← Общие книги

Общие книги · id 96160

التنصير عبر الخدمات التفاعلية لشبكة المعلومات العالمية

محمد بن موسى المجممي

Полный текст (438 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعندما تهدف قصص التوراة والإنجيل لمجرد السرد التاريخي؛ تجمع القصص القرآنية أهدافاً سامية، كالاستدلال على التوحيد، وتثبيت الرسول والمؤمنين، والفصل في مواضع الاختلاف، والعظة والاعتبار، والحجة والإقناع، وإظهار قدرة الله تعالى. وينفرد القرآن بقصص لم تذكر في غيره، كقصة صالح وشعيب وهود والخضر وذي القرنين، إضافةً إلى التفاصيل الجزئيّة داخل القصص التي أوردتها الكتب الأخرى. وعندما يكرر القرآن قصةً وردت في التوراة والإنجيل فإنّه لا يكرر ما فيها من أخطاء كتبتها يد التحريف، بل يصححها بحقائق أتت مكتشفات علماء الآثار والحفريات والعلم الحديث بتأييدها (١). وأمّا تفاصيل ما سيق من مطاعن في تفصيلات بعض قصص القرآن فبيانه كالتّالي: أمّا تعليم آدمَ الأسماء كلها فهو خبرٌ من الله تعالى لم يرد تفصيله، فيوقن المسلم بصدقه، ولا يخوض في تكلف المراد بهذه الأسماء، موقناً بقدرة الله على كل شيء. ولعل الله ﷻ ألقى في قلب آدم ﵇ علمَ مسميات الأشياء. ونظيرُ ذلك في القدرة كثير، ومنه خلق آدم من غير أب أو أم، فالموجد الأشياء من عدم؛ لا يكون إلقاؤه علم مسميات الأشياء في روع أحد من خلقه؛ شيئاً بعيداً. وأمّا قصة موت نبي الله سليمان ﵇، فإنّها من أخبار الغيب، ومن مظاهر قدرة الله تعالى، والله على كل شيء قدير. وقد عمّى الله على الجانّ المسخرين لسليمان في الأعمال الشّاقة موته ليتبين للجن والإنس أنّ الجن لا يعلمون الغيب؛ وإلا ما لبثوا في العذاب الشديد مدة موته ﵇ وهو متوكئٌ على منسأته (٢). على أنّ هذه المدة لم يرد في القرآن والسنة تحديدها. وليست هذه المعجزة بأكبر من تحويل العصا حيّة، أو تفجير اثنتي عشرة عيناً بضربة

стр. 247

منها للصخرة، أو بشق اثنتي عشرة طريقاً يبساً حين ضرب بها البحر، وكل هذا مما يؤمن به النصارى. وأمّا قصة مريم ﵍ وانتباذها من قومها مكاناً قصيًّا، وطلب هز جذع النّخلة، فهو كذلك من أنباء الغيب التي أوحاها العليم الحكيم لنبيه. على أنّ فيها ما يرد شبهة المشبهين، فإنّ الذي رجّحه بعضُ علماءِ المسلمين أنّ هذه الشّجرة لم تكن مثمرة، فطلب الله من مريم هزها على قدر جهدها، ثم امتن عليها بأنْ جعل في الشجرة في الحال ثمراً يتساقط عليها لتأكله، وتشرب من النهر الذي أجراه من تحتها (١). ولا يصعب مع اعتقاد قدرة الله تصديق كراماته لأوليائه المتقين (٢). المطلب الخامس: مناقشة الشبه في ضوء الكتاب المقدس تقدم في المطلب الثّاني أنّ من أبرزِ ما يتحدث عنه النّصارى في الخدمات التفاعليّة حول القرآن الكريم هو عدم التسليم بصحة النص المتداول له اليوم بين المسلمين، وأنّ الدّليل على ذلك استبعادُ ستّة أحرف من الأحرف السّبعة التي نزل بها القرآن، والنزاعُ الذي حصل إبّان الجمع في عهد عثمان ﵁ حول إضافة بعض الآيات أو استبعادها، والاختلافاتُ بين المخطوطات القرآنيّة (٣). والذي يخلص إليه المتأمل في هذه الطّعون؛ الإقرار بوجود نصٍّ قرآني عندما مات النبي ﷺ ، والإقرار بوجود مخطوطات قديمة تحوي كامل هذا النص، مع الخلاف في آيات منه. وقد تقدم بيان هذه الأمور بالتفصيل في المبحث السّابق، ولكنّ المراد هنا مقارنة حجم هذه المآخذ بحال الكتاب المقدس عند النّصارى، من جهة الأسانيد والنّصوص والمخطوطات. ولْنبدأ بما كتبه الآباء اليسوعيون في مداخل ترجمة الكتاب المقدس، مقتصرين بنقل

стр. 248

كلامهم عن الأناجيل الأربعة التي يُفتتح بها العهد الجديد من الكتاب. فقد ذكروا عن إنجيل متّى أنّه لا يمكن الجزم بنسبة كتابته إليه؛ بل الأمر أشد تعقيداً ممّا مضى عليه اعتقاد كثيرين من المتقدمين والمتأخرين. والخلاف قائم في مكان ولغة تدوينه. ولا يمكن الجزم بتاريخ تدوينه، وإن كان أغلب الباحثين يحدده بين عامي ثمانين وتسعين بعد الميلاد. ولا يمكن معرفة اسم المؤلف معرفة دقيقة (١). وأمّا إنجيل مرقس فليس إلا شكلاً من أشكال الفن الأدبي، وضَعَه مترجم الحواري بطرس (٢)، بين عامي ٦٥ و٧٠ بعد الميلاد، دون الجزم بذلك، مع التردد هل كان ذلك قبل وفاة بطرس أم بعدها (٣). وأمّا إنجيل لوقا (٤) فإنّه -وإن نسب للوقا طبيب بولس- إلا أنّه ليس هناك دليل قاطع على ذلك، وأمّا تاريخ تدوينه فيرجح أن يكون بين عامي ثمانين وتسعين بعد الميلاد (٥). وإنجيل يوحنا فإنّ معظم النقاد لا يتبنون الرأي الذي يرى نسبته إلى الحواري يوحنا (٦)، فيُعرض بعضهم عن الخوض في تسمية المؤلِّف، ويرى بعضهم أنّه يحمل نفس الاسم إلا أنّه ليس يوحنا الحواري، ويرى القسم الثالث أنَّه شخص له اتصال بالحواري يوحنا. وأمّا تاريخ التأليف فيحتمل أن يكون بين العامين ١١٠ و١٣٠ بعد الميلاد (٧). وهكذا نرى في كلام هؤلاء المحققين أنّه لا سبيل إلى الجزم بنسبة الأناجيل الأربعة إلى

стр. 249

أصحابها، ولا تُعرف أسماؤهم على وجه التحديد، ولا تاريخ ومكان التدوين، فضلاً عن تأخر التواريخ المحتملة للتدوين. فأيُّ ثقة يمكن أنْ يُعطيها منصفٌ لكتابٍ هذا حاله؟ وهل يمكن لشخص هذا كتابه أنْ يتحدث عن كَتَبَةِ القرآن العزيز وجُمَّاعِه الذين يَعرف صغيرُ المسلمين قبل كبيرهم كلَّ دقيق وعظيم من سِيَرِهِمُ العطرة؟ وإذا جئنا لكلام الآباء اليسوعيين -أصحابِ الترجمة- في نقدهم لنص الكتاب المقدس؛ نرى عجباً. فقد طعنوا في نُسّاخ الإنجيل، وذكروا أنَّ صلاحهم للعمل متفاوت، وأنَّ بعضهم كان -بحسن نية- يصحح ما يرى فيه أخطاءً واضحة أو قلةَ دقة في التعبير اللاهوتي، فأدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أنْ تكون كلها خطأ. ومع مرور الزمن تراكم هذا التبديل بعضه على بعض فوصل النصُّ إلى عهد الطباعة مثقلاً بمختلَف أنواع التبديل. وعلى هذا أصبح المحققون فيما بعد يحاولون إقامةَ نصٍّ يكون أقرب ما يمكن من الأصل الأول؛ إذ لا يرجى -بحال من الأحوال- الوصول إلى الأصل نفسه (١). وفي حديثهم عن إنجيل يوحنا رأوا أنَّ بعض تلاميذ كاتب الإنجيل أضافوا عليه الفصل الحادي والعشرين. وقالوا: «ولا شكّ أنّهم أضافوا أيضاً بعض التعليق، مثل ٤/ ٢، وربّما ٤/ ١ و٤/ ٤ و٧/ ٣٩ و١١/ ٢١ و١٩/ ٣٥. أمّا رواية المرأة الزّانية (٧/ ٣٣ - ٨/ ١١) فهناك إجماع على أنّها من مرجع مجهول، فأُدخلت في زمن لاحق، وهي مع ذلك جزء من قانون الكتاب المقدّس» (٢). وأمّا حال مخطوطات الكتاب المقدس فقد ذكر محققو الترجمة اليسوعيّة أنّ أقدمها مخطوطتان ترجعان إلى القرن الرابع الميلادي، وأن أجلَّهما المخطوطة الفاتيكانية؛ إلا أنها مجهولة المصدر، وبها نقص صفحات كثيرة (٣)!

стр. 250

وبهذه الشهادة من محققين نصارى لا يجد الباحث المتجرد أيَّ سبب يجعله يثق بكتابٍ لم يمله عيسى ﵇ أو يشهد كتابته، وكان كتبته مجهولون شخوصاً وأهدافاً، ولا توجد له مخطوطة واحدة أصلية، وكل ما وجد من نسخ هي ترجمات لمترجمين مجهولين شخوصاً وأهدافاً. أضف لهذا أنّ مخطوطات الكتاب المقدس لا يكاد يوجد بينها مخطوطتين متشابهتين تماماً. ناهيك عن محتويات الكتاب المقدس عند النصارى مما يقدح في مقام الذات الإلهية العليّة، وفي سير الأنبياء والمرسلين، وما فيه من اختلافات وتناقضات وأخطاء علميّة وجغرافيّة وتاريخيّة، وغير ذلك (١). ويمكن أنْ نُضيف هنا مقتطفات من كلام أحد علماء الكتاب المقدس، وهو الدكتور روبرت كيل تسلر، حيث يقول: «ووجهة نظرنا أنَّ الكتابَ المقدس مليءٌ بالنبضات الإلهية والحقائق الكبرى، ولكنّه أيضاً كتابٌ بشري يحتوي على ما لا يحصى من النقص بكلِّ أشكاله» (٢). ويقول عن مخطوطات هذا الكتاب: «لا يوجد على الإطلاق نصٌّ أو مصدرٌ أساسي، وكلُّ ما لدينا هي فقط مخطوطاتٌ يدويّة قديمة تشير فقط إلى نُسَخٍ منقولة بدورها عن نسخ أخرى» (٣). ويرى أنّ هذه المخطوطات اليدويّة لا يوجد فيها مخطوطتان متفقتان، بل بينها من الاختلافات ما يزيد عن خمسين ألف اختلاف (٤).

стр. 251

ثم يسوق إجماع المحققين الدّارسين لهذا الكتاب بقوله: «ويتفق كلُّ جادٍّ من علماء الكتاب المقدس الذين يمثلون كلَّ الطوائف على أنَّ الكتاب المقدس يحتوي على عدد كبير من التحريفات، خصوصاً العهد الجديد» (١). ويقول: «يُجمع علماءُ اللاهوت اليومَ على أنَّ أجزاءً مختلفةً من الكتاب المقدس لم يكتبها المؤلفون الذين يُعزى إليهم أسماء هذه الكتب» (٢). وبهذا نخلص إلى أنّه لا مجال للمقارنة بين مطاعنهم في القرآن الكريم، وحال كتابهم المقدس، كما أبانته الصفحات السّابقة.

стр. 252

المبحث الثاني: أبرز الشبه حول النبي ﷺ ، والرد عليها المطلب الأول: إرسال الرسل، وحال أقوامهم معهم لم يخلقِ اللهُ النّاس سدى، ولم يوجدهم عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولكنّه خلقهم لعبادته، واستخلفهم في الأرض لعمارتها. وقد اقتضت رحمته بهم أنْ عرَّفهم السبيل إلى ذلك بأنِ اصطفى من شاء من خلقه ليكونوا رسلاً يُبلِّغون عنه وحيَه إلى عباده. وقد «جعل -سبحانه- الرسلَ وسائطَ بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يُصلحهم في معاشهم ومعادهم» (١). ومن هنا نشأت الضرورة «إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر. فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح، لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيِّب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضا الله البتة إلا على أيديهم. فالطيِّب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديُهم وما جاؤوا به .. فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها» (٢). وكما اصطفى الله مَن شاء مِن عباده لحمل أعباء الرسالة وتبليغها؛ فقد مَنَّ على مَن كان أهلاً للهداية، بالتوفيق لاتباع الرسل وتصديقهم والإيمان بهم ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣).

стр. 253

وعلى النقيض من هؤلاء فقد اختار أهل الضلال تكذيب الرسل، وإيذاءهم بالسب والشتم، والسخرية منهم، والاستهزاء بهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (١). ووصل الحال ببعض الأقوام المكذبة إلى قتل رسلها ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وكان الاستهزاءُ بالرسل ديدنَ أهل التَّكذيب ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٣)، ورميُ المرسلين بالسحر والجنون محلَّ إجماعهم ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (٤). وهكذا كان الحال مع خير المرسلين وخاتمهم ﷺ ، فقد لقي من المكذبين صنوف الأذى والمكائد، وتواطأ الكفار والمنافقون واليهود في مكة والمدينة على ذلك، وتواصوا به. ولما كانت رسالته ﷺ عامّةً للثقلين، ناسخةً لما قبلها، واجبةَ الاتباع على كل البشر، فقد انضم إلى صفِّ معاداته أهلُ التكذيب من الأمم الأخرى. وكان منهم النصارى، الذين ناصبوه العداء لما تقدم من الأسباب المذكورة في تمهيد هذا الفصل (٥). وقد أفرز حقد المكذبين من النصارى صوراً لا تحصر من معاداة النبي ﷺ ومحاربته.

стр. 254

فألفوا الكتب، وشحنوها بصنوف الشبه والمطاعن والجدليات. وبعثوا فئاماً من المستشرقين الذين درسوا الإسلام، ونقَّبوا في كتب المسلمين لاستخراج ما يرون فيه طعناً وثلباً. ثم جاءت التقنية الحديثة بوسائل الإعلام التي توصل الكلمة والصوت والصورة إلى ملايين البشر في ذات اللحظة، فنهض المنصرون إلى الاستفادة منها في الهجوم على النبي ﷺ . وباعتبار شبكة المعلومات العالميّة واحدةً من أهم هذه الوسائل، فإنّ المستخدم لها يجد لهم جهوداً كبيرة في هذا الجانب، سواء في مواقع الشبكة، أو في خدماتها التفاعليّة. وقد سبق بيان شيء من هذا في الفصل الأول. إنّ العمل التنصيري من خلال الشبكة -فيما وقف عليه الباحث- يكاد يكون بعد إبراز النصرانيّة منصرفاً إلى الطعن في القرآن الكريم والنبي المصطفى ﵊. وفي هذا المبحث يهدف الباحث إلى إيراد بعض جدليات القوم حول النبي الكريم، موضِّحاً مناهجَهم وطرقَهم في عرض هذه المطاعن، مُعْقِباً ذلك بالرد على هذه التهم بالدليل والبرهان والحجج العقليّة. المطلب الثاني: أبرز الشبه حول النبي ﷺ - ملأ النّصارى منافذَ الخدمات التفاعليّة للشّبكة بأعداد لا يمكن حصرها من الكتابات والملفات المرئيّة والصوتيّة الموجهة إلى النبي الكريم ﷺ طعناً وانتقاصاً واتهاماً وبثًّا للشّبهات. ومن هذه الشبه ما يلي: الشبهة الأولى: وهي أكثر شبهاتهم طرحاً، ومفادها أنّ النبي الكريم كان يطلق العنان لشهوته الجنسيّة، مبتعداً عن عفة فرجه. ويستدلون على ذلك بتعدد زوجاته، وبزواجه من عائشة وهي بنت تسع سنين، وبأنه أُحِلَّ له نكاحُ من وهبت له نفسها، والزواجُ بمن أعجبته من النساء، وإن كانت ذات زوج وجب على الزوج تطليقها. ويرون أنَّه لذلك جامع امرأة ميتة، وأتى نساءه في حال الحيض، وكان يطوف عليهن

стр. 255

بغسل واحد، وأخذت زينب بلبه حين رآها تغتسل فوجب على زيد تطليقها. ويوغلون في طعنهم فيرون أنّ مصَّه لسان الحسن (١)، واحتضانَه زاهراً (٢) من ورائه، أدلةٌ على ذات التهمة. فهذه الأمور العشرة هي أكثر الشواهد التي يكررون طرحها للتدليل على هذه الشبهة (٣). الشبهة الثانية: أنّه أُثِر عن النبي من التّعاليم ما يخالف الفطرة السويّة، والذّوق المستقيم، كاقتتال الصحابة على نخامته، وتوجيهه بشرب أبوال الإبل، وأمره سهلة (٤) إرضاع سالم (٥) مولى أبي حذيفة (٦) وكان رجلاً في سن الشباب. الشبهة الثالثة: وهي شبهة جديدة لم أجد فيما وقفت عليه سبقاً لها. ومفادها أنّ الاسم الذي تَعرف البشريةُ كلُّها به النبي ليس هو الاسم الذي كان يحمله، فقد كان اسمه

стр. 256

(قُثَم)، ومعناه الفاسد، ولهذا غيّره إلى محمد، وتَسَمَّى بهذا الاسم الذي يحمل المعاني المحمودة، وزاد بعضهم: وليوافق ما في الإنجيل من التبشير برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد. وأنّ هذا الأمر يعلمه بعض المسلمين ويتواصون بكتمانه (١). المطلب الثالث: المناهج المتبعة في طرح هذه الشبه تتعدد الطرق والمناهج التي يتبعها المنصرون في طرح شبهاتهم وجدلياتهم حول النبي ﷺ . فبالإضافة إلى المنهجيات المشتركة التي ذُكرت في المبحث السابق؛ نضيف هنا ما يلي: أولاً: تجاهل مصادر السيرة النبوية الأصلية المنقحة. ثانياً: الاعتماد على مصادر لا تتماشى والمنهج العلمي الصحيح الذي يلتزمه الباحث المنصف عند دراسة سيرة النبي ﷺ . ومن ذلك كتب المستشرقين، ومؤلفات السيرة غير المنقحة، وكتابات الطاعنين الحاقدين على النبي ﷺ (٢). وهذا المسلك يشابه حال من أراد أن يخرج سيرة عيسى ﵇ وفق ما كتبه عنه أعداؤه من اليهود وغيرهم (٣). ولن يوجد نصراني يرتضي هذا المنهج، فكيف يقبله ويتعامل به في

стр. 257

دراسة سيرة النبي الكريم ﷺ ؟! ثالثاً: اتباع المنهج الانتقائي المبني على الهوى، في اختيار الروايات الضعيفة والموضوعة وإظهارها، وتجاهل الروايات الصحيحة وإخفائها. «وكانت رسالة الاستشراق والتبشير تفرض على المستشرقين والمبشرين محاربة الإسلام والنيل من قداسته، والحط من مكانة رسول الإسلام العظيم ﷺ ، عن طريق تلك الروايات الضعيفة أو المكذوبة» (١). رابعاً: بتر الحوادث عن سياقاتها التي وردت فيها مختصة بها، وسلوك سبيل التعميم فيها. فيقوم هؤلاء -مثلاً- بتجريد حادثة نصح العرنيين بشرب ألبان وأبوال الإبل، عن كونها حالةً خاصّةً لقوم مخصوصين أصيبوا بمرض معين، إلى تعميم ذلك بأنّه توجيه نبوي للأتباع في كل زمان ومكان بشرب أكواب بول الإبل كما يشرب الظمآنُ الماء، والملتذُّ العصير (٢). ومثلها الحادثة التي وقعت يوم صلح الحديبية حين أظهر الصحابة الاقتتال على نخامته ﷺ ، فيعمد هؤلاء إلى إظهار أنّ ذلك كان شأنه ﷺ مع الصحابة دائماً (٣). وكل هذا لأجل تنفير النّاس من الإسلام، وتبغيضه والنبي ﷺ إلى قلوب الخلق، وطمس معالم النظافة والذوق والاتساق مع الفطر السليمة التي يتحلى بها الإسلام وأتباعه، وفي مقدمهم النبي المصطفى ﵊. خامساً: سلوك منهج التفسير الشخصي الذي يعكس ثقافة مغايرة للثقافة الإسلامية، والافتراض أو تبني فرضيات آخرين بناء على فهومهم الخاصّة التي بنيت على روايات صحيحة أو ضعيفة (٤). سادساً: الكذب على النبي ﷺ بإضافة كلمات إلى الأحاديث الصحيحة تعطي فهماً

стр. 258

مغايراً للحديث. ومن أمثلة ذلك إضافة مفردة (جنسيًّا) إلى أحاديث مباشرة الحائض، ليفهم منها المباشرة المقتضية للإيلاج (١). سابعاً: الاتكاء على منهج بعض الفرق المبتدعة كالرافضة مثلاً في طعنهم في عائشة زوج النبي ﷺ ، للتوصل من خلال ذلك إلى الطعن في النبي ﷺ . ثامناً: النزول إلى وحل السخرية والاستهزاء الذي يترفع عنه كل ذي مروءة. وفي سبيل ذلك تولف المقاطع المرئية والصوتية وتملأ بالضحكات، في طريقة إجرامية؛ قال الله تعالى في أصحابها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ (٢). تاسعاً: الأخذ عمّن يُنسب إلى الإسلام ممن كتب كفريات في الطعن في النبي ﷺ . ومن أمثلة ذلك ما كتبه الباحث التونسي هشام جعيط في كتابه: "تاريخية الدعوة المحمدية في مكة" (٣). وهذا المنهج -أعني الاحتجاج على الإسلام بالمارقين منه- مناف للعدل والإنصاف والتجرد الذي يسلكه طلاب الحق. ولو ضربت اعتقادات الكنائس النصرانية ببعض، وَرُدَّ على كل طائفة بتكفير وتبديع الطائفة الأخرى لها، والاحتجاج على كل طائفة بمن تعتبره خارجاً عن الملّة، لكان هذا في نظرهم بعيداً عن التجرد العلمي في الدراسة والتحقيق والحوار.

стр. 259

المطلب الرابع: الرد على الشبه يمكن الرد على جدليات النصارى حول النبي ﷺ بشكل مجمل، وآخر مفصل. المسألة الأولى: الرد المجمل، ويقال فيه ما يلي: الأمر الأول: سبق في المبحث الأول من هذا الفصل الرد على بعض الشبه حول القرآن الكريم، والخلوص إلى أنّه الحق المبين المنزل من الله تعالى. فإذا تقرر هذا فإنّ كتاب الله الكريم قد شهد لمحمد ﷺ بأنّه رسول الله وخاتم النبيين (١)، والمتصف بالخلق العظيم (٢)، والتعامل الرحيم المؤلف للقلوب (٣)، والتبليغ الأمين لتفصيلات الرسالة (٤)، والحرص على تحقيق مصالح الخلق كلِّها، والنأي عن كل ما يلحقهم المشقة والعنت (٥). ومَن هذا حاله؛ كيف يتأتى لطاعن أن يرميه بشيء في دينه أو خلقه؟! الأمر الثاني: إذا كان أعداء النبي ﷺ قد شهدوا له بحسن الخلق وسمو التعامل؛ وقد كان بعضهم لصيقاً به، عالماً بأحواله، مع شدة العداوة التي وصلت حد الاقتتال وتطاير الرؤوس والأشلاء، فهل يقبل عاقل منصف؛ طَعْنَ مَن جاء بعد ذلك بقرون؟!

стр. 260

فهذا أبو سفيان (١) -وكان لما يسلم- يشهد للنبي الكريم برفعة النسب، وسلامة اللسان من الكذب، وبالوفاء وعدم الغدر، وبالأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة (٢). وهذا عمُّهُ أبو طالب (٣)، مع بقائه على الشرك، يُصرِّح بعلمه وتحققه نبوة محمد ﷺ وصدقِه، فيقول: ولقد علمتُ بأنَّ دين محمد ... من خير أديان البريّة دينا لولا الملامة أو حذار مسبَّة ... لوجدتني سمحاً بذاك مُبينا ويقول في لاميَّته: فوالله لولا أنْ تكون مسبَّة ... تُجَرُّ على أشياخنا في المحافل لكنّا اتبعناهُ على كل حالة ... من الدهر جدّاً غير قول التهازل لقد علموا أنَّ ابننا لا مكذَّبٌ ... لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل (٤) ثم تكررت الشواهد بعد ذلك من المنصفين. فالشاعر الألماني جوتة (٥) كتب في النبي ﷺ شعراً رائعاً، واعتبره مثالاً للعبقرية الفذة، وشبهه في شعره بالنهر العظيم المتدفق، الذي تناديه باقي الأنهر والجداول ليساعدها على

стр. 261

بلوغ البحر الذي ينتظر قدومها (١). والفيلسوف الإنجليزي كارليل (٢) يضع النبي ﷺ في مصافِّ أبطال الإنسانية الذين أضاءت بهم الدنيا، وأومضت في دواخلهم الشعلة الإلهية المقدسة (٣). ويرى المستشرق الأمريكي واشنجتون إيرفنج (٤) أنّ في تصرفات النبي ﷺ في أعقاب فتح مكةَ دلالةٌ على أنه نبي مرسل، لا قائد مظفر (٥). والعالم الأمريكي مايكل هارت (٦) في كتابه "الخالدون مائة أعظمهم محمد"، يجعل النبي ﷺ في المركز الأول في سلم الترتيب، ثم يدافع عن هذا الاختيار بقوله: «إنّ اختياري لمحمد ليكون المتصدر لقائمة ذوي النفوذ المؤثرين في العالم قد يدهش بعض القراء، ويكون مثار تساؤلات من البعض، ولكنّه هو الوحيد في التاريخ الذي كان امتيازه متكافئاً على المستوى الديني والدنيوي» (٧). والمستشرق اليهودي المجري جولد تسيهر (٨) -الذي يُوصَف بأنّه أهم شخصيّة كوّنت

стр. 262

الصورة الأوروبيّة عن الإسلام- يقول: «إنّ اتجاهي الفكري قد تحوّل كلّياً نحو الإسلام، وهكذا شعوري .. لم أكن أكذب عندما قلت إنّي أؤمن برسالة محمد النّبويّة .. إنّ ديني أصبح منذ الآن ديانة الكون التي دعا إليها الأنبياء» (١). وعلى كلّ حال فالنبي ﷺ في غنى عن شهادة البشر (٢)، فقد شهد له رب البشر، وزكّى فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، وزكّى بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، وزكّى لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، وزكّى خُلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وزكّاه كله فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). الأمر الثالث: على كلِّ من يطعن في عفته ﷺ ، ويسمه بالميل لإشباع الرغبات الجنسية؛ أن يجيب عن تعفف النبي الكريم سنوات شبابه حتى بلغ الخامسة والعشرين حين تزوج لأول مرة، وذلك في مجتمع جاهلي يعج بسبل الفواحش، ودور البغاء. ولن يجد جواباً؛ ذلك أنّ النبي ﷺ لما أتى كفار قريش بهذا الدين الذي يسفه معتقداتهم، ويحقر معبوداتهم الصنمية، وكانوا له في غاية العداوة والكراهية؛ لم يجدوا سبيلاً للطعن في عفته وطهره ونقائه. وغاية ما قالوا: شاعر وكاهن وساحر وكذّاب. ولو وجدوا مطعناً أخلاقيًّا لابتدروا إلى نشره وتلقينه كلَّ قادم من خارج مكة يريد لقاء النبي المصطفى.

стр. 263

الأمر الرّابع: على الطاعنين في هذه المسألة أنْ يجيبوا عن سبب كون الزواج الأول للنبي الكريم من امرأة بلغت الأربعين، وكان هو في سن الشباب، في الخامسة والعشرين. وذلك في مجتمع كان يحرص على الزواج المبكر للاستكثار من البنين بغية الذود عن القبيلة أو الإغارة على الآخرين. وعليهم أنْ يجيبوا عن اقتصاره على هذا الزواج خمساً وعشرين سنة حتى بلغت أم المؤمنين الخامسة والستين من عمرها، وكان هو في الخمسين. فهل الذي يفني زهرة شبابه مع ثيب كبيرة في السن يكون من طلاب الشهوة؟! وعليهم أن يجيبوا عن كون كل زوجاته ﷺ ثيبات أرامل إلا عائشة، وهو الذي قال لأسامة ﵁: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) (١). الأمر الخامس: القارئ لكتاب النّصارى المقدَّس يجد فيه الجرأة العظيمة على أنبياء الله ورسله، حين يُنسب إليهم من الفظائع ما يُنزَّهُ عنه آحادُ النّاس. وعليه؛ «فمطاعنهم على محمد ﷺ في بعض الأمور التي يفهمونها ذنوباً في زعمهم الفاسد لا تقدح في نبوته على أصولهم» (٢). ونحن حين نقرأُ الكتابَ النصرانيَّ المقدَّس نجد فيه أنّ آدمَ أذنب عمداً، ولم تثبت توبته. ونوحاً شرب الخمر وسكر وتعرى. وإبراهيمَ إلى سبعين سنة من عمره كان يعبد الأصنام. ولوطاً سكر وفعل الفاحشة بابنتيه وأنجب منهما. ويعقوبَ خدع أباه وكذب عليه ثلاث مرات، وتزوج بأختين، وفعلت ابنته دينا الفاحشة مع عشيق لها، وكذا فعل ابنه الأكبر روبيل الفاحشة بزوجة أبيه يعقوب. وفيه أنّ هارونَ صنع العجل وعبده ودعا إلى عبادته. وداوودَ نظر بشهوة إلى امرأة أجنبية، ثم قتل زوجها، وفعل الفاحشة بها. وسليمانَ ارتد في آخر عمره، وبنى معابد

стр. 264

الأصنام، وكانت نساؤه يبخرن ويذبحن للأوثان (١). وهذا غيضٌ من فيض مما في هذا الكتاب من نسبة الرذائل إلى خير خلقه، وهم الرسل المبرؤون من كل القبائح المنسوبة إليهم كذباً وظلماً، عليهم الصلاة والسلام. والذي يؤمن بكل هذا لا يستغرب منه نقل هذه التهم إلى النبي ﷺ ، ولكن يساءل كيف بقيت مكانة أولائك النبيين مع كل ما نسب إليهم، ثم يضر النبي ﷺ نسبة شيء منها إليه؟ إنّ في هذا كيلاً بمكيالين، وتفريقاً في النظر إلى الشيء الواحد، وتنكباً سبيل العدل والإنصاف. والمسلم يؤمن بكل رسل الله، ويجلهم ويوقرهم، وينزه ربه جل وعلا أن يختار لحمل رسالاته الزّناةَ والقتلة والكذابين. المسألة الثانية: الرد المفصل، ويقال فيه ما يلي (٢): الأمر الأول: الطعن في تعدد زوجاته ﷺ يجاب عنه بما يلي: أولاً: لم يكن هذا الأمر مختصاً به ﷺ من بين سائر إخوانه النبيين، فلقد بيَّن لنا كتابُ النصارى الذي يقدسون ويعظمون ويصدقون أخباره، أنّ كثيراً من أنبياء وقضاة بني إسرائيل لم يكتفوا بزوجة واحدة. جاء في دائرة المعارف الكتابيّة: «ولكنْ لا توجد وصية صريحة في العهد القديم تنهى عن ذلك -أي عن تعدد الزّوجات-، إذ يبدو أنّ الله قد ترك للإنسان أنْ يكتشف بخبرته أنّ نظام الزّوجة الواحدة هو النظام السليم. فتعدد الزوجات يجلب المتاعب، وكثيراً ما يؤدي إلى ارتكاب الخطيّة، كما حدث مع

стр. 265

إبراهيم .. ومع جدعون (١) .. ومع داوود .. ومع سليمان .. وفي حالة تعدد الزّوجات، ومن الطبيعي أن يميل الرّجل إلى زوجة أكثر من الأخرى، كما حدث مع يعقوب، إذ أحب راحيل أكثر من ليئة» (٢). فهاهنا تتحدث هذه الموسوعة النصرانيّة عن أنبياء وقضاة عددوا الزوجات. ثانياً: لم يكن الدافع من هذا الصنيع -كما تقدم في الرد المجمل (٣) - ابتغاء تتبع الشهوات، بل كان لأسباب سامية هادفة لخدمة الدين والدعوة. فالزواج من عائشة وحفصة فيه إكرام لأعظم رجلين في الإسلام -بعده ﷺ إيماناً وبذلاً وتضحية. والزواج من رملة بنت أبي سفيان (٤) كان إنقاذاً لها من الرجوع إلى مكة خشية أن تفتن عن دينها، بعد أن هاجرت إلى الحبشة مع زوجها الذي تنصَّر ثم مات هناك. وتزوجَ النبي ﷺ بأم سلمة (٥) جبراً لمصابها بأبي سلمة الذي أصيب بجراحة في أحد؛ مات بسببها، وكانت ذات بلاء في الإسلام فقد كانت من المهاجرات إلى الحبشة. ولإبطال عقيدة التبني المتفشية في المجتمع الجاهلي تزوج ﵊ من زينب بنت جحش ? (٦)، بعد أن كان أبطل الفوارق الطبقية حين زوجها بِزيد بن حارثة ﵁.

стр. 266

وكان زواجه من جويرية بنت الحارث ? (١) إعانةً لها على افتداء نفسها، وسبباً في إعتاق مائة بيت من أسارى بني المصطلق، فكانت عظيمة البركة على أهل بيتها. والزواج بهؤلاء الطاهرات الفاضلات هيأ لنساء الأمة معلمات يرشدنهن فيما يختص بهن من أمور يستحين من طرحها على النبي ﷺ ، ويستحي هو من مزيد التفصيل فيها. فقد جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ : (إذا رأت الماء). فغطت المرأة وجهها وقالت: يا رسول الله وَتحتلم المرأة؟ قال: (نعم تربت يمينك فبم يشبهها ولدها؟) (٢). وجاءت امرأة تسأل النّبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فعلّمها كيف تغتسل، قال: (خذي فرصة من مسك فتطهري بها). قالت: كيف أتطهر؟ قال: (تطهري بها). قالت: كيف؟ قال: (سبحان الله تطهري). فاجتبذتها عائشة ?، وقالت: تتبعي بها أثر الدم (٣). الأمر الثاني: الطعن في زواجه ﷺ بعائشة ? يجاب عنه بما يلي: أولاً: تقدم في الرد المجمل سرد الأدلة التي تُثبت أنّ النّبيّ ﷺ لم يكن من طلاّب الشّهوات (٤). ثانياً: لو كان في هذا الزواج مطعن ومأخذ لطار به الكفار، فقد كان في أشد أوقات عداء الكفار للنبي وصحبه، وذلك قبل الإذن بالهجرة إلى المدينة النبويّة، ولكنهم استقبلوا الخبر كما يستقبلون غيره مِن أخبار مَن تزوج.

стр. 267

ثالثاً: كان هذا الزواج بمشورة خولة بنت حكيم (١)، وقد كانت عائشة من قبلُ مخطوبةً لجبير بن مطعم بن عدي (٢)، وفي هذين الأمرين ما يدل على أنها كانت امرأة في سن الزواج، لا يضيرها صغر سنها. رابعاً: يستنتج من الخطبة السّابقة لعائشة ?، ومن سكوت المشركين مع شدة عدائهم، أنّ زواج المرأة في هذا السن كان معتاداً عند العرب، مألوفاً، غير مستنكر. خامساً: في العقيدة النصرانيّة ما يشابه هذا ويزيد عليه، فإنّ مريم بنت عمران كانت في الثانية عشرة من عمرها عندما ولدت المسيح، وكانت إذ ذاك زوجةً أو خطيبةً ليوسف النجار -كما يعتقد بعض النصارى- وهو في التاسعة والثمانين من العمر، كما أوردته الموسوعة الكاثوليكية (٣). فيكون فرق العمر بينهما قرابة سبع وسبعين سنة، أي بزيادة اثنين وثلاثين عاماً على فارق السن بين النبي ﷺ وعائشة ?. سادساً: كيف ينكر النصارى ويستقبحون زواج النبي ﷺ الموافق لعادة قومه، والذي كان معلناً، مستصحباً فيه رضى وقبول سائر الأطراف؛ ثم لا يستقبحون ما يعتقدون صحة نسبته إلى الأنبياء الكرام من عظائم القبائح التي تقشعر لذكرها الأبدان. فهل اقتضت حكمة الله تعالى -عندهم- أن يختار لحمل رسالته من يصنع الأصنام ويعبدها، أو يشرب الخمور ويتعرى ويأتي زنا المحارم، أو يقر في أهله الدياثة لأجل حطام الدنيا الزائل، أو يحتال لقتل قائده المخلص ليأتي الفاحشة في أهله، وغير ذلك مما عصم الله منه أعداداً لا تحصى من خلقه، ثم لم يعصم منه أنبياءه كما يعتقدون ويرتلون في كتابهم المقدس.

стр. 268

الأمر الثّالث: وأمَّا شبهة إتيانه ﷺ زوجاته حال الحيض، ونكاحه مَن وهبت له نفسها، ووجوب قبول أي امرأة الزواج منه إن أعجبته، وتطليقها من زوجها إن كانت ذات زوج؛ فقد تقدمت الإجابة على هذه الأمور في الفصل الأول (١). الأمر الرّابع: وأما قولهم بأنّ امرأة ماتت فاضطجع الرسول ﷺ معها، فيشيرون به إلى قصة وفاة فاطمة بنت أسد، أم علي بن أبي طالب ? أجمعين. أسلمت هذه الصحابية بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت من كبار الصحابيات، وتوفيت في حياة النبي ﷺ (٢). وهذه الشبهة التي ذكروا فرية قبيحة، وتقبيح لزين الشمائل والفعال. فإن النبي ﷺ كان يعتبر هذه الصحابية أمًّا، ويذكر من جميل عنايتها به أنّها كانت تجوع ليشبع، وتؤثره باللباس، وتمنحه المحبة والشفقة. فلما ماتت أظهر النبي الكريم صنوف الوفاء معها، والشفقة والرحمة بها، فنزع ثوبه وأمر أن يكون تحت أكفانها جزاء ما كانت تكسيه في حياتها، ونزل في قبرها وتمعَّك فيه رجاءَ أنْ يُفسحَ لها فيه، وتُقبلَ شفاعته فتنجو من ضمَّة القبرِ وفتنتِه. وفي بعضِ الرِّوايات أنَّه اضطجعَ في قبرها بعد أنْ وُضعت فيه، وكان ذلك بمرأى الصحابة، ولذلك قالوا (رأيناك تصنع شيئاً لم تكن تصنعه مع أحد). والناظر في حديث هذه القصة لا يستطيع إخفاء دهشته من عظيم وفائه ومحبته وكريم خلقه ﷺ . وكلُّ ما سبق على افتراض صحة الحديث، وإلا فإنَّ روايات الحديث فيها ضعف (٣).

стр. 269

ولعلَّ هذه الشبهة دخلت على أصحابها من كون الاضطجاع في كتابهم المقدس يأتي في كثير من الأحيان بمعنى فعل فاحشة الزنا. فنجد في سفر التكوين الحديث التالي عن بنتي النبي لوط ﵇: (فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة، وجاءت الكبرى فضاجعت أباها ولم يعلم بنيامها ولا قيامها. فلما كان الغد، قالت الكبرى للصغرى: هاءنذا قد ضاجعت أمسِ أبي، فلنسقه خمراً هذه الليلة أيضاً، وتعالي أنت فضاجعيه لنقيم من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة أيضاً، وقامت الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنيامها ولا قيامها) (١). ونجد في قصة داوود ﵇ وغدره بقائد جيشه أوريّا الحثي: (وعزَّى داودُ بَتْشَابَعَ امرأَتَهُ ودخل عليها وضاجعها، فولدت ابناً فدعته سليمان. وأحبه الرب) (٢). ولعل كاتب هذا النصِّ يرى من تمام التعزية فعلَ الفاحشة! وعن شكيم الحُوِيَّ يقول الكتاب المقدس: (فرآها شكيمُ بن حمور الحُوِيَّ، رئيس البلد، فأخذها وضاجعها واغتصبها) (٣). وعن رأوبين يقول الكتاب المقدس: (وحدث إذ كان إسرائيلُ ساكناً في تلك الأرضِ، أنَّ رأوبينَ ذهب فضاجع بَلْهة، سريَّةَ أبيه) (٤). وفي العهد القديم: (وأيُّ رجلٍ ضاجع زوجة عمِّه، فقد كشف عورة عمِّه: إنهما يحملان وزرهما، فليموتا عقيمين) (٥). والأمثلة على هذا في الكتاب المقدس كثيرة. الأمر الخامس: وأمّا حديث المنصرين عن طوافه ﷺ على نسائه بغسل واحد، فهو تحميل للنص ما لا يحتمل من المعاني.

стр. 270

والحديث من رواية أنس ﵁ أنه قال: (كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة). قال قتادة: قلت لأنس: أوَ كان يطيقه؟ قال: (كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين) (١). وليس في الحديث ما أراد المنصرون إيصاله إلى أفهام النّاس من تمضية النبي ﷺ جُلَّ أوقات ليله ونهاره في مخادع الجماع، فإنَّ عائشة ? وأرضاها تحدثت عن هذا الجانب الخاص من حياته ﵊ فقالت: (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القَسْم من مُكثه عندنا، وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها) (٢). والجمع بين الحديثين أن يحمل المطلق في كلام أنس على المقيد في كلام عائشة، أو يحمل كلام عائشة على الغالب وكلام أنس على النادر (٣). وهكذا يتضح أنّ هذا الصنيع كان في مرات نادرة، في زمن يسير من ليل أو نهار؛ ذلك أنَّ المرويات الصحيحة المتواترة من حياة النبي ﷺ في بيته ومع المسلمين في مسجده وحال سفره وغزواته، مع قيامه بالعدل بين زوجاته في المبيت -وإن كان وجوب هذا عليه؛ محل خلاف- وتمضيته الأوقات في الدعوة والتعليم، لا تدع موضعاً لإلصاق هذه الشبهة به، صلوات ربي وسلامه عليه. مع أنَّ الطواف على الزوجات في الساعة الواحدة أمر اشترك فيه النبي ﷺ مع من سبقه من النبيين، فقد جاء في الحديث: (قال سليمان بن داوود لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلها تأتى بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله. فطاف عليهنَّ جميعاً فلم تحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة فجاءت بشق رجل، وايم الذي نفس

стр. 271

محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون) (١). وهذا الصنيع ليس مطعناً، بل دليلُ كمال الخلقة وقوة البدن، ولذا يقول صاحب "كشف المشكل من حديث الصحيحين": «اعلم أنَّ العرب كانت تَعُدُّ القوة في الجماع من كمال الخلقة وقوة البنية، كما تَعُدُّ الشجاعة منها، وكان ﷺ أتم الناس خلقة، ثم أعطي قوة ثلاثين، ثم كان في فعله ذلك ردٌّ على النصارى في التبتل» (٢). ويقول صاحب "عمدة القاري": «وهو -أي القوة على الجماع- دليلٌ على كمال البنية» (٣). وهناك ملحظ آخر يرد على هؤلاء المشبهين بنقيض ما أرادوا، فإنّ الذي يُعطى قوة ثلاثين في الجماع ثم لا يبيت إلا عند زوجة واحدة في غالب أحواله؛ يكون في ذلك دليل على أنه في غايةٍ من الصبر عن الجماع (٤). الأمر السّادس: الحديث عن قصة زواجه ﷺ من زينب بنت جحش ? هو محل طعنٍ مستمر من المنصرين والمستشرقين في القديم والحديث. ومصدر هذه الشبهة ما تسلل إلى بعض كتب التفسير والسِّير من أخبار متهافتة السند والمتن، بيّن الباحثون عدم صلاحيتها للاحتجاج (٥). كان التبني متفشياً في المجتمع المكي، حيث يتخذ المرءُ ابنَ غيره ابناً له يرثه ويورِّثه، ويحرم عليه التزوج بمن تزوج، وتجري بينهما أحكام الوالد مع ابنه الصلبي. وكان أن تَبَنَّى النبيُّ ﵊ زيدَ بن حارثة، فكان لا يدعى إلا زيد بن

стр. 272

محمد، ثم أنكحه ابنة عمه زينب بنت جحش، ملغياً بذلك التفرقة الطبقية التي كانت من سمات المجتمع الجاهلي. وشاء الله أن لا يحدث وفاق بين الزوجين، فجاء زيد يستشير النبي ﷺ في فراق زينب، فنصحه بإمساكها مخفياً ما أعلمه الله من أنه لن يَصلح حال العشرة بينهما، وأنّ زينب ستكون إحدى أمهات المؤمنين، متحرجاً مما سيلحقه من حديث المجتمع من نكاح زوجة ابنه بالتبني (١). وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٢). وقد شَغَب المشبهون برواياتٍ تحكي رؤيةَ النبي ﷺ زينب في بيت زيد، وافتتانه وتعلق قلبه بها، وقوله (تبارك الله أحسن الخالقين)، ومن ثم كان تطليق زيد لها لعلمه بذلك؛ لا لسوء عشرة بينهما، وأنَّ هذا التعلق هو الذي أخفاه النبي في نفسه، وخشي أن يطلع عليه النّاس. وقد تسللت هذه الروايات إلى بعض كتب التفسير والسير، وتصدى لها مَن كشف تهافتها متناً وسنداً (٣).

стр. 273

وكيف يصح نسبة ذلك إلى مقام النبوة؟ أم كيف يفتن النبي بابنة عمه؛ وهو الذي كان يراها قبل فرض الحجاب، وهو الذي خطبها لزيد، ولو كان له بها أرب لاصطفاها لنفسه (١). ثم إنّ زواجه ﷺ بزينب ? كان بأمر الله تعالى، ولذا كانت زينب ? تفاخر باقي أمهات المؤمنين فتقول: (زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات) (٢). ولقد كان في هذا الزواج كسراً لعادة التبني المتغلغلة في نفوس النَّاس ومشاعرهم، ولم يكن من السهل التغلب عليها دون كسرٍ لطوقها وخرقٍ لمألوفها على يد المثل الكامل والقدوة الحسنة للنّاس، ليكون ذلك مدعاة لتقبل الناس (٣). ولو كان في هذه الحادثة مطعن لكتم النبي ﷺ هذه الآيات، ولما بلغها فصارت قرآناً يُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذا يُروى عن عائشة ? أنّها قالت: (لو كتم رسول الله ﷺ شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية) (٤). فما الذي جعل النبي ﷺ يُخبر النّاس أنّ الله أوحى إليه بهذه الآية؟! وما الذي جعله يُخبر النّاس بعتاب الله تعالى حين عبس في وجه الرّجل الأعمى، وحين ترك الاستثناء، وحين أذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وحين ترك الأَولى في شأن أُسارى غزوة بدر (٥)؟! إنْ لم يكن دافعُ ذلك أمانة النبي ﷺ في تبليغ ما أُوحي إليه؛ فماذا يكون؟! وسوف يكون الأمر أسهلَ من ذلك عند من يرى أنّ القرآن اختلاق من عند النبي ﷺ ، وعندها لن يؤلف ما قد يطعن في خُلقه ويؤدي لاحتقار النّاس له وانصرافهم عنه.

стр. 274

الأمر السّابع: دعوى أنَّ في مصِّ النبي ﷺ لسان الحسن ﵁ مطعن فيه ﵊؛ مثال آخر على منهجيّة تقبيح الحسن، وتحسين القبيح، التي يطبق النصارى شقها الأول على ما يتعلق بالإسلام، وشقها الثّاني على ما ورد في كتابهم المقدّس. لقد جبل الله تعالى نبيه على مكارم الأخلاق ومحاسنها، ومن ذلك خلق الرّحمة والرأفة والشّفقة على الغير، وكذا المحبّة التي ظهرت آثارها على القريب والبعيد من المؤمنين. وقد كان من ذلك حبّه للحسن والحسين (١) ?. وقد صحّ أنّه أذَّن في أُذُن الحسن يوم ولد، وقبّله، ومصّ لسانه، وكان إذا ارتحله وهو ساجد أطال السجود لئلا يعجله، وكان يطلب إحضار الحسن؛ فإذا حضر التزمه وعانقه وحمله على عاتقه وقال: (اللهم إني أُحبُّه فأَحبَّه وأَحبَّ مَن يُحبُّه) (٢). ثم جاء من شغب ببعض هذه التصرفات وعدَّها مطعناً، متجاهلاً أنّ الحسنَ حفيدُ النبي ﷺ ، وأنّه كان طفلاً أو رضيعاً حين قبّله النبي ﷺ ؛ إذ كانت ولادته في شعبان أو رمضان من السّنة الثّالثة للهجرة، أي أنّه كان دونَ الثامنة من عمره حين توفي النبي ﷺ (٣). والعجب ممن يُقبِّح هذا الفعل، ويحسِّن انكباب الشّابّة على قدمي الشّاب تقبلهما، وتمسحهما بشعر رأسها، وتدهنهما بالطيب (٤). وأعجبُ منه أن تكون من معجزات أحد الأنبياء -في كتابهم- إحياء الطفل الميت بالاضطجاع فوقه في الغرفة المغلقة، مع وضع الفم على الفم، والعينين على العينين، واليدين على اليدين، وتكرار ذلك سبع مرّات، إلى أنْ سَخُن جسدُ الولد، وعادت إليه الحياة (٥).

стр. 275

ومع هذا لا يعد في الأمر قدحاً عندهم. وقد تواتر النّقل عن القسس في كنائسهم من الحوادث الأخلاقيّة المشينة الشيءَ الكثير، ناهيك عن حال كثيرٍ من النصارى في البلاد الأوروبيّة والأمريكيّة وغيرها حين يمارس الرّجل مع معشوقته في الشّارع أمام الملأ ما يحسن عدم ذكره. فأين هذا ممن صَفت سيرته وسريرته، وشهد له أعداؤه قبل أتباعه، بكريم الشّمائل وحَسَن الأخلاق، ولكنّه الحقد الأعمى يدفع صاحبه لتقبيح ما يراه الأسوياء حسناً وجميلاً. الأمر الثّامن: وأما ما جاء في قصة النبي ﷺ مع زاهر بن حرام ﵁، فإنَّ فيها من دلائل كريم شمائله ﵊ ما يُدهش الألباب. فقد كان هذا الرجل بدويًّا دميم الخلقة قبيح المنظر، شديد المحبة للنبي الكريم، لا يَقْدُمُ إلى المدينة إلا أتاه بطرفة أو تحفة من البادية. وكان النبي ﷺ يبادله المحبة والوفاء، فيكافئه على الهدية، ويقول: (زاهرٌ بادينا، ونحن حاضروه)، والمعنى أنه يكفينا ما نحتاج من البادية، ونكفيه ما يحتاج من المدينة. وكان ذات يوم في السوق فأتاه النبي ﷺ وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره فقال: أرسلني من هذا؟ فالتفت إليه فلما عرف أنه النبي ﷺ جعل يلزق ظهره بصدره، فقال رسول الله ﷺ : (من يشتري هذا العبد؟)، فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسداً، قال: (لكنَّك عند الله لست بكاسد) أو قال: (بل أنت عند الله غال) (١). قال صاحب "مرقاة المصابيح": «وحاصله أنه عانقه مِن خلفه، بأنْ أدخل يديه تحت إبطي زاهر، وأخذ عينيه بيديه لئلا يعرفه. وقيل معناه أنه أخذه مِن عقبه مِن غير أخذ عينيه، ذكره النووي» (٢). والخلاصة أنّ هذه القصة الصحيحة لا تدل إلا على حَسَن المعاني، فإنّ القارئ لها

стр. 276

بإنصاف يجد وفاء النبي ﷺ ، وتواضعه لأصحابه، وممازحته لهم، واهتمامه لشأن من لا يؤبه به في العادة لفقره ودمامة منظره، وتصحيحه المفاهيم والمصطلحات؛ فإنَّ الكاسد في الإسلام ليس قبيحَ الهيئة دنيَّ المكانة قليلَ المال، ولكنَّه الخليُّ من الإيمان والعمل الصالح. وفي القصة بيان الحب العظيم الذي وقر في نفوس الصحابة تجاه نبيهم ﷺ . والنّاظر في هذه التّهمة وما سبقها لا ينقضي عجبه ممن يسعى للنّيل من مكانة شخصٍ شهد له بنبل الأخلاق أعداؤه فضلاً عن غيرهم، وذلك باتهامه بانحرافات جنسيّة لا يمكن أنْ تجتمع في شخص واحد، كالشّراهة الجنسيّة Satyriasis، والجنسيّة المثليّة Homosexuality، والجنس مع الأموات Necrophilia، والجنس مع الصغار Infanto sexuality (١) . وإذا كان المسيح ﵇ في الإنجيل قد أشار إلى معرفة الزّرع بالنّظر إلى الثّمار؛ فلننظر كيف أثمرت تعاليم الإسلام والقرآن والرسول الكريم ﷺ في إنشاء مجتمع تقل وتندر فيه أمثال تلك الشّذوذات، مقارنةً بالمجتمعات النّصرانيّة التي تجيز العلاقات المثليّة، وربّما شرّعت بشكل رسميّ زواج المثليين، ووضعت لهم ما يكفل حرياتهم وينظم حياتهم (٢). الأمر التّاسع: وأما حادثة اقتتال الصحابة على نخامته ﷺ فإنّها لم تنقل إلا مرة واحدة، في ظرف حربي خاص، يوم صلح الحديبيّة. فقد خرج النبي ﷺ سنة ست للهجرة «واستنفر العرب ومَن حوله من أهل البوادي مِن الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أنْ يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناسُ من حربه، وليعلم الناس

стр. 277

أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له» (١). واختارت قريش -كبراً- أن تمنع رسول الله ﷺ وصحبه من العمرة أنفةً من أن تتحدث القبائل أنهم دخلوا مكة عُنوة، وأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي (٢) ليقوم بمهمة الحرب النفسية. فلمّا قدم عروة قال للنبي ﷺ : «يا محمد، أَجَمعت أوشاب الناس، ثم جئتَ بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل (٣)، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً. وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً» (٤). عندها كأنّ الكفَّةَ مالت لصالح المشركين، فبدرت من الصحابة أفعالٌ لم يكونوا يفعلونها من قبل (٥)، فسبَّه الصديق سبًّا مقذعاً، وأظهر الصحابة من دلائل التعظيم والحب شيئاً كبيراً، من الاقتتال على نخامته ووضوئه، وخفض أصواتهم عنده، وابتدار أوامره تنفيذاً. «ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا فيه، إشارة منهم إلى الرد على ما خشيه من فرارهم. وكأنهم قالوا بلسان الحال: مَن يحب إمامه هذه المحبة، ويعظمه هذا التعظيم، كيف يظن به أن يفر عنه ويسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطاً به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضاً بمجرد الرحم» (٦). ولقد أثمر رد المسلمين في خطاب المندوب القرشي، فإنه لما رجع لأصحابه قال لهم: "والله لقد دخلت على الملوك وكسرى وقيصر والنجاشي، فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إنْ تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها

стр. 278

وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وإنَّه قد عرض عليكم خطةَ رشد فاقبلوها" (١). وهنا تساؤلٌ لمن يَطرح هذه الشبهة على هيئة التعميم والتهويل؛ كم مرَّةً ورد في السيرة النبويّة اقتتال الصحابة على نخامة النبي ﷺ ؟ ولماذا لم تحدث تلك الحادثة إلا في ظرفٍ قتاليٍّ خاص يوم الحديبيّة؟ ولماذا لم تتكرر تلك الحادثة قبل ذلك التّاريخ أو بعده؟ ولماذا عدَّ النبيُّ ﷺ النّخامة في المسجد خطيئةً لا يكفرها إلا إزالتها، ولم يستثن من ذلك ما صدر عنه؟ (٢) الأمر العاشر: وأمّا القول بأنَّ النبي ﷺ شرّع لأتباعه ما تأنف الطّباع السّليمة منه، ومن ذلك شرب بول الإبل، ففيه من مجانبة الأمانة في النقل ما سبقت الإشارة إليه في المطلب الثالث (٣). وأصل هذا القول القصة التي رواها البخاري (٤) وغيره، أنّ أناساً من عكلَ وعرينة قدموا المدينة فأسلموا، ثم مرضوا مرضاً شديداً فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بِرَاع له فيشربوا من ألبان الإبل وأبوالها. فلما فعلوا ذلك وذهب عنهم المرض، وَصَحَّت أجسامهم وسمنوا، قابلوا ذلك بقتل الرّاعي واستياق الإبل والارتداد عن الإسلام. فطلب النبي ﷺ أثرهم، فأُدركوا في نفس اليوم، وقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولم يحسم الدم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرّة يستسقون ولا يسقون حتى ماتوا (٥).

стр. 279

وكانت العقوبةُ؛ حدَّ الحرابة، والسملُ؛ قصاصاً لفعلهم بالرّاعي (١). هذه الحادثة وردت مرة واحدة، في معرض الإرشاد للتداوي لطائفة مخصوصة من النّاس، ولم يرشد النبي ﷺ غير هؤلاء لهذا الأمر لا على سبيل التداوي ولا غيره. بل جاءت السيرة النبويّة بخلاف ذلك، فإنَّ النبي ﷺ كان لا يأكل ما تعافه نفسه ولو كان حلالاً -وفعله إرشاد لغيره- وذلك لما أهدت أم حفيد خالة ابن عباس ﵁ إلى النبي ﷺ أقطاً وسمناً وضباً، فأكل النبي ﷺ من الأقط والسمن، وترك الضب تقذراً (٢). وفي رواية أخرى أنه ﷺ رفع يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد ﵁ (٣): أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) (٤). وعليه؛ فلا موضع للاعتراض على هذه القصة إلا إذا أثبت هؤلاء نوع المرض الذي أصاب أولائك القوم، مع عدم نجاعة شرب ألبان الإبل وأبوالها في الشفاء منه. ولا سبيل إلى هذا لأنَّ الحديث برواياته عند البخاري أثبت أنهم استصحوا، وصلحت أبدانهم، وصحوا وسمنوا. وقد تكاثرت الأقوال والتجارب العلمية في إثبات النفع الطبي لأبوال الإبل في القديم والحديث. فقد نقل ابن القيم عن ابن سينا (٥) في كتابه القانون: «وأنفع الأبوال: بول الجمل

стр. 280

الأعرابي وهو النجيب» (١). وفي العصر الحديث كثرت الأبحاث العلميّة المثبتة لنفع هذه الأبوال في علاج كثير من الأمراض (٢). وهكذا يتبين أنَّ إرشاد النبي ﷺ لاستعمال هذه الأبوال لم يكن إلا مرَّة واحدة لقوم مرضى كي يتداووا به، لا على الصور التعميمية التي يستخدمها النّصارى. على أنّه كان الأولى بهؤلاء أن ينظروا في الإرشادات الصحيّة في كتابهم كشرب الخمر للشفاء من أدواء المعدة والأمراض النفسيّة، واجتناب شرب الماء وحده (٣)، وأمر الله تعالى أحد أنبيائه أن يطهو الطّعام على البراز البشري، ثم التخفيف باستبداله بالرّوث الحيواني (٤)! الأمر الحادي عشر: وأما القول بأنَّه ﷺ شرّع ما يخالف الفطر المستقيمة حين أمر سهلة بإرضاع سالم وكان ذا لحية، قد بلغ مبلغ الرجال، فالأمر يحتاج لشيء من التّفصيل

стр. 281

والإيضاح. كان أبو حذيفة زوج سهلة بنت سهيل بن عمرو قد تبنَّى مولاه سالماً منذ صغره، فلما نزلت آيات تحريم التبني وقعت سهلة في حرج من أن يراها سالم فيكون في نفس أبي حذيفة شيء، وكانت قد تعلقت وزوجها بهذا المتبنى. فأتت النبي ﷺ ، فأرشدها أن تُرضع سالماً تحرم عليه. ثم جاء من شغب بهذه الحادثة من جهة تعميمها على كل من أرادت أن تحرم على رجل فترضعه أيًّا كان سنه، ومن جهة أنَّ ذلك يستلزم كشف النساء ثديهن للرجال، وما يتبع ذلك من مماسّة وامتصاص. ومقصدُ هؤلاء تصويرُ الإسلام على أنّه يشرِّع السّفول الأخلاقي، مخالفين شهادة أعداء الإسلام قبل أتباعه، أنّ تعاليم الإسلام في قمّة الخلق والفضائل. لم تكن حادثة سالم إلا رخصةً خاصّة به، بدليل إجماع أمهات المؤمنين خلا عائشة على هذا الفهم، وهو الأمر الذي قال به جمهور العلماء من السلف والخلف، وفيهم أئمة المذاهب الفقهية الأربعة. وقد دلَّت الأحاديثُ الصحيحة الصريحة الكثيرة على أنّ الرضاع المحرم ما كان في الحولين، وكان خمس رضعات فأكثر. وقد دخل النبي ﷺ على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: (انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة) (١). لقد كان في رخصة النبي ﷺ صورة عظيمة من صور الرّحمة التي شملت هذا المتبنَّى لئلا يُحرم من أسرته التي نشأ فيها منذ طفولته حين كان التبني جائزاً، كما شملت أبا حذيفة وزوجه حين لم يشأ النبي الرّحيم كسر قلبيهما إذا قضى بالفرقة. وفي ذلك دليلٌ على مرونةِ التشريع، وإيجادِه الحلول التي تجلب المنافع وتدفع المفاسد.

стр. 282

وأمّا الطّعن بأنّ ذلك اقتضى مباشرة سالم لجسد سهلة فإنّه مدفوع باحتمال أنها حلبت له اللبن في إناء ثم شربه، ويؤيده أنّ سهلة لما جاءت إلى النبي ﷺ شكت غيرة أبي حذيفة. فإذا كانت الغيرة من مجرد الرؤية فإنّه يبعد أن تكون المعالجة بالإرشاد إلى ما هو أشد من ذلك بمباشرة الثدي وامتصاصه. وعلى فرض حصول المباشرة فإنّ دافع الشهوة غير وارد مِن هذا الابن الذي تفتحت عيناه منذ طفولته على اعتبار أمِّ حذيفة أمّه الحقيقية، حيث لم يعرف في الحياة غيرها. والمشاعر التي ستعتري كلّ سويٍّ من البشر لو كلّف الرضاعة من ثدي أمّه -وإن كان في سن الشباب- لن يكون من ضمنها الشّهوة قطعاً. الأمر الثّاني عشر: وأمّا الشبهة الثالثة، المتعلقة باسم (قُثَم)، فقد أخذت طريقها للشيوع في الشبكة بعد أن استعرض أحد الصُّحُفيين كتاب "تاريخية الدعوة المحمديّة في مكة" للتونسي المدعو هشام جعيط (١). وقد حشا المؤلف بحثه بالتشكيك في السيرة النبويّة، وكاد أن لا يترك شيئاً من تفصيلاتها إلا رجَّح خطأه، وأتى بالتصحيح المعتمد على مخترَعات ذهنه؛ المستقي من كتب المستشرقين والمنصرين؛ المتنكب سبيل البحث العلمي الموضوعي؛ وإن ادعى خلاف ذلك. ومن جملة مفترياته أنّ النبي ﷺ كان لا يُدعى إلا قُثماً طيلة سنيِّ عمره الأربعين، ثم لما انتقل إلى المدينة وظهرت دولته سمّى نفسه محمداً ليوافق بشارة الكتب السّابقة به (٢). وقد أخذ المنصرون هذا القول وشغبوا به، ونشروه في منتدياتهم ومجموعاتهم البريديّة، وباقي منافذ الخدمات التفاعليّة، مضيفين إلى شناعته فريةً أخرى، فقالوا: إنّ كلمة "قثم" تعني الفاسد، وهذا هو سبب تغيير النبي ﷺ له. ولعلّ سبب قولهم هذا فرارهم من الإشارة إلى بشارة التوراة والإنجيل بالنبي ﷺ ، وورود اسمه الصريح فيهما.

стр. 283

وبالرجوع إلى معاجم اللغة العربيّة نجد أنّ هذا الاسم لا يحمل إلا معاني المدح والثناء الجميلة. وهذه المعاني تدور حول العطاء، وجمع الخير، واكتمال الخَلْق. ففي معجم مقاييس اللغة: «القاف والثاء والميم أصل يدل على جمع وإعطاء. من ذلك قولهم قَثَم من ماله، إذا أعطاه. ورجل قُثَم: معطاء. والقثوم: الرجل الجموع للخير» (١). وفي لسان العرب: «القُثم والقثوم: الجموع للخير .. ويقال للرجل إذا كان كثير العطاء: مائح قُثَم .. والقُثم: المجتمع الخلق، وقيل: الجامع الكامل، وقيل: الجموع للخير» (٢). وبهذا يتبين أنّ القول بأنّ هذا الاسم يحمل معنى سيئاً قول مجانب للصواب. ولو كان كذلك ما تسمى به النبي ﷺ ولا غيره، ولغيّره من تسمى به كالصحابي الجليل قثم بن العبّاس ﵁ (٣). ويقال للكاتب التونسي ومن أخذ بقوله: إذا كان هذا هو اسم النبي ﷺ لأربعين عاماً لم يحمل اسماً غيره، فكيف خفي ذلك على أعدائه من كفار قريش في مكة، ثم من اليهود والمنافقين في المدينة، ثم من سائر المرتدين في الجزيرة العربيّة، ثم من أعداء الإسلام على مر القرون، فلم يتخذوه مطعناً مع شدة عدائهم للنبي ﷺ وبحثهم عن أي مطعن فيه ولو خفي ودقّ؟ ولماذا لم يهتبله أبو سفيان لما وقف أمام هرقل يسائله، فقال: (فهل يغدر؟)، قال أبوسفيان: (لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها)، ثم قال: (ولم تمكني كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة) (٤)؟ وقد كان أعداؤه إذا شاؤوا تعييره عيروه بجدٍّ له يقال له أبو كبشة، فكيف عدلوا عن اسمه الأول الذي حمله أربعين عاماً كما يقول أصحاب هذه الشبهة؟

стр. 284

لقد أطبق الكتاب الحكيم، والسنة النبويّة المطهرة، وكتب التاريخ والسير والأدب، وأشعار العرب، على أنّ اسمه ﷺ محمدٌ، وأنّه خاطب بهذا الاسم النّاس، واستخدمه في العهود والمواثيق والمبايعات والرسائل إلى الملوك، ولم يعترض عليه أحد في هذا. فهل يُترك كل هذا ويُلتفت إلى زعم دعي مجهول النسب في العلم بعد أربعة عشر قرناً، وهل يكون ذلك من المنهج العقلي العلمي المستقيم؟ إنَّ أسماء النبي ﷺ التي جاء بيانها في القرآن والسنة هي محمد، وأحمد، والمتوكل، والماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، والفاتح، والأمين. ويُلحق بها الشاهد، والمبشر، والبشير، والنذير، والقاسم، والضحوك، والقتَّال، وعبد الله، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود (١). فليس منها هذا الاسم، ولم تَرد التسمية به في كتب الصحاح والسنن والمسانيد. ومن القواعد العقليّة أنّه لا يُقبل قولُ أحد بمجرد دعواه، بل يُلزم بتقديم الدّليل والبرهان والإثبات على صِحّة ما يدّعي. فأين دليل هذا الكاتب على ما قال؟! على أنّه قد سَبق جعيطاً إلى هذا الكذب كاتبٌ يُدعى "يوسف زيدان" في مقال له في جريدة الوفد في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام ٢٠٠٦م، وزاد أنَّ اسمه كان قثم بن عبد اللات، ناسباً ذلك إلى ابن الجوزي في "المدهش" مفترياً عليه؛ إذ غاية ما قال ابن الجوزي أنَّ من أسمائه ﷺ قُثَم، ولم يذكر أنّه كان اسمه ثم غيَّره، ولم يذكر ما يتعلق باسم أبيه ﷺ (٢). وسبقه كذلك دعيٌّ ثالثٌ يقال له إسماعيل بن أدهم، وذلك في كتابه "من مصادر التاريخ الإسلامي" (٣). ولولا أنّ هذا المقالة انتشرت في منافذ الخدمات التفاعليّة لم يكن هناك ما يدعو لذكرها

стр. 285

وزيادة نشرها، فإنّها متهافتة، عارية عن الدّليل. وبهذا يكتمل الحديث عن أبرز الشّبهات المثارة في الخدمات التّفاعليّة حول النبي ﷺ ، عرضاً ونقضاً، ويليه ما يتعلق بالشبهات حول السّنّة النّبويّة.
следующие страницы →