((لما فرغ)) أنه تعالى انتهى من خلق كل شيء، بل مخلوقاته - تعالى - لا تزال توجد شيئا بعد شيء، ولكن سبق علمه بها، وتقديره لها وكتابته إياها، ثم هي تقع بمشيئته، فلا يكون إلا ما سبق به علمه، وتقديره وكتابته، وشاءه فوجد. قال ابن أبي جمرة: (( (ظاهر الحديث: الإخبار بعظم ما جعل الله - تعالى - للرحم من الحق، وأن وصلها من أكبر أفعال البر، وأن قطعها من أكبر المعاصي)) (١) . قوله: ((قامت الرحم، فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) . هذه الأفعال المسندة إلى الرحم، من القيام، والقول، ظاهر الحديث أنها على ظاهرها حقيقة، وإن كانت الرحم معنى يقوم بالناس، ولكن قدرة الله -

стр. 850

تعالى - لا تقاس بما يعرفه عقل الإنسان، ولا داعي أن يقال: إن الله - تعالى - جعلها في جوهر، وجعل لها حياة، وأنطقها بعد ذلك، فقد جاء أن أعمال العبد تأتيه، وتخاطبه، وتجادل عنه، وهذا من جنسه، والله أعلم. وقيام الرحم قيام مخصوص، غير القيام المتبادر من لفظه، وقد جاء إيضاحه في الرواية التي ذكرها في ((التفسير)) : وفيه: ((قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن)) (١) . قال الحافظ: قال القابسي: ((أبى أبو زيد المروزي أن يقرأ لنا هذا الحرف؛ لإشكاله، ومشى بعض الشراح على الحذف، فقال: ((أخذت بقائمة من قوائم العرش)) . وقال عياض: الحقو معقد الإزار، وهو الموضع الذي يستجار به، على عادة العرب؛ لأنه من أحق ما يحامى عنه ويدفع، كما قالوا: نمنعه مما نمنع منه أزرنا، فاستعير ذلك مجازاً للرحم في استعاذتها بالله من القطيعة. انتهى. وقد يطلق الحقو على الإزار نفسه، كما في حديث أم عطية: ((فأعطاها حقوه، فقال: أشعرنها إياه)) يعني: إزاره، وهو المراد هنا، وهو الذي جرت العادة بالتمسك به عند الإلحاح في الاستجارة، والطلب، وهذا المعنى صحيح مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة)) (٢) . قلت: هذا على مذهب أهل التأويل المذموم، والصواب عدم حمل كلام الله ورسوله على الاصطلاحات الحادثة بعد مضي عصر الصحابة وأتباعهم؛ لأن الله - تعالى - ورسوله ﷺ خاطب الناس بلغة العرب، والمخاطبون فهموا مراده، وما كانوا يفرقون بين الحقيقة والمجاز، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.

стр. 851

قال شيخ الإسلام – ﵀ – في رده على الرازي في زعمه أن هذا الحديث يجب تأويله. قال: ((فيقال له: بل هذا من الأخبار التي يقرها من يقر نظيره، والنزاع فيه كالنزاع في نظيره. فدعواك أنه لا بد فيه من التأويل بلا حجة تخصه، لا تصح)) (١) . وقال: ((وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه، وما ذكره الخطابي وغيره أن هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق، فهذا بحسب علمه، حيث لم يبلغه فيه عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت. قال ابن حامد: ومما يجب التصديق به: أن لله حقواً. قال المروزي: قرأت على أبي عبد الله كتاباً، فمر فيه ذكر حديث أبي هريرة، عن النبي – ﷺ : ((إن الله خلق الرحم حتى إذا فرغ منها أخذت بحقو الرحمن)) فرفع المحدث رأسه، وقال: أخاف أن تكون كفرت. قال أبو عبد الله: هذا جهمي. وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يسئل عن حديث هشام بن عمار، أنه قرئ عليه حديث الرحم، تجيء يوم القيامة فتعلق بالرحمن – تعالى – فقال: أخاف أن تكون قد كفرت؟ فقال: هذا شامي ما له ولهذا؟ قلت: فما تقول: قال: يمضي كل حديث على ما جاء)) (٢) . وقال القاضي أبو يعلى: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره،

стр. 852

وأن ((الحقو)) و ((الحجزة)) صفة ذات، لا على وجه الجارحة، والبعض، وأن الرحم آخذة بها، لا على وجه الاتصال، والمماسة، بل نطلق ذلك تسمية كما أطلقها الشرع. وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله – ﵀ – هذا الحديث في كتابه، وأخذ بظاهره، وهو ظاهر كلام أحمد)) (١) . قلت: قوله: ((لا على وجه الجارحة، والبعض)) وقوله: ((لا على وجه الاتصال والمماسة)) قول غير سديد، وهو من أقوال أهل البدع، التي أفسدت عقول كثير من الناس. فمثل هذا الكلام المجمل لا يجوز نفيه مطلقاً، ولا إثباته مطلقاً؛ لأنه يحتمل حقاً وباطلاً، فلا بد من التفصيل في ذلك، والإعراض عنه أولى؛ لأن كلام رسول الله – ﷺ خال منه، وليس هو بحاجة إليه فهو واضح. وليس ظاهر هذا الحديث أن لله إزاراً ورداءً من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس، مما يصنع من الجلود والكتان والقطن وغيره، بل هذا الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد. فإنه لو قيل عن بعض العباد: أن العظمة إزاره، والكبرياء رداؤه؛ لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء، اللذين ليسا من جنس ما يلبس من الثياب. فإذا كان هذا المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق؛ لأن تركيب اللفظ يمنع ذلك، وبين المعنى المراد، فكيف يدعى أن هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله – تعالى -؟ فإن كل من يفهم الخطاب، ويعرف اللغة، يعلم أن الرسول – ﷺ – لم يخبر عن ربه بلبس الأكسية والثياب، ولا أحد ممن يفهم الخطاب يدعي في قوله – ﷺ – في خالد بن الوليد ((إنه سيف الله)) أن خالداً حديد، ولا في قوله – ﷺ – في الفرس: ((إنا وجدناه بحراً)) أن ظاهره أن الفرس ماء

стр. 853

كثير، ونحو ذلك)) (١) . قوله: ((مه)) هي كلمة ردع وزجر، أو استفهام. قوله: ((هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) الإشارة إلى ما ذكر في الرواية التي أشرت إليها، وهي قوله: ((قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن)) ، وهذا أعظم مقام، والعائذ به استعاذ بأعظم معاذ، وهو دليل على تعظيم صلة الرحم، وعظم قطيعتها. والقطيعة: عدم الوصل، والوصل: هو الإحسان إلى ذوي الرحم، والتودد له والقرب منه، ومساعدته بإسعافه بما يرضيه، ودفع ما يؤذيه، والحرص على جلب ما ينفعه في الدنيا والآخرة. قوله: ((ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك)) من وصله الله، وصل إلى كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، ولا بد أن تكون نهايته مجاورة ربه في الفردوس؛ لأن الوصل لا ينتهي إلا إلى هناك فينظر إلى وجه ربه الكريم. ومن قطعه الله فهو المبتوت المقطوع مع عدو الله الشيطان الطريد الرجيم، ولو أراد الخلق كلهم صلته ونفعه، لم يفده ذلك. فأي تحذير وتهديد أعظم من هذا؟ وأي وعد وثواب أكبر من ثواب صلة الرحم؟ ولهذا قرأ أبو هريرة الآية مستشهداً بها، وفيها أن قطيعة الرحم مجلبة للعنة الله وغضبه وشديد عقابه. والمقصود من الحديث: ما فيه من مخاطبة الله – تعالى – للرحم، بقوله: ((مه)) وقوله: ((ألا ترضين)) إلى آخره، وهو خطاب كريم يجب أن يؤمن

стр. 854

به على ظاهره، وما فيه من وعده، ووعيده، وحكمه وشرعه، وخطابات الله - تعالى - وكلامه غير محصور في كتبه المنزلة على رسله، وكلامه تعالى غير مخلوقاته، كما سبق التنبيه عليه مراراً، والله أعلم. ****** ١٢٩- قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن صالح، عن عبيد الله، عن زيد ابن خالد، قال: مطر النبي ﷺ فقال: (قال الله: أصبح من عبادي كافر بي، ومؤمن بي)) . زيد بن خالد الجهني، صاحب لواء جهينة يوم فتح مكة، من أهل بيعة الرضوان، قال ابن عبد البر: اختلف في سنة وفاته، وفي وقتها ومكانها، اختلافاً كثيراً، فقيل: توفي في المدينة سنة ثمان وستين، وقيل: بمصر سنة خمسين، وقيل: بالكوفة في آخر خلافة معاوية، ﵁ وعن سائر الصحابة أجمعين)) (١) . قوله: ((مطر)) أي: نزل عليه المطر ليلاً، وذلك في الحديبية، كما جاء مبيناً في هذا الحديث، ولكن المؤلف ﵀ اختصره هنا، واقتصر على محل الشاهد منه. قوله: ((كافر بي، ومؤمن بي)) جاء بيان ذلك في نفس الحديث، حيث قال: (أما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب)) .

стр. 855

ومعنى الإيمان هنا: الاعتراف بفضل الله، ونسبة النعم وإنزال المطر والتصرف في الكون إلى الله – تعالى -؛ لأنه هو مالك كل شيء، وخالقه والمدبر شؤون خلقه. ومعنى الكفر في هذا الحديث: نسبة النعم، وإنزال المطر، والتأثير في الكون، إلى غير الله – تعالى – كقولهم: مطرنا بالنوء الفلاني. والنوء هو: النجم الذي ينزله القمر، وغيره. قال ابن عبد البر: ((النوء في كلام العرب: واحد أنواء النجوم، يقال: ناء النجم ينوء: إذا نهض للطلوع، وقد يكون يميل للمغيب)) (١) . فلا يجوز نسبة نزول المطر، وغيره إلى النجم، وإن لم يكن ذلك عن اعتقاده، فإن النجوم لا تفعل شيئاً، وليس لها تأثير، وتصريف لأحوال الجو وغيره. أما من اعتقد أنها تفعل شيئاً من ذلك حقيقة، فهو مشرك الشرك الأكبر. قال ابن عبد البر: ((معنى نسبة المطر إلى النوء هو عندي على وجهين: أحدهما: اعتقاد أن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله – تعالى -، فذلك كافر كفراً صريحاً، يجب استتابته عليه وقتله؛ لنبذه الإسلام، ورده القرآن. الثاني: أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء، على ما قدره الله، وسبق في علمه، فهذا وإن كان وجهاً مباحاً، فإن فيه أيضاً كفراً بنعمة الله – ، وجهلاً بلطيف حكمته؛ لأنه ينزل الماء متى شاء. قال الشافعي: لا أحب لأحد أن يقول: مطرنا بنوء كذا، وإن كان النوء

стр. 856

عندنا: الوقت، والوقت مخلوق، لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر، ولا يحبس شيئاً من المطر، وإنما يقول: مطرنا وقت كذا، كما يقول: بشهر كذا، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، فهو كافر حلال دمه إن لم يتب. وسمع الحسن رجلاً يقول: طلع سهيل، وبرد الليل، فكره ذلك، وقال: إن سهيلاً لم يأت قط بحر ولا برد. وكره مالك أن يقول الرجل للغيم، أو السحابة: ما أخلقها للمطر. وهذا يدل على أنهم احتاطوا، فمنعوا الناس من الكلام بما فيه أدنى متعلق من أمر الجاهلية)) (١) . والمقصود من الحديث هنا: إسناد القول إلى الله – تعالى -، وهو قول حقيقة يخاطب به رسله من الملائكة والبشر، ويبين فيه حكمه وشرعه، وما يثيب عليه وما يعاقب عليه، وأنه يقول، ويأمر، وينهى متى شاء – جل وعلا -، وأن قوله غير مخلوق، وغير محصور في القرآن ونحوه، وقوله غير مفعولاته. ***** ١٣٠- قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله – ﷺ – قال: ((قال الله: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي، كرهت لقاءه)) . ((إذا)) هنا ظرف للزمن المستقبل، وفيها معنى الشرط. وتقدم الكلام في صفة محبة الله – تعالى – وأنه تعالى يحب أهل طاعته من عباده، وأن ذلك ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله، وأدلته لا تكاد تنحصر، ومنكره

стр. 857

ضال عن طريق المنعم عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، سالك طريق أهل الضلال والتحريف والتبديل. وتقدم كذلك الكلام على حب العباد لله – تعالى – وأن ذلك أصل الدين، ومعنى لا إله إلا الله، وأن من لم يحب الله – تعالى – حب ذل وخضوع وتعظيم أنه ليس بمسلم ولا يعرف الإسلام. قال ابن عبد البر: ((هذا خبر عن حال الطائفتين عند لقاء ربهم، فمن أحب لقاء الله، فهو الذي يحب الله لقاءه، ومن كره لقاء ربه عند الموت، فذاك الذي يكره الله لقاءه)) (١) . وفي هذا الحديث وصف الله – تعالى – بأنه يكره بعض عباده، وبعض الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ﴾ (٢) ، وقال جل وعلا: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٣) . وفي ((صحيح مسلم)) ، قال رسول الله – ﷺ : ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) (٤) . وفيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً ... )) الخ (٥) .

стр. 858

وجاء في الرواية التي ذكرها في الرقاق بعد قوله: ((كره الله لقاءه)) قالت عائشة، أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت؟ ((قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وأن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه)) . قال الزرقاني: ((عند حضور أجله إن عاين ما يحب أحب لقاء الله، وإن عاين ما يكره لم يحب الخروج من الدنيا، هذا معناه كما تشهد به الآثار المرفوعة، وذلك حين لا تقبل التوبة، وليس المراد الموت؛ لأنه لا يخلو من كراهته أحد، ولكن المكروه من ذلك إيثار الدنيا، وكراهة أن يصير إلى الله – تعالى –، قاله ابن عبد البر)) (١) . والمقصود من الحديث الجملة المذكورة هنا، إذ فيها قول الله – تعالى – إنه يحب لقاء بعض عباده، ويكره لقاء بعضهم. فالمتقي يحب لقاء ربه عند انقطاع عمله، وانقضاء أجله، فيحب ربه لقاءه ليكرمه، ويجزيه فوق ما يتصوره، فضلاً من ربه تعالى. وأما الفاجر فإنه عند معاينة رسل الله إليه، وإخبارهم إياه بعذاب الله، يكره عند ذلك ملاقاة الله، فيكره الله لقاءه، فأخبر تعالى عباده بهذا قولاً منه على لسان رسوله، وقوله غير خلقه، وأقواله تعالى غير محصورة في كتبه. وتقدم أن لقاء الله يتضمن معاينته ورؤيته، وكل أحد من عباد الله سوف يلاقي ربه، فيسأله عن عمله، كما في حديث عدي المتقدم، والله أعلم. *****

стр. 859

١٣١- قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قال الله - تعالى -: أنا عند ظن عبدي بي)) . هذا الحديث تقدم في باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِرُكُمُ اللهُ نَفسَهُ﴾ . والمقصود منه هنا واضح كما تقدم في الأحاديث قبله، وهو أن الله - تعالى - تكلم بهذا القول مخاطباً عباده بما يريد منهم أن يفعلوه فيثيبهم عليه، وبما يريد منهم أن يجتنبوه، حتى لا يعاقبهم، وتقدم أن الكلام صفة كمال، وأن الله - تعالى - متصف بها، وأن كلامه يتعلق بمشيئته، فمتى شاء أن يتكلم تكلم، وكما أنه تعالى في الأزل يتكلم بما يشاء، فكذلك في المستقبل، وفي كل وقت، إذا أراد أن يتكلم وكلام الله غير محصور ولا نفاد له، وهو غير خلقه. ****** ١٣٢- قال: ((حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((قال رجل لم يعمل خيراً قط: إذا مات فحرقوه، واذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت؟ قال: من خشيتك، وأنت أعلم، فغفر له)) . الظاهر أن هذا الرجل من بني إسرائيل، ولهذا أورده المصنف ﵀ في أحاديث بني إسرائيل. وقوله: ((لم يعمل خيراً قط)) الظاهر أن المقصود عمل الجوارح، وأن عنده أصل الإيمان في قلبه، فهو مؤمن بالله، وبالجزاء والحساب، وهذا واضح

стр. 860

من قوله: ((فعلت ذلك من خشيتك وأنت أعلم)) ، ومن قوله: ((فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني)) ... الخ. وفي الرواية التي في أحاديث الأنبياء: ((وكان رجل يسرف على نفسه)) (١) . قوله: ((إذا مات فحرقوه)) عدل عن خطاب المتكلم إلى الغائب، كراهية إسناد هذه الأفعال المخبر عنها، وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، إذا كرهوا العمل المخبر عنه، ذكروه بلفظ خطاب الغيبة كراهة إضافته إلى المتكلم لفظاً. وقد جاء على الأصل في الرواية المذكورة في أحاديث بني إسرائيل، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وحذيفة، كلهم بلفظ المتكلم: ((إذا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني)) . قوله: ((واذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر)) أي: فرقوا أجزاءه المسحوقة في الريح، التي تبعثر ذراته بعد التحريق والطحن، إمعاناً في تفرقة أجزائه، حتى لا تجتمع، ظاناً أن الله لا يقدر على جمعه وبعثه، ولهذا قال: ((فو الله لئن قدر الله عليه)) أي: قدر على جمعي، وبعثني حياً بعد الموت، وفي الرواية المشار إليها: ((فو الله لئن قدر الله عليَّ)) . وهذا هو ظاهر الروايات جميعها، بل هو صريحها، وما ذكر من التمحلات والتكلفات من كثير من الشراح، لا داعي لها، وهي خلاف صريح اللفظ كقولهم: ((قدر)) من التقدير، وهو التضييق، أو قدر على العذاب، ونحو ذلك مما يجزم المتتبع لروايات الحديث والناظر في السياق أنه خطأ محض. فهو شاك في قدرة الله على جمعه، وإحيائه بعد ذلك، ومع هذا عذره

стр. 861

الله – تعالى – بجهله، وحسن قصده، وهذا يدل على أن الجاهل قد يغفر الله له وإن عمل ما يدل على كفره لو كان عالماً. قال شيخ الإسلام: ((فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهو كفر باتفاق المسلمين)) (١) . وقال: ((وهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل بقدرة الله – تعالى – على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك)) (٢) . وقال أيضاً: ((فهذا شك في قدرة الله، وفي المعاد، بل ظن أنه لا يعود، وأنه لا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك، وقد غفر الله له)) (٣) . وهذا هو المتبادر من الحديث، فلا يعدل عنه لا بدليل يوجب ذلك، وليس هناك ما يوجب صرفه عن ظاهره. وقال أيضاً: ((فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك أنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله، وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته)) (٤) . قوله: ((فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه)) الروايات التي اطلعت عليها كلها بلفظ الماضي الذي وقع وانتهى.

стр. 862

قال الحافظ: ((هذا جميعه كما قال ابن عقيل: إخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: ((فجمعه الله)) ؛ لأن التحريق والتفريق إنما وقع على الجسد، وهو الذي يجمع، ويعاد عند البعث)) (١) . وأقول: ليس هناك ما يمنع أن يكون ذلك وقع، بل هذا هو الظاهر من الحديث برواياته المتعددة، وهو الظاهر من صنيع البخاري – ﵀، حيث أورده في أحاديث بني إسرائيل التي وقعت لهم، وأورده في هذا الباب مستشهداً به على أن الله – تعالى – خاطب هذا الرجل، كما في سائر أحاديث الباب، فيكون الله – تعالى – قد أحياه، وخاطبه، ثم مات أخرى، كما حصل لقتيل بني إسرائيل، الذي أمر الله – تعالى – أن يضرب بجزء من البقرة فحيى. أو تكون حياته بعد جمعه حياة برزخية، يخاطب فيها ويجيب، ويدرك ويعرف، كما خاطب الله – تعالى – والد جابر بعد ما قتل، قال النبي – ﷺ – لجابر: ((ألا أبشرك عما لقي أبوك؟ إن الله كلم أباك من غير حجاب، فقال له: عبدي، سلني ... )) الحديث (٢) ، وعلى كُلِّ فقدرة الله – تعالى – صالحة لما ذكر وغيره، والله أعلم. قوله: ((فقال: لم فعلت؟ قال: من خشيتك وأنت أعلم، فغفر له)) . أي: لماذا أمرت أولادك بأن يحرقوك، ويذروك في يوم عاصف، نصفك في البر والنصف الآخر في البحر؟ وهذا يدل على أن من أمر بشيء، ففعل حسب أمره، أنه هو المسؤول

стр. 863

عن ذلك وعليه تبعته، ولا يرفع ذلك المسؤولية عن المباشر للفعل،، ولا سيما إذا كان فيه معصية لله – تعالى -، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق – تعالى -. والله – تعالى – يسأله، وهو أعلم بقصده، وما أراده، وإنما ذلك لتقريره بذنبه، حتى يتم الجزاء، فلما كان الدافع له على ما أقدم عليه هو خوف الله بقصد حسن، غفر الله له، وإن كان فعله خطأ، وجهلاً بقدرة الله – تعالى – ومع ذلك عذره الله، وغفر له. والشاهد منه قوله: ((ثم قال: لم فعلت؟)) ؛ لأنه خطاب من الله – تعالى – لهذا يسأله عن فعله، الذي خالف فيه مقتضى الإيمان بكمال قدرة الله – تعالى -، وقول الله – تعالى – وخطابه غير ما يخلقه، ويفعله مفعولاً له، وكلام الله – تعالى – داخل في أفعاله الاختيارية، ولهذا أخبر تعالى أنه لا نفاد له، ولا يجوز قصر كلام الله على كتبه. ****** ١٣٣- قال: ((حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام حدثنا إسحاق بن عبد الله، سمعت عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: سمعت أبا هريرة، قال: سمعت النبي – ﷺ – قال: ((إن عبداً أصاب ذنباً – وربما قال: أذنب ذنباً – فقال: رب أذنبت ذنبا – وربما قال: أصبت ذنبا – فاغفر لي: فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا – أو أذنب ذنبا – فقال: رب أذنبت – أو أصبت – آخر، فاغفره، فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا – وربما قال: أصاب ذنبا – فقال: رب أصبت – أو أذنبت – آخر فاغفر لي، فقال: أعلم

стр. 864

عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي - ثلاثا - فليعمل ما شاء)) . قوله: ((إن عبداً أصاب ذنباً)) هذا جنس يعم كل من كان بهذه الصفة، أي: من أذنب، ثم رجع إلى ربه هارباً من عذابه، طالباً المغفرة تائباً. قوله: ((أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به)) أي: أنه حقق هذا العلم باعترافه بالذنب، وإنابته إلى ربه، راغباً في مغفرته، خائفاً من عقوبته، فلذلك غفر له، ثم قال في الثالثة: ((فليعمل ما شاء)) يعني: ما دام يذنب ثم يستغفر ويتوب، فإن ربه - تعالى - يغفر ذنبه. ولا يدل ذلك على أنه مصر على الذنب، فإن الإصرار على الذنب أعظم منه، ولكنه يتوب ويستغفر، ثم يغلبه الطبع، وهوى النفس، وتزيين الشياطين، فيواقع الذنب، ثم يفر بعد ذلك إلى ربه تائباً نادماً، راجياً خائفاً، فشروط التوبة متحققة فيه، وهي الإقلاع عن الذنب، والندم على الوقوع فيه، والعزم على أن لا يعاوده. قال القرطبي في المفهم: ((يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله، وسعة رحمته، وحلمه، وكرمه. لكن هذا الاستغفار، هو الذي ثبت معناه في القلب مقارناً للسان، لينحل به عقد الإصرار، ويحصل معه الندم، فهو ترجمة للتوبة، ويشهد له حديث: ((خياركم كل مفتن تواب)) ، ومعناه: الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب، عاد إلى التوبة. لا من قال: أستغفر الله بلسانه، وقلبه مصر على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفار.

стр. 865

قلت (١) : ويشهد له ما أخرجه ابن أبي الدنيا، من حديث ابن عباس، مرفوعاً: ((التائب من الذنب، كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه)) . والراجح أن قوله: (والمستغفر)) إلى آخره، موقوف. وأوله عند ابن ماجه، والطبراني، من حديث ابن مسعود، وسنده حسن. وحديث: ((خياركم كل مفتن تواب)) ذكره في مسند الفردوس، عن علي. قال القرطبي: ((وفائدة هذا الحديث: أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة، لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه)) (٢) . والمقصود من الحديث، وقوع كلام الله – تعالى – مخاطباً هذا العبد المذنب، وإن كان العبد لا يسمع ذلك الخطاب، ولم يعلم به، فهو مما أوحاه الله – تعالى – إلى رسوله – ﷺ ، وهو واقع من الله - تعالى -، فهو دال على مراد الإمام البخاري ﵀، من أن الله يتكلم متى شاء، بما يشاء من أمره، وشرعه، وتدبيره لخلقه، وتصريفه ملكه – جل وعلا – وكلامه لا حصر له ولا نفاد، وهو غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة المتكلم متعلق به وقائم به، وأما خلقه فهو مفعول له، ليس من صفاته، وإنما هو من مفعولاته. والله أعلم. ****** ١٣٤- قال: ((حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا معتمر، سمعت أبي، حدثنا قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي – ﷺ : ((أنه ذكر رجلاً فيمن سلف – أو فيمن كان

стр. 866

قبلكم – قال كلمة يعني أعطاه الله مالاً وولداً – فلما حضر الوفاة، قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر – أو لم يبتئز – عند الله خيراً، وإن يقدر الله عليه يعذبه، فانظروا إذا مت، فأحرقوني، حتى إذا صرت فحما فاسحقوني – أو قال: فاسحكوني – فإذا كان يوم ريح عاصف فأذروني فيها)) . فقال نبي الله – ﷺ : ((فأخذ مواثيقهم على ذلك – وربي – ففعلوا، ثم أذروه في يوم عاصف. فقال الله – : كن، فإذا هو رجل قائم، قال الله: أي عبدي، ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال: مخافتك – أو قال: فرق منك – قال: فما تلافاه أن رحمه عندها)) . وقال مرة أخرى: ((فما تلافاه غيرها)) فحدثت به أبا عثمان، فقال: سمعت هذا من سلمان، غير أنه زاد فيه: ((أذروني في البحر)) أو كما حدث)) . ((حدثنا موسى، حدثنا معتمر، وقال: لم يبتئر)) . ((وقال لي خليفة: حدثنا معتمر، وقال: لم يبتئز: فسره قتادة: لم يدخر)) . هذا هو الحديث المتقدم قريباً، أعاده من طرق أخرى من حديث أبي سعيد الخدري. وفيه من الزيادة قوله: ((فيمن سلف – أو فيمن كان قبلكم -)) وتقدم أن الإمام البخاري – ﵀ – أورده في أحاديث بني إسرائيل من كتاب الأنبياء، مما يدل على أنه منهم، والله أعلم.

стр. 867

وفيه أن وصيته وأمره لأولاده كانت عند وفاته، بقوله: ((أي أب كنت لكم؟)) ليكون ذلك أدعى إلى تنفيذ أمره، فكأنه يقول: ما دمتم تعرفون أني كنت لكم خير أب، فمن جزائي عليكم أن تفعلوا ما آمركم به. وفيه أن سبب أمره لأبنائه بذلك أنه مسرف على نفسه، ولم يقدم خيراً، فقوله ((لم يبتئز خيراً عند الله)) معناه: لم يقدم عملا صالحاً، وفسره قتادة بأنه لم يدخر عند الله خيراً. والمقصود أنه لم يعمل خيراً يرجو به النجاة. وفيه قوله: ((حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني – أو قال: فاسحكوني – فإذا كان يوم عاصف فأذروني فيها)) وقد فهم هذا كله من الحديث السابق، والسحق، والسحك، كلاهما بمعنى واحد، وهو أن يطحن حتى يصير ذرات صغيرة جداً، ولهذا أمرهم أن يذروه في اليوم الذي تكون الريح فيه عاصفاً، أي: شديدة؛ إمعاناً في تفريق أجزائه، ظناً منه أن الله لا يقدر على إعادته بعد ذلك، وهذا هو مقصده. وفيه قول النبي – ﷺ : ((فأخذ مواثيقهم على ذلك – وربي)) ففيه مشروعية القسم على الأمر المؤكد تقوية وتأكيداً للسامع؛ حتى لا يرتاب في ذلك، والرسول – ﷺ – هو الصادق المصدوق فيجب تصديق خبره بدون أي تردد، أو شك، ولو لم يقسم، ولكنه يشرع لأمته صلوات الله وسلامه عليه. والمواثيق جمع ميثاق وهي: العهود، والأيمان المؤكدة على أن يفعلوا ما أمرهم به. وفيه أن الله – تعالى – قال له: ((كن، فإذا هو رجل قائم)) وهو ظاهر فيما قلنا إنه واقع في الدنيا، وسبق أن حديث جابر يدل على ذلك، ولفظه: ((قال جابر بن عبد الله – ﵄: قال النبي – ﷺ : ((ألا أبشرك عما لقي أبوك؟ إن الله كلم أباك من غير حجاب، فقال له: عبدي، سلني،

стр. 868

فقال: يا رب، ردني إلى الدنيا حتى أقتل فيك، قال: فإني قد قضيت عليهم ألا يرجعوا، قال: يا رب فأبلغهم عنا، فأنزل ﴿وَلاَ تَحَسَبَنَ الَّذِينَ قُتِلُوا فيِ سَبِيلِ اللهِ أموَاتاً بَل أَحيَاءُ عِندَ رَبّهِم يُرزَقُونَ﴾ (١) . وفيه: أن الله - تعالى - قال له: ((أي عبدي، ما حملك على أن فعلت ما فعلت)) وهو بمعنى ما تقدم. وقوله: ((مخافتك - أو فرق منك)) الفرق: هو الخوف، وهو بمعنى ما تقدم من قولك: ((خشيتك)) . وفيه قوله: ((فما تلافاه أن رحمه عندها)) وقال مرة أخرى: ((فما تلافاه غيرها)) يعني: أنه تعالى عندما قال هذه الكلمة، رحمه دون إمهال، بل أسرع إليه برحمته، فغفر له، فما أعظم هذا الكرم، وأوسع هذا الحلم والرحمة، هذا مع شك هذا الرجل في قدرة الله، وعدم إيمانه بما يجب عليه بأنه تعالى على كل شيء قدير، ولكن رحمة الله تغلب غضبه. وتقدم بيان الشاهد منه، وهو قول الله - تعالى- وخطابه لهذا الرجل، مما يدل على أنه تعالى يقول ويتكلم متى شاء، ويكلم من يشاء، وكلامه تعالى لا حصر له ولا نفاد، وهو غير خلقه؛ لأن الكفار والمنافقين يريدون أن يبدلوا كلام الله، وذلك قد يقع، وأما خلق الله - تعالى - فلا تبديل له. كما في هذه النصوص إثبات الصفات الاختيارية لله - تعالى - وهي من تمام حمده، فمن لم يقر بها لم يمكنه الإقرار بأن الله محمود، ولا أنه رب العالمين.

стр. 869

فإن الحمد ضد الذم، وهو: الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له، كما أن الذم هو: الإخبار بمساوئ المذموم مع بغضه، وجماع المساوئ فعل الشر، كما أن جماع المحاسن فعل الخير. فمن كان يفعل الخير بمشيئته وقدرته استحق الحمد، ومن لم يكن له فعل اختياري يقوم به ويفعله بمشيئته وقدرته لا يكون خالقاً ولا رباً للعالمين. وقد علم بالاضطرار أن الله – تعالى – هو الخالق وحده، وهو الرزاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهذا هو الفعل الاختياري، فوجب إثباته لله – تعالى -. وكذلك اتصافه بالصفات مثل الرحمن الرحيم، فإن الرحمن الرحيم: الذي يرحم العباد بمشيئته وقدرته، وكذلك يعذب من عصاه بمشيئته وقدرته، فتصرفه في ملكه دلت عليه أسماؤه وصفاته تعالى، فمن أنكر صفاته لزمه تعطيله عن تصرفه في ملكه. قال تعالى: - ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ (١) فعلق الرحمة والعذاب بمشيئته. وهو – تعالى – لم يزل بصفاته يفعل ما يشاء، له الكمال المطلق في كل وقت في الأزل وفي الأبد، وهذا مما أراده البخاري- ﵀ – بذكر هذه النصوص، خلافاً لما يقوله أهل البدع. *****

стр. 870

قال: ((باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم)) . هذا هو الباب الثامن مما يستدل به الإمام البخاري ﵀ على إثبات الكلام لله - تعالى -. فذكر أولاً قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَد سَبَقَت كَلِمَتُنَا لِعبَادِنَا المُرسِلينَ﴾ ثم بوب على قوله تعالى: - ﴿إِنَّمَا قَولُنَا إِذَا لَشَيْءٌ أَرَدناهُ﴾ ، ثم على قوله تعالى: - ﴿قُل لَّو كَانَ البَحرُ مِدَادَاً لِكَلمَاتِ رَبّي﴾ الآيات، ثم ذكر المشيئة والإرادة إشارة منه إلى أن كلامه - تعالى - بمشيئته وإرادته، وأنه إذا شاء أن يتكلم تكلم، ثم ذكر ما بيَّن الله من حال الملائكة عند سماعهم صوت الله - تعالى - بالكلام، وأنهم يصعقون، فإذا أفاقوا قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم، وفيه إثبات الصوت لله - تعالى-، وأن كلامه بصوت، وهذا من أبلغ الأدلة على إثبات الكلام لله حقيقة، ثم ذكر قول الله - تعالى -: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يريد بذلك إبطال قول من يزعم أن كلام الله مخلوق؛ لأن الخلق لا يبدل بخلاف الكلام، فإنه يمكن تبديله، أو يريد أن الأحاديث القدسية من كلام الله حقيقة، وأن كلامه تعالى لا ينحصر في كتبه المنزلة، ثم ذكر هذا الباب الذي نحن في صدد شرحه، وهو كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، يقصد بذلك أن كلامه تعالى لا انقطاع له ولا نهاية بل متعلق بمشيئته متى شاء تكلم، فكما أنه تعالى تكلم في الأزل، وبعده كلما أراد، فهو يتكلم في المستقبل وفي الحال حسب إرادته. ثم ذكر قوله تعالى: - ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسىَ تَكليِماً﴾ ليبين أن كلامه حقيقة، وأنه يكون خاصاً وعاماً، ولهذا أعقبه بقوله: باب كلام الرب مع أهل الجنة، ثم ذكر مسألة خلق أفعال العباد، والفرق بين فعل الله تعالى وفعل العبد، ووجوب عدم مشابهة الرب في ذلك وغيره، ولهذا أعقب ذلك بأن ترجم بقول الله - تعالى -: - ﴿فَلاَ تَجعَلُواْ للهِ أَندَاداً

стр. 871

وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾ ثم بين الفرق بين فعل العبد وما هو صفة لله مثل القراءة والمقروء، وغير ذلك كما سيأتي إن شاء الله – تعالى -، وكل ما ذكره أدلة واضحة صريحة، ومخالفتها ضلال بيّن. ***** ١٣٥- قال: ((حدثنا يوسف بن راشد، حدثنا أحمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا حميد قال: سمعت أنس بن مالك – ﵁ – قال: سمعت النبي – ﷺ – يقول: إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان فيه قلبه أدنى شيء، فقال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله – ﷺ )) . هذا مختصر من حديث الشفاعة، وتقدم شرحه. قوله: (( (شفعت)) مبني للمجهول، ومعلوم أنه لا يشفع في ذلك الموقف إلا الله – جل وعلا -، ولا تقع الشفاعة إلا بكلام الله وأمره، وبهذا يرد قول ابن التين، الذي نقله الحافظ: ((أنه قال: هذا فيه كلام الأنبياء مع الرب، ليس كلام الرب مع الأنبياء)) (١) ، وكذلك قوله: ((ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء)) يدل على أن الله يكلمه. والمراد بالشيء: الإيمان، وتصدق على ما يسمى شيئاً، وهو أقل جزء من الإيمان، وهذا دليل واضح على تفاوت الإيمان بين الناس، كما دلت عليه النصوص الكثيرة. قوله: ((كأني أنظر إلى أصابع رسول الله – ﷺ )) ، يعني: أنه كان يشير بأصابعه يصف قلة ما عند هذا المخرج من النار من الإيمان. *****

стр. 872

١٣٦ – قال: ((حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا معبد بن هلال العنزي، قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه، يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره، فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا، فأذن لنا، وهو قاعد على فراشه. فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، فقال: يا أبا حمزة، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة، جاءوك يسألونك عن حديث الشفاعة. فقال: حدثنا محمد – ﷺ – فقال: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد – ﷺ ، فيأتوني، فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر لهرساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان

стр. 873

في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار، من النار، من النار، فأنطلق فأفعل)) . فلما خرجنا من عند أنس، قلت لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن، وهو متوار في منزل أبي خليفة، فحدثنا بما حدثنا أنس بن مالك، فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة. فقال: هيه، فحدثنا بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هيه، فقلنا: لم يزد لنا عن هذا، فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فلا أدري أنسي، أم كره أن تتكلوا. فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثنا، فضحك، وقال: خلق الإنسان عجولاً، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم. حدثني كما حدثكم به، قال: ((ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله)) . تقدم شرحه، والمقصود منه هنا إثبات كلام الله – تعالى – لرسولنا محمد – ﷺ –

стр. 874

في الموقف، فإن فيه محاوره بين رب العالمين – جل وعلا -، وبين عبده ورسوله محمد – ﷺ . وهو واضح الدلالة على المراد، من أنه تعالى يتكلم ويخاطب من يشاء من عباده يوم القيامة، فإذا ثبت ذلك دل على أن كلامه بمشيئته، وأنه متى شاء تكلم، يوم القيامة، وقبلها. وهذا أمر من ضروريات دين الإسلام، لا ينكره إلا من هو دخيل فيه، أو زنديق قد تلبس بثوب الإسلام لأجل النيل منه، والإجهاز عليه إذا واتته الفرصة، أو ضال لعبت به الأهواء، واجتالته شياطين الإنس والجن بعيداً عن الحق والهدى. ولا يضر ما في هذه الخطابات الكريمة من الأفعال المبنية للمجهول كقوله: ((فأستأذن فيؤذن لي)) ، وقوله: ((فأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك)) لأنه قد علم أنه لا يقول ذلك إلا رب العالمين، وليس لمخلوق في ذلك الموقف العظيم أن يأمر، وينهي، ويتصرف في الخلق، بإدخال بعض العباد النار، وإخراج البعض منها، وإنما الفاعل لذلك كله والآمر به هو رب العباد – . وهو الذي يقول لرسوله: ((يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع)) ، وهو – تعالى – القائل له: ((انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان)) . ودل صراحة على تفاوت هؤلاء المخرجين من النار في الإيمان، وقد تكاثرت النصوص على ذلك. كما دل على أن من معه أصل الإيمان، ولم يخرج منه بمكفر، أنه لا يخلد في النار، وإن عظمت ذنوبه، وإن ضعف إيمانه. قال القرطبي: ((المراد بالإيمان هنا: أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح،

стр. 875

فيكون دليلاً على أن الأعمال الصالحة من الإيمان. وقد قيل: إن المراد: أعمال القلوب، ويجوز أن يراد به: رحمة لمسلم، رقة على يتيم، خوفاً من الله، رجاء له، توكلاً عليه، ثقة به، مما هو أفعال القلوب دون الجوارح، وسماها إيماناً؛ لكونها في محل الإيمان)) (١) . والظاهر أن المراد أصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إذ هو الباعث على عمل ما ذكر، ولكن قد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يقوى على دفع صاحبه إلى العمل. ودل على تكرار الشفاعة مرات متعددة، وذلك من رحمة الله بعباده، ولهذا يفتح الله – تعالى – على نبيه من المحامد والثناء ما يرضى به عنه، ويأذن له بالشفاعة، وما لم يكن – ﷺ – يعرفه من قبل. واستدل بهذا على أن أسماء الله – تعالى- لا حصر لها؛ لأن الثناء على الله – – يكون بأسمائه الحسنى وصفاته. وفي الحقيقة الشفاعة لله – تعالى – فهو الذي يأمر بها فيقول لنبيه ((اشفع)) ويشفعه، وتقدم أن حقيقة الشفاعة: رحمة الله – تعالى – للمشفوع فيه، وإظهار كرامة الشافع. ودل الحديث على شفقة النبي – ﷺ – على أمته. وقد جاء أن الأنبياء والملائكة والمؤمنين يشفعون، وتقدم بيان ذلك في باب قول الله – تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . ودل الحديث على عظم ذلك اليوم، إذ أن أفضل الرسل تحجم عن الشفاعة، ويعتذرون بأنهم قد أصابوا ذنوباً، تابوا منها وقبلت توبتهم،

стр. 876

ولكنهم يستحيون من الله. وفيه دليل على جواز وقوع الذنوب في الجملة من الرسل، ولكنهم يوفقون إلى التوبة، والرجوع إلى الله – تعالى -، وسبقت الإشارة إلى ذلك. قوله: ((من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)) التكرار للتأكيد، أو التوزيع على الحبة والخردلة، أي: أقل حبة من أقل خردلة من الإيمان)) قاله الحافظ (١) . وقوله: ((من النار، من النار، من النار)) هو للتأكيد والمبالغة. وتقدم ما في الحديث من الإشكال؛ لأن أوله غير متصل بآخره، والجواب عنه. ويستفاد منه أن الشفاعة لا تطلب إلا ممن يملكها. كما يستفاد أنه لا يطلب من الشافع أن يشفع إلا إذا كان يقدر على الشفاعة بأن يكون حياً حاضراً، قادراً على ذلك، ففيه بيان ضلال الذين يتعلقون بالموتى، ويطلبون منهم التوسط لهم عند الله، وهذا عين شرك المشركين الذين أرسلت إليهم الرسل، ينهونهم عن ذلك، وينذرونهم عذاب الله إن لم يتوبوا منه. ودل صراحة على أن الشفاعة لا تنال إلا من أمر الشافع أن يشفع فيه، ولهذا ذكر أنه في كل مرة يحد الله له حداً، فيقول له: اشفع فيهم، فهو – تعالى – يعين له نوعاً متميزاً فيأمره أن يشفع فيهم بحيث لا يمكن دخول من ليس منهم معهم، ولذلك قال في الأولى: ((من في قلبه شعيرة من إيمان)) ، وفي الثانية: ((من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل)) ، وفي الرابعة:

стр. 877

((من قال: ((لا إله إلا الله)) ، وهذا يعطي بظاهره أنه ولو لم يكن في قلبه شيء من الإيمان، وقد تؤول بأن المقصود: الإيمان الزائد على أصل الإيمان الذي يحصل به الخروج من الكفر، وادعى بعض العلماء الإجماع على ذلك. والذي يظهر من هذا الحديث، وغيره مما جاء في معناه: أنه لا يشترط ذلك، فالله أعلم. ***** ١٣٧- قال: ((حدثنا محمد بن خالد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا من النار، رجل يخرج حبواً، فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: رب، الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، فكل ذلك يعيد عليه، الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرار)) . قوله: ((إن آخر أهل الجنة دخولا)) هذا على إطلاقه، يعني: أنه لا يدخلها بعده أحد حيث لم يبق في النار من يخرج منها، وهذا أقل المؤمنين إيمانا وأكثرهم معاصي، ويجوز أن يكون واحداً بعينه، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون نوعاً، أو جنساً من هذا النوع، وقد تقدم في باب قوله - تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنه بعد إخراج من يخرج من النار يبقى رجل مقبل بوجهه إلى النار، فيدعوا ربه: رب اصرف وجهي عن النار، ويقسم لله أنه لا يسأله غير ذلك، ثم إذا صرف وجهه عن النار يسأل ربه: يا رب، قربني إلى الجنة، ويقسم لربه ألا يسأله غير ذلك، فإذا رأى ما في الجنة سأل ربه أن يدخله الجنة، فإذا أدخله الجنة قال له: تمنّ، فإذا انقطعت أمنيته قال الله له: لك ذلك وعشرة أمثاله معه. فقد يقال: إن ذاك هو المراد هنا، وقد يكونان اثنين أو نوعين، فالله أعلم.

стр. 878

قال عياض: ((جاء نحو هذا في آخر من يجوز على الصراط، فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان وإما جنسان، وعبر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك، ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط، فيتحد المعنى، إما في شخص واحد أو أكثر. قال الحافظ: ((قلت: وقع عند مسلم ما يقوي الاحتمال الثاني، وهو أن المراد بالخروج، معنى الورود، ولفظه: ((وآخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك)) (١) . قلت: الظاهر أنه رجل واحد، لا جنس ولا نوع، فالأحاديث تدل على ذلك، مثل الخطاب الذي يجري بينه وبين رب العالمين، وكل سياق الحديث بألفاظه تدل على ذلك. وقد ذكر القرطبي في ((التذكرة)) ما يؤيد هذا، حيث قال: ((قال ابن عمر، عن النبي – ﷺ : آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، تقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين)) ، ذكره الميانشي أبو حفص عمر بن عبد المجيد، في كتاب ((الاختيار في الملح من الأخبار والآثار)) . ورواه الخطيب، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين، سلوه: هل بقي من الخلائق أحد)) ورواه الدارقطني. انتهى (٢) . وعند تأمل النصوص يتبين عدم الاتحاد، فيجوز أن يكون هذا المذكور في رواية مسلم آخر من يدخل الجنة ممن لا يلقى في النار، وإنما يبطئ به

стр. 879

عمله على الصراط فيحبو مرة، ويزحف أخرى، حتى يجاوز النار. والمذكور في هذا الحديث المشروح هنا آخر من يدخل الجنة ممن يلقى في النار من أهل الإيمان، وبذلك تتفق النصوص، والله أعلم. قوله: ((آخر أهل النار خروجاً من النار)) يعني: بأهل النار من الموحدين الذين يدخلون النار بذنوبهم، أما أهل النار الذين ماتوا على الكفر فهم لا يخرجون منها أبد الآباد، كما قال تعالى:: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٢) ﴾ والآيات في ذلك كثيرة. قوله: ((يخرج حبواً)) يعني: على ركبتيه ويديه، لا يستطيع الاعتماد على رجليه، والمشي عليهما يسمى حبواً، قال في ((اللسان)) : ((حبا حُبُوّاً: مشى على يديه وبطنه، وحبا الصبي حَبْواً: مشى على استه، وأشرف بصدره)) (٣) . وقال النووي: ((قال أهل اللغة: الحبو: المشي على اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه ومقعدته. وأما الزحف، فقال ابن دريد، وغيره: هو المشي على الاست مع إفراشه بصدره، فحصل من هذا: أن الحبو والزحف متماثلان، أو متقاربان، ولو ثبت اختلافهما حمل أنه في حال يزحف، وفي حال يحبو: والله أعلم)) (٤) .

стр. 880

قوله: ((فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: رب، الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، وفي كل ذلك يعيد عليه: الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرار)) هذا هو محل الشاهد من الحديث؛ لما فيه من كلام الله – تعالى – ومخاطبته لهذا الرجل، الذي هو آخر من يدخل الجنة، وهو دليل أيضاً على جواز تكليم الله – تعالى – لمن هو أعلى منزلة منه، كما جاءت النصوص في ذلك، وتقدم بعضها. وهذا الحديث اختصره هنا، ولفظه كما في كتاب الرقاق، قال: ((قال النبي – ﷺ : ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً، رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها – أو إن ذلك مثل عشرة أمثال الدنيا – فيقول: تسخر مني – أو تضحك مني – وأنت الملك؟ فلقد رأيت رسول الله – ﷺ – ضحك حتى بدت نواجذه، وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة)) (١) . وواضح من هذا أن الله يكلمه بدون واسطة، وأن ذلك يتكرر، ثم يقول له في النهاية: إن لك مثل الدنيا عشر مرات، ولهذا بهت الرجل من ذلك، ورأى أنه لا يستحق ولا قريباً من ذلك، فقال: أتسخر مني – أو قال: أتضحك مني – وأنت الملك؟ ففيه إثبات الضحك لله – تعالى -، وأنه يسخر من بعض خلقه، ومثل هذه الأفعال الصادرة من الله – تعالى يجب أن تثبت له – تعالى – على ما يليق بعظمته
следующие страницы →