القس المصري زكريا بطرس (١). وكذا وضع حلقات البرامج التي انتهجت محاربة الإسلام وبث الشبهات حوله في الفضائيات التّنصيريّة، كبرنامج حوار الحق (٢)، وبرنامج سؤال جريء، وغيرهما.
٣. التنفير من الإسلام بوضع الملفات التي تُظهر الصوفيّة الغالية، والتعليق على ذلك بما يصرح بأنّ هذا النهج هو من ضمن تعاليم دين محمد ﷺ (٣).
٤. الاستهزاء بالإسلام من خلال نقل مقاطع يتحدث فيها مسلمون عن إخراج الجان من الممسوس، وما يرافق ذلك من عجائب (٤).
٥. الاستهزاء بالإسلام من خلال نقل مقاطع يتحدث فيها مشايخ عن بعض التشريعات التي جاءت في الإسلام ممّا يعارض النصرانيّة. ومن ذلك إباحة التعدد في الزواج إلى أربع (٥).
٦. الطعن في دين الإسلام بإثارة الشكوك والشبهات حوله.
٧. الطعن في القرآن الكريم بترداد بعض ما كان يقوله كفار قريش من أنَّه من قبيل شعر العرب (٦).
٨. الطعن في النبي ﷺ ، ومحاولة تشويه صورته في أذهان الناس. وذلك من خلال أساليب متعددة، نذكر منها:
- إنشاء ملفات تُورد فيها أحاديث صحيحة وردت عن النبي ﷺ ، ويَرى فيها هؤلاء غرابة ومطعناً، كالتوجيه بالاستعاذة من الشيطان عند سماع نهيق الحمار لأنه يرى شيطاناً، والتوجيه بسؤال الله من فضله عند سماع صوت الديك لأنه يرى ملكاً. ومثله الاستعاذة بالله
стр. 177
من الخبث والخبائث عند إرادة دخول الخلاء، ونتر الذكر باليسرى ثلاثاً بعد البول، وحديث الشرب من أبوال الإبل، والاستنثار ثلاثاً عند الاستيقاظ من النوم لأنَّ الشيطان يبيت على خياشيم المرء، وغير ذلك (١).
- إنشاء ملفاتٍ تهاجم النبي ﷺ بذكر وقائعَ مكذوبةً أصلاً. ومن ذلك أنّ أبا جهل -عم النبي ﷺ كان نصرانيًّا. وأنَّ زواج النبي ﷺ بخديجةَ كان في ديرٍ على الطريقة النصرانية. وأنّ زواجه ﷺ بعائشة كان رغماً عن أبيها أو مقابلَ وعد بتولي الخلافة. إلى غير ذلك من الافتراءات المحضة (٢).
- إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومحاولة التوصل بها للطعن في صحة رسالة النبي ﷺ . ومن ذلك الزعم بأنّ النبي ﷺ مدح أصنام الكفار بقوله (تلك الغرانيق العلى وإن
شفاعتهن لترتجى) (٣)، وأنَّ من كان هذا حاله لا يمكن أن يكون رسولاً من عند الله.
- نشر الأفلام التي سخرت بالنبي ﷺ ، واستهزأت به. وكذا إنتاج مقاطع أفلام كرتونيّة تستهزئ به ﵊ وبزوجاته وأصحابه وأحاديثه وتعاليمه ومعجزاته. وغير ذلك من صور الملفات المرئيّة الساخرة بمقامه الشريف؛ صلوات ربي وسلامه عليه.
- تكذيب معجزات النبي ﷺ (٤).
- الكذب الصريح. ومن أمثلته ما كتبه المنصر الذي رمز لاسمه بـ dare٢think١ من أنَّ مسلماً (٥) في صحيحه روى عن عائشة (٦) ? أنها قالت: (إذا كانت إحدانا حائضاً أمرها رسول الله أن تتزر ليباشرها جنسيًّا في فوران حيضها)، وأنّ ميمونة (٧) ? كانت تقول: (إنَّ رسول الله يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب). ثم يعلق على هذا بأنّ النبي يخالف أمر الله باجتناب معاشرة الحائض كما في سورة البقرة (٨).
وقد جمع هذا المنصر هنا عدّة مخالفات للمنهج الصحيح في المناقشة:
الأولى: الكذب على النبي ﷺ . فإنّ الحديث الذي في صحيح مسلم نصُّه كالآتي: عن عائشة ? قالت: «كان إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها
стр. 178
رسول الله ﷺ أن تأتزر في فور
حيضتها، ثمّ يباشرها» قالت: «وأيّكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه» (١). وهنا نلحظ أنّ هذا المنصر قد زاد كلمةً من عنده تغير المعنى كليًّا.
الثانية: بتر تكملة الحديث لأنها تناقض المعنى الذي أراده هذا المنصر. والجزء الذي بتره هو قول عائشة ?: «وأيّكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه».
الثالثة: تدليسه بإيراد رواية صحيحة هي رواية ميمونة ? مع الرواية التي حرّفها.
الرّابعة: تدليسه بإيراد فهمه الخاطئ ليوهم النّاس أنَّ المباشرة تعني الجماع في الفرج.
الخامسة: تدليسه بكتمان الروايات الأخرى في صحيح مسلم نفسِه، التي فيها التصريح بأنّ مباشرة النبي ﷺ في الحيض لم تكن في الفرج. ومنها الرواية التي جاءت بعد رواية عائشة ? مباشرة، وهي قول ميمونة ?: «كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيّضٌ» (٢).
السادسة: تقريره فهماً شخصيًّا من عند نفسه مخالفاً للمعلوم عند صغير المسلمين قبل
стр. 179
كبيرهم، فإنّ النبي ﷺ قد عاتبه ربه على أمور هي من قبيل ترك الأولى فأصبحت قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، فكيف يترك عتابه على أمر محرم؟!
٩. الطعن في أصحاب النبي ﷺ من خلال نشر الأفلام التي أنتجها الرافضة (١). والتعليق عليها بأنّ تاريخ الصحابة كان دمويًّا، وأنَّ همهم كان المطامع الدنيوية.
١٠. الاهتمام بوضع الملفات التي يطعن فيها بعض المنتسبين للإسلام؛ في بعض تعاليم
الإسلام، وفي واقع المسلمين، ومناهجهم الدراسيّة، وترتيبهم في مصاف الأمم من حيث التقدم الحضاري من عدمه. ومن هؤلاء الكاتب المصري سيد القمني (٢).
١١. الاستهزاء بالمشايخ، والتوصل من خلال ذلك إلى السخرية من الإسلام نفسه. ويكون ذلك باقتطاع أجزاء من المحاضرات والبرامج مما يكون فيه حديث عن شيء يثير شيئاً من الاستغراب، فيعمد المنصر إلى تكذيبه واستهجانه، وإعطاء حكم عام بأنَّ الإسلام ليس إلا جملة من العقائد والعبادات المليئة بما يَنفر العقل السليم والطبع المستقيم من قبوله (٣).
الجانب الرّابع: ملفات تدافع عن النصرانيّة
ويأخذ هذا الجانب صوراً متعددة، نذكر منها:
١. شرح العقائد والشعائر النصرانيّة، والتدليل على صحتها من الكتاب المقدس عند
стр. 180
النصارى، ومن المصادر الإسلاميّة كالقرآن الكريم والسنة النبوية. وفي سبيل ذلك يتم وضع حلقات البرامج التي تحدثت عن هذا الجانب في القنوات الفضائية التّنصيريّة، من قبيل برنامج إنجيل الله (١)، وبرنامج ما هو الحق (٢).
٢. وضع المرئيّات التي يكون فيها رد علماء النصارى على ما يطرحه المسلمون من تساؤلات حول العقائد والشعائر النصرانيّة، وما يتعلق بالكتاب المقدس عندهم من كثرة تناقضات، وانقطاع أسانيد، وفقدان المخطوطات الأصليّة، وجهالة المترجمين للأسفار، ووجود ما يبشر بالنبي ﷺ ، وغير ذلك. فينقل النصارى من المحاضرات والبرامج الدينيّة على الفضائيّات وغيرها ما يرد على هذه التساؤلات، ويفند صحتها (٣).
٣. تحذير النصرانيّات من الزواج بالمسلمين، لما في ذلك من مخالفة لأوامر الكتاب المقدس كما يذكرون (٤).
٤. وضع المرئيّات التي تُدافع عن معتقدات طائفة من الطوائف النصرانيّة وتهاجم الطوائف النصرانيّة الأخرى (٥).
стр. 181
المطلب الرابع: التنصير من خلال التعليقات في اليوتيوب
التعليقات المصاحبة للمقاطع المرئيّة في موقع اليوتيوب هي واحدة من أهم الخدمات التفاعليّة في الموقع. ويمكن لكل مسجل في الموقع أن يكتب ما شاء من تعليق على أي ملف يشاهده إلا تلك التي يُلغي صاحبُها خاصيّة التعليق.
ويمكن التفاعل مع كل تعليق مكتوب بكتابة ردٍّ عليه، أو اختيار علامة التصويت مع التعليق؛ عند الرضا به، أو علامة التصويت ضده؛ عند عدم الرضا.
هذه التعليقات تُشكِّل ساحة حرب عقديّة حقيقيّة، سلاحها الفكر، وأداتها لوحة مفاتيح جهاز الحاسب، وجبهاتها الملفات المرئيّة الإسلاميّة والنصرانيّة على السواء.
ومن المهم معرفة أنّ أصحابَ التعليقات مجهولون جهالة عين وجهالة حال، فقد يتقمص النصراني شخصية مسلم؛ فيُظهر اقتناعَه بما يمدح النصرانية ويطعن في الإسلام. وهكذا نحن أمام عالم مجهول الأشخاص والنوايا والأهداف.
وعلى الرغم من جهالة أعيان وأحوال المشاركين في هذا الميدان إلا أنَّه بالنظر إلى قناة المعلِّق يمكن أخذ صورة تقريبية عن دينه وتوجهه.
ويلاحظ كثرة هذه التعليقات على بعض المقاطع، وبلوغها حاجز الآلاف. وهذا يكون على الأخص في الملفات التي تهاجم شيئاً معظَّماً عند أحد الفريقين (١).
كما يُلاحظ كثرة السباب والشتائم والألفاظ الخارجة عن نطاق الحياء والخلق الرفيع مما تأنف الفطر السويّة والطباع المستقيمة من قراءته.
وهذه التعليقات التي يكتبها النصارى يظهر أنَّ غالب مَن يكتبها؛ العامّة، لغلبة السطحية والعفوية عليها، إلا أنها تُظهر بجلاء الصورةَ الذهنية في عقول وتفكير هؤلاء عن الإسلام وكتابه ونبيه، وتُظهر ما سعى القسس والكهنة لوضعه في عقول العامّة من أتباعهم.
стр. 182
ويمكن -بشكل إجمالي- تصنيف هذه التعليقات إلى أربعة أنواع؛ هي ذات الأنواع في المطلب السابق. ولهذا سنوجز عرضها هنا (١).
النوع الأول: التعليقات التي تعرض الديانة النصرانيّة وما يتعلق بها، ومن صورها:
١. كتابة عبارات التضرع والتوسل للمسيح ﵇.
٢. كتابة عبارات التمجيد والمحبة للمسيح وأمه والآباء والقديسين.
٣. تمجيد الديانة النصرانية، وإظهار أنها الدين الحق الذي يملك مقومات البقاء والاستمرار دون ما عداه من الأديان.
٤. تمجيد الكتابِ المقدس عند النصارى، وسائرِ ما حوته أسفاره.
٥. تقرير الظهورات والمعجزات الشفائيّة وغيرها.
النوع الثاني: تعليقات تدعو المسلمين للتنصر، ومن صورها:
١. الدعوة المباشرة للمسلم بأن يعتنق النصرانيّة على أنها الدين الحق الذي ينجو صاحبه في الآخرة من العذاب، ويحظى بالنعيم.
٢. دعوة المسلم لمشاهدة القنوات الفضائية العربية التّنصيريّة ليعرف حقيقة دينه.
٣. محاولة تشكيك المسلم في دينه عن طريق الطلب منه أنْ يدرس العقائد الأخرى ليكون تديُّنُه عن يقين، لا مجردَ تقليدٍ للآباء والأجداد.
٤. كتابة عبارات الضراعة إلى المسيح أن يفتح عيون المسلمين لنوره الحقيقي.
٥. ذكر شواهد من الكتاب المقدس تحث على اعتناق النصرانيّة لتحقيق النَّجاة والخلاص.
٦. تهديد المسلم بما سيؤول إليه إن استمر كافراً بالنصرانيّة من عذاب وخيم في الآخرة.
стр. 183
بل قد يكون التهديد بانتقام المسيح منه في الدنيا.
النوع الثالث: تعليقات تهاجم الإسلام. ومن صورها:
١. إثارة الشبهات حول الإسلام.
٢. إثارة الشبهات حول النبي ﷺ .
٣. إثارة الشبهات حول القرآن الكريم.
٤. إثارة الشبهات حول السنة النبوية.
٥. الطعن في الإسلام بما يصدر عن بعض المسلمين من سوء خلق في ردودهم وتعليقاتهم على الملفات المرئية في الموقع، وإظهار أنّ هذا يُمثل حقيقة تعاليم الإسلام؛ كما يذكرون.
٦. الطعن في أصحاب النبي ﷺ ، وزوجاته الطاهرات، وخصوصاً عائشة الصديقة ?.
٧. القدح في الفتح الإسلامي لسائر البلدان بشكل عام، ولمصر بشكل خاص، ومحاولة استعداء نصارى مصر على هذا الفتح بادعاء إهانته أجدادَهم وسَوْقِهِ النساءَ سبايا إلى المدينة.
٨. الطَّعن في الإسلام بإيراد شواهدَ من أقوال بعض المنتسبين له ممن طعنوا فيه (١). ومن هؤلاء طه حسين (٢)، حيث أورد أحدهم قوله: «يجب أنْ لا نُغفل عقولنا من منطلق الحفاظ على قوميتنا وديننا حتى يكون بحثنا ذا قيمة. وهذا ما فعله القدماء من حبهم للإسلام أخضعوا كلَّ شيء له، فما لاءم إياه أخذوه، وما خالفه انصرفوا عنه .. ». وأيضاً قوله عن القرآن: «القرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي» (٣).
стр. 184
النوع الرّابع: تعليقات تدافع عن النصرانيّة، ومن صورها:
١. الرد على ما يثيره المسلمون حول النصرانيّة، سواء ما يتعلق بالعقائد، أو الطقوس والعبادات، أو الكتاب المقدس، أو غير ذلك.
٢. تقرير العقائد والتدليل عليها.
٣. امتداح قوة الإيمان المسيحي، وأنّه لا يمكن هزُّه أو زعزعتُه.
المطلب الخامس: منهج التنصير عبر موقع اليوتيوب
إنّ المتتبع للجهود التّنصيريّة عبر خدمة مشاركة الملفات المرئية على الشبكة، ومنها موقع
اليوتيوب محل الدراسة، يجد أنها تستخدم العديد من المناهج بغية الوصول لأكبر قدرة تأثيريّة في المدعوين، سواءً كانوا من النَّصارى أو غيرهم. ومن هذه الوسائل ما يكون مباشراً مكشوفاً، ومنها ما يتبع طرقاً ملتويةً تحتاج لشيء من التأمل لاستيضاحها.
وفي هذا المطلب نستعرض بعض هذه الطرق، ونورد ما يكون في بعضها من مجانبة لأمانة الطرح وأخلاق الحوار. فمن هذه الطرق:
أولاً: الاستفادة من القدرة التأثيريّة للملفات المرئيّة الجامعة للمحتوى المكتوب والمسموع والمرئي. وهو أثر -لا شك- أقوى من الاقتصار على أحدها. فإذا كانت الصورة قد تُغني عن ألف مقال في نظر الكثيرين؛ فالملفات المرئيّة المحتوية على المشاهد المتحركة صوتاً وصورة، لها في الغالب أثر أكبر.
والأمرُ يزدادُ قوةً عند إدخال فنِّيَّات ما يُسمى بالتوليف (المونتاج)، حيث يُضاف للمشهد من المؤثرات الصوتيّة والموسيقيّة، ومن التعليقات النصيّة أو الصوتيّة، ما يخرجه في قالب بديع مؤثر (١). ذلك أنّ طريقة التوليف (المونتاج) قد تؤدي إلى نتائج ممتازة إذا
стр. 185
استعملت ببراعة (١).
ولهذا لا نعجب إذا شوهدت بعض الملفات ملايين المرات.
ثانياً: استغلال جهالة المتحدثين عن انتقالهم من الإسلام إلى النصرانيّة، بغية التأثير على المدعوين.
والنّاظر في حال الملفات المرئيّة للمنتقلين من الإسلام إلى النّصرانيّة يلحظ في كثير منها الملاحظات التّالية:
الملاحظة الأولى: التدليس في العناوين، نحو: "ملايين المسلمين يتركون الإسلام إلى المسيحيّة"، بينما محتوى الملف يتحدث عن آلاف تحولوا إلى النصرانيّة في الجزائر، وفي
قيرغيزيا، فأين الآلاف من الملايين، إذا سلّمنا بصحة هذه الأرقام أصلاً؟! (٢)
ومن الأمثلة، عنوان: "تزايد المتحولين إلى النصرانيّة في تركيا"، في حين يتحدث الملف عن أعداد النّصارى في تركيا، لا المتحولين، وبين الأمرين فرقٌ كبيرٌ لا يخفى (٣).
الملاحظة الثانية: كون المتحدث عن اعتناقه النصرانيّة مجهول الحال والعين، وربما تَسمَّى باسم مستعار، وقد يُظهر اسمه وتعريفاً بشخصه بيد أنّ ذلك لا يدفع عنه كونه مغموراً لم يُعرف بتميز علميٍّ أو فكري أو غير ذلك.
في الوقت الذي يُظهر المتحولون إلى الإسلام تعريفاً بهم، وبكونهم ممن عُرف بالريادة والقيادة في مجالات دينيّة ودنيويّة.
ويعضد ذلك تقارير الوكالات الإخباريّة النصرانيّة التي تتحدث عن كثرة الدّاخلين في الإسلام في البلاد النصرانيّة. ومن ذلك تقرير قناة "روسيا اليوم" الذي يشير إلى اعتناق أكثر من عشرين ألف أمريكي الإسلام سنويًّا (٤).
стр. 186
وأكثرَ تفصيلاً منه تقرير أمريكي يلفت نظر العالَم النصراني إلى تزايد أعداد المسلمين في أوروبا وأمريكا بفعل الهجرات ومعدل الولادات المرتفع بين المسلمين بالإضافة إلى من يعتنق الإسلام داخل هذه المجتمعات.
ويرى التقرير أنّ عدد المسلمين في أوروبا البالغ اثنين وخمسين مليوناً ربّما يبلغ الضعف خلال عشرين عاماً فقط، خصوصاً مع تضاعفه ثلاثين مرّة في بريطانيا خلال الثلاثين عاماً الأخيرة. ويشير إلى تزايد عدد المسلمين في أمريكا من مائة ألف عام ١٩٧٠م إلى تسعة ملايين اليوم، إلى غير ذلك من الإحصاءات في بعض الدول الأوروبية الكبرى (١).
ومثله تقرير قناة فوكس " Fox" الإخباريّة الذي يرى أنّ الإسلام أسرع الأديان انتشاراً
في العالم، وأنّ عدد المسلمين في شيكاغو لوحدها يربو على أربعمائة ألف مسلم (٢).
الملاحظة الثالثة: قلة عدد الملفات المتحدثة عن المتحولين من الإسلام إلى النصرانيّة مقارنةً بالعكس (٣).
ثالثاً: من الأساليب غير الأخلاقيّة التي يستخدمها بعض النصارى؛ إظهار بعض الملفات المرئيّة على غير حقيقتها، باستخدام تقنيات برامج تحرير الفيديو المتقدمة.
وهذا العمل الفني -وإن كان لا يزال صعباً على غير المتخصصين- إلا أنّ المتمرسين في الإخراج والمونتاج يمكنهم أداء هذه المهمة التزويريّة بشكل يصعب كشفه.
وللتمثيل على هذا فقد تسلَّط بعضهم على مقطع مرئي للداعية المسلم الذي أمضى عمره في مناظرة المنصرين والرد عليهم؛ أحمد ديدات (٤)، وهو على فراش الموت. فأخرج
стр. 187
ملفًّا مرئيًّا ضَمَّن أولَه نصوصاً كثيرة من الكتاب المقدس عند النصارى، فيها وعيد المسيح لمن كذّبه وحاربه. ثم غيَّر مشهد الشيخ إلى صورة مرعبة من الصياح والبكاء والتألم. وختم المشهد بالتحذير والتنبيه إلى أن هذه هي نهاية أعداء المسيح ولا شماتة (١)!
ودافِعُ هذا ما بذله الشيخ - ﵀ من جهود كبيرة في مناظرة كبار دعاة النصرانيّة (٢).
وقريبٌ من هذا ما فعله بعضهم حين ركّب صوتَ أحدِ القرّاء يدعو على النّصارى بالهلاك والشقاء والبلاء والأمراض والآلام والحسرات وغيرها؛ على صورة متحركة لأداء الصّلاة في الحرم المكي الشّريف، لِيُظهر أنّ هذا هو دعاء المسجد الحرام، وهو القدوة لغيره (٣).
رابعاً: استخدام كلمات مضلِّلة في تسمية الملفات المرئيّة والقنوات، وأسماء المستخدمين أنفسهم. فمن هؤلاء مَن نهجه الهجوم على الإسلام في غالب ملفاته التي ينشرها؛ ثم يُسمِّي قناته بالحق (٤). ولو كان ديدنُه نشرَ دينه، وبيانَ ما يراه فيه من الخير والهدى، دون التعرض لمعتقدات الآخرين وما يؤمنون به، لكان اختيارُهُ لهذا الاسم أمراً مفهوماً.
خامساً: التركيز على ما يُبهرُ النّاسَ ويُدهشُهم كالظهورات والمعجزات الشفائيّة. ويُستخدم فيها أسلوب التحدي وإظهار الثقة الكاملة، وذلك بنقل هذه المعجزات الشفائيّة
стр. 188
مباشرة من الكنائس إلى بعض القنوات الفضائيّة، فيتحدى الكاهن أنه سيشفي بقوة المسيح وسلطانه كل ممسوس أو مريض أو معاق في القاعة؛ وإن كان الطب البشري قد عجز عنه. ثم يبدأ بقراءة التعويذات الممجِّدة للمسيح لتَخرج الشياطين ويُشفى العاهةُ في الحال.
وفي ذلك محاولة للتغلغل في أعماق نفسيات المشاهدين لأجل ربط هذه القدرة بصحة سَيْر الكهنة والقسس ومَن خلفهم في الكنيسة على ما سار عليه المسيح مِن قبل في شفاء المرضى وإعطاء هذه القدرة لتلاميذه وأتباعه الصَّادقين من بعده.
وتهدف هذه الممارسات إلى التدليلِ على صحة الديانة النصرانيّة وبطلان ما عداها، والتدليلِ على صحة مسلك الكنيسة التي ينتمي لها القس.
ولها -كذلك- أثر كبير في تقوية ارتباط الأتباع -ولا سيما العامّة منهم- بالديانة،
وصدهم عن مجرد ورود خاطر ذهني بوجود الحق في غيرها.
وحين تمارَسُ هذه الشفاءات مع مرضى مسلمين يكونُ المغزى من خلالها إيصالَ رسالة خفيّة إلى نفوس المسلمين ببطلان ما هم عليه؛ إذ لو كان حقًّا لكان له أثر في شفائهم. وفي هذا حرب نفسيّة موجهة لخدمة الدّعوة النّصرانيّة.
سادساً: الاهتمامُ الكبير بالطفل النصراني لترسيخ المعتقدات في نفسه، وتقوية محبته وتعلقه بالمسيح وبالكنيسة وقديسيها، والعملُ على تنشئته متمسكاً بدينه.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف تُنشر الترانيم الموجهة للطفل بكيفيات تجعله يقبل عليها (١). وكذا الأفلام الدينيّة مع دبلجتها (٢) بأصوات أطفال بلهجات محببة كما في فيلم آلام المسيح، وفيلم المسيح للأطفال.
стр. 189
أضف إلى ذلك الأفلام الكرتونيّة التي تعلم العقيدة والسلوك، وأيضاً العروض المسرحيّة التي يقدمها الأطفال ويشرحون فيها العقائد والطقوس (١).
سابعاً: يلحظ التركيز على الجوانب العاطفية في الملفات المرئيّة الموجهة للنصارى أكثر من غيرها. فنجد في الترانيم الكلماتِ المؤثرة، والألحانَ الجميلة، والموسيقى المحزنة، والأصواتِ المختارة بعناية لأداء هذه الترانيم من الجنسين، وتردادَ المفردات التي تلامس شغاف القلوب كالسّلام والمحبة والألم والحزن، وتوظيفَ اللهجات المتعددة كالشامية والمصرية والعراقية وغيرها.
وأحياناً تكون هذه الترانيم بلغات أخرى غير عربيّة ليبقى المشاهد تحت أسر الصورة
واللحن والموسيقى. وكل هذا ليخرج المنتج في قالب قوي التأثير.
ثامناً: استخدام أسلوب المقارنات لإظهار تفوق النصرانية على الإسلام. فيقارن بين تعاليم الديانتين، وبين القرآن الكريم والكتاب المقدس عند النصارى، وبين محمد ﷺ وعيسى ﵇، وبين صحابة محمد ﷺ وحواريي المسيح ﵇.
وفي كلِّ هذه المقارنات تكون الغلبة في جانب النصرانيّة.
تاسعاً: العمل المكثف على تبغيض الإسلام ونبيِّه وكتابه إلى قلوب النّاس جميعهم مسلمهم وكافرهم، وتنفيرهم من مجرد التفكير في ذلك فضلاً عن دراسة الإسلام ومعرفته.
عاشراً: استخدام منهج التدليس والخداع، ويظهر هذا في طرق عديدة جداً، نذكر منها:
١. اجتزاء مقاطع من قنوات إخباريّة تتحدث عن الخطر التنصيري في بلد إسلامي ما، وكيف أنّه أدَّى إلى تحول أعداد كبيرة إلى النصرانيّة، والتعليق على ذلك بأنّ التحول من الإسلام إلى النصرانيّة بالآلاف هو واقع الحال في كل البلاد الإسلاميّة (٢).
٢. النقل عن مصادر إسلامية موثوقة عند إيراد الحديث الصّحيح وفق فهم مغاير لما
стр. 190
فهمه منه الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل العلم. فيَنقل أحدهم عن صحيح البخاري حديث الاستعاذة من الشيطان عند سماع نهيق الحمار، وسؤال الله من فضله عند سماع صياح الديك، ليثير حوله الاستفهامات، وهكذا في نقول كثيرة.
٣. النقل عن مصادر إسلاميّة غير موثوقة عند إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومحاولة إفهام المشاهد أنّ هذا المصدرَ معتمدٌ عند المسلمين بكلِّ ما فيه. فيُكثرون النقل عند إرادة الطعن في النبي ﷺ عن كتب السيرة التي حوت الصحيح والضعيف والروايات الإسرائيليّة وغيرها، ولم يَصْفُ فيها ما صح عن النبي ﷺ .
٤. استخدام أسلوب النقل الانتقائي؛ الذي يأخذ ما قد يكون فيه اشتباه، ويدع المحكم
الصريح القريب من موضع الاقتباس. وفي هذا بُعْدٌ عن أمانة الطرح والنقل العلمي. والأمثلة على هذا كثيرة جداً، وقد تقدم بعضها. ولعلَّنا هنا نذكر مثالاً لم يَسبق ذكره، وهو تقرير أحدهم أنّ الإسلام يبيح إتيان البهائم بدليل قول ابن عباس ﵁: "من أتى بهيمة فلا حَدَّ عليه" (١).
وليس في قول ابن عبّاس ﵁ ما يعضد المعنى الذي أراد المنصر إيصاله لأفهام النّاس، فإنّ المقصود به الخلاف في عقوبة الفاعل بالبهيمة هل يحدُّ أم يعزَّر.
وقد تعمَّد هذا المنصر حجب الرواية السابقة لهذا القول، وقد رواها ابنُ عباس ﵁ نفسُه، وهي قول النبي ﷺ : (من وجدتموه وقع على بهيمةٍ فاقتلوه، واقتلوا البهيمة)، فقيل لابن عبّاسٍ: ما شأن البهيمة؟ قال: (ما سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، ولكنْ أرى رسول الله ﷺ كَرِهَ أن يؤكل من لحمها، أو يُنتفع بها، وقد عُمِل بها ذلك العمل). وقد صحح الحديثَ بعضُ أهل العلم (٢).
ومسألةُ قتلِ الفاعلِ بالبهيمة محلُّ خلافٍ بين أهل العلم على قولين (٣).
стр. 191
وبهذا العرض لخدمة مشاركة الملفات المرئيّة، تمّت دراسة الخدمات التفاعليّة الخمس التي اختيرت في هذا البحث.
وسوف يُعاد إليها مرةً أخرى في الفصل الثّالث، ولكنْ لدراستها من جانب استفادة المسلمين منها في الرّدّ على الجهد الدّعوي النصراني.
وبين الفصلين سيعقد فصلٌ مخصَّصٌ لأبرز الشّبهات التي طُرحت في الخدمات التفاعلية من قِبَل النَّصارى تجاه القرآنِ والنبيِّ ﷺ والسُّنةِ وبعضِ الجوانب التشريعية، عرضاً وتفنيداً.
стр. 192
الفصل الثاني
أبرز شبه المنصرين عبر الخدمات التفاعليّة، والرد عليها .
وفيه تمهيدٌ وأربعةُ مباحث.
تمهيد: بث الشبهات؛ أولى الخطوات التنصيريّة.
المبحث الأول: أبرز الشبه حول القرآن الكريم، والرد عليها.
المبحث الثاني: أبرز الشبه حول النبي ﷺ ، والرد عليها.
المبحث الثالث: أبرز الشبه حول السُّنَّة النبويّة، والرد عليها.
المبحث الرابع: أبرز الشبه حول التشريع الإسلامي، والرد عليها.
стр. 193
تمهيد: بث الشبهات؛ أولى الخطوات التنصيرية
المطلب الأول: تعريف الشبهة لغة واصطلاحاً
أولاً: التعريف اللغوي
تدور معاني الشبهة في اللغة على الإشكال، والالتباس، والتخليط، والتسوية، وعدم الجزم بحكم الشيء.
ولذا جاء في لسان العرب: «وشَبّه الشيء؛ إذا أشكل عليه. وشبَّه؛ إذا ساوى بين شيء
وشيء .. والمشتبهات من الأمور؛ المشكلات. وتقول: شبَّهتَ عليَّ يا فلان؛ إذا خلّط عليك» (١).
وفي المعجم الوسيط: «الشبهة الالتباس، وفي الشرع: ما التبس أمره أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل» (٢).
وفي التعريفات: «الشبهة هو ما لم يُتيقن كونه حراماً أو حلالاً» (٣).
ثانياً: التعريف الاصطلاحي
يمكن أن تعرف الشّبهة بأنّها «الشّكوك التي توقع في اشتباه الحقِّ بالباطل، فيتولّد عنها الحيرة والرّيبة» (٤).
والمقصود بالشبه في هذا الفصل؛ المسائلُ التي يوردها بعض النّصارى في الخدمات التفاعليّة للشّبكة، مما يكون فيه لبسٌ للحقِّ بالباطل، فلا يكون الحقُّ صافياً متميزاً.
وهو عملٌ لامَ اللهُ تعالى أسلافَهم عليه حين قال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ
стр. 194
بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
قال ابن سعدي (٢) - ﵀ في تفسيرها: «فوبخهم -أي المولى سدد خطاكم- على لَبس الحق بالباطل وعلى كتمان الحق، لأنهم بهذين الأمرين يُضلون من انتسب إليهم، فإنَّ العلماء إذا لبَّسوا الحق بالباطل فلم يميزوا بينهما، بل أبقوا الأمر مبهماً، وكتموا الحق الذي يجب عليهم إظهاره، ترتب على ذلك من خفاء الحق وظهور الباطل ما ترتب، ولم يهتد العوامُّ الذين
يريدون الحق لمعرفته حتى يؤثروه» (٣).
وفي فتح القدير: «ولَبْسُ الحق بالباطل: خَلْطُهُ بما يعتمدونه من التَّحريف» (٤).
وقد بيّن الله تعالى أنّ هذا المسلك هو صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فهم يعمدون إلى الملتبس في ظاهره، ويتركون الواضح الجليَّ، فتنةً للنّاس عن الهدى.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥).
ولابن كثير (٦) - ﵀ كلام قيم في التعليق على هذه الآية؛ حيث يقول: «يخبر تعالى أنّ في القرآن آياتٍ محكماتٍ هنّ أُمّ الكتاب، أي بيناتٍ واضحاتِ الدلالة، لا التباسَ فيها على أحد من النّاس.
стр. 195
ومنه آياتٌ أُخَرُ فيها اشتباهٌ في الدلالة على كثير من النّاس أو بعضهم، فمن ردَّ ما اشتَبه عليه إلى الواضح منه، وحكّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس» (١).
المطلب الثاني: دلائل سعي المنصرين لبث الشبهات
إنّ صاحب أي عقيدة لا يقبل -في الغالب- أن يجابه فيها، ويواجه بما يقلل من
مكانتها، فضلاً عن أن يكذب شيئاً منها.
ذلك أنَّ المعتقد يخالط شغاف القلب، وعندها يتخذه صاحبه ميزاناً يقيس به مواقفه وولاءه وبراءه. والعقد في اللغة أصله: الشّد، وشدّة الوثوق (٢).
ولهذا فإنّ السّاعي لنقل شخص من عقيدة إلى أخرى يبدأ -غالباً- بِهَزِّ يقين المدعو فيما هو عليه من أمور اعتقد صحتها.
وهذا ما جرى عليه المنصرون في القديم والحديث، مع الجزم بأنّ وتيرة هذا الفعل قد تسارعت في السنوات الأخيرة.
فقد «اشتدت في السنين العشر الأخيرة الحملةُ على المسلمين، وبخاصةٍ في ظل النظام العالمي الجديد أو العولمة. وزاد من ضراوتها وسائل البثِّ والإعلام الحديثة، في عصر تدفق المعلومات، والسماوات المفتوحة. واستغل خصوم الإسلام هذه المستجدات فاتخذوها منافذ للانقضاض على قيم الإسلام ومبادئه، بغية تشويه حقائقه أو القضاء عليه إن أمكن» (٣).
وهذه الشبهات المثارة ليست جميعاً محاولةً للتلبيس على المسلمين، بل بعضها هو مبلغ فَهْم أصحابها عن الإسلام. فمن هؤلاء من يعرف الحق ويسعى لتشكيك المسلم فيه، ومنهم من فَهِم عن الإسلام خلاف الواقع فظنّها مطاعنَ وثغراتٍ يمكن هدم الإسلام من خلالها.
стр. 196
ومن الأدلة على الصنف الثاني بحث "المداخل التنصيريّة للمرأة المسلمة وأسرتها"، الذي قدّمته الكاتبة فاليري هوفمان، لمؤتمر كلورادو لتنصير المسلمين، الذي عقد في عام ١٩٧٨م.
فقد صورت الكاتبة للمنصرين حال المسلمة بالمستاءة من احتقار الإسلام لها، وحطه من مكانتها، واستشهدت بأحاديث مسلمات، وحثت المجتمعين على استغلال هذا الإحساس بالإهانة لتقديم المسيح للمرأة المسلمة بصورة المشفق عليها، المانح لها الكرامة والتطهير والعضوية الكاملة في الكنيسة (١).
وفي هذا المطلب نحاول استحضار أدلة اهتمام المنصرين بهذا الجانب، من أقوالهم وأفعالهم.
فأمّا الشواهد من الأقوال فكثيرة جداً، ولعل فيما سنذكره من أقوال اثنين من كبار المنصرين في العصر الحديث كفاية عما لم يذكر.
فهذا المنصر المشهور -المسمى عند أتباعه "الرّسولَ إلى الإسلام"- صموئيل زويمر؛ يرمي شبهة في نظرة الإسلام إلى الإله الحق المبين، فيقول في مؤتمر القاهرة عام ١٩٠٦م: «إنَّ المسلمين مهما يكونوا موحدين فإنَّ تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين، لأنَّ إله المسلمين ليس له قداسة ومحبة» (٢).
وفي مجلس تنصيري أمام جمع من المسلمين، أراد القس زويمر بتجربة عملية أن يلبس على الحاضرين قناعتهم في فرضية ركن من أركان الإسلام. فأتى بمجسم كرة أرضيّة، وسلَّط عليه ضوءًا ليبرهن أنَّ صيامَ شهرِ رمضانَ لا يمكن أن يكون تشريعاً من عند الله تعالى، لأنه يتعذر أداؤه في بعض البلاد (٣).
وفي مؤتمر لكنو التنصيري عام ١٩١١م كرر زويمر طريقة طرح الشبهات، وفي هذه المرة هاجم القرآن الكريم فقال: «إنّ تأويل سورة الكهف وسورة النساء على مقتضى العقل
стр. 197
أمر مستحيل».
ثم طعن في بعض الشّعائر الدينية، فقال: «ولو اقتصرنا على مطالعة ما كُتب عن الحجاب وتعدد الزوجات في الصحف الإسلاميّة يتضح لنا أنَّ ما يظهر لنا من وحدة الأفكار في الإسلام غير صحيح، وهذه الوحدة مهددة بالنزاع والتناقض، ولا ريب أنَّ في فارس والسلطنة العثمانية بل والبلاد العربيّة ألوفاً من المسلمين مقتنعون بصحة النصرانيّة ومخالفتها للإسلام» (١).
وثاني هذين المنصرَين، هو بابا الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، حيث قال في اجتماع مغلق مع قساوسة وأثرياء في الخامس من إبريل عام ١٩٧٣م: "إنّه يجب مضاعفة الجهود التبشيريّة الحاليّة .. وذلك لزحزحة أكبر عدد من المسلمين عن دينهم أو التمسك به، على أنْ لا يكون من الضروري دخولهم في المسيحيّة، ويكون التركيز في بعض الحالات على زعزعة الدين في نفوس المسلمين، وتشكيك الجموع الغفيرة في كتابهم وفي صدق محمد" (٢).
وأمّا على الجانب العملي فيما يختص بالشبكة العالميّة، فقد رأينا في الفصل الأول أنّ الخدمات التفاعليّة للشّبكة سُخِّرت من قبل المنصرين لبث الطعون والشبهات.
ففي المبحث الأول من ذلك الفصل تبيّن ملءُ المنتديات التنصيريّة بآلاف الموضوعات الساعية للتلبيس والطعن في الإسلام وما يتعلق به.
وفي مبحث المجموعات البريديّة صنفت الرسائل البريديّة إلى أربعة أقسام؛ أحدها يتعلق بالرسائل الطاعنة في الإسلام.
وعند دراسة العمل التنصيري عبر خدمة المحادثة، لُخِّصتِ الجوانبُ التّنصيريّةُ في أربعةٍ؛ أحدها لتوضيح استغلال هذه الوسيلة في الهجوم على الإسلام.
стр. 198
وفي مبحث مواقع مشاركة الملفات المرئيّة رأينا كيف سلك العمل التنصيري نهج التشكيك والطعن والتلبيس من خلال الملفات المرئيّة، وكذا خدمة التعليقات عليها.
هذا في جانب الخدمات التفاعليّة. والحال نفسه في مواقع الشبكة العالميّة، وقد بينت ذلك الدراسات والبحوث التي تناولت هذا الجانب (١).
ولا نريد هنا الاستطراد في التدليل على هذا النهج الذي سار عليه دعاة النصرانيّة في شتّى الجوانب، لأنَّ من شأن ذلك إطالة البحث.
وإلا فإنّ التشويه الإعلامي لصورة الإسلام والمسلمين يعد ظاهرة منتشرة، وتحدياً خطيراً، زادت وتيرته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م، وإنْ كانت جذور هذا التشويه سَبقت ذلك بقرون عديدة.
وكان من أجلى مظاهرها العمل الاستشراقي الذي كان من أهدافه تحطيم الثقة بالمعتقدات والمبادئ الإسلامية وتدميرها. أضف إلى ذلك المناهج الدراسية في بلاد الغرب التي تعزز الصور النمطية السلبيّة عن الإسلام والمسلمين (٢).
وهكذا كان موقف الغرب من القرآن الكريم، فقد كانت ترجماتهم له على مر العصور ليست سوى وسائل لتوجيه الإدانات ضد الإسلام وكتابه ونبيه (٣).
ولم تكن دراساتهم عنه إلا تجسيداً لأحكامٍ مسبقة، وقوالبَ مصكوكة، وشباكٍ منسوجة، أُريدَ حشرُ القرآن داخلَها، مع إحكام الغطاء، ودمغه بخاتم البشرية والتلفيق وعدم الأصالة، وإقصائه عن مهابط الوحي وأنوار النبوة الصادقة (٤).
ومشابِهٌ لذلك موقف الغرب من خير البشرية وخاتم النبيين محمد ﷺ ، «فالغرب عبر
стр. 199
تاريخه الطويل من المواجهة الفكرية والدينية مع العالم الإسلامي كان دائماً يميل إلى الطعن في شخص النبي ﷺ ، وهو ما لم يتغير عبر قرون طويلة من العلاقة مع الغرب» (١).
والأمر نفسه ينطبق على السّنّة النبويّة، وعلى كل ما له تعلق بالإسلام والمسلمين.
وهكذا فقد دأب النّصارى المعادون للإسلام على بثّ الشبهات والطّعون بغية زعزعة العقيدة في نفوس المسلمين، مسوقين بدوافعَ يذكر المطلب التّالي شيئاً منها.
المطلب الثالث: بواعث سعي المنصرين لبث الشبهات
إنّ الهجوم القويّ على الإسلام في منافذ الخدمات التفاعليّة يدفع إلى طرح التساؤل عن الأسباب الباعثة لذلك ضدَّ دينٍ يُعلي مكانة المسيح وأمَّه وأتباعه من الحواريين، ويصف التوراة والإنجيل بأنّهما هدى ونور، إلى غير ذلك من حديث التقدير والتّكريم.
وخلاصة جواب ذلك في تقرير أنّ الإسلام هو الدين السماوي الذي أعقب النصرانيّة، وأتى بمخالفة جُلِّ عقائدها الأساسيّة، وبإقرار نظرة مختلفة إلى إله النصارى وكتابهم.
ففي الوقت الذي نظر النصارى فيه إلى عيسى ﵇ على أنّه الله الظاهر في الجسد، وابن الله الحيّ، وأنّه ليس بنبيٍّ ولا رسولٍ ولا عبدٍ من عباد الله (٢)؛ جاء الإسلام ببيان كونه واحداً من جملة رسل الله تعالى وعباده، فكان في ذلك إنقاصاً لمكانته في قلوبهم.
وحين اعتبر النصارى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد كلمةَ الله المحفوظةَ كما أنزلت؛ جاء الإسلام ببيان تحريفِهم له بشتّى صورِ التّحريف، فكان في ذلك هدماً لمقدَّس آخرَ في قلوبهم.
وبتقرير الإسلام أنّه خاتَم الأديان، وأنّ نبيه ﷺ خاتَم الرسل وأفضلَهم، وأنّ كتابه القرآن وحيُ الله المصدقُ لما سبقه من كتب الله، والمهيمنُ عليها، وإلزامَه الثقلين الدخول فيه ليكونوا من النّاجين؛ نُسِف بذلك الشأنُ الاستعلائي عند أهل الكتاب الذين طالما رددوا:
стр. 200
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (١)، وكثيراً ما قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (٢)، وكانوا يفخرون بأنهم: ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٣)، وربما قصرت طوائف منهم الخلاص فيمن آمن بالمسيح وفق ما يعتقدون.
وحين يُعلي الإسلام شأن الأمة الإسلاميّة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤)؛ يهوي بمن اعتقد أنَّ الله ثالث ثلاثة، وأنَّ الله هو المسيح ابن مريم، وأنّ الله اتخذ ولداً، إلى هاوية الكفر واللعنة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٥).
وهنا حدث صراع بين أتباع الديانات الكبرى أيها يستحق شرف قيادة الإنسانيّة.
وكان الإسلامُ هو الدين الذي أثبت صدق دعواه حين جمع تحت رايته في زمن يسير أكثر من ثلثي سكان المعمورة على اختلاف أجناسهم، مسوياً بينهم في الحقوق والواجبات، مشكلاً أزهى عصور التاريخ حضارةً وعلماً وأخلاقاً (٦).
لقد طبَّق الإسلام الخافقين في فترة لم تتجاوز القرن من الزمان، وبسط المسلمون نفوذهم على الجزيرة وبلاد الشام -بما فيها بيت المقدس حيث مقدسات النّصارى- ومصر والمغرب، بل امتدت الفتوحات من الصين والهند وإندونيسيا شرقاً إلى الأندلس (إسبانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا) غرباً.
وفي عهد الخلافة العثمانية فُتحت القسطنطينية سنة ١٤٥٣م، وشملت الفتوح نصف القارة الأوروبيّة، وحوصرت فيينا سنة ١٥٢٩م.
стр. 201
وبالجملة فقد انتزع الإسلام نصف العالم النّصرانيّ، وكسب ملايين الأتباع من النصارى، وكانت فتوحاته حضاريّة دفعت غير المسلمين لاعتناقه عن رغبة واقتناع (١).
يقول المستشرق الألماني "كارل بيكر": «إنّ هناك عداءً من النصرانية للإسلام بسبب أنّ الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى أقام سدًّا منيعاً في وجه انتشار النّصرانيّة، ثمّ امتدّ
إلى البلاد التي كانت خاضعةً لصولجانها» (٢).
كل هذه الأسباب أدت إلى إضرام نيران الحقد في قلوب النصارى، وزرع بذور العداء الشديد ضد الإسلام والمسلمين.
وأخذ هذا العداء شكلين من أشكال الحروب.
أولهما الحروب العسكريّة، وكان من صورها الحروب الصليبيّة التي امتدت قرابة قرنين من الزمان، مارس فيهما النصارى مدفوعين بالعاطفة الدينيّة أسوأ أشكال القتل وانتهاك الحرمات.
ومن صورها محاكم التفتيش التي أقيمت في فترة العصور الأوروبية الوسطى المظلمة، والتي ذاق فيها كلُّ من خالف النصرانيّة الكاثوليكية سوءَ العذاب.
وربما يُلحق بها حروب الاحتلال التي أعقبت سقوط دولة الخلافة العثمانية، وإنْ كان هدفها الأبرز هو الجانب الاقتصادي فيما يظهر.
وثانيهما الحروب الفكريّة، حيث زحفت جحافل المستشرقين والمنصرين على الديار الإسلامية.
فأخذت الأولى جزءاً من مهمة تنصير الخاصّة (٣)، وذلك من خلال دراسة مصادر علوم
стр. 202
المسلمين، وإبراز ما يمكن أن يكون ثغرات تبث حولها الشّكوك والشّبهات والتساؤلات.
ومن يومها والغربُ مستمرٌ في محاولة تشويه الإسلام دون أن يكلف نفسه عناء دراسة الإسلام على حقيقته (١).
وأخذت الثانية مهمة تنصيرَ العامّةِ من خلال الدعوة المباشرة، أو غير المباشرة عن طريق
صانعي الخيام أو المندسين خلف ستار الخدمات الطبيّة والتعليميّة والاجتماعيّة ونحوها.
وبهذا نفهم السبب الذي يجعل النصراني -في الغالب- يعادي الإسلام أشد العداء، مما يجعله يتنكب سبيل العدل والإنصاف حين ينظر إلى الإسلام وكتابه ونبيه ﷺ .
ولهذا لا نعجب حين يحمل النصارى على عواتقهم مهمة مقدسة تتمثل في تشويه الإسلام، والوقوع في القرآن الكريم والنبي المصطفى والسنة النبوية تكذيباً وتشكيكاً وسخريةً واستهزاءً، مدفوعين بالأسباب المتقدمة، مع ما أجمعت عليه سائر فرقهم من كون المسيح ﵇ جاء متمماً لشريعة الفداء، فلا يتصور عندهم مجيء رسول ولا كتاب بعده (٢).
يقول المستشرق هور غرونبه (٣) -بعد أن درس الإسلام، وعاش في مكة ستّة أشهر-: «إنّ العالم المسيحي يقف من الإسلام موقفاً يتصف بسوء الفهم والتّزييف» (٤).
ويضرب لهذا بعض الأمثلة، فيقول: «وكذلك فإنّ العائلة المسلمة ليست بصورة عامّة كما يقال عنها، فالحجْر على المرأة ليس تامًّا، والزّواج من امرأة واحدة أكثر شيوعاً، وقد
стр. 203
تتزوج المرأة عدّة مرّات .. » (١).
وهذا السعي للتشويه يتضح بجلاء من خلال الشبكة العالميّة بمواقعها، ومنافذ خدماتها التفاعليّة.
وهو ما سيتناوله هذا الفصل بشيء من البسط، من خلال عرض أبرز الشبهات المثارة حول القرآن والنبي الكريم ﷺ والسُّنَّة وشيء من جوانب التشريع الإسلامي.
وليس المراد هنا استقصاء كل الشبهات، والإسهاب في الرد عليها، فإنّ مُؤلَّفات المسلمين في القديم والحديث قد استوعبت -بحمد الله- أغلب هذه الجوانب.
ولكنّ ما يسعى إليه الباحث في هذا الفصل هو تجلية جوانب استفادة المنصرين من إمكانات الخدمات التفاعليّة للشبكة في بث الشبهات وإثارة الشكوك، مع التركيز على أبرز هذه الشبهات المطروحة، والرد عليها.
وقد كان اختيار الشّبهات -محل الدراسة في هذا الفصل- مبنيًّا على استقراء طويل معمّق للنوافذ الخمس المختارة من الخدمات التفاعليّة، وذلك بإحصاء مرّات التكرر، وأخذ المراتب العليا في سلّم النتائج.
ففي المنتديات الحواريّة تمّ استعراض مئات الموضوعات في المنتديات الثلاثة المختارة.
وفي المجموعات البريديّة تمّ استعراض ألف موضوع في كل مجموعة من المجموعات الثلاث المختارة، كما هو مبيَّن في موضعه.
وفي خدمات المحادثة رُصدت الشّبهات المطروحة في الغرف الثلاث المختارة مدّة شهر تقريباً.
وفي الشّبكات الاجتماعيّة تمّ استعراض مئات الصّفحات والمجموعات في شبكة "فيسبوك"، من خلال الكلمات البحثيّة الشّائعة الاستخدام عند النّصارى.
وأخيراً، في مواقع مشاركة الملفات؛ استعرض الباحث مئات الملفات والقنوات
стр. 204
والتعليقات في موقع "يوتيوب"، بواسطة الكلمات البحثيّة الشّائعة.
وتفصيل ذلك في مواضعه من مباحث الفصل الأول.
ومن حصيلة النّتائج الكثيرة قام الباحث باختيار أكثرها تكرراً في الطّرح والمناقشة (١)، وذلك في التصنيفات الأربعة التي سيأتي بيانها في مباحث هذا الفصل.
على أنّه يجدر هنا إيضاح الفئات المستهدفة بالخطاب في هذا الفصل على وجه
الخصوص. وهم في المقام الأول شريحة المستخدمين للخدمات التفاعليّة من المسلمين، بُغية تزويدهم بقدر كاف من المعرفة بما تحويه هذه المنافذ من مطاعن ومثالب، مع تفنيدها بالدّليل النقلي والعقلي.
ثم تأتي في المقام الثّاني شريحة المستخدمين من أتباع الدّين النّصراني، بُغية إيضاح المناهج المتبعة في طرح هذه الطّعون، ومدى قربها أو بعدها من النّهج العلمي الموضوعي المنصف. ثمّ نقد هذه المثالب بالدليل العقلي أو النّقلي من الكتاب المقدّس، مع استخدام أسلوب المقارنة والمناظرة.
وقد كان الجمع في الرّدّ بين مخاطبة الفريقين مع ضرورة الاختصار أمراً شاقًّا، ولعلّ في الاجتهاد المبذول شيئاً من مقاربة الصّواب.
وتفصيل ذلك في المباحث الأربعة التّالية.
стр. 205
المبحث الأول: أبرز الشبه حول القرآن الكريم، والرد عليها
المطلب الأول: موقف القرآن من الكتب السّابقة
من مظاهر رحمة الله تعالى وعدله أنْ أرسل إلى عباده الرسلَ، وأنزل عليهم الكتبَ هدايةً وإرشادا.
وقد جلّى الله بيان الحكمة من إنزال القرآن الكريم في آيات من الذكر الحكيم. كما تحدث عن الكتب السابقة، وبيّن موقف القرآن منها.
ولعلَّ من المناسب هنا تلمُّسَ بعض ملامح حديث القرآن الكريم عن نفسه، ومن ذلك
بيان حكمة إنزاله على العباد.
أنزل الله تعالى القرآن هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه. وهو دلائلُ وحججٌ واضحةٌ جليّةٌ لمن فهمها وتدبرها، دالةٌ على صحة ما جاء به مِن الهدى المنافي للضلال، والرشد المنافي للغي، ومفرقاً بين الحق والباطل، والحلال والحرام (١).
والقرآن أُنزل رحمةً للمؤمنين، وبشارةً لهم بكل خير، ووسيلةً معينة على تثبيتهم على سبيل الحق، وذكرىً تزجرهم عن مخالفة أمر الله تعالى.
كما أنزله الله شفاءً يُذهب ما في القلوب من أمراض الشك والنفاق والشرك والزيغ والميل (٢).
وهو النورُ الذي يهدي به الله من يشاء من عباده، والبركةُ التي يغنم من أخذها، والإبانةُ التي تجلي لمن تأملها كلَّ غامضٍ ومبهم.
وأمّا موقف الكتاب الحكيم مما سبقه من الكتب فقد بينته الآيات كذلك، وخلاصته في الآتي:
الأمر الأول: تصديقه للكتب السّابقة.
стр. 206
الأمر الثّاني: هيمنته على الكتب السابقة.
ودليلهما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).
وقد ساق البغوي (٢) في تفسيره جملةً من أقوال السلف في بيان معنى الهيمنة في الآية.
فقال بعضهم في معنى مهيمناً؛ أي شاهداً. وقيل: دالا، ومؤتمناً، وقاضياً، ورقيباً، وحفيظاً.
ثم قال البغوي ﵀: «والمعاني متقاربة، ومعنى الكل: أنَّ كلَّ كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى، وما لا فلا» (٣).
وهكذا فإنّ القرآن الكريم قد جعله الله تعالى حَكَماً على ما عداه من الكتب، فمن جاءنا بكتاب يدعي أنَّه من عند الله، وفيه ما يخالف القرآن؛ جزمنا بأنَّه ليس كذلك.
الأمر الثالث: تفصيله مواضع مخالفة الأمم السابقة -وبالأخص أهل الكتاب- لما جاءت به رسلهم من أمر الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥).
стр. 207
قال الكلبي (١): «إنَّ أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزاباً يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه» (٢).
الأمر الرابع: بيانه بعض ما أراد أهل الكتاب كتمانه وإخفاءه، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ
وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣).
وبهذا البيان يتقرر أنّ القرآنَ بخصوصه، والإسلامَ بعمومه، امتدادٌ للشرائع السماوية السابقة، فالدين أصله واحد، والأنبياء إخوة لعلات (٤)، والتجديد إنما يكون في التشريع مراعاة لأحوال النّاس.
ولهذا كان الإيمان بكل رسل الله وكتبه؛ من أركان الإيمان السّتّة.
ومهما وجدنا من توافق بين القرآن والتوراة والإنجيل فلا غرابة، إذ الكل من عند الله، وأخبار الله لا يمكن أنْ تتناقض بحال.
المطلب الثاني: أبرز الشبه حول القرآن الكريم
الناظر في منافذ الخدمات التفاعلية للشبكة يرى الكم الهائل من موضوعات الطعن في
стр. 208
كتاب الله الكريم.
والوقوف على حصر كل ما يطرح أمر ليس بالإمكان، إلا أنَّ هناك ما يمكن إبرازه بالنظر لكثرة تكرره وطرحه، وتداول النقاش فيه.
والمقصد هنا أنْ يكون لدى مستخدم الشبكة التصور المسبق لأغلب الجدليّات التي تهدف للطّعن في القرآن، مع بيان موقع هذه المطاعن أمام الأدلة النّقليّة والعقليّة.
ولعل أبرز هذه الشبه ما يلي:
الشّبهة الأولى: عدم التسليم بصحة النص القرآني الموجود لدى المسلمين اليوم، والجزم
بحصول التحريف فيه (١) بدلالة ما يلي (٢):
أولاً: أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، ولا وجود اليوم لستة منها، فإن كان الذي ألغى هذه الستة هو النبي ﷺ فلن يكون بوحي من الله؛ إذ من العبث أن يلغي الله ما أنزله، وإن كان ذلك من فعل عثمان ﵁ فقد فعله من تلقاء نفسه.
ثانياً: أنّ عملية جمع القرآن على عهد الصحابي عثمان ﵁ قد شابها كثيرٌ من الشوائب، كعدم الاعتراف بآية الرجم التي أقسم عمر ﵁ أنها كانت مما يقرأ من القرآن، وآية الرضاع التي تحدثت عنها عائشة ?. وقول عمر ﵁ بعد هذا الجمع: (لقد ضاع قرآن كثير)، وقوله: (إنّ سورة الأحزاب كانت تقرأ على عهد النبي ﷺ مائة وأربعاً وأربعين آية) بينما هي اليوم ثلاث وسبعون آية، وقوله: (في القرآن ألف ألف حرف، من أحصاها كان له بكل حرف حورية في الجنة) بينما أحرف القرآن الآن أقل من ذلك بكثير.
стр. 209
ومنها أنّ عثمان أخذ مصحف حفصة (١) قهراً وغلاه بالزيت ثم حَرَّقه، وضرب زيداً (٢) وأجبره على الكتابة، واختلف مع محمد بن أبي بكر (٣) في أمر الكتابة -وكان من كتبة
الجمع- فسبّه محمدٌ ثم شارك في قتله بعد ذلك.
ومنها أنّ هذا الجمع شهد خلافاً شديداً بين الصحابة كاد يصل حد الاقتتال.
ومنها أنّ الآية الثانية والعشرين من سورة الأحزاب لم توجد إلا عند أبي سعيد الخدري ﵁ (٤)، فأضيفت في مصحف عثمان بناءً على قول النبي ﷺ عن شهادة هذا الصحابي أنها تعدل شهادتين.
قال صاحب الشبهة: «وسبب تزكية النبي شهادة أبي سعيد الخدري ما رواه البخاري ومسلم من أنَّ النبي أخذ ظلماً [هكذا افترى] شاةَ يهودي في السوق، فطلب اليهودي شاهداً، فأتى أبو سعيد وبذل الشهادة. فلما أخذ النبي الشاة وانصرف سأل أبا سعيد عن شهادته عن شيء لم يره، فقال: (إني أصدقك بخبر السماء فكيف لا أصدقك بخبر شاة)، فعندها زكَّى النبي شهادته. وبالتالي فإنَّ هذه الآية أضيفت للقرآن بشهادة شاهد زور» (٥).
ثالثاً: أنّ النبي ﷺ كان يقرأ الآية بالليل فينساها بالنهار، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ
стр. 210
آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، فكان الله يعوِّض نبيه عمّا ينسى، فالصحابة من بعده أولى بالنسيان مع عدم تصور التعويض لهم فدلَّ على أنَّ الجزم بصحة النص القرآني خطأ.
رابعاً: دلالة مخطوطات القرآن.
ومنها مخطوطة صنعاء، وفيها اختلافات كثيرة، منها أنّ سورة الأعراف ١٦٥ آية، بينما هي في المصحف الحالي ٢٠٦ آيات.
خامساً: وجود الأخطاء النحوية فيه، وأنّ المسلمين يدفعونها بزعم أنَّ القرآن حجة على العربيّة وليس العكس.
ويمثل هؤلاء لهذه الأخطاء بأمثلة كثيرة جداً (٢).
الشبهة الثانية: أنّ القرآن دلّ صراحة على صحة العقائد النصرانيّة، ومن ذلك:
أولاً: أنه امتدح التوراة والإنجيل، وأخبر أنّ فيهما الهدى والنّور، وأنهما منزلتان من عند الله.
ثانياً: أنّه أمر اليهود والنّصارى بتحكيم التوراة والإنجيل، فدل ذلك على صحتهما، وصحة ما احتوته من عقائد، وكفايتهما للنّجاة.
ثالثاً: أنّ فيه أمر النبي ﷺ بسؤال اليهود والنّصارى عند الشك، فدل على صحة ما لديهم.
رابعاً: أنّ في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٣)؛ دلالة على ألوهية المسيح (٤).
стр. 211
الشبهة الثالثة: الطعن في قصص القرآن، من خلال الآتي:
أولاً: أنّ فيها ما لا يقبله العقل.
ومن ذلك أنّ الله علّم آدم الأسماء كلها، وأنَّ من معاني ذلك تعليمه أسماء كل البشر كما ورد في التفاسير.
ومن ذلك أنّ الجنّ لم تعلم بموت سليمان ﵇ حتى أكلت الأرضة مِنْسَأَتَه.
ومنها أنّ مريم أُمرت بهز الشجرة، وهي حامل لا تقوى على هز جذع النخلة، وأنّه لم يكن هناك نخل في ذلك الوقت بذلك الموضع، وأنها كانت ترزق الطعام فيدخل عليها زكريا
ويجده، فكيف لم ترزق به وقت حاجتها عند معاناة ألم الوضع.
ثانياً: الاقتباس من التوراة والإنجيل، مع المخالفة في بعض التفاصيل، وأنّ هذا دليل على عدم صحة القصص القرآني.
المطلب الثالث: المناهج المتبعة في طرح هذه الشبه
تتعدد الطرق التي يتبعها المنصرون في طرح شبهاتهم وجدلياتهم حول كتاب الله الكريم. ومن تلك الطرق المتبعة في الخدمات التفاعلية للشبكة ما يلي:
أولاً: الاستفادة من إمكانات الخدمات التفاعليّة فيما يتعلق بالطرح المرئي أو الصوتي أو النّصّي.
ففي مواقع تبادل الملفات المرئيّة تُستغل عملية التوليف (المونتاج) لإنتاج مقاطع تجمع بين الصورة والصوت والكتابة، وقد فُصِّل البحث في هذا الجانب في موضعه من الفصل الأول (١).
وفي مواقع المحادثة يُستغل جانب التحادث في الوقت الفعلي، فيواجه المسلم الداخل إلى الغرف النصرانية بوابل من الشبهات التفصيلية مع المطالبة بالإجابة عليها في الحال، لإظهار
стр. 212
عجزه، ومن ثمّ الاستعلاء عليه وتشكيكه في يقينياته الأساسيّة.
ويستفاد فيها من القدرات البيانيّة التي ميّز الله بها بعض النّاس؛ فيكون لأسلوبهم فعل السحر في التأثير على النفوس، كما في قوله ﷺ : (إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلَّ بعضكم أن يكونَ ألحنَ بحجته من بعض، وأقضيَ له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يأخذْ، فإنّما أقطعُ له قطعةً من النّار) (١). ولما جاء رجلان من المشرق فخطبا؛ قال النبي ﷺ : (إنَّ مِنَ البيان لسحرا) (٢).
وقد يملك المحاوَر الرد فيُمنع من إتمام إلقاء حجته، وذلك لأنّ مالك غرفة المحادثة لديه صلاحية توزيع وقت الحوار فيها، ولو كان ذلك على سبيل الإجحاف والظلم؛ الذي يدفع إليه مخافة ظهور حجة الخصم.
وتُستغل في هذه الغرف إمكانات التأثير الصوتي التي يحسنها البعض، من رفع الصوت وخفضه، وسرعة الإلقاء وإبطائه، وتمثيل المشاعر المختلفة من تهكم أو فرح أو حزن أو تعجب أو غضب أو رضى أو غير ذلك.
كما يستفاد فيها من رجع الصدى الفوري، أي التجاوب الآني من المحادَث، بالإضافة إلى أنّه قد لا يكون مستعداً للمحاورة، أو ممتلكاً للحصيلة العلمية التي تدفع عنه الشبه والمطاعن، وفي كل الأحوال لا تكون لديه فسحةٌ لمراجعة ما يلقى عليه.
ثانياً: اتخاذ ما يمكن تسميته بأسلوب الغمر (٣)، وذلك بإيراد الطعون المتكاثرة حول كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، لكي يتسرب إلى عقل القارئ بشكل غير مباشر أنّ القرآنَ كلَّه مثالبُ ومطاعن، لا يبقى معها منه شيء صاف عند التحقيق.
стр. 213
بل وصل الأمر إلى حدِّ نقدِ كل آية من آيات الكتاب العزيز، وادعاء اشتمالها على خطأ لغوي أو علمي أو تاريخي أو جغرافي أو منطقي أو نَسْخٍ أو تعدد قراءات أو غير ذلك، كما في موقعهم المسمّى: "نظرة موضوعيّة في عمق القرآن" (١).
ثالثاً: اتباع أسلوب التّهويل، بحيث تؤخذ الملاحظة البسيطة ليبنى عليها نتائج كبيرة لا تتناسب معها.
فمن ذلك ملاحظة أحدهم ثلاثة فروق بين طبعتين من المصحف في بلاد المغرب، فيها ترقيم البسملة من الفاتحة، وجعل الآية الأخيرة آيتين في الطبعة القديمة، وترقيم الحروف
المقطعة من أول البقرة.
فبنى على هذا نتيجةً مفادها إثبات وقوع التحريف في القرآن، وأنّ صور التحريف لا يحاط بها كثرةً باعتبار كثرة الدول الإسلاميّة، بناء على وجود هذه الملاحظات في دولة واحدة منها (٢).
رابعاً: الأخذ عن مصادر المبتدعة كالرافضة من الشيعة، تصريحاً أو على سبيل الدّس والتدليس.
فمن مواضع التصريح قولهم في تقديم كتابٍ على الشّبكة يطعن في النبي الكريم ﷺ : «لقد آثرنا أن نستعين ببعض المراجع الشيعية الاثني عشرية في تحضيرنا لهذا الكتاب؛ لكن بما أنَّ عملنا موجه للسنّة أولاً، كان استئناسنا بالشواهد الشيعية يقتصر على الهامش ليس إلا.
وهذه المراجع أساساً هي: بحار الأنوار، الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار، وسائل الشيعة، مستدرك الوسائل، الميزان في تفسير القرآن» (٣).
ومثله كتاب "تدوين القرآن"، وفيه يعقد المؤلف موضوعات للطعن في القرآن الكريم
стр. 214
بناء على عقيدة الرّافضة في تحريف القرآن، وهجومهم على أهل السّنّة في ذلك (١). وهو واحد من كتب عدة يوردونها لإظهار وجود الاختلاف بين المسلمين في كتابهم، وأنَّ ذلك من أدلة ثبوت تحريفه (٢).
خامساً: مجانبة المنهج العلمي عند التعامل مع كتب التفسير. ولذلك عدة صور:
منها جعل أقوال المفسرين حجة في تبيان مراد الله تعالى من كلامه، فيكون قول المفسر -سواء كان متقدماً أم متأخراً- هو عين مراد الله تعالى من قوله.
وفي هذا من التجني ما لا يخفى، فإنّ غاية ما يكون من المفسرين هو بذل الجهد في فهم مراد الله تعالى من كلامه.
ومنها انتهاج أسلوب الانتقاء المبني على الهوى، بعيداً عمّا أجمع عليه المفسرون أو ذهب إليه جمهورهم.
ومن أمثلة ذلك ما نقله أحد المنصرين في تفسير الحروف المقطعة، فقد اختار -لهوى في نفسه- أنّ المراد بها ما نقله القرطبي (٣) عن قطرب (٤) أنّ الكفار كانوا ينفرون عن سماع قراءة النبي ﷺ فأتى لهم بهذه الأحرف ليجلب انتباههم فيقيم عليهم الحجة. ثم ركّب على اجتزائه هذا نتائج تخدم عمله الدّعوي (٥).
وهذا الفعل تجاوزٌ صارخٌ للموضوعيّة والأمانة في النّقل، فإنّ القرطبي ذكر أنّ أهل العلم
стр. 215
اختلفوا في الحروف المقطعة على قولين. أحدهما: وجوب الإيمان بها دون الخوض في تفسيرها، لأنّها مما استأثر الله بعلمه. وثانيهما: جواز الكلام فيها، والتماس الفوائد التي تحتها (١).
ثمّ ساق اختلاف الأقوال بين المجيزين، وذكر منها ما قاله قطربُ وغيره أنّها «إشارة إلى حروف الهجاء، أعلمَ اللهُ العربَ حين تحداهم بالقرآنِ أنّه مؤتلفٌ من حروفٍ هيَ التي منها بناءُ كلامهم، ليكون عجزُهم عنه أبلغَ في الحجة عليهم» (٢).
ولكنّ هذا المنصر أعرض عن كل الأقوال التي ساقها القرطبي، ومنها أحد قولي قطرب، ليختار -بلا مرجِّح- أحدَ الأقوال، موهماً أنّه الراجح أو الوحيد.
ومن أمثلة الأسلوب الانتقائي نقل أقوال المفسرين المختلفةِ اختلافَ تضادٍّ في بيان معنى الآية الواحدة، وضرب الأقوال بعضها ببعض، للتوصل من ذلك إلى الطعن في كتاب الله الكريم، ومن ذلك إيراد الأقوال المختلفة في اسم والد نبي الله إبراهيم ﵇ (٣).
سادساً: يُستشهد أحياناً بكتب التفسير المعتمدة عند المسلمين كتفسير الطبري وابن كثير وغيرهما مع ذكر رقم الجزء والصفحة والطبعة ومعلومات النشر، ويُحال أحياناً إلى مواقع إسلاميّة على الشّبكة.
وهذا يُظهر للناظر لأول وهلة تجرد النّاقل للحق، وأمانته في النقل، ولكنْ عند التّمحيص يظهر شيء من التّدليس، أو الكذب الصّريح أحياناً.
وسوف نذكر أمثلةً لذلك في مطلب الرّدّ التالي.