وهذا المنهج –على انتقائيته وبُعده عن الإنصاف- لو عوملوا به مثلاً بمثل ما قبلوا. فإنّ من كبار علمائهم ومفكريهم في القديم والحديث مَن انتقد عقائدهم وشعائرهم وطقوس عباداتهم وكتابهم المقدس، مع بقائهم على نصرانيتهم، فضلاً عن أن يكون مصدر النقد من خارج هذه الدائرة.
٦) مهاجمة المسلمين، واستنكار ما يقومون به من جهود دعويّة. ومنها دعوة النصرانيات إلى الإسلام. فيصورون أنّ الهدف من ذلك هو الاستمتاع بهن في الآخرة، وليس حب الخير لهن، بدليل أنَّ الإسلام –كما يقولون- يحتقر المرأة، ويرى أنها ناقصة دين وعقل، وأنها تنقض الوضوء، وأن النّساء أكثر أهل النّار. وبدليل أنَّ الشيوخ المسلمين إذا جاءهم المسلمات للتوبة وتعلم أمور الدين طردوهم شر طِردة –كما ذكر أحدهم أنه رأى ذلك مراراً (١).
وهذه الأقاويل يراد من خلالها الطعن في الإسلام وأتباعه، وتصوير المسلمين على أنهم أهل شهوات. ويراد منها تنفير النَّصارى من الإسلام، وتبغيضه إلى قلوبهم. وكذا إرسال سهام الشك إلى قلوب المسلمات بأنّ دينهن لم يمنحهن المكانة اللائقة.
والخلاصة أنّ موضوعات هذا القسم تسعى لتزيين الدين النصراني، وتشويه الدين الإسلامي.
ولأجل الوصول إلى هذا الهدف يوصم الإسلام بأنّه دين إرهاب وعدوان واستحلال لدماء وأموال المخالفين له إذا لم يدخلوا فيه مكرهين، وتُؤخذ الحوادث التي تقع من آحاد المسلمين لتعميمها على كلِّ مسلم ومسلمة بدعوى أنّها امتثال لأوامر الدّين الإسلامي الذي يحث على كلِّ قبيح، ولو تظاهر المسلمون بخلاف ذلك- كما يقولون.
وهكذا يستمرون في الطعن في عقائد الإسلام وشرائعه، وفي نبيّه وكتابه، وفي السُّنّة النبوية.
стр. 107
وفي سبيل تبغيض المسلمين في قلوب غيرهم يصمونهم بألقاب تَرَسَّخ في نفوس كثيرين كرهُها والنفرةُ منها.
وهم في هذا يتنكبون الطريقة العلمية المنصفة في إصدار الأحكام، فيُبرزون المواقف والأفعال السيئة التي قد يقوم بها منتسب للإسلام، ثم يسقطونها على الدّين. ناهيك عن أساليب السباب والشتائم.
وبهذا يتم الحديث على هذه الخدمة، وننتقل منها إلى خدمة مواقع المحادثة.
стр. 108
المبحث الثالث: التّنصير بواسطة خدمات المحادثة
تمثل المحادثة عبر الشبكة العالمية مساحةً كبيرةً من حزمة البيانات المتبادلة بين مستخدمي الشبكة. وتعتبر الدافع الرئيسي وراء اتصال أكثر من ربع المستخدمين، بالرغم من أنها لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من إمكانات الشبكة (١).
وأصل هذه الخدمة مشروع صغير أنشأه المبرمج جاركو أوركاينين، في أغسطس من عام ١٩٨٨م، وسمّاه IRC اختصاراً لعبارة Internet Relay Chat أي: التحادث المتناوب عبر الشبكة (٢).
هذه الخدمة -التي بدأت بمشروع بسيط- أصبحت اليوم في مقدمة الخدمات التي يقبل عليها النّاس بشكل يومي.
وفي المطلب التّالي نعرف بهذه الخدمة، ونبين جوانب أهميتها.
المطلب الأوّل: التَّعريف بخدمات المحادثة
المسألة الأولى: التَّعريف اللغوي والاصطلاحي
أولاً: التَّعريف اللغوي:
كلمة المحادثة في الأصل مأخوذة من الحديث، وهو الخبر قليله وكثيره.
وفي لسان العرب: «المحادثة مفاعلة من الحديث، والمحادثة والتحادث والتحدث والتحديث: معروفات» (٣).
وعليه؛ فالمحادثة تجاذب أطراف الحديث بين شخصين أو أكثر.
ثانياً: التَّعريف الاصطلاحي:
هناك عدة تعريفات اصطلاحيّة للمحادثة عبر الشبكة العالميّة. منها:
стр. 109
التَّعريف الأوّل: المحادثة عبر الشّبكة هي «حديث عبر شبكة الإنترنت، عبر برامج المحادثة، بين شخصين أو أكثر، في موضوع معين» (١).
التَّعريف الثاني: المحادثة عبر الشّبكة هي «أي نوع من الاتصال عن طريق الإنترنت، لكن عادة ما تطلق على المحادثة الفردية بين شخصين، أو المحادثة النصية الجماعية في غرف الدردشة، باستخدام أدوات أو برامج المحادثة» (٢).
التَّعريف الثالث: المحادثة عبر الشبكة هي شكل من أشكال الاتصال التفاعلي المباشر الذي يمكن المستخدمين من إجراء محادثات في الوقت الحقيقي مع باقي المستخدمين الموجودين على الشبكة (٣).
ويرى الباحث أنْ تُعرف المحادثة بأنّها حديث مباشر عبر الشّبكة العالميّة، بواسطة برامج وغرف المحادثة، بين شخصين أو أكثر.
وهو تعريف مبني على التَّعريف الأول، ومضاف إليه محددان هامّان. أولهما أن يكون هذا التحادث بشكل مباشر، أي في الوقت الفعلي ( Real-Time) ، ليخرج بذلك التحادث غير التزامني، كما في المنتديات الحواريّة، والبريد الالكتروني، والمجموعات البريديّة، وغيرها. والثاني إضافة (غرف التحادث) كوسيط آخر إلى جانب البرامج المستخدمة لهذا الشأن. كذلك حذفت عبارة (في موضوع معين) لأنها زيادة في التعبير.
ويكثر استخدام كلمة (دردشة) لوصف هذه الخدمة، وهي كلمةٌ عربيّة تعني كثرةَ الكلام واختلاطَه (٤).
ولهذا فاستخدامها هنا صحيح بالنظر إلى كثرة المحادثات، وعدم التزام أغلبها بأصول الحوار من تقديم الأدلة، والتزام صحة النقل، وسلامة الكلام من التناقض، والبناء على
стр. 110
القضايا المسلَّمة، والتجرد لقصد الحق بعيداً عن التعصب، وتحديد موضوع الحوار، والتزام آداب الحوار من حسن الاستماع، وعدم المقاطعة، ومنح كلِّ متحدث الفرصةَ الكافية لطرح وجهة نظره، وتقدير الخصم واحترامه وعدم التعرض لشخصه، وغير ذلك من أصول الحوار وآدابه (١).
وأمّا كلمة (شات) فهي أعجمية، وهي نقل حرفي للمصطلح الإنجليزي ( chat) ، ومن معانيه: المحادثة بلا كلفة، والثرثرة، واللغو (٢).
وبرامج المحادثة على الشبكة العالميّة كثيرة، ولعل من أشهرها: PalTalk، InSpeak، Meebo، Tokbox، Userplane، SeeToo، Skype، Windows Live Messenger.
وهي برامج يقوم المستخدم بتنزيلها على جهازه وتنصيبها، وبعد أن يتصل بالشبكة يبدأ بتشغيلها والتحادث من خلالها مع أي متصل بالشبكة عندما يستخدم نفس البرنامج. وتختلف هذه البرامج في ميزاتها، وفي التكلفة الماليّة التي تفرضها على المستخدم لقاء المزيد من الخدمات الإضافيّة.
المسألة الثانية: أهمية خدمات المحادثة
يمكن إبراز أهمية هذه الخدمات في الآتي:
(١) سهولة الوصول إلى عدد كبير من النّاس، وذلك نتيجة الإقبال الكبير على هذه الخدمة، لما فيها من ميزات تواصليّة بين المستخدمين، في ظل سهولة التعامل وقلة التكاليف.
(٢) كثرة التطبيقات المفيدة لهذه الخدمة، ومن ذلك عقد الاجتماعات المباشرة بالصوت والصورة بين المهتمين بأمر مشترك دعوي أو تعليمي أو عملي أو اقتصادي أو سياسي أو غير ذلك، مهما تباعدت المسافات، دون الحاجة للسفر إلى مكان الاجتماع.
стр. 111
المطلب الثاني: أنموذج للتنصير عبر خدمات المحادثة
منافذ خدمات المحادثة التي تتيحها الشبكة كثيرة جداً، ولأجل الخروج بتصور واضح عن كيفية التّنصير عبرها فلعله من المناسب اختيارُ شكل بارز لهذه الخدمات، ودراستُه بالقدر الذي يغلب على الظن أن يكون كافياً للخروج بنتائج صحيحة.
وقد جرى اختيار الباحث على برنامج البالتوك للمحادثة عبر الشبكة العالمية ليكون محل الدراسة (١)، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: يحتل الموقع مركزاً متقدماً في إحصائيات أكثر المواقع دخولاً، وذلك على مستوى الدول الإسلاميّة بخاصّة، أو على مستوى دول العالم بعامّة (٢). ولذلك ففي الإحصائيات العالميّة فإنَّ أكثر الدخول للموقع يتم عن طريق المستخدمين في الولايات المتحدة الأمريكية (بنسبة ٢٢%)، ثم المستخدمين في المملكة العربية السعودية (بنسبة ١٣%)، ثم المستخدمين في جمهوريَّة مصر العربيَّة (بنسبة ٨%).
ثانياً: كثرة عدد الأعضاء المسجلين في الموقع. ويتجاوز عددهم أربعة ملايين مستخدم، منهم قرابة سبعين ألف مستخدم فعلي في كل لحظة (٣).
ثالثاً: جمعه بين أشكال التحادث الثلاثة: الكتابيّة والصوتيّة والمرئيّة.
وسوف تكون الدراسة لهذا البرنامج من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: التَّعريف ببرنامج البالتوك
البالتوك هو موقع على الشّبكة العالميّة، يجمع قرابة أربعة ملايين مستخدم نشط شهريّاً -باعتبار أنّ المستخدم النشط هو الذي يسجل دخولاً للموقع ولو مرة واحدة خلال التسعين يوماً الأخيرة-، وقرابة السبعين ألف مستخدم على الشبكة في وقت واحد، موزعين
стр. 112
على قرابة خمسة آلاف غرفة (١).
وهو واحد من أشهر برامج المحادثة الفورية على الشبكة. وقد اكتسب هذه الشهرة لتقديمه تقنية مجانيّة (٢) في نقل المحادثة النصية والصوتية والمرئية بشكل جماعي، وبجودة ونقاوة عالية، وبواجهة برمجيّة تمتاز بتسهيل التعامل مع البرنامج إلى حد كبير جداً.
تعود ملكية البرنامج إلى الشركة الأمريكيّة ( AVM Software) ، التي تأسست في نيويورك عام ١٩٩٨م.
يتميز البرنامج بإتاحة النقل المباشر للمحاضرات والدروس والاجتماعات والمؤتمرات، وبإمكانية الالتقاء بالمختصين والمهتمين بجانب معين من جوانب المعرفة أيًّا كان مكانهم في العالم، والتناقش معهم في المسائل الدينيّة أو الاقتصاديّة أو العلميّة أو السياسيّة أو غيرها، في جو من اللقاء والحوار المباشر، بالنص أو الصوت أو الصورة أو بها مجتمعة. وبتكلفة زهيدة جداً إذا ما قورنت بتكاليف الاجتماع بنفس العدد بعيداً عن تقنيات الشبكة والاتصالات الحديثة.
ومع كل هذه الميزات إلا أنّ هذا البرنامج يقف مجحفاً في صف مستخدميه من دول ما يسمّى بالشرق الأوسط، فلا يتيح لهم الدخول باسم المستخدم المجاني إلا إلى الغرف المدفوعة، باستثناء المستخدمين من داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، ومعظمهم من اليهود. ويواصل تحيزه بمضاعفة رسوم اشتراك المستخدمين من دول الشرق الأوسط إلى ضعفي نظرائهم من داخل الولايات المتحدة الأمريكيّة (٣).
يقدم هذا البرنامج خدمات المحادثة من خلال ما يسمى بالغرف ( Rooms) . وعند فتح
стр. 113
أيٍّ من هذه الغرف نجد أنّ شاشةَ الغرفة مكونةٌ من جزء علوي به المعلومات الأساسية للغرفة كالاسم، واسم المالك، وعدد المستخدمين الموجودين في الغرفة في نفس اللحظة، وعدد المفعِّلين منهم للمحادثة المرئية.
ثم الجزء التالي من التصميم مخصص لرسالة الغرفة، وهي عبارة موجزة يكتبها مالك الغرفة.
ثم يأتي الجزء الثالث من التصميم -وهو الأكبر مساحة- ليبين أسماء المستخدمين في جزء منه، ويخصص الجزء الأكبر للحوار النصي.
وفي الجزء السفلي من الغرفة خصصت المساحة للإعلانات الدعائيّة.
المسألة الثانية: واقع التّنصير عبر برنامج البالتوك
تحت تصنيف الأديان والروحانيّات ( Religion & Spirituality) - وهي غرف محادثة غير عربيّة- نجد خمساً وستين غرفة نصرانيّة، واثنتين وخمسين غرفة إسلاميّة، وسبعاً وثلاثين غرفة للأديان الأخرى. ولكن هذا التفوق للغرف النصرانيّة لا يستمر عندما ننتقل للغرف العربيّة، فتحت تصنيف الشرق الأوسط ( Middle East) نجد اثنتين وأربعين غرفة نصرانيّة، في مقابل مائة وثلاث غرف إسلاميّة.
وهذا العدد للغرف غير ثابت، لعدة أسباب، منها أنّ من الغرف ما ينتهي اشتراكها ولا تجدد فتختفي من القائمة، ومنها ما تنشأ فتضاف للقائمة، ومنها ما يتحكم به مالك الغرفة فلا تظهر في القائمة إلا بعد دخوله إليها.
وسوف يكون تركيز الدراسة على غرف المحادثة داخل التصنيف الأخير، لأنّ لغة الحديث فيها هي العربيّة. وقد تم اختيار أبرز ثلاث غرف منها، وهي التي حافظت على المراكز المتقدمة من حيث عدد الزوار طيلة فترة الدراسة. وهذه الغرف هي:
١ - غرفة: In Jesus all things have become new
وترجمتها: في المسيح يصبح كل شيء جديداً.
стр. 114
ومتوسط عدد الزوّار فيها (١): ٧٢٧ زائراً.
٢ - غرفة: Voice of the Oppressed Christians
وترجمتها: صوت المسيحيين المضطهدين.
ومتوسط عدد الزوّار فيها: ٢٢٥ زائراً.
٣ - غرفة: ZILZAL
وترجمتها: زلزال.
ومتوسط عدد الزوار فيها: ٥٧ زائراً.
المسألة الثالثة: أشكال التّنصير في برنامج البالتوك
تتعدد الهيئات والأشكال المستخدمة في العمل التّنصيري من خلال هذا البرنامج. ويمكن توضيح هذا التنوع من خلال الآتي:
أولاً: أسماء الغرف التّنصيريّة
أوَّلُ شيء يواجه الراغب في اختيار أي غرفة في هذا البرنامج هو اسم الغرفة. ومن خلال قراءة هذا الاسم يمكن للقارئ -بدرجة ما- معرفة توجه الحوار في هذه الغرفة. وباستعراض أسماء خمس وثلاثين غرفة تنصيريّة؛ كان الأكثر تكرراً:
- الأسماء الممجدة للنصرانيّة والمسيح ﵇، وقد تكررت إحدى عشرة مرة. ومن هذه الأسماء على سبيل المثال: jesus Christ is the way، ومعناها: يسوع المسيح هو الطريق. وكذلك غرفة: jesus the light of the world، أي: يسوع نور العالم.
- الأسماء الدالة على الاستعداد لمحاورة المسلمين، وقد تكررت ست مرات. ومنها على سبيل المثال: Christian and muslim friendly dialogue، أي: حوار الصداقة المسيحي الإسلامي. وغرفة muslims and Christian we are here for you، أي: مسلمين
стр. 115
ومسيحيين؛ نحن هنا من أجلكم.
- الأسماء الدّالة على الكنيسة القبطيّة، وقد تكررت خمس مرات. ومنها للتمثيل: Coptic Orthodox St Mary And Mar Girgis، وترجمتها: كنيسة مريم ومار مرقص القبطية الأرثوذكسية. وغرفة Coptic Orthodox CHURCH، أي: الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة.
ثانياً: رسائل الغرف التّنصيريّة.
والمقصود بها محتوى الشريط الذي يكون في أعلى الغرفة قبل مساحة النقاش النصّي. وغالباً ما تسجل به عبارات موجزة تعبر عن توجه مالك الغرفة. وهذه العبارات تغير من وقت لآخر. وباستعراض رسائل خمس وثلاثين غرفة تنصيرية كانت المحصلة كالتالي:
- تمجيد النصرانيّة والدعوة لاعتناقها. تكرر خمساً وعشرين مرة.
- الطعن في النبي ﷺ . تكرر أربع مرات.
- الطعن في القرآن الكريم. تكرر ثلاث مرات.
- الطعن في الدين الإسلامي بشكل عام. تكرر ثلاث مرات.
ثالثاً: دعايات الغرف التّنصيريّة.
والمقصود بها محتوى الجزء السفلي للغرفة. وغالباً ما يضع مالك الغرفة به مجموعة من التصاميم الدعائية تظهر تباعاً. وباستعراض دعايات الغرف التّنصيريّة كانت المحصلة تنوع المحتوى، وشموله ما يلي:
- الدعايةُ لمواقعَ نصرانيّة على الشبكة العالميّة.
- الدعاية لمواقع على الشبكة تهاجم الإسلام والقرآن والنبي المصطفى ﷺ .
- الدعاية لمواقع شخصيّات نصرانيّة.
- الدعاية لمواقع قنوات فضائيّة نصرانيّة تبث على الشبكة، أو لبرامج مشهورة فيها.
- الدعاية لمواقع على الشبكة تختص بالكتاب المقدس عند النصارى، أو بالترانيم، أو
стр. 116
بالمعجزات للمسيح ﵇ أو للمقدسين عندهم.
- الدعاية لمواقع تختص بالكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة.
- تصاميم لعبارات وردت في الأناجيل عندهم على لسان المسيح ﵇.
رابعاً: عبارات الترحيب بزائر الغرفة
والمقصود بها العبارة المبرمجة مسبقاً بحيث تظهر مباشرة عند دخول الزائر للغرفة في جزء الحوار النصي. هذه العبارة تمثل الانطباع الأول للزائر، ولها أهميتها في نفس الزائر. وقد كان العرب يولون الترحيب بالضيف اهتماماً كبيراً، ويجعلون الحديث والبسط، والتأنيس والتلقي بالبشر، من حقوق القِرى ومن تمام الإكرام (١)، وتُروى لهم في ذلك روائق الأقوال والأشعار. وما ذلك إلا لأثر هذه العبارات في نفس المخاطب بها.
وقد وضَّف ملاك الغرف التّنصيريّة هذا الجانب لخدمة دعوتهم. ولذا نجد لهم عبارات ترحيبيّة دعوية، من أمثال: "سلام المسيح في قلبك"، وغيرها من العبارات.
خامساً: المحادثة النصية والصوتية (٢)
وهذا هو الشكل الأساس في هذا البرنامج وغيره من برامج ومواقع المحادثة على الشبكة. والأصل فيه المحادثة الصوتيّة المباشرة، حيث يدير مالك الغرفة أو من أعطاه صلاحية الإدارة تنظيم العملية الحوارية، فيعطي المجال للراغب في التحدث، وتمتد الصلاحية إلى إمكان منع الزائر من الحديث أو الكتابة، وتصل لإمكان إخراجه من الغرفة.
ونظراً لأهمية هذه الفقرة في دراسة التّنصير عبر المحادثة فسوف يكون الحديث مبسوطاً عنها في المطلب التّالي.
وهكذا نجد أنّ المنصرين يعملون جاهدين على استغلال إمكانات هذا البرنامج البارز من برامج المحادثة المباشرة على الشبكة. فعلى الرغم من أنّ الأساس في البرنامج هو التحادث
стр. 117
الصوتي والنصي والمرئي؛ إلا أنّهم يستفيدون من جوانبه الأخرى. فاسم الغرفة يحمل رسالة تنصيريّة، ورسالة الغرفة تصاغ في عبارات موجزة موجهة، وإذا دخل الزائر وجد عبارة ترحيبيَّة ذات محتوى دعوي، ورأى من الدعايات ما يحمل المضمون الدعوي في عبارات موجزة وتصاميم جميلة. وكل هذا قبل أن يبدأ بمواجهة المحادثة بأشكالها.
المطلب الثالث: جوانب التّنصير في غرف المحادثة
في هذا المطلب نعرض بشيء من التفصيل لجوانب التّنصير عبر خدمات المحادثة، بأخذ برنامج البالتوك كأنموذج لذلك.
وبدراسة الغرف التّنصيريّة العربيّة، يمكن حصر جوانب التّنصير فيها فيما يلي (١).
الجانب الأوّل: الدعوة الموجهة للنّصارى
يوجه بعض ملاك الغرف التّنصيريّة ومدراؤها وزوارها حديثهم إلى أتباع ملتهم. ويتناول هذا الخطاب أوجهاً عديدة، نذكر منها:
١. الحديث عن المعجزات والكرامات الشفائيّة التي جرت على يد المسيح ﵇ وأتباعه في القديم والحديث لأناس ابتلوا بأمراض مستعصية، فشفوا منها، وكان ذلك سبباً في إيمان الكافر منهم، وزيادة يقين المؤمن.
٢. الحديث عن تأملات روحيّة يقصد منها زيادة الإيمان وتقويته (٢).
стр. 118
٣. البث المباشر أو المسجل لحفلات الترانيم التي تقام في بعض الكنائس.
٤. وضع روابط لمقاطع مرئية على الشبكة، أو لمنتديات، أو لمجموعات بريديّة، أو لصفحات على الشبكات الاجتماعية، ممّا يخدم الدعوة الموجهة للنصارى. وهذا يُظهر قوة الترابط بين منافذ الخدمات التفاعليّة على الشّبكة.
٥. حث النصارى على تعلم كتابهم المقدس وتدبره، وعلى جعل كل بيت مسيحي كنيسةً مستقلة عامرة بالعبادة والإيمان، وعلى صدق اللجوء للمسيح باعتباره الإله الحي، والاعتصام به والتوكل عليه.
٦. حث النصارى على العمل الجاد في التبشير والدعوة لأجل نشر النصرانية في كل أنحاء العالم، واستغلال ما أتيح من وسائل حديثة توصل لهذا الهدف، والشفقة والصلاة لأجل الكفار الذين لم يؤمنوا بالنصرانيّة، لكي يهديهم المسيح للإيمان به، والنجاة من الوعيد المفزع الذي ينتظرهم في بحيرة النّار والكبريت، كما يعتقدون (١).
الجانب الثاني: الدعوة الموجهة للمسلمين
أتاحت مواقع المحادثة فرصاً لالتقاء المنصر بمن يستهدف دعوتهم على حال لم يكن يخيل لأحد سهولة تحققه فيما أعتقد. ولهذا فإنَّه على مدار ساعات اليوم فإنَّ هناك قسًّا يُنَصِّر، ومسلماً يراد له التحول عن دينه. ومن صور ذلك في غرف المحادثة:
١) دعوة المسلم الذي يدخل إلى الغرف التّنصيريّة إلى ترك دينه، واعتناق النصرانيّة. وقد يُكتفى بدعوة المسلم إلى البحث عن الحق من الأديان، والتخلي عن قناعته بأنَّه على الدين الحق الذي كل ما سواه باطل.
٢) دعوة المسلمين في الغرف الإسلاميّة إلى اعتناق النصرانيّة.
٣) الإجابة عن استفسارات بعض المسلمين عن بعض العقائد والشعائر الأساسيّة.
стр. 119
ويكون ذلك بمحاولة تبسيط هذه الأمور العقديّة أو التعبديّة، وتأصيل التدليل عليها من الكتاب المقدّس عند النّصارى، وبيان شيء مما ترمز له من الدلالات.
الجانب الثالث: مهاجمة الإسلام
وهذا القسم هو الأغلب الأعم لوقت المحادثة في هذه الغرف حسب الدراسة. وسوف يكتفى هنا ببيان المسألة بشكل عام، دون الطرح التفصيلي للشبهات، لأنَّ ذلك خصص له الفصل الثاني من هذا البحث. ويمكن إجمال جوانب مهاجمة الإسلام في غرف المحادثة في الآتي:
١) غالب هجوم المنصرين موجه إلى النبي الكريم محمد ﷺ . ويشمل ذلك النسبة العظمى من الغرف النصرانيّة، وتملأ به ساعات الليل والنهار. والمطلع على هذه الغرف يستبين بجلاء أنَّ الهدفَ الأول هو إسقاطُ مكانة النبي ﷺ من نفوس المسلمين، وترسيخُ الصورة الذهنية السيئة عنه ﵊ في نفوس غير المسلمين (١)، والإمعانُ في تبغيضه إليهم. ولتحقيق ذلك فإنهم يطعنون في صحة رسالته ﷺ ، ويطعنون في نسبه الشريف، وفي أخلاقه السّامية.
٢) الطعن في زوجات النبي ﷺ ، وأصحابه ?، وذلك بنسبة القبائح إليهم.
٣) الطعن في القرآن الكريم. وذلك بتكذيب بعض قصصه، ونسبة بعضها إلى الخرافة. وكذا ذكر شواهد كثيرة يرون فيها تناقضاتٍ وأخطاءً نحويّةً أو تاريخيّةً أو جغرافيةً أو غير ذلك من أوجه مجانبة الصّواب. وكذا التشكيك في موثوقيّة النصّ القرآني الموجود بين أيدي المسلمين اليوم، من خلال تناول قضية جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق ﵁، وتوحيد المصاحف على عهد عثمان بن عفّان ﵁، ومن خلال كثرة طرح موضوع الأحرف السّبعة، والقراءات السّبع أو العشر.
٤) الطعن في بعض عقائد الإسلام. وذلك كعقيدة القضاء والقدر؛ التي يطرحونها
стр. 120
بالفهم الجبري، الذي يرى في الإنسان ريشةً في مهب الريح، مسلوب الإرادة والاختيار، وذلك للطعن في عدالة ورحمة إله المسلمين الذي يؤمنون به -كما يطرحون ذلك صراحة. ويضاف إليه تحريف معنى قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١)، إلى أنْ يكون المقصودُ أنّ المسلم يعيش حياته قلقاً -وإن كان على الطّاعة- من أن يَمكر به مولاه فيجبره على فعل الكفر فيكون مآله العذاب (٢)(٣).
٥) الطعن في بعض شعائر الإسلام، وعلى الأخص منها شعيرة الجهاد.
الجانب الرّابع: الدفاع عن النصرانيّة
وهذا يكون في الغرف النصرانيّة كما يكون في الغرف الإسلاميّة.
ويكون بالتصدي لكل ما يثار حول النصرانيّة كتاباً وعقائد وشعائر. فيتولى النصارى محاولة إثبات صحة عقائدهم وطقوسهم التعبديّة وعصمة كتابهم المقدس، ودفع ما يثار
стр. 121
للتشكيك في شيء منها.
ومن سبل الدفاع عن النصرانية تكذيب قصص المتحولين عنها إلى الإسلام، والتشكيك في صدق نوايا من يعلن انتقاله إلى الإسلام. وفي المقابل تورد قصص المتحولين من الإسلام إلى النصرانيّة.
المطلب الرابع: منهج التّنصير في غرف المحادثة
إنّ المتتبع لغرف المحادثة التّنصيريّة يجد أنها -في الغالب- تتبع طرقاً متنوعة؛ بعضها بعيد كل البعد عن المنهج العلمي والأخلاقي في الطرح والمناقشة (١).
وفي هذا المطلب نستعرض بعض هذه الطرق، ونجليها، ونورد ما يكون في بعضها من مجانبة لأمانة الطرح وأخلاق الحوار. فمن هذه الطرق:
أولاً: التعرض لدين المسلمين ونبيهم وكتابهم ومقدساتهم بالسب والشتم بأقذع الأوصاف والألفاظ.
وهو منهج ينأى بنفسه عنه كلُّ ذي خلق ومروءة من النّاس أيًّا كان دينه. ولا يُقْدم عليه -في الغالب- إلا مَنْ ضَعُفت حجته أو انعدمت.
وهذا المنهج مخالف لتعاليم المسيح ﵇ في الإنجيل الذي بين أيدي النصارى اليوم. ففي إنجيل متّى؛ يقول المسيح ﵇: (وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، وصلوا من أجل مضطهديكم) (٢).
ومخالف لتعاليم بولس (٣) -صاحب المكانة المقدّسة في النصرانيّة- حيث يقول في
стр. 122
رسالته الأولى إلى أهل كورونثوس: (ونُجهد النّفسَ في العمل بأيدينا. نُشتم فنُبارك. نُضطهد فنَحتمل) (١).
ولأنّ الإسلام جاء متمماً لمكارم الأخلاق فإنّا نجد في القرآن الكريم نهيَ الله تعالى لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإخبارَه أنَّ كلَّ أمة من الأمم قد زُين لهم ما يعبدون، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره (٢).
يقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
ثانياً: عرض الديانة النصرانية بشكل مبسط، وحصر المطلوب من المسلم لكي ينجو؛ في الإيمان بأنَّ المسيح أكمل الفداء، فمن قبل ذلك حمل عنه المسيح الأثقال والأعباء وملأ قلبه بالمحبة وحياته بالسعادة. والاستدلال لذلك بشواهد من الكتاب المقدس، مثل: (آمن بالرب يسوع تنلِ الخلاصَ أنت وأهلُ بيتك) (٤).
ثالثاً: نزع الأدلة عن سياقاتها، ووضعها في سياقات مختلفة. وهو أسلوب تدليس وتضليل وتغييب للحقائق؛ بعيدٌ عن الأمانة في النقل والطرح.
ومن صور ذلك؛ تجاهل أسباب النزول، وسياقات الأحاديث. ومن أمثلة ذلك سعي أحد مدراء أبرز الغرف التّنصيريّة العربية لإثبات أنّ النبي ﷺ كان شاكًّا في أمر دينه ودعوته بدليل قوله (نحن أولى بالشك من إبراهيم). متجاهلاً إيراد سياق الحديث، لأنّ فيه ما يدفع تشبيهه على المستمعين.
إنَّ هذا المدعي شكَّ النبي ﷺ في دينه ودعوته يريد من العقلاء تجاهل عقولهم وتعمية
стр. 123
أعينهم عن صاحب دعوة جابه بها قومه وحيداً بادئ الأمر، ثمّ في قلّة من أتباعه، متحملين صنوف الأذى والتعذيب والحصار والتقتيل، مهاجرين بدينهم بعيداً عن ديارهم وأموالهم.
فهل يصبر أحد على هذا ثلاثاً وعشرين سنةً وهو متشكك فيما يدعو إليه؟!
وهل يبني الشاكُّ دولة، ويكونُ له أتباعٌ يتجاوز عددهم اليوم ألفاً وخمسمائة مليون؟!
وهل يُخرِّجُ الشاكُّ ملايينَ الأتباع المتيقنين من دينهم، الثابتين على دعوتهم، الباذلين حيالها الأرواح والأموال والأعمار؟!
إنّ من يقول هذا كمن يريد لنا أن نقتنع أنّ أبلَهَ خرَّج عشراتِ المفكرين، ومتطبباً تتلمذ على يديه مئاتُ الجرّاحين البارعين!
وقبل هذا وذاك؛ فإنّ سبب ورود الحديث يوضح المقصود ويُزيل اللبس. يقول ابن قتيبة الدينوري (١): «فأمّا قوله: (أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم ﵇)، فإنّه لمّا نزل عليه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢) قال قومٌ سمعوا الآية: شكَّ إبراهيم ﷺ ، ولم يشك نبينا ﷺ .
فقال رسول الله ﷺ : (أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم ﵇) تواضعاً منه، وتقديماً لإبراهيم على نفسه. يُريد: أَنَّا لم نَشُكّ، ونحن دُونَهُ، فكيف يَشُكُّ هُوَ؟» (٣).
رابعاً: استغلال جهالة المتحدثين على الشبكة؛ جهالة حال وجهالة عين، لأجل التأثير على المدعوين.
ومن ذلك إظهار من يتحدث بصوته -من الجنسين- ليخبر بأنَّه كان على دين الإسلام
стр. 124
قبل أن يدخل الغرف التّنصيريّة ويتعرف على حقيقة الدين النصراني ثم يعتنقه، ليجد السعادة والراحة والطمأنينة والانفكاك عن ما يسميه بقيود الإسلام وتعاليمه المخالفة للفطرة والعقل.
ومنهم من يُظهر أنه لا زال على الإسلام إلا أنه متأثر بما يطرحه القس في الغرفة، ثم يُظهر ازدياد تأثره وقناعته بكلام المنصر، وتراه يُمَكَّن من الحديث ليعبر عن ابتهاله للرب أن يهديه طريق الحق، ليُخْتَمَ هذا المشهد -الذي يتكرر كثيراً في هذه الغرف- باعتناقه النصرانيّة وسط ابتهاج النصارى وابتهالهم للرب أن يثبته.
وهذه الحالات لا يعول عليها عند اعتماد المنهج العلمي الصحيح في قبول الأخبار أو ردها، وإن كان من المسلَّم به وجود من يتحوّل إلى النصرانيّة من المسلمين.
وقد سار المسلمون على منهجيّة صارمة في قبول الأخبار، تشترط انتفاء جهالة العين والحال عن الرّاوي للنّظر في روايته.
قال النووي (١) في التقريب والتيسير: «رواية مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تُقبل عند الجماهير» (٢).
وقال السيوطي (٣) في شرحه لكتاب النووي المتقدم: «(وأما مجهول العين)، وهو القسم الثالث من أقسام المجهول: (فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة)، وَرَدُّهُ هُوَ الصَّحِيحُ الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث، وغيرهم» (٤).
стр. 125
والسيوطي يَذكر أنَّ الأخذَ عن المجاهيل منهجٌ متبع عند كثير من اليهود والنصارى فيقول: «وأما النقل بالطريق المشتملة على كذّاب أو مجهول العين فكثيرٌ في نقل اليهود والنّصارى» (١).
خامساً: محاولة إبعاد أي فرصة لدى المستمع في الشك بصحة شيء ممّا يطرح عن الإسلام وكتابه ونبيه وسنته، وذلك بتكرار التأكيد على أنَّ ما يُطرح مصدره كتاب المسلمين وسنة نبيهم. وإعلان التحدي الصارخ لمن يستطيع نفي ذلك. ثم بعد ذلك تطرح الشبه والانتقادات التي يظهر للمستمع لأول وهلة أنها مأخوذة من الكتاب والسنة، ولكنها بعد التمحيص لا تعدو استدلالات لا تثبت على قدم التمحيص.
وفي هذا السياق يكثر إحالتهم إلى مواقع إسلاميّة كبرى من أمثال موقع وزارة الشؤون الإسلاميّة السعوديّة (٢)، وموقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (٣)، في محاولة لتأكيد صحة ما ينقل، وأنَّ مصدره ما هو عند المسلمين مرجعٌ معتمد مصدق، فلا مجال لشبهة الافتراء والتقول على المسلمين.
وهذا المنهج -أعني محاولة هدم الإسلام به وبأتباعه- له أهميته عند النصارى. وعليه قام كثير من النتاج الاستشراقي. وفي سياقه قدمت بحوث ورسائل علميّة، من أمثال رسالة الماجستير لإبراهيم خليل أحمد (٤) -قبل إسلامه- والتي كان عنوانها: «كيف ندمر الإسلام بالمسلمين» (٥).
سادساً: الاستشهاد بمقاطع صوتيّة لبعض مشايخ المسلمين أو الدعاة المشهورين أو عامة
стр. 126
المسلمين بطرق تحقق مآرب المنصرين، ومن أمثلة ذلك:
المثال الأول: اقتطاع جزء من الحديث الصوتي مما يرد فيه لفظ سيء، وقطعه عن سياقه، وكثرة ترديده، بغية إظهار مشايخ المسلمين مظهر البعيدين عن محاسن الأخلاق، المتصفين برذائلها.
ومن ذلك تكرار اجتزاء قول أحدهم: (يا ابن مقطعه البظور)، والتعليق عليه بما يوهم لجوء دعاة الإسلام إلى استخدام الألفاظ النابية التي يستحيى من ذكرها.
ولو تم إيراد حديث الشيخ كاملاً لانتفى هذا التوهم، لأنَّ العبارة وردت في سياق منازلة حربيّة في غزوة أحد؛ بطلها أسد الله وأسد رسوله ﷺ ؛ حمزة بن عبد المطلب ﵁ (١). ولم يكن فيها حمزة شتّاماً، ولكنّه حكى حقيقةً ليفت في عضد منازله.
قال ابن هشام (٢): «ثم مرّ به سِبَاع بن عبد العزى الغُبْشاني، وكان يكنى بأبي نِيَار، فقال له حمزة: هَلُمَّ إلَيَّ يَا بن مُقَطِّعَةِ البُظُور- وكانت أمّه أمّ أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي .. وكانت ختّانةً بمكة» (٣).
المثال الثَّاني: بث مقاطع صوتيّة سجلتها بعض القنوات الفضائية لمسلمات مارسن نكاح المتعة مراراً، أو تعرضن لانتهاكات جنسيّة من أقاربهن. ثم التعليق على هذه المقاطع بما يصور أنَّ المنهجية الشهوانيّة سبيل يمارسه جل المسلمين بدافع من دينهم.
المثال الثَّالث: بث مقاطع صوتيّة بصوتٍ يَظهر أنَّه لأحد الدعاة المسلمين، وفيه شرح لبعض أبيات نونيّة ابن القيم في وصف حور الجنة. وتحتوي المقاطع على تفاصيلِ ذكر المفاتن بصورة فيها تجاوز من الملقي. ثم تُخَلل فقرات الحديث بآيات من القرآن الكريم في هذا
стр. 127
الباب؛ في عملية توليف (مونتاج) مكشوفة المقصد.
المثال الرّابع: إيراد مقاطع صوتيّة لمشايخ يفتون فيها بمسائل شاذة كإباحة رضاع الكبير بإطلاق، ثم يتبع هذا بمقاطع لمقابلات أجرتها بعض القنوات الفضائية مع العامة من المسلمين في الشارع يستنكرون أن يكون هذا من الدين. ويُعْقِب هذا محاولة إقناع المستمعين بأنَّ هذه الفتوى من الدين الإسلامي (١)، وأنَّ هذا الدين يحوي من المنكرات الشيء الكثير، من أمثال هذه الفتوى، وأنَّ مشايخ الإسلام يكتمون هذه الأمور عن الأتباع إلى أنْ جاء من امتلك منهم الشجاعة فصرح بشيء منها.
وكلُّ هذا وما سبقه وما يتبعه يراد منه التنفير من الإسلام بأساليب بعيدة كل البعد عن أخلاقيات الطرح العلمي المنصف، الذي يعتمد الدليل والحجة والبرهان.
وإلا كيف يسوغ إيراد هذا الطّعن في دين مُلئَ كتابه وسنّة نبيه بالنصوص الآمرة بعفة اللسان، والمعلية قدر خلق الحياء؟!
وأين ذلك من سيرة النبي ﷺ وأصحابه والتّابعين، المشرقة بالتعفف والبُعد عن الفحش والبذاءة والسبّ والشتم؟!
وهل يترك هذا جميعه لينقض بمثالين أو ثلاثة، على نحو منهج مَنْ أشرنا لهم قريباً في نقض القاعدة العريضة الثابتة بالمثال الشاذ؟!
إنّ على صاحب هذا المنهج أنْ لا يُصدم إذا جاء من يصف المسيح ﵇ بأنّه كان إرهابيًّا، عاقًّا لأمه، داعياً للكراهية، عنصريّاً، مشبِّهاً الأميين من غير اليهود بالكلاب، كاذباً، محبًّا للتعري، سابًّا لإخوانه الأنبياء، ولتلاميذه، ولليهود عامّة. وذلك من نصوص العهد الجديد (٢).
وحاشا نبيَّ الله عيسى ﵇ أن يكون على شيء من ذلك، بل كان مِنْ أولي العزم مِنَ الرّسل، وجيهاً في الدنيا والآخرة، برًّا بوالدته، مقرّباً من مولاه.
стр. 128
ثمَّ أينَ تعيير الكافر في منازلة حربيّة بمهنة أمّه، وتجاوزٌ فرديٌّ لأحد شرّاح النونيّة، من أسفار كاملة في الكتاب المقدّس يجد الرّجل الكبير حرجاً من قراءتها، فضلاً عن الشباب والشّابات، ثمَّ يأتي من دارسي الكتاب المقدّس مَن يصفها بأنّها «أروع الأناشيد، وأعذب الأغاني، التي تصور الحب المتبادل بين الرَّجل والمرأة» (١)؟!
سابعاً: التلطف في الطرح الذي يراد منه دعوة المسلم للتخلي عن دينه واعتناق النصرانيّة. وتكرار الطرح الذي يلامس الوجدانيات، ومحبة الخير والنجاة لهذا المسلم المظلل الذي أراد الله به خيراً حين ساقه لدخول الغرف التّنصيريّة كما يصورون.
وقد يتصف هذا الخطاب اللطيف بحسن بيان الداعي للنصرانيّة، وتمكنه من طرح خطاب دعوي يظهر فيه المتانة والقوة والإحكام.
وقد يُظهر الداعي أنَّه كان مسلماً قبل أنْ يمن الله عليه بمعرفة حقيقة باطل الإسلام وصدق النصرانية كما يصور، وأنَّه مر بمرحلة التشكك والحيرة حين سمع كلام المنصرين عن الإسلام، إلى أنْ وصل إلى قناعةِ تبديل الدين.
وخلال هذا الطرح تتوالى ابتهالات المنصر إلى الله أن يقذف في قلب هذا المسلم معرفة الحق واتباعه.
ومن السبل التي يكثر اتباعها دعوة المسلم إلى تكرار دخول الغرف النصرانيّة، وفي هذا إيهام بقوة وصدق ما يطرح فيها، لأنَّ صاحب الحق لا يخشى أحداً، وهو أسلوبٌ من أساليب الحرب النفسيّة.
ثامناً: استضافة المتنصرين للحديث عن قصص تحولهم عن الإسلام. وقد سبقت الإشارة إلى أنَّ غالب هؤلاء مجاهيل.
تاسعاً: استغلال أثر الطرح الصوتي المباشر، وتعدد إمكانات التأثير فيه. وذلك يستبين أثره في نبرات الصوت، وطريقة الحديث. وقد جاء في الحديث (إنَّ من البيان لسحرا) (٢).
стр. 129
ولهذا نجد إجادة بعض المنصرين لتغيير نبرة الصوت بين الانخفاض والارتفاع، وتنويع سرعة الحديث، وتمثيل الانفعالات المتعددة كالحزن والضحك والاستهزاء والحماسة وغيرها.
ويطوع بعضهم اللهجة العامية المبسطة للوصول إلى المتلقين. ويستغل بعضهم وجود رجع الصدى الفوري في هذا النوع من الخدمات ليضيق الخناق على المسلم ويحاصره بالشبهات التي لا يستحضر الرد عليها أحياناً، لإظهار التفوق عليه، ومحاولة هزيمته وإضعافه وهز قناعاته.
عاشراً: كثرة الاستدلال بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة للطعن في الإسلام. والغالب أنَّ المنصر يذكر مصدر الحديث ودرجته إذا كان سيستدل بفهمه منه بما يطعن به في الإسلام. أما إذا كانت الدلالة واضحة فإنَّه يورد الحديث الضعيف أو الموضوع دون أن يذكر المصدر. ومن المسلك الثاني -أعني إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة- الأمثلة التالية:
المثال الأول: حديث: (تمر بالمسلمين في الجنّة سحابة فيسألون الله أن تمطر عليهم كواعب أترابا)، والتعليق على ذلك بما يفيد شهوانيّة المسلمين في دنياهم وأخراهم.
وهذا النص -فيما وقفت عليه- ورد في بعض كتب التفسير، ومداره على روايتين:
الأولى: رواية: (إنّ السرب من أهل الجنّة لتظلهم السحابة، قال: فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع من القوم إلا أمطرتهم، حتى إنَّ القائل منهم ليقول أمطرينا كواعب أترابا) (١).
الثانية: رواية: (إنَّ قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله، وإنَّ السحابة لتمر بهم فتناديهم يا أهل الجنّة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب) (٢).
стр. 130
وها هنا بعض الملاحظات المهمة:
الأولى: لم ترد أيُّ رواية في هذا المعنى في كتب السنة المعتمدة كالصحاح والسنن وغيرها مما وقفت عليه.
الثانية: الرِّواية الأولى من كلام التابعي، فلا يصح الاحتجاج بها، وحتى مع ورود رفعها إلى النبي ﷺ فإنها تكون من المرسل، وهو أحد أنواع الحديث منقطع السند. ومنقطع السند بجميع أقسامه مردود للجهل؛ إلا مرسل الصحابي، ومرسل كبار التابعين المكثرين من الرواية عند كثير من أهل العلم إذا عضده مرسل آخر أو عمل صحابي أو قياس (١). وهذه الاستثناءات غير متحققة هنا، فلا تقوم هذه الرواية للاحتجاج.
الثالثة: الرواية الثانية، وهي رواية أبي أمامة ﵁ (٢) لا تصلح للاحتجاج، لجهالة أحدِ رواتها (٣).
الرابعة: ليس في الروايتين -على افتراض صحتهما- ما يدل على ما أراد المنصرون إيصاله للنّاس من أنَّ إجماع المسلمين كلِّهم في الجنّة هو على طلب الكواعب الأتراب.
فالرواية الأولى تدل على أنَّ أكثر المسلمين يطلبون حوائجهم فتلبى لهم مهما عظمت وظُنَّ استحالة تحققها حتى إنَّه ليوجد من يُغرب في طلبه فيسأل السّحابة الكواعب الأتراب، وهذا يفيد ندرة من يذكر هذا المطلب.
والرواية الثّانية ليس فيها أنَّ المسلمين يطلبون ذلك.
الخامسة: كيف يطلب المسلمون هذا وقد وُعدوا به في الجنّة في جملة النعيم الذي يكون لهم؟!
стр. 131
السادسة: ثبت في الأحاديث الصحيحة الكثيرة أنّ أغلى أمانيّ أهل الجنّة رؤية وجه الله الكريم، وليس شيئاً آخرَ من النّعيم الحسّي.
السابعة: أنّ من مزايا الإسلام أنّه اعترف بالواقع البشري على حقيقته، فلم يكبت نوازع الجسد وشهوات النفس، وإنما اعترف بهما من حيث المبدأ، ومن حيث أنهما شعور في النفس لا ينبغي كبته ولا مصادرته، ثمّ نظّم للإنسان سبيل الاستمتاع باللذّات (١).
ولهذا نرى كيف سلمت الشعوب الإسلاميّة من شرور الإنكار المطلق لهذه النّوازع الفطريّة، أو التّرك المطلق لها من غير قيدٍ أو ضبط.
ومن هنا جاء تشريع الزّواج في الإسلام، والحثّ عليه، والنّهي عن التبتل إلا لمانع شرعي، كما جاء الوعد بالمتعة الجنسيّة ضمن نعيم الجنّة.
المثال الثّاني: حديث عمر ﵁ أنّ الرسول ﷺ قال: (لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته).
والحديث الذي فيه أنّه لما نزل في القرآن (واضربوهن) قال النبي ﷺ : (اضربوهن) فضرب الرجال النساء تلك الليلة.
والحديث الذي فيه أنّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ تشكو أنّ زوجها لطمها فقال لها النبي ﷺ : (أطيعي زوجك)، فرجعت من غير قصاص.
وقصة الزبير بن العوام (٢) مع زوجتيه، وأنّه كان يربط شعورهن إلى بعض ويضربهن، فذهبت إحداهن -وهي أسماء بنت أبي بكر (٣) - إلى أبيها الصديق تشتكي -يقول المنصر
стр. 132
متهكماً: ومن سيكون أعلم من الصديق بأمر الإسلام وتوجيهات النبي-، فقال لها أبو بكر: (أطيعي زوجك) (١).
هذه النصوص الأربعة جاءت مجتمعة في حديث أحد المنصرين في سياق بيانه لموقف الإسلام من المرأة من وجهة نظره.
وقبل النظر فيها نقرر قاعدة عقليّة لا تقبل الاختلاف، وهي أنّ الدّين الحقّ عصيٌّ على التناقض في أخباره وأحكامه. فلا يمكن أن يأمر بالشيء وينهى عنه، ويُحسِّن الأمر ويقبحه في ذات الوقت، ويأمر بالإكرام والإساءة في الوقت نفسه.
وهنا نتساءل! كم في نصوص القرآن الكريم وصحيح السّنّة، من تكريم للمرأة، وأمر بالإحسان إليها أمًّا وأختاً وزوجةً وابنةً وقريبةً وغير قريبة؟!
وكم في سيرة النبي ﷺ وأصحابه والتّابعين بعدهم من صور تطبيقيّة ساميةٍ تُنْزل المرأة مكانتها اللائقة بها؟!
وهل من المنهج الموضوعي تجاهلُ كلِّ هذا، والتّعويلُ على رواياتٍ محدودةٍ وإنْ صَحَّت، فضلاً عن أن تكون ضعيفةً لا تثبت على قدم الاحتجاج؟!
وإذا جئنا لتمحيص الروايات المذكورة نجد الأولى ضعيفةً لا تصلح للاحتجاج (٢).
والثانيةُ لا وجود لها في كتب الحديث والتّفسير -فيما وقفت عليه-، ولا أظن الحاجة تدعو للنظر فيها، فإنّ هذا المنصر اختزل كلمةً واحدة من الآية التي عالجت موضوع المرأة الناشز، وركّب عليها رواية في غاية التهافت.
وبمعالجة عقليّة مبسّطة، فإنّ حدثاً كهذا لا يُقبل ولو رواه ثقة أو أكثر، حتى يتواتر النَّقَلة له، لأنّه عمّ بيوت المسلمين ولم تسلم منه امرأة، كما ذكر صاحب الرواية!
وفيه شبه كبير برواية صاحب إنجيل متّى، حين ذكر أنّ المسيح لما أسلم الروح على
стр. 133
الصّليب، انشق حجاب الهيكل نصفين، وتزلزلت الأرض، وتشققت الصخور، وقام كثيرٌ من القديسين من قبورهم، ودخلوا المدينة، ورآهم النّاس.
فكيف انفرد متّى بهذه الرّواية العجيبة دون غيره من أصحاب الأناجيل والرسائل، الذين لم يخبروا بها.
ولهذا رفض قبول هذه الحادثة بعض من احترم عقله من داخل الدائرة النصرانية (١).
وعوداً على رواية الأمر بضرب النّساء، فإنّ نظرة سريعة للآية الواردة فيها تبين المقصود، إذ يقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٢).
فالضرب مقتصر في حالة المرأة الناشز إذا لم يُفد معها الوعظ والهجر في المضجع، مع وجوب التزام الضوابط الشرعيّة فيه بأنْ لا يكون مبرحاً أو كاسراً لعظم أو مشوِّهاً لشيء من الجسد. ويحرم ضرب الزّوجة في غير هذه الحالة (٣).
وما ذلك إلا تغليباً لارتكاب ضرر يسير هو الأذى النفسي والجسدي للمرأة، من أجل دفع ضررٍ أعظم وأعظم إذا آلت الحال إلى انفكاك عرى الأسرة، وطلاق المرأة، وضياع الأبناء.
وأمّا رواية الزوجة التي اشتكت زوجها، فقد ورد في بعض كتب التفسير أنّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنّه لطمها، فقال الرسول ﷺ : (القصاص)، فأنزل الله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض)، فرجعت بغير
стр. 134
قصاص.
وهذه الرّواية لا تصلح للاحتجاج، لأنّها من رواية تابعي يرفعها إلى النبي ﷺ ، فالحديث هنا منقطع، وفيها راو متهم بالإرجاء (١). وعليه؛ فلا تصلح هذه الرواية للاحتجاج.
وكيف تصلح وقد جعل النبي ﷺ كفارة لطم الأمة عتقها؟! (٢)
أم كيف تصح وقد تكاثرت أقوال النبي ﷺ بالوصيّة خيراً بالنساء عموماً والزّوجات خصوصاً. وقد منع من ضرب الوجه مطلقاً، وحذّر من عاقبة الظّلم، ومازح رجلاً فلّما قال أوجعتني يا رسول الله؛ مكّنه من نفسه ليقتص.
ولم يُشرع في الإسلام ضرب الزّوجة إلا في حالةٍ واحدة، وبضوابط تمنع الإيذاء والضّرر، وتُوجب تجنب الوجه.
ولم يُعهد في السيرة أنَّ امرأةً جاءت إلى النبي ﷺ تشتكي ضرب زوجها واعتداءه عليها، بل لما جاءت امرأة تستشيره في ثلاثةِ خُطّاب؛ أرشدها إلى تجنب أحدهم لأنّه كان ضرّاباً للنِّساء.
وأمّا قصة أسماء بنت أبي بكر مع زوجها الزبير فلم أجدها، ولا أظنُّ الحاجة تقوم للنظر فيها، لأنّها في غاية الضعف والتهالك، ومن قبيل ما يُغني سقوطه عن إسقاطه.
وكيف يَقبل عاقل نسبة هذا التصرف الهمجي لمهاجر الهجرتين، وأحد البدريين، وأول من سل سيفاً لحماية الدين، وأحد العشرة المبشرين؟!
стр. 135
حادي عشر: إيراد فهوم خاطئة من أدلة صحيحة من الكتاب والسنة. فقد يورد المنصر آيات من كتاب الله الحكيم، وأحاديث صحّت عن النبي ﷺ ، ولكنّه يحملها على غير ما دلّت عليه، وعلى خلاف ما فهمه منها السلف الصالح. ومن ذلك الأمثلة التّالية:
المثال الأول: القول بأنَّ الإسلام يبيح الزنا والسرقة بدليل قول النبي ﷺ : (وإن زنا وإن سرق) (١).
وهذا الفهم سقيم، لا يقول به من له أدنى معرفة بأحكام الإسلام وحدوده.
ولا أدري كيف يقال عن دين أنّه يبيح الزنا؛ وهو يحد فاعله بالجلد مائة والتغريب عاماً لغير المحصن، وبالرجم بالحجارة إلى الموت للمحصن؟! أم كيف يبيح السرقة وهو يحد فاعلها بالقطع؟!
والحديث بتمامه إنّما يدلّ على فضل التّوحيد، وأنّ من مات لا يشرك بالله شيئاً فإنّ مصيره الجنّة، وإن ارتكب شيئاً من الكبائر فهو تحت مشيئة الله؛ إنْ شاء عذّبه عدلاً، وإنْ شاء غفر له فضلاً (٢).
وإذا كانت السّرقة والزّنا مباحة في الإسلام فلمَ هيَ غيرُ منتشرة في المجتمعات الإسلاميّة بنفس النسب في باقي المجتمعات، مع قيام الدّاعي لها من شدّة الفقر؟!
لقد حفظ الإسلام بتعاليمه أموال النّاس وأعراضهم وأنفسهم وعقولهم، وأعطى في ذلك حلولاً للبشريّة تكفل لها الرّاحة والسّعادة والأمن.
المثال الثّاني: القول بأنَّ الإسلام يعطي النبي ﷺ حق التزوج بمن شاء من نساء المسلمين ولو كنّ متزوجات، بدليل قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣).
стр. 136
وهذا الفهم متهالك، فإنَّ المعنى المراد بعيدٌ عن هذا الفهم السقيم.
ومعنى الآية أنّ النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم في نفوذ حكمه فيهم، ووجوب طاعته عليهم، فلو دعاهم لشيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النّبي أولى بهم من طاعة أنفسهم.
وقيل: أولى بهم من أنفسهم فيما قضى فيهم، وأولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النّفس فيه، فإن أَذِن لهم بذلك لم يجز لهم الاستئذان من آبائهم وأمهاتهم (١).
وقد يستدلون على هذا الفهم بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وليس في الآية ما يدل على مرادهم، فإنّ معنى الآية أنّ الله تعالى أباح لنبيه ﷺ المرأةَ المؤمنة إن وهبت نفسها له أن يتزوجها بغير مهر إذا شاء. ومع كثرة من وهبن أنفسهن له ﵊ إلا أنَّه لم يختر قبول أي منهن، كما ورد ذلك عن ابن عبّاس ﵁ (٣). وقد أوجب الله على المؤمنين الاقتصار في الزوجات على أربع مع اشتراط الولي والمهر والشهود، ورخّص لنبيه ﷺ في هذه الأمور الأربعة (٤).
ثمّ يُقال لهؤلاء هاتوا مثالاً واحداً صحيحاً لامرأة متزوجة أمر النبي ﷺ زوجها بفراقها، ثمّ تزوّج بها. وهاتوا مثالاً صحيحاً واحداً لامرأة وهبت نفسها للنبيّ فتزوجها، مع إباحة هذا له.
إنّ الإسلام لحرصه على تآلف القلوب وتآخيها؛ حثّ على كل ما يقرب من ذلك، وحرّم كل ما ينافيه، ومن ذلك تحريم خِطبة المرء على خِطبة أخيه. فكيف يُتصور من نبي
стр. 137
الأمّة أنْ يكون منه أعظم صور إفساد العلاقات وتأجيج العداوات، وذلك بأمر المسلم بمفارقة زوجته ثمّ التزوج بها.
المثال الثّالث: القول بأنَّ الإسلام يبيح الكذب بدليل إجازة الكذب في ثلاثة مواضع. وهذا فهم سقيم لا يقول به صاحب التفكير المستقيم، أو من له أدنى معرفة بالإسلام.
فالمفهوم من ترخيص الإسلام لهذه الحالات الثلاث أنّ الكذب محرّم كلُّه إلا ما استثني، ولا يفهم العاقل من ذلك أنّ الكذب كلُّه مباح بدليل ما استثني!
والكذب في الإسلام من كبائر الذنوب، ومن أمارات النفاق، وكم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أدلةٍ تحرمه وتنفر منه.
وأمّا الحالات الثلاث -وهي الكذب في الحرب وفي الإصلاح وفي حديث الرجل امرأته يرضيها- فهي عند كثير من العلماء من باب التورية، والتورية تسمى كذباً (١). أو هي استثناء تقتضيه المصلحة.
قال ابن قتيبة - ﵀: «وقد رُخِّص في الكذب في الحرب، لأنها خُدعة، وفي الإصلاح بين النّاس، وفي إرضاء الرَّجل أهله. ورُخص له أن يُوريَ في يمينه إلى شيء، إذا ظُلم أو خاف على نفسه، والتّورية أن ينويَ غير ما نوى مُسْتَحْلِفُهُ» (٢).
ثمّ يقال: أين الرّخصة في الإصلاح بين متخاصمين، وإرضاء الرّجل زوجته، والمخادعة في الحرب، من الرّخصة في الكذب على الله تعالى لغرض تمجيده؟! يقول بولس في رسالته إلى روميّة: (ولكنْ إذا كان كذبي يَزيدُ ظُهور صدقِ الله من أجل مجده، فلماذا أُدان أنا بعدَ ذلك كما يُدان الخاطئ؟) (٣).
المثال الرّابع: القول بأنَّ القرآن يدل صراحة على ألوهية المسيح بدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
стр. 138
مَرْيَمَ﴾ (١)، على اعتبار أنّ كلمة المسيح معطوفة على لفظ الجلالة، فيكون الله والمسيح هما الإله الحق الذي اتخذت معه الأحبار والرهبان زوراً.
يقول مُورِدُ الشّبهة: "إنّ محمد بن قتيبة -وهو أحد كبار علماء الإسلام- قال معلقاً على هذه الآية: «إمّا أنْ ندمرَ قواعد اللغة ونأخذَ الإسلام، أو ندمرَ الإسلامَ ونأخذَ باللغة العربية» ".
لقد جمعت هذه الشّبهة بين تفسير كلام الله على غير المراد به، والجهل بقواعد النحو العربي، والتقول على أحد علماء الإسلام.
بُنيت هذه الشّبهة على أنّ لفظ المسيح معطوف على لفظ الجلالة. والمعلوم من قواعد اللغة أنَّ الاسمَ المعطوفَ يأخذُ حكم الاسمِ المعطوفِ عليه، فلو كان لفظُ المسيحِ معطوفاً على اسم الجلالة لأخذ حكمه في الإعراب وكان مجروراً، بينما هو في الآية منصوبٌ على اعتبار عطفه على قوله (أحبارَهم ورهبانَهم). وبهذا ينهار الأساس الذي قامت الشّبهة عليه.
ثمّ إنّ فهم السلف الصالح، وما سطره المفسرون في كتب التفسير، ليس بينه وبين فهم هذا المنصر صلة، فهل يُترك فهمُ مَن أُنزل القرآن بلغتهم ويؤخذ بفهم غيرهم؟!
وأمَّا نسبة تلك العبارة إلى ابن قتيبة فهو افتراء محض، وكلام مطلق بلا تحقيق أو توثيق. فابن قتيبة أحد جهابذة الإسلام الموثوقين، وكُتُبه بين أيدينا ليس فيها هذا القول أو ما يقرب منه (٢).
قال شيخ الإسلام موضحاً مكانة ابن قتيبة: «وابن قتيبة هو من المنتسبين إلى أحمد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السّنّة المشهورة وله في ذلك مصنّفات متعدّدة.
قال فيه صاحب كتاب التّحديث بمناقب أهل الحديث: وهو أحد أعلام الأئمّة والعلماء والفضلاء أجودهم تصنيفاً وأحسنهم ترصيفاً، له زهاء ثلاثمائة مصنّف، وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق .. وكان أهل المغرب يعظّمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة في ابن
стр. 139
قتيبة يتّهم بالزّندقة ويقولون: كلّ بيت ليس فيه شيء من تصنيفه فلا خير فيه.
قُلْت: ويقال هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنَّه خطيب السنة كما أنَّ الجاحظ خطيب المعتزلة» (١).
وعلى التّنزل مع صاحب الشّبهة فإنّه يُفهم من الآية أنّ النّصارى قد أشركوا بعيسى بن مريم ﵇ الإله باعتقادهم- حين اتخذوا الأحبار والرّهبان أرباباً من دونه!
وإذا تخلّى صاحب هذا القول عن منهج بتر العبارات عن سياقاتها فإنّه سيجد في الآية السّابقة للآية التي ذكرها إنكار المولى ﷻ على النّصارى اعتقادهم بنوّة المسيح لله مضاهاةً لقول من سبقهم من الأمم الكافرة (٢).
وسوف يجد في تتمة الآية التي اجتزأ بعضها إخبار الله تعالى أنّه لم يأمر اليهود والنّصارى إلا بتوحيده سبحانه، وعدم الإشراك به واتخاذ الآلهة معه (٣).
ثاني عشر: عدم الفصل بين الإسلام بوصفه ديناً، وفعل المسلمين وواقعهم. ولهذا تؤخذ سلوكيات بعض المنتسبين للإسلام لتُنسب إلى الدين.
وهذا الأسلوب يكثر طرقه من قبل المنصرين في غرف المحادثة. ومن ذلك ما أعقب حادث تفجير كنيسة القديسين بإسكندرية مصر، صبيحة أول العام الميلادي ٢٠١١.
فقد ضجت الغرف النصرانيّة قاطبة باتهام المسلمين بهذا الفعل، وأنَّ ذلك ليس إلا تطبيقاً لتعاليم دينهم الدموي الإرهابي، الذي جعل هذا الفعل أمراً واجباً، ورتب عليه دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب؛ كما ذكروا. ثم تباروا في إيراد كل آية أو حديث ورد فيه ذكر
стр. 140
مفردات القتال والحرب والجزية وغيرها.
وعند التحاور معهم لتطبيق ذات المنهج على ما سلكه النّصارى في القديم والحديث من جرائم قتل وإبادة جماعيّة فإنّهم يتبرؤون من نسبة من يفعل ذلك إلى الدين النصراني، في تناقض صارخ للمنهج الذي يطبق على المسلمين وينفى عن غيرهم.
وقد انكشف زيف هذا المنهج حين وقعت في أغسطس من عام ٢٠١١م مذبحة مروعة، حين أقدم شابٌّ نصراني نرويجي على قتل ثلاثة وتسعين شخصاً، وجرح ما يزيد عن هذا العدد، من روّاد أحد المخيمات الكشفيّة، من أبناء جلدته في العاصمة النرويجية أوسلو.
وذلك حين جزمت العديد من الجهات الإخباريّة والصحف الكبرى في أوروبا بأنّ الفاعل لا بد أنْ يكون متشدداً إسلاميًّا. ثم انكشف كذب هذا الادعاء حين اعترف النرويجي النصراني "أندريس ريفيك" أنّه قام بهذه الجريمة بدوافعَ لا علاقة للإسلام والمسلمين بها (١).
ثالث عشر: محاولة هدم الإسلام بالمعتقدات الفاسدة لبعض الفرق المنتسبة للإسلام.
وأكثر ما يُذكر في ذلك عقائد الرّافضة، فيؤخذ طعنهم في القرآن لنفي قدسية القرآن. ويؤخذ طعنهم في زوجات النبي ﷺ وأصحابه للحط من مكانة النبي الكريم ﷺ ، وثبوتية ما نقله الصّحابة من عقائد الدين وشعائره. ويؤخذ من بعض فتاوي أئمتهم -أعني الرافضة- تكأة للنيل من الإسلام، ولمزه بالعظائم، كما في فتوى إباحة مفاخذة الرضيعة.
وهذا الأسلوب لا يرتضون تطبيقه معهم قطعاً.
فلا يمكن للكنيسة الأرثوذكسيّة أن تقبل قولَ أحد الإنجيليين: «الذي يتأمل في عقيدة وطقوس وممارسات وتاريخ الكنيسة الأرثوذكسيّة في ضوء الكتاب المقدس، يجد الكثير والكثير جداً من مظاهر عبادة الأصنام .. وقد أدى ذلك إلى استعلان غضب الله من السّماء
стр. 141
على هذه الكنيسة التي استبدلت الحق بالباطل، واتقت وعبدت المخلوق دون الخالق» (١).
وقولَه: «على الرغم من أنَّ كلمة أرثوذكسيّة تعني الطريق المستقيم، إلا أنَّ المطلع على تاريخ وعقائد وطقوس وتعاليم الكنيسة الأرثوذكسيّة يجد أنَّ هذه الكنيسة هي من أكثر الكنائس التي حادت عن الطريق المستقيم وعن تعاليم المسيح» (٢).
ولا يمكن للكنيسة الكاثوليكيّة أن تقبل قول أحد الإنجيليين: «وكيف هي حال الكنيسة البابويّة في عصرنا، التي نبتت في صحرائها الفسيحة أشواك التعاليم الباطلة والعبادات الأصناميّة، حتى خنقت زهرة التعاليم الإنجيليّة، فحينئذ لا يسعه إلا التباعد عنها» (٣).
وبالمثل يمكن إيراد أمثلة كثيرة على طعن كل كنيسة في الكنائس الأخرى، وإنّما المقصود بيان بطلان منهج ضرب الفرق بعضها ببعض لأجل التوصل لهدم الدّيانة كلِّها.
وبهذا يتم الحديث على هذه الخدمة التّفاعليّة، وننتقل منها إلى الخدمة الرّابعة، وهي الشّبكات الاجتماعيّة.
стр. 142
المبحث الرّابع: التنصير بواسطة مواقع الشّبكات الاجتماعيّة
توجد لدى الإنسانِ حاجةٌ فطريّة إلى التواصل مع الآخرين. ولمّا جاءت التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الشّبكة العالميّة؛ بدأت صلات النّاس ببعضهم تضعف، في ظل عكوفهم على تصفح مواقع جيل الشّبكة الأول؛ الذي لم يكن فيه للتفاعليّة وجود يذكر.
ومن هنا جاءت فكرة تسخير إمكانات الشّبكة العالميّة لتحقيق هذه الحاجة الفطريّة لدى الإنسان. وكان روّاد هذه الفكرة هم مبتكرو الشّبكات الاجتماعيّة، التي يعدها بعض الدارسين الجيلَ الرّابع في تاريخ تطور الشّبكة العالميّة (١).
وقد بدأت هذه الشّبكات بشكل بسيط، وخدمات قليلة، ثم تحسّنت هذه الخدمات بشكل سريع جداً، إلى أن أضحى من المقبول تماماً -اليومَ- الجزمُ بأنّ الشّبكاتِ الاجتماعيّة تمثل أكثرَ خدمات الشّبكة العالميّة استخداماً، وأكثرَها مشتركينَ وزوّاراً، وأكثرَها استحواذاً على وقت متصفحي الشّبكة. وهذا ما ستوضحه الصفحات التّالية.
ولكن يحسن قبل ذلك أن نعرف بهذه الخدمة (٢). وذلك من خلال المطلب التّالي:
المطلب الأوّل: التَّعريف بالشّبكات الاجتماعيّة
المسألة الأولى: التَّعريف اللغوي والاصطلاحي
أولاً: التَّعريف اللغوي:
مصطلح الشّبكات الاجتماعيّة مكون من مفردتين.
فأمّا (الشّبكات) فهي جمع شبكة. قال ابن فارس: «الشين والباء والكاف أصل صحيح يدل على تداخل الشيء. يقال شبَّك أصابعه تشبيكاً. ويقال: بين القوم شُبكة نسب؛ أي مداخلة. ومن ذلك الشّبكة» (٣).
стр. 143
وفي المعجم الوسيط: «الشّبكة: شِرْكة الصياد في البر والبحر. وأكثر ما تتخذ من الخيط المشبَّك. وكل متداخل متشابك. يقال: شبكة المواصلات، وشبكة الكهرباء، ونحو ذلك. والجمع شبك وشباك» (١).
وعلى هذا فالشّبكة هي الشيء المتداخل، وتجمع على شَبَك وشِبَاك وشبكات (٢).
والمفردة الثانية هي (الاجتماعيّة). جاء في المعجم الوسيط: «يقال رجل اجتماعي: مزاول للحياة الاجتماعيّة كثير المخالطة للناس» (٣).
وهذه اللفظة لم ترد في معاجم اللغة القديمة-فيما وقف عليه الباحث- إلا أنّ معناها كثيراً ما يتكرر في تلك المعاجم باستخدام مفردة الخلطة؛ وضدها العزلة.
وباستخدام المعجم الوسيط لها يزول التردد في اعتماد استخدامها.
ثانياً: التَّعريف الاصطلاحي:
هناك عدة تعريفات اصطلاحيّة للشّبكات الاجتماعيّة ( Social Networks) . منها:
التَّعريف الأوّل: الشّبكات الاجتماعيّة هي: «وسيلة اجتماعيّة تساعد النّاس كي يتشاركوا المعلومات والأخبار مع أناس آخرين في دوائرهم الاجتماعيّة والعالميّة بسرعة وفعاليّة» (٤).
التَّعريف الثاني: الشّبكات الاجتماعيّة هي: «خدمات تؤسسها وتبرمجها شبكات كبرى لجمع المستخدمين والأصدقاء، ومشاركة الأنشطة والاهتمامات، والبحث عن تكوين صداقات، والبحث عن اهتمامات وأنشطة لدى أشخاص آخرين» (٥).
ويرى الباحث أن تُعَرَّف الشّبكات الاجتماعيّة بأنّها مواقع إلكترونيّة لإدارة العلاقات
стр. 144
الاجتماعيّة بفعاليّة.
المسألة الثانية: أهم مواقع الشّبكات الاجتماعيّة
بالنظر إلى ترتيب مواقع الشبكة العالميّة من حيث عدد الزوار؛ نجد أنّ المراكز الأربعة المتقدمة للشبكات الاجتماعيّة هي على النحو التالي (١):
أولاً: شبكة فيسبوك ( Facebook) (٢) ، وسيأتي التَّعريف بها في المطلب التّالي.
ثانياً: شبكة تويتر ( Twitter) (٣) .
وهي شبكة نشأت في أمريكا سنة ٢٠٠٦م مشروعاً بحثيًّا قامت به شركة Obvious. وتدعم اليوم سبع لغات، من بينها العربيّة.
يقوم الموقع على أساس التدوين المختصر، حيث يتاح للمشترك كتابة ما لا يزيد عن ١٤٠ حرفاً للتّدوينة الواحدة. وهو الأمر الذي يدفع لتركيز الفكرة وجعلها مُوجَّهة مُباشِرة؛ الأمر الذي جعل البعض يفضل الموقع على ما عداه من الشّبكات الاجتماعيّة (٤).
يدعم الموقع تصفحه من خلال أجهزة الهواتف النقّالة، كما يدعم إرسال التّدوينات عبر رسائل الهاتف الجوّال القصيرة ( SMS) في بعض البلدان باشتراكات مدفوعة (٥).
ثالثاً: شبكة ماي سبيس ( MySpace) (٦) .
وقد ظهرت في العام الميلادي ٢٠٠٣؛ لتكون أولَّ الشّبكات الاجتماعيّة التي اكتسبت شهرة عالميّة (٧). وظلت كذلك على مدى أربع سنوات، إلى أنْ أزاحتها عن هذا الموقع شبكة
стр. 145
الفيسبوك (١).
رابعاً: شبكة لينكد إن ( LinkedIn) (٢) .
ظهرت في عام ٢٠٠٢م لتكون شبكة اجتماعيّة مخصصة للمهنيين المحترفين، ممن يهتمون بالمحافظة على علاقاتهم المهنية الحالية، وتكوين علاقات جديدة في هذا الإطار. ولهذا نجد الموقع يشترط على المشترك وضع سيرة ذاتيّة له تبين مؤهلاته وخبراته لتكون متاحة لمن شاء الاطلاع عليها من الأفراد أو الشركات (٣).
المسألة الثالثة: أهمية مواقع الشّبكات الاجتماعيّة
يمكن إبراز أهمية هذه الخدمة في النقاط التّالية:
أولاً: أنها تمثل واحدة من أهم وسائل ما يسمى بالإعلام الجديد. وهو إعلامٌ أثبت انتصاره على الإعلام التقليدي القائم على وكالات الأنباء، والقنوات الفضائيّة، والمحطات الإذاعيّة، والصحف والمجلات، وغيرها.
ثانياً: أنها أتاحت عدة خدمات تفاعليّة في مكان واحد. فهي تتيح خدمة التدوين التي تقوم بها المدونات، وخدمة المحادثة التي تقوم بها مواقع المحادثة، وخدمة تشارك الملفات المصورة والملفات المرئيّة التي كانت حكراً على مواقع تشارك الصور والفيديو، وخدمة الإرسال إلى مجموعة عناوين بريدية؛ التي كانت من مهام المجموعات البريدية، وخدمة الحوار النصي الذي كان من نصيب المنتديات الحواريّة.
وهي تكاد بهذا تَجمع إلى جانبها الخدمات التفاعليّة الأربع التي يتناولها البحث؛ وإن