الشبهة الثالثة: الطعن في قصص القرآن، من خلال الآتي:
أولاً: أنّ فيها ما لا يقبله العقل.
ومن ذلك أنّ الله علّم آدم الأسماء كلها، وأنَّ من معاني ذلك تعليمه أسماء كل البشر كما ورد في التفاسير.
ومن ذلك أنّ الجنّ لم تعلم بموت سليمان ﵇ حتى أكلت الأرضة مِنْسَأَتَه.
ومنها أنّ مريم أُمرت بهز الشجرة، وهي حامل لا تقوى على هز جذع النخلة، وأنّه لم يكن هناك نخل في ذلك الوقت بذلك الموضع، وأنها كانت ترزق الطعام فيدخل عليها زكريا
ويجده، فكيف لم ترزق به وقت حاجتها عند معاناة ألم الوضع.
ثانياً: الاقتباس من التوراة والإنجيل، مع المخالفة في بعض التفاصيل، وأنّ هذا دليل على عدم صحة القصص القرآني.
المطلب الثالث: المناهج المتبعة في طرح هذه الشبه
تتعدد الطرق التي يتبعها المنصرون في طرح شبهاتهم وجدلياتهم حول كتاب الله الكريم. ومن تلك الطرق المتبعة في الخدمات التفاعلية للشبكة ما يلي:
أولاً: الاستفادة من إمكانات الخدمات التفاعليّة فيما يتعلق بالطرح المرئي أو الصوتي أو النّصّي.
ففي مواقع تبادل الملفات المرئيّة تُستغل عملية التوليف (المونتاج) لإنتاج مقاطع تجمع بين الصورة والصوت والكتابة، وقد فُصِّل البحث في هذا الجانب في موضعه من الفصل الأول (١).
وفي مواقع المحادثة يُستغل جانب التحادث في الوقت الفعلي، فيواجه المسلم الداخل إلى الغرف النصرانية بوابل من الشبهات التفصيلية مع المطالبة بالإجابة عليها في الحال، لإظهار
стр. 212
عجزه، ومن ثمّ الاستعلاء عليه وتشكيكه في يقينياته الأساسيّة.
ويستفاد فيها من القدرات البيانيّة التي ميّز الله بها بعض النّاس؛ فيكون لأسلوبهم فعل السحر في التأثير على النفوس، كما في قوله ﷺ : (إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلَّ بعضكم أن يكونَ ألحنَ بحجته من بعض، وأقضيَ له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يأخذْ، فإنّما أقطعُ له قطعةً من النّار) (١). ولما جاء رجلان من المشرق فخطبا؛ قال النبي ﷺ : (إنَّ مِنَ البيان لسحرا) (٢).
وقد يملك المحاوَر الرد فيُمنع من إتمام إلقاء حجته، وذلك لأنّ مالك غرفة المحادثة لديه صلاحية توزيع وقت الحوار فيها، ولو كان ذلك على سبيل الإجحاف والظلم؛ الذي يدفع إليه مخافة ظهور حجة الخصم.
وتُستغل في هذه الغرف إمكانات التأثير الصوتي التي يحسنها البعض، من رفع الصوت وخفضه، وسرعة الإلقاء وإبطائه، وتمثيل المشاعر المختلفة من تهكم أو فرح أو حزن أو تعجب أو غضب أو رضى أو غير ذلك.
كما يستفاد فيها من رجع الصدى الفوري، أي التجاوب الآني من المحادَث، بالإضافة إلى أنّه قد لا يكون مستعداً للمحاورة، أو ممتلكاً للحصيلة العلمية التي تدفع عنه الشبه والمطاعن، وفي كل الأحوال لا تكون لديه فسحةٌ لمراجعة ما يلقى عليه.
ثانياً: اتخاذ ما يمكن تسميته بأسلوب الغمر (٣)، وذلك بإيراد الطعون المتكاثرة حول كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، لكي يتسرب إلى عقل القارئ بشكل غير مباشر أنّ القرآنَ كلَّه مثالبُ ومطاعن، لا يبقى معها منه شيء صاف عند التحقيق.
стр. 213
بل وصل الأمر إلى حدِّ نقدِ كل آية من آيات الكتاب العزيز، وادعاء اشتمالها على خطأ لغوي أو علمي أو تاريخي أو جغرافي أو منطقي أو نَسْخٍ أو تعدد قراءات أو غير ذلك، كما في موقعهم المسمّى: "نظرة موضوعيّة في عمق القرآن" (١).
ثالثاً: اتباع أسلوب التّهويل، بحيث تؤخذ الملاحظة البسيطة ليبنى عليها نتائج كبيرة لا تتناسب معها.
فمن ذلك ملاحظة أحدهم ثلاثة فروق بين طبعتين من المصحف في بلاد المغرب، فيها ترقيم البسملة من الفاتحة، وجعل الآية الأخيرة آيتين في الطبعة القديمة، وترقيم الحروف
المقطعة من أول البقرة.
فبنى على هذا نتيجةً مفادها إثبات وقوع التحريف في القرآن، وأنّ صور التحريف لا يحاط بها كثرةً باعتبار كثرة الدول الإسلاميّة، بناء على وجود هذه الملاحظات في دولة واحدة منها (٢).
رابعاً: الأخذ عن مصادر المبتدعة كالرافضة من الشيعة، تصريحاً أو على سبيل الدّس والتدليس.
فمن مواضع التصريح قولهم في تقديم كتابٍ على الشّبكة يطعن في النبي الكريم ﷺ : «لقد آثرنا أن نستعين ببعض المراجع الشيعية الاثني عشرية في تحضيرنا لهذا الكتاب؛ لكن بما أنَّ عملنا موجه للسنّة أولاً، كان استئناسنا بالشواهد الشيعية يقتصر على الهامش ليس إلا.
وهذه المراجع أساساً هي: بحار الأنوار، الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار، وسائل الشيعة، مستدرك الوسائل، الميزان في تفسير القرآن» (٣).
ومثله كتاب "تدوين القرآن"، وفيه يعقد المؤلف موضوعات للطعن في القرآن الكريم
стр. 214
بناء على عقيدة الرّافضة في تحريف القرآن، وهجومهم على أهل السّنّة في ذلك (١). وهو واحد من كتب عدة يوردونها لإظهار وجود الاختلاف بين المسلمين في كتابهم، وأنَّ ذلك من أدلة ثبوت تحريفه (٢).
خامساً: مجانبة المنهج العلمي عند التعامل مع كتب التفسير. ولذلك عدة صور:
منها جعل أقوال المفسرين حجة في تبيان مراد الله تعالى من كلامه، فيكون قول المفسر -سواء كان متقدماً أم متأخراً- هو عين مراد الله تعالى من قوله.
وفي هذا من التجني ما لا يخفى، فإنّ غاية ما يكون من المفسرين هو بذل الجهد في فهم مراد الله تعالى من كلامه.
ومنها انتهاج أسلوب الانتقاء المبني على الهوى، بعيداً عمّا أجمع عليه المفسرون أو ذهب إليه جمهورهم.
ومن أمثلة ذلك ما نقله أحد المنصرين في تفسير الحروف المقطعة، فقد اختار -لهوى في نفسه- أنّ المراد بها ما نقله القرطبي (٣) عن قطرب (٤) أنّ الكفار كانوا ينفرون عن سماع قراءة النبي ﷺ فأتى لهم بهذه الأحرف ليجلب انتباههم فيقيم عليهم الحجة. ثم ركّب على اجتزائه هذا نتائج تخدم عمله الدّعوي (٥).
وهذا الفعل تجاوزٌ صارخٌ للموضوعيّة والأمانة في النّقل، فإنّ القرطبي ذكر أنّ أهل العلم
стр. 215
اختلفوا في الحروف المقطعة على قولين. أحدهما: وجوب الإيمان بها دون الخوض في تفسيرها، لأنّها مما استأثر الله بعلمه. وثانيهما: جواز الكلام فيها، والتماس الفوائد التي تحتها (١).
ثمّ ساق اختلاف الأقوال بين المجيزين، وذكر منها ما قاله قطربُ وغيره أنّها «إشارة إلى حروف الهجاء، أعلمَ اللهُ العربَ حين تحداهم بالقرآنِ أنّه مؤتلفٌ من حروفٍ هيَ التي منها بناءُ كلامهم، ليكون عجزُهم عنه أبلغَ في الحجة عليهم» (٢).
ولكنّ هذا المنصر أعرض عن كل الأقوال التي ساقها القرطبي، ومنها أحد قولي قطرب، ليختار -بلا مرجِّح- أحدَ الأقوال، موهماً أنّه الراجح أو الوحيد.
ومن أمثلة الأسلوب الانتقائي نقل أقوال المفسرين المختلفةِ اختلافَ تضادٍّ في بيان معنى الآية الواحدة، وضرب الأقوال بعضها ببعض، للتوصل من ذلك إلى الطعن في كتاب الله الكريم، ومن ذلك إيراد الأقوال المختلفة في اسم والد نبي الله إبراهيم ﵇ (٣).
سادساً: يُستشهد أحياناً بكتب التفسير المعتمدة عند المسلمين كتفسير الطبري وابن كثير وغيرهما مع ذكر رقم الجزء والصفحة والطبعة ومعلومات النشر، ويُحال أحياناً إلى مواقع إسلاميّة على الشّبكة.
وهذا يُظهر للناظر لأول وهلة تجرد النّاقل للحق، وأمانته في النقل، ولكنْ عند التّمحيص يظهر شيء من التّدليس، أو الكذب الصّريح أحياناً.
وسوف نذكر أمثلةً لذلك في مطلب الرّدّ التالي.
стр. 216
المطلب الرابع: الرد على الشبه
يمكن الرد على جدليات النصارى حول القرآن الكريم بشكلٍ مجملٍ، وآخرَ مفصل.
المسألة الأولى: الرد المجمل، ويقال فيه ما يلي:
الأمر الأول: ثبت على مرِّ السنين وتعاقبها من أكثر من أربعة عشر قرناً من الزّمان أنّ القرآنَ الكريمَ معجزةٌ خالدةٌ لا تقبل المعارضة والنقض أبداً.
وعلى الرغم من إعلان التحدي المبكر، فقد «أجمع رواة التّاريخ والآثار، على أنّ أساطين البلغاء وفحول الشعراء من مشركي العرب لم تحدثهم أنفسهم بمعارضة القرآن، ولم ينقل عن أحد منهم أنّه حاول أن يأتي بمعارضة للقرآن، مع شدّة حرصهم على صدّ النّاس
عن الإسلام، والتكذيب برسالة محمد ﵊» (١).
ومع إغفال ذكر بعض المحاولات الموغلة في الضّعف، يمكن أن نشير هنا إلى محاولة عبد الله بن المقفع (٢)، حين كَتَب شيئاً، فمرّ ذات يوم بصبيّ يقرأ قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، فمزّق ما جمع، واستحيا من إظهاره، وقال: "هذا والله لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله" (٤).
ولا يزال التحدي قائماً على مدى هذه القرون الطّويلة، فَلِمَ نكل النصارى وغيرُهم عن معارضة القرآن وقد اطّلعوا -ولا شك- على إعلان التحدي فيه في أكثر من آية.
стр. 217
ويحسن أن نشير هنا إلى محاولة ملفتة للنظر، قام بها المنصر أنيس شروش (١)، حين ألف كتابه "الفرقان الحق" (٢)، زاعماً أنّه يُعارض القرآن، بل هو خيرٌ منه.
والقارئ لهذا الكتاب لا يجد فيه إلا جملاً من القرآن الكريم، تلاعب بها تقديماً وتأخيراً، وتحريفاً وتبديلاً، في صورة متهافتة، يُغني سقوطها عن إسقاطها (٣).
ونخلص من كل ما تقدم إلى أنّ القرآن معجزة خالدة لم يوجد -ولا يمكن أن يوجد- من يقدر على معارضتها.
يقول شيخ الإسلام ﵀: «وكون القرآن أنّه معجزةٌ ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدّواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط، بل هو آيةٌ بيّنةٌ معجزةٌ من وجوهٍ متعدّدةٍ: من جهة اللّفظ، ومن جهة النّظم، ومن جهة البلاغة في دلالة
стр. 218
اللّفظ على المعنى، ومن جهة معانيه الّتي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك. ومن جهة معانيه، الّتي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بيّن فيه من الدّلائل اليقينيّة، والأقيسة العقليّة الّتي هي الأمثال المضروبة» (١).
وقد بلّغ النبي ﷺ الكفارَ آياتِ التحدي بأن يأتوا بمثله، ثم بعشر سورٍ منه، ثُمَّ بسورة واحدة، وفي كلِّ مرةٍ يعجزون، مع شدةِ عداوتهم له، وحرصِهم على دفع دعواه ووأدها والحيلولة دون انتشارها، وهم «العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء، فكلٌّ عجز عنه، ولم يقدر على شيء منه بوجه» (٢).
فبعد هذا؛ إنْ أتى أحد بعد أولئك القوم يريد الطعن في بلاغة القرآن الكريم وفصاحته
وسلامة تراكيبه النحوية فإنّه لا اعتبار لقوله، ولا التفات إليه؛ إذ لو كان ذلك ممكناً لسبق إليه الكفار على عهد النبي ﷺ .
بل كان منهم العكس من ذلك، فقد بهرهم بيانُه، وأخذت بألبابهم فصاحتُه، وسحرتهم بلاغتُه.
فهذا عتبة بن ربيعة (٣) لما قرأ عليه النبي ﷺ صدر سورة فُصِّلت؛ أنصت لها، وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه، حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٤)، أمسك بفيه مناشداً له بالرَّحم أن يكف، لعلمه صدق النبي ﷺ . ثم لما رجع إلى الكفّار قال لهم: "والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله
стр. 219
الذي سمعت نبأً" (١).
ومثله الوليد بن المغيرة (٢) حين قرأ عليه النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)، قال لقومه: "والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئاً من هذا. والله
إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يعلى عليه، وإنّه ليحطم ما تحته" (٤).
الأمر الثاني: من خصائص الأمة المحمديّة أنّ مُعتَمدها في تحمل الكتاب العزيز ونقله للخلف عن السّلف؛ كان على الحفظ في الصدور، لا على الكتابة في السطور. ولهذا فحفظة القرآن اليوم لبعضهم أسانيد إلى النبي الكريم ﷺ .
وبتكفل الله تعالى بحفظ كتابه الكريم، ثُمّ بهذا المنهج الذي سلكته الأمّة وحافظت عليه، لا يزال النصّ القرآني اليومَ كما كان عليه زمن النبي ﷺ .
يقول ابن الجزري (٥) -في كلام له نفيس-: «ثم إنَّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى
стр. 220
لهذه الأمة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنَّ النبي ﷺ قال: (إنَّ ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: رب إذاً يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: مُبتليك ومُبْتَلٍ بك ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفِق ينفَق عليك) (١).
فأخبر تعالى أنَّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤوه في كل حال كما جاء في صفة أمته: "أناجيلهم في صدورهم"، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه، لا في الكتب (٢)، ولا يقرؤونه كله إلا نظراً لا عن ظهر قلب، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه
من النبي ﷺ حرفاً حرفاً، لم يُهملوا منه حركةً ولا سكوناً ولا إثباتاً ولا حذفاً، ولا دَخل عليهم في شيء منه شكٌّ ولا وهم، وكان منهم مَن حفظه كلَّه، ومنهم مَن حفظ أكثرَه، ومنهم مَن حفظ بعضَه، كلُّ ذلك في زمن النبي ﷺ » (٣).
وليست هذه الحقيقة محل قناعة المسلمين وحدهم، بل شاركهم فيها علماء ومفكرون من الملّة النصرانيّة وغيرها، وعلى الطّاعنين في القرآن من النّصارى تفسير هذا الأمر.
ومن أمثلة ذلك قول الفيلسوف الفرنسي إيرنست رينان (٤): «إنّ الواقعة الحقيقيّة للتّاريخ القديم لهذا الإسلام، أي القرآن، تظل خارج كلِّ الشّبهات في البعد عن التّحريف» (٥)؟!
стр. 221
الأمر الثالث: تقدم في المطلب الأول (١) بيان أنّ دينَ الله واحدٌ من لدن آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنَّ رسل الله تعاقبت وكتبه تتالت في سياق الدعوة إلى التوحيد والطاعة ونبذ الشرك والمعاصي، وأنّ الشرائع اختلفت لحكم أرادها الحكيم العليم.
وعلى هذا فلا يَتصور ذو عقل أنه إذا أتى في القرآن الكريم شيء مما في كتب الله السابقة كان ذلك مطعناً ومأخذاً. بل ما كان من قصص الأنبياء مع أقوامهم، أو غيرها من الأخبار؛ لو ورد في كتاب ثم تكرر في القرآن، لكان وروده في القرآن على وجه المطابقة التامّة متى جزمنا بخلو الخبر الأول من التحريف، ووصوله إلينا كما أُنزل.
بل إنَّ القرآن ينص صراحة على تكرار معان في كتب سبقته، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (٤).
وعليه؛ فإنّ الطّعن في القرآن الكريم لورود أمرٍ فيه سَبَقَ ذكره في التوراة أو الإنجيل أو الزّبور أمرٌ غيرُ مُسلَّم.
الأمر الرابع: بأيِّ وجهٍ يُقبل ادّعاءُ تصديقِ القرآنِ الكريمِ لكثيرٍ من العقائدِ النّصرانيّة وقد جاء فيه التّصريح بكفر معتقدها في غير موضع، في آيات محكمات.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٥).
стр. 222
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
فهذه الآيات المحكمات الواضحات، وغيرها كثير، تدل -بما لا يدع شبهة أو تأويلاً- على مضادة القرآن للعقائد النصرانيّة التي هي في حقيقتها انحراف عن الدين الذي جاء به عيسى ﵇.
ولو فرض بقاء أحد على مثل ما جاء به عيسى ﵇؛ فإنّه ملزم باتباع النبي الذي بشر به عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٣).
ولهذا جاء عن النبي ﷺ قوله: (والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يؤمنْ بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النّار) (٤). ولما رأى النبي ﷺ مع عمر ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة غضب وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي) (٥).
الأمر الخامس: إنّ استشهاد النصارى بالقرآن الكريم على صحة عقائدهم وسلامة كتابهم مغالطة بينة، لأنّ المستشهد بشيء على شيء لا بد أنْ يكون مصدقاً بذلك الذي
стр. 223
يستشهد به، وإلا كان المستشهَد عليه باطلاً لبطلان المستشهَد به، وهم لا يعتقدون صدق القرآن ولا يعترفون به.
وهذا المسلك لا يلزم المسلمين حين يحتجون عليهم ببعض كتبهم، لأنَّه من المتقرر لدى المسلمين الاعتقاد الجازم أنّ الله أنزل التوراة على موسى ﵇، والإنجيل على عيسى ﵇، ثم أصاب الكتابين ما أصابهما من التحريف والتبديل والتضييع (١).
الأمر السّادس: تقدم في تمهيد هذا الفصل بيان الأمور التي ملأت قلوب النصارى حقداً على الإسلام ونبيه وكتابه. ومَن بلغ به البغض منتهاه كان ذلك حاملاً له على التجني
والعدوان بغير حق.
والناظر في الخدمات التفاعلية للشبكة يرى صنوفاً لا حصر لها من هذا الاعتداء الحاقد صباح مساء.
وهكذا دُفنت تحت ركام الأحقاد جُلُّ معاني العدل والإنصاف ومراعاة ضوابط البحث العلمي النزيه. فلا تكاد تجد شيئاً يتعلق بالإسلام والمسلمين إلا أُخرج بصورة مشوهة بشعة. وأُجري هذا المنهج على الدين نفسه، وعلى الدّيان، وعلى النبيِّ العدنان، وعلى الكتاب الفرقان، وعلى السُّنَّة النبويَّة وحَمَلتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، وعلى المنتسبين لهذا الدين في كل مكان وزمان.
وهنا تثار مناقشة عقليّة حول إمكانيّة قبول هذا التّشويه؛ وقد حوّل الله بهذا الدّين حال العرب أوّلاً من الجاهليّة والهمجيّة والتّخلف الخُلُقي والثّقافي والعلميّ، إلى مجتمعات متحليّة بالآداب والفضائل، رائدةٍ في مجالات العلم والحضارة والفِكر.
وقد شهد بهذا العقلاء والمنصفون من أتباع الأديان الأخرى. يقول توماس أرنولد (٢): «ولقد كتبت إسبانيا الإسلاميّة في القرون التي تقع بين هذين التاريخين [٧١١ - ١٥٠٢م]
стр. 224
صفحةً من أنقى الصفحات وأسطعها في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى. وقد امتد تأثيرها من ولاية بروفانس إلى الممالك الأوروبيّة الأخرى، وأتت بنهضة جديدة في الشعر والثقافة، ومنها تلقى طلاب العلم المسيحيون من الفلسفة اليونانيّة والعلوم ما أثار في نفوسهم النّشاط العقلي حتى جاء عصر النهضة الحديث» (١).
الأمر السّابع: من المتقرر لدى المسلمين قاطبة -إلا مَن شذَّ من المبتدعة- فضلُ أصحاب النبي ﷺ ، وعدالتُهم، وسبقُهم في الفضائل والمحاسن.
قال المزني (٢) ﵀: «ويقال بفضل خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁، فهو أفضل الخلق وأخيرهم بعد النبي ﷺ ، ونثني بعده بالفاروق، وهو عمر بن الخطاب ﵁؛ فهما وزيرا رسول الله ﷺ ، وضجيعاه في قبره، ونثلث بذي النورين عثمان بن عفان ﵁، ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب ? أجمعين.
ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنّة، ونُخْلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجبَ لهم رسول الله ﷺ من التفضل، ثم لسائر أصحابه من بعده ? أجمعين.
ويُقال بفضلهم، ويُذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم؛ فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله لنبيه، وجعلهم أنصاراً لدينه، فهم أئمة الدين، وأعلام المسلمين ? أجمعين» (٣).
يُساق هذا التقرير لمن يطعن في أصحاب النبي ﷺ ليتخذ من ذلك طريقاً للطعن في كتاب الله الكريم، لأنّه لم يصل إلينا إلا عن طريقهم، فهم المتلقون له من النبي ﷺ ، المبلغونه مَنْ بعدهم. وهم أصحابُ الجمع الأول على عهد الصديق، وأصحابُ الجمع الثاني على
стр. 225
عهد ذي النورين، ? أجمعين.
والعجبُ الذي لا ينقضي، ممن يبيح لنفسه ما يحرمه على غيره، فإنّ النّصارى يُعلون مكانة التّلاميذ الاثني عشر، ولا يرضون الطّعن فيهم، ثمّ لا يرون للمسلمين حقًّا في تقدير أصحاب محمد ﷺ .
وهم في سبيل ذلك يغضون الطّرف عمّا ذكره المسيحُ نفسُه في حقّ هؤلاء الحواريين من من قلّة الإيمان، وعدم الفهم (١).
وقد وصفَ كبيرَ الحواريين بأنّه شيطانٌ، معثرةٌ للمسيح، مهتمٌّ بما للنّاس، غيرُ مهتمٍّ بما لله، وبأنّه سينكر معرفته بالمسيح ثلاث مرّات قبل أن يصيح الدّيك (٢).
وقد حدَث من التّلاميذ أنْ تركوه وهربوا في أحرج الأوقات كما يحكي العهد الجديد (٣).
فإذا صحَّ أنْ يبقى لهؤلاء التّلاميذ قَدْرُهم مع ما بدر منهم، ومع توبيخ المسيحِ لهم، فكيف تُنزع مكانةُ أصحاب النبي ﷺ وقد فدوه بالأنفس والأهل والأموال، ومات وهو عنهم راض؟!
الأمر الثامن: لقد سار المسلمون في فهم كتاب ربهم جلّ وعلا على منهجٍ مستقيمٍ ثابتٍ أرشدهم إليه منزلُ هذا الكتاب .
وخلاصةُ هذا المنهج؛ أنَّ القرآن فيه المحكمُ الذي يَسهل فهم المراد منه لكلِّ أحد، والمتشابهُ الذي لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا
стр. 226
بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١).
والمنهج السليم ردُّ المتشابه إلى المحكم لأنّ الكل من لدن حكيم عليم، فلا يُتصور وجود تضاد أو اختلاف: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
قال ابن كثير في تفسير آية آل عمران: «يخبر تعالى أنّ في القرآن آيات محكمات هنّ أمّ
الكتاب، أي: بيّناتٌ واضحات الدّلالة، لا التباس فيها على أحدٍ من النّاس، ومنه آياتٌ أخر فيها اشتباهٌ في الدّلالة على كثيرٍ من النّاس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس» (٣).
وضدُّ هذا المنهج هو سبيل الأمم الهالكة التي نهجت مصادمة الآيات ببعضها، وقد خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقأ في وجهه حَبُّ الرُّمَّان من الغضب، فقال: (بهذا أُمرتم، أو لهذا خُلقتم، تَضربون القرآنَ بعضَه ببعض، بهذا هَلكت الأممُ قبلكم) (٤).
الأمر التّاسع: أنّ من أسس العقيدة الإسلاميّة الإيمان بكل كتب الله المنزلة على رسله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٥). وأنّ من هذه الكتب صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داوود؛ عليهم وعلى نبينا الصلاة والسّلام.
стр. 227
المسألة الثانية: الرد المفصل، ويقال فيه ما يلي:
الأمر الأول: الحديث عن الأحرف القرآنيّة السّبعة يحتاج إلى شيء من التفصيل.
لقد نزل القرآنُ -أوّل ما نزل- على العرب، وكانوا أهل عصبيّة وجاهليّة، تعتز كل قبيلة بما تنفرد به، وتعد ذلك مفخرةً تراق لأجلها الدّماء.
وكان من جملة ذلك ما يتعلق باللغة من مفرداتٍ وأساليبِ أداء ونحو ذلك، مما يمكن إجمال الإشارة إليه باللهجة.
فكان من الحكمة أن يستوعب القرآن كلَّ هذه اللهجات، ليكون أدعى لقَبول أتباعها له، وأيسرَ عليهم في تلقيه وفهمه وحفظه. ولهذا كان النبي ﷺ الحريص على رفع الحرج عن أمته- يستزيد ربّه من الأحرف حتّى بلغت سبعة (١).
لكنّ هذه التّوسعة لم تكن على حساب قداسة التشريع، بل كانت محصورة في الألفاظ دون المعاني والأحكام، مقيّدة بحدود ما أنزل الله، لا مجال فيها لاتباع الهوى (٢).
وكانت الأمةُ مخيّرةً في القراءة بأي حرف من هذه الأحرف، لأنّ التنوع فيها هو في الألفاظ المستخدمة، مع وحدة المعنى والدلالة.
واستمر الحال إلى أن جاءَ عهدُ الخليفةِ الرّاشدِ عثمانُ بن عفّانَ ﵁، وكثرت الفتوحات، واتسعت رقعة البلاد الإسلاميّة، وكثر الدّاخلون في الإسلام من غير النّاطقين بالعربيّة حتّى ربما فاق عددهم العرب، وتفرّق القرّاء في الأمصار يعلمون النّاس القرآن.
стр. 228
وكان كل قارئ ربّما قرأ بما شاء من الأحرف بناءً على أصل الرّخصة في ذلك، فإذا اجتمع التّلاميذ النّاشئة عجبوا لقراءة بعضهم، ثمّ تطوّر ذلك إلى الجدالِ أيُّ القراءاتِ أفصح، ثم آل الحال إلى الخصومةِ وتأثيمِ بعضهم بعضاً (١).
وقد رأى ذلك الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان ﵁ أثناء مشاركته في فتوح أرمينيّة وأذربيجان، ففزع من ذلك، وخشي أنْ يحدث الخلاف بين المسلمين في كتاب ربهم، فلما قدم على عثمان ﵁ قال له: "يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب
اختلاف اليهود والنصارى" (٢).
وأمام هذه الفتنة الكبيرة كان الهمّ الأكبر هو المحافظة على صحّة النص القرآني في مقابل بوادر الاختلاف التي ظهرت مهددةً الموقف الموحد للمسلمين من مصدر تشريعهم.
«فاتفق رأي الصحابة وعثمان -رضوان الله عليهم- على أن يجمع لهم القرآن على حرفٍ واحدٍ من تلك السبعة الأحرف» (٣).
فخلاصة ما حدث هو اتفاق الصّحابة بالإجماع (٤) على الأخذ بحرف واحد من الأحرف السّبعة، درءاً للفتنة، وتمشياً مع أصول التشريع الإسلامي، وأخذاً بأصل الرّخصة. وتمّ اختيار حرف قريش لأنّه هو الغالب في القرآن، وبه ابتدأ إنزاله قبل أن يستوعب الأحرف الباقية، وكان الأقوى من بين سائر اللهجات لمكانة قريش بين القبائل.
ولقد آتى هذا الاجتهاد العثمانيُّ ثمرته الطيبة، فبقي اتفاق الأمة على كتابها إلى هذا اليوم.
وقولنا "تمشياً مع أصول التشريع" مردّه إلى أنَّ التدرجَ سمةٌ من سمات التشريع الإسلامي، وهو من مزاياه الواضحة، ومن جوانب الحكمة فيه، مراعاة للتيسير على النّفوس، لتتقبل
стр. 229
التّكاليف من غير ضجر أو تعنت.
وفي الذي حدث إظهارٌ لمرونة الشريعة الإسلامية في فتح باب الاجتهاد لاختيار ما يحقق المصالح ويدفع المفاسد، ضمن إطار الدّين.
وفيه بيان فضل الصّحابة حين قاموا بالاجتهاد في الوقائع التي ليس فيها نصّ، وحُقَّ لهم هذا الاجتهاد لأنّهم تلقّوا عن الرسول الكتاب والسّنّة، وصاحبوه، وشاهدوا أسباب نزول الآيات وورود السّنن، وكانوا موضع ثقته (١).
فإذا جاء من يطعن في إجماع تلاميذ النبي ﷺ في اختيار وجه للقراءة من عدّة أوجهٍ جائزة؛ قيل له: بأي منهج ترد هذا وأنت تقبل مخالفة "بولس" -الذي لم ير المسيح- لتلاميذ المسيح في أغلب الأمور العقديّة والتّشريعيّة؟!
وبأي منهج تقبل ما سارت عليه المجامع النصرانيّة من تقريرٍ للعقائد والشّعائر والطّقوس والأسفار التي كوّنت الكتاب المقدّس؟!
إنّ من يورِد هذا الطّعن يُثْبِتُ في مقابِله -من حيث لا يشعر- صحّة النصّ القرآني بالحرف الذي ارتضاه الصّحابة وأجمعوا عليه.
بقي أنْ نشير هنا إلى أنّ الصحابة قد هابوا الإقدام على جمع القرآن في مصحف واحد (٢). ومَنْ هذا صنيعهم؛ هل يَتصور أحدٌ أنْ يكون منهم جرأة على محتوى النص؟!
الأمر الثاني: جمع القرآن على عهد عثمان ﵁ هي إحدى مناقبه ﵁ وأرضاه، وكان القرآن قد جمع على عهد أبي بكر الصديق ﵁ بالأحرف السبعة، ثم لما كان الخلاف الذي سبق ذكره رأى عثمان ﵁ وأد هذه الفتنة فأمر «أنْ يوحد القرآن على حرف واحد، ألا وهو حرف قريش أي لغة قريش، فجَمع القرآن على حرف واحد على لغة قريش -وهو
стр. 230
الذي نقرأ به الآن- ثم أَمر بسائر المصاحف فأُحرقت لئلا تبقى فيفتتن النَّاس بها، فكان في ذلك مصلحة عظيمة، وفضيلة لأمير المؤمنين عثمان ﵁ لا توصف، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عن المسلمين خيراً» (١).
وقد لقي جمعُ عثمان إجماعَ الصحابة ورضاهم، ومن المنقول عن علي ﵁ قوله: "يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق مصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ .. لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف
مثل الذي فعل عثمان" (٢).
قال البغوي في شرح السنة: «فاستشار عثمانُ الصحابةَ في ذلك، فجمع اللهُ الأمةَ بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد هو آخر العرضات من رسول الله ﷺ ، كان أبو بكر الصديق أمر بكتابته جمعاً بعد ما كان مفرقاً في الرقاع بمشورة الصحابة حين استحر القتل بقراء القرآن يوم اليمامة، فخافوا ذهاب كثير من القرآن بذهاب حملته، فأمر بجمعه في مصحف واحد، ليكون أصلاً للمسلمين، فيرجعون إليه ويعتمدون عليه، فأمر عثمانُ بنسخه في المصاحف، وجَمَعَ القومَ عليه، وأَمَرَ بتحريق ما سواه، قطعاً لمواد الخلاف ..
فأمَّا القراءة باللغات المختلفة؛ فما يوافق الخط والكتاب، فالفسحة فيها باقية، والتوسعة قائمةٌ بعد ثبوتها وصحتها بنقل العدول عن الرسول ﷺ ، على ما قرأ به القراء المعروفون بالنقل الصحيح عن الصحابة ﵃» (٣).
وأمّا الطعن في الخليفة الراشد عثمان ﵁ فيرده ما تقدم في الأمر السابع من الرد المجمل (٤). وكل ما ذكر عنه من إساءة إلى حفصةَ أو زيدٍ أو محمدِ بن أبي بكرٍ محضُ كذبٍ وافتراء.
بل الثابت أنّ جمع القرآن كان بإجماع الصحابة ?، وأنّ الصحف التي كانت عند
стр. 231
حفصة طلبها عثمان ثم ردها إليها بعد نسخها، وكانت بخط زيدٍ إبّانَ الجمعِ الأولِ على عهدِ الصديقِ ﵁ (١)، وقد انتقلت بعد وفاة أبي بكرٍ إلى عمرَ ثم إلى ابنته حفصةَ لأنها كانت وصيَّتَه (٢).
وقد بقيت الصحف التي عند حفصةَ على حالها إلى أنْ توفيت فأرسل والي المدينة مروانُ
بن الحكمِ (٣) إلى عبد اللهِ بن عمرَ (٤) ﵁ يطلبها، ثم أعدمها خشيةَ أن يقع لأحدٍ منها توهّمُ أنَّ فيها ما يخالف المصحفَ الذي استقرَّ عليه الأمر (٥).
وأمّا ما روي عن عمر ﵁ أنّه قال يوم استحر القتل بقراء اليمامة: (ذهب اليوم قرآن كثير) فرواية مكذوبة عليه؛ يدفعها «تظاهر أبي بكر وعمر وجماعة من الصحابة على جمع القرآن وعرضه، وتدوين عمر له، وعرضه عرضة ثانية، وضبطه في الصحيفة التي خلفها عند ابنته حفصة زوج النبي ﷺ ، وأخذه النّاس بذلك، وتعريفهم أنَّه جميع الذي كان أنزله الله ..
ولا يمكن أن يكون المراد ذهاب شيء من القرآن فإنّ عمرَ يعلم أنّ الذين قُتلوا يوم اليمامة إنما أَخذوا ما أَخذوا عن أُبيّ وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الحفظة» (٦).
وأمّا عدم كتابة آية الرّجم في المصحف فحجة على المشبِّه لا له؛ فإنّه لما كانت هذه الآية مما نزل من القرآن حفظها عمرُ وغيرُه من الصحابة، فقرأها أمام الصحابة ولم ينكر عليه أحد. ولما كانت منسوخةَ الرّسم باقيةَ الحكم لم تُضف للمصحف بدليل قول عمر:
стр. 232
(لولا أن يقال زاد ابن الخطّاب في كتاب الله لأثبتها).
وهذا القول من عمرَ دليلٌ على إجماع الصّحابة على ما في المصحف، ودليلٌ على أنّ هذا الإجماعَ والضَّبطَ من الصّحابة شكَّل حارساً يمنعُ من أراد الزيادةَ في القرآن أو الإنقاصَ منه.
وقد أجمع كلُّ من روى هذه القصة، وأكثرُ من تكلم في الناسخ والمنسوخ، على أنَّ آيةَ
الرَّجمِ كانت مما نُسخ لفظاً وبقي حُكما (١).
وأمّا قول عائشة ?: (كان مما أنزل عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهي مما يقرأ من القرآن)، فقد رجَّح المحققون أنّ هذه الآية نُسخت لفظاً، ولم يبلغ ذلك كلَّ النّاس إلا بعد وفاة النبي ﷺ فتوفي وبعض النّاس يقرؤونها (٢).
وأمّا الخبر عن عمر ﵁ أنّه قال: (في القرآن ألف ألف حرف، وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابراً كان له بكل حرف زوجة من الحور العين)، فإنّها رواية لو صحّت لم تكن مقبولة لمعارضتها الثابت القطعي في القرآن الكريم من تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، وهذا أصل لا يقف لمعارضته شيء.
وهو خبر يعارض الثابت عن عمر ﵁ وباقي الصّحابة من إجماعهم على المصحف المجموع زمن خلافة الصّدّيق ﵁.
ومع هذا فالرواية ضعيفة لا تصح عن عمر ﵁ (٣).
وعلى اعتبار صحتها فإنها تحمل على ما نسخ رسمه من القرآن (٤).
стр. 233
وأمّا رواية أنّ سورة الأحزاب كانت توازي سورة البقرة؛ فرواية باطلة، لا تصح عن أبي بن كعب ﵁ (١)، إذ لو صحت لاشتهرت عنه وثبتت. ويدل على بطلانها «أنّه لا يجوز أن يضيع ويسقط من سورة الأحزاب أضعاف ما بقي منها، فيذهب ذكر ذلك وحفظه عن سائر الأمة سوى أبي بن كعب، مع ما وصفناه من حالهم في حفظ القرآن، والتدين بضبطه
وقراءته وإقرائه والقيام به والرجوع إليه والعمل بموجبه» (٢).
وأمّا شبهة آية الأحزاب فقد جمع كاتِبُها بين الجهل والكذب والعدوان والتّدليس.
وتحقيق الأمر أنّ الصّحابة ? كانوا يحفظون الآية المقصودة، وهي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣) بدليل قصة مقتل أنس بن النضر ﵁ (٤) يوم أحد، حين أبلى بلاءً حسناً حتى وُجد به ما يزيد عن ثمانين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه، فقال أنس بن مالك ﵁ (٥): «كنَّا نرى أو نظنُّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه. ثمّ قرأ الآية» (٦).
ولما طفق زيد بن ثابت ﵁ ينجز مهمة جمع القرآن وفق منهجيّة عالية الدقة والتثبت
стр. 234
تشترط الكتابة مع الحفظ؛ لم يجد هذه الآية مكتوبةً إلا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ (١).
ولقد كان خزيمة ﵁ من أجلاء الصحابة وفضلائهم، وكان المتفرد باعتبار النبي ﷺ شهادته تعدل شهادة رجلين. وذلك في قصة الأعرابي الذي باع فرساً من النبي ﷺ ثم أنكر وطلب شاهداً، فجاء خزيمة ﵁ يشهد ولم يكن حضر البيع، فلما سأله النبي ﷺ قال:
«أشهد بصدقك يا رسول الله» (٢).
وهذا الفرس المبتاع جاء أنَّ النبي ﷺ ردّه على الأعرابي فأصبح ميتاً، وجاء أنَّ النبي ﷺ ألزم الأعرابي البيع فأخذه وسمّاه المرتجز (٣).
وهنا يظهر كذب هذا المشبه وتجنيه حين زعم أنّ القصة في الصحيحين، وأنها في شاة يهودي ظلمه النبي ﷺ ، ليُفهم القارئَ أنه ﵊ كان يحتقر أهل الكتاب ويظلمهم.
ويَظهر كذلك تدليسه حين ربط بين القصتين ليضعف من صحة إلحاق الآية بموضعها من القرآن الكريم، متجاهلاً أو جاهلاً أنَّ الصحابة كانوا يحفظونها، وزيدٌ نفسه يقول: «فقدت آية كنت أسمعها من النبي ﷺ ».
ولا يخفى -كذلك- وقيعة هذا المشبه في النبي الكريم ﷺ ، وأصحابه. وليس هذا بغريب على من يؤمن بكتاب ينسب قبيح الأفعال والأقوال إلى الله تعالى، ورسله الكرام. الأمر الثالث: القول بأنّ النبي ﷺ كانت تنزل عليه الآيات بالليل فينساها بالنهار، والعكس، وأنّه لذلك نزل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) بدليل المأثور عن ابن عبّاس؛ تطبيقٌ لآية آل
стр. 235
عمران التي فضحت منهج الذين في قلوبهم زيغ؛ حين يتركون المحكم ويأخذون المتشابه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله.
فأمّا المحكم هنا فمثل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١).
وفي الحديث المتفق عليه أنَّ ابن عباس ﵁ قال في تفسير هذه الآيات: "كان النَّبِيُّ ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان يحرك شفتيه .. فأنزل الله : ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، قال: "جمعه في صدرك ثم تقرؤه"، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: "فاستمع له وأنصت، ثم إنَّ علينا أن تقرأه"، قال: "فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل ﵇ استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقْرَأَه" (٢).
ومن المحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).
قال ابن كثير في تفسيرها: «ثُمَّ قَرَّرَ تعالى أنَّه هو الذي أنزل الذِّكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التّغيير والتّبديل. ومنهم من أعاد الضّمير في قوله تعالى: ﴿لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على النبي ﷺ ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق» (٤).
وقال صاحب أضواء البيان: «بَيَّنَ تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه هو الذي نزَّل القرآن العظيم، وأنَّه حافظٌ له من أن يُزاد فيه أو يُنقص أو يَتغير منه شيء أو يُبدَّل، وبيَّن هذا المعنى في مواضعَ أخرَ كقولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ
стр. 236
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)، وقولِه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية؛ أنَّ الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ راجعٌ إلى الذِّكر الذي هو القرآن» (٢).
وأمّا آية البقرة التي استدل بها المشبه على كثرة وسرعة نسيان النبي ﷺ ما ينزل عليه من الوحي؛ فلا دليل له فيها على المعنى الذي أراده، ولا صحة لسبب النّزول الذي ذكره. فإنّ الصحيح في سبب نزولها «أنّ اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إنَّ محمداً يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن
إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضاً، فأنزل الله الآية» (٣).
وكلمة (ننسها) في الآية جاءت على قراءتين.
الأولى بفتح النون الأولى والسين والهمز (نَنْسَأها)، والمعنى نؤخر نزولها أو نَسْخها.
والثانية بضم النون الأولى وتسكين الثانية وكسر السين (نُنْسِها)، والمعنى نتركها فلا نبدلها ولا نَنْسَخها؛ من النسيان، وهو الترك، كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤).
وأمَّا قوله بنسيان الصحابة ما يسمعونه من النبي ﷺ فبعيد كل البعد عن الحقيقة، فقد حفظَ القرآنَ جميعَه في حياة النبي ﷺ غيرُ واحدٍ من أصحابه، وما مِن الصحابة إلا من حفظ بعضَه، وكان يحفظ بعضُهم ما لا يحفظه الآخرُ، فهو جميعُه منقولٌ سماعاً منه بالنّقل المتواتر (٥).
وقتل غدراً على عهده ﷺ يوم بئر معونة سبعون من القراء (٦). واستحر القتل بالقراء يوم اليمامة سنة ثنتي عشرة من الهجرة على عهد الصديق ﵁، وكان ذلك سبب الجمع الأول.
стр. 237
الأمر الرابع: القول بأنّ مخطوطات القرآن الكريم، ولا سيما مخطوطات صنعاء، فيها ما يثبت أنَّ القرآن قد تعرضّ للتحريف والتبديل؛ قولٌ بعيدٌ عن المنهج العلمي الموضوعي.
ذلك أنّ جُلَّ مخطوطات القرآن الكريم التي تعود إلى القرون الهجريّة الأولى هي وديعةُ مكتبات لندن وأوسلو وبرلين وباريس ولينغراد والفاتيكان (١)، وهي عواصم نصرانيّة؛ لو وَجدت فيها الدلالة على ما تريد ما احتاجت إلى الإحالة على مخطوطات البلاد الإسلامية، كمخطوطات صنعاء وتركيا وسمرقند وغيرها.
وأمّا مخطوطات صنعاء فقد اكتشفت في عام ١٣٨٥هـ الموافق ١٩٦٥م، وتتميز بكثرة كميتها وقدم تاريخها، ومن بينها أكثر من مائة مصحف ترجع إلى القرون الهجريّة الأول والثاني والثالث والرّابع والخامس. وقد خضعت للدراسة التي بيّنت سلامة النص القرآني من أي شائبة تحريف أو تبديل (٢).
لقد استدعى مدير إدارة الآثار اليمنيّة خبيرين ألمانيين للمساعدة على ترميم هذه المخطوطات والعناية بها، غير أنّهما قاما بتصوير أكثرَ من خمس وثلاثين ألف ورقة، ثم كتب كلٌّ منهما مقالة عن هذه المخطوطات (٣)، خلاصتها في أمرين:
أولهما: الملاحظات الطفيفة في أمور تتعلق بالإملاء والنّسخ ممّا لا يمس وحدة النص.
هذه الفروق التي أشاروا إليها هي من قبيل ما يلي (٤):
- كتابة كلمة (كلّما) في كلمتين هكذا (كلّ ما)، في مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (٥). وهذا الاختلاف لا يغير في النطق ولا المعنى شيئاً.
стр. 238
- كتابة كلمة (أنّما) في كلمتين هكذا (أنّ ما)، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (١). وهذا الاختلاف لا يغير في النطق ولا المعنى شيئاً.
- كتابة كلمة (يُشرك) بتاء المخاطبة هكذا (تُشرك)، في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). وهذا الاختلاف مرده قراءة ابن عامر الشّامي (٣)، ولا تعارض في المعنى بينها وبين
القراءة بياء الغيبة.
وثانيهما: أنّهما -بصرف النظر عن محتويات المخطوطات- يظنّان أنّ النص القرآني الموجود الآن بيد المسلمين لا يمكن أن يتصف بالوضوح والسّلامة من التحريف.
وهنا يحق لمن يحترم عقله أن يتساءل عمّا يقبل من قول الخبيرين الألمانيين. هل يقبل إثباتهما الضمني لسلامة القرآن، المبني على خمس وثلاثين ألف ورقة، أم يقبل ما هو محل ظن عندهما، لم يقدما عليه دليلاً؟!
وإذا كانت قناعتهما المسبقة تقضي بتحريف القرآن، فَلِمَ لم يقدما من كنز مصورات المخطوطات القرآنية عندهما ما يعضده ويقويه؟!
إنّ النتيجة المنطقيّة هنا تلزمنا باعتقاد خلو هذه المخطوطات مما يمكن أن يكون دليلاً على التحريف، واحتوائها ضرورةً على إثبات سلامة النص القرآني.
لقد قام المستشرق توبي ليستر (٤) بنشر مقالة مطوّلة عن هذه المخطوطات، استقى مادّتها -حسب قوله- من اتصال هاتفي بأحد الخبيرين الألمانيين.
стр. 239
أكد في مقالته على أنّ هذه المخطوطات ستساعد المستشرقين على إثبات أنّ للقرآن تاريخاً كما أنّ للكتاب المقدّس تاريخاً، وأنّ المسؤولين في إدارة الآثار اليمنيّة غيرُ حريصين على القيام بدراسات مفصّلة حولها حتى لا تحدث بلبلةٌ في العالم الإسلامي.
إنّه هنا يثبت شيئاً، ويفترض آخر. يثبت عدم عصمة الكتاب المقدس، وأنّ له تاريخاً تعاقبت فيه الأيدي بالإضافة والحذف، والأخذ والرّدّ، إلى أنْ تشكَّل بصورته الحاليّة. ويفترضُ أنّ مخطوطات صنعاء سوف تسهم في إثبات نظير هذا بالنسبة للقرآن.
ومرة أخرى! أيهما يقدَّم؛ الإثبات الذي جزم به، أم الظّنّ الذي ادّعاه؟!
وإذا كانت إدارة الآثار اليمنيّة نكلت عن دراسة المخطوطات؛ فَلِمَ امتنع الخبيران
الألمانيَّان من إثبات ما يعتقدانه بلا دليل، إلا إذا افترضنا حرصهما أيضاً على عدم إحداث بلبلة بين المسلمين!
هذا مع أنّهما اتصلا بمدير الآثار في اليمن ليتنصلا مما جاء في محاضرة ليستر، وليُكذِّبا اتصاله بهما! (١)
لقد اقتنت جامعة ميونخ الألمانيّة عدداً هائلاً من المخطوطات القرآنيّة، ونشرت تقريراً أوليًّا عنها قبيل الحرب العالمية الثانية، قالت فيه: "لقد تمت مقارنة عدد كبير من النّسخ، فلم يوجد بينها اختلاف في النصّ القرآني، ما عدا أخطاء طفيفة في الإملاء أو النّسخ هنا أو هناك، والتي لا تمس بوحدة النصّ" (٢).
وأمّا كون عدد آيات سورة الأعراف مائةٌ وخمسٌ وستون آية فمرد ذلك إلى أنّ كاتب المخطوط كتب في المنطقة الفاصلة بين سورتي الأنعام والأعراف هذا العدد بالأحرف بجوار اسم سورة الأعراف. ومِن هنا ظنّ البعض أنّ هذا هو عدد آيات الأعراف؛ والواقع أنه عدد آيات سورة الأنعام كما في المصاحف اليوم (٣). هذا إذا سلّمنا بصحة مصورة المخطوطة التي
стр. 240
نُشرت على بعض المواقع.
وعلى الجازم بهذا القول أن يأتي بدليل على دعواه بعرض مخطوطة السورة كاملة ليتبين قدر الآيات المثبتة من المحذوفة. كما أنّ عليه أن يفسر اتفاق علماء المسلمين على مرِّ القرون على الآيات التي يستشهدون بها في مصنفاتهم، فلم يأت في يوم مَن ذَكَر عن أحدهم استشهاده بشيء انفرد به!
والدّعاوى إذا لم يقيموا عليها * بيّناتٍ أصحابُها أدعياءُ
وهكذا يبين للمتجرد للحق أنّ هذه المآخذ لا يوجد لها أصل صحيح؛ وكل استنادها
على اختلافات إملائيّة، وفروق بين القراءات (١)، وليس فيها ما يعد مأخذاً معتبراً.
والأمر نفسه ينطبق على باقي المخطوطات التي يذكرونها.
وسوف نرى في المطلب الخامس بعد قليل، أنّ هذه الملاحظات لا تشكل شيئاً أمام كتاب يرى غالبية العلماء المحققين الذين درسوه، ممن يؤمن به ويقدسه، أنّه لا وجود لمخطوطة أصليّة واحدة لشيء منه، وأنّه لا يوجد سند واحد صحيحٌ يثبت صحة القطع بثبوت أسفاره لمن نسبت إليهم، فضلاً عن جهالة كُتّابه، وزمن كتابته، والأقوام الذين كتبت لهم، ناهيك عن آلاف الاختلافات بين نسخه، والعدد الكبير من الأخطاء والتناقضات بين دفتيه.
وقد أراد أحد المنصرين أنْ يخدم مسعاه الدّعوي من هذا الجانب فكتب في إثبات تحريف القرآن استدلالاً بثلاثة فروق جوهرية -في نظره- بين الطبعة القديمة والحديثة لمصحف ورش المتداول في بلاد المغرب (٢).
وهذه الفروق هي كون البسملة من الفاتحة رقِّمت في إحدى الطبعتين دون الأخرى،
стр. 241
وكون الآية الأخيرة منها قُسِمت آيتين في الطبعة القديمة، وكون الحروف المقطعة من سورة البقرة رقَّمت آية في الطبعة الحديثة فأصبحت عدد آيات السورة مائتين وخمساً وثمانين.
وهو بهذا يؤكد -من حيث يدري أو لا يدري- سلامة النص القرآني، وعصمته من التحريف، على مدى قرون الإسلام كلها؛ إذ غاية ما عدَّه فروقاً جوهريةً لم يكن إلا تغييراً في موضع ترقيم الآية دون المساس بالمحتوى في قليل أو كثير.
الأمر الخامس: دعوى الأخطاء النَّحوية في القرآن مدفوعة بما تقدم في الأمر الأول من الرد المجمل (١).
الأمر السادس: دعوى دلالة القرآن على صحة العقائد النصرانيّة (٢) يدفعها ما تقدم في الأمر الرّابع من الرد المجمل (٣)، وفيه تصريح القرآن الكريم بتكفير معتنقي عقيدة التثليث، وهي العقيدة التي تجمع عليها طوائف النّصارى.
وكم في القرآن من النكيرِ على هؤلاء في غلوهم في عيسى بن مريم ﵇، وتجنيهم على الرب العظيم حين جعلوا له الولد، وإعلانِ المسيح براءته يوم القيامة ممن اتخذه وأمَّه إلهين من دون الله.
وكم فيه من بيانِ توبة آدم ﵇، وقبولِ الله تعالى لها، وأنّه لا تزر وازرة وزر أخرى. وفي هذا نسف لعقيدة الخطيئة الأولى، التي تؤمن بها كلُّ الطوائف النصرانيّة.
وفي الكتاب العزيز بيان مساواة عيسى بن مريم ﵇ في مهمة البلاغ لباقي إخوانه
стр. 242
النبيين والمرسلين، وأنّه لما مُكر به رفعه الله إليه. وفي هذا نسف لعقيدتي الصَّلب والفداء، وهما -كذلك- محل إجماع الطوائف النصرانية.
ويدفعه -كذلك- الأمرُ الخامس من الردِّ المجمل (١)، وفيه أنّه لا يُقبل استدلالهم بالقرآن وفي عقيدتهم أنّه كتاب باطل، ليس هو كلام الله تعالى. ومع هذا نبين الرد على ما أوردوه.
فالاستدلال بمدح الله تعالى للتوراة والإنجيل على صحة ما فيهما اليوم أمرٌ غيرُ مسلّم، فإنّه -وإنْ كان المسلم يؤمن بإنزال الله هذين الكتابين- إلا أنّه يعتقد بتحريفهما وبنسخ القرآن لهما، بدلالة القرآنِ الكريم نفسِه الذي استدلوا به، وأنّ المدحَ منصرفٌ إلى أصل الكتابين المنزلين قبل تسلل اليد البشرية المحرِّفة الآثمة إليهما، وقبل نسخهما بالقرآن.
وعلى هذا المعتقد سار علماء التّفسير، ولهذا قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٢)؛ قال: «﴿هدى للنّاس﴾ أي في زمانهما» (٣).
ويدل على ذلك إخبارُ القرآن الكريم بتحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل، ونهيُ النبي ﷺ وغضبُه الشديد لما رأى بيدِ عمرَ ﵁ شيئاً من التوراة.
وأمّا الاستدلال بأمر اليهود والنصارى بتحكيم التوراة والإنجيل، وإقامتهما، والوعيد الحسن لهم إن هم فعلوا ذلك؛ فبيانه كالتّالي:
أولاً: الأمر بتحكيم التوراة يريدون به قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
وهذه الآية لها سبب نزول. ذلك أنّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أنّ
стр. 243
رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟»، فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام ﵁ (١): "كذبتم إنّ فيها الرّجم"، فأتوا بالتّوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرّجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: "ارفع يدك"، فرفع يده فإذا فيها آية الرّجم، فقالوا: "صدق يا محمّد، فيها آية الرّجم"، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما (٢).
وعليه؛ فالأمر في حادثة معينة وليس على إطلاقه. بل وفيه دليل على أنّ اليهود كانوا
ينسبون إلى التّوراة ما ليس فيها ولو لم يكن ممّا أقدموا على تبديله (٣)، وهو نوع من أنواع التحريف.
ثانياً: وأمّا الأمر بتحكيم الإنجيل فيريدون به قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤).
والمعنى هنا يحتمل أمرين.
أولهما: أنّ النصارى كانوا مأمورين بتحكيم الإنجيل في زمانهم.
والثاني: «ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، وممّا فيه البشارة ببعثة محمّد ﷺ والأمر باتّباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ
стр. 244
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾» (١).
ثالثاً: وأمّا الوعيد الحسن لأهل الكتاب إنْ هم أقاموا التوراة والإنجيل، فالمقصود به قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وفي هذه الآية ترتيب النّعيم على إقامة التوراة والإنجيل، «ومن إقامتهما الإيمان بما دَعيا
إليه، من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم ﴿لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ أي: لأدرَّ اللهُ عليهم الرزق، ولأمطرَ عليهم السماء، وأنبتَ لهم الأرض» (٣).
رابعاً: وأمّا أمرُ الله تعالى نبيه ﷺ بالرجوع لأهل الكتاب عند الشك فالمقصود به قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٤).
وفي تمام الآية ما يجلي الأمر ويرفع الاشتباه. فنص الآية بالتمام هو الآتي: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. والمقصود من التنبيه لسؤال أهل الكتاب تثبيت المؤمنين بأنّ أهل الكتاب عندهم البشارة بمحمد ﷺ في كتبهم.
نقل ابن كثير عن بعض أئمة التّفسير قولَهم: بَلَغَنَا أنّ رسول الله ﷺ قال: (لا أشكّ ولا أسأل)، ثمّ قال: «وهذا فيه تثبيتٌ للأمّة، وإعلامٌ لهم أنّ صفة نبيّهم ﷺ موجودة في الكتب
стр. 245
المتقدّمة الّتي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (١) الآية.
ثمّ مع هذا العلم يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم، يُلبِّسون ذلك ويحرّفونه ويبدّلونه، ولا يؤمّنون به مع قيام الحجّة عليهم» (٢).
خامساً: وأمّا الاستدلال بآية التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ .. ﴾ فقد تقدمت الإجابة عليه (٣).
وهكذا فكلُّ ما يُورد من دلالة القرآن العزيز على صحة الديانة النصرانيّة على عهد النبي ﷺ متهافت لا يثبت عند التمحيص، وأنّ المقصود به تصحيح الدّيانتين باعتبار أصلِ ما أَرسل الله به موسى وعيسى ﵉، ومن جملته الأمر باتّباع محمَّدٍ ﷺ (٤).
الأمر السّابع: الطعن في قصص القرآن الكريم من حيث تكرر شيء منها فيما بقي من الكتب السّابقة؛ يدفعه ما تقدم تقريره في المطلب الأول من هذا المبحث (٥).
ويضاف له تقريرُ اختلاف قصص القرآن عن قصص الكتب السّالفة في المنهج، والهدف، والتفرد، والتصحيح.
فمنهج قصص القرآن يركِّز على الدلائلِ الواقعيّة، والإعراضِ عن التفصيلات التاريخيّة كأسماء الأشخاص، وذكر الزّمان والمكان. بينما قصص التوراة والإنجيل تجنح للخيالِ القصصي، والإغراقِ في التفصيلات التّاريخية.
стр. 246
وعندما تهدف قصص التوراة والإنجيل لمجرد السرد التاريخي؛ تجمع القصص القرآنية أهدافاً سامية، كالاستدلال على التوحيد، وتثبيت الرسول والمؤمنين، والفصل في مواضع الاختلاف، والعظة والاعتبار، والحجة والإقناع، وإظهار قدرة الله تعالى.
وينفرد القرآن بقصص لم تذكر في غيره، كقصة صالح وشعيب وهود والخضر وذي القرنين، إضافةً إلى التفاصيل الجزئيّة داخل القصص التي أوردتها الكتب الأخرى.
وعندما يكرر القرآن قصةً وردت في التوراة والإنجيل فإنّه لا يكرر ما فيها من أخطاء كتبتها يد التحريف، بل يصححها بحقائق أتت مكتشفات علماء الآثار والحفريات والعلم الحديث بتأييدها (١).
وأمّا تفاصيل ما سيق من مطاعن في تفصيلات بعض قصص القرآن فبيانه كالتّالي:
أمّا تعليم آدمَ الأسماء كلها فهو خبرٌ من الله تعالى لم يرد تفصيله، فيوقن المسلم بصدقه، ولا يخوض في تكلف المراد بهذه الأسماء، موقناً بقدرة الله على كل شيء. ولعل الله ﷻ ألقى في قلب آدم ﵇ علمَ مسميات الأشياء. ونظيرُ ذلك في القدرة كثير، ومنه خلق آدم من غير أب أو أم، فالموجد الأشياء من عدم؛ لا يكون إلقاؤه علم مسميات الأشياء في روع أحد من خلقه؛ شيئاً بعيداً.
وأمّا قصة موت نبي الله سليمان ﵇، فإنّها من أخبار الغيب، ومن مظاهر قدرة الله تعالى، والله على كل شيء قدير. وقد عمّى الله على الجانّ المسخرين لسليمان في الأعمال الشّاقة موته ليتبين للجن والإنس أنّ الجن لا يعلمون الغيب؛ وإلا ما لبثوا في العذاب الشديد مدة موته ﵇ وهو متوكئٌ على منسأته (٢).
على أنّ هذه المدة لم يرد في القرآن والسنة تحديدها.
وليست هذه المعجزة بأكبر من تحويل العصا حيّة، أو تفجير اثنتي عشرة عيناً بضربة
стр. 247
منها للصخرة، أو بشق اثنتي عشرة طريقاً يبساً حين ضرب بها البحر، وكل هذا مما يؤمن به النصارى.
وأمّا قصة مريم ﵍ وانتباذها من قومها مكاناً قصيًّا، وطلب هز جذع النّخلة، فهو كذلك من أنباء الغيب التي أوحاها العليم الحكيم لنبيه. على أنّ فيها ما يرد شبهة المشبهين، فإنّ الذي رجّحه بعضُ علماءِ المسلمين أنّ هذه الشّجرة لم تكن مثمرة، فطلب الله من مريم هزها على قدر جهدها، ثم امتن عليها بأنْ جعل في الشجرة في الحال ثمراً يتساقط عليها لتأكله، وتشرب من النهر الذي أجراه من تحتها (١).
ولا يصعب مع اعتقاد قدرة الله تصديق كراماته لأوليائه المتقين (٢).
المطلب الخامس: مناقشة الشبه في ضوء الكتاب المقدس
تقدم في المطلب الثّاني أنّ من أبرزِ ما يتحدث عنه النّصارى في الخدمات التفاعليّة حول القرآن الكريم هو عدم التسليم بصحة النص المتداول له اليوم بين المسلمين، وأنّ الدّليل على ذلك استبعادُ ستّة أحرف من الأحرف السّبعة التي نزل بها القرآن، والنزاعُ الذي حصل إبّان الجمع في عهد عثمان ﵁ حول إضافة بعض الآيات أو استبعادها، والاختلافاتُ بين المخطوطات القرآنيّة (٣).
والذي يخلص إليه المتأمل في هذه الطّعون؛ الإقرار بوجود نصٍّ قرآني عندما مات النبي ﷺ ، والإقرار بوجود مخطوطات قديمة تحوي كامل هذا النص، مع الخلاف في آيات منه.
وقد تقدم بيان هذه الأمور بالتفصيل في المبحث السّابق، ولكنّ المراد هنا مقارنة حجم هذه المآخذ بحال الكتاب المقدس عند النّصارى، من جهة الأسانيد والنّصوص والمخطوطات.
ولْنبدأ بما كتبه الآباء اليسوعيون في مداخل ترجمة الكتاب المقدس، مقتصرين بنقل
стр. 248
كلامهم عن الأناجيل الأربعة التي يُفتتح بها العهد الجديد من الكتاب.
فقد ذكروا عن إنجيل متّى أنّه لا يمكن الجزم بنسبة كتابته إليه؛ بل الأمر أشد تعقيداً ممّا مضى عليه اعتقاد كثيرين من المتقدمين والمتأخرين. والخلاف قائم في مكان ولغة تدوينه. ولا يمكن الجزم بتاريخ تدوينه، وإن كان أغلب الباحثين يحدده بين عامي ثمانين وتسعين بعد الميلاد. ولا يمكن معرفة اسم المؤلف معرفة دقيقة (١).
وأمّا إنجيل مرقس فليس إلا شكلاً من أشكال الفن الأدبي، وضَعَه مترجم الحواري بطرس (٢)، بين عامي ٦٥ و٧٠ بعد الميلاد، دون الجزم بذلك، مع التردد هل كان ذلك قبل وفاة بطرس أم بعدها (٣).
وأمّا إنجيل لوقا (٤) فإنّه -وإن نسب للوقا طبيب بولس- إلا أنّه ليس هناك دليل قاطع على ذلك، وأمّا تاريخ تدوينه فيرجح أن يكون بين عامي ثمانين وتسعين بعد الميلاد (٥).
وإنجيل يوحنا فإنّ معظم النقاد لا يتبنون الرأي الذي يرى نسبته إلى الحواري يوحنا (٦)، فيُعرض بعضهم عن الخوض في تسمية المؤلِّف، ويرى بعضهم أنّه يحمل نفس الاسم إلا أنّه ليس يوحنا الحواري، ويرى القسم الثالث أنَّه شخص له اتصال بالحواري يوحنا. وأمّا تاريخ التأليف فيحتمل أن يكون بين العامين ١١٠ و١٣٠ بعد الميلاد (٧).
وهكذا نرى في كلام هؤلاء المحققين أنّه لا سبيل إلى الجزم بنسبة الأناجيل الأربعة إلى
стр. 249
أصحابها، ولا تُعرف أسماؤهم على وجه التحديد، ولا تاريخ ومكان التدوين، فضلاً عن تأخر التواريخ المحتملة للتدوين.
فأيُّ ثقة يمكن أنْ يُعطيها منصفٌ لكتابٍ هذا حاله؟ وهل يمكن لشخص هذا كتابه أنْ يتحدث عن كَتَبَةِ القرآن العزيز وجُمَّاعِه الذين يَعرف صغيرُ المسلمين قبل كبيرهم كلَّ دقيق وعظيم من سِيَرِهِمُ العطرة؟
وإذا جئنا لكلام الآباء اليسوعيين -أصحابِ الترجمة- في نقدهم لنص الكتاب المقدس؛ نرى عجباً.
فقد طعنوا في نُسّاخ الإنجيل، وذكروا أنَّ صلاحهم للعمل متفاوت، وأنَّ بعضهم كان -بحسن نية- يصحح ما يرى فيه أخطاءً واضحة أو قلةَ دقة في التعبير اللاهوتي، فأدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أنْ تكون كلها خطأ. ومع مرور الزمن تراكم هذا التبديل بعضه على بعض فوصل النصُّ إلى عهد الطباعة مثقلاً بمختلَف أنواع التبديل. وعلى هذا أصبح
المحققون فيما بعد يحاولون إقامةَ نصٍّ يكون أقرب ما يمكن من الأصل الأول؛ إذ لا يرجى -بحال من الأحوال- الوصول إلى الأصل نفسه (١).
وفي حديثهم عن إنجيل يوحنا رأوا أنَّ بعض تلاميذ كاتب الإنجيل أضافوا عليه الفصل الحادي والعشرين. وقالوا: «ولا شكّ أنّهم أضافوا أيضاً بعض التعليق، مثل ٤/ ٢، وربّما ٤/ ١ و٤/ ٤ و٧/ ٣٩ و١١/ ٢١ و١٩/ ٣٥. أمّا رواية المرأة الزّانية (٧/ ٣٣ - ٨/ ١١) فهناك إجماع على أنّها من مرجع مجهول، فأُدخلت في زمن لاحق، وهي مع ذلك جزء من قانون الكتاب المقدّس» (٢).
وأمّا حال مخطوطات الكتاب المقدس فقد ذكر محققو الترجمة اليسوعيّة أنّ أقدمها مخطوطتان ترجعان إلى القرن الرابع الميلادي، وأن أجلَّهما المخطوطة الفاتيكانية؛ إلا أنها مجهولة المصدر، وبها نقص صفحات كثيرة (٣)!
стр. 250
وبهذه الشهادة من محققين نصارى لا يجد الباحث المتجرد أيَّ سبب يجعله يثق بكتابٍ لم يمله عيسى ﵇ أو يشهد كتابته، وكان كتبته مجهولون شخوصاً وأهدافاً، ولا توجد له مخطوطة واحدة أصلية، وكل ما وجد من نسخ هي ترجمات لمترجمين مجهولين شخوصاً وأهدافاً.
أضف لهذا أنّ مخطوطات الكتاب المقدس لا يكاد يوجد بينها مخطوطتين متشابهتين تماماً.
ناهيك عن محتويات الكتاب المقدس عند النصارى مما يقدح في مقام الذات الإلهية العليّة، وفي سير الأنبياء والمرسلين، وما فيه من اختلافات وتناقضات وأخطاء علميّة وجغرافيّة وتاريخيّة، وغير ذلك (١).
ويمكن أنْ نُضيف هنا مقتطفات من كلام أحد علماء الكتاب المقدس، وهو الدكتور روبرت كيل تسلر، حيث يقول: «ووجهة نظرنا أنَّ الكتابَ المقدس مليءٌ بالنبضات الإلهية والحقائق الكبرى، ولكنّه أيضاً كتابٌ بشري يحتوي على ما لا يحصى من النقص بكلِّ أشكاله» (٢).
ويقول عن مخطوطات هذا الكتاب: «لا يوجد على الإطلاق نصٌّ أو مصدرٌ أساسي، وكلُّ ما لدينا هي فقط مخطوطاتٌ يدويّة قديمة تشير فقط إلى نُسَخٍ منقولة بدورها عن نسخ أخرى» (٣).
ويرى أنّ هذه المخطوطات اليدويّة لا يوجد فيها مخطوطتان متفقتان، بل بينها من الاختلافات ما يزيد عن خمسين ألف اختلاف (٤).