← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى «السُنَّةِ»، فإنْ رُوِيَ لهم خبر أخذوا به، ونزلوا على حكمه، وإنْْ لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد والرأي (١). وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصدِّيق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإنْ وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإنْ لم يجد في كتاب الله نظر في سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، فإنْ وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإنْ أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أنَّ رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإنْ لم يجد سُنَّةً سَنَّهَا النَّبِيُّ ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم (٢) .. وكان عمر ﵁ يفعل ذلك. هكذا كان منهج الصحابة جَمِيعًا في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أَنْ يتَّخذ بعض ما ورد عن الصحابة ذريعة لهواه، ونستعرض موقف بعض علماء الحديث في ذلك. ١ - رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ: قال: «احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لاَ عِلْمَ لَهُ وَلاَ مَعْرِفَةً مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَغَيْرِهِمْ، الطَّاعِنِينَ فِي السُّنَنِ، بِحَدِيثِ عُمَر هَذَا قَوْلُهُ: " أَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » .. وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سُنَنِ رسول الله ﷺ ، التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلاَّ بها، والطعن على أهلها ولا حُجَّةَ في هذا الحديث، ولا دليل على شيء مِمَّا ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم، منها:

стр. 107

- أنَّ وجه قول عمر كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه، إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك. - وقال غيره: إنَّ عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حُكْمًا ولا يكون سُنَّةً. - وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وَرَدَّهُ، لأنَّ الآثار الثابتة عن عمر خلافه، منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ أَنْ أَقُولَهَا [لاَ أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي] فَمَنْ وَعَاهَا وَعَقِلَهَا وَحَفِظَهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَلاَّ يَعِيَهَا فَإِنِّي لاَ أُحِلُّ [لأَحَدٍ] أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ ... » (١). وهذا يدل على أَنَّ نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ إنما كان خوف الكذب على رسول الله ﷺ ، وخوفًا من [أَنْ] يكونوا - مع الإكثار - يُحَدِّثُونَ بما لم يَتَيَقَّنُوا حِفْظَهُ، وَلَمْ يَعُوهُ، لأنَّ ضبط من قَلَّتْ روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم بالإقلال من الرواية، ولو كره الرواية، وَذَمَّهَا لنهي عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: «فَمَنْ حَفِظَهَا وَوَعَاهَا، فَلْيُحَدِّثْ بِهَا»، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم، بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله - صَلَّى اللهُ

стр. 108

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويأمرهم بالإقلال منه، وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه، بقوله: «مَنْ حَفِظَ مَقَالَتِي وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ» ثم قال: «وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعِيَهَا فَلاَ يَكْذِبْ عَلَيَّ» وهذا يُوضِّحُ لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على (بيان) (١) عن (الشعبي) وليس مثله حُجَّةٌ في هذا الباب، لأنه يعارض السُنَنَ وَالكِتَابَ. قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) ... وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ... ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه (٤) والتأسي به، والوقوف عند أمره، إلاَّ بالخبر عنه، فكيف يَتَوَهَّمُ أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به، وقد قال رسول الله ﷺ : «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ... » الحديث. وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه ﷺ ، وقال: «خُذُوا عَنِّي فِي غَيْرِ مَا حَدَّثْتُ وَبَلِّغُوا عَنِّي»، والكلام في هذا أوضح من النهار لأُولِي النُّهَى والاعتبار. ولا يخلو الحديث عن رسول الله ﷺ من أنْ يكون خَيْرًا أَوْ شَرًّا. فإنْ كان خَيْرًا ولا شك في أنه خير فالإكثار من الخير أفضل، وإنْ كان شَرًّا - فَلاَ (٥)

стр. 109

يجوز أن يَتَوَهَّمَ أَنَّ عمر يوصيهم بالإقلال من الشر (١). وهذ يَدُلُّكَ أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ ، وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن، لأنَّ المكثر لا تكاد تراه إلاَّ غير مُتَدَبِّرٍ ولا مُتَفَقِّهٍ. وذكر مسلم بن الحَجَّاجِ في كتاب " التمييز " ... عن قيس بن عُبادة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا، فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ فَقَدْ سَلِمَ». ومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يُرْوَى عن عمر أنه كان يقول: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ». فسَوَّى بينهما، ... وكتب عمر: «تعلَّمُوا السُنَّةَ وَالفَرَائِضَ وَاللَّحْنَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ» ... قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وَتَصَرُّفِهِ وَالحُجَّةُ بِهِ، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف بل في مواقف شتى: مَنْ عنده علم عن رسول الله ﷺ في كذا، نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط مَيِّتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك ... وكيف يَتَوَهَّمُ على عمر ما تَوَهَّمَهُ الذين ذكرنا قولهم وهو القائل: «إِيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا» ... وعمر أَيْضًا هو القائل: «خَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ »، وهو القائل: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ... ». ويقول ابن عبد البر: «وَقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الآثَارُ كُلُّهَا عَنْ عُمَرَ صَحِيحَةً مُتَّفِقَةً، وَيَخْرُجُ مَعْنَاهَا عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ، وَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا وَأَتْقَنَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ، وَأَنَّ الإِكْثَارَ يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى التَّقَحُّمِ فِي

стр. 110

أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ مِنَ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَغَثٍّ وَسَمِينٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم ... وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ ﵁ مَا ذَكَرْنَا لَكَانَتِ الحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ قَوْلِهِ، فَهُوَ الْقَائِلُ: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا وَبَلَّغَهَا» ... وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ»، رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم. اهـ.) (١). ٢ - رَأْيُ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ: قال الخطيب: «إنْ قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم (٢) عن رسول الله ﷺ ، وتشديده عليهم في ذلك، قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين، لأنه خاف أَنْ يتَّكِلُوا عن الأعمال وَيَتَّكِلُوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يَرِدُ الحَدِيثُ مُجْمَلاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أَنْ يُحْمَلَ حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه والحكم بخلاف ما أخذ، ونحو هذا، الحديث الآخر ... عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عُفَيْر فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ»، قُلْتُ: أَفَلاَ

стр. 111

أُبَشِّرَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: «لاَ، فَيَتَّكِلُوا» (١) ... وَأَخْبَرَنَا الحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطُّومَارِيُّ كُنَّا عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ايْشِ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَلِيٍّ، وَقَدْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (٢)، لاَ تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ»؟ قَالَ: أَشْفَقَ [عَلَيْهِمَا] مِنَ التَّقْصِيرِ فِي العَمَلِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: وَكَذَلِكَ نَهَى عُمَرُ الصَّحَابَةَ أَنْ يُكْثِرُوا رِوَايَةَ الحَدِيثِ إِشْفَاقًا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَنْكُلُوا عَنِ العَمَلِ إنْكَالاً عَلَى الحَدِيثِ. وَفِي تَشْدِيدِ عُمَرَ أَيْضًا عَلَى الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَاتِهِمْ، حِفْظٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَرْهِيبٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُدْخِلَ فِي السُّنَنِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، لأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحَابِيَّ المَقْبُولَ القَوْلِ، المَشْهُورِ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَدْ تَشَدَّدَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ، كَانَ هُوَ أَجْدَرَ أَنْ يَكُونَ لِلْرِّوَايَةِ أَهْيَبَ) (٣). وبهذا يسلم حديث رسول الله ﷺ ، فلا يتطرق إليه الكذب، ولا يزاد عليه ما ليس منه. وروى الخطيب عن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: «سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى المِنْبَرِ بِدِمِشْقَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ حديثاً كَانَ يُذْكَرُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ

стр. 112

فِي اللهِ » (١). وإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله ﷺ حديث السلام، لكن فعله على الوجه الذي بَيَّنَّاهُ من الاحتياط، لحفظ السنن والترهيب في الرواية والله أعلم. انتهى (٢). مما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ الصحابة جَمِيعًا كانوا يَتَثَبَّتُونَ في الحديث، وَيَتَأَنَّوْنَ في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلاَّ وهم واثقون من صحة ما يَرْوُونَ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تفضي إلى ذلك، فاتَّبعوا مَنْهَجًا سَلِيمًا يمنع الشوائب من أنْ تدخل السٌنَّةَ النَّبَوِيَّةَ فتفسدها. وقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وتميز منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقد ظهر لنا مما رُوِيَ عنه اهتمامه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وإجلاله للحديث الشريف. وَإِنَّ الأخبار التي رويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُنَّةِ، ومن ثم ليس لأحد أنْ يرى تَنَاقُضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السُنَنِ والترهيب من الرواية، وأما من كان يتقن ما يُحَدِّثُ به ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر ﵁، فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُنَّةِ ونشرها وتبليغها صحيحة، وَلاَ يَتَيَسَّرُ نشرها صحيحة مَا لَمْ يَتَثَبَّتْ حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظن عدم

стр. 113

الوقوع في الخطأ، ولهذا أمر به ﵁. وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي وغيرهما من أئمة الحديث، وإليه أَذْهَبُ، وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السُنَّةِ، بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها. وقبل أنْ نختتم هذا الفصل لاَ بُدَّ مِنْ أنْ نَتَعَرَّضَ لما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أنه حبس بعض الصحابة لأنهم أكثروا الرواية عن رسول الله ﵊! فنتناول هذا الخبر من حيث صحته، ثم لو صَحَّ هذا الخبر فكيف كان ذلك الحبس؟ روى الحافظ الذهبي (١) عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أَنَّ عمر حبس ثلاثة: «ابْنَ مَسْعُودٍ (٢) وَأَبَا الدَّرْدَاءَ (٣)، وَأَبَا مَسْعُودَ الأَنْصَارِيَّ (٤)، فَقَالَ: " قَدْ أَكْثَرْتُمْ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ "». هؤلاء ثلاثة من جِلَّةِ أصحاب الرسول ﷺ ، وأتقاهم وأورعهم. هل يعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟ وهل يكفي أنهم أكثروا من الرواية؟.

стр. 114

إِنَّ المرء ليقف متسائلاً أمام هذا الخبر ويعتريه الشك فيه، ويتبادر إلى نفسه أن يتساءل عن الحد الذي يمكن أن يعرف به الإقلال والإكثار! وقد ناقش الإمام ابن حزم هذا وَرَدَّهُ، وقال: «هَذَا مُرْسَلٌ وَمَشْكُوكٌ فِيهِ مِنْ (شُعْبَةَ) فَلاَ يُصِحُّ وَلاَ يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِهِ، ثَمَّ هُوَ فِي نَفْسِهِ ظاهِرُ الْكَذِبِ وَالتّوْلِيدِ، لأَنَّه لاَ يَخْلُو عُمَرُ مِنْ أَنْ يُكُونَ اِتَّهَمَ الصَّحَابَةَ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ، أَوْ يُكُونَ نَهَى عَنْ ' نَفْسِ الحَديثِ '، وَعَنْ تَبْلِيغِ سَنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى المُسْلِمِينَ، وَأَلْزَمَهُمْ كِتْمَانَهَا وجَحْدِهَا وَأَنْ لاَ يَذْكُرُوهَا لأَحِدُ، فَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الإِسْلاَمِ '، وَقَدْ أَعَاذَ اللهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَلَئِنْ كَانَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مُتَّهَمِينَ فِي الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا عُمَرُ إلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهَذَا قولٌ لاَ يَقُولُهُ مُسَلِمٌ أَصْلاً، وَلَئِنْ كَانَ حَبَسَهُمْ وَهُمْ غَيْرُ مُتَّهَمِينَ لَقَدْ ظَلَمَهُمْ، فَلْيَخْتَرْ المُحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ الفَاسِدَ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَاتِ المَلْعُونَةِ أََيَّ الطَّرِيقَتَيْنِ الخَبِيثَتَيْنِ شَاءَ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا ... ». ثُمَّ قَالَ: «وَقَدْ حَدَّثَ عُمَرُ بِحَديثِ كَثِيرِ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى خَمْسَمِائَةِ حَدِيثٍ وَنَيِّفًا عَلَى قُرْبِ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهُوَ كَثِيرُ الرُّوَاِيَةِ، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ رِوايَةَ مِنْه إلاَّ بِضْعَةً عَشَرَ مِنْهُمْ» (١). وَلَوْ سَلَّمْنَا جَدَلاً بِصِحَّةِ الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، بينما يذكر ابن حزم - ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، فهل تَكَرَّرَ الحبس من عمر؟ ولو تَكَرَّرَ لاشتهر ثم إِنَّ حادثة كهذه سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين، لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سَلَّمْنَا أَنَّ العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه

стр. 115

بعض الصحابة دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم، لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حَدِيثًا، ولم يَرِدْنَا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة، هم فيها سواء، وهي الإكثار من الحديث، مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا عُمَرُ ﵁، فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة مَثَلاً وهو أكثر حَدِيثًا منهم. فقد رُوِيَ عن أبي هريرة (٥٣٧٤) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حَدِيثًا وعن ابن مسعود (٨٤٨) ثمانمائة وثمانية وأربعون حَدِيثًا، وعن أبي الدرداء (١٧٩) مائة وتسعة وسبعون حَدِيثًا، وعن أبي ذر (٢٨١) مائتان وواحد وثمانون حَدِيثًا (١). فإن قيل إِنَّ أبا هريرة لم يكثر من الرواية في عهد عمر ﵁ لأنه خَشِيَهُ. فنقول لِمَ لَمْ يَخْشَهُ هَؤُلاَءِ؟ بل إِنَّ عمر نفسه سمح لأبي هريرة أن يروي عن رسول الله ﷺ ، عندما عرف وَرَعَهُ وَخِشْيَتَهُ مِنَ اللهِ ، روى الذهبي عن أبي هريرة قال: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ). قَالَ: أَمَا لاَ، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ (٢)». فهل يتصور إنسان أن يحبس عُمَرُ ابنَ مسعود وأبا الدرداء وأبا ذَرٍّ أو أبا مسعود الأنصاري وقد عرف حفظهم وورعهم؟ بل إِنَّ أمير المؤمنين امْتَنَّ على أهل العراق كما أسلفنا عندما أرسل

стр. 116

إليهم عبد الله بن مسعود فكتب إلى أهل الكوفة: «إِنِّي وَاللهِ الذِي لاَ إِلَهُ إِلاَّ هُوَ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي فَخُذُوا مِنْهُ» (١) وَذَكَرَ عُمَرُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا آثَرْتُ بِهِ أَهُلَ القَادِسِيَّةِ» (٢) كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه!!؟ وما ورد على حبس ابن مسعود يرد على حبس الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن .. وبهذا البيان، لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة ﵃، لأنهم أكثروا من الرواية عن رسول الله ﷺ ، بل إنه يُرْوَى عن ابن مسعود أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ يَفْعَلُهُ؟ وقد رُوِيَ عنه قوله: «لَيْسَ العِلْمُ بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّ العِلْمَ الخَشْيَةَ» (٣). وفي رواية سعيد بن إبراهيم عن أبيه، التي ذكرها الخطيب البغدادي، ما يدل على أنه استبقاهم في المدينة حتى عرف لفظهم سواء. وهذه هي رواية الخطيب. قال: «بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَإِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَإِلَى أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ: " مَا هَذَا الحَديثُ الذِي تُكْثِرُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَحَبَسَهُمْ بِالمَدِينَةِ حَتَّى اِسْتَشْهَدَ لَفْظَهُمْ سَواءَ» (٤). فيكون هذا من باب تَثَبُّتِ عُمَرَ ﵁ في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لَمْ يَزُجَّ بهم في السجن، بل استبقاهم في المدينة ريثما يَتَثَبَّتُ من لفظهم، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلاَ ضَيْرَ عَلَيْهِمْ.

стр. 117

ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا - وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة - ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابْنِ البُرِّيِّ من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه (*): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، حَبَسَ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: «قَدْ أَكْثَرْتُمُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ البُرِّيِّ: يَعْنِي مَنَعَهُمُ الحَدِيثَ، وَلَمْ يَكُنْ لِعُمَرَ حَبْسٌ (١). فقد فَسَّرَ ابْنُ البُرِّيِّ الخبر تَفْسِيرًا جَيِّدًا وَإِنْ جَاءَ مُقْتَضَبًا، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث، خَوْفًا مِنْ أَنْ لاَ يَتَدَبَّرَ السامعون كلام رسول الله ﵊ إذا كثر عليهم. كل ما سبق ينفي صحة ما ورد من أخبار حول حبس عمر ﵁ للصحابة لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله ﷺ . وفي عهد التابعين ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار، ثم ما لبث التابعون أَنْ تَصَدَّرُوا للرواية، ومع هذا سلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى، وليس بَعِيدًا ما تقول، لأنهم تَخَرَّجُوا في مدارس الصحابة تلامذة رسول الله ﵊، فنسمع الشعبي - وهو أحد كبار التابعين الحفاظ الثقات - يقول: «لَيْتَنِي انْفَلَتُّ مِنْ عِلْمِي كَفَافًا لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي» (٢). وكأنه يشعر بأنه أكثر من التحديث فيقول: «كَرِهَ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُونَ الإِكْثَارَ مِنَ الحَدِيثِ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا حَدَّثْتُ إِلاَّ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الحَدِيثِ (٣)». وكان شُعْبِةُ بْنُ

стр. 118

الحَجَّاِج يقول: «التَّدْلِيسُ فِي الحَدِيثِ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ; وَلأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» (١). وفي رواية عنه أنه كان يقول: «لأَنْ أَقَعََ مِنْ فَوْقِ هَذَا القَصْرِ - لِدَارٍ حِيَالَهُ (٢) - عَلَى رَأْسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ: قَالَ فُلاَنٌ، لِرَجُلٍ تَرَوْنَهُ، أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ ذَاكَ مِنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ» (٣). وَمِنْهُمْ مِنْ كَانَ يَقْتَصِدُ فِى رِوايَةَ الحَديثِ عَلَى طُلاَّبِهِ لِيَفْهَمُوا مَا يُحَدِّثُهُمْ بِهِ وَيَعْقِلُوهُ وَيَتَدَبَّرُوهُ، وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاء، قَالَ: «كُنَّا نَأْتِي أَبَا قِلاَبَةَ، فَإِذَا حَدَّثَنَا بِثَلاَثَةِ أَحَادِيثَ قَالَ: قَدْ أَكْثَرْتُ» (٤)، وَيُؤَكِّدُ هَذَا مَا قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ: «إِنَّمَا عَابُوا الإِكْثَارَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرْتَفِعَ التَدَبُّرُ وَالتَّفَهُّمُ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا حَكَاهُ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلَنِي الأَعْمَشُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَا وَهُوَ لاَ غَيْرَ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا يَا يَعْقُوبُ؟ فَقُلْتُ: بِالحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثْتَنِي أَنْتَ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ، فَقَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ إِنِّي لأَحْفَظُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَبَوَاكَ (٥) مَا عَرَفْتُ تَأْوِيلَهُ إِلَى الآنَ» (٦). وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا: أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ الأَعْمَشِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِ الأَعْمَشِ: «أَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» (٧).

стр. 119

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَثَبُّتُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي قَبُولِ الحَدِيثِ: وكما احتاط الصحابة والتابعون في التحديث، احتاطوا وَتَثَبَّتُوا في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ وسنعرض هذا فيما يلي: [أ] تَثَبُّتُ أَبِي بَكْرٍ الصِدِّيقَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ: كان أبو بكر ﵁ قُدوة حسنة للمسلمين في المحافظة على السُنَّةِ، والتثبت في قبول الأخبار خشية أن يقع ويقع المسلمون في خطأ يُؤَدِّي بهم إلى ما لا تحمد عُقْبَاهُ. وَسَأُورِدُ بعض الأخبار التي تُبَيِّنُ لنا طريق الصحابة ومنهجهم في ذلك. ١ - قال الحافظ الذهبي: «كَانَ أَبُو بَكْرٌ ﵁، أَوَّلَ مَنْ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ، فَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ قَُبَيْصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنََّ الجَدََّةَ جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَلْتَمِسُ أَنْ تُوَرَّثَ، فَقَالَ: " مَا أَجِدُ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ ذَكَرَ لَكِ شَيْئًا "، ثُمَّ سَأَلَ النَّاسَ فَقَامَ المُغيرَةُ فَقَالَ: " سَمِعُتُ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ يُعْطِيهَا الْسُّدُسَ ". فَقَالَ لَهُ: " هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ " فَشَهِدَ مُحَمَّدٌ بْن مَسْلَمَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُوْ بَكْرٍ ﵁» (١). ٢ - عَنْ يُونُسَ «بْنَ يَزِيدٍ» (٢) عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَ رَجُلاً

стр. 120

حَدِيثًا فاستفهمه الرجل إياه، فقال أبو بكر: «هُوَ كَمَا حَدَّثْتُكَ، أََيُّ أَرْضٍ تَقِلُنِي إِذَا أَنَا قُلْتُ مَا لَمْ أُعْلَمْ!؟». وَصَحَّ أنَّ الصِدِّيقَ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، والفُجُورُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» (١). فأبو بكر يُبَيِّنُ للناس جَمِيعًا أنه لا يُحَدِّثُ إلاَّ بما يعلم ويثق منه، ثم إنه لم يكتف بالحيطة لنفسه، بل أمر الناس بذلك أَيْضًا، وَحَثّهُمْ على التثبت فيما يُحَدِّثُونَ به أو يستمعونه، ومن ذلك ما رواه الذهبي من مراسيل ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَنَّ الصِدِّيقَ جَمَعَ النَّاسَ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهِمْ فَقَالَ: إِنَّكُم تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُول الله ﷺ أَحَادِيثَ تَخْتَلِفُونَ فِيهَا وَالنَّاسُ بَعْدَكُمْ أَشَدُّ اخْتِلاَفًا فَلاَ تُحَدِّثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا فَمَنْ سَأَلَكُمْ فَقُولُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ اللهِ فَاسْتَحِلُّوا حَلاَلَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ». ثم قال الذهبي: «يَدُلُّكَ (هَذَا) أَنَّ مُرَادَ الصِدِّيقِ التَثَبُّتَ فِي الأَخْبَارِ وَالتَحَرِّي، لاَ سَدَّ بَابَ الرِّوَايَةِ، أَلاَ تَرَاهُ لَمَّا نَزَلَ بِهِ أَمْرُ الجَدَّةِ وَلَمْ يَجِدْهُ فِي الكِتَابِ كَيْفَ سَأَلَ عَنْهُ فِي السُّنَنِ، فلَمَّا أَخَبَرَهُ مَا اكْتَفَى حَتَّى اسْتَظْهَرَ بِثِقَةٍ آخَرَ، وَلَمْ يَقُلْ حَسْبُنَا كِتَابَ اللهِ كَمَا تَقُولُهُ الخَوَارِجُ» (٢). [ب] تَثَبًّتُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ: ١ - روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي

стр. 121

فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ». فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ» (١) أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «وَاللَّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ القَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ» (٢). فَقَالَ عُمَرُ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣). ٢ - روى مسلم عن المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ المَرْأَةِ (٤)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ (٥) عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ (٦). ٣ - وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى: أَخَبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالِ: كَانَ لِلْعباسِ بَيْتٌ فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَضَاقَ المَسْجِدُ عَلَى النَّاسِ فَطَلَبَ إِلَيْهِ

стр. 122

عُمَرُ البَيْعَ فَأَبَى فَذَكَرَ الحَدِيثَ (١) وَفِيهِ: فَقَالَ عُمَرُ لأُبَيٍّ: «لِتَأْتِينِي عَلَى مَا تَقُولُ بِبَيِّنَةٍ، فَخَرَجَا فَإِذَا نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَذَكَرَهُمْ، قَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا هَذَا (٢) مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ» (٣). ٤ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ

стр. 123

وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ: نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِهِ أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» قَالُوا: «اللهُمَّ نَعَمْ» (١). [ج] تَثَبُّتُ عُثْمَانٍ ﵁ فِي الحَدِيثِ: عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَتَى عُثْمَانُ الْمَقَاعِدَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَرِجْلَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ هَكَذَا يَتَوَضَّأُ، يَا هَؤُلاءِ أَكَذَاكَ؟» قَالُوا: نَعَمْ. لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَهُ (٢). [د] تَثَبُّتُ عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي الحَدِيثِ: وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قال: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٌ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» (٣). تِلْكَ آثارٌ تُبَيِّنُ مَنْهَجَ الصَّحَابَةِ فِي التَثَبَُتِ وَالتَّأَكُّدِ مِنَ الأَخْبَارِ، وَهَذَا لاَ يَعْنِي أَبَدًا أَنَّ الصَّحَابَةَ اِشْتَرَطُوا قَبُولَ الحَديثِ، أَنْ يَرْوِيهِ رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ،

стр. 124

أو أنْ يشهد الناس على الراوي أو أنْ يستحلف، فإذا لم يحصل شيء من هذا رَدَّ خبره!! بل كان الصحابة يَتَثَبَّتُونَ في قبول الأخبار، ويتبعون الطريقة التي ترتاح إليها ضمائرهم، فأحيانًا يطلب عمر سماع آخر، وأحيانًا يقبل الخبر من غير ذلك، ولا يقصد من وراء عمله إِلاَّ حمل المسلمين على جادة التثبت العلمي والتحفظ في دين الله حتى لا يتقول أحد على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ويتضح هذا في قول عمر ﵁ عندما رجع أبو موسى الأشعري مع أبي سعيد الخُدري وشهد له، قال عمر: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١). ويظهر ذلك أَيْضًا من قول الذهبي بعد أن روى قصة أبي موسى: «أَحَبَّ عُمَرُ أَنْ يَتَأَكَّدَ عِنْدَه خَبَرَ أَبِي مُوسَى بِقَوْلِ صَاحِبٍ آخر، فَفِي هَذَا دَليلَ عَلَى أَنَّ الخَبَرَ إذَا رَوَاهُ ثِقَتَانِ كَانَ أَقْوَى وَأَرْجَحَ مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ , وَفِي ذَلِكَ حَضٌّ عَلَى تَكْثِيرِ طُرُقِ الحَديثِ لِكَيْ يَرْتَقِي عَنْ دَرَجَةٍ الظَّنِّ إِلَى دَرَجَةِ العِلْمِ، إِذْ الوَاحِدُ يَجُوزُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ وَالوَهْمُ , وَلاَ يُكَادُ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى ثِقَتَيْنِ لَمْ يُخَالِفْهُمَا أَحَدٌ» (٢). وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ بَعْدَ إِيرَادِ طَرِيقَةً الصِدِّيقِ فِي التَثَبُّتِ: «إِنَّ مُرَادَ الصِدِّيقِ التَثَبُّتَ فِي الأَخْبَارِ وَالتَحَرِّي، لاَ سَدَّ بَابَ الرِوَايَةِ» (٣). وكما طلب الصحابة من الراوي شهادة غيره أَيْضًا، قبلوا أحاديث كثيرة برواية الآحاد وَبَنَوْا عليها أحكامهم. ومن الغريب أن يجعل بعض المُتَطَرِّفِينَ في الإسلام عمل الصحابة هذا دُسْتُورًا في قبول الأخبار ولا يجعلون قبول الصحابة خبر الآحاد دُسْتُورًا لهم

стр. 125

أَيْضًا بَلْ يَردُّونه ولا يقبلونه، وقد حكى ذلك الحافظ أبو بكر محمد بن أبي عثمان الْحَازِمِيُّ (١) عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قال شيخ الإسلام (ابن حجر): «وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ خِلاَلِ كَلاَمِ الحَاكِمِ فِي " عُلُومِ الْحَدِيثِ "، وفي " الْمَدْخَلِ " ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَيَانَجِيُّ (٢) فِي كِتَابِ " مَا لاَ يَسَعُ الْمُحَدِّثَ جَهْلُهُ ": «شَرْطُ الشَّيْخَيْنِ فِي " صَحِيحِهِمَا " أَنْ لاَ يُدْخِلاَ فِيهِ» (٣) إِلاَّ مَا صَحَّ عِنْدَهُمَا، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَأَكْثَرُ، وَأَنْ يَكُونَ (٤) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ». انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ: «وَهُوَ كَلاَمُ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ " الصَّحِيحَيْنِ " أَدْنَى مُمَارَسَةٍ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ فِي الكِتَابَيْنِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمَا أَبْعَدَ». وَقَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ فِي " شَرْحِ المُوَطَّأِ ": «كَانَ مَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ (البُخَارِي وَمُسْلِمٌ) أَنَّ الحَدِيثَ لاَ يَثْبُتُ حَتَّى يَرْوِيهِ اثْنَانِ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، بَلْ رِوَايَةُ الوَاحِدِ عَنِ الوَاحِدِ صَحِيحَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ » (٥).

стр. 126

يقول الدكتور السباعي: «وَاِنْتَقَلَ هَذَا الفَهْمُ (أَنْ لاَ يَقْبَلَ الصَّحَابَةُ إِلاَّ مَا رَوَاهُ اثْنَانِ) إِلَى كَثِيرِ مِمَّنْ كَتَبَ فِي تَارِيخِ التَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ وَتَارِيخِ السُنَّةِ فِي العَصْرِ الحَديثِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَهُمْ قََضِيَّةً مُسَلَّمَةً لاَ يَذْكُرُونَ غَيْرَهَا، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَسَاتِذَتُنَا الأَجِلاَّءُ مُؤَلِّفُو " مُذَكَّرَةَ تَارِيخِ التَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ " فِي كُلًيَةِ الشَّرِيعَةَِ بِالأَزْهَرِ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي " بَابَ شُرُوطِ الأَئِمَّةِ لِلْعَمَلِ بِالحَديثِ " أَنَّ هَذَا كَانَ شَرْطُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍِّ، لِلْعَمَلِ بِالحَديثِ» (١). إِنَّ تثبت الصحابة في بعض الأحايث بطلب رَاوِيَيْنِ للخبر لم يكن شرطًا لقبول جميع المروايات، بل قبلوا أخبارًا كثيرة عن مُخْبِرٍ واحدٍ، وعملوا بها في مواضع كثيرة، مِمَّا يَدُلُّ على أنهم ﵃ كانوا يطلبون الراوي الثاني لمجرد التثبت والتأكد، لاَ لأَنَّ الخبر لا يثبت عندهم إلاَّ بِرَاوِيَيْنِ، والأخبار التي قَبِلَهَا الخلفاء الأربعة وغيرهم برواية آحَادٍ أكثر بكثير من الأخبار التي طلبوا فيها رَاوِيَيْنِ، وإليكم بعض تلك الآثار: ١ - عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، وَلاَ تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ»، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ (٢).

стр. 127

٢ - عَنْ طَاوُوسَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ﵁، قَالَ: " أُذَكِّرُ اللهَ امْرَأً سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الجَنِينِ شَيْئًا " فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: " كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي - يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ - فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ (١) فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِغُرَّةٍ " فَقَالَ عُمَرُ ﵁: " لَوْ لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ "» (٢). ٣ - «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ , حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ , لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ (٣) , أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ , وَأَصْحَابُهُ , فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ» (٤). وَاِسْتَشَارَ المُهَاجِرِينِ وَالأَنْصَارَ وَمَشْيَخَةَ قُرَيْشِ مِنْ مُهَاجَرَةِ الفَتْحِ، وَاِخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ حَتَّى جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا , إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ , فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ , وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا , فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ " (٥) قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ ﵁ بِالنَّاسِ لِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵃ جَمِيعًا -. ٤ - رَوَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ (زَيْنُ العَابِدِينَ): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ المَجُوسَ. فَقَالَ: " مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي

стр. 128

أَمْرِهِمْ؟ " فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (١) ٥ - وَقَبِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ خَبَرَ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ في المسح عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَمَرَ ابْنَهَ عَبْدَ اللهِ أَلاَّ يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَلا تَرُدَّ عَلَيْهِ، " فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ "» (٢). وفي رواية: «إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا فَلا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ» (٣). وهذا دليل واضح على قبول خبر الآحاد، حتى إنَّ عُمَرَ ينهى ابنه عن أنْ يسأل غير سعد إذا حَدَّثَهُ سعدٌ عن رسول الله، ولو كان شرط عمر عدم قبول الخبر إلاَّ عن رَاوِيَيْنِ لأَمَرَ ابنه أَنْ يطلب مع سَعْدٍ رَاوِيًا آخر، ولم ينهه عن سؤال غيره. ٦ - وأراد رجم مجنونة حتى أُعْلِمَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ (٤)»، فَأَمَرَ أَنْ لاَ تُرْجَمَ. وأمر برجم مولاة حَاطِبٍ، حَتَّى ذَكَّرَهُ عثمان بِأَنَّ الجاهل لاَ حَدَّ عليه، فأمسك عن رجمها (٥).

стр. 129

٧ - وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي ﷺ أمره بالمساواة بينها، فترك قوله وأخذ بالمساواة (١). ٨ - وقد اشتهر خبر تناوب عمر ﵁ وجاره في حضور حلقات الرسول ﷺ ، وفيه يقول عمر: « ... يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ... » (٢). وهذا إقرار من أمير المؤمنين ﵁ بقبول خبر جاره، ولا فرق بين جاره وغيره ممن تقبل روايته. وهكذا نرى من تلك الأخبار وغيرها أَنَّ عمر ﵁ لم يشترط لقبول الأخبار راويين، وما صدر منه مع أبي موسى ﵁ بَيَّنَ سببه بنفسه كما سبق أنْ ذكرت ذلك، وكان من باب الاحتياط والتثبت، لا من باب عدم قبول الخبر إِلاَّ مِنْ رَاوِيَيْنِ. ومثل هذا يقال في بقية الأخبار التي طلب فيها رَاوِيَيْنِ. وأما ما ذكر عن موقف أبي بكر ﵁، وَتَثَبُّتِهِ فِي قبول الأخبار، فإنه لا يعدو باب الاستظهار والاستيثاق، ثم إنه لم يرو عنه أنه طلب رَاوِيًا آخر إلاَّ في تلك الحادثة التي ذكرها الإمام الذهبي، وقد رَدَّهَا ابن حزم (٣) وَأَعَلَّهَا بالانقطاع، فهي لا تصلح مِقْيَاسًا صَحِيحًا لشرط أبي بكر في قبول الأخبار، وهو

стр. 130

الذي قبل أخبارًا كثيرة برواية مخبر واحد. وقد سبق أنْ بَيَّنْتُ منهجه في حكمه وقضائه كما ذكره ابن القيم، ولم يذكر أنه كان يطلب ممن يأتيه بالخبر شاهدًا على ما يقول ... وقد قَبِلَ خَبَرَ عَائِشَةَ ﵂ فِي كَفَنِ الرَّسُولِ ﷺ (١). وأما عثمان ﵁ فَإِنَّه لَمْ يَطْلُبْ رَاوِيَيْنِ لَكُلِّ خَبَرٍ، وَكُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ أَنَّهُ اِسْتَشْهَدَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ وَضُوءَهُ، لِيُؤَكِّدُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ عَمَلَ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، فَقَدْ سَأَلَ الفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكٍ بْنَ سِنَانِ أُخْتَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ عَنْ عِدَّتِهَا لِوَفَاةِ زَوْجِهَا (٢)، وَقَضَى بِخَبَرِهَا. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ من استحلاف مُخْبِرِيهِ، فَإِنَّ هذا لم يكن منهجه وديدنه في قبول جميع الأخبار، بل قَبِلَ بعض الأخبار من غير أَنْ يستحلف الرُوَاةَ، فَقَبِلَ أخبار أبي بكر - كما ذكر هو نفسه - ولا فرق بين أبي بكر ﵁ وغيره ممن تقبل روايته، كما عمل بخبر المقداد بن الأسود في حُكْمِ المَذْيِ (٣) من غير أنْ يحلفه. وهكذا يتبين لنا أَنَّ الخلفاء الأربعة لم تكن لهم شروط خاصة لقبول الأخبر، وَأَنَّ كل ما روي عنهم مما يوهم ذلك لا يعدو التثبت والاستظهار، وقد قبلوا أخبار الآحاد كما قبلها غيرهم من عامة الصحابة وعلمائهم. وكل ما صدر

стр. 131

عنهم كان في سبيل المحافظة على السُنَّةِ الطَّاهِرَةِ. [هـ] ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتمامًا من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث، فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم، وَإِنَّ من يتتبع تاريخ الرُوَاةِ، وكيفية تحملهم الحديث الشريف ليدرك تَمَامًا جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السُنَّةِ إِلَى خَلَفِهِمْ. وإليكم بعض أخبارهم في هذا الموضوع: قِيلَ لِمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ: مَا أَكْثَرَ تَشَكُّكَ؟ قَالَ: «تِلْكَ مَحَامَاةٌ عَنِ اليَقِينِ» (١). وكان يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فَانْشُدْهُ كَمَا تُنْشَدُ الضَالَّةُ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْهُ، وَإِلاَّ فَدَعْهُ» (٢). فلم يكن للتابعين وأتباعهم شروط خاصة في قبول الرواية، ولم يُرْوَ عن أحدهم أنه اشترط لقبول الخبر راويين أو أكثر، بل كانوا يتحملون عن كل من توافرت فيه شروط التحمل والأداء، إلى جانب العدالة التي أجمع عليها المحدثون، فإذا ما سقطت عدالة رَاوٍ طرحوا أخباره وامتنعوا عن الأخذ عنه. ومع هذا كانوا يتثبتون في قبول الأخبار بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم، لأَنَّ وصايا الصحابة وكبار التابعين لا تزال قائمة في نفوسهم، تذكرهم «أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر من الأمانة في الحديث (٣)، فَنَسْمَعُ عَنْ سُلَيمان بن موسى أنه لقي طاوسًا فقال له: «إِنَّ رَجُلاً حَدَّثَنِي بِكِيتَ

стр. 132

وَكِيتَ، فَيَقُولُ لَهُ: " إِنْ كَانَ مَلِيًّا فَخُذْ مِنْهُ "» (١). وكان ابن عون يقول: «لاَ يُؤْخَذُ هَذَا العِلْمُ إِلاَّ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالطَّلَبِ (٢)». ويسمع شُعْبَةُ بن الحجاج عبدَ اللهِ بن دينار يُحَدِّثُ في الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر، فيستحلفه: هل سمعه من ابن عمر؟ فيحلف له (٣). وَيُحَدِّثُ الحَكَمُ عن سعيد بن المسيب في دية اليهودي والنصراني والمجوسي، فيقول له شعبة: «أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ سَعِيدٍ بْنِ المَسَيِّبِ؟» فَيَقُولَ: «لَوْ شِئْتَ سَمِعْتَ مِنْ ثَابِتَ الحَدَّادِ»، قَالَ شُعْبَةُ: «فَأَتَيْتُ ثابتًا الحَدَّادَ فَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ» (٤). فلا يمكننا أن نحكم على شعبة أنه لم يكن يقبل رواية أحد إلا بعد تحليفه، أو الاستيثاق برواية آخر معه. بل كل هذا كان من باب التثبت والاستيثاق والتأكد مما يسمعون، حِرْصًا منهم على حفظ الحديث النبوي الشريف. ...

стр. 133

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: كَيْفَ رُوِيَ الحَدِيثُ فِي ذَلِكَ العَصْرِ .. بِاللَّفْظِ أَمْ بِالمَعْنَى ؟: رأينا كيف كان الصحابة والتابعون وأتباعهم يتثبتون في قبول الأخبار، وعرفنا وَرَعَهُمْ وَخِشْيَتَهُمْ عِنْدَمَا يَرْوُونَ حَدِيثًا عن رسول الله ﷺ ، فكان أحدهم لا يروي الحديث إلا بعد الاستيثاق من ضبط حروفه وفهم معناه، وكان الواحد منهم إِذَا سُئِلَ يَوَدُّ لو أن أخاه كفاه مؤونة السؤال، حتى إن بعضهم كان يأبى أن يروي شيئًا عن رسول الله ﷺ مخافة الزيادة والنقصان، وَمِنْ هَذَا مَا يَرْوِيه اَلعَلاَء بْنِ سَعْدٍ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ فَقَالَ: «مَا بِي أَلاَّ أَكُونَ سَمِعْتُ مِثْلَ مَا سَمِعُوا، أَوْ حَضَرْتُ مِثْلَ مَا حَضَرُوا، وَلَكِنْ لَمْ يُدْرَسِ الأَمْرُ بَعْدُ، وَالنَّاسُ مُتَمَاسِكُونَ، فَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَكْفِينِي، وَأَكْرَهُ التَّزَيُّدَ وَالنُّقْصَانَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١). وإلى جانب ما رويناه من أخبار حول تثبت الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وَمَنَاهِجِهِمْ في الإقلال من الرواية مخافة الوقوع في الخطأ، لا بد لنا من أن نتتبع بعض أخبارهم لنرى كيف كانوا يَرْوُونَ الحديث النبوي؟ وهل كانوا يحافظون على لفظ الرسول ﷺ ، أو كانوا يَرْوُونَ ما يسمعون بألفاظ من عندهم دون أن يغيروا معنى ما سمعوا؟ إذا استعرضنا تلك الأخبار رأينا كثيرًا من الصحابة حرصوا على نقل الحديث بألفاظه، وبعضهم ترخص عند الضرورة في روايته بالمعنى، وكما روى

стр. 134

بعض الصحابة الحديث باللفظ وبعضهم بالمعنى نرى التابعين أَيْضًا قد نهجوا نهج الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، ولكن مما لا شك فيه أن جميع الصحابة حرصوا على أداء الحديث كما سمعوه من الرسول ﵊، حتى إن بعضهم ما كان يرضى أن يبدل حرفًا بحرف، أو كلمة مكان كلمة، أو يقدم كلمة على أخرى وردت في الحديث قبلها، وقد رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَ، فَقَدَ سَلِمَ (١)» وَرُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اَللهِ بْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمْ. وَقَدْ اِشْتَهَرَ مِنْ بَيْنِ اَلصَّحَابَةِ الذِينَ كَانُوا يَتَشَدَّدُونَ فِي الحِرْصِ عَلَى لَفْظِ اَلرَّسُولِ ﷺ , عَبْد اَللهِ بْنِ عُمَرَ. روى مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ قال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ شَيْئًا، أَوْ شَهِدَ مَعَهُ مَشْهَدًا، لَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ أَوْ يَعْدُوهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُصُّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، إِذْ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: " مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، إِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى هَذِهِ الْغَنَمِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى هَذِهِ نَطَحَتْهَا "، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: " لَيْسَ هَكَذَا "، فَغَضِبَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ، فَقَالَ: " يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ قَالَ رَحِمَكَ اللهُ؟ " فَقَالَ: قَالَ: " مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ بَيْنَ الرَّبِيضَيْنِ، إِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى ذَا الرَّبِيضِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى ذَا الرَّبِيضِ نَطَحَتْهَا "، فَقَالَ لَهُ: " رَحِمَكَ اللهُ هُمَا وَاحِدٌ "، قَالَ: " كَذَا سَمِعْتُ " (٢). وروى ابن عمر حديث «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ»، فأعاده رجل فقال له ابْنُ

стр. 135

عُمَرَ: «لاَ، اجْعَلْ صِيَامَ رَمَضَانَ آخِرَهُنَّ، كَمَا سَمِعْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١) ولهذا نرى في بعض الأحاديث، قول الراوي - كذا وكذا - لا أدري بأيهما بدأ، أو أيهما قال قبل، ونحو ذلك. وهذا تنبيه من الراوي إلى أنه أدرك الحديث وفهمه، ولكنه لم يتأكد من ترتيب اسمين فيه أو كلمتين فَبَيَّنَ موضع شكه وأن الشك منه ليس في أصل الحديث، ومن هذا ما رواه خالد بن زيد الجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ، وَأَسْلَمُ وَغِفَارٌ، - أَوْ غِفَارٌ وَأَسْلَمُ -» (٢). وتشدد بعض الرواة في المحافظة على نص الحديث بألفاظه، فمنع زيادة حرف واحد، أو حذفه وإن كان لا يُغَيِّرُ المعنى، ومن هذا ما رواه سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ» فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ؟ فَقَالَ: لاَ، هَكَذَا قَالَهُ لَنَا الزُّهْرِيُّ: «يُنْتَبَذَ فِيهِ» (٣). وكان بعض الرُوَّاةِ شديدي الحرص على اللفظ الذي سمعوه، فَلاَ يُخَفِّفُونَ حَرْفًا ثَقِيلاً، وَلاَ يُثَقِّلُونَ حَرْفًا خَفِيفًا، ولا يبدلون حركات الحروف التي يسمعونها، بل يروونها كما سمعوها، وإن كان ذلك التغيير لا يبدل معناها، نحو (نَمَا - نَمَّى) في حديثه ﷺ «لَيْسَ الكَاذِبُ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا» قال حماد: «سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: " نَمَا خَيْرًا " (خفيفة) وَقَالَ الآخَرُ: " نَمَّى خَيْرًا " (مثقلة)» (٤).

стр. 136

وبلغ من حرص بعض المحدثين على لفظ الحديث أنهم لم يكونوا يحدثون طلابهم إلا إذا كتبوا عنهم، إذ كانوا يكرهون أن يحفظوا عنهم، خَوْفًا من الوهم عليهم، من هذا ما يرويه الخطيب البغدادي بسنده عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: «لاَ وَاللَّهِ لاَ أُحَدِّثُكُمْ حَتَّى تَكْتُبُوهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكْذِبُوا عَلَيَّ - وَفِي رِوَايَةٍ -: أَخَافُ أَنْ تَغْلُطُوا عَلَيَّ» (١). ومنه ما رواه الرامهرمزي بسنده عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: «أَتَيْتُ القَاسِمَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقُلْتُ: أَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لابْنِهِ: " انْظُرْ فِي كِتَابِهِ، لاَ يَزِيدُ عَلَيَّ شَيْئًا "، قُلْتُ: " يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنِّي لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَكْذُبَ لَمْ آتِكَ "، قَالَ: " إِنِّي لَمْ أُرِدْ، إِنَّمَا أَرَدْتُ إِنْ أَسْقَطْتَ شَيْئًا يُعَدِّلْهُ لَكَ "» (٢). وَكَانَ الأَعْمَشَ يَقُولُ: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ عِنْدَ أَقْوَامٍ، كَانَ أَحَدُهُمْ لأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَاوًا، أَوْ أَلِفًا، أَوْ دَالاً ... » (٣). وَقَدْ أَدْرَكَ اِبْنُ عَوْنٍ ثَلاَثَةَ مِمَّنْ يَتَشَدَّدُونَ فِي رِوَايَةِ اَلحَدِيثِ عَلَى حُرُوفِهِ , وَهُمْ اَلْقَاسِمُ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْحِجَازِ , وَمُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِين بِالبَصْرَةِ , وَرَجَاء بْنِ حَيْوَةَ بِالشَّامِ (٤)، وكان إبراهيم بن ميسرة وطاووس يحدثان الحديث على حروفه (٥)، وَكَانَ طَاوُسٌ يَعُدُّ الحَدِيثَ حَرْفًا حَرْفًا (٦). وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَهُ: «مُحَدِّثُو الحِجَازِ ابْنُ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَجِيئُونَ بِالحَدِيثِ عَلَى

стр. 137

وَجْهِهِ» (١)، وَكَانَ مَالِكُ بْنِ أَنَسٍ يَحْرِصُ عَلَى أَدَاءِ حَدِيثِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ عَلَى حُرُوفِهِ (٢). وإلى جانب هذه الأخبار ترى أخبارًا أخرى تدل على أن بعض الصحابة والتابعين رَوَوْا بعض الأحاديث بمعانيها، أو أنهم أجازوا إبدال كلمة بأخرى عند الضرورة، وكان أحدهم إذا اضطر إلى هذا أشار إلى أن ما يرويه ليس لفظه ﷺ . لذلك نرى بعض الصحابة يَتَوَرَّعُونَ كثيرًا عند ذكر حديث رسول الله ﷺ خشية الخطأ. وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ إِذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «هَكَذَا أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا، أَوْ قَرِيبًا مِنْ هَذَا، وَكَانَ يَرْتَعِدُ» (٣). وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا فَرَعَ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «هَذَا أَوْ نَحْوِ هَذَا أَوْ شَكْلَهُ» وَقَدْ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِلاَّ هَكَذَا، فَكَشَكْلِهِ» (٤). وَقَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ سِيرِينَ: «كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَلِيلَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: وَكَانَ مِمَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ» (٥).

стр. 138

وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ اَلزُّبِيرِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ ﵂ «يَا بُنَيَّ [إِنَّهُ] يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ»، فَقُلْتُ لَهَا: «أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ». فَقَالَتْ: «هَلْ تَسْمَعُ فِي المَعْنَى خِلاَفًا؟»، قُلْتُ: «لاَ»، قَالَتْ: «لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ» (١). وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «رُبَّمَا سَمِعْتُ الحَدِيثَ عَنْ عَشَرَةٍ، كُلِّهِمْ يَخْتَلِفُ فِي اللَّفْظِ، وَالمَعْنَى وَاحِدٌ» (٢). قَالَ مَكْحُولٌ: " دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو الأَزْهَرِ، عَلَى وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا الأَسْقَعِ حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيهِ وَهْمٌ وَلا تَزَيُّدٌ وَلا نِسْيَانٌ قَالَ: «هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَعَمْ، وَمَا نَحْنُ لَهُ بِحَافِظِينَ جِدًّا إِنَّا لَنُزِيدُ الوَاوَ وَالأَلِفَ وَنُنْقِصُ. قَالَ: فَهَذَا القُرْآنُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لاَ تَأْلُونُ حِفْظًا وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُزِيدُونَ وَتُنْقِصُونَ فَكَيْفَ بِأَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ أَنْ لاَ نَكُونَ سَمِعْنَاهَا مِنْهُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، حَسْبُكُمْ إِذَا حَدَّثْنَاكُمُ الحَدِيثَ عَلَى المَعْنَى» (٣). وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: «لَقِيتُ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ، وَاجْتَمَعُوا فِي المَعْنَى» (٤). وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ الحَسَنَ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ: الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلاَمُ مُخْتَلِفٌ» (٥)، وَقَالَ عِمْرَانُ القَصِيرُ، عَنِ الحَسَنِ: قُلْتُ لَهُ (لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ):

стр. 139

" إِنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ، فَلاَ نَجِيءُ بِهِ عَلَى مَا سَمِعْنَاهُ قَالَ: «لَوْ كُنَّا لاَ نُحَدِّثُكُمْ إِلاَّ كَمَا سَمِعْنَاهُ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثَيْنِ وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ فَلاَ بَأْسَ» (١). ورويت إجازة التحديث بالمعنى عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وعمرو بن دينار، وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي، وابن أبي نجيح، وعمرو بن مرة، وجعفر بن محمد بن علي، وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان (٢). وقد أدرك ابن عون ثلاثة مِمَّنْ يُرَخِّصُونَ في روايةالحديث على المعنى هم: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي (٣). ونرى هؤلاء الذين رَوَوْا بعض الحديث على المعنى بقولهم بعد التحديث، «أَوْ كَمَا قَالَ»، «أََوْ نَحْوِ هَذَا»، ومنهم من كان لا يبيح لمن يسمع أن يكتب عنه الحديث حتى لا يظن أن ما رواه لَفْظَ الرَّسُولِ ﷺ ، فكان عمرو بن دينار يحدث على المعنى ويقول: «أُحَرِّجُ عَلَى مَنْ يَكْتُبُ عَنِّي» (٤). وَلاَ بُدَّ من أن نقرر أن من أباح رواية الحديث على المعنى أباحها بشروط، ولم يطلق هذا لأي إنسان، وأجازوا ذلك للضرورة، كأن يند اللفظ عن الذاكرة، أو يغيب لفظ الحديث عن المحدث عند الحاجة إلى روايته فيرويه بالمعنى، والضرورة تقدر بقدرها. قال الإمام الشافعي في صفات الراوي: «أنْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَ بِهِ ثِقَةً فِي دِينِهِ، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ، عَاقِلاً لِمَا يُحَدِّثُ

стр. 140

بِهِ، عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ مَعانِيَ الحَدِيثِ مِنَ اللَّفظِ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الحَدِيثَ بِحُرُوفِهِ، كَمَا سَمِعَهُ، لاَ يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى المَعْنَى؛ لأنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَلَى المَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ، لَمْ يَدْرِ لَعَلَّهُ يُحِيلُ الحَلاَلَ إِلَى الحَرَامِ. وَإِذَا أَدَّاهُ بِحُرُوفِهِ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ يُخَافُ فِيهِ إِحَالَتُهُ الحَدِيثَ ... » (١). قَالَ الرَّامَهُرْمُزِي: «وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي صِفَةِ المُحَدِّثِ مَعَ رِعَايَةِ اتِّبَاعِ اللَّفْظِ عَلَى أَنَّهُ يَسُوغُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَأْتِيَ بِالمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِلُغَاتِ العَرَبِ وَوُجُوهِ خِطَابِهَا، بَصِيرًا بِالمَعَانِي وَالفِقْهِ، عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ المَعْنَى وَمَا لاَ يُحِيلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ جَازَ لَهُ نَقْلُ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَحْتَرِزُ بِالفَهْمِ عَنْ تَغْييرِ المَعَانِي وَإِزَالَةِ أَحْكَامِهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ أَدَاءُ اللَّفْظِ لَهُ لاَزِمًا، وَالعُدُولُ عَنْ هَيْئَةِ مَا يَسْمَعُهُ عَلَيْهِ مَحْظُورًا، وَإِلَى هَذَا رَأَيْتُ الفُقَهَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْهَبُونَ. [وَمِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا المَذْهَبِ] (*) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَصَّ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ قَصَصًا، كَرَّرَ ذِكْرَ بَعْضِهَا فِي مَوَاضِعَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَنَقَلَهَا مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى اللِّسَانِ العَرَبِيِّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالحَذْفِ وَالإِلْغَاءِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ» (٢). ولم يكن الصحابة والتابعون بِدَعًا في رواية بعض الأحاديث بمعناها، بل وجدوا دليل الجواز في منهج القرآن الكريم - كما ذكر الرامهرمزي - وفي سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، فقد كان يرسل سفراءه ورسله فينقلون رسائله

стр. 141

ويترجمونها إلى غير العربية، فإباحة ترجمة الحديث إلى لغة ثانية دليل على إباحة نقله بنفس اللغة على معناه، بلفظ عربي هو أقرب إلى لفظ الرسول ﷺ من ألفاظ اللغة الأجنبية (١)، بل هذا أولى بأن يكون مُبَاحًا. وللذين كرهوا الرواية على المعنى أدلة منها حديث «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ»، وَمَا رَوَاهُ البَرَاءُ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَرَاءُ كَيْفَ تَقُولُ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ طَاهِرًا، فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فَقُلْتُ كَمَا عَلَّمَنِي غَيْرَ أَنِّي قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: «وَ (بِنَبِيِّكَ)، فَمَنْ قَالَهَا مِنْ لَيْلَتِهِ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ» (٢). وقد أطال بعض العلماء القول في أدلة كل من المجيزين للرواية على المعنى والمانعين لها (٣). وأجمع العلماء كلهم على أنه لا يجوز للجاهل بمعنى ما ينقل أن يروي الحديث على المعنى. ومن أجاز هذه الرواية إنما أجازها للعالم بشروط، قَالَ المَاوَرْدِيُّ: «إِنْ نَسِيَ اللَّفْظَ جَازَ، لأَنَّهُ تَحَمَّلَ اللَّفْظَ وَالمَعْنَى، وَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ

стр. 142

أَحَدِهِمَا فَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ الآخَرِ، لاَ سِيَّمَا أَنَّ تَرْكَهُ قَدْ يَكُونُ كَتْمًا لِلأَحْكَامِ، فَإِنْ لَمْ يَنْسَهْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُورِدَهُ بِغَيْرِهِ، لأَنَّ فِي كَلاَمِهِ ﷺ مِنَ الْفَصَاحَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ» (١). وقال السيوطي: «وَلاَ شَكَّ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِمَّا تَعَبَّدَ بِلَفْظِهِ ... وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ» (٢). بعد هذا يمكننا أن نحكم أن رواية الحديث بالمعنى كانت للضرورة، وكانت بقدر وخاصة بعد أن عرفنا ورع الصحابة والتابعين، ودقتهم في رواية الأخبار، وتحفظهم وتثبتهم مما يَرْوُونَ أو يسمعون، وهذا يُرَجِّحُ عندي أن الرواية بالمعنى إن وقعت تاريخيًا من بعض الصحابة، فإنما كانت بألفاظ قريبة جِدًّا من ألفاظه ﷺ ، لأنهم رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﵊، وسمعوا منه وتخرجوا بحلقاته، واستضاءت قلوبهم بتوجيهه وعنايته، وكانوا على جانب عظيم من البيان والفصاحة، وهم أعلم الأُمَّةِ بلغة العرب، لم يتسرب إلى كلامهم اللحن، ولم يغير سليقتهم ولسانهم امتزاج الأمم والشعوب. وَيُقَوِّي عندي أن معظم ما رواه الصحابة والتابعون كان بلفظ الرَّسُولِ ﷺ أن بعضهم كان يكتب الحديث بين يدي النبي الكريم، وكانوا يعقدون الحلقات يتذاكرون فيها ما يسمعونه منه ﵊، ويصحح بعضهم أخطاء بعض، وإذا شكوا في أمر أو أشكل عليهم شيء رجعوا إلى النبي الأمين ﷺ ، وكان أكثر الرواة من التابعين يكتبون ما يسمعون من الصحابة ويحفظونه، فمنهم من يذاكر الحديث حتى إذا ما وعاه صدره محاه، ومنهم من يحفظه ويحتفظ بصحفه وألواحه، ومنهم من حرص

стр. 143

على كتابة الحديث وجمعه في كراريس أو في مصنف كالمصحف (١). وأما من كان لا يكتب من التابعين وأتباعهم فقد حرص على حفظ الحديث في صدره، وكانوا يتذاكرون الأحاديث بين آونة وأخرى، ويرحلون من بلد إلى آخر ليسمعوا من الصحابة ﵃، أو ليتأكدوا من صحة ما سمعوه عن [رَسُولِ] اللهِ ﷺ ، فيفهموا معناه ويضبطوا حروفه وألفاظه. ويزيدنا ثقة بأن جل ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ كان بلفظه ﵊، تلك الحوافظ التي وهبها الله لِحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَرُوَاةُ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعهمْ، فيروي لنا التاريخ ما كان يحفظه أبو هريرة وغيره، وإن المرء ليعجب عندما يطلع على أخبار صحيحة، تذكر تلك الحوافظ العظيمة التي حملت إلينا السُنَّةَ كذاكرة عبد الله بن عباس الذي اشتهر بسرعة حفظه، حتى إنه كان يحفظ الحديث من مرة واحدة، وَيُُرْوَى أنه سمع قصيدة لابن أبي ربيعة عدتها ثمانون بَيْتًا فحفظها من المرة الأولى، وفي الصحابة أمثاله كزيد بن ثابت الذي حفظ معظم القرآن قبل بلوغه، وتعلم لغة اليهود في سبعة عشر يومًا، وفيهم عائشة أم المؤمنين التي كانت آية من آيات الذكاء والحفظ وغير هؤلاء. وفي التابعين نافع مولى عبد الله بن عمر الذي لم يخطئ فيما حفظ، وأجمع النُقَّادُ على دقة حفظه، وفيهم ابن شهاب الزُّهْرِي حافظ زمانه، وعامر الشعبي ديوان عصره، وقتادة بن دعامة السدوسي مضرب المثل في سرعة الحفظ والضبط والإتقان. فإذا طالعنا ما اختلف فيه الرواة من حيث اللفظ، مما تعددت طرقه وجدنا

стр. 144

معظمه مما كان أخبارًا عن عمل من أعماله ﷺ ، أو تبليغًا لحكم واقعة شاهدوها بأعينهم، فنراهم يقولون: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا»، و «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَذَا»، والمعنى في كل هذا واحد، وهذا طبيعي لا يدخل الريب في مروياتهم، لاختلافهم في صيغ الأداء، لأن كل رَاوٍ عَبَّرَ عما شاهده بلفظه، ومن النادر أن نرى اختلافًا فيما نقلوه إلينا من جوامع الكلم، أو مما يتعبد بلفظه، كصيغ الأذان والإقامة والدعاء والتشهد وغير ذلك. وليس جميع ما نقل إلينا مما اختلف لفظه بسبب الرواية بالمعنى، فجله يعود إلى تعدد مجالس الرَّسُولِ ﷺ وكثرتها، فقد يتناول موضوعًا وَاحِدًا في مناسبات مختلفة، ويجيب السائلين بما يتناسب مع مداركهم، وقد يستفتيه أكثر من واحد في واقعة واحدة، فيفتي كل واحد بما يكفيه وَيُرْوِي غليله، بألفاظ مختلفة، وعبارات متفاوتة، تؤدي الغاية المقصودة، وما روي بالمعنى مع هذا لا يكاد يخفى على أهل هذا العلم، لكثرة دراستهم حديث الرَّسُولِ ﷺ ، وللأمانة العلمية التي كان عليها الرواة، فكانوا مَثَلاً رَائِعًا في الضبط والدقة والإتقان، يتبعون بعض ما يَرْوُونَهُ بعبارة تفيد احتياطهم فيما نقلوه، وَيُنَبِّهُونَ في أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو الظن، وكانوا يحرصون دائمًا على نقل اللفظ النبوي كما صدر عنه ﵊. بعد هذا لا نرى داعيًا للتهويل الذي يثيره بعض الكُتَّابِ وبعض المغرضين حول رواية بعض الأحاديث بالمعنى، ولا وجه لإثارة خلاف أصبح طَيَّ التاريخ، وكان معظم ما ذهب إليه العلماء من إباحة رواية الحديث بالمعنى وعدم روايته خِلاَفًا عَقْلِيًّا نَظَرِيًّا، وإن وقع تَارِيخِيًّا فإنما وقع في الصدر الأول وبقدر

стр. 145

لا ضرر منه، لذلك نرى أنه من العبث إثارة مثل هذا الموضوع - الذي انصرم أوانه - وتشكيك الأُمَّةِ في حديث رسولها الأمين، وليس هناك أي مسوغ لإدخال الريب في النفوس، بعد أن أجمعت الأُمَّةُ على قبول الكتب الصحاح، وعلى أنها حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ ، الذي نُقِلَ إلينا بأسلم الطرق العلمية، على أيدي خيار علماء الأُمَّةِ من الصحابة والتابعين ومن تبعهم. وقد تناول (أَبُو رَيَّةَ) في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " هذا البحث، إلا أنه أحاط الموضوع بهالة، تُوهِمُ من لا خبرة له بأن معظم الحديث النبوي قَدْ رُوِيَ بألفاظ الرواة (١)، وَجَسَّمَ خطر الرواية بالمعنى، بما لا يتفق والواقع التاريخي، وتحدث عن بعض الخلاف العقلي النظري على أنه مما وقع بالفعل، وَرَتَّبَ على جواز الرواية بالمعنى نتائج، إن صح ترتبها على رواية غير الحديث بالمعنى. لا يمكن أن تنتج عن رواية الحديث
следующие страницы →