← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ولكنهم يستحيون من الله. وفيه دليل على جواز وقوع الذنوب في الجملة من الرسل، ولكنهم يوفقون إلى التوبة، والرجوع إلى الله – تعالى -، وسبقت الإشارة إلى ذلك. قوله: ((من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان)) التكرار للتأكيد، أو التوزيع على الحبة والخردلة، أي: أقل حبة من أقل خردلة من الإيمان)) قاله الحافظ (١) . وقوله: ((من النار، من النار، من النار)) هو للتأكيد والمبالغة. وتقدم ما في الحديث من الإشكال؛ لأن أوله غير متصل بآخره، والجواب عنه. ويستفاد منه أن الشفاعة لا تطلب إلا ممن يملكها. كما يستفاد أنه لا يطلب من الشافع أن يشفع إلا إذا كان يقدر على الشفاعة بأن يكون حياً حاضراً، قادراً على ذلك، ففيه بيان ضلال الذين يتعلقون بالموتى، ويطلبون منهم التوسط لهم عند الله، وهذا عين شرك المشركين الذين أرسلت إليهم الرسل، ينهونهم عن ذلك، وينذرونهم عذاب الله إن لم يتوبوا منه. ودل صراحة على أن الشفاعة لا تنال إلا من أمر الشافع أن يشفع فيه، ولهذا ذكر أنه في كل مرة يحد الله له حداً، فيقول له: اشفع فيهم، فهو – تعالى – يعين له نوعاً متميزاً فيأمره أن يشفع فيهم بحيث لا يمكن دخول من ليس منهم معهم، ولذلك قال في الأولى: ((من في قلبه شعيرة من إيمان)) ، وفي الثانية: ((من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل)) ، وفي الرابعة:

стр. 877

((من قال: ((لا إله إلا الله)) ، وهذا يعطي بظاهره أنه ولو لم يكن في قلبه شيء من الإيمان، وقد تؤول بأن المقصود: الإيمان الزائد على أصل الإيمان الذي يحصل به الخروج من الكفر، وادعى بعض العلماء الإجماع على ذلك. والذي يظهر من هذا الحديث، وغيره مما جاء في معناه: أنه لا يشترط ذلك، فالله أعلم. ***** ١٣٧- قال: ((حدثنا محمد بن خالد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا من النار، رجل يخرج حبواً، فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: رب، الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، فكل ذلك يعيد عليه، الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرار)) . قوله: ((إن آخر أهل الجنة دخولا)) هذا على إطلاقه، يعني: أنه لا يدخلها بعده أحد حيث لم يبق في النار من يخرج منها، وهذا أقل المؤمنين إيمانا وأكثرهم معاصي، ويجوز أن يكون واحداً بعينه، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون نوعاً، أو جنساً من هذا النوع، وقد تقدم في باب قوله - تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنه بعد إخراج من يخرج من النار يبقى رجل مقبل بوجهه إلى النار، فيدعوا ربه: رب اصرف وجهي عن النار، ويقسم لله أنه لا يسأله غير ذلك، ثم إذا صرف وجهه عن النار يسأل ربه: يا رب، قربني إلى الجنة، ويقسم لربه ألا يسأله غير ذلك، فإذا رأى ما في الجنة سأل ربه أن يدخله الجنة، فإذا أدخله الجنة قال له: تمنّ، فإذا انقطعت أمنيته قال الله له: لك ذلك وعشرة أمثاله معه. فقد يقال: إن ذاك هو المراد هنا، وقد يكونان اثنين أو نوعين، فالله أعلم.

стр. 878

قال عياض: ((جاء نحو هذا في آخر من يجوز على الصراط، فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان وإما جنسان، وعبر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك، ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط، فيتحد المعنى، إما في شخص واحد أو أكثر. قال الحافظ: ((قلت: وقع عند مسلم ما يقوي الاحتمال الثاني، وهو أن المراد بالخروج، معنى الورود، ولفظه: ((وآخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك)) (١) . قلت: الظاهر أنه رجل واحد، لا جنس ولا نوع، فالأحاديث تدل على ذلك، مثل الخطاب الذي يجري بينه وبين رب العالمين، وكل سياق الحديث بألفاظه تدل على ذلك. وقد ذكر القرطبي في ((التذكرة)) ما يؤيد هذا، حيث قال: ((قال ابن عمر، عن النبي – ﷺ : آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، تقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين)) ، ذكره الميانشي أبو حفص عمر بن عبد المجيد، في كتاب ((الاختيار في الملح من الأخبار والآثار)) . ورواه الخطيب، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين، سلوه: هل بقي من الخلائق أحد)) ورواه الدارقطني. انتهى (٢) . وعند تأمل النصوص يتبين عدم الاتحاد، فيجوز أن يكون هذا المذكور في رواية مسلم آخر من يدخل الجنة ممن لا يلقى في النار، وإنما يبطئ به

стр. 879

عمله على الصراط فيحبو مرة، ويزحف أخرى، حتى يجاوز النار. والمذكور في هذا الحديث المشروح هنا آخر من يدخل الجنة ممن يلقى في النار من أهل الإيمان، وبذلك تتفق النصوص، والله أعلم. قوله: ((آخر أهل النار خروجاً من النار)) يعني: بأهل النار من الموحدين الذين يدخلون النار بذنوبهم، أما أهل النار الذين ماتوا على الكفر فهم لا يخرجون منها أبد الآباد، كما قال تعالى:: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٢) ﴾ والآيات في ذلك كثيرة. قوله: ((يخرج حبواً)) يعني: على ركبتيه ويديه، لا يستطيع الاعتماد على رجليه، والمشي عليهما يسمى حبواً، قال في ((اللسان)) : ((حبا حُبُوّاً: مشى على يديه وبطنه، وحبا الصبي حَبْواً: مشى على استه، وأشرف بصدره)) (٣) . وقال النووي: ((قال أهل اللغة: الحبو: المشي على اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه ومقعدته. وأما الزحف، فقال ابن دريد، وغيره: هو المشي على الاست مع إفراشه بصدره، فحصل من هذا: أن الحبو والزحف متماثلان، أو متقاربان، ولو ثبت اختلافهما حمل أنه في حال يزحف، وفي حال يحبو: والله أعلم)) (٤) .

стр. 880

قوله: ((فيقول له ربه: ادخل الجنة، فيقول: رب، الجنة ملأى، فيقول له ذلك ثلاث مرات، وفي كل ذلك يعيد عليه: الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرار)) هذا هو محل الشاهد من الحديث؛ لما فيه من كلام الله – تعالى – ومخاطبته لهذا الرجل، الذي هو آخر من يدخل الجنة، وهو دليل أيضاً على جواز تكليم الله – تعالى – لمن هو أعلى منزلة منه، كما جاءت النصوص في ذلك، وتقدم بعضها. وهذا الحديث اختصره هنا، ولفظه كما في كتاب الرقاق، قال: ((قال النبي – ﷺ : ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً، رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها – أو إن ذلك مثل عشرة أمثال الدنيا – فيقول: تسخر مني – أو تضحك مني – وأنت الملك؟ فلقد رأيت رسول الله – ﷺ – ضحك حتى بدت نواجذه، وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة)) (١) . وواضح من هذا أن الله يكلمه بدون واسطة، وأن ذلك يتكرر، ثم يقول له في النهاية: إن لك مثل الدنيا عشر مرات، ولهذا بهت الرجل من ذلك، ورأى أنه لا يستحق ولا قريباً من ذلك، فقال: أتسخر مني – أو قال: أتضحك مني – وأنت الملك؟ ففيه إثبات الضحك لله – تعالى -، وأنه يسخر من بعض خلقه، ومثل هذه الأفعال الصادرة من الله – تعالى يجب أن تثبت له – تعالى – على ما يليق بعظمته

стр. 881

وفق ما جاء النص بها، فلا يجوز تأويلها بما يغير معناها، ولا تعطيلها، بل يؤمن بها على ما جاءت، وكما أخبر بها رسول الله – ﷺ – فهو أعلم بالله من غيره، وأحرص على هداية الأمة، وإبعادها عن الضلال، وهو أقدر الخلق على البيان، وإيضاح الحق. ١٣٨ – قال: ((حدثنا علي بن حجر، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن خيثمة عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله – ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولا بشق تمرة)) . قال الأعمش، وحدثني عمرو بن مرة عن خيثمة مثله، وزاد فيه: ((ولو بكلمة طيبة)) . تقدم هذا الحديث في باب قول الله – تعالى -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفيه: ((ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حاجب يحجبه)) وهو واضح الدلالة على عموم كلام الله – تعالى – للمؤمنين؛ لأن قوله: ((ما منكم من أحد)) نكره سبقت بالنفي، فهي من صيغ العموم، غير أن قوله: ((منكم)) يجوز أن يكون قيداً في المؤمنين، ويخرج من ذلك العموم الكفار؛ لأنهم ليسوا منا. وقوله: ((سيكلمه ربه)) السين للاستقبال من الزمان؛ لأن هذا التكليم لا يكون إلا يوم القيامة، والترجمان: هو الواسطة التي تنقل الكلام من المتكلم إلى المكلم، سواء اختلفت اللغة، أو لم تختلف. قال في ((اللسان)) : ((التُّرجُمان، والتَّرجُمان: المفسر للسان، وهو الذي يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى لغة)) (١) وليس هذا من تمام التعريف، بل

стр. 882

لا يلزم أن يكون نقله من لغة إلى أخرى. ومعنى ذلك أن العبد سيقف بين يدي الله – تعالى – يوم القيامة، فيحاسبه على ما كلفه به من دينه هل قام به، أو أهمله، ويحاسبه على أعماله، وكل تصرفاته، وذلك بدون واسطة من خلقه، بل هو ﷻ يتولى ذلك بنفسه، فيكلم عبده ويسائله. وقوله: ((فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم)) أي: أن أعماله تكون حاضرة عن يمينه، وعن شماله، فالحسنات عن يمينه، والسيئات على شماله، لا يغادره في ذلك الموقف شيء منها، ولهذا قال: ((فلا يرى إلا ما قدم)) ، وقد يكون كما قال ابن هبيرة: إنه ينظر عن يمينه وعن شماله، كحالة الذي دهمه أمر عظيم، فهو يتلفت يطلب النجاة، أو الغوث. قوله: ((وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه)) وذلك أن النار في ذلك الموقف حائلة بين الناس وبين الجنة، فلا بد من ورودها لكل أحد، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثياً. ولهذا قال: ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) يعني: نصفها، والمقصود تقديم العمل الصالح الذي يكون واقياً لصاحبه من النار، وساتراً له منها، وهذا يدل على وجوب تقديم العمل الصالح، المنبعث عن تقوى الله – تعالى – والإيمان به، وبملاقاته ومحاسبته، ويدل على نفع العمل الصالح ولو قل. قوله: ((قال الأعمش)) إلى آخره، يقصد بذلك بيان صحة السند؛ لأن الأعمش قد صرح بالتحديث فأمن التدليس بذلك. **** ١٣٩- قال: ((حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله – ﵁ – قال: جاء حبر من اليهود، فقال، إنه إذا كان يوم القيامة، جعل

стр. 883

الله السماوات على إصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك. فلقد رأيت النبي ﷺ يضحك، حتى بدت نواجذه، تعجباً، وتصديقا لقوله، ثم قال النبي ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يُشرِكُونَ﴾ . تقدم هذا الحديث في باب قوله - تعالى -: ﴿لِمَا خَلَقتُ بِيَدَىَّ﴾ وتقدم الكلام عليه هناك. والمقصود منه هنا قوله: ((ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك)) فإنه خطاب لخلقه، ولا سيما الذين كانوا ينازعونه في ملكه في الدنيا من الجبارين، والمتكبرين، ولهذا جاء فيه بعد قوله: ((أنا الملك)) قوله: ((أين ملوك الدنيا؟)) كما تقدمت الإشارة إليه. **** ١٤٠- قال: ((حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، أن رجلا سأل ابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: ((يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) . النجوى هي المحادثة بين اثنين أو أكثر سراً، بحيث لا يسمع حديثهم من قرب منهم، والمقصود هنا: كلام الرب - تعالى - مع عبده سراً. قال في ((اللسان)) : ((نجاه نجواً: ونجوى: ساره، النجوى، والنَّجِيُّ: السر، النجوى: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجواً، أي: ساررته، وكذلك

стр. 884

ناجيته، والاسم: النجوى)) (١) . قال الحافظ: ((المراد من النجوى في الحديث: المناجاة التي تقع من الرب – – يوم القيامة مع المؤمنين)) (٢) . قوله: ((يدنو أحدكم من ربه)) في الرواية الأخرى. ((يدنو المؤمن من ربه)) . والله - تعالى - وصف نفسه بأنه يدنو، ويقرب من بعض عباده، دون بعض، وقد تكاثرت النصوص في ذلك، حتى بلغت ما يقرب من خمسمائة آية في كتاب الله – تعالى -، كلها تدل على أنه – تعالى - يقرب من بعض خلقه، ويدنو إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (٣) . وقوله – تعالى -: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ (٤) . وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ﴾ (٥) ، وقوله – تعالى -: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (٦) ، وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ (٧) ﴾ والآيات في هذا كثيرة جداً. وكذلك ما تقدم من الأدلة على علو الله - تعالى - واستوائه على العرش، تدل على ذلك، فإنه إذا كان الله – تعالى – على العرش أمكن القرب منه

стр. 885

بالصعود إليه والعروج، كما عرج النبي – ﷺ – إليه، وكذا الملائكة وبعض الأرواح وغير ذلك، وببعض هذه النصوص الكثيرة يحصل العلم الضروري، لمن آمن بها، وبما دلت عليه، من أن الله – تعالى – يقرب إلى عباده، ويقربون إليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) ودلالة النصوص الشرعية على هذا من أعظم المتواترات، والعلم بها مستقر في فطر المسلمين، عامتهم، وخاصتهم، كما أنه مستقر في فطرهم أن الله فوقهم. وليس من الخلق أحد إلا ويعلم أن عباد الله منهم المقرب إلى الله – تعالى -، ومنهم المبعد الملعون المطرود، وكلهم يسمون الطاعات: قربات، يتقرب بها العبد إلى الله – تعالى -، وكلهم يرفعون أيديهم إلى الله، وكونه تعالى فوقهم يستلزم أنه يقرب إليه بالعلو والصعود، كما رفع عيسى ابن مريم إليه، والملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم إذا صعدوا إليه سألهم: كيف تركتم عبادي؟ والأدلة على هذا الأصل العظيم لا حصر لها، واتفق السلف الصالح، ومن تبع كتاب الله، وسنة نبيه، وآمن بهما، على القول بذلك، والإيمان به. ((قال الخلال في ((السُّنَّة)) : أخبرنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا أحمد بن محمد المصرمي، حدثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا)) يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد، ثم قال: ((هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف شاء)) (٢) .

стр. 886

وقال شيخ الإسلام: ((أهل السُّنَّة يثبتون أن الله على عرشه، وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي – ﷺ – لما عرج به إلى السماء صار يزداد قرباً إلى ربه بعروجه، وصعوده. وعروجه إلى الله – تعالى – لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود، وإن كان بدنه متواضعاً، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسُّنَّة)) (١) . فالله – تعالى – يقرب بنفسه إلى من يشاء من خلقه، وهو فوق عرشه، عال على خلقه، ولا يجوز تأويل النصوص في ذلك مثل قوله – ﷺ : ((يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه)) . ولا يلزم أن يكون كل نص في القرب يراد به قرب الله – تعالى – بنفسه، بل ينظر في النص الوارد في ذلك، فإن دل على قربه بنفسه حمل عليه كما في هذا الحديث، وإن دل على قرب ملائكته ورسله حمل عليه، كقوله – تعالى - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد﴾ ِ (٢) ، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ (٣) . وهذا الحديث ظاهر في أن العبد يدنو من ربه، بل هو نص صريح في ذلك، فصرفه عن ظاهره تحريف لكلام رسول الله ﷺ وتلاعب به، يعد من عظائم الذنوب، يجب على المؤمن التحرز منه. وما نقله الحافظ عن ابن التين أنه قال: ((يعني يقرب من رحمته، وهو

стр. 887

سائغ في اللغة، يقال: فلان قريب من فلان، ويراد الرتبة)) (١) . فهو تأويل الجهمية المعروف الذي ذكره السلف عنهم، وردوه، وبينوا أنه مخالف لقول الله – تعالى – ولقول رسوله – ﷺ – ولعقيدة أهل العلم والإيمان، وهو سلوك غير سبيل المؤمنين. قال شيخ الإسلام: ((وبيان بطلان هذا التأويل من وجوه: أحدها: أن ما يدنو إليه العبد من الرحمة، والإيمان، وغير ذلك، إما أن تكون أعياناً قائمة بأنفسها، أو صفات قائمة بغيرها، فإن كانت صفات، فمعلوم أن القرب إلى الصفة لا يكون إلا بالقرب إلى الموصوف نفسه. فأما قربه من صفته القائمة به دون قربه من نفسه، فظاهر البطلان والفساد، ولهذا لم يقله أحد من العباد، بل الذي يحيل القرب إلى نفسه هو للقرب إلى صفاته أشد إحالة، إن كان يثبت له صفة. ومن المعلوم أن قوله: ((يدنو العبد من ربه، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه – أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أعرف رب)) وقوله: إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه)) وقوله: ((فيدنيه الله منه فيضع عليه كنفه)) ، [وقوله: ((يدنو أحدكم من ربه فيضع عليه كنفه] (٢) ، كل هذه الألفاظ صريحة واضحة، كل من سمعها علم بالاضطرار أن الذي يدني العبد، ويضع عليه كنفه، ويقرره بذنوبه، ويغفرها له، هو الله، لا أحد من خلقه، فكيف يجوز أن يقال: لا يدنو العبد من ربه، وإنما يدنو من بعض مخلوقاته؟ (٣) . وهل ذلك إلا بمثابة من يقول: إن من يقرره بذنوبه هو بعض مخلوقاته؟ كما يقوله الجهمية، القائلون بأن الله – تعالى – لا يقوم به كلام،

стр. 888

وإنما الكلام يقوم ببعض مخلوقاته، وهو أيضاً بمنزلة أن يقال: إن الله لا يغفر له، وإنما يغفر له بعض مخلوقاته. وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خلاف ما أخبرت به الرسل، وأنه شرك صريح في إلاهية الله وربوبيته، ولهذا قال بعض السلف: إن من زعم أن قوله لموسى: ﴿إِنِيّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ مخلوق، فهو كافر؛ لأنه جعل هذا الكلام قائماً بمخلوق يلزم أن يكون هو الرب، وسائر تأويلات الجهمية وأهل الباطل من هذا الجنس. الثاني: أن هذا الدنو، ووضع الكنف، والمخاطبة، تكون وقت السؤال، والعبد خائف غير آمن، ولا يظهر له أنه يغفر له ويرحم، كما هو صريح الحديث الصحيح بقوله: ((يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) . فإذا كان العبد حين هذا الدنو من الله، والمخاطبة، والتقرير بذنوبه، يرى أنه قد هلك قبل أن يذكر له الرب – تعالى – أنه غفر له، امتنع أن يكون ما ذكره من دنوه من الله، هو دنوه من رحمته، وأمانه وتعطفه. الثالث: أن الرحمة والعطف، والأمان، إن كانت صفات الله – تعالى -، كان القرب إليها قرباً إلى الموصوف، كما تقدم، وإن كانت أعياناً قائمة بنفسها مخلوقة لله – تعالى -، فمن المعلوم أن حين الحساب في عرصات القيامة لا يكون هناك أجسام مخلوقة من الرحمة التي أعدها الله – تعالى – لعباده، ولكن هو يحكم بالعفو والمغفرة، ثم ينقلون إلى دار الرحمة، فامتنع أن يكون أحد حال المحاسبة مقرباً إلى أجسام هي رحمة قبل أن يؤذن لهم في دخول الجنة. الرابع: أن يقال: من المعلوم أن الله – تعالى – أخبر في كتابه بأصناف ما ينعم

стр. 889

به على عباده من المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، وقد أجمل ما لم يفصله في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعلَمُ نَفسٌ مَّا أُخفِىَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾ . وهذه الأمور يباشرها المؤمن مباشرة، لا يكون جزاؤه مجرد قربه منها دون مباشرتها، بل ذلك يكون حسرة وعذاباً، فدعوى الإكرام بمجرد التقريب من هذه الأمور دون مباشرتها، كلام باطل، لا حقيقة له. الخامس: أن المؤمن لم يزل في رحمة الله في الدنيا والآخرة، فلا يجوز تخصيص حال السؤال بقربه من رحمته، دون ما قبل ذلك وما بعده، بل هو مازال مباشراً لما يرحمه الله به قبل وبعد، فأي فائدة في أن يوصف بالقرب من شيء ما زال مباشراً له، لا ينفصل عنه؟ السادس: أنه في العرض على الله يظهر له من الأهوال والشدة ما يكون أعظم عليه وأشد لرهبه وألمه من كل ما كان قبل ذلك وبعده، فكيف يجوز تخصيص أشد الأحوال عليه بأنه يقرب فيه مما يرحم به؟ مع أن ما قبلها وما بعدها كان ما يرحمه به إليه أقرب، وهو له أعظم مباشرة ونيلاً. السابع: أن قولهم: ((يقرب من رحمة الله، وأمانه ولطفه، ونحو ذلك)) من تأويلهم، لا ريب أنه من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. ومن المعلوم في اللغة العربية أن هذا لا يجوز إلا إذا اقترن بالكلام ما يبين المحذوف، فلا يقال: جاء زيد، والمقصود غلامه، أو رسوله (١) . والحديث نص في أن الله – تعالى – هو الذي يدني عبده من نفسه، ولهذا لا يسمع أحد هذا الكلام، فيفهم أن الله يدنيه من شيء آخر ولا يخطر هذا ببال المستمع، فكيف يجوز أن يكون الرسول – ﷺ – أراد الباطل الذي قالوه؟

стр. 890

الثامن: أن قوله: ((فيدنيه منه، فيضع عليه كنفه، ثم يقرره بذنوبه)) الجمع بين الإدناء ووضع الكنف، وتقريره بذنوبه، قرينة تعين أن الله – تعالى – هو الذي يدني إليه عبده، ويضع عليه كنفه، فيستره من الناس، كما صرح به في الحديث. التاسع: أن هذا الحديث دل على ما دل عليه القرآن من وقوف العباد على الله، وخطابه لهم، ومن المعلوم بالاضطرار من رسالات الرسل، ومن دين الإسلام، أن هذا إنما هو يوم القيامة، وأن أحوال العباد مع الله يوم القيامة غير أحوالهم في الدنيا، وعلى قول هؤلاء المؤولة لا فرق بين الدنيا والآخرة، فإن الله لا يقرب إليه شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يقفون على ربهم، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويصيرون إليه، وإنما ذلك كله إلى بعض مخلوقاته، ومقدوراته، كما أن خطابه لهم عند الجهمية وأتباعهم)) (١) ، ومعناه أنه يخلق كلاماً في بعض مخلوقاته يكلمهم منها، وعند الأشاعرة - الذين هم فرع عن الجهمية – يخلق إدراكاً في العباد يفهمون به المعنى الواحد القائم بذاته – تعالى – وهذا تكذيب لكتاب الله ولرسوله، ومناقضة لدين الإسلام الذي فطر على قبوله العباد. قوله: ((حتى يضع كنفه عليه)) جاء الكنف مفسراً في الحديث بأنه ((الستر)) ، والمعنى: أنه – تعالى – يستر عبده عن رؤية الخلق له؛ لئلا يفتضح أمامهم، فيخزى، لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله، ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة. قال الأزهري: ((قال الليث: الكنفان: الجناحان، وأنشد: سِقْطا من كنفي نعام جافل

стр. 891

وكنفا الإنسان: جانباه، وناحيتا كل شيء: كنفاه. وقولهم: في حفظ الله وكنفه، أي: في حرزه وظله، يكنفه بالكلاءة وحسن الولاية، وقال ابن المبارك: ((يضع عليه كنفه)) يعني: ستره)) (١) . ((قال الخلال في كتاب السُّنَّة: باب يضع كنفه على عبده، ﵎: أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم قال: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: ((إن الله يدني العبد يوم القيامة، فيضع عليه كنفه؟)) قال: هكذا نقول: يدنيه ويضع كنفه عليه، كما قال، يقول له: أتعرف ذنب كذا؟ قال الخلال: أنبأنا إبراهيم الحربي قال: قوله: فيضع عليه كنفه، يقول: ناحيته. قال إبراهيم: أخبرني أبو نصر، عن الأصمعي، يقال: نزل في كنف بني فلان، أي: في ناحيتهم)) (٢) . قوله: ((فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره)) هذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا؛ لأن فيه مخاطبة الله لعبده وتقريره بذنوبه، ثم يقول له: ((أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) وهو واضح جداً في أن الله يكلم عباده يوم القيامة، ويخاطبهم مخاطبة فيها محاسبتهم وتقريرهم بنعم الله عليهم، وبذنوبهم، ويخاطبهم في غير ذلك كما تقدم. فمنكر هذا ضال وسالك غير سبيل المؤمنين، وحريٌّ أنْ يوليه الله – تعالى – ما تولى ويسلك به غير سبيل المؤمنين فى الآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

стр. 892

قوله: ((ثم يقول: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) هذا أيضاً صريح في أنه تعالى يكلم عباده بذلك ممتناً عليهم بأنه قد ستر عليهم في الدنيا حيث كانوا يبارزون الله بالذنوب، فيستر عليهم مع عصيانهم له، ثم غفرها لهم في الآخرة. فهذا الكرم العظيم، والحلم الواسع، والفضل الجزيل. والمغفرة: هي محو الذنب ووقاية تبعته. وعلى كل فالدلالة من هذا الحديث ظاهرة جداً، وصريحة فيما ذكره من أجله، وهو كونه تعالى يتكلم إذا شاء بما شاء، ويكلم من يشاء من عباده، إما إكراماً له، أو امتناناً عليه، أو تهديداً له وتوبيخاً، أو غير ذلك. فمن نفى ذلك عن الله – تعالى – فقد قال خلاف قول الله ورسله وأتباعهم ممن فهم مراد الله ورسوله، وسوف يجزيه الله – تعالى – بما يستحق. وقد جاء ما يدل على أن الله – تعالى – يكلم بعض أهل النار، كما في ((الصحيحين)) ، عن أنس، عن النبي – ﷺ – قال: ((يقول الله – تعالى – لأهون أهل النار عذاباً: لو كانت لك الدنيا، وما فيها، ومثلها معها، أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك)) (١) . ******

стр. 893

قال: ((باب ما جاء في قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسىَ تَكليِماً﴾ . ((قال الأئمة هذه الآية أقوى ما ورد في الرد على المعتزلة. قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً، فإذا قال: ((تكليما)) وجب أن يكون كلاماً على الحقيقة التي تعقل)) (١) . ((وقد استقر مذهب أهل السنة والجماعة، وأعلام الملة، وجماهير الأمة في شرق الأرض وغربها، على أن الله يتكلم حقيقة، متى شاء، وأن القرآن والتوراة والإنجيل كلام الله - تعالى -، وأن كلامه صفة له، لا يكون منفصلاً عنه، كما لا يكون كلام المتكلم منفصلاً عنه قائماً بغيره، ومعلوم بالحس أن الكلام لا يقوم بنفسه، ومن قال إن كلام الله منفصل عنه، أو أنه يقوم بغيره، فإنه بذلك ينكر كلامه الذي هو رسالته، ويدفع حقيقة ما أنبأت به الرسل، وأعلمته أممهم، ويلحد في أسماء الله وآياته، ويجعله مثلاً للميت، والمعدوم. وهذا كله كفر وضلال، ومن أجل ذلك كفَّر أئمة الإسلام من يقول: إن كلام الله مخلوق. والكلام صفة المتكلم، والقول صفة القائل، وكلام الله ليس بائناً منه، بل أسمعه لجبريل ونزل به على محمد ﷺ ، كما قال- تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢) . ولا يجوز أن يقال: إن كلام الله فارق ذاته، وانتقل إلى غيره، بل يقال

стр. 894

كما قال السلف: إنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقولهم: منه بدأ، رد على من قال: إنه مخلوق في بعض الأجسام، ومن ذلك المخلوق بدأ. فبينوا أن الله هو المتكلم به، فمنه بدأ، لا من غيره، وإليه يعود، أي: لا يبقى في الصدور منه شيء، ولا في المصاحف حرف، في آخر الزمان، إذا ترك العمل به وعطل، رفع إلى قائله رب العالمين، أو أنه إليه يعود صفة له)) (١) . قال: عبد الله ابن الإمام أحمد: ((سمعت أبي يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله – . قال الله – : ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) ، وقال : ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (٥) والخلق غير الأمر)) (٦) . ((والوصف بالتكلم كمال، وضده نقص، قال الله – تعالى -: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ

стр. 895

وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ (١) فكان عبَّاد العجل _ مع كفرهم _ أعرف بالله من المعتزلة، فإنهم لم يقولوا لموسى: وربك لا يتكلم، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٢) ﴾ . فعلم أن عدم رجوع القول، ونفي التكلم، نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل. وغاية شبهة النفاة أنهم يقولون: يلزم من إثبات الكلام، التشبيه والتجسيم؛ لأنهم توهموا أن كلام الله يلزم له من اللوازم ما لكلام المخلوق. ونحن نقول: إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلالة، وبذلك تنتفي شبهتهم. وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) ، فهذا كما هو ظاهر، كلام حقيقي، يسمع من هذه الأعضاء. فالمؤمنون يؤمنون بذلك مع عدم علمهم بكيفيته. فإذا كان هذا في مخلوق، فكيف الخالق جل وعلا؟ ومثل ذلك تسبيح الأشياء التي تسبح بحمد الله تعالى، ومنه تسبيح الطعام بين يدي رسول الله ﷺ والصحابة، وتسبيح الحصا، وسلام الحجر عليه، كل ذلك حق على ظاهره، وقد سمعه المؤمنون، وآمنوا بما لم يسمعوه، ولم يعلموا كيفيته، وهو كلام بصوت يسمع، وهذه ليس لها أفواه يخرج منها الكلام والصوت الصاعد المعتمد على مقاطع الحروف)) (٤) . وقد سمع موسى ﵇ كلام الله منه – تعالى – بدون واسطة،

стр. 896

وكذلك جبريل – ﵇ – يسمع كلام الله بدون واسطة، فيبلغه الرسل بأمر الله له، هذا ما يعتقده المسلمون من دينهم، وهو أمر ظاهر. ((وحقيقة كلام الله – تعالى – الخارجية: هي ما يسمع منه، ومن المبلغ عنه. فإذا سمعه السامع، علمه وحفظه، فكلام الله مسموع، معلوم، محفوظ. فإذا قرأه السامع، فهو مقروء له، متلو، فإن كتبه، فهو مكتوب له مرسوم، وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها، لا يجوز نفيه، فلا يكون مجازاً فيها، إذ المجاز يجوز نفيه، وأن يقال: ليس في المصحف كلام الله، ولا قرأ القارئ كلام الله. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ (١) ﴾ ، وهو لا يسمع كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله – تعالى -، وهذه الآية تدل على بطلان قول من يقول: إن المسموع عبارة عن كلام الله. [والحق] أن المسموع هو كلام، وليس عبارة عنه، كما تزعمه الأشعرية، ومن جعل ما في المصحف عبارة عن كلام الله، فقد خالف ما أنزل الله على رسوله، وسلك غير سبيل المؤمنين، وكفى بذلك ضلالاً)) (٢) . والكلام اسم للفظ والمعنى جميعاً؛ لأن النبي ﷺ قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن)) (٣) .

стр. 897

وقال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة)) (١) . واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته، كما اتفقوا على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لها، وما أشبه ذلك لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها الكلام الملفوظ به، فعلم بذلك بطلان قول من يجعل كلام الله معنى قائماً بالنفس. وفي الحديث المتفق عليه قوله ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم، أو تعمل)) (٢) ففرق بين حديث النفس، فجعله معفواً عنه، وبين الكلام، فدل على أن حديث النفس لا يسمى كلاماً حتى ينطق به ويتلفظ به، وهذا باتفاق من يعتد بقوله من العلماء. وعلى كل فإنكار كلام الله ضلال وكفر، وإنكار للرسالة، والشرع؛ لأن الشرع أمر، ونهي، فإذا لم يكن الله يأمر وينهى، فليس له شرع ولا رسالات، وقد أوجد هذا القول لهدم الإسلام، والعلماء عرفوا ذلك، ولهذا يقول الإمام البخاري في مبدأ كتابه ((خلق أفعال العباد)) : باب: ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله – ، ثم روى، عن عبد الله بن إدريس، أن رجلاً جاء إليه، فقال: يا أبا محمد، ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: أمن اليهود؟ قال: لا، قال: فمن النصارى؟ قال: لا، قال: فمن المجوس؟ قال: لا، قال: ممن ... ؟ قال: من أهل التوحيد.

стр. 898

قال: ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء زنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله – تعالى-: بسم الله الرحمن الرحيم، فالله لا يكون مخلوقاً، والرحمن لا يكون مخلوقاً، والرحيم لا يكون مخلوقاً، وهذا أصل الزندقة، من قال هذا فعليه لعنة الله)) (١) . قال شيخ الإسلام: ((القول بأن القرآن مخلوق معناه أن الله لم يصف نفسه بالكلام أصلاً، بل حقيقته أن الله لم يتكلم، كما أفصح به رأسهم الأول، الجعد بن درهم، حيث زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، لأن الخلة إنما تكون من المحبة، وعنده أن الله لا يحب شيئاً في الحقيقة، ولا يحبه شيء في الحقيقة، فلا يتخذ شيئاً خليلاً. وكذلك الكلام يمتنع عنده على الرب – تعالى – وكذلك نفت الجهمية والمعتزلة وغيرهم أن يكون لله كلام قائم به، أو إرادة قائمة به، وادعوا ما باهتوا به صريح العقل المعلوم بالضرورة، أن المتكلم يكون متكلماً بكلام يكون في غيره. وقالوا أيضاً: يكون مريداً بإرادة ليست فيه، ولا في غيره، أو الإرادة وصف عدمي، أو ليست غير المرادات المخلوقة، وغير الأمر، وهو الصوت المخلوق في غيره. فكان حقيقة قولهم التكذيب بحقيقة ما أخبرت به الرسل، من كلام الله ومحبته ومشيئته، وإن كانوا قد يقرون بإطلاق الألفاظ التي أطلقها الرسل [تستراً] وهذا حال الزنادقة، والمنافقين)) (٢) . والبخاري – ﵀ – أراد بهذا الباب الرد على هؤلاء ونحوهم، الذين

стр. 899

ينكرون كلام الله حقيقة، وإذا وصفوا الله بالكلام فمرادهم أن الله خلق كلاماً في غيره، إما في الهوى، أو بين ورق الشجرة التي كلم منها موسى، أو في غير ذلك. ولا يشك من عرف ما جاءت به الرسل أن هذا تبديل للحق بالباطل، وللحقيقة التي فطر الله عليها عباده، واللغة التي اتفق عليها بنو آدم، إلا من اجتالته الشياطين فغَّيرت فطرته. فالمتكلم هو الذي يقوم به الكلام، ويتصف به ويصدر منه، كما أن المحب من يقوم به الحب، والقادر من تقوم به القدرة، والعالم من يقوم به العلم. وعلى قول أولئك الضلاّل الذين يرد عليهم الإمام البخاري في هذا الباب وغيره، أن الذي قال لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) أنه الشجرة، وهذا الكفر ما وراءه كفر. ويلزم على قولهم إن كل كلام خلقه الله هو كلامه، والله خالق كل شيء، فيدخل في ذلك أفعال العباد، وحركاتهم، وكلامهم، فيلزم أن يكون كلامهم كلاماً له بما فيه من الكذب والكفر وقول الزور، وغير ذلك، حتى نباح الكلاب، فأي قول أفسد من قول هذا لازمه؟ وأي ضلال أبعد منه؟ وكلام أئمة الإسلام في بيان بطلان هذا القول كثير جداً. قال الإمام ابن جرير ﵀: ((وأما قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسىَ تَكليِماً﴾ فإنه يعني بذلك - جل ثناؤه -: وخاطب الله بكلامه موسى خطاباً. وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا نوح

стр. 900

بن أبي مريم، وسئل: كيف كلم الله موسى تكليماً؟ فقال: مشافهة)) (١) . وذكر البخاري عن ابن عباس قال: كلم الله موسى كان النداء في السماء، وكان الله في السماء)) (٢) . ولهذا الخصوصية التي خص الله موسى بها، صار له بذلك شرف وفضل على غيره من الأنبياء، ولهذا يذكر الناس له هذه الفضيلة في الموقف، إذ طلبوا منه الشفاعة. ****** ١٤١- قال: ((حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن النبي – ﷺ – قال: ((احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق! فحج آدم موسى)) . اختصر الإمام البخاري – ﵀ – هذا الحديث، وفي بعض ألفاظه الثابتة في ((الصحيحين)) قوله: ((احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي كلمك الله تكليماً، وكتب لك التوراة، فكم تجد فيها مكتوباً: ﴿وَعَصَىَ آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىَ﴾ قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة، قال: فحج آدم موسى)) يعني: غلبه بالحجة.

стр. 901

قال شيخ الإسلام: ((قد ظن كثير من الناس أن آدم احتج بالقدر على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظن ثلاث أحزاب: فريق كذبوا بهذا الحديث، كأبي علي الجبائي، وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبي ﷺ بل جميع الأنبياء، وأتباعهم، أن يجعلوا القدر حجة لمن عصى الله ورسوله. وفريق تأولوه بتأويلات معلومة الفساد، كقول بعضهم: حجه؛ لأنه أبوه، والابن لا يلوم أباه. وقول بعضهم: حجه؛ لأن الذنب كان في شريعة، والملام في أخرى. وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة، وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة. وفريق ثالث: جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله ورسوله. والصواب: أن موسى لم يلم آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنب عاص، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ولم يقل: لماذا خالفت الأمر ولماذا عصيت؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس، أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر، وشهود الربوبية، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١) ، قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (٢) .

стр. 902

وفي الصحيح، عن النبي ﷺ : ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت، لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) (١) فأمره بالحرص على ما ينفعه، وهو طاعة الله ورسوله، فليس للعباد أنفع من طاعة الله ورسوله، وأمره إذا أصابته مصيبة أن لا ينظر إلى تقدير ما لم يقع، وهو قوله: لو أني فعلت كذا وكذا، لكان كذا وكذا، فإن هذا ليس فيه إلا التحسر، والمضرة، ولكن لينظر إلى الواقع، ويوقن بأنه بقدر الله تعالى وقضائه، ولا بد من وقوعه، فلا مخلص منه، فيرضى به ويسلم لقدر الله – تعالى – وقضائه، كما قال بعضهم: الأمر أمران: أمر فيه حيلة، فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه، فلا تجزع منه. وما زال أئمة الهدى يوصون الإنسان بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، وإن كانت المصيبة بفعل آدمي، فلو أن رجلاً أنفق ماله في المعاصي، ومات ولم يخلف لأولاده مالاً، أو ظلم الناس بظلم صاروا يبغضون أولاده من أجل ظلمه، فلا يعطونهم ما يعطون أمثالهم، فهذه مصيبة في حق الأولاد حصلت بسبب أبيهم. فإذا قالوا لأبيهم: أنت فعلت بنا هذا، قيل لهم: هذا كان مقدراً عليكم، وأنتم مأمورون بالصبر على ما يصيبكم، والأب عاص لله فيما فعل من الظلم، أو الإنفاق في المعصية، ملوم على ذلك، لا يرتفع عنه الذم والعقاب بالقدر السابق. فإن تاب توبة نصوحاً، وقبل الله توبته، وغفر له، لم يجز ذمه حينئذ ولومه بحال، لا من جهة حق الله، ولا من جهة المصيبة التي حصلت لغيره بفعله،

стр. 903

إذ لم يكن هو ظالماً لأولئك، فإن تلك المصيبة مقدرة عليهم، وهذا مثل قصة آدم، فإنه لم يظلم أولاده، وإنما ولدوا بعد هبوطه من الجنة، وهبط هو وحواء، ولم يكن معهما أولاد، فلم يظلم أولاده ظلماً يستوجب ملامه منهم، وكونهم صاروا في الدنيا دون الجنة أمر مقدر عليهم. وهو قد تاب من ذنبه، كما قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴿١٢١﴾ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (١) . وموسى أعلم من أن يلومه على ذنب قد علم أنه تاب منه، وآدم أعلم من أن يحتج بالقدر على أن الذنب لا ملام عليه، وقد علم أن لعن إبليس بسبب ذنبه، وهو مقدر عليه. ولو كان الاحتجاج بالقدر نافعاً من الذنب لفعله آدم، ولكنه تاب من الذنب واستغفر ربه)) (٢) . فتبين أن آدم حج موسى لما قصد موسى لوم آدم على ما كان سبباً في مصيبة أبنائه، وأن آدم احتج بأن هذه المصيبة سبق بها القدر، ولا بد من وقوعها، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤) . وسواء في ذلك المصائب التي تحصل بأفعال العباد، أو غيرها، فإن على

стр. 904

العبد الصبر والتسليم، ولا يسقط بذلك لوم الجاني وعقابه. قال الله - تعالى -: ﴿وَاصبِر لِحُكمِ رَبِكَ﴾ (١) ، وحكم الله نوعان: خلق، وأمر، فالأول: ما يقدره من المصائب. والثاني: ما يأمر به وينهى عنه، وهو شرعه ودينه. والعبد مأمور بالصبر على النوعين، فعليه أن يصبر على فعل المأمور، وترك المحظور، وعلى ما قدره الله وقضاه)) (٢) . ((فالمصائب الحاصلة بقدر الله التي لم يبق فيه حق يؤخذ، أو ذنب يعاقب عليه، ليس فيها إلا التسليم للقدر، وقصة آدم من هذا القبيل، فإن موسى لامه من أجل ما أصابه وذريته. وآدم قد تاب من الذنب الذي هو سبب المصيبة، وغفر له، والمصيبة كانت مقدرة، فلا حيلة أمامها إلا التسليم والرضا. ولهذا قال: ((أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق)) . وقوله: ((احتج آدم وموسى)) أي: كل واحد منهما ذكر حجته أمام الآخر، وهذا يجوز أن يكون بعد وفاة موسى، أو أنه في الرؤيا، فإن رؤيا الأنبياء وحي. ((وقال ابن عبد البر: ((مثل هذا يجب فيه التسليم، ولا يوقف فيه على تحقيق؛ لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلاً)) (٣) .

стр. 905

والمقصود هنا قوله: ((أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه)) والاصطفاء هو: الاختيار والتفضيل، وفرق بين الرسالة والتكليم، فهو قدر زائد على الرسالة؛ أنها تحصل بإرسال ملك إليه أو بالوحي. وأما التكليم فهو بإسماعه كلامه، وهذا الذي اختص به موسى من بين الرسل، فدل هذا على أن الله – تعالى – كلمه بدون واسطة، بل أسمعه كلامه منه إليه، وهو أمر واضح. وجاء في رواية ذكرها الحافظ: ((قال: أنت كلمك الله من وراء حجاب ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه)) (١) . ((قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصل في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد، فكل أحد يصبر لما قدر له بما سبق في علم الله – تعالى -، وليس فيه حجة للجبرية)) (٢) . وقال الخطابي – رحمه الله تعالى -: ((قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه، معنى الإجبار، والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن فلج آدم في الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه. وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله – سبحانه – بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها، خيرها وشرها، والقدر: اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر، كما أن الهدم، والقبض، والنشر، أسماء لما صدر عن فعل الهادم، والقابض، والناشر. يقال: قدّرْت الشيء، وقدرته، خفيفة وثقيلة، بمعنى واحد.

стр. 906

والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله – تعالى -: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١) أي: خلقهن. وإذا كان الأمر كذلك: فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم، أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد، وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليها. وجماع القول في هذا الباب: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما رام هدم البناء ونقضه (٢) . وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى – صلوات الله وسلامه عليهما – أن الله – سبحانه – إذا كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه. وبيان هذا في قوله – سبحانه -: ﴿وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِني جَاعِلٌ فيِ الأَرضِ خَلِيفَةَ﴾ فأخبر قبل كون آدم أنه إنما خلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنة، حتى ينقله عنها إلى الأرض، وإنما كان تناوله من الشجرة سبباً لوقوعه إلى الأرض التي خلق لها وليكون فيها خليفة، ووالياً على من فيها، وإنما أدلى آدم ﵇ بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى عن نفسه على هذا الوجه، ولذلك قال: ((أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن أخلق)) . فإن قيل: على هذا يجب أن يسقط اللوم أصلاً.

стр. 907

قيل: اللوم ساقط من قبل موسى، إذ ليس لأحد أن يعيِّر أحداً بذنب كان منه؛ لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء. وقد روي: ((لا تنظروا إلى ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا إليها كأنكم عبيد)) . ولكن اللوم لازم لآدم من قبل الله – سبحانه – إذ كان قد أمره ونهاه فخرج إلى معصيته، وباشر المنهي عنه، ولله الحجة البالغة – سبحانه – لا شريك له. وقول موسى، وإن كان في النفوس منه شبهة، وفي ظاهره متعلق لاحتجاجه بالسبب الذي جعل أمارة لخروجه من الجنة، فقول آدم في تعلقه بالسبب – الذي هو بمنزلة الأصل – أرجح وأقوم، والفلج فيه قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا معارض له. والله أعلم)) (١) . فحجة آدم ﵇ ظهرت؛ لأن ما قدر عليه أمر لا يمكن تغييره ولا رده، بل هو قدر قدره العليم القدير، فلا يمكن دفعه، ولا رفعه بعد وقوعه، فليس أمامه إلا التسليم، ومع ذلك لا يكون القدر حجة فيما لم يقع؛ لأن الإنسان مأمور بفعل الطاعة، واجتناب المعصية، وهو لا يعلم ما هو المقدر عليه حتى يقع، فإذا وقع الأمر وتعذر دفعه هناك يسلم للقدر، ويقول: قدر الله وما شاء فعل، ويستغفر من ذنبه ويتوب إلى ربه. **** ١٤٢- قال: ((حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس – ﵁ – قال: قال رسول الله – ﷺ : ((يجمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيريحنا

стр. 908

من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون له، أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك الملائكة، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا. فيقول لهم: لست هناكم، فيذكر لهم خطيئته التي أصاب)) . تقدم الكلام على هذا الحديث، والمراد منه هنا قوله فيه: ((ولكن ائتوا موسى، عبداً آتاه الله التوراة، وكلمه وقربه نجياً)) ، فهذا واضح كل الوضوح في الدلالة على ما أراده من إثبات كلام الله حقاً، والرد على من ينكر ذلك، إما صراحة كفعل الجهمية والمعتزلة، أو مراوغة كالأشعرية أو بعضهم، وكلهم ضالون في هذا الباب. ***** ١٤٣- قال: ((حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله، أنه قال: سمعت ابن مالك يقول ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم، خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا وحكمه، فحشا به صدره ولغاديده - يعني: عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم.

стр. 909

قالوا: فمرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، ولا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم. فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك، فسلم عليه، فسلم عليه، ورد عليه آدم، وقال: مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات، عنصرهما. ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد – ﷺ ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به وأهلا. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى، والثانية. ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء

стр. 910

فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه لله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليّ أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك، كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلى خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم. فالتفت النبي – ﷺ – إلى جبريل ﷺ كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات. ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا، وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك. كل ذلك يلتفت النبي – ﷺ – إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم، وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا.

стр. 911

فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، فقال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد – والله – راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك، فليخفف عنك أيضا. قال رسول الله – ﷺ : يا موسى، قد – والله – استحييت من ربي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط باسم الله. قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام)) . ((الإسراء)) ، من سرى، وأسرى: إذا سار ليلاً. والصواب أن الإسراء وقع له ﷺ مرة واحدة، وكذا المعراج، وهو في مكة قبل الهجرة، وأنه يقظة لا مناماً، وأنه بروحه وجسده. قوله: ((ليلة أسري برسول الله – ﷺ – من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه)) ، ذكر البيهقي بسنده من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: ((أسري برسول الله - إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة)) . ثم قال: ((وكذلك ذكره ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، وروى السدي،، قال: ((فرض على رسول الله – ﷺ – الخمس في بيت

стр. 912

المقدس ليلة أسري به، قبل مهاجره بستة عشرة شهراً)) (١) . قوله: ((في بيت المقدس)) يعني: أن أول صلاة صلاها بعد فرض الصلوات في بيت المقدس، وهي صلاة الفجر، فعلى قول الزهري وعروة يكون الإسراء في ربيع الأول، وعلى قول السدي يكون في ذي القعدة، ومن زعم أنه في رجب فليس له مستند، قال ابن كثير: لا أصل لذلك)) (٢) . قوله: ((أنه جاءه ثلاثة نفر)) قال في ((اللسان)) : ((النفر بالتحريك: ما دون العشرة من الرجال، وقالوا: النفر، والقوم، والرهط: جموع لا واحد لها من لفظها)) (٣) . وجاء أن منهم جبريل، وهذا ظاهر من الحديث لا خفاء فيه، وميكائيل. قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) هذه الجملة مما أنكره العلماء على شريك، وخَطَّؤُوه فيها، منهم الخطابي، وابن حزم، والقاضي عياض، والنووي. وخرجها ابن كثير على أن المجيء مرتين، الأولى: قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء، والثانية وهي التي حصل فيها شق الصدر، ثم الإسراء، والعروج إلى السماء وعبارته: ((وفي سياق حديث شريك غرابة من وجوه، منها قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) والجواب: أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى، ولم يقل في ذلك ((قبل أن يوحى إليه)) ، بل جاءوا بعد ما أوحى إليه، فكان الإسراء قطعاً بعد الإيحاء، إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو عشر سنين، كما زعمه

стр. 913

آخرون، وهو الأظهر)) (١) . قال الحافظ: ((وصرح الخطابي، وابن حزم والقاضي عياض، والنووي، بأن شريكاً انفرد بهذه اللفظة، وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس، عن أنس، أخرجه سعيد بن يحيى الأموي، في كتاب المغازي من طريقه)) (٢) . ثم قال: ((قوله: ((فلم يرهم)) أي: بعد ذلك، ((حتى أتوه ليلة أخرى)) ، ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج)) (٣) ، أي: بعد النبوة والوحي. ويجوز أنه يقصد بقوله: ((قبل أن يوحى إليه)) أي: في شأن الإسراء والمعراج، أي: أنهم فاجَؤُوه بدون سابق إعلام له بذلك. قوله: ((وهو نائم في المسجد)) وفي آخره: ((واستيقظ وهو في المسجد)) وبهذا ونحوه تعلق من يقول: إن الإسراء والمعراج وقعا مناماً. والحق أنهما وقعا يقظة لا مناماً، وأن ذلك ببدنه وروحه،، وهو قول جمهور أهل السنة، والدليل قول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظيمة والآيات الباهرة، ولو كان مناماً لم يكن فيه كبير أمر؛ لأنه لا يستنكر. ومما يدل على ذلك إنكار كفار قريش له، وتعظيمهم إياه، واستبعادهم وقوعه، حتى ارتد بسبب ذلك بعض من أسلم، ولو كان مناماً لم ينكره

стр. 914

أحد، وأيضاً فالعبد اسم لمجموع الروح والبدن. ودلالة الأحاديث على ذلك ظاهرة، فعلى هذا يكون قوله: ((وهو نائم في المسجد)) يعني ذلك المجيء الأول الذي لم يحصل فيه الإسراء، ثم المجيء الثاني كان يقظان. ويحمل ما في آخر الحديث على الإفاقة مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الآيات العظيمة والملكوت، وقد ينشغل الإنسان بما يقع له من أمر مهم، فإذا انجلى عنه ذلك الأمر كأنه أفاق من نوم، كما جاء في قصة ذهابه إلى الطائف، وفيها: ((فلم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب)) . ويجوز أنه نام بعد رجوعه، وكان إذا أوحي إليه يستغرق قلبه في الوحي، فإذا انقطع الوحي سري عنه، فيجوز أن يكون هذا مثله. قوله: ((فقال أولهم: أيهم هو؟)) يدل على أنه كان نائماً مع جماعة. قال الحافظ: ((قد جاء أنه كان معه عمه حمزة, وجعفر بن أبي طالب)) (١) . ((فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة)) كانت هنا تامة، والتقدير: وجدت تلك الليلة، ولم يحصل فيها شيء من الإسراء، وذهبوا ولم يرهم. ((حتى أتوه ليلة أخرى)) بعد زمن طويل، كما تقدم، وبهذا يرتفع الإشكال في قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) وقوله: ((وهو نائم)) . قال الحافظ: ((وبه يسقط تشنيع الخطابي، وابن حزم، وغيرهما، بأن شريكاً خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة)) (٢) .

стр. 915

ومما يدل على ذلك قوله لما استفتح جبريل باب السماء: ((أبعث إليه؟ قال: نعم)) يعني: أنه أرسل إلى الناس. قوله: ((فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء)) . هذا من الخصائص التي خص بها الأنبياء، ومعنى يقظة القلب: أنه يدرك الحسيات المتعلقة به: كالألم والحدث ونحو ذلك، لا ما يتعلق بالعين من رؤية الأشياء، قاله النووي (١) . قوله: ((فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم)) هذا يختلف مع رواية الزهري، عن أنس، عن أبي ذر، أنه قال: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة)) وفي رواية الواقدي بأسانيده، أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني: ((أنه بات في بيتها، ففقدته من الليل، فقال: إن جبريل أتاني)) . قال الحافظ: ((والجمع بين هذه الأقوال: أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيتها، وأضافه إليه؛ لكونه يسكنه، فنزل منه الملك، فأخرجه إلى المسجد، فكان به مضطجعاً، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه إلى باب المسجد، فأركبه البراق)) (٢) . قوله: ((فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبّته)) يعني: أن جبريل شق صدره، وبطنه، فاستخرج قلبه وأحشاءه فغسلها بماء زمزم بيده حتى أنقاه من كل ما فيه من دخل، ثم أتي بطست من ذهب، وفيه تور من ذهب، وهو إناء صغير، قد يكون من صفر، أو من حجر، والطست مملوء إيماناً وحكمة، فحشا به صدره، ولغاديده – يعني: عروق حلقه، ثم أطبقه فخاطه،
следующие страницы →