← Общие книги

Общие книги · id 96160

التنصير عبر الخدمات التفاعلية لشبكة المعلومات العالمية

محمد بن موسى المجممي

Полный текст (438 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تُعِزُّوهم وقد أذلَّهم الله" (١). الشبهة الثانية: أنّ شريعة الجهاد في الإسلام شريعة عدوانيّة إرهابيّة، تهدف لإبادة المخالف في العقيدة، واستحلال ماله، واسترقاق نسائه، واستعباد ذريّته. وهذا الشيء هو الذي يفسر العمليات العدوانيّة (الإرهابيّة) التي قام بها مجموعة من المسلمين، مدفوعين بما وعدوا به إذا استشهدوا، فهاجموا المدنيين في دور العبادة كما في كنيسة القديسَين في مصر، وكنيسة العذراء في العراق، وفي مراكز المال والاقتصاد كما في حادثة الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م. وهو الشيء المفسر أيضاً لسرعة انتشار الإسلام بعد ظهور الدّعوة المحمديّة. الشبهة الثالثة: أنّ الحدود في الإسلام هي ضربٌ آخرُ من السِّمة الإرهابيّة في التشريع الإسلامي. ومن ذلك القتل كما في القصاص، وقطع الأطراف كما في حد السرقة والحرابة، والرّمي بالحجارة حتّى الموت للزّاني المحصن، والجلد لشارب الخمر والقاذف وسائر التعزيرات، وغير ذلك من صنوف الحدود والعقوبات. المطلب الثالث: المناهج المتبعة في طرح هذه الشبه تتعدد الطرق التي يتبعها المنصرون في طرح شبهاتهم وجدلياتهم حول جوانب التشريع الإسلامي. وقد سبق في المباحث الثلاثة من هذا الفصل ذكر طرق مشتركة بين هذا المبحث وما سبقه، ويمكن أن نضيف هنا من الطرق ما يلي: أولاً: الاستفادة من إمكانات التصوير المرئي المتحرك (الفيديو). وذلك من خلال عرض مشاهد إقامة الحدود في بعض بلدان الإسلام، والتي ساعدت جوانب التقنية في نشرها على نطاق واسع، مع انتشار آلات الاتصال المحمولة، المزودة بإمكانية التصوير الثابت والمتحرك،

стр. 317

ومن ثمّ نشرها على مواقع الشبكات الاجتماعيّة، ومواقع تشارك الملفات، من خلال جهاز الاتصال نفسه. إنَّ نَشْرَ هذه المشاهد قد يحدث أثراً سلبيّاً في نفس المتلقِّي، ولا سيّما إن كان لا يدين بالإسلام، فإنّه رُبَّما نَفَرَ من هذا التشريع الذي يحمل في ظاهره أشد أنواع القسوة والدّمويّة. وفي غمرة صدمة النفس ونُفرتها يأتي تعزيز تبغيض الإسلام من خلال التعليقات الصّوتيّة أو الكتابيّة التي تضاف إلى هذا الملف المرئي، فتعطيه تأثيراً أقوى. ولك أنْ تتخيل ذلك الرّأس الذي يُبان عن الجسد، وتلك اليد التي تُبتر من مفصل الكف، وتلك المرأة التي تُرمى بالحجارة فيفضخ رأسها، وتكسر عظامها، وقد دفنت في حفرة لا تستطيع الفكاك منها. ومثلها صور جلد الزاني غير المحصن، أو القاذف، أو شارب الخمر، وهو يئن من لهيب السياط على بدنه، ويصيح من ألم الجلد. ثانياً: إنشاء المقارنات بين الإسلام والنصرانيّة في بعض الجوانب التشريعيّة على كيفيّاتٍ تظهر جمال النصرانيّة وقبح الإسلام. ففي الملفات المرئيّة -المتحدث عنها آنفاً- يقارَن بين حال هذه المرأة التي يُنقل مشهد إعدامها رجماً بالحجارة، أو جلدِها مائة جلدة، مع استحضار قصّة تلك المرأة التي أتت الفعل نفسه، إلا أنّ المسيح قال لها اذهبي، ووبَّخ تلامذته المندفعين لرجمها، مذكراً إياهم أنّه لا يوجد منهم من هو نقيُّ من الأخطاء (مَن كان منكم بلا خطيئةٍ فليكن أوَّلَ من يرميها بحجر) (١). وهكذا تُرسخ في نفس المتلقي صورةٌ ذهنيّة ملؤها الرّحمة والعفو والسّلامة والحياة في النصرانيّة، مقابل القسوة والعقاب والألم والموت في الإسلام. ثالثاً: محاولة إقناع المسلمين بخطأ تشريعاتهم، من خلال المجادلات العقليّة التي يَظهر

стр. 318

لأول وهلة موافقتها للمنطق السليم، إلا أنّه عند التأمل ينكشف ما فيها من تدليس. من ذلك على سبيل المثال، تساؤل بعضهم -في إحدى غرف النقاش المباشر- كيف سيكون حال المسلمين لو طبقت الدول النصرانية معهم مبدأ الجهاد كما هو في الإسلام، فخيرتهم بين التنصر، أو دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، أو القتال. وإذا آل الحال إلى القتال، فقد تحصلُ -وفق سنن الله الكونيّة، ولما تتميز به الدول النصرانية من تفوق في الآلة الحربيّة- مجازرُ تُسفك فيها دماء المسلمين، ويُستولى على أموالهم، وتُساق نساؤُهم سبايا يُنكحن من العلوج، وولدانُهم عبيداً يخدمن نساءَ النصرانيّات وولدانهَم في البيوت. وفي غمرة صدمة المتلقي المسلم لهذا الطّرح، يستمر المنصر في إرسال أفكاره، فيوضح أنّ الرّادع الذي يحول دون حدوث ما سبق؛ أنّ الدين النصراني دين تسامح وسلام وتعايش ومحبّة وإقناع، ولهذا كان الأكثرَ أتباعاً، وكان انتشاره بسيف المحبّة والإقناع (١). وبهذا قد يخرج المسلم من هذا الطرح بشبهة علقت في قلبه، وتشكك حيال فريضة هي ذروة سنام الإسلام. رابعاً: عرض الأفلام السينمائيّة المنتجة عن واقع تطبيق الشرائع في بعض البلاد الإسلاميّة. تلك الأفلام التي حازت -لسبب أو لآخر- على جوائز عالميّة، كفيلم "أسامة"، الذي يتحدث عن واقع المرأة في المجتمع الأفغاني إبّان حكم "طالبان" (٢).

стр. 319

المطلب الرابع: الرد على الشبه يمكن الرد على جدليات النّصارى حول الجوانب التّشريعيّة بشكلٍ مجملٍ، وآخرَ مُفَصّل. المسألة الأولى: الرد المجمل، ويقال فيه ما يلي: إذا سلّم المناقَش بالردود التي سيقت في المباحث الثلاثة المتقدمة في هذا الفصل، فأقر بأنّ القرآنَ الكريم كتابُ الله المنزل، ومحمداً ﷺ نبيُّ الله المرسل، والسّنّةَ وحيٌ ثان، فإنّ هذا يستلزم التسليم بكل جوانب التشريع الإسلامي؛ إذ هي مستمدة من الوحيين، مبلغة بواسطة النبي الكريم محمد ﷺ . وعندها لا يكون لاعتراض معترض على شيء منها حظ من النّظر. وأمّا إذا لم يسلم بذلك -وهو الغالب- فيُسلك معه منهجُ الرد التفصيلي وفق الآتي. المسألة الثانية: الرد المفصل، ويقال فيه ما يلي: الفرع الأول: الرد على الشبهة الأولى خلاصة هذه الشّبهة قولهم أنّ الإسلام دين قام على معاداة الأمم الأخرى، وإرهابها، وتخويفها، وإذلالها، ثمّ كرّس هذه المعاني في الكتاب والسّنّة. أول الأسئلة المهمة هنا هي التساؤل عن سمة العلاقة بين المسلمين وغيرهم، أهي قائمة على الحرب، أم على السلم؟ درس الباحث عبد الله الطريقي هذه المسألة باستفاضة في رسالته لدرجة الدكتوراه، وخلُص إلى أنّ علماء الإسلام انقسموا في إجابة هذا السؤال إلى قسمين، ولكلٍّ أدلته. فرأى الجمهور أنّ الأصلَ في علاقة المسلمين مع من عداهم الحربُ حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية. ورأى آخرون أنّ الأصل السلم، ولا يصار إلى الحرب إلا عند الضرورة، بأن يعتدى

стр. 320

على المسلمين، فيجب عليهم صد العدوان عن أنفسهم وبلادهم. ثم قال الباحث بعد استعراض أدلة الفريقين: «وبالمقارنة بين الأدلة يبدو أنَّ ثمة تقارباً في قوة كل منهما وضعفه، الأمر الذي يجعل ترجيح أحدهما عسيراً» (١). ثم رأى في ترجيحه التفصيل في الأمر، بحيث تكون العلاقة سلميّةً قبل بلوغ الدعوة وأثناءها، وفي حالة التجاوب معها. وتكون حربيّةً إذا بلغت الكفارَ الدعوةُ فوقفوا منها موقف العداء والعناد والصّدّ (٢). ولعلّ هذا هو الأقرب لأنّ المقصود الأعلى من جهاد الطلب إبلاغ الدعوة، وإزالة ما يحول بين المسلمين وإيصالَ رسالة الدين إلى العالمين (٣). ولأنّ مجردَ الكفر ليس موجباً للقتل بل مبيحاً له، بدليل نهي النبي ﷺ عن قتل الكفار من النساء والولدان والشيوخ الكبار والرهبان والعبّاد. والأصلُ أنّ الدماءَ معصومةٌ محفوظة، لا تزهق لمجردِ المخالفةِ في المعتقد. وقد بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن يدعوهم، ولم يرسل معه جيشاً. ولم يُعهد أنّ النبي ﷺ أجبر أحداً على الإسلام، وقد كان يساكنه في المدينة اليهود، فيتعامل معهم بالبيع والشراء، ويجيب دعواتهم، ويأكل من طعامهم، ويعود مرضاهم. ثم وفد عليه وفد نصارى نجران فجادلهم ولم يكرههم على الإسلام، بل ترك لهم حرية التدين، وإدارة شؤون كنائسهم، مع التزامهم بدفع الجزية لقاء حماية المسلمين لهم، حيث لا مجال لمشاركتهم في مهام الدفاع عن ديار المسلمين التي يعيشون فيها. ولم يُعهد كذلك عن الصحابة ولا التابعين أن أجبروا أحداً في فتوحاتهم على الإسلام، بل يُترك الكتابيُّ على دينه، ويُلزم دفعَ الجزية.

стр. 321

ثم إنّ الآيات والأحاديث دلّت على بقاء الكفر في الأرض إلى قرب قيام السّاعة حين ينزل عيسى بن مريم ﵇، فكانت المساعي لإبادة الكفر وأهله خلاف سنّة الله القدريّة. ويكفي في هذا قول الباري ﷻ : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). إنّ الأمة الإسلامية هي في هويتها الأصليّة أمّة عقيدة ودعوة، وهذه الدّعوة إلى العقيدة هي مِلاك صلتها بالأمم الأخرى، تلك الصلة القائمة على منهج متكامل؛ القتالُ أحدُ عناصره الدّائرة مع مصلحة الدّعوة وجوداً وعدماً (٢). ومن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه (٣). وأمّا النصوص التي استدل بها أصحاب هذه الشبهة لتشويه صورة الإسلام، وتنفير النّاس منه، باعتباره -وفق رؤيتهم- دينٌ يحث أتباعه على إهانة المخالفين وإذلالهم، وإرهابهم وتخويفهم، إلى أن يتحقق المقصود الأهم وهو قتلهم وإبادتهم، فالجواب عنها يحتاج إلى بسط، وذلك في النقاط التّالية. أولاً: المقصود بالصّغار في آية التّوبة هو جريان أحكام الإسلام على أهل الكتاب إذا قوتلوا فأبوا الدّخول في الإسلام. ذلك أنّ الأرضَ أرضُ الله، والإسلامَ دينُه، والعزةَ لله ولرسوله وللمؤمنين. ومردُّ هذه العزة لا لاعتبار عنصري أو غيره، وإنما المحك اتباع شرع الله تعالى. فلو اتبعه نصرانيٌّ أو يهوديٌّ أو وثنيٌّ أو غير ذلك؛ كان من جملة المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، لا فرق إلا بالتّقوى.

стр. 322

وقد ورد في بعض التّفاسير صورٌ من الإذلال والإهانة والتحقير، إلا أنّ هذه الأقوالَ ضعيفة، لا يسندها دليل صريح في الكتاب أو السنّة. فالرّاجح في معنى الصّغار هو جريانُ أحكام الإسلام عليهم، وإلزامُهم تسليم الجزية بأيديهم لا أنْ يرسلوا بها غيرهم، ليتحقق إقرارهم الفعلي بعلو الإسلام على ما عداه من الأديان. وهذا المعنى هو الذي رجحه كبار المحققين، وهو المتوافق مع تعاليم الإسلام وأخلاقه الرّفيعة (١). قال ابن القيم ﵀ -بعد أن ذكر روايات صنوف الإهانة والإذلال-: «وهذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا نُقل عن رسول الله ﷺ ، ولا عن الصّحابة أنهم فعلوا ذلك. والصّوابُ في الآية أنّ الصّغار هو التزامهم لجريان أحكام الملّة عليهم، وإعطاء الجزية، فإنّ التزام ذلك هو الصّغار» (٢). ثم إنّ في قصةِ وفدِ نصارى نجرانَ ما يُبين الهدي النبوي في التعامل مع أهل الكتاب، وليس فيه شيء من معاني الصغار غير ما تقدم ترجيحه. فقد كتب لهم النبي ﷺ كتاباً أنهم آمنون على أنفسهم، وملّتهم، وأرضهم، وأموالهم، وأنّ الإسلام لا يغير شيئاً مما كانوا عليه، فلا يتدخل في توليةِ أو عزلِ راهب أو أسقف، ولا يعاقب أحداً بظلم غيره. ثم أرسل معهم أبا عبيدة ﵁ (٣) لأخذ الجزية منهم، ولم يأمره بشيء فيه تحقير أو إهانة

стр. 323

لهم (١). والمتأمل في هذه الآية التي استدلوا بها يجد أنّ قتالَ الكفار وإبادَتهم ليس غايةً في الإسلام، إذ لو كان كذلك ما اكتفي بأخذ الجزية من أهل الكتاب وتركهم على دينهم. ثانياً: وأمّا آيات سورة البقرة، من قوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾، فإنّ الموردين لهذه الشّبهة يجتزئون هذا المقطع ليصوروا للسّامع حثّ الإسلام على قتل المخالفين في الدين أيًّا كانوا، في كل مكان وزمان، وفي كلِّ الأحوال. كما يصورون أنّ سفك دماء الكفار، وإبانة رقابهم عن أجسادهم، غايةٌ يحث الإسلامُ أتباعَه على تحقيقها. والأمر فيه من التدليس والخداع ما يَبين للمتأملِ الطالبِ للحق. فإنّ هذه الآياتِ نزلت في مشركي قريش، بدلالة قوله تعالى: ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، فقد أخرجوا المسلمين من ديارهم في مكة، ووقفوا منهم موقف الحرب، فحث الله تعالى عباده على مقاتلة هؤلاء في كل مكان عدا المسجد الحرام ما لم يبدأ الكفار بالقتال فيه. ومع هذا فقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات أنّ المقصود من القتال في سبيله ليس سفك الدماء وأخذ الأموال، بل إظهارُ دين الله تعالى على سائر الأديان، ودفعُ كل ما يعارضه من الشرك وغيره، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال (٢). ثم إنّ من يورد هذه الشبهة يتعامى عن الآية التي سبقت هذه الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣). ففي هذه الآية بيانٌ لأخلاقيّات الجهاد الإسلامي، وذلك في اقتصاره على مقاتلة من

стр. 324

يقاتل، دون غيره ممن لا يستحق القتل كالنساء والصبيان والشيوخ والعُبّاد، وغيرهم ممن لا يشترك في القتال، فإنّ التعرض لهم يعد اعتداءً. ويدخل في الاعتداء، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإنّ ذلك لا يجوز (١). وبهذا يتضح المقصود من الآيات، وينكشف التدليس. ثالثاً: وأمّا آية الأنفال، فقد اجتزأها بعض المستدلين بها عن سياقها، واكتفى بعضهم بمفردة واحدة منها هي كلمة (تُرهبون)، ثم بنوا على ذلك أنّ الإسلام دين إرهاب، مستفيدين من شيوع هذه الكلمة في السّنوات الأخيرة، وإنكارِ العامّة لها لما غرس في العقول من ربط بينها وبين فئام من المسلمين يعتدون على الآمنين قتلاً وترويعاً. إنّ المتأمل لسياق الآية وما قبلها وما بعدها يتضح له أنّها نزلت في حق الكفار المحاربين. فيأمر الله تعالى المؤمنين أن يعدوا لأعدائهم الكفار الساعين في هلاكهم وإبطال دينهم؛ كلَّ ما يقدرون عليه من القوّة العقلية، والبدنية، وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم (٢). وأمّا غير المحارب فلا يدخل في هذا، بدليل الآية التي بعدها، حيث يأمر الله تعالى نبيّه ﷺ ؛ متى مال الكفار المحاربون إلى الصلح وترك القتال، أن يجيبهم إلى ما طلبوا، متوكلاً على ربه (٣). قال الشيخ ابن سعدي في فوائد إجابة الكفار إلى الصلح عند أمن غدرهم: «ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضاً، وتمكن كلٌّ من معرفة ما عليه الآخر، فإنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنّه لا

стр. 325

جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له» (١). وبهذا يتضح كمالُ الإسلام، وعدلُه، وسماحتُه، وشمولُ أحكامه لسائر الحالات من حرب أو سلم. رابعاً: وأمّا حديث (أمرت أن أقاتل النّاس) فهو حديث صحيح، إلا أنّه ليس على عمومه، لورود أدلة أخرى تعارض العموم. وقد أجيب عن التعارض الظاهر بإجابات منها: احتمال نسخ الحديث بالآية التّاسعة والعشرين من سورة التّوبة. ومنها أنّ المراد بالنّاس؛ المشركون والوثنيون دون أهل الكتاب، فيكونُ من باب العام الذي يراد به الخاص. ومنها أنّ المقصود بالقتال؛ نفسُه أو ما يقومُ مقامه كالجزية والصلح. ومنها -وقد استحسنه ابن حجر- أنّ الغرض من ضرب الجزية إلجاء الكفار إلى الإسلام، وسببُ السببِ سببٌ، فكأنّه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا بما يؤديهم إلى الإسلام (٢). خامساً: وأمّا استدلالهم بحديث (أعطيت خمساً)، وفيه النّصر بالرعب، فمرده جهلهم بالكتاب الذي يقدسونه. فإنّ فيه شواهدَ كثيرةً تُبين أنّ الله ينصر أولياءه بإلقاء الرّعب في قلوب أعدائهم. ومن ذلك النّصّ التّالي من سفر الخروج: (مَن مِثلك بين الآلهة يا رب؟ مَن مِثلك معتزاً في القداسة مخوفاً بالتّسابيح صانعاً عجائب؟، تمد يمينَك فتبتلعهم الأرض، تُرشد برأفتك الشعبَ الذي فديته، تهديه بقوتك إلى مَسكن قدسك، يسمعُ الشعوبُ فيرتعدون، تأخذُ الرعدة سكانَ فلسطين، حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياءُ مواب تأخذهم الرجفة، يذوبُ

стр. 326

جميعُ سكان كنعان) (١). وإذا كان النبي ﷺ قد نصر بالرّعب مسيرة شهر على المعادين لدين الله تعالى، فإنّ هذه العقوبة قد سلطت على بني إسرائيل لسنوات، كما في نص المزامير: (فأَفنى أيامَهم بالباطل وسنيَّهم بالرعب) (٢). والأمر على كل حال كرامة ثابتة لأولياء الله، وعقوبة ثابتة في حق أعداء الله. وقد ورد الحديث عن النبي ﷺ لما قفل من غزوة تبوك وقد نصره الله على الرّوم بالرّعب فجبنوا عن ملاقاته (٣). سادساً: وأمّا حديث (فاضطروهم إلى أضيقه)، فهو صورة أخرى لما سبق ذكره من أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين القائمين بشرعه أيًّا كانوا. فمن آمن واتبع كان حقيقاً بالإكرام والاحترام، ومن كفر لم يكن أهلاً لشيء من ذلك. فلا يُكرم الكافر بأن يُبدأ بالسّلام، أو يترك له وسط الطريق، ولكنْ متى سلّم شُرع الرّد عليه، وقد اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلّموا، ولكنْ بعبارة (وعليكم) (٤). وليس في هذا الحديث تشريع لإيذاء غير المسلم والاعتداء عليه. ولذا يقول القرطبي في شرح هذا الحديث: «معناه لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيِّق إكراماً لهم واحتراماً، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى، وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حَرَفِه حتى يضيق عليهم، لأنّ ذلك أذى

стр. 327

لهم، وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب» (١). سابعاً: وأمّا الأثر المذكور عن عمر ﵁، فإنّ الذين يوردونه من النّصارى يسلكون به مسلك التعميم؛ كعادتهم. فيصورون للسّامع أنّ هذا الخليفة الرّاشد، الذي يفهم حقيقة تعاليم الإسلام، يدعو إلى إهانة وتحقير وإذلال النّصارى. وحقيقة الأمر خلاف ذلك، فإنّ أبا موسى الأشعري ﵁ اتخذ كاتباً نصرانيًّا، زمن ولاية عمر ﵁، فأمره بعزله وتولية كاتب مؤمن. وما ذلك إلا لأنّ هذا العمل له أهميته وخطورته. قال الشيخ صالح الفوزان (٢) - معلقاً على هذا الأثر وغيره-: «ومن هذه النصوص يتبيَّن لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكَّنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم» (٣). وليس في الأمر شيء يتعلق بالعنصريّة أو غيرها، بل المسلمون -بفضل الله- لديهم الميزان الواضح الذي يَفصل في الأمور، وهو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ولهذا فإنّه في حادثة مشابهة، كتب عمر بن عبد العزيز (٤) ﵀ إلى أحد عمّاله الذين اتخذوا كاتباً نصرانيًّا: «أما بعد: فإنّه بلغني أنّ في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 328

الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسّان بن زيد - يعني ذلك الكاتب - إلى الإسلام فإنْ أسلمَ فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين. فأسلم حسّان وحسن إسلامه) (٢). الفرع الثاني: الرد على الشبهة الثانية خلاصة هذه الشبهة الطعنُ في أهداف فريضة الجهاد في الإسلام، والقولُ بأنها متلخصة في إبادة الكافر، واغتنام نسائه وولده وماله وأرضه. وقبل مناقشة هذه المقالة المتعلقة بأخلاقيّات الجهاد في الإسلام من حيث الغاية والأهداف؛ يحسن مناقشة أصل هذه الفريضة: هل هي ابتداع في الإسلام، أم امتداد للشرائع السّابقة؟ إذا قرأنا الكتاب النصراني المقدس وجدنا فيه أنّ الجهاد ضد الكفار فريضةٌ أوجبها الله على أنبياء بني إسرائيل، وذلك في نصوص كثيرة من سفر التثنية، وسفر الخروج، وغيرهما (٣). وفي القرآن الكريم خبر حوار موسى ﵇ مع قومه بعد امتنان الله عليهم بإهلاك فرعون وجنوده، وكيف أنّه رغّبهم في القيام بفريضة الجهاد، ليتمكنوا من دخول الأرض المقدسة، لكنّهم جبنوا فعاقبهم الله بالتيه أربعين سنة. وفيه خبر طلب الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى أن يرسل لهم ملِكاً يقودهم لجهاد أعدائهم الكفار، فأرسل الله لهم طالوتَ، فجبنوا واعترضوا عليه، ولم يثبت منهم إلا القليل، وكان فيهم داوود ﵇، الذي قتل جالوتَ، فكُتب لهم النصر.

стр. 329

وعلى هذا فإنّ هذه الشعيرة فرضت في الإسلام كما فرضت في اليهوديّة والنصرانيّة من قبل، فلا وجه للاعتراض على أصل وجودها. ثم الأمر الثاني الذي نناقشه هنا، الفرق بين أخلاقيّات الجهاد في الإسلام، وفيما سبقه من الأديان، مع التّركيز على اليهوديّة والنّصرانيّة وفق ما جاء في الكتاب المقدّس. لقد أمر الله نبيه في الكتاب المقدس أن يعاملَ ستَّ قبائلَ بقتل كلِّ حيٍّ منهم بحد السّيف، ذكراً كان أم أنثى، كبيراً كان أم طفلا، بما يسمى في عرف النّاس اليوم الإبادة الجماعيّة (١). وأمّا باقي القبائل فيدعون إلى الصلح والطّاعة ودفع الجزية، فإن لم يذعنوا وجب جهادهم، وقتلُ كل ذكورهم، وسبيُ النساء والأطفال، ونهبُ الدواب والأموال، وتوزيعُها على المجاهدين. يقول النص في الكتاب المقدس: (وإذا تقدمتَ إلى مدينةٍ لتقاتلها، فادعها أولاً إلى السِّلم، فإذا أجابتك بالسلم وفَتحت لك أبوابَها، فكلُّ القومِ الذي فيها يكونُ لك تحت السُّخرة ويخدِمك. وإن لم تسالمك، بل حاربتك، فحاصرتها، وأسلمها الربُّ إلهُك إلى يدك، فاضرب كلَّ ذكرٍ بحد السيف. وأما النساءُ والأطفالُ والبهائمُ وجميعُ ما في المدينة من غنيمة، فاغتنمها لنفسك، وكُلْ غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك إياها. هكذا تصنع بجميع المدن البعيدة منك جداً والتي ليست من مدن تلك الأمم هنا. وأما مدنُ تلك الشعوب التي يعطيك الربُّ إلهُك إياها ميراثاً، فلا تستبقِ منها نسمة، بل حرمهم تحريماً: الحِّثيين والأمُّوريين والكنعانيين والفَرِزِّيين والحُوِّيين واليبوسيين، كما أمرك الرب إلهك) (٢). وفي نص العدد ٣٣: ٥١ - ٥٦، يأمر الله بني إسرائيل إذا تجاوزوا نهر الأردن أن يبيدوا كل سكّان الأرض، ويدمروا دور عبادتهم، ويكسروا أصنامهم. وهذا أيضاً شكل من

стр. 330

أشكال الإبادة الجماعيّة للمخالفين في الدين، مع إفناء معبوداتهم ودور العبادة. وقد رجح بعض الباحثين أنّ هذا العدد الذي أبيد يقرب من الثمانين مليوناً (١). ثم في سفر التثنية١٣: ١ - ١٦ توجيهٌ بقتل الكفار مع دوابهم بحد السّيف، وحرق قراهم وأمتعتهم وأموالهم بالنّار. وهكذا فالتشريع الجهادي في العهد القديم مرعب، لا يعرف الرحمة، فهو يوجه بما يسمى اليوم الإبادة الجماعية والأرض المحروقة، ولا يستثني طفلاً أو امرأة أو شيخاً كبيراً، أو دار عبادة، بل يشمل حتى الدوابَّ والعجماوات. وفي أحايين قليلة ينزل إلى مرتبة إبادة الذكور، واستبقاء النساء والأطفال للاستعباد. وفي أجمل حالاته يقبل الصلح مع الإلزام بدفع الجزية (٢). وفي مقابل ذلك كانت غايات الجهاد في الإسلام، قمةً في الأهداف والأخلاقيّات. فالمقصود من الجهاد؛ طلباً كان أو دفعاً، تبليغ دين الله، ودعوة النّاس إليه، وإخراجهم من الظّلمات إلى النور، وإعلاء دين الله في أرضه، وأن يكون الدين كله لله (٣). وفي معركة القادسيّة حاور قائدُ الفرس المغيرةَ بن شعبة ﵁ (٤) قائلاً: "إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا"، فقال له المغيرة: "إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة". ثم حاور ربعيَّ بن عامر ﵁، وسأله عن هدفهم من قتال الفرس، فقال له ربعي: "إنّ

стр. 331

الله ابتعثنا لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نُفضي إلى موعود الله" (١). إنّ الجهاد في الإسلام هدفه تبليغ الدّعوةِ كلَّ الناس، وأن يكون العلو والظهور والغلبة لدين الله في أرضه، ثم لا يُكره أحدٌ على الدخول فيه، فإنّ الكفر باق إلى قيام السّاعة. والأصل في الإسلام عدم التشوف للقتال والقتل، ولذا أرشد النبي ﷺ إلى عدم تمني لقاء العدو، وذلك حين تألبت الأحزاب لاجتياح المدينة، فقال: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف) (٢). «لقد سبق الإسلامُ المدنيةَ المزعومة اليوم إلى سنِّ القوانين ووضع الضوابط التي تمنع الحروب والاقتتال ما أمكن، ثم إنْ وقعت واضطر المسلمون لخوض غمارها عني بكل ما من شأنه أن يُلطِّفَ من آثارها، ويحققَ ثمارها الداعمة للسّلام المستقبلي» (٣). ولما كانت أهداف الجهاد في الإسلام سامية؛ فقد كانت الوسائل أخلاقيّة. فقد كاتب النبي ﷺ ملوك عصره يدعوهم للإسلام، وتعهد بإبقاء من يسلم منهم في منصبه. وكان يتعامل مع رسل الملوك تعاملاً حسناً مع ما يبدر من بعضهم من تجاوز. وقد حرص على إبرام العقود والمصالحات القاضية بتغليب السلم وتجنب الحروب، وكان يلتزم بها ولا يخفرها. وكان يتثبت من الأخبار الواردة بنقض العهود مع بعض من عاهد، ثم ينبذ إليهم العهد إذا تيقن منهم نية الغدر. وكان ﷺ إذا أمّر أميراً على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه

стр. 332

من المسلمين خيراً، ثم قال لهم: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إنْ فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإنْ أبوا أنْ يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أنْ يجاهدوا مع المسلمين، فإنْ هم أبوا فسلهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم .. ) (١). ولقد أمَر النبي ﷺ جيوشه ألا يتعرضوا لمسالم، أو عسيف -وهو الأجير-، وألا يقتلوا امرأة أو طفلاً أو شيخاً كبيراً أو عابداً. ولذا لما رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه أنكر وغضب. ونهى عن التحريق بالنّار، وقال: (لا يعذِّب بالنّار إلا ربُّ النّار) (٢)، بل غضب في إحدى مغازيه لما أخذ أحدُ الصحابة مِن عشِّ حمَّرةٍ بيضَها (٣). وكان يوجب الكف عمن يظهر إسلامه، ولو كان نطقه للشهادتين -في أغلب الظن- تحرزاً من السيف وقد علاه، كما في قصة أسامةَ؛ حبِّه وابنِ حبِّه، حين كان يردد عليه: (أقتلته بعد أنْ قال لا إله إلا الله) (٤). وبهذا العرض يتبين فرق ما بين الأخلاق الجهادية في الإسلام، وما في العهد القديم.

стр. 333

والواقع التطبيقي كرّس هذه الفروق فإنّ المسلمين في فتوحاتهم كانوا قبل القتال يدعون النّاس إلى الدخول في دين الله، فإن أرادوا البقاء على أديانهم طولبوا بدفع الجزية. ثم كان الفاتحون يتمسكون بالإسلام، ويلتزمون به سلوكاً وعملاً وقولاً، ويُظهرون الفرح والتكبير إذا دخل كافر في الإسلام، ثم يحسنون معاملة أهل الذّمة، فيمكنونهم من البقاءِ على أديانهم، والاستمرارِ في ممارسة مهنهم وتجارتهم وفلاحتهم، مع إلغاء الامتيازات الطبقيّة، وتمكين كل صاحب حق من الحصول على حقه ولو كان خصمُه من المسلمين، بل لو كان أمير البلد. كل هذا جعل أهل البلاد المفتوحة يقبلون على الإسلام، وإن لم يدخلوا فيه؛ شهدوا شهادة الحق بسماحته وعدله (١). وأمّا النّصارى فكانت حروبهم على النقيض من ذلك، ولا سيما حروبهم الصليبيّة التي استمرت قرنين من الزمان، من سنة ٤٩٠هـ إلى ٦٩٠هـ، مدفوعةً بالنّزعة الصليبيّة بتحريض البابا أوربان الثاني، ومساعده بطرس النّاسك، ومتوجةً بمنح الجنود غفران الخطايا، وتعليقِهم الصليب الأحمر على الكتف الأيمن. فلما دخلت الجيوش الصليبية بلاد المسلمين قتلت في أنطاكيةَ قرابة مائة ألف مسلم، وفي القدسِ ما يربو عن سبعين ألف مسلم، وهدّمت المساجد، وحرّقت المصاحف، وانتهكت الأعراض، ولم يفرق النصراني الصليبي بين مقاتل أو مدني في العرف السياسي اليوم (٢). وفي القرون الوسطى الأوروبية المظلمة أقامت الكنيسة الكاثوليكية محاكم التفتيش لإجبار النّاس على اعتناق الكاثوليكيّة، وفي حقيقة الأمر «لم يكن هناك جهد منظم من قِبَل أي ديانة للتحكم بالنّاس، ولاحتواء روحانياتهم أقوى من محاكم التّفتيش المسيحيّة .. التي

стр. 334

حاولت إرعاب النّاس في سبيل الطّاعة» (١). وقد شملت هذه المحاكم المخالفين للكاثوليكيّة داخل الدائرة النصرانيّة، ثم امتدت خارجها لتشمل المسلمين واليهود، مجبرة الكل على الطّاعة أو التعرض لصنوف التقتيل والتعذيب دون إعطاء المتهم فرصةَ الدفاع عن نفسه، فضلاً عن أن يكون هناك أمل للعفو عنه. وقد شملت تلك الممارسات بعد سلب أموال المتهمين، التعذيبَ بالماء، والشويَ في أفران النّار، والرّميَ في حفرٍ مليئة بالأفاعي، وشقَّ البطون وإرسال الفئران لتحفر معدة المتهم ملحقة به آلاماً فظيعة، إلى غير ذلك من صنوف الرّعب والتنكيل (٢). والذي يستعرض الاستيلاء النصراني الكاثوليكي على القارة الأمريكيّة يجد من فظائع القتل والتعذيب والإجرام ما تشيب له رؤوس الولدان. وكل ذلك ارتكب باسم التبشير، كما في شهادة الراهب الاسباني الكاثوليكي "لاس كازاس". يقول هذا الراّهب في شهادته: «لقد قتل المسيحيون كل هذه الأنفس البريئة، وفتكوا كل ذلك الفتك باسم الدين .. وكم من جرائم ارتكبوها باسم التبشير .. لقد ظل الأسبان طوال هذه السنين يكتبون، ويزعمون أنّ الله أرسلهم لفتح هذه البلاد التي كانت آمنة مطمئنة، وأنّ الله هو الذي نصرهم على هذه الأمم» (٣). ثم يحكي كيف كان ينظر المسيحيون إلى الهنود الحمر لا كما ينظرون إلى الحيوانات، بل أقل قدراً، وكيف أنهم كانوا يُقَتَّلون قبل أن يُبَلَّغوا شيئاً عن المسيح (٤)، وكيف نكَّل هؤلاء بسكان تلك البلاد بعد سرقة خيراتها، فبقروا بطون الحوامل، وأقاموا المشانق الجماعيّة، واغتصبوا النّساء، وكانوا يَقطعون أطراف الهندي ويرمونها للكلاب، أو يُرسلون عليهم الكلاب المفترسة تمزق أجسادهم، وربما انتزعوا الرضيع ورضخوا رأسه بالحجارة على مرأى

стр. 335

من أمه، وربما أقاموا حفلات التحريق والشواء للهنود الحمر. ونتيجة لذلك لما دُعي زعيم قبيلة إلى التنصر ليكون مصيره الجنة، سأل عن هذه الجنّة إنْ كان بها مسيحيون، فلما قيل له نعم، قال: "إنني أفضل دخول النّار على أن ألتقي بهم في الجنّة .. أرسلوني إلى النّار" (١). هذا هو الفتح النصراني! فهل يقارن بالفتح الإسلامي الذي جعل بلداناً كثيرةً تدخل في الدين بدعوة شخص واحد، أو عدة أشخاص، لا يحملون إلا سلاح الإيمان والعقيدة في قلوبهم، والخلق الحسن في تعاملهم. الفرع الثالث: الرد على الشبهة الثالثة خلاصة هذه الشبهة الطعن في الحدود التشريعيّة في الإسلام، ووصفها بالقسوة والشدّة والبشاعة، وعدم توافقها مع احترام إنسانيّة المرء، في عصر سمت فيه مدركات البشر عن هذه العقوبات الوحشيّة إلى غيرها مما هو ألطف، كالسّجن أو الإلزام بأعمال تطوعيّة أو نحو ذلك، كما يقولون. لقد اتخذ كثير من النّصارى تلك المقولة مدخلاً للتّنفير من الإسلام، وتبغيضه في نفوس النّاس، مسلمهم وكافرهم. والحقّ أنَّ هذه العقوبات زاجرةٌ منفرةٌ من اقتراف ما رتب عليه من الجرائم، إلا أنّ هناك أسئلة رئيسيّة، متى نوقشت بتجرد؛ تبينت الحقائق وتكشفت. أوّلها: هل انفرد الإسلام بتقرير هذه الحدود دون ما سبقه من الأديان السّماوية؟ والثّاني: هل تتضمن هذه التشريعات حِكَماً تفوق ما فيها من قسوة؟ والثّالث: أليس في العقل الصحيح والمنطق المستقيم والفطرة النّقية دلالة على صحة إقامة الحدود؟

стр. 336

والرّابع: إذا كان المسيح ﵇ يقول: (من ثمارهم تعرفونهم. أيُجنى من الشوكِ عنبٌ أو من العُلَّيْقِ تين؟) (١)؛ فلنقارن بين المجتمعات التي طبقت الحدود الإسلاميّة، وتلك التي لم تطبقها، ولننظر في النتائج. فأمّا السؤال الأول فقد كفانا الكتاب المقدس عند النّصارى -بوضعه الحالي- مؤونة الإجابة عليه. ففي العهد القديم منه تشريع إقامة حد القتل على الزاني (٢) واللائط (٣) ومن أتى بهيمة سواءً كان رجلاً أو امرأة (٤). بل فيه قتل من سبّ أباه أو أمَّه (٥)، أو تقرّب إلى جانّ (٦). وإن كان الزنا من ابنة كاهن فإنّها تحرق بالنّار (٧). كما يقام حدُّ القصاص؛ النَّفسُ بالنَّفس، والعينُ بالعين، والسِّنُّ بالسِّن، واليَدُ باليد، والرِّجلُ بالرِّجل، والحرْقُ بالحرق، والجُرح بالجُرح، والرَّضُّ بالرَّض (٨). وأمّا المرتد فإنّه يرجم بالحجارة حتّى يموت (٩)، أو يذبح كما ذبح النّبي إيليا في وادي قيشون أربعمائة وخمسين رجلاً عبدوا العجل (١٠).

стр. 337

فعلى هؤلاء قبل أنْ يسألوا عن تفسير العقوبات الجسديّة في الإسلام أن يفسروا ما في العهد القديم من أمثالها (١). وعليهم أن يفسروا تفوقها في القسوة. فالقاتل العمد في الإسلام يجوز لأوليائه أن يعفوا عنه ويأخذوا الدية، أو القصاص مثل ما فعل بالمقتول. وأما الكتاب النصراني المقدس فإنّه يجازي القاتل بالقتل مع التمثيل بجثته، ولا يبيح العفو وأخذ الدّية (٢). وإذا اعترض المجادل على هذه الإيرادات بأنّها من العهد القديم، وقد نسخه العهد الجديد، فإنّ الذي قال بالنّسخ "بولس"، وأمّا صاحب الرسالة عيسى ﵇ فقد قال -كما في إنجيل متّى، ٥: ١٧ - ١٩: (لا تظنوا أني جئتُ لأبطل الشريعة أو الأنبياء، ما جئتُ لأبطل، بل لأُكْمِل. الحقَّ أقول لكم: لن يزول حرفٌ أو نقطةٌ من الشريعة حتى يَتمَّ كلُّ شيء، أو تزولَ السماء والأرض. فمن خالف وصيةً من أصغرِ تلك الوصايا وعَلَّم الناس أن يفعلوا مثله، عُدَّ الصغيرَ في ملكوت السموات. وأما الذي يعملُ بها ويعلِّمها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوت السموات). فإن كانوا على دين "بولس" فليعترضوا، وإن كانوا أتباعاً للمسيح فيلزمهم كل ما في النّاموس، وهو شريعة موسى ﵇. وتتمة النص السّابق من إنجيل متّى توضح هذا، فإنّ المسيح يقرر ما في التوراة من أحكام القصاص من القاتل، وتحريم الزنا، وتحريم أخذ أموال الغير بغير حق، والقصاص في الأعضاء؛ العين بالعين والسن بالسن، وغير ذلك. ثم يضيف عليها المسيح مفاهيم أوسع، مع الإبقاء على أصل الأحكام (٣).

стр. 338

وأمّا إجابة السؤال الثّاني فتحتاج إلى بحوث ورسائل مستقلة، وقد كُتب فيها في القديم والحديث، ولكنْ لعل من اللازم هنا ذكر ومضات وخلاصات في هذا الشأن، وذلك في النقاط التالية. أولاً: إنّ العقوبات المقررة في الإسلام تتلاءم مع المخالفات المرصودة لها، فيكون التخفيف فيما يقل ضرره وينحصر، والتشديد في المخالفات الخطرة، التي يؤدي التساهل فيها إلى انهيار الأخلاق، وفساد المجتمعات، ويتعدى ضررها إلى الأفراد والجماعات. وهذا ما لا نجده في عقوبات الكتاب المقدس، حين يقرر -مثلاً- قتل من سبّ أحد والديه، أو تقرب للجان، أو يوجب قطع يد المرأة التي تمسك بعورة من يخاصم زوجها (١)! ثانياً: إنّ الذي شرّع الحدود في الإسلام هو عالم الغيب والشّهادة، الخبير بمسالك النّفوس ودروبها، فجاءت لحكم عظيمة، منها الرّحمة بالمذنب حين يكون الحد كفّارة لما اقترف، والرحمة بالمجتمع حيث يسوده بتطبيق الحدود الأمن والبركة (٢). ثالثاً: الحدود في الإسلام محاطةٌ سلفاً بأسوار الوقاية، قبل أن تكون مُتبَعةً بأسواط العقوبة. «وقاعدة التشريع التي لا تنخرم؛ أنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم الأسباب والدّوافع الموصلة إليه، سدّاً للذريعة، وكفّاً عن الوقوع في حمى الله ومحارمه، ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشّمم، عن كافّة الرّذائل والطرائق الموصلة إليها» (٣). ففي الزنا -مثلاً- هناك وجوه من سدّ الذرائع، هي بمثابة الأحراز والحواجز بين المسلم والوصول لهذه الجريمة الأخلاقيّة؛ عدّ بعض المحققين منها عشرة أوجه (٤).

стр. 339

وهكذا الحال مع باقي المعاصي المرتَّب عليها حدودٌ شرعية. وتفصيل هذا الأمر يحتاج لبحث مستقل. رابعاً: ليست العقوبة في الإسلام غايةً في ذاتها، بدليل درء الحدود بالشبهات، والحث على الاستتار بستر الله لمن وقع في شيء منها، وبيان فضل من ستر مسلماً. فالحدود المقدرة شرعاً تسقط ولا تقام عند وجود شبهة أو التباس بالفعل أو المحل، شريطة أنْ تكون الشّبهةُ قويةً، وأن لا تكون في حقوق العباد (١). ومن وقع في شيء منها فتاب واستتر بستر الله كُفِي، بنص قوله ﷺ : (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله, فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) (٢). وقد جاء الحث على ستر المسلم، كما في قوله ﷺ : (ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة) (٣). خامساً: يوفر الإسلام للمتهم الضمانات الكافية بحيث لا يؤخذ بشيء لا يستحق المؤاخذة عليه، أو لم يثبت عليه ثبوتاً قطعيًّا. فلا يجوز تطبيق الحدّ إلا إذا كان مرتكب الجريمة بالغاً عاقلاً عالماً بالتّحريم (٤). وهناك من الضّوابط المشدّدة في إثبات هذه الجرائم على مرتكبيها ما يمنع وقوع الخطأ. ففي حالة الزنا -مثلاً- لا يقام الحد على الزّاني إلا إذا أقرّ به أربع مرات، أو شهد عليه أربعة شهود عدول رأوا فعل الزنا صريحاً بأم أعينهم. وهكذا باقي الحدود.

стр. 340

وإذا انتقلنا إلى السؤال الثالث، فإنّ العقل والمنطق والفطرة تؤيد أحكام العقوبات المفروضة في الإسلام. فكيف تكون العقوبة عقوبةً إلا إذا كانت رادعة زاجرة؟! وكيف يُقبل من الطّبيب بتر عضو من جسد المريض لاستبقاء باقيه، ولا يقبل القصاص من القاتل لاستبقاء باقي المجتمع؟! وإذا كان الوالد يضرب ابنه لغرض التأديب فيُستحسن منه الفعل، فالحال نفسه مع جلد شارب الخمر، والقاذف، والزّاني غير المحصن، ونحو ذلك. وكيف يأمن النّاس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم إذا لم تقم الحدود؟! إنّ النّاظر إلى جريمة الزنا وما فيها من خلط الأنساب وإهلاك الحرث والنّسل، وفاحشة اللواط وما فيها من شذوذ واعتداء، وجريمة القذف وما ينتج عنها من تدنيس أعراض المسلمين وتلطيخ جانب الأبرياء وإشاعة الفحش في المجتمعات، وجريمة السُّكر وما ينتج عنها من إذهاب العقول ومقارفة المساوئ، وجريمة القتل والحرابة وما تذهبه من الأمن والاستقرار؛ ليحمد الله تعالى على ما شرّع من حدود وعقوبات زاجرة. إنّ الذي يشفق على القاتل من حد السيف، ويتعامى عن المقتول الذي فقد حياته، وخلّف وراءه زوجة قد ترمَّلت، وأبناءً قد تيتَّموا، وحرموا مصدر أنسهم وإعالتهم؛ إنّه لشخص قد جانب الصّواب، وتنكّب سبيل العدل والإنصاف. وأمّا التساؤل الرّابع فتجيب عنه الإحصاءات الرّقميّة. توضِّح جداول مقارنات الجرائم في موسوعة ويكيبيديا تضاعف أعداد جرائم القتل في البلدان النصرانيّة عنها في البلاد الإسلاميّة، وخصوصاً تلك التي تطبق الحدود الشرعيّة (١). والنّاظر في أعداد الجرائم في البلاد النّصرانيّة تهوله الأرقام. ففي الولايات المتحدة الأمريكيّة سقط أكثر من ٦٦٦ ألف قتيل خلال ستة وثلاثين عاماً، من الفترة ما بين عام

стр. 341

١٩٦٠م إلى ١٩٩٦م، وفي عام ٢٠٠٦م لوحده كانت هناك أكثر من سبعة عشر ألف جريمة قتل (١). وسجلت في تلك الدولة أكثر من تسعين ألف جريمة اغتصاب عام ٢٠٠٨م، هذا عدا الحالات التي لا يبلغ عنها، بحيث تشير الإحصاءات هناك إلى أنّ١٥ إلى ٢٠% من النساء تعرضن لحالة اغتصاب واحدة على الأقل في حياتهن (٢). وطبقاً لإحصاءات الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية فإنَّ معدل الجرائم لديها كان: وقوع جريمةِ سرقةٍ عاديةٍ كل ثلاث ثوان، جريمةِ سطوٍ كل أربع عشرة ثانية، سرقةِ سيارةٍ كل خمس وعشرين ثانية، سرقةٍ مقترنة بالعنف كل ستين ثانية، جريمةِ اغتصابٍ كل ست ثوان، جريمة قتل كل إحدى وثلاثين ثانية (٣). ونتيجةً لهذا فإنّ هذا البلد يعد في مقدمة بلدان العالم من حيث عدد القابعين في سجونه، فقد تجاوز عددهم سبعة ملايين سجين مع نهاية العام الميلادي ٢٠٠٣. وهكذا نجد أنّ الدول الإسلاميّة قد حُميت بفضل الإسلام من غلواء الجرائم التي تتهدد الأنفس والأعراض والأموال والعقول، مع ما فيها من تقصير في تطبيق الحدود، ولو أنّ الحدود الشرعيّة التي سنّها الإسلام طُبّقت لانحسرت أعداد الجرائم إلى أرقامٍ غايةٍ في القلة (٤). «وقد امتحن العالم الإسلامي تنفيذ العقوبات الرادعة، فكان ثمرةُ ذلك أمناً شاملاً، واستقراراً كاملاً، جعل مجتاز البادية الغريب يأمن على ماله ونفسه وعرضه من عاديات اللصوص والقتلة وسائر المجرمين، بعد أن كانت مليئة بالمخاوف الشديدة والجرائم

стр. 342

الشنيعة» (١). قال الشيخ صالح الفوزان: «فلا تتم سياسة الملك إلا بزواجر عقوبات لأصحاب الجرائم، منها ينزجر العاصي ويطمئن المطيع وتتحقق العدالة في الأرض ويأمن النّاس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، كما هو المشاهد في المجتمعات التي تقيم حدود الله .. بخلاف المجتمعات التي عطلت حدود الله، وزعمت أنها وحشية، وأنها لا تليق بالحضارة المعاصرة، فحَرمت مجتمعاتها من هذه العدالة الإلهيّة، ومن نعمة الأمن والاستقرار» (٢). وقد خُدم هذا المجال -بحمد الله- بأبحاث وكتابات مطولة مفصلة يحسن الرجوع إليها (٣). وبهذا يتم الحديث عن أبرز الشّبهات حول بعض الجوانب التّشريعيةّ في الإسلام (٤)، وبه ينتهي هذا الفصل، ويعقبه الفصل الأخير، في دراسة الجهد الإسلامي المقاوم للتّنصير عبر الخدمات التفاعليّة.

стр. 343

الفصل الثالث واقع مواجهة التّنصير عبر الخِدْمات التفاعليّة وفيه تمهيدٌ وخمسةُ مباحث. تمهيد: استفادة المسلمين من الشبكة العالميّة في الذبّ عن الدّين. المبحث الأول: المواجهة باستخدام المنتديات الحواريّة. المبحث الثاني: المواجهة عبر المجموعات البريديّة. المبحث الثالث: المواجهة عبر خِدْمات المحادثة. المبحث الرابع: المواجهة عبر الشّبكات الاجتماعيّة. المبحث الخامس: المواجهة عبر مواقع مشاركة الملفات المرئيّة.

стр. 344

تمهيد: استفادة المسلمين من الشَّبكة في الذّبّ عن الدين أرسل اللهُ تعالى نبيّه محمداً ﷺ للعالمين نذيراً، للنّاس كافّةً، بالدين الخاتَم والكتاب المهيمن. فقام النبي ﷺ بواجب الدّعوة في إطار عالميّة الإسلام، وسار على ذات النّهجِ أصحابُه من بعده، ثم التابعون ومن تبعهم. وكان من تمام نعمة حفظ الدّين أنْ «جعلَ الله في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل؛ بقايا من أهل العلم يدعون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويَصبِرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العمى .. ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين» (١). فقام المسلمون بالدعوة إلى دين الله تعالى، والذّبّ عن كتابه وسنة نبيه ﷺ ، والرد على أهل البدع، مستخدمين في ذلك ما يُتاحُ لهم من وسائل، كالدّعوةِ المباشرة، والرّسائلِ والمكاتبات، والتّدريسِ والخطابةِ والمناظرة، والتأليفِ في فنون العلوم الدينيّة المختلفة، ولا سيَّما علمَ العقيدة، لأهميةِ ذلكَ وحاجةِ النّاس إلى بقاءِ عقيدتهم نقيّةً من شوائب المحدثات (٢). وكان لهم مصنّفاتٌ في الرّدّ على أهل الأديان الأخرى، ولا سيّما من كان لهم تعدٍّ على الإسلام، كالنّصارى (٣). ولأنّ الحكمةَ تقتضي من الدّاعي أنْ يستفيدَ من كلِّ الوسائل التي تخدِمُهُ في دعوته،

стр. 345

وتُوْصِلُهُ إلى المدعو؛ فقد استغلّ الدّعاة ما استجدّ من وسائل. وكان من أهمها القنواتُ الإعلاميّة التي يسَّرت الوصولَ إلى أعدادٍ كبيرةٍ من النّاس، في أماكنِ سكنِهم ووسائلِ تواصُلِهم وتنقُّلِهم. ولعلَّ من آخرِ ذلك وأهمِّه؛ وسيلةُ الشّبكة العالمية. وقد نهض الدّعاة إلى الاستفادة من إمكانات هذه الشّبكة بعدّة أوجه، نذكر بعضاً منها، مع بيان الضوابط المُثلى في الدّعوة عبر الخدمات التفاعليّة، وذلك في المطلبين التاليين، مستصحبين الجزم بأنّ توضيح ذلك بالشّكل الكافي يحتاج لأبحاث مستقلّة متعمِّقة. المطلب الأول: جوانب استفادة المسلمين من وسيلة الشبكة تعدَّدت أشكالُ الاستفادةِ من الشّبكةِ العالميّةِ في خِدمةِ الدِّين، ويمكن -بشكل مجمل- حصرها في الجانبيين التاليين: الجانب الأول: الجهد الإسلامي في نشر الإسلام، ومن أمثلته: أولاً: خدمةُ كتاب الله الكريم وذلك من خلال نشرِ النصّ القرآني، والعنايةِ بعلوم القرآن كالتفسير والتجويد والقراءات وغيرها، والتسجيلاتِ المرئيّة والصوتيّة لآلاف القراء، ونشرِ تراجم القرآن إلى اللغات المختلفة، والبثِّ المباشر للقراءة الصوتيّة في القنوات الفضائيّة والمحطّات الإذاعيّة، ونشرِ البرامج الحاسوبيّة الخادمة للقرآن الكريم بحثاً وتفسيراً وترجمةً وغيرَ ذلك. كما أُنشئت مواقع على الشّبكة للجهات الحكوميّة والخيريّة المعنيّة بالقرآن، وكذا مقرءات وحلقات التحفيظ. وأُنشئت حِلَقُ التحفيظ الالكترونيّة، التي يُشارك فيها دارسون من شتّى بلاد العالم. وكثُرت المواقع المعنيّة بتدبرِ القرآن، وتلمُّسِ جوانبِ الإعجاز فيه. ثانياً: خدمةُ السّنّة النبويّة

стр. 346

وذلك بِنَشر البرامج الحاسوبيّة الخادمة للسّنّة عرضاً وتخريجاً وشرحاً وبحثاً، ونشرِ دواوينِ السّنّة وعلومِها من مصطلحٍ وجرحٍ وتعديلٍ وتخريجٍ ونحوِ ذلك. ثالثاً: نشرُ العلم الشّرعي وذلك من خلال مواقعِ العلماء والمشايخ والدّعاة وطلبة العلم. وكذا مواقعِ الكتب والمطبوعات والمجلاّت والوسائط المتعددة ونحوها. كما تمّت الاستفادة من الإمكانات العصريّة في توفير الكتب والمخطوطات بشتى الصيغ، وكذا البرامج الحاسوبيّة التي تجمع ألوفاً من الكتب بشكل يَسْهُلُ معه البحثُ والطباعة. رابعاً: الحثُّ على الدّعوة إلى الله حيث يتنادى المسلمون إلى أن يقوم كلُّ مستخدمٍ للشبكة بما يستطيعه من أوجهِ الدّعوة إلى الله تعالى، عبرَ منافذِ الشّبكة كلِّها. مع بيانِ الطرق المثلى لتسخير خدمات الشبكة ومنافذها في نشر الإسلام وبيان محاسنه والدّعوة إليه في أوساط المسلمين وغيرهم. وفي كلِّ ما سبق، كانت الخِدماتُ التفاعليّةُ للشّبكة محلَّ اهتمامِ الدّعاةِ المسلمين لأجلِ خدمة الدّين ونشر الكتاب والسّنة والعلم الشّرعي (١).

стр. 347

الجانبُ الثّاني: الجهدُ الإسلاميُّ في الردِّ على المخالفين وكما وُجد جُهدٌ في نشر الإسلام، كان هناك أيضاً استفادةٌ من الشّبكة في جانب المدافعة. فقامت الجهود للدفاع عن القرآن الكريم، والرسول المصطفى ﷺ ، والسّنّة النبويّة، والشريعة الإسلاميّة. وأُنشئت المواقعُ الرادّة على المخالفين من المبتدعة أو أصحاب التيارات الفكريّة المخالفة، أو أتباع الأديان الأخرى. وكان من البارزِ تسخيرُ الخدماتِ التفاعليةِ للشبكة لأجل الوصول إلى المقصود من رد شبه المشبهين، ودفع هجومهم على الإسلام وتشويههم له بغيةَ زرعِ البغضِ له في قلوب المخالفين والمتبعين على حدٍّ سواء. ولهذا يأتي هذا الفصل من البحث لبيان الجهود الدّعويّة الإسلاميّة في الرّدّ على الهجوم النصراني على الإسلام، وذلك من خلال المنافذ الخمسة المختارة للخِدْمات التفاعليّة، على نفسِ ترتيبِ الدراسة في الفصل الأول من هذا البحث، وذلك بعرضِ الجهدِ الإسلاميِّ المقاومِ للتّنصير في كلِّ خدمة، مع تقييمه كمًّا ونوعاً بالنّظر إلى مقابِله في الجهد التّنصيري. ولكنْ قبل ذلك يحسن بيانُ ضوابط الدّعوة في الخدمات التفاعليّة، وذلك في المطلب التّالي. المطلب الثّاني: ضوابط الدّعوة في الخدمات التفاعليّة إنّ الشبكة العالميّة بشكل عام، وما فيها من خدمات تفاعليّة بشكل خاص؛ وسيلةٌ لها حضورها وأثرها الذي يكاد يكون محلَّ إجماع، إلى جانبِ إجماعِ أصحاب التّوجهات الدّعوية على ضرورة تسخيرها لخدمة العقائد والأفكار وغيرها. والدّعوة إلى الله تعالى في المنافذ النصرانيّة للخدمات التفاعليّة واجبٌ كفائي على الأمّة،

стр. 348

وحكمه في حقِّ الأفراد يتفاوت. فهو محرم في حقِّ غير المؤهل (١)، واجبٌ عينيٌّ على المؤهلِ الذي لا يوجد من يسدُّ مسدَّه، مندوبٌ فيما عدا ذلك. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز (٢) ﵀: «ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدَّامة، وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة، وانتشار الدَّعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضلِّلة، نظراً إلى هذا فإنَّ الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضاً عاماً وواجباً عاماً على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام، فَرْضٌ عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان، بالكتابة وبالخطابة وبالإذاعة وبكل وسيلة استطاعوها، وألا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على زيد أو عمرو، فإنَّ الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك، لأنَّ أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله والتشكيك في دينه ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله ، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات وبجميع الوسائل وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله» (٣). وليس الحديث هنا عن فضل الدّعوة ومكانتها وأحكامها وحِكَمها، فلذلك مواضعه في مصنفات العلماء ورسائلهم الكثيرة، ولكنَّ البيان مُوَجَّهٌ إلى الإرشادات التي ينبغي للدّاعية في الخدمات التفاعليّة للشبكة أن يأخذ بها، لكي يكون له تميّزٌ في دعوته، وأثرٌ وإسهامٌ في تحبيبِ

стр. 349

النّاس في دين الله، وتقريبِهم منه. ويمكن تقسيم هذه الضوابط إلى الأقسام التّالية: القسم الأول: ضوابطُ عامّة، ومنها: أن يكون الدّاعيةُ مخلصاً لله تعالى في دعوته، مبتغياً وجه الله دونَ سواه. أن يكون لديه من رسوخ العقيدة وقوّة اليقين وعُمق الإيمان؛ ما يحول بينه وبين التأثر بالشبهات (١). أن يكون على بصيرة بما يدعو إليه، لئلا يكون ضرره أكثر من نفعه، وإفساده أكثر من إصلاحه (٢). أن يكون قدوة للآخرين في استقامة أخلاقه، رحيماً بالمدعوين، يألف ويؤلف، يُخالط النّاس ويصبر على أذاهم، لا يحتقر المدعوين، بل يُنْزلهم منازلهم. أن يراعي التخصص، بأن يركز على الجانب الذي له فيه تمكن، في العقيدة، أو الفقه، أو الرد على الشبهات، أو بيان سماحة الإسلام وعظمة تشريعاته، ونحو ذلك. أن يتعلمَّ فنون المحاورة والمجادلة والإلقاء المؤثِّر، فالدّعوة تحتاج لكفاءة في التبليغ والتأثير ومعرفة النّفس البشريّة والاستفادة من الظّروف والأحوال (٣). وعلى الدّاعية أن يعرف الملائم في كلِّ وقتٍ من الأساليب الثلاثة؛ الحكمة بالمراوحة بين اللين والشِّدة، والموعظة الحسنة بالمراوحة بين التّرغيب والتّرهيب، والمجادلة بالأحسن من الحجج المقنعة (٤). القسم الثّاني: ضوابطُ تتعلق بدعوة النّصارى، ومنها: أن يفقهَ أولويات دعوة النّصارى، فيبدأَ بما بدأ به النبي ﷺ في توجيهه لمعاذ ﵁،

стр. 350

من الدّعوةِ للتوحيد ونبذ الشرك، ثم التدرجِ في عرض الأصول دون الخوض في التفصيلات الجزئيَّة، لا سيّما ما جُبل النصارى على النفور منه كالختان للرجال والحجاب للنساء. ولا يعني هذا التنازل عن شيء من دين الله، ولكنَّه التدرج الحكيم، حتّى إذا رسخ الإيمان في القلوب انقادت للالتزام بكل ما فيه. أن يكون لديه علمٌ واسعٌ بالنصرانيّة، من جهةِ العقائد والشعائر والطقوس والتّاريخ والفرق والكتاب النصراني المقدّس ونحو ذلك. أن تكون له عنايةٌ بالمصادر والمراجع الإسلاميَّة التي عُنيت بدعوة النّصارى ونقد ديانتهم وما يتعلق بها في القديم والحديث، ويمكن في سبيل ذلك الاستفادة من الرّسائل والبحوثِ الجامعيَّة، ومواقع الشبكة ومنافذ الخدمات التفاعليَّة فيها. أن يحدد قبل البدء في الدّعوة تصنيف الشخص المقابِل؛ هل هو من عامَّة النّصارى أم من علمائهم؟ هل لديه شكوك في دينه؟ هل سبق له تعرُّفٌ على الإسلام، وما طبيعة هذه المعرفة؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تُرشد الداعية إلى أمثل السّبل التي يحسن استخدامها مع المدعو. أن يتدرب على مناظرة النّصارى من خلال الإكثار من مطالعة المناظرات القويّة التي جرت بين المسلمين والنّصارى في القديم والحديث. أن يبتعد عن تجريح وانتقاص الأمور التي يعظمها النصراني، كالكتاب المقدّس والصليب والأيقونات والتماثيل -عند من يقدسها- لئلا يتسبب في نفرته من أول وهلة. عدم التسرع في رفض الشبهة والحكم على ما فيها من أحاديث بالضعف أو الوضع؛ قبل التثبت والتمحيص. الاهتمامُ بالدّاخل الجديد في الإسلام من النّصارى، والعملُ على تقويةِ إيمانه، وتعليمِه الدّين، والاستفادةِ من معرفته بالمجتمع النصراني. وتحسنُ الاستفادة من الجهود الدّعوية للمسلمين من أصول نصرانيّة (١).

стр. 351

القسم الثّالث: ضوابطُ تتعلق بالخدمات التفاعليّة النصرانيّة، ومنها: أن يكون لديه معرفة بأساسيات التعامل مع الخدمات التفاعليّة، وأن يسأل المتمكنين عن الميزات والإمكانات الموجودة فيها مما يفيده في جانب دعوته. أن يعرف واقعَ هذه الخدمات المليءَ بالشهوات المتنوعة، والشبهات التفصيليّة، والمتجرئين على الله ورسوله ﷺ ودينه بأقذع الشتائم والسباب بُغية الإساءة للمسلم بإسماعه ما يكره. أن يكون مستعداً للتعامل مع شبهات تفصيليّة قد لا يستحضر في الحال جوابَها، فيكونَ لديه من النباهة وسرعة البديهة ما يمكنه من حُسن التصرف. أن يكون على علمٍ مسبق بطرق التدليس والحيل التي يستخدمها بعض النّصارى في إيراد الشبه، وقد حوى هذا البحث شيئاً منها. أن يتفطن لمسألة جهالة المقابِل عيناً وحالاً وجِنساً وديانة، وأنّ هناك من التقنيات ما يُخفي جِهة المتحدث [الدولة التي يتحدث منها]، ويحوِّل الصوت من ذكوري إلى أنثوي، والعكس، وغير ذلك من التقنيات. أن يتفطن الدّاعية لمسألة التواصل مع الجنس الآخر، وأن يقيد ذلك بأطر الأوامر والنواهي الشرعية، مستأنساً بآراء العلماء العارفين بواقع هذه الخدمات (١). أن يكون فطناً ذكيًّا يمتلك مهارة المبادأةِ والمباغتة، حصيناً ضد استدراج المقابِل له المخطِّطِ لإفحامه وإلزامه الحجة. أن يستغلَّ فرصة تسهيل الخدمات التفاعليّة لوصول الدّاعية إلى عدد لا يُحصر من النّصارى المتحدثين بالعربيّة في شتّى بلاد العالم. ويَحْسُنُ أن يتقن اللغة الإنجليزيّة ليتمكن من

стр. 352

دعوة أضعاف أضعاف هذا العدد، وقد سهّلت بعض المواقع النشيطة طرق دعوة هؤلاء وإن لم يتقن الداعية التحدث بلغاتهم (١). أن يطّلع على أهم الأفكار الدّعوية الناجحة في هذا المجال، بقراءة ما كُتِبَ عن ذلك. وهناك مقالات كثيرة على الشّبكة حول هذا (٢). أن يكون لديه من الخبرة التقنية ما يساعده في كشف زيف المُقابل، كتحديدِ الدّولة التي يتحدث منها، أو تمييزِ الملف النّصّي أو الصوتيّ أو المرئي المعدّل بواسطة برامج التحرير الحاسوبيَّة، ونحو ذلك. أن يركز في دعوته على جانب من الخدمات التفاعليّة -كالمنتديات وغرف المحادثة مثلاً- فإنّ ذلك يُثمر الخبرةَ بهذا المجال، والمعرفةَ بأحوال الدّعاة النّصارى فيه، ومعرفةَ طرق الحيل والتدليس، ونقضَ أقوالهم بما يخالفها مما سبق لهم طرحه في ذات المنافذ. أن يعرفَ أنّ هذه المنافذ يستخدمها من دعاة النّصارى من قد يكون لهم تمكن علمي، وأسلوب بيانيٌّ ساحر، فيُعِدَّ العُدَّة لذلك. أن تكون له دراية تقنية بمخاطر استخدام الشّبكة من حيث الاختراق وسرقة البيانات أو إتلافها، ونحو ذلك. أن يستفيد من البرامج الحاسوبيّة الخادمة للدّعوة في الخدمات التفاعليّة، كتلك التي تبين درجة الأحاديث، أو تجمع الشبهات وردودها، أو تُدرِجُ نصوص القرآن والسُّنَّة وكتاب النّصارى المقدَّس مباشرة إلى غرف المحادثة في البالتوك، وغيرها من البرامج.

стр. 353

وهذه الضّوابط التي يرُجى من وراء تطبيقها تحقيقُ أكبر المصالح الدّعوية؛ سيتضح من خلال المباحث الخمسة التّالية أهميتها في ذلك، كما سيتضح عند تقييم واقع الجهود في الخدمات التفاعليّة محلَّ الدراسةِ؛ مدى التقيد بها.

стр. 354

المبحث الأول: المواجهة باستخدام المنتديات الحواريّة سبق في المبحث الأوّل من الفصل الأول؛ التّعريفُ بهذه الخدمة التّفاعليّة، والحديثُ عن المنتديات التنصيريّة التي اقتصرت على عرض الديانة النصرانيّة، أو جَمَعت إلى ذلك مهاجمةَ الإسلام ونقدَ ما يتعلق به. والحال نفسه هنا؛ فإنّ مقاومة العمل التنصيري عبر المنتديات يكون بالمنتديات التي تنشر الإسلام وتُعرِّفُ به، كما يكون بالمنتديات التي تتخصص بنقدِ النّصرانيّةِ، وكشفِ الجهودِ الدّعويّة للنّصارى من خلال الشّبكة العالميّة على وجهِ العموم. وسوف يتم التطرق إلى القسم الأول بشيء من الاختصار، مع الجزم بحاجته إلى بحوث مستقلّة تعطيه حقّه من العرض والمناقشة والتّحليل. وتفصيل ذلك في المطالب التّالية. المطلب الأول: المُنتدياتُ المقتصرةُ على عَرض الإسلام يُمكن لدارس هذا النّوعِ من المنتديات الإسلاميّة أن يخرج بالملحوظات التّالية (١): أولاً: كثرة المنتديات الإسلاميّة (٢). ثانياً: أنّ غالبَ المنتدياتِ الإسلاميّةِ عامّةٌ غيرُ مختصّةٍ بالعلوم الشّرعية، بل تضم قسماً عامًّا للموضوعات الدينيّة، وإلى جواره الأقسامُ المتنوعةُ في السياسة والاقتصاد والتقنية وغيرها.

стр. 355

ثالثاً: ادعاء هذه المنتديات جميعاً أنّها تمثّل الإسلام الحقّ (١). رابعاً: على الرُّغْمِ مِن كثرة المنتديات الإسلاميّة، إلا أنّنا إذا حصرنا النظر في المنتديات التي تنهج طريق الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهم أهل السنة والجماعة، فإنَّ العدد يقل كثيراً. وإذا كان المراد من هذه المنتديات أن تكون درعاً حصيناً ضد الجهود الدّعويّة التّنصيريّة؛ فإنّ المقاومة الحقّة لن تكون إلا بِسلاح السُّنَّة. خامساً: كثرة المنتديات الإسلاميّة المخالفة لمنهج السلف، المشتغلة بالردود على الطوائف الأخرى داخلَ الدّائرةِ الإسلاميَّة. وضررُ هذه المنتديات ظاهرٌ، وفيها ما يصد غيرَ المسلم عن الإسلام، كما أنّ فيها مستمسكاً للطّاعنين في الإسلام بطريق ضرب المسلمين بالمسلمين. سادساً: يُلحظ في مواقع المنتديات الإسلاميّة -بشكل عام- حسنُ التصميم والعرض، وكثرةُ أقسام المنتديات، وقوةُ الاعتماد على الوسائط المتعددة من صورٍ وملفاتٍ صوتيّةٍ ومرئيّة. سابعاً: بشكل إجمالي؛ تحوي المنتديات الإسلاميّة الأقسام التّالية (٢):
следующие страницы →