والإيضاح.
كان أبو حذيفة زوج سهلة بنت سهيل بن عمرو قد تبنَّى مولاه سالماً منذ صغره، فلما نزلت آيات تحريم التبني وقعت سهلة في حرج من أن يراها سالم فيكون في نفس أبي حذيفة شيء، وكانت قد تعلقت وزوجها بهذا المتبنى. فأتت النبي ﷺ ، فأرشدها أن تُرضع سالماً تحرم عليه.
ثم جاء من شغب بهذه الحادثة من جهة تعميمها على كل من أرادت أن تحرم على
رجل فترضعه أيًّا كان سنه، ومن جهة أنَّ ذلك يستلزم كشف النساء ثديهن للرجال، وما يتبع ذلك من مماسّة وامتصاص.
ومقصدُ هؤلاء تصويرُ الإسلام على أنّه يشرِّع السّفول الأخلاقي، مخالفين شهادة أعداء الإسلام قبل أتباعه، أنّ تعاليم الإسلام في قمّة الخلق والفضائل.
لم تكن حادثة سالم إلا رخصةً خاصّة به، بدليل إجماع أمهات المؤمنين خلا عائشة على هذا الفهم، وهو الأمر الذي قال به جمهور العلماء من السلف والخلف، وفيهم أئمة المذاهب الفقهية الأربعة.
وقد دلَّت الأحاديثُ الصحيحة الصريحة الكثيرة على أنّ الرضاع المحرم ما كان في الحولين، وكان خمس رضعات فأكثر. وقد دخل النبي ﷺ على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: (انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة) (١).
لقد كان في رخصة النبي ﷺ صورة عظيمة من صور الرّحمة التي شملت هذا المتبنَّى لئلا يُحرم من أسرته التي نشأ فيها منذ طفولته حين كان التبني جائزاً، كما شملت أبا حذيفة وزوجه حين لم يشأ النبي الرّحيم كسر قلبيهما إذا قضى بالفرقة.
وفي ذلك دليلٌ على مرونةِ التشريع، وإيجادِه الحلول التي تجلب المنافع وتدفع المفاسد.
стр. 282
وأمّا الطّعن بأنّ ذلك اقتضى مباشرة سالم لجسد سهلة فإنّه مدفوع باحتمال أنها حلبت له اللبن في إناء ثم شربه، ويؤيده أنّ سهلة لما جاءت إلى النبي ﷺ شكت غيرة أبي حذيفة. فإذا كانت الغيرة من مجرد الرؤية فإنّه يبعد أن تكون المعالجة بالإرشاد إلى ما هو أشد من ذلك بمباشرة الثدي وامتصاصه.
وعلى فرض حصول المباشرة فإنّ دافع الشهوة غير وارد مِن هذا الابن الذي تفتحت عيناه منذ طفولته على اعتبار أمِّ حذيفة أمّه الحقيقية، حيث لم يعرف في الحياة غيرها.
والمشاعر التي ستعتري كلّ سويٍّ من البشر لو كلّف الرضاعة من ثدي أمّه -وإن كان في سن الشباب- لن يكون من ضمنها الشّهوة قطعاً.
الأمر الثّاني عشر: وأمّا الشبهة الثالثة، المتعلقة باسم (قُثَم)، فقد أخذت طريقها للشيوع في الشبكة بعد أن استعرض أحد الصُّحُفيين كتاب "تاريخية الدعوة المحمديّة في مكة" للتونسي المدعو هشام جعيط (١).
وقد حشا المؤلف بحثه بالتشكيك في السيرة النبويّة، وكاد أن لا يترك شيئاً من تفصيلاتها إلا رجَّح خطأه، وأتى بالتصحيح المعتمد على مخترَعات ذهنه؛ المستقي من كتب المستشرقين والمنصرين؛ المتنكب سبيل البحث العلمي الموضوعي؛ وإن ادعى خلاف ذلك.
ومن جملة مفترياته أنّ النبي ﷺ كان لا يُدعى إلا قُثماً طيلة سنيِّ عمره الأربعين، ثم لما انتقل إلى المدينة وظهرت دولته سمّى نفسه محمداً ليوافق بشارة الكتب السّابقة به (٢).
وقد أخذ المنصرون هذا القول وشغبوا به، ونشروه في منتدياتهم ومجموعاتهم البريديّة، وباقي منافذ الخدمات التفاعليّة، مضيفين إلى شناعته فريةً أخرى، فقالوا: إنّ كلمة "قثم" تعني الفاسد، وهذا هو سبب تغيير النبي ﷺ له.
ولعلّ سبب قولهم هذا فرارهم من الإشارة إلى بشارة التوراة والإنجيل بالنبي ﷺ ، وورود اسمه الصريح فيهما.
стр. 283
وبالرجوع إلى معاجم اللغة العربيّة نجد أنّ هذا الاسم لا يحمل إلا معاني المدح والثناء الجميلة. وهذه المعاني تدور حول العطاء، وجمع الخير، واكتمال الخَلْق.
ففي معجم مقاييس اللغة: «القاف والثاء والميم أصل يدل على جمع وإعطاء. من ذلك قولهم قَثَم من ماله، إذا أعطاه. ورجل قُثَم: معطاء. والقثوم: الرجل الجموع للخير» (١).
وفي لسان العرب: «القُثم والقثوم: الجموع للخير .. ويقال للرجل إذا كان كثير العطاء:
مائح قُثَم .. والقُثم: المجتمع الخلق، وقيل: الجامع الكامل، وقيل: الجموع للخير» (٢).
وبهذا يتبين أنّ القول بأنّ هذا الاسم يحمل معنى سيئاً قول مجانب للصواب.
ولو كان كذلك ما تسمى به النبي ﷺ ولا غيره، ولغيّره من تسمى به كالصحابي الجليل قثم بن العبّاس ﵁ (٣).
ويقال للكاتب التونسي ومن أخذ بقوله: إذا كان هذا هو اسم النبي ﷺ لأربعين عاماً لم يحمل اسماً غيره، فكيف خفي ذلك على أعدائه من كفار قريش في مكة، ثم من اليهود والمنافقين في المدينة، ثم من سائر المرتدين في الجزيرة العربيّة، ثم من أعداء الإسلام على مر القرون، فلم يتخذوه مطعناً مع شدة عدائهم للنبي ﷺ وبحثهم عن أي مطعن فيه ولو خفي ودقّ؟
ولماذا لم يهتبله أبو سفيان لما وقف أمام هرقل يسائله، فقال: (فهل يغدر؟)، قال أبوسفيان: (لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها)، ثم قال: (ولم تمكني كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة) (٤)؟
وقد كان أعداؤه إذا شاؤوا تعييره عيروه بجدٍّ له يقال له أبو كبشة، فكيف عدلوا عن اسمه الأول الذي حمله أربعين عاماً كما يقول أصحاب هذه الشبهة؟
стр. 284
لقد أطبق الكتاب الحكيم، والسنة النبويّة المطهرة، وكتب التاريخ والسير والأدب، وأشعار العرب، على أنّ اسمه ﷺ محمدٌ، وأنّه خاطب بهذا الاسم النّاس، واستخدمه في العهود والمواثيق والمبايعات والرسائل إلى الملوك، ولم يعترض عليه أحد في هذا. فهل يُترك كل هذا ويُلتفت إلى زعم دعي مجهول النسب في العلم بعد أربعة عشر قرناً، وهل يكون ذلك من المنهج العقلي العلمي المستقيم؟
إنَّ أسماء النبي ﷺ التي جاء بيانها في القرآن والسنة هي محمد، وأحمد، والمتوكل، والماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، والفاتح، والأمين.
ويُلحق بها الشاهد، والمبشر، والبشير، والنذير، والقاسم، والضحوك، والقتَّال، وعبد الله، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود (١).
فليس منها هذا الاسم، ولم تَرد التسمية به في كتب الصحاح والسنن والمسانيد.
ومن القواعد العقليّة أنّه لا يُقبل قولُ أحد بمجرد دعواه، بل يُلزم بتقديم الدّليل والبرهان والإثبات على صِحّة ما يدّعي. فأين دليل هذا الكاتب على ما قال؟!
على أنّه قد سَبق جعيطاً إلى هذا الكذب كاتبٌ يُدعى "يوسف زيدان" في مقال له في جريدة الوفد في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام ٢٠٠٦م، وزاد أنَّ اسمه كان قثم بن عبد اللات، ناسباً ذلك إلى ابن الجوزي في "المدهش" مفترياً عليه؛ إذ غاية ما قال ابن الجوزي أنَّ من أسمائه ﷺ قُثَم، ولم يذكر أنّه كان اسمه ثم غيَّره، ولم يذكر ما يتعلق باسم أبيه ﷺ (٢).
وسبقه كذلك دعيٌّ ثالثٌ يقال له إسماعيل بن أدهم، وذلك في كتابه "من مصادر التاريخ الإسلامي" (٣).
ولولا أنّ هذا المقالة انتشرت في منافذ الخدمات التفاعليّة لم يكن هناك ما يدعو لذكرها
стр. 285
وزيادة نشرها، فإنّها متهافتة، عارية عن الدّليل.
وبهذا يكتمل الحديث عن أبرز الشّبهات المثارة في الخدمات التّفاعليّة حول النبي ﷺ ، عرضاً ونقضاً، ويليه ما يتعلق بالشبهات حول السّنّة النّبويّة.
стр. 286
المبحث الثّالث: أبرز الشّبه حول السّنة النّبويّة، والرّدّ عليها
المطلب الأول: تعريفُ السّنّة، وبيانُ مكانتها
السّنّة في اللغة هي: السيرة حسنة كانت أو قبيحة.
ومنه قول الشّاعر: فلا تجزعن من سيرة أنتَ سِرْتها فأولُ راضٍ سُنَّةً مَن يسيرها (١).
وهذا المعنى ورد في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ (٢).
وورد في الحديث، كما في قوله ﷺ : (مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أنْ ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أنْ ينقص من أوزارهم شيء) (٣).
ونقصد بالسُّنَّة هنا المعنى الذي يريده المحدثون، وهو قولهم: ما أُضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة (٤).
وحين نتحدث عن الشبه التي تثار حول السّنّة، فالمقصود المطاعن والشّبهات حول أحاديث النبي ﷺ التي رُويت في كتب الحديث وغيرها.
إنّ السّنّة التي ثبتت عن المصطفى الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- حجّة واجبة الاتباع والتسليم، بدلالة القرآن والسنة والإجماع والعقل.
ففي القرآن الكريم الأمر بالانقياد للتوجيهات النبويّة أمراً ونهياً ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ
стр. 287
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، والتحذير من مخالفة أمره ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، والأمر بطاعته والرجوع إليه عند التنازع ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣).
وجاء عن النبي ﷺ ما يدل صراحة على تضليل منهج دعاة الاكتفاء بالقرآن عن السّنّة، فقال ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإنَّ ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يُقروه، فإن لم يُقروه فله أن يُعقبهم بمثل قِراه) (٤).
وجاء عن النبي ﷺ التبيان العملي الموضح لمكانة السّنّة، فإنه صلّى ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٥).
وفيما يخص صفة الحج قال: (لتأخذوا مناسككم) (٦).
وكان الصحابة إذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن سألوه فأجابهم، وربما بادر هو ﵊ فبين لهم معاني بعض الآيات. والأمثلة على هذا كثيرة (٧).
стр. 288
وأمّا الإجماع «فقد أجمع العلماء قديماً وحديثاً على أنَّ الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام، في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم في سنّة رسول الله ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» (١).
وأما الدلالة العقليّة فهي في غاية الوضوح، فإنَّ الله تعالى أمر بالرّجوع إليه وإلى رسوله عند حصول التّنازع، وأمر بطاعة النبي ﷺ ، «وكيف تمكن طاعته ﷺ وردُّ ما تنازع فيه النّاس إلى كتاب الله وسنة رسوله إذا كانت سنته لا يحتج بها، أو كانت كلها غير محفوظة. وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل، ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به» (٢).
ولما كانت السّنّة بهذه المكانة، حفظها الصّحابة، وبلَّغوها مَن بعدهم من التّابعين، ثم بلَّغها التّابعون مَن بعدهم، وتناقلها العلماء الثّقات جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن (٣).
وعندما لحظ العلماء نسبة ما لا يثبت إلى النبي ﷺ وضعوا «شروطاً للرواية المقبولة بحيث تكفل هذه الشروط الضمانات الكافية لصدق الرواة وسلامتهم من الكذب والخطأ والغفلة في النقل» (٤).
وعُنوا «عناية فائقة بنقد الأسانيد بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد، وقد خلّفوا لنا في نقد الرّجال ثروة هائلة ضخمة» (٥).
«إنّ الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويّات، هي أرقى وأدق ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث» (٦).
стр. 289
ولما كانت السّنّة النبويّة بهذه المكانة، وكان موقف النّصارى من النّبي ﷺ على ما تقدم بيانه في هذا الفصل، كان للسّنّة نصيب من طعن النّصارى وثلبهم وتشبيههم، وإن كان بصفة أقل مما يوجّه لشخص النبي ﷺ ، ثم للقرآن الكريم، وبعض الجوانب التشريعيّة في الإسلام.
وفي هذا المبحث يُجمل الباحث أبرز هذه الشبه وفق ما سجّلته دراسته للخدمات
التفاعليّة للشّبكة.
المطلب الثاني: أبرز الشبه حول السنة
لعل أبرز الشّبه الموجهة نحو السّنّة النبويّة ما يلي (١):
الشبهة الأولى: أنّ السّنّة النبويّة دلّت على صحة العقائد النّصرانيّة، ولا سيّما فيما يتعلق بألوهيّة عيسى ﵇.
فقد صحّ في حديث نزول عيسى ﵇ آخر الزمان قوله ﷺ : (لن تقوم السّاعة حتى يأتي عيسى بن مريم حكماً مقسطاً وديّاناً عادلاً). وموضع الشّاهد هنا وصف عيسى ﵇ بأنّه ديّان يجازي النّاس ويحاسبهم على أعمالهم، وهذا يدل على أنّه في مكانةٍ تعلو مقام البشرية إلى مصاف الألوهيّة.
وقد صح في السّنّة أنَّ روح زكريا سجدت لعيسى بن مريم، وأنَّ عيسى ﵇ وُصف في بعض الأحاديث بأنّه علاّم الغيوب، وأنّه تسجد له الأنبياء.
وفي حديث الشّفاعة يعتذر الأنبياء لحصول الخطأ منهم، إلا عيسى بن مريم، فقد نصّت الأحاديث أنّه ليس له خطيئة. والذي لا يصدر منه الخطأ هو الله تعالى، لأنَّ كل البشر
стр. 290
خطّاء.
وهكذا فهذه الأحاديث تؤيد المعتقد النصراني في أنّ المسيح عيسى بن مريم في مقام فوق البشريّة.
الشبهة الثانية: أنّه جاء في السّنّة أحاديث تخالف الحقائق العلميّة، ولا يقبلها المنطق والعقل.
ومن ذلك أنّ الشّمس إذا غربت فإنّها تسجد تحت العرش وتستأذن الله تعالى في
الخروج من المشرق ثانية، وذلك كل يوم.
ومنها نسبة أشياءٍ إلى الشيطان لا يقبلها العقل والمنطق، كأنْ يبول الشيطان في أذني من ينام عن صلاة الفجر، أو أنْ يبيت على خياشيمه، أو أنْ يفر إذا سمع الأذان وله ضراط.
الشبهة الثالثة: أنّه جاء في السّنّة أحاديث تخالف الذوق السليم، والفطر المستقيمة.
ومن ذلك إرشاد من سقط في شرابه ذباباً إلى أنْ يغمسَه ثم يطرحَه ثم يتناولَ هذا الشّراب. وهذا الأمر تنفر منه حتى نفوس المسلمين ولا يفعلونه لما تحمله هذه الحشرة في أرجلها وجسمها من القاذورات، ولما في غمسه في الشراب من زيادة تقذيره.
وكذا الحديث الذي يرشد الآكل إلى لعق أصابعه أو إلعاقها غيره إذا انتهى من طعامه، وفي هذا ما لا يخفى من الاستقذار ومخالفة الذوق وفعل ما تنفر منه الطباع المستقيمة.
المطلب الثالث: المناهج المتبعة في طرح هذه الشبه
إضافة إلى ما تقدم من الطرق في المبحثين السّابقين من الأمور المشتركة، يمكن أن يضاف هنا ما يلي:
أولاً: تجنب المصادر الحديثية المعتمَدة -عند الطّرف المناقَش- في أغلب الأحوال، والتنقيب والبحث عن المرويات في الكتب التي لا تعد حجة في نقل أحاديث النبي ﷺ ، ككتب الأدب والتاريخ والسير واللغة والرقائق وغيرها.
стр. 291
ومن المعلوم أنّ «المرويات لا يُعتمد في الوثوق بها وقبولها على كتب الأدب والتواريخ؛ إذ فيها زيف كثير وغث غير قليل، وأنّ الحديث لا يؤخذ إلا من كتب الأئمة الثقات الذين يُرجع إليهم في معرفة الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود» (١).
ثانياً: اتباع أسلوب التدليس في تصوير المراجع غير المعتمَدة في نقل الروايات عن النبي ﷺ على أنها من كتب المسلمين العُمَد في ذلك.
وهذا الصنيع لإيهام من يقرأ بصحة النقولات والروايات.
ومثله التدليس بصحة الروايات، فيقول أحدهم: "صح عن النبي ﷺ أنّه قال"، ثم يسوق رواية ضعيفة أو موضوعة أو مختلقة مفتراة من عند نفسه، كما سترى في المطلب التّالي.
ثالثاً: البعد عن المنهج العلمي الثابت في التعامل مع الروايات، واتباع أسلوب الانتقاء المبني على الهوى.
يظهر هذا -مثلاً- في ذكرهم مصدر الرواية إن كانت في الصحيحين أو أحدهما، وعدم ذكر المصدر إن كان خارج الصحيحين، كما سيتضح في المطلب الرّابع.
رابعاً: الانتقاء من داخل نصِّ الحديث ما يوافق الأمر الذي يريدون تقريره، ونبذُ باقي الحديث وعدمُ الإشارةِ إليه؛ إذ فيه -في كثير من الأحيان- ما يوضح المقصود، ويدفع الشبه، ويجلي المراد.
ففي حديث الشفاعة الطويل اجتزأ بعضهم عبارةً واحدة، هي قولَ راوي الحديث: (ولم يذكر -أي النبي ﷺ له -أي لعيسى بن مريم ﵇ خطيئة)، واستدل بها على تقرير ألوهية المسيح، نابذاً بقية الحديث. وسيأتي مزيد إيضاح لهذا لاحقاً.
خامساً: من أساليب التدليس التي يتبعها بعض المنصرين دسُّ بعض الجمل والكلمات داخل الأحاديث الصحيحة لتحرِف معناها إلى ما أرادوا.
وقد سبق بعض الأمثلة حينما ذكرنا كيف أضافوا كلمات في أحاديث مباشرته ﷺ
стр. 292
لأزواجه حال الحيض، لتعطي معنى غير الذي فهمه سلفُ المسلمين وخلَفُهم.
وفي هذا المبحث ستجد مثالاً آخر عند مناقشة الشبه في المطلب الرّابع.
سادساً: من الأساليب المتبعة في كثير من الشبه تحميل النصوص فوق ما تحتمل، وتنزيلها على ما لا تدل عليه صراحة.
وقد تقدم في المبحثين السّابقين في هذا الفصل أمثلة على هذا المنهج.
وفي الشبه تجاه السّنّة النبويّة تطبيق لهذا المنهج أيضاً. فعلى سبيل المثال نصَّ بعضهم على
أنَّ حديث (إذا وقع الذّباب في شراب أحدكم .. ) (١) يدل على وجوب غمسه وشرب ما وقع فيه، وأنّ مخالفة المسلم لهذا محرمة، لما فيها من مخالفة أمر الرسول ﷺ ومجانبة الاقتداء به.
ثمّ يرتب على هذا أنّه لو قدَّم المسلم لابنه -فلذة كبده- كوباً من اللبن فوقع فيه الذباب، وجب على الأب غمس الذباب بكامل جسمه في اللبن، وسقيه الولد ولو أبى تقذراً.
ثم تعميم ذلك إلى أنّ الإسلام في كثير من تعاليمه يخالف الفِطَرَ والأذواقَ المستقيمه (٢).
المطلب الرابع: الرد على الشبه
يمكن الرد على جدليّات النصارى حول السّنّة النّبويّة بشكلٍ مجملٍ، وآخرَ مفصل.
المسألة الأولى: الرد المجمل، ويقال فيه ما يلي:
الأمر الأول: تقدم في المبحث السابق الخلوص إلى ثبوت نبوة محمد ﷺ ، وسقوط المطاعن التي وجهت إليه.
ومقتضى هذا اعتقاد عصمته ﷺ فيما يبلغ عن ربه. فكل ما جاء به فهو الحق من عند
стр. 293
ربه جل وعلا، سواءً فهمه العقل واستوعبه، أو حار فيه ولم يبلغ فهم كنهه.
فمتى أقر المرء بثبوت النبوة لمحمد ﷺ ؛ وجب عليه التصديق بكل ما أخبر، وما لا تبلغه العقول منه فإنه يُوكل إلى عالم الغيب والشّهادة.
الأمر الثاني: ثبت في السّنّة الصحيحة تضليلُ النّصارى، وبيانُ كفرهم ومخالفتهم ما أَنزل الله على نبيه الكريم عيسى ﵇، وإثباتُ تحريفِهم كتابَهم وطاعتِهم الأحبارَ والرهبان في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ونذكر من هذه الأحاديث ما يلي:
الأول: قوله ﷺ : (والذي نفسُ محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي،
ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (١).
وهذا الحديث صريح في كفر مَن بلغته رسالة الإسلام من اليهود والنّصارى ثم لم ينتقل مما هو عليه إليها، لأنّه حُكِم عليه بالخلود في النّار، ولا يخلَّد في النّار إلا الكافرون.
الثاني: قوله ﷺ : (والذي نفسي بيده، ليوشكن أنْ ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٢).
ووجه الدلالة من الحديث حُكْمُ عيسى ﵇ بالإسلام، فيدل على نسخ رسالته برسالة محمد ﷺ ، ومن مظاهر ذلك كسر الصّليب، وقتل الخنزير، وعدم قبول الجزية ممن يريد دفعها ليبقى على دينه، بل يُلزم بالإسلام أو يقاتَل.
الثالث: قوله ﷺ : (ليس بيني وبينه نبي - يعني عيسى ﵇ وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوع إلى الحمرة والبياض، بين ممصرتين (٣)، كأنّ رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم
стр. 294
يتوفى فيصلي عليه المسلمون) (١).
وهذا الحديث أصرح من الذي قبله في الدّلالة على أنّ الإسلام ناسخ لما قبله من الأديان، ومقتضى ذلك أنّ من بقي على دينٍ غيره كان كافراً.
الرّابع: قوله ﷺ : (ستصالحكم الرّوم صلحاً آمناً، ثم تغزون أنتم وهم عدواً، فتنتصرون، وتغنمون، وتَسلمون، ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجلٌ من أهل الصليب الصليبَ، فيقول: غلب الصليب، فيغضبُ رجل من المسلمين، فيقومُ إليه فيدقُّه، فعند ذلك
تغدر الروم، ويجتمعون للملحمة) (٢).
وفي هذا الحديث دليل على بطلانِ دين الصّليب، وهو النّصرانيّة، ومناقضتِه وعداوتِه للإسلام والمسلمين.
الخامس: أنّ النبي ﷺ غضب حين رأى مع عمر ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي) (٣).
فإذا كان موسى ﵇، وهو أحد أولي العزم من الرّسل، ملزمٌ باتباع دين الإسلام لو فُرض وجوده بعد بعثة محمد ﷺ ، فغيره أولى. ويكون ما جاء به من الدين؛ منسوخاً بالإسلام، وما جاء به من كتاب؛ منسوخاً بالقرآن، ومن تمسك بالتوراة وما جاء به موسى ﵇، ولو فُرض بقاؤه كما أُنزل؛ يكون على ضلالة.
ثم يقال: هل بعد هذه الأدلة الصّريحة الصحيحة موضع لمن يقول بأنّ سنّة محمد ﷺ تصحح النّصرانيّة، وتنظر إليها على أنّها سبيل حق ونجاة لمن أيقن بعقائدها وارتضاها ديناً؟!
الأمر الثالث: الدّين والعقل نعمتان من الله ، وإذا كان المصدر واحداً فإنّ العقل السليم يستبعد وجود التناقض بين ما يصدر عن المصدر الواحد.
стр. 295
وعلى هذا سار الفهم الإسلامي. يقول شيخ الإسلام: «ما عُلم بصريح العقل لا يُتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يُعارضه معقول صريح قط.
وقد تأملتُ ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدتُ ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهاتٌ فاسدةٌ يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع ..
ووجدتُ ما يُعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يَصلح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟
ونحن نعلم أنَّ الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته» (١).
الأمر الرابع: متى حمل الإنسان حقداً على صاحب رسالة فإنه يعاديه، ويحسده حسداً يحمله على تقبيح الحسن الذي يأتي منه، ولا يَسلم من ذلك إلا من تحلّى بخُلق الإنصاف. والإنصاف عزيز.
وقد ثبت حسدُ أهل الكتاب لأهل الإسلام: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (٢).
إنَّ الموقف العدائي لكثير من النّصارى من الإسلام ونبيه؛ حملهم على مجانبة المنهج المنصف في النظر إلى الأشياء والمبادئ والأشخاص المخالفة في المعتقد.
وقد كان السّلف لا يأخذون بأقوال الأقران بعضهم في بعض؛ والجميع في دائرة المؤمنين، تحرزاً من غلبة الحسد الذي يُعمي عن رؤية سبيل الإنصاف والعدل (٣)، فكيف
стр. 296
الحال بمن جاء دينٌ يُصادم عقائدهم ويُسفِّه مذاهبهم؟!
وبعد هذه الجوانب الإجماليّة نأتي إلى تفصيل الرد.
المسألة الثانية: الرد المفصل، ويقال فيه ما يلي (١):
الأمر الأول: القول بأنّه صح في الحديث أنّ عيسى ﵇ يأتي آخر الزّمان حَكَماً مقسطاً وديّاناً عادلاً؛ يحتاج إلى شيء من البسط.
ذلك أنّ المعتقد الإسلامي ينص على أنّ عيسى ﵇ لما تآمر اليهود على قتله، ألقى الله شبهه على غيره، ورفع المسيح إليه، ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).
ثم لا تقوم السّاعة حتى ينزل عيسى بن مريم إلى الأرض عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيَقتل المسيح الدّجال، ويُهلك الله بعد ذلك يأجوج ومأجوج، ثم «يتفرغ للمهمة الكبرى التي أُنزل من أجلها، وهي تحكيم شريعة الإسلام، والقضاء على المبادئ الضالة والأديان المحرفة» (٣)، فيَكسر الصّليب، ويَقتل الخنزير ولا يَقبل إلا الإسلام.
ثم يطيب العيش في الأرض للمسيح والمؤمنين، ويبارَك لهم في الأرزاق، حتى يرسلَ الله عليهم ريحاً طيبةً تأخذ تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن، ولا يبقى إلا شرار الخلق فتقوم عليهم السّاعة (٤).
стр. 297
وأمّا المعتقد النصراني فإنّه يوافق في أنّ المسيح سيأتي آخر الزّمان، ويسمون هذا المجيءَ بالمجيء الثّاني، إلا أنهم يخالفون في سبب المجيء.
فالسبب عند جُلِّ الطوائف هو محاسبةُ المسيح للخلق ومجازاتُهم، وزادت طائفة من البروتستانت قضاءَ المسيح على أعدائه، وتحقيقَ الخلاص للمؤمنين به، وتحقيقَ الملك الألفي، ومعناه أنّ المسيح يملك مع أتباعه العالمَ ألف سنة مليئةً بالرّخاء والأمن وطيب العيش (١).
ومن هنا نفهم سبب إدراج كلمة (ديّاناً)، والقول بأنّها وردت عن النبي ﷺ .
والحقيقة أنّ الأحاديث التي وردت في نزول عيسى ﵇ آخر الزمان لم تصفه بهذا الوصف، وإنما وصفته بأنّه إمام مقسط أو عادل، وحَكَمٌ مقسط أو عادل.
ففي الحديث المتفق عليه، يقول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٢).
وفي رواية لمسلم: (إماماً مقسطاً، وحكماً عدلاً) (٣).
وعند ابن ماجة: (حكماً مقسطاً، وإماماً عدلاً) (٤).
وليس في الأحاديث أنّه يجيء ديّاناً للخلق، أي محاسباً مجازياً لهم، بل فيها أنّه يحكمُ بالقرآن والسّنّة، ويصلي خلف إمام المسلمين، ويحج ويعتمر، ويكسر الصّليب رمز النصرانيّة المحرّفة، ويقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية من أحد، بل يفرض على الجميع الدّخول في الإسلام.
الأمر الثّاني: وأمّا القول بأنّه صح عن الرسول ﷺ أنّه أخبر بسجود الأنبياء لعيسى ﵇، ويدخل في ذلك سجود زكريّا أو روحه للمسيح، وأنّ هذا السّجود دليل على
стр. 298
ألوهيته، وعبادتهم له؛ فإنّ هذا كسابقه، لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا يمكن أن تأتي الأحاديث بمثله.
والّذي جاءت به الأحاديث هو تحريم سجود العبادة لغير الله، كما في قوله ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) (١).
ودخل النّبي ﷺ حائطاً من حوائط الأنصار, فإذا فيه جملان يضربان ويُرعدان, فاقترب
منهما, فوضعا جرانهما بالأرض, فقال من معه: نسجد لك؟ فقال النبي ﷺ : (ما ينبغي أن يُسجد لأحد, ولو كان أحد ينبغي له أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه) (٢).
وأمّا سجود الاحترام والتّوقير فقد كان جائزاً عند الأمم السّابقة، ولهذا سجد أهل يوسف له، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٣).
قال ابن كثير في تفسيرها: «أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلاً ..
وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرِّم هذا في هذه الملة، وجُعل السجودُ مختصاً بجناب الرب ..
والغرض أنَّ هذا كان جائزاً في شريعتهم؛ ولهذا خروا له سجداً» (٤).
ولعل صاحب هذه الشبهة عنى ما ذكره أحد المنصرين حين تكلم في قناة فضائيّة فذكر أنّ المصادر الإسلاميّة تُثبت أنَّ أمّ يحيى ﵇ وكانت حاملاً به قالت لمريم بنت عمران: (إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك)، تعني عيسى ﵇.
стр. 299
وهذه الرواية وردت في بعض التفاسير وغيرها، ولا دلالة فيها على ألوهية المسيح، فإنّ السجود عند تلك الأقوام كان من معانيه الاحترام والتقدير كما تقدم، وكما ورد في الكتاب النصرانيّ المقدّس في مواضع كثيرة، كسجود إبراهيم ﵇ للملائكة، وسجود لوط ﵇ للملكين، وسجود يوسف ﵇ لأبيه، وسجود إخوته له (١).
ولو ذَكر هذا المنصر الرّواية كاملة لعرف جمهوره أنّها تصرّح بأنّ عيسى ﵇ عبدٌ لله،
ونبيٌّ من جملة الأنبياء (٢).
وكيف يصح ما أرادوا والرواية في كتابهم المقدس لا تبلغ حد السجود، وإنما اكتفت بقول: (ارتكض الجنين ابتهاجاً في بطني) (٣)، بل إنّ يحيى لم يعرف عيسى-^- لما التقاه بعد أنْ أصبحا كبيرين، فكيف عرفه وهو جنين وسجد له (٤).
الأمر الثّالث: وأمّا القول بأنّ عيسى ﵇ وُصف في حديث صحيح بأنّه علاّم الغيوب؛ فلم يرد عن النبي ﷺ ، بل هو اختلاق من قائله جزماً؛ لا أظنه سبق إليه.
وإذا تأملنا كتاب النّصارى المقدّس نجد فيه من النصوص ما يدل على أنّ المسيح لم يكن يعلم الغيب.
فإنّه لو كان يعلم الغيب ما جهل أنّ اليهود ومن معهم سيقبضون عليه ويقتلونه على الصّليب؛ كما في رواية الكتاب النصراني المقدس، فإنّ فيه: (ثم أبعد قليلاً وسقط على وجهه يصلي فيقول: يا أبت، إن أمكنَ الأمرُ، فلتبتعد عني هذه الكأس، ولكنْ لا كما أنا أشاء، بل كما أنت تشاء) (٥).
وفي ذات الرّواية كان يسائل ربّه عن سبب تخلّيه عنه، فقد كان يظن أنّ ربّه سيجنبه هذه الكأس: (ونحو الساعةِ الثالثةِ صرخَ يسوعُ صرخةً شديدة قال: إيلي إيلي لما شبقتاني؟،
стр. 300
أي: إلهي إلهي لماذا تركتني؟) (١).
ولو كان يعلم الغيب ما جهل موعد قيام السّاعة، فقد قال عنها: (وأما ذلك اليوم أو تلك الساعة فما من أحد يعلمها: لا الملائكة في السماء، ولا الابن، إلا الآب) (٢).
بل كان يجهل ما هو أقل من ذلك شأناً، فقد رأى شجرة تين من بعيد، وكان جائعاً،
فذهب إليها لعله يجد فيها ثمراً، ولم يكن إذ ذاك وقت إثمارها (ورأى عن بعدٍ تينةً مورقةً، فقصدها عساه أن يجد عليها ثمراً. فلما وصل إليها، لم يجد عليها غيرَ الورق، لأنَّ الوقتَ لم يكن وقتَ التين) (٣).
وأمّا في الجانب الإسلاميِّ فإنّه لا يمكن أن يُطلِق مسلمٌ وصفَ "علاّم الغيوب" إلا على الله جل وعلا، دع عنك سيد الخلق ونبي الأمة ﷺ .
فإنّ المتقرر المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أنّ الغيب لا يعلمه إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٤).
والمسيح ﵇ عندما يسائله ربه يوم القيامة عمن اتخذه وأمه إلهين من دون الله زاعماً أنّ المسيح أمره بذلك؛ يدفع التهمة عن نفسه -صادقاً- بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٥) فيصف ربّه بهذا الوصف مختصاً به دون سواه.
والذي جاءت به الأحاديث الصحيحة وَصْفَ عيسى ﵇ بالعبودية والنبوة والرسالة، كما في قوله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق،
стр. 301
أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) (١)، وقوله ﷺ (أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي) (٢).
الأمر الرّابع: وأمّا الاستدلال بحديث الشّفاعة على ألوهيّة المسيح باعتبار أنّه لم يخطئ
أو يذنب، فالأمر يحتاج لشيء من البسط.
حديث الشّفاعة من الأحاديث التي صحّت عن النبي ﷺ في بيان الشّفاعة الأولى لنبينا محمد ﷺ ، وهي أعظم الشّفاعات، وهي المقام المحمود الذي ذكر الله له، ووعده إيّاه، وأمرنا الرسول الكريم أن نسأله له بعد كلِّ أذان.
يشفع أولاً إلى الرّحمن في ... فصلِ القضاء بين أهل الموقف
من بعد أن يطلبها النّاس إلى ... كلِّ أولي العزم الهداةِ الفُضَلا (٣)
ويعتذر آدم ونوح وإبراهيم وموسى ﵈ عن هذه المهمة، ويذكر كلٌّ منهم ذنباً، ويعتذر عيسى ﵇ ولا يذكر ذنباً، إلا أنّ هذا لا يدل على ألوهيته. بل المتأمل في الحديث يجد أنه حجّةٌ قويّةٌ على المستدل به على ألوهيّة المسيح، وذلك من الجوانب التّالية (٤):
أولاً: اعتراف عيسى ﵇ بأنّه مربوب لا ربّ، وذلك في قوله (إنّ ربي).
ثانياً: إظهار عيسى ﵇ الخوف من الله تعالى، والرب لا يخاف، وذلك في قوله: (إنّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله).
ثالثاً: إظهار عيسى ﵇ حاجته لرحمة ربه، وذلك مفهوم من قوله (نفسي نفسي).
رابعاً: إرشاد عيسى ﵇ للنّاس للذّهاب إلى غيره ليشفع لهم، ولو كان إلهاً ما احتاج
стр. 302
لذلك، ولقام بالفصل بين النّاس ومحاسبتهم.
خامساً: اعتراف عيسى ﵇ بأفضليّة محمد ﷺ عليه، وذلك حين قال للمستشفعين: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد).
سادساً: في الحديث لم يُذكر للنبي ﷺ ذنب، وأعطي الشّفاعة، فدل على أفضليته على سائر الرّسل عليهم الصلاة والسّلام.
سابعاً: في هذا الحديث الذي يحتجون به هنا ذِكْرُ أنّ عيسى ﵇ أحدُ رسل الله، وأنّه كلّم النّاس في المهد صبيّا. ومع هذا فهم يكذبون بهذين الأمرين، فكيف يستدلون بحديث يكذبون بسائر جُمَلِهِ إلا جملةً واحدة.
ثامناً: جاء في روايةٍ أخرى لمسلم أنّ كل الخلق يرغبون يوم القيامة إلى محمد ﷺ أن يشفع لهم عند الله بفصل القضاء بما فيهم الأنبياء، وذلك فيما رواه مسلم أنَّ النبي ﷺ قال: (إنَّ ربي أرسل إليّ: أنِ اقرأِ القرآن على حرف، فرددت إليه: أنْ هوِّن على أمتي، فأرسل إليّ: أنِ اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هوِّن على أمتي، فأرسل إليّ: أن اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل رَدة رددتكها مسألة تسألنيها، قلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق حتى إبراهيم) (١).
تاسعاً: في هذا الحديث بيان فضل النبي ﷺ على سائر الخلق.
قال صاحب "فتح الباري" في فوائد حديث الشّفاعة: «تفضيل محمد ﷺ على جميع الخلق، لأنَّ الرسل والأنبياء والملائكة أفضل مما سواهم، وقد ظهر فضله في هذا المقام عليهم» (٢).
عاشراً: من أين لهم أنّ عيسى ﵇ لم يعمل خطيئة؟ فإنّ الذي في الحديث أنّه لم يذكر له خطيئة، وليس فيه أنّه لم تصدر عنه خطيئة. وحتّى مع ثبوت ذلك فمن أين لهم أنّ من لم
стр. 303
يخطئ من البشر فإنّه يرقى لمرتبة الألوهية؟
قال شيخ الإسلام: «وإذا قالوا إنّه -أي عيسى ﵇ لم يعمل خطيئة، فيحيى بن زكريا لم يعمل خطيئة، ومن عمل خطيئة وتاب منها فقد يصير بالتوبة أفضل مما كان قبل الخطيئة، وأفضل ممن لم يعمل تلك الخطيئة، والخليل وموسى أفضل من يحيى الذي يسمونه يوحنا المعمدان» (١).
حادي عشر: إذا كان هؤلاء يستدلون بالسّنّة فإنّ فيها أنّ النبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج رأى في السّماء الثانية ابنا الخالة؛ عيسى ويحيى ^، فسلّما عليه ورحّبا به وأقرّا بنبوته (٢).
ثاني عشر: يعترف عيسى ﵇ في كتاب النّصارى المقدّس بأفضلية يحيى ﵇ عليه، في نص مضطرب، هو قوله: (الحقَّ أقول لكم: لم يظهر في أولاد النساء أكبرُ من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغرَ في ملكوت السموات أكبرُ منه) (٣).
فكيف يكون الأصغرُ أكبرَ ممن هو أكبرُ منه؟!
الأمر الخامس: وأمّا الطّعن في السّنّة بمخالفتها الحقائق العلميّة والمدركات العقليّة المنطقيّة كما في حديث سجود الشمس تحت العرش عند غروبها، فبيانه يكون بالعودة إلى أصل الموضوع، وهو موقف المرء من نبوة محمد ﷺ .
فأمّا المكذب بأصل النبوة فإنّه لا يُجدي معه النقاش في جزئيات ما جاءت به السنة النبويّة، ولكن يُناقش باحتواء سائر الأديان على أمور غيبيّة لا تُدرك بالعقل المجرد، وقد جاء في الكتاب المقدس عند النّصارى ما لا يحصى من النصوص الغيبيّة التي يوقنون بصحتها، وبأنها كتبت عن طريق أناس مصطفين مسوقين بروح القدس (٤).
стр. 304
وأمّا الذي تقرر عنده صدق النبي ﷺ ، وأنّه مرسل من ربّه، فالواجب عليه قبول كل ما جاء به من أمور الغيب، والمبادرة بالتسليم مع استحضار مباينة عالَم الغيب لعالَم الشّهود.
ومتى حكّم المرء عقله في ما جاء من الغيبيات وقع في الحيرة والشك، وسار في طريق الفرق الضالّة.
ولما حكَّمت بعض الفرق عقولها في باب الأسماء والصفات، وقعت في التشبيه، أو فرَّت منه فنفت ووقعت في التعطيل.
«ومسألة الإيمان بالغيب، والاعتقاد بوجود مخلوقات وأشياء غائبة عن مداركنا، كلها أمور لا تخضع للتجربة والمشاهدة، والإدراك البشري ..
ولا يكون للغيب، والتعبد بالإيمان به معنى، إذا حاولنا أن نتطاول لمعرفته بحواسّنا أو عقولنا، وإذا شخَّصنا أو حكمنا به كما نتصور؛ لم يكن غيباً إن أصبنا الحقيقة، وكنّا كاذبين إن خالفنا الحقيقة ..
ثم إنّ الله تعالى جعل الإيمان بالغيب امتحاناً وابتلاءً لعباده» (١).
ومن هذه الغيبيّات ما في صحيح البخاري من أنّ النبي ﷺ سأل أبا ذر ﵁ (٢) حين غربت الشمس: (أتدري أين تذهب؟)، قال أبو ذر ﵁: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾) (٣).
стр. 305
قال ابن حجر ﵀ (١): «وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها .. وظاهر الحديث أنّ المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها،
ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري» (٢).
وقال في موضع آخر: «ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال فتكون عبارة عن الزّيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين» (٣).
والحاصل أنّ هذا الأمر غيبي، نجزم بصحة وقوعه، على كيفيّة يعلمها الله تعالى وحده (٤)، فإنّه لا علم لنا بكيفيّات الغيب ما لم يأتنا بها الإنباء في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ .
ولم يأت في بيان هذا الأمر مزيد تفصيل، فيكونُ السبيلُ التسليمَ به كما سلَّم به الصّحابة ولم يسألوا ولم يستشكلوا.
وقد ردَّ شيخ الإسلام ﵀ في "بيان تلبيس الجهميّة" على من أنكر هذا الحديث لعدم استيعاب عقله له، وأنكر مثله حديث نزول الله إلى السَّماء الدنيا في الثلث الأخير، وقعّد في هذا قاعدة مفيدة، فيها بيان سبب وقوع هؤلاء فيما وقعوا فيه، فقال ﵀: «وهذا إنّما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم» (٥).
وقال في موضع آخر: «والمقصود أنّ ما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب وغيره؛ كلُّه
стр. 306
حق يصدِّق بعضُه بعضا، وهو موافق لفطرة الخلائق وما جُعل فيهم من العقول الصريحة والقُصود الصحيحة، لا يخالف العقل الصريح ولا القصد الصحيح ولا الفطرة المستقيمة ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ .
وإنما يَظُنُّ تعارضَها من صدَّق بباطلٍ من النُّقول، أو فَهِمَ منه ما لم يدل عليه، أو اعتقد شيئاً ظنَّه من العقليّات وهو من الجهليّات، أو من الكشوفات وهو من الكسوفات» (١).
ولعلَّ هؤلاء أُتوا من جهة قياسهم هذا الأمر الغيبي على ما يشاهدونه من سجود الآدميين، الذي يقتضي وجود الأطراف كاليدين والرجلين، ولزوم التوقف والاطمئنان. وهذا غير لازم؛ فإنَّ سجود كلّ شيء بحسبه، ولا يمكن قياس عالَم الغيب على عالَم الشّهود.
الأمر السّادس: وأمّا القول بأنّه جاء في السّنّة ما يخالف العقل والمنطق كما في الإخبار عن بول الشيطان وخروج صوت الرّيح منه، فبيانه كالتّالي:
صح عن النبي ﷺ أخبار كثيرة في بيان أمور متعلقة بالشّيطان لا سبيل إلى علمها إلا عن طريق الوحي.
فقد أخبر أنّه يجري من الإنسان مجرى الدم، وأنّه مُتسلط على بني آدم بالوسوسة والتحزين والتلاعب حال المنام. وإذا وُلد المولود طعن في خاصرته إلا عيسى بن مريم ﵇، وإذا نام بات على خيشومه، فإنْ نام عن الصلاة المكتوبة بال في أذنيه، وإنْ تثاءب فلم يغطِّ فاه ضحك منه ودخل في فيه، وإذا مرَّ بآية سجدة فسجد بكى الشيطان، وإنْ سمع الأذان والإقامة فرَّ من المسجد مسافةً بعيدة وله ضراط أو حصاص (٢).
وهو يرى الإنسان، فكان إذا رأى عمر ﵁ جبن وسلك طريقاً آخر. وتراه الحيوانات، فإذا رأته الحمير نهقت.
стр. 307
وله القدرة على أنْ يتمثَّل في صورة الرجل، فيأتي القوم، فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلاً أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه يحدث.
وفي المنام يتمثل للنائم في صورة أشخاص يعرفهم أو لا يعرفهم، إلا أنّه لا يتمثل بصورة النبي ﷺ .
وثبت أنّه يأكل بشماله مع القوم الذين لم يُسموا على طعامهم، ويبيت في بيوتهم إنْ لم يُسموا عند دخولها، ويعمل على التحريش بين النّاس (١).
كلُّ هذه الأمور الغيبيّة وغيرها أخبر بها الصّادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، ولا سبيل لدفعها بدعوى أنَّ العقل لا يفهمها.
ومنها -كما تقدم- أنّه يبول في أذني المسلم الذي ينام عن الصلاة، والحديث في هذا صحيح، رواه الشيخان (٢).
وقد تأوَّل بعض العلماء المعنى، ورأوا أنّه مجاز في معنى الإفساد، أو في معنى تحكم الشيطان بالعبد، واستخفافه به، واحتقاره والاستعلاء والظهور عليه (٣).
وقيل كناية عن سدِّ الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر، أو هو مَثَلٌ مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم كمن وقع البول في أذنه فثقّل سمعَه وأفسد حسّه، والعرب تكني عن الفساد بالبول (٤).
ولا مانع من أنْ يكون المرادُ حقيقةَ الأمر، فيحمل الحديث على ظاهره، ولا إشكال في ذلك، فقد ثبت -كما تقدم- أنّ الشيطان يأكل ويشرب ويضحك ويبكي ويتمثَّل على
стр. 308
هيئات بشريّة إلى غير ذلك، مع جهلنا بكيفيّة أفعاله، وجزمنا بأنها من العالم الغيبي الذي لا يُدرك بالحواس ولا يُفهم كنهه بالعقول.
ومثله يقال في فراره من المسجد عند الأذان والإقامة وله ضراط، فقد ثبت هذا في السّنّة، وتأوَّله بعض شرّاح الحديث، إلا أنّه لا يوجد ما يمنع من إثباته على الحقيقة، وفق كيفيّات غيبيّة لا سبيل للعقل البشري أن يدركها.
الأمر السّابع: وأمّا القول بأنّه ورد في السّنّة ما يخالف الفطر السليمة والأذواق المستقيمة كما في إرشاد النبي ﷺ من وقع الذّباب في إنائه أن يغمسه ثم يطرحه ويتناول ذلك الشّراب، وأنّ في هذا الصنيع تقذير وزيادة تنجيس، فبيانه أنْ يقال:
صح في الحديث أنّ النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإنّ في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء) (١).
لقد بيّن النبي ﷺ العلّة من أمره بغمس الذّباب، وهذا البيان دليل على أنّه إنّما تكلم به عن طريق الوحي من الله (٢)، ولو كان مفتر على الله ما أتى بشيء من العلوم الغيبيّة التي قد يبادر من في قلبه مرض إلى التشغيب عليه بها.
إنّ تبليغ النبي ﷺ مثل هذا الأمر دليل على أنّه قام بتكليف البلاغ عن ربه خير قيام، غير عابئ بطعن من يطعن، واستهزاء من يستهزئ.
والله عليم بخواص مخلوقاته، وما فيها من الدّاء والدواء، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣).
إنّ المرء ليعجب من المنهجيّة التي يسلكها بعض النّصارى حيال النصوص الإسلاميّة -إن صحَّ أن تسمى منهجيّة- فإنّهم يُحمِّلون الدليل ما لا يحتمل، ويُلزمونه ما ليس بلازم. فقد رأى بعضهم أنّ هذا الإرشاد النبوي هو على سبيل الوجوب، وأنَّ على المسلم أن
стр. 309
يغمس كامل هذه الحشرة ولو تيقن أنها طارت من محل قاذورات، ثم يتجرع هذا الشراب.
إنّ الأمر في هذا الحديث للإرشاد لا للوجوب، وفيه رخصة وعزيمة، فمن قوي توكله على ربه وتصديقه خبر النبي ﷺ أنه لا يضره، وسلمت نفسه من النفور من ذلك؛ فإنْ فَعَلَهُ كان مأجوراً، وإنْ طَرح الشّراب بالكلية فلا حرج عليه.
وأمّا استشكال أنْ تجمع هذه الحشرة النفع والضرّ في جسمها، فقد نقل ابن حجر عن
الخطّابي (١) قوله: «تَكلم على هذا الحديث مَن لا خلاق له فقال كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب، وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك، قلت وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإنَّ كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألَّف الله بينها وقَهَرها على الاجتماع وجَعل منها قُوى الحيوان، وإنّ الذي ألهم النَّحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النَّملة أنْ تدَّخر قوتها أوانَ حاجتها، وأنْ تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت؛ لَقَادر على إلهام الذبابة أنْ تقدم جناحاً وتؤخر آخر» (٢).
وهذا الحديث هو واحد من النصوص التي حكّم بعض النّاس فيها عقولهم فخلصوا إلى ردها، متجاهلين أنّ العقول يعتريها الخطأ والصّواب، وهي متفاوتة فلا يكون لتقديم أحدها على غيره حجة إلا كما لدى الآخر، فأي العقول نجعل حكماً (٣)؟!
الأمر الثّامن: وأمّا الاعتراض على حديث لعق الأصابع أو إلعاقها بعد الفراغ من الطعام، فيقال في إيضاحه ما يأتي:
هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، فقد روى الشيخان وغيرهما قوله ﷺ : (إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها) (٤).
стр. 310
أولُّ ما يرد به على هؤلاء أنّ الأمر في هذا الحديث على سبيل الإرشاد والاستحباب عند جمهور العلماء (١).
وأمّا اللعق ففيه حِكَم، لعل من أهمها تحصيل بركة الطّعام، وهذا جاء مبيّناً في روايات
أخرى، كقوله ﷺ : (فإنّه لا يدري في أيِّ طعامه البركة) (٢).
وفيه دفع للكبر الذي هو داء مهلك للعبد، ولذا جاءت الشّريعة بأسباب دفعه، وتحصيل خلق التّواضع الذي يرفع صاحبه عند الله.
وليس في اللعق شيء من الاستقذار، لأنّه يأتي عقب الفراغ من الطّعام، لا في أثنائه بحيث يعيد أصابعه في الطّعام وعليها أثر ريقه (٣).
قال الخطّابي ﵀: «عاب قومٌ أفسدَ عقلَهم الترفُّه فزعموا أنَّ لعق الأصابع مستقبح، كأنهم لم يعلموا أنَّ الطعام الذي علق بالأصابع أو الصَّحفة جزءٌ من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً لم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً، وليس في ذلك أكبر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل في أنَّه لا بأس بذلك، فقد يمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه ثم لم يقل أحد إنّ ذلك قذارة أو سوء أدب» (٤).
وأمّا الإلعاق فالمقصود به -كما قاله شُرّاح الحديث- أن يكون لمن يقبل ذلك ولا يستقذره كزوجة وولد ونحو ذلك (٥).
وخلاصة الأمر أنّ إرشاد النبي ﷺ بلعق الأصابع أو إلعاقها عقب الطّعام هو على سبيل
стр. 311
الحث والاستحباب، وذلك لتحصيل البركة ودفع دواعي الكبر، ولا يكون الإلعاق إلا لمن تيقن تقبُّله له وعدمَ استقذاره لذلك.
ولو وُجد منصف من هؤلاء نظر إلى هذا الحديث فرأى فيه أمراً متشابهاً، لعدل عنه إلى ما لا يحصى كثرةً من النصوص في كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ الدّاعية إلى نظافة المسلم
وطهارته حسيًّا ومعنوياً.
ويكفي في ذلك أنّ المسلم يتوضأ خمس مرات لصلواته في اليوم وجوباً، ويغتسل الجنب، وكذا الحائض والنفساء عقب الطهر وجوباً، ولا تقبل صلاة من كان في بدنه أو ثوبه أو البقعة التي يصلي عليها نجاسة، وإذا ولغ الكلب في الإناء وجب غسله سبع مرات إحداهنّ بالتراب، وأخبر النبي ﷺ بشدة عذاب رجل كان لا يستنزه من البول، وأخبر أنّ الطهور شطر الإيمان، وأنّ الله جميل يحب الجمال، وأنّ على المسلم الاعتناء بخصال الفطرة وهي دائرة حول التنظف، وغير ذلك.
والشّواهد على مراعاة الإسلام للذّوق السليم، والفطر المستقيمة، والطّباع السّويّة، لا تحصر، وفيما سبق بعض الإشارات لهذا.
وبهذا يكتمل الحديث عن بيان وردِّ أبرز الشّبهات حول السّنّة، ويتبعه ما يتعلق بالشّبهات حول التشريع الإسلامي.
стр. 312
المبحث الرّابع: أبرز الشبه حول التشريع الإسلامي، والرد عليها
المطلب الأول: المقصود بالتّشريع الإسلامي
أولاً: المعنى اللغوي
التشريع مأخوذ من الفعل شَرَع.
«والشّين والرّاء والعين أصلٌ واحد، وهو شيء يُفتح في امتدادٍ يكون فيه.
ومن ذلك الشريعة، وهي مورد الشاربةِ الماء.
واشتق من ذلك الشِّرعة في الدين، والشريعة.
قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (٢)» (٣).
قال صاحب لسان العرب: «والشريعة: ما سنّ الله من الدّين وأمر به، كالصّوم والصّلاة والحج والزّكاة وسائر أعمال البر» (٤).
والتقارب بين المعنى الأصلي في اللغة، والمعنى المراد في الدين؛ واضح جليّ، فإنّ الشريعة هي مورد الأحكام الذي يَستقي منه كل مسلم ما ينظم علاقته بربه، وبباقي البشر والمخلوقات.
ثانياً: المعنى الاصطلاحي
عُرِّف التشريع الإسلامي بأنّه: «ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق
стр. 313
والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة، لتنظيم علاقة النّاس بربهم، وعلاقاتهم بعضهم البعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة» (١).
وعُرِّف بأنّه: «كل ما شرعه الله من أمر أو نهي، أو شرعه رسوله ﷺ ،
وما سنّه الخلفاء الرّاشدون، وكذلك ما أجمع عليه علماء المسلمين ومجتهدوهم، وما توصلوا إليه بالاجتهاد» (٢).
وعُرِّف بأنّه: «الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه ﵊ ليخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وهو كتاب الله .. وسنّة رسوله ﷺ » (٣).
والتّعريفات السّابقة متقاربة، إذ يُفصِّل بعضها في مصدر التشريع، أو أنواعه، أو غاياته أو غير ذلك. ويمكن جمعها في أنّ التشريع الإسلامي هو ما شرعه الله تعالى للأمّة المحمديّة.
على أنّ البعض يدرج الأمور العقديّة ضمن هذا المسمّى، وربما أخرجها بعضهم. والظّاهر أنّ هذا الاسم هو من قبيل المفردات التي إذا اجتمعت افترقت في المعنى، وإذا افترقت شملت إحداها معنى الأخرى، كما هو الحال في الإسلام والإيمان، والبر والتّقوى، والفقير والمسكين، ونحو ذلك.
فيكون إطلاق العقيدة على الأمور القلبيّة، والشّريعة على الأحكام الظّاهرة كالعبادات والمعاملات والأخلاق ونحوها. وإن افترق اللفظان شمل أحدهما ما يدل عليه الآخر.
بيد أننّا في هذا المبحث نعني بالشريعة ما تنفرد به من أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق والنّظم.
وقد امتازت الشّريعة الإسلاميّة بما لم يجتمع في غيرها، فإنّها كاملةٌ خالية من كل نقص، شاملةٌ لم تفرط في شيء، عادلةٌ لا ظلم فيها، ميسرةٌ لا حرج فيها، حكيمةٌ في سائر شؤونها،
стр. 314
خالدةٌ دائمةٌ لأنّها خَتْمُ الشّرائع السّماويّة، واقعيّةٌ في نظرها لحاجات الرّوح والجسد، معصومةٌ صادقةٌ؛ لعصمة وصدق مصدرها (١).
ومع كلِّ هذه المزايا إلا أنّه نالها نصيب كبير من الهجوم، والطّعن، والتّشكيك. وهو ما
سيتناوله البحث في المطلب التّالي.
المطلب الثاني: أبرز الشبه حول التشريع الإسلامي
تشهد ساحة الخدمات التفاعليّة عملاً دؤوباً ضخماً لمحاربة الإسلام، والصّدّ عنه، وتشويه كل معالمه.
ويكاد يجزم الباحث في هذا الجانب أنّه لم يبق في الإسلام شيء سالمٌ من الشبهة، نقيٌّ من الطعن، في هذه المنافذ.
إلا أنّ هناك تركيزاً على أمورٍ أكثر من غيرها.
ولعل من أبرز الشّبه المثارة حول الجوانب التّشريعيّة ما يلي:
الشبهة الأولى: أنّ الإسلام صاغ علاقة أتباعه بالأمم الأخرى على أساس القتال، والإرهاب، والإرعاب، والإذلال.
وأنّ هذه المعاني كُرِّست بالتأكيد عليها في نصوص كثيرة من كتاب الله، وسنّة نبيه.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا
стр. 315
تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى
الظَّالِمِينَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٢).
وحديث: (أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) (٣).
وحديث: (أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (٤).
وحديث: (لا تبدؤوا اليهود ولا النّصارى بالسَّلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه) (٥).
وقول عمر ﵁: "لا تُؤَمِّنوهم وقد خوَّنهم الله، ولا تُقَرِّبوهم وقد أبعدهم الله، ولا
стр. 316
تُعِزُّوهم وقد أذلَّهم الله" (١).
الشبهة الثانية: أنّ شريعة الجهاد في الإسلام شريعة عدوانيّة إرهابيّة، تهدف لإبادة المخالف في العقيدة، واستحلال ماله، واسترقاق نسائه، واستعباد ذريّته.
وهذا الشيء هو الذي يفسر العمليات العدوانيّة (الإرهابيّة) التي قام بها مجموعة من المسلمين، مدفوعين بما وعدوا به إذا استشهدوا، فهاجموا المدنيين في دور العبادة كما في كنيسة القديسَين في مصر، وكنيسة العذراء في العراق، وفي مراكز المال والاقتصاد كما في حادثة الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م.
وهو الشيء المفسر أيضاً لسرعة انتشار الإسلام بعد ظهور الدّعوة المحمديّة.
الشبهة الثالثة: أنّ الحدود في الإسلام هي ضربٌ آخرُ من السِّمة الإرهابيّة في التشريع الإسلامي.
ومن ذلك القتل كما في القصاص، وقطع الأطراف كما في حد السرقة والحرابة، والرّمي بالحجارة حتّى الموت للزّاني المحصن، والجلد لشارب الخمر والقاذف وسائر التعزيرات، وغير ذلك من صنوف الحدود والعقوبات.
المطلب الثالث: المناهج المتبعة في طرح هذه الشبه
تتعدد الطرق التي يتبعها المنصرون في طرح شبهاتهم وجدلياتهم حول جوانب التشريع الإسلامي. وقد سبق في المباحث الثلاثة من هذا الفصل ذكر طرق مشتركة بين هذا المبحث وما سبقه، ويمكن أن نضيف هنا من الطرق ما يلي:
أولاً: الاستفادة من إمكانات التصوير المرئي المتحرك (الفيديو). وذلك من خلال عرض مشاهد إقامة الحدود في بعض بلدان الإسلام، والتي ساعدت جوانب التقنية في نشرها على نطاق واسع، مع انتشار آلات الاتصال المحمولة، المزودة بإمكانية التصوير الثابت والمتحرك،
стр. 317
ومن ثمّ نشرها على مواقع الشبكات الاجتماعيّة، ومواقع تشارك الملفات، من خلال جهاز الاتصال نفسه.
إنَّ نَشْرَ هذه المشاهد قد يحدث أثراً سلبيّاً في نفس المتلقِّي، ولا سيّما إن كان لا يدين
بالإسلام، فإنّه رُبَّما نَفَرَ من هذا التشريع الذي يحمل في ظاهره أشد أنواع القسوة والدّمويّة.
وفي غمرة صدمة النفس ونُفرتها يأتي تعزيز تبغيض الإسلام من خلال التعليقات الصّوتيّة أو الكتابيّة التي تضاف إلى هذا الملف المرئي، فتعطيه تأثيراً أقوى.
ولك أنْ تتخيل ذلك الرّأس الذي يُبان عن الجسد، وتلك اليد التي تُبتر من مفصل الكف، وتلك المرأة التي تُرمى بالحجارة فيفضخ رأسها، وتكسر عظامها، وقد دفنت في حفرة لا تستطيع الفكاك منها.
ومثلها صور جلد الزاني غير المحصن، أو القاذف، أو شارب الخمر، وهو يئن من لهيب السياط على بدنه، ويصيح من ألم الجلد.
ثانياً: إنشاء المقارنات بين الإسلام والنصرانيّة في بعض الجوانب التشريعيّة على كيفيّاتٍ تظهر جمال النصرانيّة وقبح الإسلام.
ففي الملفات المرئيّة -المتحدث عنها آنفاً- يقارَن بين حال هذه المرأة التي يُنقل مشهد إعدامها رجماً بالحجارة، أو جلدِها مائة جلدة، مع استحضار قصّة تلك المرأة التي أتت الفعل نفسه، إلا أنّ المسيح قال لها اذهبي، ووبَّخ تلامذته المندفعين لرجمها، مذكراً إياهم أنّه لا يوجد منهم من هو نقيُّ من الأخطاء (مَن كان منكم بلا خطيئةٍ فليكن أوَّلَ من يرميها بحجر) (١).
وهكذا تُرسخ في نفس المتلقي صورةٌ ذهنيّة ملؤها الرّحمة والعفو والسّلامة والحياة في النصرانيّة، مقابل القسوة والعقاب والألم والموت في الإسلام.
ثالثاً: محاولة إقناع المسلمين بخطأ تشريعاتهم، من خلال المجادلات العقليّة التي يَظهر
стр. 318
لأول وهلة موافقتها للمنطق السليم، إلا أنّه عند التأمل ينكشف ما فيها من تدليس.
من ذلك على سبيل المثال، تساؤل بعضهم -في إحدى غرف النقاش المباشر- كيف سيكون حال المسلمين لو طبقت الدول النصرانية معهم مبدأ الجهاد كما هو في الإسلام،
فخيرتهم بين التنصر، أو دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، أو القتال. وإذا آل الحال إلى القتال، فقد تحصلُ -وفق سنن الله الكونيّة، ولما تتميز به الدول النصرانية من تفوق في الآلة الحربيّة- مجازرُ تُسفك فيها دماء المسلمين، ويُستولى على أموالهم، وتُساق نساؤُهم سبايا يُنكحن من العلوج، وولدانُهم عبيداً يخدمن نساءَ النصرانيّات وولدانهَم في البيوت.
وفي غمرة صدمة المتلقي المسلم لهذا الطّرح، يستمر المنصر في إرسال أفكاره، فيوضح أنّ الرّادع الذي يحول دون حدوث ما سبق؛ أنّ الدين النصراني دين تسامح وسلام وتعايش ومحبّة وإقناع، ولهذا كان الأكثرَ أتباعاً، وكان انتشاره بسيف المحبّة والإقناع (١).
وبهذا قد يخرج المسلم من هذا الطرح بشبهة علقت في قلبه، وتشكك حيال فريضة هي ذروة سنام الإسلام.
رابعاً: عرض الأفلام السينمائيّة المنتجة عن واقع تطبيق الشرائع في بعض البلاد الإسلاميّة.
تلك الأفلام التي حازت -لسبب أو لآخر- على جوائز عالميّة، كفيلم "أسامة"، الذي يتحدث عن واقع المرأة في المجتمع الأفغاني إبّان حكم "طالبان" (٢).
стр. 319
المطلب الرابع: الرد على الشبه
يمكن الرد على جدليات النّصارى حول الجوانب التّشريعيّة بشكلٍ مجملٍ، وآخرَ
مُفَصّل.
المسألة الأولى: الرد المجمل، ويقال فيه ما يلي:
إذا سلّم المناقَش بالردود التي سيقت في المباحث الثلاثة المتقدمة في هذا الفصل، فأقر بأنّ القرآنَ الكريم كتابُ الله المنزل، ومحمداً ﷺ نبيُّ الله المرسل، والسّنّةَ وحيٌ ثان، فإنّ هذا يستلزم التسليم بكل جوانب التشريع الإسلامي؛ إذ هي مستمدة من الوحيين، مبلغة بواسطة النبي الكريم محمد ﷺ .
وعندها لا يكون لاعتراض معترض على شيء منها حظ من النّظر.
وأمّا إذا لم يسلم بذلك -وهو الغالب- فيُسلك معه منهجُ الرد التفصيلي وفق الآتي.
المسألة الثانية: الرد المفصل، ويقال فيه ما يلي:
الفرع الأول: الرد على الشبهة الأولى
خلاصة هذه الشّبهة قولهم أنّ الإسلام دين قام على معاداة الأمم الأخرى، وإرهابها، وتخويفها، وإذلالها، ثمّ كرّس هذه المعاني في الكتاب والسّنّة.
أول الأسئلة المهمة هنا هي التساؤل عن سمة العلاقة بين المسلمين وغيرهم، أهي قائمة على الحرب، أم على السلم؟
درس الباحث عبد الله الطريقي هذه المسألة باستفاضة في رسالته لدرجة الدكتوراه، وخلُص إلى أنّ علماء الإسلام انقسموا في إجابة هذا السؤال إلى قسمين، ولكلٍّ أدلته.
فرأى الجمهور أنّ الأصلَ في علاقة المسلمين مع من عداهم الحربُ حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية.
ورأى آخرون أنّ الأصل السلم، ولا يصار إلى الحرب إلا عند الضرورة، بأن يعتدى
стр. 320
على المسلمين، فيجب عليهم صد العدوان عن أنفسهم وبلادهم.
ثم قال الباحث بعد استعراض أدلة الفريقين: «وبالمقارنة بين الأدلة يبدو أنَّ ثمة تقارباً في قوة كل منهما وضعفه، الأمر الذي يجعل ترجيح أحدهما عسيراً» (١).
ثم رأى في ترجيحه التفصيل في الأمر، بحيث تكون العلاقة سلميّةً قبل بلوغ الدعوة وأثناءها، وفي حالة التجاوب معها. وتكون حربيّةً إذا بلغت الكفارَ الدعوةُ فوقفوا منها موقف العداء والعناد والصّدّ (٢).
ولعلّ هذا هو الأقرب لأنّ المقصود الأعلى من جهاد الطلب إبلاغ الدعوة، وإزالة ما يحول بين المسلمين وإيصالَ رسالة الدين إلى العالمين (٣).
ولأنّ مجردَ الكفر ليس موجباً للقتل بل مبيحاً له، بدليل نهي النبي ﷺ عن قتل الكفار من النساء والولدان والشيوخ الكبار والرهبان والعبّاد.
والأصلُ أنّ الدماءَ معصومةٌ محفوظة، لا تزهق لمجردِ المخالفةِ في المعتقد.
وقد بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن يدعوهم، ولم يرسل معه جيشاً.
ولم يُعهد أنّ النبي ﷺ أجبر أحداً على الإسلام، وقد كان يساكنه في المدينة اليهود، فيتعامل معهم بالبيع والشراء، ويجيب دعواتهم، ويأكل من طعامهم، ويعود مرضاهم. ثم وفد عليه وفد نصارى نجران فجادلهم ولم يكرههم على الإسلام، بل ترك لهم حرية التدين، وإدارة شؤون كنائسهم، مع التزامهم بدفع الجزية لقاء حماية المسلمين لهم، حيث لا مجال لمشاركتهم في مهام الدفاع عن ديار المسلمين التي يعيشون فيها.
ولم يُعهد كذلك عن الصحابة ولا التابعين أن أجبروا أحداً في فتوحاتهم على الإسلام، بل يُترك الكتابيُّ على دينه، ويُلزم دفعَ الجزية.