فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، فقال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟
فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها.
قال موسى: قد – والله – راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك، فليخفف عنك أيضا.
قال رسول الله – ﷺ : يا موسى، قد – والله – استحييت من ربي مما اختلفت إليه.
قال: فاهبط باسم الله.
قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام)) .
((الإسراء)) ، من سرى، وأسرى: إذا سار ليلاً.
والصواب أن الإسراء وقع له ﷺ مرة واحدة، وكذا المعراج، وهو في مكة قبل الهجرة، وأنه يقظة لا مناماً، وأنه بروحه وجسده.
قوله: ((ليلة أسري برسول الله – ﷺ – من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه)) ، ذكر البيهقي بسنده من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: ((أسري برسول الله - إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة)) .
ثم قال: ((وكذلك ذكره ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، وروى السدي،، قال: ((فرض على رسول الله – ﷺ – الخمس في بيت
стр. 912
المقدس ليلة أسري به، قبل مهاجره بستة عشرة شهراً)) (١) .
قوله: ((في بيت المقدس)) يعني: أن أول صلاة صلاها بعد فرض الصلوات في بيت المقدس، وهي صلاة الفجر، فعلى قول الزهري وعروة يكون الإسراء في ربيع الأول، وعلى قول السدي يكون في ذي القعدة، ومن زعم أنه في رجب فليس له مستند، قال ابن كثير: لا أصل لذلك)) (٢) .
قوله: ((أنه جاءه ثلاثة نفر)) قال في ((اللسان)) : ((النفر بالتحريك: ما دون العشرة من الرجال، وقالوا: النفر، والقوم، والرهط: جموع لا واحد لها من لفظها)) (٣) .
وجاء أن منهم جبريل، وهذا ظاهر من الحديث لا خفاء فيه، وميكائيل.
قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) هذه الجملة مما أنكره العلماء على شريك، وخَطَّؤُوه فيها، منهم الخطابي، وابن حزم، والقاضي عياض، والنووي.
وخرجها ابن كثير على أن المجيء مرتين، الأولى: قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء، والثانية وهي التي حصل فيها شق الصدر، ثم الإسراء، والعروج إلى السماء وعبارته:
((وفي سياق حديث شريك غرابة من وجوه، منها قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) والجواب: أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى، ولم يقل في ذلك ((قبل أن يوحى إليه)) ، بل جاءوا بعد ما أوحى إليه، فكان الإسراء قطعاً بعد الإيحاء، إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو عشر سنين، كما زعمه
стр. 913
آخرون، وهو الأظهر)) (١) .
قال الحافظ: ((وصرح الخطابي، وابن حزم والقاضي عياض، والنووي، بأن شريكاً انفرد بهذه اللفظة، وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس، عن أنس، أخرجه سعيد بن يحيى الأموي، في كتاب المغازي من طريقه)) (٢) .
ثم قال: ((قوله: ((فلم يرهم)) أي: بعد ذلك، ((حتى أتوه ليلة أخرى)) ، ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج)) (٣) ، أي: بعد النبوة والوحي.
ويجوز أنه يقصد بقوله: ((قبل أن يوحى إليه)) أي: في شأن الإسراء والمعراج، أي: أنهم فاجَؤُوه بدون سابق إعلام له بذلك.
قوله: ((وهو نائم في المسجد)) وفي آخره: ((واستيقظ وهو في المسجد)) وبهذا ونحوه تعلق من يقول: إن الإسراء والمعراج وقعا مناماً.
والحق أنهما وقعا يقظة لا مناماً، وأن ذلك ببدنه وروحه،، وهو قول جمهور أهل السنة، والدليل قول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظيمة والآيات الباهرة، ولو كان مناماً لم يكن فيه كبير أمر؛ لأنه لا يستنكر.
ومما يدل على ذلك إنكار كفار قريش له، وتعظيمهم إياه، واستبعادهم وقوعه، حتى ارتد بسبب ذلك بعض من أسلم، ولو كان مناماً لم ينكره
стр. 914
أحد، وأيضاً فالعبد اسم لمجموع الروح والبدن.
ودلالة الأحاديث على ذلك ظاهرة، فعلى هذا يكون قوله: ((وهو نائم في المسجد)) يعني ذلك المجيء الأول الذي لم يحصل فيه الإسراء، ثم المجيء الثاني كان يقظان.
ويحمل ما في آخر الحديث على الإفاقة مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الآيات العظيمة والملكوت، وقد ينشغل الإنسان بما يقع له من أمر مهم، فإذا انجلى عنه ذلك الأمر كأنه أفاق من نوم، كما جاء في قصة ذهابه إلى الطائف، وفيها: ((فلم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب)) .
ويجوز أنه نام بعد رجوعه، وكان إذا أوحي إليه يستغرق قلبه في الوحي، فإذا انقطع الوحي سري عنه، فيجوز أن يكون هذا مثله.
قوله: ((فقال أولهم: أيهم هو؟)) يدل على أنه كان نائماً مع جماعة.
قال الحافظ: ((قد جاء أنه كان معه عمه حمزة, وجعفر بن أبي طالب)) (١) .
((فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة)) كانت هنا تامة، والتقدير: وجدت تلك الليلة، ولم يحصل فيها شيء من الإسراء، وذهبوا ولم يرهم.
((حتى أتوه ليلة أخرى)) بعد زمن طويل، كما تقدم، وبهذا يرتفع الإشكال في قوله: ((قبل أن يوحى إليه)) وقوله: ((وهو نائم)) .
قال الحافظ: ((وبه يسقط تشنيع الخطابي، وابن حزم، وغيرهما، بأن شريكاً خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة)) (٢) .
стр. 915
ومما يدل على ذلك قوله لما استفتح جبريل باب السماء: ((أبعث إليه؟ قال: نعم)) يعني: أنه أرسل إلى الناس.
قوله: ((فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء)) .
هذا من الخصائص التي خص بها الأنبياء، ومعنى يقظة القلب: أنه يدرك الحسيات المتعلقة به: كالألم والحدث ونحو ذلك، لا ما يتعلق بالعين من رؤية الأشياء، قاله النووي (١) .
قوله: ((فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم)) هذا يختلف مع رواية الزهري، عن أنس، عن أبي ذر، أنه قال: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة)) وفي رواية الواقدي بأسانيده، أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني: ((أنه بات في بيتها، ففقدته من الليل، فقال: إن جبريل أتاني)) .
قال الحافظ: ((والجمع بين هذه الأقوال: أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيتها، وأضافه إليه؛ لكونه يسكنه، فنزل منه الملك، فأخرجه إلى المسجد، فكان به مضطجعاً، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه إلى باب المسجد، فأركبه البراق)) (٢) .
قوله: ((فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبّته)) يعني: أن جبريل شق صدره، وبطنه، فاستخرج قلبه وأحشاءه فغسلها بماء زمزم بيده حتى أنقاه من كل ما فيه من دخل، ثم أتي بطست من ذهب، وفيه تور من ذهب، وهو إناء صغير، قد يكون من صفر، أو من حجر، والطست مملوء إيماناً وحكمة، فحشا به صدره، ولغاديده – يعني: عروق حلقه، ثم أطبقه فخاطه،
стр. 916
ولم يتألم من ذلك أو يتأثر، وقد جاء أن أثر الشق بقي فيه واضحاً.
و ((اللبة)) هي موضع القلائد في أعلى الصدر، وهي التي ينحر البعير منها.
وتكرر شق صدره ﷺ .
قال الحافظ: ((ثبت ذلك في غير رواية شريك في ((الصحيحين)) ، من حديث أبي ذر، ووقع أيضاً له ذلك عند البعثة، كما أخرجه أبو داود الطاليسي في ((مسنده)) ، وأبو نعيم في ((الدلائل)) ، ووقع أيضا في حديث أبي هريرة، وهو ابن عشر سنين، كما في ((المسند)) من زيادات عبد الله)) (١) .
قوله: ((ثم عرج به إلى السماء الدنيا)) حذف قبل هذا جملة من الحديث مما هو ثابت في الروايات الأخرى؛ لأن القصة واحدة، وتقدير المحذوف: ثم أتي بالبراق، فركبه، فأسري به إلى المسجد الأقصى، فربط البراق وصلى ركعتين تحية المسجد، ثم عرج به.
والعروج هو الصعود، والارتقاء، وعروجه ﷺ هذا آية باهرة من آيات الله العظيمة، التي لا يدرك حقيقتها العقل البشري؛ لأن ارتفاع السماء عن الأرض ارتفاع هائل، لا يعلم قدره إلا الله – تعالى -، وقد تبين للناس اليوم أن الإنسان إذا ارتفع عن الأرض إلى حد قريب ينعدم الأكسجين الذي به الحياة، فيختنق ويموت في لحظات، وما فوق السماء الدنيا إلى تليها مسافة بعيدة جداً، لو قدرت بسير الإنسان، وما يستخدمه من آلات حديثة، لكانت بمئات السنين، وربما بآلاف السنين، وهكذا كل ما بين سماء وأخرى، ومع هذا كله يذهب الرسول – ﷺ – ببدنه وروحه ويجاوز السماوات السبع بارتفاع
стр. 917
لا يعلم قدره إلا الله – تعالى – في ما يقرب من اثنتى عشرة ساعة، ثم يعود، ولهذا قال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
والتسبيح يكون عند الأمور العظيمة الدالة على قدرة الله، كما سبق.
فإن قيل: لماذا لم يذكر المعراج في القرآن مع أنه آية عظيمة دالة على عظيم قدرة الله – تعالى -؟
قيل: لأن الإسراء قد ذكر، وهو من جنسه، من حيث قطع المسافة الشاسعة في الوقت القصير، ولأنه يدل عليه.
ولأن إخبار الرسول – ﷺ – به وبما وقع فيه كاف عن ذكره في القرآن.
قوله: ((فضرب باباً من أبوابها)) يدل على أن السماء مبنية بناء محكماً ولها سمك وكثافة، وأنها لا تدخل إلا من أبوابها.
قوله: ((فناداه أهل السماء من هذا؟)) يدل على سماكة السماء وكثافتها، وأن من فيها لا يرى من يأتي من أسفلها، فدل على بطلان قول أهل الهيئة قديماً بأن السماء شفافة، لا تستر من فوقها، ولا من تحتها، وهذا من خرصهم الذي لا يستند إلى برهان.
ودل أيضاً على بطلان قول ملاحدة هذا العصر، الذين ينكرون وجود السماء المبنية المحكمة، ويقولون: إنما هو فضاء تسبح فيه الكواكب، وهذا خلاف نصوص الشرع، وخلاف الواقع، وهم لا يؤمنون إلا بالمحسوس.
قوله: ((فقال: جبريل)) يدل على أن المسؤول عند الاستئذان يسمي نفسه العلم حتى يعرف، ولا يأتي بكلام مبهم مثل قوله: ((أنا)) ونحوه مما لا يعين المستأذن.
((قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث إليه؟ مقتضى السياق أن تكون ((قال)) الأخيرة للجمع.
стр. 918
وهذا يدل على حراسة السماء، وأنه لا يدخلها أحد إلا من أمر الله بإدخاله.
وقولهم: ((وقد بعث إليه)) يعني: بعث نبياً، فهو يدل على أنهم لم يعلموا ذلك، والظاهر كما قال القسطلاني أن المعنى: أبعث إليه في المجيء إلى السماء؟ لأن البعثة لا تخفى عليهم. وعلى كل فهو يدل على أن معراجه – ﷺ – بعد النبوة، وهو أمر ظاهر.
((فقالوا: فمرحباً، وأهلاً)) أي: أتيت مكاناً رحباً واسعاً، وفيه لك أهل يفرحون بقدومك، وهذا كلام مشهور، تقوله العرب لمن يستضيفها ولمن تكرمه، ومعناه: إنك حللت في مكان رحب، سهل واسع، لا ضيق عليك فيه، وأنت عند من هو مثل أهلك، يفرح بك ويكرمك.
قوله: ((فيستبشر به أهل السماء)) يدل على أن عندهم علماً بأنه سيبعث نبياً ويعرج به، ويدل على حبهم له وفرحهم برؤيته – ﷺ .
((لا يعلم أهل السماء بما يريد به في الأرض حتى يعلمهم)) ؛ لأنهم لا يعلمون الغيب، وهو يرد قول بعضهم أنه مرسل حتى إلى الملائكة؛ لأنهم ليسوا بحاجة إلى رسالته، ولو أرسل إليهم رسولاً لكان من جنسهم، كما جرت سنة الله في خلقه، وكيف يرسل لمن في السماوات؟!.
((فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك، فسلم عليه)) وهكذا في كل سماء يجد فيها أنبياء، فيعلمه جبريل من هم، ويأمره بالسلام عليهم، وهم في السماوات حسب منازلهم عند الله، فمن هو أفضل فمنزلته أرفع، والرسول – ﷺ – لا يعرفهم حتى يعلمه جبريل بهم، مما يدل على أنه لم يرهم قبل هذا اللقاء.
((فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات، عنصرهما)) أي: أصلهما، أو ما يمدان منه،
стр. 919
وهذا يدل على أن ذينك النهرين ليسا النيل والفرات؛ لأن النيل والفرات في الأرض، وذانك النهران في السماء.
وفي حديث مالك بن صعصعة أنه رأي في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار، وذكر منها النيل والفرات، فيجوز أن يكون ذلك مثل، والله أعلم بذلك.
((ثم مضى به في السماء، فإذا بنهر عليه قصر من لؤلؤ، وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك)) وهذا مما استشكل في هذا الحديث، لأنه ثبت أن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة، كما جاء في المسند من حديث أنس ((دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي في مجرى مائه فإذا مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله – تعالى -)) (١) .
قال الإمام أحمد: ((حدثنا محمد بن فضيل، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك قال: ((أغفى رسول الله – ﷺ – إغفاءة، فرفع رأسه مبتسماً، إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله – ﷺ : إنه أنزلت عليَّ آنفاً سورة، فقرأ: ﴿بِسمِ اللهِ الرَحَمَنِ الرّحَيمِ إِنَّا أَعطَيناكَ الكَوثَرَ﴾ حتى ختمها، فقال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: هو نهر أعطانيه ربي – – في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب: إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) (٢) .
يجوز أن يكون رآه في السماء الدنيا وأصله في الجنة، أو أنه مثِّل له، والله على كل شيء قدير.
стр. 920
وقال القرطبي: ((والصحيح أن للنبي – ﷺ – حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثراً، والكوثر في كلام العرب: الخير الكثير)) (١) .
قال الحافظ: ((فيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر؛ لكونه يمد منه)) (٢) .
وظاهر الأحاديث مثل قوله ﷺ : ((أنا فرطكم على الحوض)) ، وقوله لأنس لما طلب منه أن يشفع له يوم القيامة وقال: ((أنا فاعل)) ، قال: أين أجدك، قال: ((اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض)) (٣) وغير ذلك، ظاهرها أن الحوض في الموقف، وفي حديث لقيط ما يدل على أنه بعد الصراط فإن فيه: ((فينصرف نبيكم وينصرف على أثره الصالحون، فيسلكون جسراً من النار، يطأ أحدكم الجمرة فيقول: حس، فيقول ربك: أو إنه؟ ألا فيطلعون على حوض الرسول على أظمأ – والله – ناهلة رأيتها أبداً)) (٤) .
((قال القرطبي في المفهم، تبعاً للقاضي عياض: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله – – قد خص نبيه محمداً – ﷺ – بالحوض المصرح باسمه وصفته، وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي)) (٥) .
قوله: ((ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت في الأولى)) .
стр. 921
يعني: أن جبريل استفتح، فقالوا: من؟ فأخبرهم كما مضى.
قوله: ((كل سماء فيها أنبياء، قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة)) قال الحافظ: ((كذا في رواية شريك، وفي حديث الزهري عن أنس، عن أبي ذر، فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وعيسى، وإبراهيم، ولم يثبت منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، وهو موافق لرواية شريك، والأكثرون خالفوا ذلك، فذكروا أن موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، كما في رواية قتادة، وسياق روايته يدل على رجحانها، فإنه ضبط اسم كل نبي، والسماء التي هو فيها)) (١) .
وقد حاول الحافظ أن يجمع بين الروايات بأن موسى كان وقت العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، ثم انعكس الأمر عند هبوطه.
وهذا جائز، ولكن يحتاج إلى دليل، قال: ويحتمل أنه لقي موسى في السادسة، ثم صعد معه إلى السابعة؛ لأنه هو الذي صارت المحاورة بينه وبينه من أجل تخفيف الصلوات، فالله أعلم)) (٢) .
والراجح ما صرح به في هذه الرواية، وقد نص على أن سبب رفعه إلى السابعة ما خصه الله به من التكريم بكلامه، كما قال:
((وموسى في السابعة بتفضيل كلامه لله)) وفي بعض النسخ: ((بتفضيل كلام الله)) وهي أظهر على المراد؛ لأن المقصود إثبات تكليم الله – تعالى – لموسى، وليس تكليم موسى لله – تعالى -.
стр. 922
وهذا هو محل الشاهد من الحديث، وإن كان بقية الحديث فيه دلالة واضحة على تكليم الله – تعالى – لمحمد – ﷺ ، ويجوز أن البخاري أراد ذلك أيضاً، فكأنه يقول: كما أن الله – تعالى – قد كلم موسى تكليماً، وموسى في الأرض، فقد كلم محمداً وهو فوق سبع سماوات.
قوله: ((فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليَّ أحداً)) ، وفي رواية: ((أن يرفع)) بالياء، قال ابن بطال: ((فهم موسى من اختصاصه بكلام الله – تعالى – في الدنيا دون غيره من البشر، كما قال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ (١) أن المراد بالناس: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحداً، فلما رفع محمداً – ﷺ – علم أنه فضل عليه، ومن ذلك قال هذا القول)) (٢) .
قوله: ((ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى)) .
قال الحافظ: ((هذا مما خالف فيه شريك غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة، ولعل في السياق تقديماً وتأخيراً، وأن ذكر سدرة المنتهى قبل قوله: ((ثم علا به فوق ذلك)) ، وفي رواية أبي ذر: ((ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)) (٣) أي: صوت كتابة الأقلام، التي تكتب ما أمر الله به من تقدير، وأمر ونهي.
ثم قال الحافظ: ((وفي رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري بعد ذكر إبراهيم في السابعة: فإذا هو بنهر)) فذكر أمر الكوثر.
стр. 923
قال: ثم خرج إلى سدرة المنتهى، وهذا موافق للجمهور، ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لأعلى
سدرة المنتهى وما تقدم لأصلها)) (١) .
قوله: ((ودنا الجبار، رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى)) .
وفي رواية ميمون بن سياه، عن أنس: (فدنا ربك – – فكان قاب قوسين أو أدنى)) .
وفي رواية البيهقي من طريق ثابت البناتي، عن أنس قال: ((فدنا فتدلى فأوحى إلى عبده ما أوحى)) (٢) .
وفي رواية أبي سعيد التي رواها البيهقي وغيره: ((وكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى)) (٣) .
وذكر السيوطي أن ابن مردويه أخرج حديث أنس من طريق كثير بن خنيس، وفيه: ((فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى)) (٤) .
قال الخطابي: ((ليس في هذا الكتاب – يعني: صحيح البخاري – حديث أشنع ظاهراً، ولا أشنع مذاقاً، من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل.
стр. 924
ثم اختار أن هذا الحديث رؤيا منام، أو أن أنساً حكاه من تلقاء نفسه لم يعزه إلى النبي – ﷺ )) (١) .
أقول: أما كون هذا الفصل شنيعاً ظاهراً ومذاقاً، فذلك في نظر الجهمية الذين يزنون كلام الله وكلام الرسول بما يظنونه براهين عندهم، وهي مجرد شبهات وأوهام، أو يزنون كلام الله ورسوله بأذواقهم.
وهذه الشناعة التي يظنها الخطابي – عفا الله عنا وعنه – قد ترد لو كان ما يختص الله به من الأفعال والصفات على وفق مذاق أهل التعطيل ومذهبهم، وقياساتهم الفاسدة.
أما إذا كان العبد منقاداً لما جاء به الرسول – ﷺ ، وموقناً بأن رسول الله – ﷺ – أعلم بالله، وأخشى له من كل الناس قاطبة، وأنه أقدرهم على البيان والإفصاح عما يريد، وهو أيضاً أنصحهم للأمة، وأحرصهم على هدايتها، إذا كان العبد موقناً بذلك كله، فلن يكون هذا الفصل وأمثاله مما جاء به الرسول – ﷺ – شنيعاً لا ظاهراً ولا مذاقاً كما زعم الخطابي.
وأما محاولته الطعن في راوي الحديث – أنس بن مالك – ﵁، وأنه إنما حكى هذا القول من عند نفسه، وقد سبق أن قال في عبد الله بن مسعود مثل هذا، وهذا زلة منه عظيمة، وخروج عن نهج أهل الحق، وهذا ما يتمناه كل زنديق، ورافضي خبيث، حتى يتسنى لهم إبطال الشرع كله؛ لأن كل أحد يمكنه أن يقول ما شاء إذا انفتح هذا الباب، وهو الطعن في الصحابة بأنهم لم يفهموا ما يقولون، وينقلون الباطل والضلال، كما هو مقتضى قول الخطابي.
مع أن قوله هذا خلاف ما اتفق عليه أئمة الإسلام من المحدثين والفقهاء،
стр. 925
وأن مرسل الصحابي له حكم الاتصال؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون رواه عن صحابي، أو سمعه من الرسول – ﷺ .
وكذلك طعنه في شريك بن عبد الله غير مقبول، بل هو خلاف الحق.
((قال أبو الفضل ابن طاهر: ((تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفات منه شيء لم يسبق إليه، فإن شريكاً قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين: لا بأس به)) (١) .
وقال ابن عدي: ((مشهور من أهل المدينة، حدث عن مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يروي عنه ضعيف)) .
قال ابن طاهر: ((وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال)) (٢) .
ثم إن شريكاً لم ينفرد بهذا اللفظ كما تقدم.
وأما قول الخطابي: ((إن ذلك يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما)) .
فجوابه أن كثيراً من النصوص في كتاب الله وسنة رسوله تقتضي ذلك، بل تدل عليه نصاً، وقد سبق في باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ من ذكر بعض النصوص في ذلك، وبعض أقوال أئمة السلف ما فيه مقنع لمن يريد الحق.
وأما المكابر والضلال فلا حيلة فيه إلا طلب الهداية له من الله – تعالى -.
стр. 926
ثم مفهوم هذا القول من الخطابي أنه لا تمييز بين مكان الخالق والمخلوق ولا مسافة، ولا تحديد، وهذا لا يعدو أمرين لا ثالث لهما:
إما: أن يكون الرب – تعالى – حالاَّ في الخلق، ومداخلاً لهم، فهو في كل مكان، لا يختص به مكان دون آخر، حتى أجواف الحيوانات والناس والأمكنة الخبيثة، وهذا مذهب الحلولية الذين هم من أضل خلق الله، وأبعدهم عن معرفة الله والتمييز بينه وبين خلقه، وهذا غاية الكفر ومنتهاه.
الثاني: أنه لا مكان لله أصلاً، ومن ليس له مكان – بمعنى أنه ليس في جهة – فهو عدم لا وجود له، والعدم هو إله المعطلة والملاحدة.
ومعلوم ثبوت وصف الله – تعالى – بالقرب، والدنو، من بعض خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) .
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى لما رفعوا أصواتهم بالتكبير قال لهم النبي – ﷺ : ((اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعون سميع بصير قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) وقد تقدم، والنصوص في هذا كثيرة.
قال شيخ الإسلام: ((قرب الله – سبحانه – ودنوه من بعض مخلوقاته، لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف شاء، كما قال ذلك من قاله من السلف.
وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٢) ﴾ .
стр. 927
والنداء هو: رفع الصوت، والنجي هو القريب لمن يكلمه ويناجيه، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ، والمنادي لموسى هو ربه – تعالى – وهو المناجي له أيضاً، ونداؤه ومناجاته قائمة به – تعالى – ليست مخلوقة منفصلة عنه، ووقعت مناداته ومناجاته لرسوله موسى في وقت واحد معين.
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى، أنهم كانوا مع النبي – ﷺ – في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال: ((أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) .
وفيهما: ((يقول الله – تعالى -: من تقرب إلىَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (١) .
((والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته، وهو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري، وغيره من الكلابية، فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش، فصار مستوياً عليه.
وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر.
وأول من أنكر هذا في الإسلام الجهمية، ومن وافقهم)) (٢) .
وقد ثبت في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر قال: سمعت النبي – ﷺ –
стр. 928
يقول: ((يدنو أحدكم من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) .
وسبق الكلام عليه قريباً.
وفي لفظ: ((يؤتى المؤمن يوم القيامة فيدنيه الله منه، فيضع عليه كنفه)) .
قال أبو يعلى: ((غير ممتنع حمله على ظاهره، وأنه دنو من ذاته، وقد أخذ أحمد بظاهره، في رواية أبي الحارث، وقد سأله: ما معنى قول النبي – ﷺ – إن الله يدني العبد يوم القيامة، فيضع عليه كنفه؟ قال: هو كما قال، ونقول به، فقد نص أحمد على الأخذ بظاهره)) (١) .
قوله: ((فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط بهم حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟
قال: ((عهد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة)) .
استدل بذلك على عظيم قدر الصلاة عند الله، والاهتمام بها، وأنها من أفضل ما تفضل الله به على هذه الأمة؛ لأنها صلة بين العبد وربه وقرب منه، فينبغي للمسلم أن يهتم بها ويجتهد في أدائها في خشوع وحضور قلب.
وقد كان النبي – ﷺ – إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقال الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (٣) ﴾ .
стр. 929
ومما يزيد في أهميتها أن الرسول – ﷺ – لم يذكر أنه فرض عليه في ذلك الموقف القريب إلى الله تعالى إلا الصلاة.
وقد علم موسى – ﷺ – أن الله سوف يفرض عليه فروضاً، ولهذا استوقفه.
وفي ذلك بيان نصحه وشفقته على هذه الأمة، فصلاة الله وسلامه عليه وجزاه الله خير الجزاء، حيث جعله الله سبباً لتخفيف الواجب على هذه الأمة.
قوله: ((إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي – ﷺ – إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت)) وهذا كله بإرادة الله، فهو – جل وعلا – الذي ألهم موسى – ﷺ – أن يسأل نبينا – ﷺ – وأن يأمره بالرجوع إلى الله ليطلب التخفيف، فالحمد لله الذي أتم نعمته على عباده، وأظهر فضل أوليائه من رسله.
قوله: ((فعلا به إلى الجبار)) فيه دلالة صريحة واضحة على علو الله – تعالى – وأن الذي يصعد في العلو، يقرب من الله، وأن الذي في السماء أقرب إليه ممن في الأرض، وأن من في السماء السابعة أقرب إليه ممن هو تحتها، وهذا أمر فطر الله عليه عباده، لا ينكره إلا الجهمية والمعتزلة، ومن سلك نهجهم ممن اجتالتهم الشياطين فغيرت فطرهم، وزينت لهم تعطيل الله – تعالى – مما وصف به نفسه، وقد سبق الكلام في ذلك.
قوله: ((فقال وهو مكانه)) الضمير عائد إلى الرسول – ﷺ – أي: وهو في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى.
((يا رب، خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا)) إلى آخره، استدل بهذا أهل الأصول على جواز النسخ قبل التمكن من العمل، وعلى كل ففي هذا عظيم فضل الله ومنته على عباده، حيث أمر وأوجب، ثم لطف فخفف ورحم.
قوله: ((ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله، لقد راودت
стр. 930
بني إسرائيل قومي)) إلى آخره، هذا يدل على كمال نصح نبي الله وكليمه موسى – ﷺ – لهذه الأمة، ويدل على أن نبي إسرائيل قد فرض عليهم صلوات هي أقل مما فرض على هذه الأمة، كما يدل على أن الخلق يضعفون، كلما تأخروا في الزمن ضعفوا في جميع خلقهم وقواهم.
((فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشرة أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك)) هذا المقطع من الحديث صريح في أن الله – تعالى – كلم نبينا – ﷺ – بلا واسطة، وأنه سمع كلامه، وخطابه بقوله: ((يا محمد)) وأجابه النبي – ﷺ – بقوله: لبيك وسعديك.
وهذا ما قصده البخاري – ﵀ – إثباته وإيضاحه، ولا يخفى وضوحه.
وأم الكتاب هو: اللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل ما هو كائن.
وجعل الله إعطاء هذه الأمة بالحسنة عشر حسنات تخفيفاً.
ثم أمسكه موسى وأمره بالرجوع، وطلب التخفيف شفقة منه على هذه الأمة أن تعجز عن أمر الله فتهلك، فجزاه الله أعظم ما يجزي به أولياءه، ما أعظم نصحه وشفقته – ﷺ .
((قال رسول الله – ﷺ : يا موسى، قد – والله – استحييت من ربي مما اختلفت إليه)) أي: من كثرة التردد إليه، وفيه دليل على أن هناك مكاناً معيناً كان يتردد إليه هو أقرب إلى الله – تعالى – من المكان الذي فيه موسى – ﷺ .
لما قال لموسى ذلك قال له: فاهبط باسم الله متبركاً به ومستعيناً.
قوله: ((واستيقظ وهو في المسجد الحرام)) تقدم الكلام على هذه الفقرة.
((قال القرطبي: يحتمل أن يكون استيقاظاً من نومه نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها.
стр. 931
ويحتمل أن يكون المعنى: أفقت مما كنت فيه، مما خامره من مشاهدة الملأ الأعلى؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَد رَأىَ مِن أيَاتِ رَبّه الكُبرَىَ. (١) ﴾
قال ابن كثير بعد ما ذكر روايات الإسراء والمعراج: ((إذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها، وحسنها، وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله – ﷺ – من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء ﵈.
ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة، فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب، وقد صرح بعض المتأخرين بأنه – ﷺ – أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، ورأى أنه ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات.
وهذا بعيد جداً، ولم ينقل عن أحد من السلف.
ولو حصل هذا التعدد لأخبر به الرسول – ﷺ – أمته، ولنقله الناس.
والحق أنه أسري به مرة واحدة، يقظة لا مناماً، من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين.
ثم أُتي بالمعراج، وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على
стр. 932
الأنبياء الذين في السماوات بحسب مراتبهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف أقلام القدر بما هو كائن، وغشي سدرة المنتهى من أمر الله فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى جبريل على هيئته التي خلق عليها، له ستماِئَة جناح، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم مسنداً ظهره إليه، ورأى ما يدخله من الملائكة كل يوم سبعين ألف، لا يعودون إلى مثلها أبداً.
ورأى الجنة والنار، وفرضت عليه الصلوات، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه، يحتمل أنها صلاة الصبح.
ثم خرج راكباً البراق، وعاد إلى مكة بغلس)) . (١)
والمقصود أن الله موصوف بالتكلم في الماضي والحاضر والمستقبل، وأنه يكلم من يشاء من عباده بما يشاء، وأي وقت شاء، وقد كلم الله – تعالى – موسى كلاما حقيقياً سمعه موسى من الله، وموسى في الأرض، والله في السماء، وكذلك كلم محمداً وهو في السماء كما في هذه القصة، قال – تعالى- مخاطباً موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ (٢) ، وهذا بيان أوضح من النهار في أن الله – تعالى – خص موسى في الدنيا من بين الناس بكلامه، وفيه الدليل على أنه تعالى إذا شاء أن يكلم أحداً من خلقه لم يمنعه مانع، وأنه متصف بالكلام المتعلق بمشيئته دائماً.
*****
стр. 933
قال: ((باب كلام الرب مع أهل الجنة)) .
مراده بيان أن الله - تعالى - متصف بالكلام في كل وقت إذا شاء؛ لأن الكلام متعلق بمشيئته - تعالى - فأي وقت شاء أن يتكلم تكلم، وقد سبق أن الكلام صفة كمال، وفقده نقص يتقدس الله عنه، وسبق ذكر أنواع من كلام الله - تعالى-.
*****
١٤٤- قال: ((حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن الله - تعالى - يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا)) .
الظاهر أن هذا الخطاب الكريم من الله - تعالى - لعموم أهل الجنة، وأنه بعد استقرارهم فيها.
وأما قول الحافظ في استظهاره، أن هذا يقال للذين يخرجون من النار، بناء على أن هذا الحديث مختصر من الحديث الطويل السابق، الذي فيه المرور على الصراط، وفيه رؤية المؤمنين لربهم في الموقف، كما تقدم في باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، فليس فيه ما ذكر هنا، فيحتاج إلى دليل، وقد دل هذا الحديث بظاهره على أن هذا القول من الله - تعالى - لعموم أهل الجنة.
стр. 934
قال الحافظ: ((هذا الخطاب غير الخطاب الذي لأهل الجنة كلهم، وهو فيما أخرجه مسلم، وأحمد، من حديث صهيب، رفعه: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم موعداً عند الله، يريد أن ينجزكموه)) الحديث.
وفيه: ((فيكشف الحجاب، فينظرون إليه)) ، وفيه: ((فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه)) (١) .
وسبق معنى: لبيك، وسعديك.
قوله: ((والخير في يديك)) أي: أن الخلق لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً حتى تمن به عليهم، فكل خير مصدره منك، وكل شر فهو من المخلوق.
قوله: ((فيقول: هل رضيتم؟)) هو جل وعلا يعلم أنهم قد رضوا، ولا يخفى عليه شيء في صدورهم، ولكن يريد تقريرهم بالمنة والفضل الذي يسديه إليهم، وكل فضل نالهم، فهو - تعالى - ابتدأهم به من غير استحقاق له، ولا حق لهم عليه بل بمحض فضله، ومنَّته، وأول ذلك أن جعلهم مسلمين، ثم يسر لهم العمل الصالح الذي كان سبباً لدخولهم الجنة، ثم ثبتهم على الهدى حتى وافوه مؤمنين، فما أعظم منَّته عليهم.
قوله: ((فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك)) .
ولا يحسن أن يقولون غير هذا، وقد أعطاهم فوق ما يتصورون، فلا بد من الرضا، ولهذا لما قال: ((ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟)) يقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فهم يستبعدون أن يكون شيء أفضل مما هم فيه.
стр. 935
قوله: ((فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) .
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١) ﴾ .
فرضوان الله - تعالى - عليهم أكبر من الجنة وما فيها، وبذلك تمت سعادتهم، وكملت حياتهم، وطابت لذاتهم، لما رضي سيدهم عنهم.
والحديث واضح الدلالة على مقصود الترجمة، ففيه التصريح بأن الله - تعالى - يقول لأهل الجنة، فيسمعون قوله، ويجيبونه، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد علم أن ذلك يتكرر، وسبق أن كلام الله - تعالى - بمشيئته، فكلما شاء أن يتكلم تكلم، ويكلم من يشاء من خلقه.
*****
١٤٥- قال: ((حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يوما يحدث، وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال: أولست فيما شئت؟ قال: بلى ولكن أحب أن أزرع، فأسرع وبذر، فتبادر الطرف نباته، واستواؤه، واستحصاده، وتكويره، أمثال الجبال، فيقول الله - تعالى - ((دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: يا رسول الله، لا تجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع.
فضحك رسول الله ﷺ )) .
стр. 936
أهل البادية، خلاف الحاضرة؛ لعدم الساتر فيها من المباني ونحوها، وغالباً يكون عندهم جرأة في الكلام، وعدم مجاملة، ولذلك كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يحبون أن يكون معهم عند رسول الله ﷺ الرجل العاقل من أهل البادية، حتى يسأل رسول الله ﷺ فيستفيدوا من جوابه.
قوله: ((إن رجلاً من أهل الجنة)) الخ، قد فهم الأعرابي أن هذا الرجل كان في الدنيا زراعاً، ففيه دليل على إلف النفوس لما تزاوله من الأعمال، حتى تحبه، ويصير من مشتهياتها، ويكون لها فيه متعة وراحة، وهذا الرجل بقيت معه هذه المحبة إلى الجنة.
وفيه أن ما يشتهيه أهل الجنة من أمور الدنيا يمكن حصوله لهم، وأنهم يطلبون ما أرادوا من ربهم تعالى.
قوله: ((أولست فيما شئت؟)) يعني: لست بحاجة إلى الزرع، فكل ما تريده من مأكول، أو مشروب، أو غير ذلك بين يديك.
وقوله: ((بلى، ولكن أحب أن أزرع)) يعني: أن ذلك ليس عن حاجة، وإنما هو مجرد محبة للزرع الذي كان يزاوله في الدنيا.
قوله: ((فأسرع، وبذر، فتبادر الطرف نباته، واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال)) يعني: أن الله أذن له فبذر، وخرج الزرع فاستوى وانحصد، واجتمع حباً متراكماً أمثال الجبال في لحظة واحدة؛ لأن الجنة ليس فيها نصب وكد وتعب، وإنما فيها تنعم وراحة، وما يشتهون.
وهذا من عجائب قدرة الله القادر على كل شيء.
((فيقول: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء)) دونك منصوب على الإغراء، أي: خذ ثمار الزرع الذي طلبت.
ولا يفهم من قوله: ((فإنه لا يشبعك شيء)) أن الجنة يحصل فيها حاجة
стр. 937
وجوع، ولكن يدل على أن نفس الإنسان فيها من الشره فوق ما تحتاجه، وقول الأعرابي: لا نجد هذا، إلى آخره، من باب المزاح، والاعتزاز بأن هذا الرجل ليس من الأعراب، وإنما هو من أهل الزرع في الدنيا، وهم الحاضرة، وفيه تعريض بذلك الرجل، حيث طلب من الله ما لا يحسن طلبه؛ لأنه لا حاجة له فيه.
والشاهد من الحديث واضح جداً، فإن هذا الرجل خاطب ربه فكلمه، وتكرر كلامه معه، وهو من الأدلة الدالة على اتصاف الله - تعالى - بالكلام، وتعلقه بمشيئته، فمتى شاء الكلام تكلم.
قال: ((باب ذكر الله بالأمر، وذكر العباد بالدعاء والتضرع، والرسالة، والبلاغ؛ لقوله: ﴿فَاذكُرُونِي أَذكُركُم﴾ .
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ﴿٧١﴾ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ غمة: هم وضيق.
قال مجاهد: اقضوا إلى ما في أنفسكم، افرق: اقض.
وقال مجاهد: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ إنسان يأتيه، فيستمع ما يقول، وما أنزل عليه، فهو آمن حتى يأتيه فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاءه.
والنبأ العظيم: القرآن، صواباً: حقا في الدنيا، وعمل به)) .
مقصوده بهذا: بيان الفرق بين فعل الله وما هو صفة له، وبين فعل العبد
стр. 938
وما هو صفة له، والرد على الذين لم يفرقوا بين ذلك، كما أوضح ذلك في كتابه ((خلق أفعال العباد)) ، قال ﵀ بعد ما ذكر حديث أبي هريرة: ((يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله: حمدني عبدي)) الحديث قال: ((فبين أن سؤال العبد غير ما يعطيه الله للعبد، وأن قول العبد غير كلام الله، هذا من العبد الدعاء والتضرع، ومن الله الأمر والإجابة)) (١) .
وقال: ((وأما قوله: فهل يرجع إلى الله إلا باللفظ الذي تلفظ به.
فإن كان الذي تلفظ به قرآناً فهو كلام (٢) .
قيل له: ما قولك: تلفظ به؟ فإن اللفظ غير الذي تلفظ به؛ لأنك تلفظت بالله، وليس الله هو لفظك، وكذلك تلفظ بصفة الله بقول الله، وليس قولك: الله، هو الصفة، وإنما تصف الموصوف، فأنت الواصف، والله الموصوف بصفته، وكلامه، فهو الله)) (٣) .
يعني: أن اللفظ غير المتلفظ به، فإذا قرأ القرآن، فاللفظ هو فعل العبد وصوته بحركة لسانه وما يلزم للتلفظ، وأما الملفوظ به فهو كلام الله - تعالى -، وكذلك إذا وصفت الله بقوله - تعالى - الذي وصف به نفسه، كقوله تعالى: ﴿اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيوُّمُ﴾ فلفظك بهذه الآية ليست هي الصفة، ولكن لفظك بها فعلك، تصف الله بما قاله - تعالى - واصفاً به نفسه، هذا معنى قوله: ((وليس قولك: الله هو الصفة، إنما تصف الموصوف، فأنت الواصف، والله الموصوف بكلامه)) ثم قال:
стр. 939
((كالواصف الذي يصف الله بكلام غير الله)) يعني: أن العبد إذا وصف الله بكلام الله الذي وصف به نفسه، فالوصف فعل العبد، والكلام الذي وصف به الله هو كلامه - تعالى - وصفته، وهو - تعالى - الموصوف، وهذا معنى قوله: ((وأما الموصوف بصفته وكلامه فهو الله)) . ثم قال:
((ففي قولك: تلفظ به، وتقرأ القرآن، دليل بيَّن أنه غير القراءة، كما تقول: قرأت بقراءة عاصم، وقراءتك على قراءة عاصم، لا أن لفظك وكلامك، كلام عاصم بعينه، ألا ترى أن عاصما لو حلف أن لا يقرأ اليوم ثم قرأت أنت على قراءته لم يحنث عاصم؟)) (١) .
يعني: أن قولك: تلفظت به، كقولك: قرأت القرآن، فالتلفظ مثل القراءة، وهما غير المتلفظ به، والمقروء، كما تقول: قرأت بقراءة عاصم، يعني: قرأت على قراءة عاصم، أما قراءة عاصم فهي فعله)) ثم قال:
((وقال أحمد ﵀: لا يعجبني قراءة حمزة، ولا يقال: لا يعجبني القرآن)) (٢) ، وهذا واضح، فإن المراد فعل حمزة، وما فيه من المد الطويل، فأحمد كره فعل حمزة، لا ما يقرأ حمزة، ثم قال:
((واعتل بعضهم (٣) فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ . قيل له: إنما يقال: حتى يسمع كلام الله، لا كلامك، ونغمتك ولحنك؛ لأن الله فضل موسى بكلامه، ولو كنت تسمع الخلق كلام الله، كما أسمع الله موسى ﷺ لم يكن لموسى عليك فضل، إذا سمعت كلام الله وسمع موسى كلام الله، قال الله : ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾ (٤) .
стр. 940
حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا سليمان بن بلال،، عن شريك بن عبد الله، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ ليلة أسري به قال: ((رأيت موسى في السماء السابعة بتفضيل كلام الله)) (١) .
يعني: أن استدلال من يزعم أن لا فرق بين اللفظ والملفوظ، بقوله تعالى: ﴿اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ - استدلال باطل؛ لأن السامع لذلك يسمع كلام الله بصوت المبلغ ولفظه، لا بصوت الله - تعالى - ولفظه، ولو كان الأمر كما زعم هذا المستدل، لم يكن هناك فرق بين موسى حين كلمه الله، وبين من يسمع كلام الله ممن يتلوه، ويقرؤه، ثم استدل بالحديث حيث رأى موسى في السماء السابعة بتفضيله بكلام الله له، ولهذا قال:
((وإن ادعيت أنك تسمع الناس كلام الله، كما أسمع الله كلامه لموسى [لما] قال له: ﴿إنيِ أنَا رَبُّكَ﴾ فهذه دعوى الربوبية، إذ لم تميز بين قراءتك، وبين كلام الله، فإن الله تعالى قال: ﴿فَاذكُرُونِي أَذكُركُم﴾ ، ﴿فَاذكُرُوا اللهَ كَذكُِركُم﴾ [وهذا] يشرح أن ذكر العبد ربه غير ذكر الله عبده، لأن ذكر العبد: الدعاء والتضرع، وذكر الله: الإجابة، كما قال الله ، وقال النبي ﷺ : ((إني لا أقول إلا ما في القرآن)) .
حدثنا ضرار، حدثنا صفوان بن أبي الصهباء، عن بكير بين عتيق، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله : من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) .
وقال النبي ﷺ : ((بينا أنا في الجنة، سمعت صوت رجل بالقرآن)) . فبين أن الصوت غير القرآن.
حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن سليمان، عن موسى بن عقبة وابن
стр. 941
أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بينا أنا أمشي في الجنة، سمعت صوت رجل بالقرآن، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا حارثة بن النعمان، فذلكم البر، فذلكم البر)) ، وكان حارثة من أبر الناس.
ويقال له: أصفة الله - جل ذكره - وعلمه، وكلامه، وأسماؤه، وعزته، وقدرته، بائن من الله - تعالى - أم لا؟
أو قولك وكلامك بائن من الله أم لا؟)) (١) .
يعني: أن كلام الله مثل صفاته الأخرى، من العزة والقدرة، لا يكون شيء منها مفارقاً لله - تعالى - وبائناً منه، بخلاف كلام الخلق وأقوالهم فإنها بائنة من الله، وليست من صفاته، بل صفات لمن قالها، وتكلم بها. ثم قال:
((وقال الله - تعالى -: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴿٣٩﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (٢) .
وقال : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ﴾ (٣) ، فالإبلاغ، والإنذار من نوح، وهو نذير مبين، يأمرهم بطاعة الله، وأما الغفران، فإنه من الله؛ لقوله : ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ ، ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا﴾ .
فذكر الدعاء سراً وعلانية من نوح، وذكر فعل نوح بقومه. ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٢﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ فذكر خلق القوم طوراً بعد طور.
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا
стр. 942
لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١) .
حدثنا موسى، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت، فجلس في بيته، وقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول، وقد حبط عملي، وأنا من أهل النار. ففقده النبي ﷺ فأتاه رجل فقال: إنه يقول: كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : هو من أهل الجنة. وكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة.
فلما كان يوم اليمامة كان من بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط، وقال: بئس ما تعودون أقرانكم، فقاتل حتى قتل)) (٢) .
وقد سمى ابن عمر الصوت بالقرآن: عبادة.
حدثني أبو يعلى محمد بن الصلت، حدثنا أبو صفوان، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن، أبيه قال: ((أول ما ينقص من العبادة: التهجد بالليل، ورفع الصوت فيها بالقراءة)) .
وقال النبي ﷺ : ((لا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة)) .
وقال ابن مسعود: قال النبي ﷺ لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون به: ((خلطتم عليَّ)) ، يقول: علت أصواتكم فشغلتموني برفعها فوق صوتي، فخلطتم عليَّ، فنهى النبي ﷺ أن يرفع بعضهم على بعض صوته، ولا يخلطون على الناس في جهرهم، وأصواتهم، ولم ينه عن القرآن، ولا عن كلام الله الذي كلم به موسى قبل أن يخلق هذه الأمة.
стр. 943
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن ربيعة بن زيد، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، أنها قالت: ﴿وَلِذِكرُ اللهِ أَكبَرُ﴾ ، وإن صليت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله، فهو من ذكر الله، وكل شر تجنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيح الله)) .
وقال موسى: ﷺ : ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ (٢) .
وقال بعضهم في قوله : ﴿يَزِيدُ فيِ الخَلقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال: الصوت الحسن.
وقال : ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمرِ رَبِكَ﴾ فبين أن التنزيل غير الأمر.
وقال بعضهم: إن أكثر مغاليط الناس من هذه الأوجه، الذين لم يعرفوا المجاز من التحقيق، ولا الفعل من المفعول، ولا الوصف من الصفة.
ولم يعرفوا الكذب لم صار كذباً؟ ولا الصدق لما صار صدقاً؟
فأما بيان المجاز من التحقيق، فمثل قول النبي ﷺ للفرس: ((وجدته بحراً)) - وهو الذي يجوز بين الناس - وتحقيقه أن مشيه حسن.
ومثل قول القائل: علم الله معنا، وفينا، وأنا في علم الله، إنما المراد من ذلك أن الله يعلمنا، وهو التحقيق، وأشباهه في اللغات كثيرة.
وأما الفعل من المفعول: فالفعل إنما هو إحداث الشيء، والمفعول هو الحدث؛ لقوله: ﴿خَلَقَ السَمَاواتِ وَالأرضَ﴾ (٣) .
стр. 944
فالسماوات، والأرض مفعوله، وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول، فتخليق السماوات فعله؛ لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل، وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله.
ففعله من ربوبيته حيث يقول: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ و ((كن)) من صفته، وهو الموصوف به، كذلك قال رب السماوات، ورب الأشياء.
وقال النبي ﷺ : ((رب كل شيء ومليكه)) .
وكذلك مؤدى جميع لغات الخلق، من غير اختلاف بينهم، وإنما هو الفاعل والفعل والمفعول.
فالفعل صفة، والمفعول غيره، وبيان ذلك في قوله - تعالى - ﴿مَا أَشهَدتُّهُم خَلق َ السَمَاواتِ وَالأرضَ وَلاَ خَلقَ أَنفُسهِم﴾ (١) .
ولم يرد بخلق السماوات نفسها، قد ميز فعل السماوات من السماوات وكذلك فعل جملة الخلق.
وقوله: ﴿وَلاَ خَلقَ أَنفُسهِم﴾ فقد ميز الفعل والنفس، ولم يصر فعله خلقاً.
وأما الوصف من الصفة: فالوصف إنما هو قول القائل، حيث يقول: هذا رجل طويل، وثقيل، وجميل، وحديد، فالطول، والجمال، والحدة، والثقل إنما هو صفة الرجل، وقول القائل وصف.
كذلك إذا قال: الله رحيم، والله عليم، والله قدير، فقول القائل وصف، وهو عبادة، والرحمة، والعلم، والقدرة، والكبرياء، والقوة، كل هذا صفاته)) (٢) .
стр. 945
يعني: أن فعل الواصف الذي هو قوله يصف الموصوف إذا تكلم بذلك ونطق به، يسمى وصفاً، وهو عبادة إذا كان يصف الله - تعالى -؛ لأنه يثني عليه بذكر صفته.
وأما الصفة: فهي قائمة بالموصوف، لا تفارقه، مثل رحمة الله، وعلمه وقدرته، وقوته، وعزته، وكبريائه، وغير ذلك من أوصافه.
ثم قال: ((وأما الكذب من الصدق: فقول القائل: فلان ها هنا وهو غائب، فهو كذب.
فلو كان حاضراً لكان صدقاً، والكلمة واحدة، وإنما صار كذباً وصدقاً لحال المعنى.
وكذلك لو أن رجلاً قال: إن الله رحيم، ويرحم، والله عليم ويعلم، والله قدير ويقدر، والله سميع ويسمع، ولم يكن لقوله
معنى كما وصفنا في شأن الكذب والصدق، لكان قوله كذباً، وإنما صار هذا القول صدقاً وعبادة وطاعة لحال المعنى.
واختلف الناس في الفاعل والمفعول، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، ليست من الله.
وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله.
وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، لذلك قالوا: ((كن)) مخلوق.
وقال أهل العلم: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) . يعني: السر والجهر من القول.
стр. 946
ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق.
ويقال لمن زعم أني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف، ولكن القرآن بعينه في المصحف، يلزمك أن تقول: إن ما ذكر الله في القرآن من الجن، والإنس، والملائكة، والمدائن، ومكة، والمدينة، وغيرهما، وإبليس، وفرعون، وهامان، وجنودهما، والجنة، والنار: عاينتهم بأعيانهم في المصحف؛ لأن فرعون مكتوب فيه، كما أن القرآن مكتوب فيه.
ويلزمك أكثر من هذا، حين تقول في المصحف: [الله، لأنه مكتوب فيه ﴿اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيوُّمُ﴾ . وهذا أمر بيِّن؛ لأنك تضع يدك على هذه الآية، وتراها بعينك] (١) .
فلا يشك عاقل بأن الله هو المعبود، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيوُّمُ﴾ (٢) هو قرآن.
وكذلك جميع القرآن هو قوله - تعالى - والقول صفة القائل، موصوف به.
فالقرآن قول الله .
والقراءة، والكتابة، والحفظ للقرآن، هو فعل الخلق، وهو طاعة الله ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّه﴾ (٤)
стр. 947
وقال تعالى: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِكرِ فَهَلَ مِن مُدَّكِرِ﴾ (١) وقال : ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (٢) فذلك كله مما أمر الله به.
ولذلك قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَلاةَ﴾ فالصلاة بجملتها طاعة الله، وقراءة القرآن من جملة الصلاة.
فالصلاة طاعة لله، والأمر بالصلاة قرآن، وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على الألسن.
والقراءة، والحفظ، والكتابة، مخلوق، وما قرئ، وحفظ، وكتب ليس بمخلوق.
ومن الدليل عليه: أن الناس يكتبون الله، ويحفظونه، ويدعونه، فالدعاء والحفظ والكتابة من الناس مخلوق، ولا شك فيه.
والخالق الله بصفته.
ويقال له: أترى القرآن في المصحف؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن من صفات الله ما يرى في الدنيا، وهذا رد لقول الله : ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (٣) في الدنيا، وإن قال: يرى كتابة القرآن فقد رجع إلى الحق.
ويقال له: هل تدرك إلا اللون؟ فإن قال: لا، قيل له: وهل يكون اللون إلا في الجسم؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن القرآن جسم يرى)) (٤) .
يعني: أن الذي في المصحف هو كتابة القرآن، والكتابة فعل العباد، أما القول فلا يرى، وإنما يسمع، وهو صفة القائل قائم به.
стр. 948
والمقصود: أن وجود القرآن في المصحف ليس كوجود الأعيان المشاهدة، وإن كان له وجود حقيقي، فقد اتفق المسلمون على أن القرآن في المصحف قال ابن القيم: ((من المعلوم بالفطرة المستقرة عند العقلاء قاطبة أن الكلام يكتب في المحالِّ من الرق والخشب وغيرهما، ويسمى محله كتاباً، ويسمى نفس المكتوب كتاباً.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرآنٌ كَريمٌ ﴿٧٧﴾ فيِ كِتَابِ مَكنُونِ﴾ . ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَو نَزَّلنَا عَلَيكَ كِتاباً فيِ قرِطَاسٍ﴾ . وقوله تعالى: ﴿يَتلُواْ صُحُفَاً مُطَهَّرةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِمَةٌ﴾ .
والقول بأن الكلام في الصحيفة من العلم العام الذي لم ينازع فيه أحد من العقلاء إذا سلمت الفطرة من الانحراف، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (١) وفي حديث ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٢) ، ومعلوم بالضرورة أنه لا محذور في السفر إلى أرض العدو بالمداد والورق، وإنما المحذور أن يسافر بالكلام الذي تضمنه الورق)) (٣) . وسيأتي مزيد لهذا في موضعه.
وقد أطلت النقل عن البخاري ﵀؛ لأن ذلك مراد فيما ترجم به، فهو كالشرح له، وبذلك وضح مقصده وضوحاً جلياً.
فقوله: ((ذكر الله بالأمر)) أي: أمره الذي يأمر به عباده، وهو صفته، فإذا أمرهم فقد ذكرهم، وكذلك إذا رحمهم وأنعم عليهم، فقد ذكرهم.
((وذكر العباد بالدعاء والتضرع، والرسالة والبلاغ)) أي: ذكرهم الله بأن
стр. 949
يدعوه، ويتضرعوا إليه، ويفعلوا ما أمرهم به، ودعاؤهم بذكر أسمائه وصفاته، وثناؤهم عليه بها.
وكذلك القيام بإبلاغ رسالته، التي أرسل بها رسله.
قوله: ((لقوله تعالى: ﴿فَاذكُرُونِي أَذكُركُم﴾ قال الحسن: اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي)) . وقال سعيد بن جبير: ((اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي)) وفي رواية ((برحمتي)) (١) .
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اذكر لقومك، وقص عليهم خبر نبي الله نوح ﷺ ، حين قال لقومه يبلغهم رسالة ربه إليهم، وذلك من ذكره لربه: إن كان عظم عليكم، وشق بكم قيامي فيكم أذكركم بنعم الله، وأخوفكم نقمه، وأدعوكم إلى طاعته وتوحيده بالعبادة والطاعة، إن كان ذلك عَظُمَ عليكم فتهيؤوا واستعدوا لما تريدون أن تصنعوه بي، فإني توكلت على الله لا على غيره، فسوف يكفيني ويحميني، أما أنتم فأجمعوا قوتكم، واستعينوا بمعبوداتكم من دون الله، واحذروا أن يكون أمركم عليكم وبالاً وعذاباً ونكالاً، وهمَّاً وضيقاً؛ لأنكم تحاربون الله ورسوله ومن كان حربا لله ورسوله، فهو مخذول، ومرذول ومقهور.
﴿ثُمَّ اقضُواْ إِلىَّ وَلاَ تُنظِروُنِ﴾ أي: عجلوا إليَّ بما تريدون أن تصنعونه بي، ولا تؤخروني ساعة، فهو ﷺ يتحداهم بذلك؛ لأنه واثق بالله تمام الثقة، فلم يستطيعوا أن ينالوه، وهذا من علامات نبوته، كيف رجل واحد، لا جنود معه ولا سلطة، يقف أمام هذه الأمة العظيمة يتحداهم بأن ينزلوا به كل ما يستطيعون من عذاب، ويستحثهم على ذلك، فلا يستطيعون أن يصلوا إليه بأذى مع عداوتهم الشديدة له؟
стр. 950
﴿فَإِن تَوَلَّيتُم فَمَا سَأَلتُكُم مِن أَجرٍ﴾ أي: إن أعرضتم عما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ولم أطلب منكم على ذلك شيئاً من أموالكم، ولكن أجري على ربي، فهو الذي سيجزيني على إبلاغ رسالته إليكم، وهذا كله من ذكر نوح ﵇ لربه.
﴿وَأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِنَ المُسلِمينَ﴾ يعني: أمرني ربي أن أسلم له وأنقاد لأمره، مذعناً، خائفاً من عذابه، راجياً ثوابه، وهذا من ذكر الله - تعالى - لعبده ورسوله نوح ﵇.
((افرق)) اقض. كلمة افرق في آية أخرى، ولكن عادة البخاري ﵀ أنه يذكر النظير مع نظيره، لاجتماعهما في المعنى، ولهذا ذكر قوله تعالى: ﴿النَّبأِ العَظيمِ﴾ ؛ لمناسبته مع قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ .
وما ذكره عن مجاهد في الآية واضح، ومراده أن المستجير يسمع كلام الله من المبلغ بصوت المبلغ، ونطقه، وصوته ونطقه من فعله، وهو مخلوق، أما المبلغ المنطوق به، فهو كلام الله - تعالى - وصفته، كما تقدم بيان ذلك من كلام البخاري، ﵀.
وقوله: ((صواباً: حقاً في الدنيا وعمل به)) . قال ابن بطال: ((يريد قوله تعالى: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ أي: حقاً في الدنيا، وعمل به، فهو الذي يؤذن له في الكلام، بين يدي الله بالشفاعة لمن أذن له.
قلت (١) : وهذا وصله الفريابي، عن مجاهد، بالسند المذكور.
قال الكرماني: عادة البخاري أنه إذا ذكر آية لمناسبة الترجمة، يذكر معها ما يتعلق بتلك السورة، التي فيها تلك الآية مما ثبت عنده من تفسير ونحوه، على سبيل التبعية، وكأنه لم يظهر له وجه مناسبة هذه الآية الأخيرة بالترجمة.