ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق.
ويقال لمن زعم أني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف، ولكن القرآن بعينه في المصحف، يلزمك أن تقول: إن ما ذكر الله في القرآن من الجن، والإنس، والملائكة، والمدائن، ومكة، والمدينة، وغيرهما، وإبليس، وفرعون، وهامان، وجنودهما، والجنة، والنار: عاينتهم بأعيانهم في المصحف؛ لأن فرعون مكتوب فيه، كما أن القرآن مكتوب فيه.
ويلزمك أكثر من هذا، حين تقول في المصحف: [الله، لأنه مكتوب فيه ﴿اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيوُّمُ﴾ . وهذا أمر بيِّن؛ لأنك تضع يدك على هذه الآية، وتراها بعينك] (١) .
فلا يشك عاقل بأن الله هو المعبود، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيوُّمُ﴾ (٢) هو قرآن.
وكذلك جميع القرآن هو قوله - تعالى - والقول صفة القائل، موصوف به.
فالقرآن قول الله .
والقراءة، والكتابة، والحفظ للقرآن، هو فعل الخلق، وهو طاعة الله ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّه﴾ (٤)
стр. 947
وقال تعالى: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِكرِ فَهَلَ مِن مُدَّكِرِ﴾ (١) وقال : ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (٢) فذلك كله مما أمر الله به.
ولذلك قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَلاةَ﴾ فالصلاة بجملتها طاعة الله، وقراءة القرآن من جملة الصلاة.
فالصلاة طاعة لله، والأمر بالصلاة قرآن، وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على الألسن.
والقراءة، والحفظ، والكتابة، مخلوق، وما قرئ، وحفظ، وكتب ليس بمخلوق.
ومن الدليل عليه: أن الناس يكتبون الله، ويحفظونه، ويدعونه، فالدعاء والحفظ والكتابة من الناس مخلوق، ولا شك فيه.
والخالق الله بصفته.
ويقال له: أترى القرآن في المصحف؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن من صفات الله ما يرى في الدنيا، وهذا رد لقول الله : ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (٣) في الدنيا، وإن قال: يرى كتابة القرآن فقد رجع إلى الحق.
ويقال له: هل تدرك إلا اللون؟ فإن قال: لا، قيل له: وهل يكون اللون إلا في الجسم؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن القرآن جسم يرى)) (٤) .
يعني: أن الذي في المصحف هو كتابة القرآن، والكتابة فعل العباد، أما القول فلا يرى، وإنما يسمع، وهو صفة القائل قائم به.
стр. 948
والمقصود: أن وجود القرآن في المصحف ليس كوجود الأعيان المشاهدة، وإن كان له وجود حقيقي، فقد اتفق المسلمون على أن القرآن في المصحف قال ابن القيم: ((من المعلوم بالفطرة المستقرة عند العقلاء قاطبة أن الكلام يكتب في المحالِّ من الرق والخشب وغيرهما، ويسمى محله كتاباً، ويسمى نفس المكتوب كتاباً.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرآنٌ كَريمٌ ﴿٧٧﴾ فيِ كِتَابِ مَكنُونِ﴾ . ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَو نَزَّلنَا عَلَيكَ كِتاباً فيِ قرِطَاسٍ﴾ . وقوله تعالى: ﴿يَتلُواْ صُحُفَاً مُطَهَّرةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِمَةٌ﴾ .
والقول بأن الكلام في الصحيفة من العلم العام الذي لم ينازع فيه أحد من العقلاء إذا سلمت الفطرة من الانحراف، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (١) وفي حديث ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٢) ، ومعلوم بالضرورة أنه لا محذور في السفر إلى أرض العدو بالمداد والورق، وإنما المحذور أن يسافر بالكلام الذي تضمنه الورق)) (٣) . وسيأتي مزيد لهذا في موضعه.
وقد أطلت النقل عن البخاري ﵀؛ لأن ذلك مراد فيما ترجم به، فهو كالشرح له، وبذلك وضح مقصده وضوحاً جلياً.
فقوله: ((ذكر الله بالأمر)) أي: أمره الذي يأمر به عباده، وهو صفته، فإذا أمرهم فقد ذكرهم، وكذلك إذا رحمهم وأنعم عليهم، فقد ذكرهم.
((وذكر العباد بالدعاء والتضرع، والرسالة والبلاغ)) أي: ذكرهم الله بأن
стр. 949
يدعوه، ويتضرعوا إليه، ويفعلوا ما أمرهم به، ودعاؤهم بذكر أسمائه وصفاته، وثناؤهم عليه بها.
وكذلك القيام بإبلاغ رسالته، التي أرسل بها رسله.
قوله: ((لقوله تعالى: ﴿فَاذكُرُونِي أَذكُركُم﴾ قال الحسن: اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي)) . وقال سعيد بن جبير: ((اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي)) وفي رواية ((برحمتي)) (١) .
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اذكر لقومك، وقص عليهم خبر نبي الله نوح ﷺ ، حين قال لقومه يبلغهم رسالة ربه إليهم، وذلك من ذكره لربه: إن كان عظم عليكم، وشق بكم قيامي فيكم أذكركم بنعم الله، وأخوفكم نقمه، وأدعوكم إلى طاعته وتوحيده بالعبادة والطاعة، إن كان ذلك عَظُمَ عليكم فتهيؤوا واستعدوا لما تريدون أن تصنعوه بي، فإني توكلت على الله لا على غيره، فسوف يكفيني ويحميني، أما أنتم فأجمعوا قوتكم، واستعينوا بمعبوداتكم من دون الله، واحذروا أن يكون أمركم عليكم وبالاً وعذاباً ونكالاً، وهمَّاً وضيقاً؛ لأنكم تحاربون الله ورسوله ومن كان حربا لله ورسوله، فهو مخذول، ومرذول ومقهور.
﴿ثُمَّ اقضُواْ إِلىَّ وَلاَ تُنظِروُنِ﴾ أي: عجلوا إليَّ بما تريدون أن تصنعونه بي، ولا تؤخروني ساعة، فهو ﷺ يتحداهم بذلك؛ لأنه واثق بالله تمام الثقة، فلم يستطيعوا أن ينالوه، وهذا من علامات نبوته، كيف رجل واحد، لا جنود معه ولا سلطة، يقف أمام هذه الأمة العظيمة يتحداهم بأن ينزلوا به كل ما يستطيعون من عذاب، ويستحثهم على ذلك، فلا يستطيعون أن يصلوا إليه بأذى مع عداوتهم الشديدة له؟
стр. 950
﴿فَإِن تَوَلَّيتُم فَمَا سَأَلتُكُم مِن أَجرٍ﴾ أي: إن أعرضتم عما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ولم أطلب منكم على ذلك شيئاً من أموالكم، ولكن أجري على ربي، فهو الذي سيجزيني على إبلاغ رسالته إليكم، وهذا كله من ذكر نوح ﵇ لربه.
﴿وَأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِنَ المُسلِمينَ﴾ يعني: أمرني ربي أن أسلم له وأنقاد لأمره، مذعناً، خائفاً من عذابه، راجياً ثوابه، وهذا من ذكر الله - تعالى - لعبده ورسوله نوح ﵇.
((افرق)) اقض. كلمة افرق في آية أخرى، ولكن عادة البخاري ﵀ أنه يذكر النظير مع نظيره، لاجتماعهما في المعنى، ولهذا ذكر قوله تعالى: ﴿النَّبأِ العَظيمِ﴾ ؛ لمناسبته مع قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ .
وما ذكره عن مجاهد في الآية واضح، ومراده أن المستجير يسمع كلام الله من المبلغ بصوت المبلغ، ونطقه، وصوته ونطقه من فعله، وهو مخلوق، أما المبلغ المنطوق به، فهو كلام الله - تعالى - وصفته، كما تقدم بيان ذلك من كلام البخاري، ﵀.
وقوله: ((صواباً: حقاً في الدنيا وعمل به)) . قال ابن بطال: ((يريد قوله تعالى: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ أي: حقاً في الدنيا، وعمل به، فهو الذي يؤذن له في الكلام، بين يدي الله بالشفاعة لمن أذن له.
قلت (١) : وهذا وصله الفريابي، عن مجاهد، بالسند المذكور.
قال الكرماني: عادة البخاري أنه إذا ذكر آية لمناسبة الترجمة، يذكر معها ما يتعلق بتلك السورة، التي فيها تلك الآية مما ثبت عنده من تفسير ونحوه، على سبيل التبعية، وكأنه لم يظهر له وجه مناسبة هذه الآية الأخيرة بالترجمة.
стр. 951
والذي يظهر في مناسبتها: أن تفسير قوله: ﴿صَوَاباً﴾ بقول الحق والعمل به في الدنيا يشمل ذكر الله باللسان، والقلب مجتمعين، ومنفردين، فناسب قوله: ((ذكر العباد بالدعاء والتضرع)) انتهى (١) .
****
قال: باب قول الله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِين﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ .
قال في ((اللسان)) : ((الند بالكسر: المثل والنظير، وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره، ويناده، أي: يخالفه.
قال الأخفش: الند: الضد، والشبه، وقوله: ((يجعلون لله أنداداً)) أي: أضداداً، واشباهاً، قال حسان:
أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء
أي: لست له بمثل في شيء من معاينة)) (٢) .
وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداًً﴾ الأنداد جمع ند، والند: العدل، والمثل، كما قال حسان، ثم ذكر البيت، ثم قال: يعني: بقوله: ((ولست له بند)) : لست له بمثل، ولا عدل. وكل شيء كان نظيراً لشيء وشبيهاً فهو له ند. ثم ذكر بسنده إلى قتادة، قال: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداًً﴾ أي: عدلاء، وعن مجاهد: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداًً﴾ أي: عدلاء.
стр. 952
وعن ابن عباس وابن مسعود: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداًً﴾ أي: أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله.
وعن ابن أبي زيد: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له، وعن ابن عباس: أشباهاً.
وعن عكرمة: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداًً﴾ أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، ولولا كلبنا صاح في الدار، ونحو ذلك، فنهاهم الله - تعالى - أن يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له نداً، وعدلاً، في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكاً ونداً من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم مني)) (١) .
وفي ((الدر المنثور)) : ((أخرج الطستي، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله ﴿أَندَاداًً﴾ ؟ قال: الأشباه والأمثال، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد:
أحمد الله فلا نِدَّ له بيديه الخير ماشا فعل
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد)) والنسائي وابن ماجه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ : ((ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نداً؟ ما شاء الله وحده)) .
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة،
стр. 953
والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: ((لا تقولوا: ما شاء الله وفلان، قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان)) وذكر أحاديث في ذلك (١) .
وهذا يدل على أن جعل الند لله عام في الأفعال، والأقوال، والنيات، ويكون في الشرك الأكبر، والأصغر، كما في الرواية عن عكرمة: هو قول الرجل: لولا كلبنا لدخل علينا اللصوص.
وكذلك في كل ما هو لله فشرك المخلوق فيه، مثل أن يجعل كلامه تعالى ككلام عباده، أو صفة من صفاته كصفة عباده، فيكون بذلك جعل لله نداً، وهذا مراد البخاري ﵀ من الاستدلال بهذه الآيات التي ذكرها هنا.
قال ابن كثير: ((وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن محمد، عن عكرمة، أو سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأنتُم تَعلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه، وهكذا قال قتادة.
ثم ذكر عن ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداًً﴾ .
قال: الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص.
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: ((لولا الله
стр. 954
وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك)) (١)
وهذا تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعظم، وذلك أن الشرك أن يجعل المخلوق مشاركاً لله في شيء من خصائص الله مطلقاً، كما سبق قريباً، فالحلف بغير الله شرك، سواء كان المحلوف به معظماً كالنبي والكعبة، أو غير معظم، ويدخل في ذلك مراد البخاري كما أشرت إليه.
((قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب، إثبات نسبة الأفعال كلها لله - تعالى - سواء كانت من المخلوقين خيراً أو شراً، فهي لله - تعالى - خلق وللعباد كسب، ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله - تعالى - فيكون شريكاً ونداً، ومساوياً له.
وقال الكرماني: الترجمة مشعرة بأن المقصود إثبات نفي الشريك عن الله سبحانه - تعالى -، فكان المناسب ذكره في أوائل كتاب التوحيد.
لكن ليس المقصود هنا ذلك، بل المراد بيان كون أفعال العباد بخلق الله - تعالى - إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أنداداً لله، وشركاء له في الخلق، ولهذا عطف ما ذكر.
وتضمن الرد على الجهمية في قولهم: لا قدرة للعبد أصلاً، وعلى المعتزلة، حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله - تعالى- فيها.
والمذهب الحق: ((أن لا جبر ولا قدر، بل أمر بين أمرين)) (٢) .
يعني: لا جبر، كما تقول الجهمية الذين جعلوا العبد كالآلة، لا قدرة له ولا اختيار.
стр. 955
ولا ينفى تقدير الله – تعالى – لأفعال العباد في الأزل، وخلقها، كما تقوله المعتزلة، بل الحق إثبات قدرة العبد، وأنه يفعل باختياره، وإرادته، لا أحد يجبره على الفعل، والله – جل وعلا – خلقه وخلق أفعاله، وقدر عليه كل ما يجري عليه قبل إيجاده، وكتب ذلك، وعلمه تعالى محيط بكل شيء، ونفس فعل العبد، وإن كان الله خالقه، فالعبد هو الفاعل لفعله حقيقة، فهو المتحرك بالأفعال، باختياره، وبه قامت أفعاله، ومنه صدرت، والله خالقه، وخالق أفعاله.
قال الحافظ: ((غرضه هنا الرد على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو، ولذلك أتبع هذا الباب بالتراجم المتعلقة بذلك، مثل باب: ﴿لاَ تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ ، وباب ﴿وَأَسِرُّواْ قَولَكُم أَوِ اجهَرُواْ بَهِ﴾ وغيرهما.
وهذه المسألة هي المشهورة بمسألة اللفظ، ويقال لأصحابها: اللفظية.
وقد ظن بعضهم أن البخاري خالف أحمد فيها، وليس كذلك، بل من تأمل كلامه لم يجد فيه خلافاً معنوياً.
لكن العالم من شأنه إذ ابتلي في رد بدعة يكون أكثر كلامه في ردها، دون ما يقابلها.
فلما ابتلي أحمد بمن يقول: القرآن مخلوق، كان أكثر كلامه في الرد عليهم حتى بالغ، فأنكر على من يقف، ولا يقول: مخلوق، ولا غير مخلوق، وعلى من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لئلا يتذرع بذلك من يقول: القرآن بلفظي مخلوق، مع أن الفرق بينهما واضح لا يخفى عليه، لكنه قد يخفى على البعض (١) .
стр. 956
وأما البخاري، فابتلي بمن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة، حتى بالغ بعضهم، فقال: والمداد، والورق بعد الكتابة.
فكان أكثر كلامه في الرد عليهم، وبالغ في الاستدلال بأن أفعال العباد مخلوقة بالآيات والأحاديث، وأطنب في ذلك حتى نسب أنه من اللفظية)) (١) .
وقال أبو بكر الضبعي: ((لم يزل الله متكلماً، ولا مثل لكلامه؛ لأنه نفى المثل عن صفاته، كما نفى المثل عن ذاته، ونفى
النفاد عن كلامه، كما نفى الهلاك عن نفسه، فقال: ﴿لَنَفِذَ البَحَرُ قَبلَ أَن تَنفَذَ كَلِمَاتُ رَبيِ﴾ وقال: ﴿كُلُ شَيءٍ هَالِك إِلا وَجهَهُ﴾ (٢) .
فيجب التفرقة بين ما هو لله صفة وفعلاً، وبين ما هو للمخلوق صفة وفعلاً، وأن يوحد الله في خصائصه وحقوقه، وأن لا يجعل لأحد من الخلق شركة في صفات الله وأفعاله، ومن ذلك الفرق بين أفعال التالي لكتاب الله، وما هو صفة لله وهو كلامه المتلو.
ومذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء وهو ربه ومالكه، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه خلق العبد هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً.
وإن العبد فاعل لأفعاله حقيقة، وله مشيئة وقدرة حقيقة، كما قال تعالى:
стр. 957
﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ اتَخَذَ إِلىَ رَبِهِ سَبِيلاً﴾ (٢) .
فبيَّن تعالى أن العباد لهم مشيئة يفعلون بها إذا شاؤوا، وأنها تابعة لمشيئة الله؛ لأنه المالك لكل شيء، المتصرف فيه.
وزعمت المعتزلة أن أفعال العباد القبيحة، من الكفر والمعاصي، غير داخلة في مشيئة الله وتقديره؛ لأن الله منزه عن فعل القبيح باتفاق المسلمين.
وقالت الجبرية: ليس للعبد فعل في الحقيقة، والأفعال كلها لله، والعبد كاسب لا فاعل، وقدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها، غير أن الله – تعالى – أجرى العادة بخلق مقدورها مقارناً لها، فيكون الفعل خلقاً من الله، وإبداعاً وإحداثاً منه تعالى، وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته، والعبد ليس محدثاً لأفعاله، ولا موجداً لها. وهذا قول الأشعرية، ومع ذلك ينكرون أن يكونوا جبرية؛ لأنهم يقولون: نحن نثبت للعبد قدرة حادثة، والجبرية لا تثبت ذلك.
وفرقوا بين الكسب الذي أثبتوه للعبد، وبين الخلق الثابت لله، بأن الكسب: عبارة عن اقتران قدرة العبد الحادثة بالمقدور، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة.
وبأن الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه، والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه.
وهذا فرق لا حقيقة له، فإن كون المقدور في محل القدرة، أو خارجاً
стр. 958
عن محلها، لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه.
والصواب أنه لا فرق بين كون العبد فاعلاً الفعل، أو كاسباً له، فإن الكسب مرادف للفعل والعمل، فيقال: فعل وعمل، وكسب وأوجد، وأحدث وصنع، كلها بمعنى واحد.
وعمل العبد، وصنعه، وإحداثه، وكسبه، مقدور له بقدرته الحادثة، وهو قائم في محل القدرة.
والاقتران الذي ذكروه، لا يكون كسباً، ولا فعلاً، وإنما هو تخيل لا حقيقة له.
وأصل خطئهم من عدم التفريق بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول، وزعمهم أن الله – تعالى – ليس له أفعال تقوم به، وأن فعله للشيء هو عين المفعول.
ومن المستقر في الفطر والعقول: أن فاعل الإيمان هو العبد المؤمن، وفاعل الكفر هو العبد الكافر، وفاعل الصدق هو الصادق، وفاعل الكذب هو الكاذب، وفاعل الظلم هو الظالم، كما أن فاعل الأكل هو الآكل، وفاعل الشرب هو الشارب.
وهكذا كل فعل لا بد أن يقوم بالفاعل، كما أن العالم: مَنْ قام به العلم، والحي: مَنْ قامت به الحياة، وكل صفة تقوم بالمتصف بها.
والقرآن مملوء بما يدل على هذا كقوله – تعالى -: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿إِنَّ
стр. 959
الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (١) ، وأمثالها كثير جداً.
واتفق العقل مع الشرع على أن العبد يحمد ويذم على فعله.
قال شيخ الإسلام: ((قول القائل: هذا فعل هذا، وعمل هذا، لفظ فيه إجمال، فإنه تارة يراد بالعمل نفس الفعل، وتارة يراد مسمى المصدر، فيقول: فعلت هذا، أفعله فعلاً، وعملت هذا أعمله عملاً، فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر، كصلاة الإنسان، وصيامه، ونحو ذلك، فالعمل هنا هو المعمول، وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل.
وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب، وبناء الدار، ونحو ذلك، فالعمل هنا غير المعمول، قال الله – تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ (٢) ، فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن.
ومن هذا الباب: قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعملُونَ﴾ ، فإنه في أصح القولين ((ما)) بمعنى الذي، والمراد به ما تنحتونه من الأصنام، كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣) أي: والله خلقكم، وخلق الأصنام التي تنحتونها. ومنه حديث حذيفة، عن النبي – ﷺ : ((إن الله خالق كل صانع وصنعته)) (٤) .
لكن قد يستدل بالآية على أن الله خالق أفعال العباد من وجه آخر، فيقال: إذا كان خالقاً لما يعملون من المنحوتات، لزم أن يكون هو الخالق؛ لتأليف
стр. 960
الذي أحدثوه فيها، فإنها إنما صارت أوثاناً بذلك التأليف، وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم.
وإذا كان خالقاً للتأليف كان خالقاً لأفعالهم.
والمقصود أن لفظ الفعل، والعمل، والصنع، وأنواع ذلك كلفظ البناء والخياطة والنجارة، تقع على نفس مسمى المصدر، وعلى المفعول.
وكذلك لفظ التلاوة والقراءة، والكلام، والقول، يقع على نفس مسمى المصدر، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول، والكلام.
فيراد بالتلاوة والقراءة: نفس القرآن، المقروء المتلو، كما يراد به مسمى المصدر، فإذا قال القائل: هذه التصرفات فعل الله، أو فعل العبد، فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر، فهذا باطل باتفاق المسلمين، وبصريح العقل، وإن أراد أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات، فهذا حق)) (١) .
فالذين أنكروا أن يكون لله – تعالى – فعل يقوم به، لم يفرقوا بين فعله ومفعوله، وخلقه، ومخلوقه.
والفرق واضح، فأعمال العباد مخلوقة لله – تعالى – مفعولة له، ليست هي نفس فعله، وإنما هي فعل العباد، قائمة بهم، وهي أيضا مفعولة لهم إذا أريد بالفعل المفعول.
وخلق الله – تعالى – لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته، كما تقدم التنبيه على ذلك.
فأفعال العباد مخلوقة لله كسائر مخلوقاته، ومفعولة له، وهي فعل العباد حقيقة، وقائمة بهم حقيقة.
فالكفر، والكذب، والظلم، ونحو ذلك من القبائح، يتصف بها من قامت
стр. 961
به وفعلها، ولا يتصف بها من خلقها، وجعلها صفة لغيره.
فكما أن الله – تعالى – لا يكون متصفاً بما خلقه في خلقه من الألوان والروائح، والطعوم، فكذلك لا يكون متصفاً بالفعل الذي خلقه في عباده، وجعله وصفاً لهم.
وبهذا تزول شبهة المعتزلة ومن وافقهم، في نفيهم الأفعال القبيحة أن تدخل تحت مشيئة الله وخلقه محتجين بأنه تعالى منزه عن القبيح. والله أعلم.
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أول الآية: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
ينكر تعالى على المشركين الكافرين به، الذين يعبدون معه غيره، من الأوثان التي لا تملك لهم، ولا لنفسها نفعاً، ولا ضراً، ومع ذلك يجعلونها نظراء وشبهاء لله رب العالمين، في التوجه إليها بالعبادة، يطلبون منها أن تتوسط لهم عند الله وتشفع لهم، وهي ملك لله يتصرف فيها كيف يشاء.
والمقصود من الآية: أن من سوى المخلوق بالله في صفة من الصفات، أو فعل من الأفعال، أو في ما يجب له من الحق، فقد جعل لله نداً، وأشرك بالله غيره.
فقول الله، وكلامه، لا يشبه قول عباده وكلامهم، فمن زعم أن قول العباد يشبه قول الله، فقد جعل لله نداً، وكذلك سائر أوصافه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ .
стр. 962
قال ابن جرير: ((يقول تعالى لنبيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ َ﴾ يقول: لئن أشركت بالله شيئاً يا محمد ليبطلن عملك، ولا تنال به ثواباً، ولا تدرك به جزاء إلا جزاء من أشرك بالله.
وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، أي: أوحي إلى الذين من قبلك من الرسل مثل الذي أوحي إليك، فاحذر أن تشرك بالله شيئاً فتهلك)) (١) .
وفي هذه الآية تعظيم أمر الشرك؛ لأن الله تعالى وجه الخطاب إلى رسوله – ﷺ – بأنه لو أشرك لحبط عمله، وأصبح من الخاسرين، فكيف بغيره من سائر الناس؟ ومثلها قوله – تعالى – بعد ما ذكر فضل الأنبياء ونعمته عليهم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
ووجه الاستدلال بالآية: التحذير من الوقوع في أي نوع من أنواع الشرك، مثل أن يعتقد أن صفة الله كصفات الخلق، أو كلامه ككلامهم، فمن وقع في ذلك، فقد وقع في الشرك المحبط للأعمال، وصاحبه من الخاسرين.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا أخَرَ﴾ هذه الآية في سياق ثناء الله – تعالى – على عباده المؤمنين، الذين يخشونه، ولا يخشون أحداً غيره، ويتجهون إليه بالدعاء والعبادة وحده، ويبيتون ليلهم سجداً لله وقياماً، رجاء ثوابه، وخوفاً من عقابه.
وهذه الآية بمعنى الحديث الآتي، وقد جاء في رواية: أن ابن مسعود لما ذكر الحديث عن النبي – ﷺ – قال: فنزل تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية.
стр. 963
والمقصود: الثناء على المؤمنين الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر غيره، ومثل ذلك الابتعاد عن القول بأن شيئاً من أوصاف الله وأفعاله يكون مثل أوصاف المخلوقين وأفعالهم، تعالى الله وتقدس.
فمن ابتعد عن الشرك كله بأنواعه، فهو المستحق لثناء الله، وهو عبد الله المستوجب لوعده بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ﴿٧٥﴾ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (١) .
ولكون الشرك يقع من الناس كثيراً، وأكثرهم يجهل أنواعه، ذكر قول عكرمة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ .
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقهُمَ﴾ ، و ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ﴾ ، فذلك إيمانكم، وهم يعبدون غيره)) . يعني: أن إيمانهم هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، وعلمهم بأن الله هو المتفرد بالخلق.
روى ابن جرير، عن عكرمة، في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ قال: هو قول الله – تعالى - ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، فإذا سئلوا عن الله، وعن صفته، وصفوه بغير صفته، وجعلوا له ولداً، وأشركوا به)) (٢) .
قوله: ((وما ذكر في خلق أفعال العباد وأكسابهم)) يعني: أن أفعالهم، وأكسابهم مخلوقة لله – تعالى -، وإن كانت فعلاً لهم حقيقة، ولا فرق بين الفعل، والكسب، كما قال – تعالى -: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ فالكسب هو العمل.
والذين يجعلون أفعال العباد وأكسابهم فعلاً لله – تعالى – مشركون؛
стр. 964
لأنهم جعلوا له ما للمخلوق.
كما أن الفريق الضال الآخر الذين يجعلون العباد خالقين لأفعالهم، وموجدين لها، مشركون بذلك، وهذا وجه إيراد البخاري – ﵀ – للآيات التي سبق ذكرها، وتقدم الكلام على أفعال العباد.
ثم استدل على دخول أفعال العباد في مخلوقات الله – تعالى – بقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَرَهُ تَقدِيراً﴾ فدخلت أفعالهم في عموم ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ ، ودل قوله: ﴿فَقَدَرَهُ تَقدِيراً﴾ على أنه – تعالى – أتقن ذلك، غاية الإتقان، حيث خلقها وجعلها مفعولة للعباد، واقعة منهم، بإرادتهم، واختيارهم، لم يرغموا عليها، بل فعلوها راغبين في فعلها، مختارين لها، ولذلك استحقوا عليها الثواب، والعقاب.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مَا نُنَزِلُ المَلائِكَةَ إِلا بِالحَقّ﴾ يعني: بالرسالة، والعذاب.
يعني: أن تنزل الملائكة هو فعلهم بأمر الله – تعالى – لهم طائعين ممتثلين أمر ربهم، فالنزول منهم فعل لهم يستوجبون به الثناء من الله؛ لأنهم أطاعوه بذلك، فأفعالهم قائمة بهم يفعلونها باختيارهم، كبني آدم.
وأما قوله: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِكرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فهو فعل الله، والضمير في ﴿لَهُ﴾ عائد إلى الذكر في قوله: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِكرَ﴾ .
وقوله: ﴿عِندِنَا﴾ أراد به، بيان أن هذا فعل الله الخاص به.
وبيَّن ذلك بقوله: ﴿لِيسأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدقِهِم﴾ ((المبلغين المؤدين من الرسل)) أي: المؤدين الرسالة، كما أمرهم الله.
فالصدق: فعل الصادقين، والصادق هو: المتصف بالصدق، الذي قام به الصدق فعلاً له، فالصدق فعلهم وعملهم، والله تعالى – يسألهم عن عملهم.
стр. 965
والسؤال من الله فعله – تعالى – وقوله، يسأل به الرسل، عن تبليغهم ما أمرهم بإبلاغه لعباده، وزاد ذلك إيضاحاً بقوله:
﴿وَالَّذي جَاءَ بِالصِدقِ﴾ القرآن: ﴿وَصَدَّق بِهِ﴾ المؤمن، يقول يوم القيامة: ((هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه)) .
فبين أن القرآن – الذي فسر به الصدق – غير التصديق، بل التصديق فعل المصدق – وهو المؤمن، أو الرسول – وهو عمله الذي يثاب عليه.
ولهذا يجيب ربه إذا سأله يوم القيامة: ((ماذا عملت بما علمت؟)) قائلاً: هذا الذي أعطيتني – يعني القرآن – عملت بما فيه. فتبين أن القرآن غير عمل القارئ، فتحريك اللسان، والشفتين، والصوت، ورفعه، وخفضه، هو عمل الرجل الذي يقرأ، وأما المقروء المتلفظ به، فهو القرآن كلام الله، وكلام الله غير عمل القارئ، ولهذا قال: هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه، مجيباً ربه.
********
١٤٦ – قال: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: سألت النبي – ﷺ – أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله نداً، وهو خلقك)) ، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)) ، قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم أن تزاني بحليلة جارك)) .
الذنوب تتفاوت في العظم، فبعضها أعظم من بعض، فيكون ما يترتب عليها من العقوبات كذلك.
وأعظم الذنوب الشرك بالله – تعالى -، قال تعالى عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ
стр. 966
لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) ، فالشرك أعظم الذنوب عند الله، فلذلك حرم على صاحبه الجنة، وأخبر أن مأواه النار، وأنه لا يخرج منها كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ (٤) .
فلذلك يتعين على المرء أن يجتهد غاية وسعه في التعرف على أنواع الشرك، حتى يجتنبها؛ لأنه إذا لم يعرفها يوشك أن يقع فيها وهو لا يشعر، فيكون في ذلك هلاكه الأبدي. وتقدم القول في النِّد.
قوله: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) أسند الجعل إلى العبد؛ لأنه فعله، ولهذا استحق عليه عقاب الله وعذابه.
وقوله: ((وهو خلقك)) يعني: أن الدلائل على وجوب عبادة الله وحده، وإخلاص العبادة له، واضحة جلية، مثل كونه تعالى هو المنفرد بالخلق، والإيجاد من العدم، وبالرزق، فهو المستحق للعبادة وحده.
وقول عبد الله: ((إن ذلك لعظيم)) يعني: أن عظمه وقبحه مستقر في نفوس العقلاء، والناظرين في شرع الله، ودلائل وجوب عبادته.
قوله: ((قلت: ثم أي؟)) يعني: ما هو الذنب الذي يلي الشرك في العظم عند الله؟
стр. 967
((قال: ((أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)) . قتل النفس بغير حق عمداً عظيم جداً، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١) .
وفي الحديث الذي رواه أبو داود، عن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بَلَّحَ)) (٢) ، أي: لا يزال مسرعاً في سيره إلى الله، وإنما يحبسه ويمنعه من السير إصابته الدم الحرام، معنى ((بلح)) انقطع من العجز والإعياء، فلم يستطع المشي. وهذا جزء من حديث طويل، ولفظه:
((عن أم الدرداء، قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً)) .
فقال هاني بن كلثوم: سمعت محمود بن الربيع يحدث، عن عبادة بن الصامت، أنه سمعه يحدث عن رسول الله – ﷺ – أنه قال: ((من قتل مؤمناً فاعتبط بقتله، لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) ، قال لنا خالد: ثم حدثني ابن أبي زكريا عن أم الدرادء، عن أبي الدرداء، أن رسول الله – ﷺ – قال: ((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلَّح)) (٣) .
وعن البراء بن عازب، أن رسول الله – ﷺ – قال: ((لزوال الدنيا أهون
стр. 968
على الله من قتل مؤمن بغير حق)) (١) ، والأحاديث في هذا فيها كثرة.
والقتل مع عظمه يتفاوت، فبعضه أعظم من بعض، وأعظمه أن يقتل الرجل ولده؛ لأن الله جعل له من الشفقة، والحنو، والحب، ما لا ينكر، وأمر الله – تعالى – بمراعاة حقه، فإذا بدل مكان الإحسان الواجب له أعظم إساءة – وهي القتل – استحق على ذلك أعظم العقوبة، فكيف إذا كان الباعث على القتل خوف الفقر، وأن يشاركه في مأكله؟ فإنه ينضاف إليه بذلك جرائم أخرى.
قوله: ((قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تزاني بحليلة جارك)) ، الزنا جريمة نكراء، ويتفاوت جرمه حسب قرب المزني بها وبعهدها عنه، وحسب الحقوق التي تجب مراعاتها أكثر في الشرع.
فإذا كانت ذات قرابة من جهة النسب فالزنا بها أعظم، وكذلك إذا كانت زوجة قريب منه، أو زوجة من له حق الجوار، فإن جريمة ذلك أعظم مما لو زنا بمن هي بعيدة عنه قرابة وجواراً.
قوله: ((أن تزاني)) يدل على المفاعلة، ومعنى ذلك أن تطاوعه المرأة على الفاحشة، وفي ذلك دليل على أنها إذا لم تطاوعه فالذنب أعظم.
والحليلة: هي التي يحل وطؤها، وتحل معه في فراش واحد.
والشاهد من الحديث قوله: ((أن تجعل لله نداًً وهو خلقك)) .
فالإنسان هو الذي يجعل الند، ويفعل ذا حقيقة، فهو فعله الذي يباشره ويقوم به، ويتصف به، فإذا فعل ذلك فهو المشرك، ولذلك استحق العذاب العظيم، وأضيف إليه الذنب؛ لأنه صدر منه.
стр. 969
فتبين الفرق بين قول الله - تعالى - وفعله، وبين قول العبد وفعله، وهو ما أراده المؤلف.
فإذا قرأنا القرآن فإنما نقرؤه بأصواتنا المخلوقة التي لا تماثل صوت الرب تعالى، وما نقرؤه من القرآن فهو كلام الله - تعالى- مبلغاً عنه، لا مسموعاً منه، وإنما سمعه منه جبريل، ونحن نقرؤه بحركاتنا، وأصواتنا.
فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ. وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِن أحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّىَ يَسمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ فهو يسمع كلامه ممن يقرؤه عليه يبلغه إياه، لا من الله - تعالى -.
*****
قال: ((باب قول الله - تعالى -: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
روى مسلم، عن أنس، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: ((أتدرون مم أضحك؟)) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداًً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام قال: فيقول: بعداً لكُنَّ، وسحقاً، فعنكن كنت أناضل)) (١) .
((قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب إثبات السمع لله، وأطال في تقرير ذلك، وتقدم في أوائل التوحيد في قوله: ﴿كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ .
والذي أقول: إن غرضه في هذا الباب: إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم
стр. 970
متى شاء)) (١) .
والظاهر أن غرضه في هذا الباب قريب من الذي قبله، وهو بيان أن أعمال العباد واقعة بفعلهم، وأن الكلام يكون صفة لمن تكلم به، فالأعضاء حين تشهد على صاحبها تنطق بكلام لها حقيقة، مضاف إليها على الحقيقة، فهو صفة لها؛ لأنه قام بها، فكذلك كل متكلم، فكلامه فعله ووصفه.
وهذا يدل على أن المتكلم بكلام لغيره لا يكون ذلك الكلام مضافاً إليه وصفاًً له، بل هو ناقل أو مبلغ، وأما حركة لسانه وشفتيه، وتصويته به، فهي أفعاله، والمصوت به الذي تحرك اللسان والشفتان به هو كلام ذلك الغير، كما تقدم.
وأعمال العباد كلها مخلوقة محدثة.
قال البخاري – ﵀: ((وكل من لم يعرف الله بكلامه، أنه غير مخلوق، فإنه يعلم، ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به كان معانداً؛ لقوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ (٢) .
فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد (٣) ، ويدعيه كل لنفسه، فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض،
стр. 971
والتنازع، إلا فيما جاء فيه العلم، وبينه رسول الله – ﷺ .
حدثنا إسحاق، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي – ﷺ – قوماً يتدارءون فقال: ((إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه بعضاً، ما علمتم منه فقولوا، وما لا فكلوه إلى عالمه)) .
وكل من اشتبه عليه شيء فأولى أن يكله إلى عالمه، كما قال عبد الله بن عمرو، عن النبي – ﷺ – ولا يدخل في المتشابهات إلا ما بين له.
حدثنا أحمد بن إشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة – ﵁: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) ثم ذكر حديث ابن مسعود الآتي.
ثم قال: حدثنا موسى، عن وهيب، عن داود، عن الشعبي، في بيع المصاحف: ((أنه لا يبيع كتاب الله، وإنما يبيع عمل يديه)) .
ثم ذكر آثاراً في ذلك، وذكر قول النبي – ﷺ – في أبي موسى: ((أوتي مزماراً من مزامير آل داود)) ، وقوله: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ثم قال:
((وعامة هذه الأخبار مستفيضة عند أهل العلم، ولا ريب في تخليق مزامير آل داود، وندائهم؛ لقوله : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ )) .
ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَاتلُ مَا أُوحِىَ إِليكَ مِن كِتَابِ رَبِكَ﴾ ، ثم قال: ((فبين أن التلاوة من النبي – ﷺ – وأصحابه، وأن الوحي من الرب)) .
ثم ذكر أحاديث وآيات وآثاراً كثيرة، ثم قال: ((ومما يقوي قول الشعبي في بيع المصاحف أنه إنما يبيع عمل يديه، قول زياد بن لبيد – ﵁ – للنبي – ﷺ :
стр. 972
((كيف يرفع العلم وقد ثبت ووعته القلوب؟)) (١) .
فهذا الذي ذكره يبين ما أراده هنا، وهو ظاهر من الآية التي ترجم بها، عند التأمل؛ لأنها في سياق ما ذكره الله عن أهل النار، من كلام أعضائهم، قال الله – تعالى -: ﴿وَيَومَ يُحشَرُ أَعدَاءُ اللهِ إلىَ النَّارِ فَهُم يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتىَ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيِهِم سَمعُهُم وأَبصَارُهُم وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعمَلُونَ ﴿٢٠﴾ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِم لِمَ شَهِدتُم عَلينَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الذِي أنطَقَ كُلَّ شيءٍ وَهُوَ خَلَقَكُم أَوَلَ مَرةٍ وَإليهِ تُرجَعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا كُنتُم تَستَرُونَ﴾ الآية.
قال ابن كثير: ((أي: تقول لهم الأعضاء والجلود، حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلون، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر، والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم)) (٢) .
وبهذا يتبين أن هذا قول الأعضاء ذكره الله عنها على ما سيقع يوم القيامة.
ولهذا لا يقال: إن هذا ليس كلام الله، بل هو كلام الأعضاء حكاه الله عنها؛ لأن الأعضاء لم تتكلم إلى الآن، وإنما ستتكلم يوم القيامة، والله – – علم ما سيكون وما تتكلم به، فذكره لعباده ليحذروا الوقوع فيما يوجب شهادة الأعضاء عليهم، فهو كلام الله تكلم به، وأخبر به عما سيقع، وحتى الكلام الذي وقع وذكره تعالى عمن قاله، فإن ذلك يكون كلامه، كما حكى عن الأنبياء وقومهم وغيره.
والمقصود أن الاستدلال بالآية المذكورة على أن أعمال الإنسان وأقواله – ومن ذلك قول الأعضاء – تقع منهم على الحقيقة، وتقوم بهم، وعليها
стр. 973
يستحقون الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأن أعمال العبد مخلوقة لله - تعالى -؛ لأن الله هو الخالق وحده، وجعلهم عاملين لها حقيقة، وتقدم بيان ذلك.
******
١٤٧- قال: ((حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله ﵁ قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي - كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إذا جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا، فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الآية.
قوله: ((كثيرة شحم بطونهم)) كثيرة: صفة لشحم وأنثه؛ لأن شحم مضاف إلى البطون، وكذا صفة القلوب، والمعنى: أن هؤلاء كبار الجسوم، لكن فقههم قليل، ولهذا صدرت منهم تلك المقالة الدالة على قلة فهمهم.
والشاهد من الآية لمقالتهم هذه: قوله تعالى: ﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ، كما في قول أحدهم: إن جهرنا سمع، وإن أخفينا لم يسمع، والآخر الذي هو أفقه من هذا علق علم الله بذلك بقوله: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فهو شاك في ذلك، ولهذا وصفهم عبد الله ﵁ بقلة الفقه، وتقدم وجه استدلال المؤلف بذلك.
******
قال: باب قول الله - تعالى -: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فيِ شَأنٍ﴾ ، ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرِ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمراً﴾ ، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله
стр. 974
تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
وقال ابن مسعود عن النبي – ﷺ : ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) .
يريد بهذا بيان أن الله – تعالى – يحدث ما يريد إحداثه، في أي وقت أراد، وأن إحداثه ذلك من أفعاله التي هي أوصاف له، فيحدث الأمر من أمره – تعالى – والكلام، ويطلق عليه أنه حدث، ومحدث؛ لأنه وجد بعد ما قبله، ويسمى كلامه حديثاً، ويطلق عليه أنه حادث، ومحدث بمعنى الجديد الذي تكلم به بعد كتبه السابقة له، ولهذا قال: وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين.
فمن ذلك كلامه، ومخاطبته لمن يريد أن يخاطبه من خلقه، وأمره لمن يأمره، ونهيه، وإجابته لمن يدعوه، وإحياؤه لمن يريد حياته، وإماتته لمن يريد أن يميته، وإذلال من يريد ذله، وإعزاز من يشاء، وهدايته من يشاء، وإضلال من يشاء، وتصرفه في خلقه وملكه كيف يشاء.
((قال عبيد بن عمير: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فيِ شَأنٍ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعياً، ويعطي سائلاً، أو يفك عانياً، أو يشفي سقيماً)) .
وقال مجاهد: ((كل يوم يجيب داعياً، ويكشف كرباً، ويجيب مضطراً، ويغفر ذنباً)) .
وقال قتادة: ((لا يستغني عنه أهل السماوات، والأرض، يحيي حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم، ومنتهى شكواهم)) .
وقال سويد بن جبلة: ((إن ربكم كل يوم في شأن، فيعتق رقاباً، ويعطي
стр. 975
رغاباً، ويقحم عقاباً)) (١) .
وروى ابن جرير، عن عبد الله بن مثيب الأزدي، قال: تلا رسول الله ﷺ – هذه الآية: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فيِ شَأنٍ﴾ ، فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال: ((أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين)) (٢) وعلقه البخاري جازماً به، عن أبي الدراداء، موقوفاً)) (٣) ، ورواه ابن ماجة مرفوعاً (٤) .
ونقل الحافظ في كلامه على هذه الترجمة قول ابن بطال، وقول الكرماني وغيرهما، وأطال فيما هو بعيد عن مراد البخاري؛ لأنهم يحاولون شرح ما ذكره على ما يتفق مع عقيدة الأشاعرة، مع أنه مباين لها.
قوله: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرِ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ قيل هذه الآية، كقوله تعالى: ﴿اقتَرَبَ لِلنَّاس حِسَابُهُم وَهُم فيِ غَفلَةِ مُّعرِضُونَ﴾ أي: دنت القيامة وقربت، والناس عنها غافلون لاهون في دنياهم.
وإذا جاءهم ذكر من الله جديد، قريب العهد بالله، فيه تذكيرهم وأمرهم بالأخذ لما فيه سعادتهم، وفيه عظتهم عن التشاغل بالدنيا ونسيان الآخرة، استمعوه سماع غافل لاه لاعب.
قال ابن كثير: ((أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله. فقال: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرِ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ أي: جديد إنزاله)) (٥) .
стр. 976
وقال أبو جعفر ابن جرير – ﵀: (يقول – تعالى ذكره -: ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس، ويذكرهم به، ويعظهم، إلا استمعوه، وهم يلعبون)) (١) .
وقوله: ((لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)) لما ذكر الله – جل وعلا – حكمه في المطلقة، وأمره بأن تطلق لعدتها، وأمر بإحصائها، ونهى عن إخراجها من بيت زوجها، ما دامت في العدة، وأنها لا تخرج منه إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وأخبر – تعالى – أن هذا من حدوده التي حدها،، ونهى عن تعديها، وأن من تعداها فقد ظلم نفسه، بعد ذلك قال تعالى: ﴿لاَ تَدري لَعَلَ اللهَ يُحدِث بَعدَ ذَلِكَ أَمراً﴾ .
يعني: يحدث للزوجين حالاً غير ما كانا عليه وقت الطلاق، بأن تتبدل الكراهية رغبة، والبغض حباً، وأن يراجع الرجل نفسه فيندم على ما حصل منه، والزوجة كذلك.
قال ابن جرير: ﴿لاَ تَدري لَعَلَ اللهَ يُحدِث بَعدَ ذَلِكَ أَمراً﴾ : يقول – جل ثناؤه -: لا تدري ما الذي يحدث، لعل الله يحدث بعد طلاقكم إياهن رجعة)) (٢) .
والمقصود الذي أراده المؤلف – ﵀ – من هاتين الآيتين: أن الله – تعالى – يتكلم بعد أن لم يكن تكلم بذلك الكلام بعينه، ويأمر، وينهى بعد أن لم يكن أمر بذلك المأمور وذلك المنهي عنه بعينه، لمن وجه إليه الأمر والنهي، وهذا هو معنى الحدث الذي أراد بيانه، وهو: الفعل المتجدد الذي يتعلق بمشيئته تعالى، سواء كان كلاماً، أو أمراً، أو نهياً، أو إحياء لميت، أو إماتة لحي، أو هداية ضال، أو ضلال غاو، أو تغيراً لحكم شرعه قبل
стр. 977
ذلك، أو أذن به، أو تغيير ما في نفوس بعض خلقه، أو غير ذلك مما يشاؤه ويريده – جل وعلا -، كما تقدم في معنى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فيِ شَأنٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرِ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ وقوله: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرِ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ إلاَ كَانُوا عَنهُ مَعرِضينَ﴾ ، قال شيخ الإسلام: ((هذا يدل على أن الذكر منه محدث، ومنه ما ليس بمحدث؛ لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعاما حلالا، ونحو ذلك.
ويعلم أن المحدث في الآيتين ليس هو المخلوق، الذي يقوله الجهمية.
ولكنه الذي أنزل جديداً، فإن الله كان ينزل من القرآن شيئاً بعد شيء، فالمنزل أولاً قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كمال قال: ﴿كَالعُرجُونِ القَديمِ﴾ ، وقال: ﴿تَاللهَ إِنَكَ لَفي ضَلاَلِكَ القَديِمِ﴾ (١) .
ومراد الإمام البخاري – ﵀ – من هاتين الآيتين الرد على من ينكر أفعال الله – تعالى – من القول والفعل ونحوهما مما يتعلق بمشيئته وإرادته وقدرته، فإن هذا الأصل أنكرته الجهمية، والمعتزلة، ومن تشعب عنهما، ظانين أنه لا يمكن إثبات حدوث العالم وإثبات وجود الخالق له – تعالى – إلا بإثبات حدوث الأجسام، ولا يمكن حدوث الأجسام إلا بإثبات حدوث ما يقوم بها من الصفات والأفعال المتعاقبة، التي يسمونها: الحوادث، فلذلك قالوا: كل من قامت به الحوادث أو كان محلاً لها فهو حادث.
стр. 978
وهذا الذي حدا بهم إلى إنكار صفات الله، وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته.
وعليهم توجه رد الإمام البخاري – ﵀ – في هذا الكتاب، كما قال: ((باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب، وأمره، فالرب – تعالى – بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون، غير المخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مكون مخلوق)) .
ثم بعد ذلك قال: ((باب قول الله – تعالى -: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم)) .
ثم ذكر قول عبد الله بن مسعود: ((إذا تكلم الله بالوحي)) إلى آخره، وذكر حديث عبد الله بن أنيس وفيه: ((فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب)) .
وذكر حديث أبي هريرة: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها)) إلى آخره، وحديث أبي سعيد الخدري: ((يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار ... )) ، إلى آخر ما ذكره من الأبواب التي من تدبرها، وتأمل ما تحتها من النصوص، تبين له دقه فهمه ﵀، وتبين له بطلان مذهب أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم.
والمقصود أن الإمام البخاري – ﵀ – يرى أن الله – تعالى – يوصف بأنه يحدث
стр. 979
ما يشاء من القول، والأمر، والفعل، وهذا ما دل عليه العقل والفطرة وكتب الله، ولهذا قال: ((وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
فكما أنه تعالى لا مثل له في ذاته، كذلك في أفعاله، وأوصافه وأحداثه التي يحدثها مما يتعلق بمشيئته، وهي أفعاله، وهذا هو الحق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.
قوله: ((وقال ابن مسعود، عن النبي – ﷺ : (إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) .
هذا طرف من حديث رواه أبو داود، وأحمد، والنسائي، وابن حبان في ((صحيحه)) وصححه، من طريق عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: ((كنا نسلم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله – ﷺ – وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله – ﷺ – الصلاة قال: ((إن الله – – يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله – تعالى – قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فرد عليَّ السلام)) (١) .
وفي رواية النسائي: ((وإن مما أحدث)) ، وأصل القصة في ((الصحيحين)) .
فقول ﷺ : ((إن الله يحدث ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)) موافق لقوله تعالى: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرِ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ ولا يصف الله أعلم منه – تعالى – ولا أعلم من رسول بعده، ومن لم يرض بما قاله الله ورسوله فبعداً له.
*****
١٤٨- قال: ((حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا حاتم بن
стр. 980
وردان، حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس – ﵄ – قال: ((كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله، أقرب الكتب عهداً بالله، تقرؤونه محضا لم يشب)) .
يعني: أن الله قد أغناكم بما جاءكم به نبيكم – ﷺ – فقد أنزل الله عليه آخر الكتب التي قضى الله – تعالى – أن تنزل إلى الأرض من عنده، فهو أحدثها بالله، وأقربها عهداً به، وقد وصل إلينا خالصاً، ليس فيه ما يداخله من غيره، فكيف بعد ذلك يسوغ للمسلم أن يذهب يسأل اليهود والنصارى عما في أيديهم من كتبهم؟
وقد أعلمنا الله – تعالى – أنهم حرفوها، وزادوا فيها ونقصوا منها، ثم كذبوا على الناس بأن قالوا: هذا من عند الله، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) إلى غير ذلك مما ذكره الله – تعالى – عنهم من الكذب،
стр. 981
والتزوير، وتحريف كلام الله عن مواضعه، وتغييره وتبديله.
والشاهد فيه قوله: ((وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله)) . وهذا معنى كونه محدثاً، يعني: أنه قريب عهده بالله – تعالى -، بأن تكلم به وأنزله بعد الكتب السابقة، بل تكلم به تعالى في مناسبات تعرفون كثيراً منها.
ومعنى قوله: ((محضاً لم يشب)) : يعني: أنه لم يخالطه شيء من غيره.
١٤٩ – قال: ((حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله ابن عبد الله، أن عبد الله بن عباس
قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم، أحدث الأخبار بالله، محضا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيروا فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنا قليلا، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم)) .
هذا يدل على أنه كان من المسلمين في عهد ابن عباس من يسأل أهل الكتاب ويكتب أخبارهم، وذلك في آخر عهد الصحابة، وكان الصحابة ينهون عن ذلك، ويحذرون منه؛ لأنهم يعرفون كذبهم، وتحريفهم لكتاب الله، ولاستغنائهم بما جاء به نبيهم – ﷺ .
وقد روى البخاري أن أمير المؤمنين معاوية – ﵁ – أنه كان يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين، الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب)) (١) أي: نجرب عليه الكذب في أخباره.
стр. 982
((روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة من حديث جابر، أن عمر أتى النبي – ﷺ – بكتاب أصابه من أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: ((لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)) ورجاله ثقات إلا أن مجالداً فيه ضعف)) (١) .
ولهذا نهى ابن عباس عن سؤالهم، وبين أنه ليس هناك ما يدعو إلى سؤالهم، وقد أغنى الله المسلمين بكتابه الذي تولى حفظه بنفسه، فلا يقدر أحد على تغييره وتبديله، وهو أيضا آخر الكتب نزولا من عند الله، فهو أحدثها به، نزل عليكم بعد كل الكتب التي يحدثونكم عنها.
مع أن الذي عندهم قد اختلط الحق فيه بالباطل، فلا يتميز، وما كان فيه من حق فهو منسوخ بالقرآن الذي جاء به خاتم النبيين – ﷺ .
ومما يدل على أن أهل الكتاب لا يريدون الحق: كونهم لا يسألون المسلمين عما جاء به نبيهم، وهذا مما يمنع من سؤالهم. وقد سبق ذكر بعض الآيات التي تنص على تحريفهم وتبديلهم الكتاب بما يكذبونه؛ ليشتروا به من حطام الدنيا ما استطاعوا، فمثل هؤلاء حرام سؤالهم؛ لأنهم يضلون من سألهم والشاهد قوله: ((وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم – ﷺ – أحدث الأخبار بالله)) ، والحديث هو الجديد، ضد القديم، وهذا معنى قوله في الآية: ﴿مَا يَأتِيهِم مِن ذِكرٍ مِن رَّبِهِم مُّحدَثٍ﴾ أي: جديد. وقوله: ((محضاً لم يشب)) أي: خالصاً، لم يخالطه شيء من غيره.
*******
قال: ((باب قول الله – تعالى -: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾ وفعل النبي – ﷺ – حين ينزل عليه الوحي)) .
стр. 983
يقصد بهذا التمييز بين فعل العبد، وفعل الرب - تعالى - وصفاته.
فتحريك النبي ﷺ لسانه بالوحي هو فعله، ولكن المحرك به اللسان هو كلام الله وصفته، ولهذا قال: ((وفعل النبي ﷺ حين ينزل عليه الوحي، يعني: أنه كما قال ابن عباس: يعالج من الوحي شدة، وكان يحرك شفتيه بالقرآن، وذلك عندما يتلوه عليه جبريل، فيحرك لسانه وشفتيه بما يقرؤه جبريل، خوفا من أن يفوته شيء منه، فنهاه الله - تعالى- عن ذلك حيث يقول: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ أي: تستعجل بحفظه، مخافة أن يفوتك فلا تحفظه.
وتكفل الله له بأن يحفظه إياه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يقول تعالى لنبيه: لا تستعجل إذا سمعت جبريل يقرأ عليك القرآن، فتحرك به لسانك وشفتيك مخافة أن لا تحفظه، بل أنصت، واستمع لما يقرأه جبريل، فنحن نجمعه، فلا يذهب منه شيء.
و ((قرآنه)) يعني: قراءته التي يقرؤها عليك جبريل، فإذا قرأه فاتبع قرآنه)) فكان ﷺ يستمع لما يقرؤه عليه جبريل، فإذا انتهى قرأه النبي ﷺ .
وهذا الذي كان النبي ﷺ يفعله من تحريك شفتيه ولسانه وما يعالج من الشدة كل ذلك فعله وعمله، وهو مخلوق.
أما ما يحرك به لسانه وشفتيه، فهو كلام ربه - جل وعلا -، ومثل ذلك جبريل.
قال المؤلف في بدء الوحي، بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل
стр. 984
شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله – ﷺ – يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله – تعالى - ﴿لاَ تُحرِك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه،: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمع له وأنصت،: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله – ﷺ – بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي – ﷺ – كما قرأه)) (١) وسيأتي قريباً.
وقال في ((خلق أفعال العباد)) : ((سمعت عبد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى ابن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة، - يعني: حركاتهم، وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف، المسطور، المكتوب، الموعى في القلوب، فهو كلام الله، ليس بمخلوق، قال الله – تعالى -: ﴿بَل هُوَ قُرآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فيِ لَوحٍ مَّحفُوظِ﴾ ، فذكر أنه يحفظ ويسطر)) (٢) .
وقال أيضاً: ((فأما المداد، والرق
، ونحوه، فإنه مخلوق، كما أنك تكتب ((الله)) ، فالله في ذاته هو الخالق، وخطك واكتسابك من فعلك خلق؛ لأن كل شيء دون الله بصنعه، وهو خلق، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿بَل هُوَ قُرآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فيِ لَوحٍ مَّحفُوظِ﴾ (٥) .
وقال أيضا: ((وقال النبي – ﷺ – لجبريل حين سأله عن الإيمان، قال: أن
стр. 985
تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟
قال: نعم، ثم قال: ما الإسلام؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله.
فذكره، قال: إذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم.
فسمى الإيمان، والإسلام، والشهادة، والإحسان، والصلاة بقراءتها وما فيها من حركات الركوع والسجود، فعلاً للعبد)) (١) .
وقال: ((قال الله : ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ، ولكنه كلام الله تلفظ به العباد، والملائكة، وبين ذلك ما حدثني به عبد العزيز بن عبد الله – وذكر سنده – إلى النبي – ﷺ – قال: ((إذا أحب الله عبداً، نادى جبريل: يا جبريل أحب فلاناً، فينوه بها جبريل في حملة العرش، فيحبه أهل العرش، فيسمع أهل السماء السابعة لغط أهل العرش – وذكره -)) (٢) .
فحب جبريل، ونداؤه لأهل العرش وأهل السماوات هو فعل جبريل، وهو مخلوق.
وأما حب الله للعبد ونداؤه لجبريل فهو فعله تعالى.
وقال أيضا: ((قال معاوية: لو شئت أن أحكي لكم قراءة رسول الله – ﷺ : لفعلت. وسئل النبي – ﷺ أي الناس أحسن قراءة؟ قال: ((الذي إذا سمعته رأيت عليه أنه يخشى الله ) .