← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا يمنعهم منه مانع، لذلك نرى الأعرابي البعيد عنه يسأله كما يساله الصحابي الملازم له، كلهم يريدون الحق، قال عليٌّ ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَكُونُ بِالبَادِيَةِ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَحَدِنَا الرُّوَيْحَةُ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الله لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» (٢). إنَّ هؤلاء الصحابة الذي يسألون رسول الله ﷺ عن مثل هذه الأمور الشخصية التي قد يخجل منها غيرهم، كانوا لا يحجبون عن سؤاله في معاملاتهم وعباداتهم وعقائدهم وسائر أمورهم، بل إِنَّ بعضهم كان إذا وصله خبر عن رسول الله ﵊، يعود إليه لينهل من معينه، وَيَتَزَوَّدُ مِنْ عِلْمِهِ، كَمَا حَدَثَ لِضَمَامٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَقَوْمَهُ حِينَ جَاءَهُمْ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ يُبَلِّغُهُم الرِّسَالَةَ (٣)، فَانْطَلَقَ ضِمَامٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ عَلَى جَمَلٍ، قَالَ أَنَسٌ: « ... فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، عَقْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ. فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ (ضِمَامٌ): ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ» فَقَالَ الرَّجُلُ لِلْنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَة، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ

стр. 72

كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ... فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأََنَا ضِمَام بْن ثَعْلَبَة أَخُو بَنِي سَعْدٍ بْنِ بَكْرٍ» (١). ومن ذلك ما حديث لأحد الصحابة حِينَ قبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أمٌّ المُؤْمِنِين، فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَرَجَعَتْ المَرْأَةُ إِلَى زَوْجَهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَزَادَهُ ذّلِكَ شَرًّا!! وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ. فَرَجَعَتِ المَرْأَةُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَوَجَدَتْ رَسُولَ اللهِ عِنْدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ «مَا بالِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ؟» فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: «أَلاَ أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «قَدْ أَخْبَرْتُهَا، فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ شَرًّا، وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ».، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» (٢). لقد حمله ورعه أن يظن هذا الحكم خَاصًّا بالرسول حتى أكد الرسول ﵊ أنه حكم عام. وقد كانت السيدة عائشة أم المؤمنين لا تسمع شَيْئًا لا تعرفه إلاَّ راجعت فيه حتى تعرفه (٣).

стр. 73

وقد يختصم مسلمان في قضية أو حكم، فيرجعان إلى رسول الله ﵊ ليفصل بينهما ويبيِّن وجه الصواب. من ذلك ما رواه المسور بن مخرمة: أنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بنَ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَرَأَ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ أَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَاوِرَهُ وأنا فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ القِرَاءَةَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أَقْرَأَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ أَقُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الفُرْقَانِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ تَكُنْ أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ يَا هِشَامُ»، فَقَرَأَ كَمَا كَانَ قَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» (١)، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ» (٢). إنَّ في هذه الأجوبة والفتاوى والأقضية مادة كثيرة في مختلف أبواب كُتُبِ السُنَّةِ، حتى إنها تُؤَلِّفُ جَانِبًا كَبِيرًا من سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ويبعد أن ينسى هذه الحوادث من وقعت له وسأل عنها الرسول ﷺ ، لأنها جزء من حياة السائل بل واقعة بارزة من وقائع عمره. [ج] وقائع وحوادث شاهد فيها الصحابة تصرفات الرسول ﷺ . وهذه كثيرة في صلاته وصيامه وحجه وسفره وإقامته ... فنقلوها إلى التابعين الذين بَلَّغُوهَا إلى من بعدهم وهي تُؤَلِّفُ جَانِبًا كَبِيرًا مِنَ السُنَّةِ، وخاصة

стр. 74

هديه ﷺ في العبادات والمعاملات وسيرته ... ومن ذلك سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وإجابته ﷺ عن ذلك كله وقال: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١). ومن ذلك ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٢). ومن ذلك أَيْضًا ما رواه سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ» (٣). ومن ذلك ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُصَلِّى، إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى لَنَا الصَّلاَةَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّى ذَكَرْتُ أَنِّى كُنْتُ جُنُبًا حِينَ قُمْتُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ أَغْتَسِلْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِى بَطْنِهِ رِزًّا (٤) أَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ أَوْ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى

стр. 75

صَلاَتِهِ» (١). وما رواه أَيْضًا فقال: كَانَ آخِرُ كَلاَمِ رَسُولِ اللِه ﷺ : «الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢). مما سبق يتضح لنا أنَّ عوامل ثلاثة تضامنت وتضافرت في سبيل حفظ السُنَّةِ المُشَرَّفَةِ في عهد رسول الله ﷺ ، وهذه العوامل هي: شخصية الرسول من حيث هو مُرَبٍّ وَمُعَلِّمٍ، وفوق هذا، وأكثر من هذا من حيث هو رسول رب العالمين، وَالسُنَّةُ من حيث مادتها، والصحابة وهم الطلاب الذين تَلَقَّوْا السُنَّةََ وشاركوا في تطبيقها، وتجاوبوا مع المعلم الأول والمادة مُخلصين، بقلوب عظيمة انطوت على رغبة مُلِحَّةٍ، وإرادة قوية في اتباع ما به يتم إيمانهم، ويقطع صلتهم بما كانوا فيه من ضلال. كل ذلك كان له الأثر الكبير في حفظ الصحابة لِلْسُنَّةِ دقيقها وجليلها، ثم نقلها إلى التابعين الذين نقلوها إلى من بعدهم طِبْقًا لما قاله ﷺ لأصحابه: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْكُمْ» (٣). ويمكننا أنْ نقول - ونحن واثقون مطمئنون -: إنَّ السُنَّةَ في عهد رسول الله ﵊ كانت محفوظة عند الصحابة جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم، وَإِنْ كان نصيب كل صحابي منها يختلف عن نصيب الآخر، فمنهم المُكْثِرُ من حفظها، ومنهم المُقِلُّ، ومنهم المتوسط في ذلك. ومن ثم نستطيع تأكيد أنهم قد أحاطوا بِالسُنَّةِ، وتكفلوا بنقلها إلى التابعين. ويخطئ من يَدَّعِي أَنَّ بعض السُنن فات الصحابة جَمِيعًا بعد أنْ رأينا مدى

стр. 76

عنايتهم بها، وحرصهم عليها، فكيف يغيب عنهم شيء منها، وهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ عَامًا قبل الهجرة وبعدها، فحفظوا عنه أقواله وأفعاله، «ونومه ويقظته، وحركته، وسكونه، وقيامه، وقعوده، واجتهاده، وعبادته، وسيرته، وسراياه ومغازيه، ومزاحه وزجره، وخطبه وأكله وشربه، ومعاملته أهله، وتأديبه فرسه وكتبه إلى المسلمين والمشركين، وعهوده ومواثيقه، وألحاظه وأنفاسه وصفاته، هذا سوى ما حفظوا عنه من أحكام الشريعة، وما سألوه عن العبادات والحلال والحرام أو تحاكموا فيه إليه» (١) فكانوا بحق خير خلف لخير سلف ﵃. ٤ - انْتِشَارُ السُنَّةِ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ﵊ -: انتشرت السُنَّةُ مع القرآن الكريم منذ الأيام الأولى للدعوة، يوم كان المسلمون قلة يجتمعون سِرًّا في دار الأرقم بن عبد مناف، يَتَلقَّوْنَ تعاليم الدين الجديد يقرأون القرآن، ويقيمون شعائرهم، وما لبث النبي ﵊ أنْ صدع بأمر الله تعالى، وكثر المسلمون، وَعَمَّ الإسلام الجزيرة العربية، وكان الرسول ﷺ في جميع مراحل الدعوة يبلغ الناس، ويفتيهم ويقضي بينهم، ويخطبهم ويسوسهم في السلم والحرب، وفي الشِدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فيحفظون الأحكام وَيُطبِّقُونَهَا. وقد تضافرت عوامل عِدَّةٍ تَكَفَّلَتْ بنشر السُنَّةِ في الآفاق منها:

стр. 77

١ - نشاط رسول الله ﵊، وجده في تبليغ دعوته ونشر الإسلام، فلم يترك وسيلة للدعوة إِلاَّ استفاد منها، ولا سبيلاً إلاَّ سلكها، فعرض نفسه على القبائل، وَتَحَمَّلَ الصعاب وَصُنُوفَ الأذى، واتصل بوفود المواسم وعرض عليهم الإسلام ... فلم يَأْلُ جُهْدًا في تبليغ الرسالة .. حتى عَزَّ الإسلام وقويت دولته .. وفي جميع تلك التطورات كانت السُنَّةُ تأخذ مكانها في نفوس المسلمين. ٢ - طبيعة الإسلام ونظامه الجديد، الذي جعل الناس يتساءلون عن أحكامه، وعن رسوله وأهدافه، فكان بعض من يسمع بالدعوة يُقْبِلُ على رسول الله ﵊، يسأله عن الإسلام فيعلن إسلامه، وينطلق إلى قومه لِيُبَلِّغَهُمْ ما رأى ويخبرهم ما سمع ... ٣ - نشاط أصحاب الرسول ﵊، واندفاعهم في طلب العلم وحفظه وتبليغه، وقد سبق أَنْ تكلمت مفصلاً عن نشاطهم العلمي في بحث «كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَلَقَّوْنَ السُنَّةَ؟». ٤ - أمهات المؤمنين ﵅: كان لأمهات المؤمنين فضل عظيم في تبليغ الدين، ونشر السُنَّةِ بين نساء المسلمين، فقد كان بعض النساء يخجلن مِنْ أنْ يسألن رسول الله ﵊ عن أُمُورِهِنَّ فيجدن عند أزواجه ما يُشفي غَلِيلَهُنَّ، لأنهنَّ على صلة دائمة به، يَتَعَلَّمْنَ منه الأحكام، وَيَنْقُلْنَ عنه ما لا يتاح لغيرهن نقله، وقد اشتهرت السيدة عائشة ﵂ بعلمها الغزير، وحرصها على فهم الأحكام، فعن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ «كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 78

«مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ» (١). وقد عرف المسلمون سمو مكانتها، وتعمُّقها في أحكام الإسلام، فكانت - بعد وفاة رسول الله ﷺ - محطَّ أنظار طلاب العلم والمستفتين ومرجعهُم في كثير من أمور دينهم. ٥ - الصحابيات: كان للنساء أثر عظيم في حفظ السُنَّةِ وتبليغها لا يقل عن أثر الصحابة ﵃، وقد رأينا حِرْصَهُنَّ على حضور مجالس الرسول ﵊، حتى إذا ما رأين الرجال قد غَلَبُوهُنَّ على رسول الله ﷺ ، طلبن منه أنْ يُعيِّنَ لهنَّ جلسات خاصة بِهِنَّ يسألنه فيها عن أمورهن ويستمعن إلى أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد كان لهؤلاء الصحابيات أثر عظيم في حمل أحكام كثيرة تتعلق بالنساء وحياتهن الزوجية، كان من الصعب أنْ يسأل الصحابة عنها رسولَ الله ﷺ . ٦ - رُسُله ﷺ وَوُلاَّتُهُ: أصحبت المدينة بعد الهجرة مقر الدولة الإسلامية، وقاعدة الدعوة: تنبعث منها الهداية إلى الآفاق، وتتحطَّم على إثرها أصنام الشرك، وَتَتَقَوَّضُ أمامها عروش الطغيان، فمن يثرب انطلق رسل النبي ﷺ إلى القبائل المجاورة والنائية، يدعونهم إلى الإسلام، ويُعلِّمونهم أحكامه ونظمه، عندما كانت قريش تحول بين القبائل المسلمة والنبي ﵊، وكان

стр. 79

رسول الله ﷺ يُوَجِّهُ رسله ويرشدهم وَيُعلِّمُهُمْ أصول الدعوة ويأمرهم أنْ يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن ذلك وصيته لمعاذ بن جبل ولأبي موسى الأشعري عندما وَجَّهَهُمَا إلى اليمن (١): قال ﵊ «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا»، وقال لمعاذ ﵁: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افتََرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (٢): «وَكَانَ يُشَجِّعُ عُمَّالَهُ وَقُضَاتَهُ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: " بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنِي إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَسَنُّ مِنِّي لأَقْضِيَ بَيْنَهُمْ "، قَالَ: " اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ وَيَهْدِي قَلْبَكَ "» (٣). وقد كانت بعوثه ﵊ وَوُلاَّتُهُ خير من يحمل الرسالة وَيُؤَدِّي الأمانة. وفي السَّنَةِ السَّادِسَةِ كثرت بُعُوثُهُ ﷺ ، فقد وجه بعد صلح الحديبية رسله إلى الملوك، يحملون إليهم كتبه، ففي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة يَتَكَلَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بلسان القوم الذين بعث إليهم (٤)،

стр. 80

فقد اشتهر أنه أرسل رسله إلى قيصر الروم (١)، وإلى أمير بُصْرَى، وإلى الحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمَّرْ أمير دمشق من قبل هرقل، وإلى المقوقس أمير مصر من قبل هرقل يدعوهم إلى الإسلام، كما وجه كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وأرسل كتبه ورسله إلى عُمَانَ وَاليَمَامَةَ وغيرها ... وكان الرسل يجيبون عما يسألهم عنه الملوك والأمراء ورؤساء القبائل، وَيُبَيِّنُونَ لهم الإسلام وغاياته على ضوء ما يزودهم به الرسول ﵊ من التوجيه والإرشاد، وكان ﵊ يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم، ويمدهم بمن يُفقِّهُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ. ٧ - غزوة الفتح (الفتح الأعظم). في سَنَةِ ثمان من الهجرة نقضت قريش صلح الحديبية، فدعا رسول الله القبائل المسلمة أن تحضر رمضان في المدينة، وانطلق بعشرة آلاف (٢) مجاهد إلى مكة، ففتحها وقوض الوثنية وَحَطَّمَ الأصنام، ثم قام خطيبًا في ألوف المسلمين والمشركين فعفا عن أعدائه الذين اضطهدوه وآذوه. ثم أعلن كثيرًا من الأحكام، منها أَلاَّ يقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، ولا تُنكح المرأة على عمَّتها أو خالتها ... ثم أقبل الناس يبايعون رسول الله ﵊ ... لقد كان فتح مكة حدثًا تاريخيًا عظيمًا، نقله جموع غفيرة، ونقلت معه خطبة الرسول الكريم ﵊ إلى الآفاق، كما نقل المسلمون

стр. 81

الجدد ما سمعوا من إرشاد وتوجيه إلى أهلهم وذويهم في مكة وغيرها. ٨ - حجة الوداع: خرج رسول الله ﷺ في شهر ذي الحجة من السَّنَةِ العَاشِرَةِ للهجرة، إلى مكة المكرمة وَحَجَّ بالناس، وكان معه جمع عظيم يبلغ تسعين (١) ألفًا، ووقف في عرفة في هذه الجموع الكثيرة وخطب خطبة جامعة بَيَّنَ فيها كثيرًا من الأحكام، منها حرمة دماء المسلمين وأموالهم، وأداء الأمانة، ووضع ربا الجاهلية وإبطاله، كما وضع دماء الجاهلية التي كانت بينهم ومنع العادات الباطلة ... ومنع النسيء تأكيدًا لما في كتاب الله، وَبَيَّنَ بعض حقوق الرجال وحقوق النساء وحث على حُسْنِ مُعَامَلَتِهِنَّ ... ومنع الوصية للوارث ... لقد كانت هذه الخطبة الجامعة من أهم العوامل في انتشار السُنَّةِ بين القبائل العربية، لأنه سمعها عدد كبير جِدًّا، ونقلوها إلى الآفاق، طِبْقًا لما جاء فيها من قوله ﷺ : «أَلاَ هَلْ بَلَّغتُ؟ اللهُمَّ فَاشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَاهِدُ مِنْكُمْ الغَائِبَ» (٢). ٩ - الوفود بعد الفتح الأعظم وَحَجَّةِ الوداع: بعد فتح مكة أقبلت وفود العرب من سائر أطراف الجزيرة العربية يبايعون الرسول ﷺ وَيَنْضَمُّونَ تحت لواء الإسلام، وتتابعت هذه الوفود وكثرت بعد حجة الوداع، وكان رسول الله ﷺ يرحب بالوافدين، ويعلمهم الإسلام، وَيُزَوِّدَهُمْ بنصائحه وإرشاداته، وكانت بعض الوفود تقيم

стр. 82

عنده أيامًا ثم تعود إلى قبائلها تُبَلِّغُهُمْ الدين الحنيف، ومن هذه الوفود وفد ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الذي علمه الرسول ﷺ الإسلام، فعاد إلى قومه ودعاهم فأسلموا، ووفد عبد القيس، ووفود بني حنيفة وطيء وَكِنْدَةَ وأزد شنوءة، ووفد رسول ملوك حِمْيَرْ، الذين أسلموا وأرسلوا رسولهم بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فبعث إليهم ﵊ كتابًا يخبرهم أنه علم بإسلامهم، وَيَحُثُّهُمْ على طاعة الله والتمسُّك بدينه، وفيه وَصِيَّتُهُ لهم برسله وببعوثه، ويوصيهم الخير في الرعية ... كما قدمت وفود همدان، وتجيب - قبيلة من كندة - ووفود ثعلبة وبني سعد من هُذَيْمٍ ووفود كثيرة يضيق المقام عن ذكرها (١). لقد كان رسول الله ﷺ يرى في هذه الوفود الخير، فيكرمهم وَيُعلِّمُهُمْ، وكانوا يسألونه ويجيبهم، وقد سمعوا حديثه، وشهدوا بعض مواقفه، وشاركوه في العبادة، ورأوا كثيرًا من تصرفاته. فكان لهذه الوفود أثر عظيم في نقل السُنَّةِ وانتشارها. ونرى أَنَّ تلك العوامل الكثيرة كانت كافية لنشر السُنَّةِ وتبليغها المسلمين، في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية آنذاك. تلك لمحة سريعة عن انتشار السُنَّةِ في عهده ﷺ ، وقد حرص الصحابة والمسلمون جَمِيعًا على حفظها وتبليغها، ولم ينتقل رسول الله ﵊ إلى الرفيق الأعلى إلاَّ بعد أنْ انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها وساد ربوعها، وملأ القرآن والسُنَّةُ صدور أهلها، مِصْدَاقًا لقوله ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)

стр. 83

البَابُ الثَّانِي: السُنَّةُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: الفصل الأول: ١ - اقتداء الصحابة والتابعين بالرسول ﷺ . ٢ - احتياط الصحابة والتابعين وورعهم في رواية الحديث. ٣ - تثبت الصحابة والتابعين في قبول الحديث. ٤ - كيف روي الحديث في ذلك العصر .. باللفظ أو بالمعنى؟ الفصل الثاني: ١ - النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين. ٢ - انتشار الحديث في عصر الصحابة والتابعين. ٣ - الرحلة في طلب الحديث.

стр. 84

الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَيْنَ يَدَيْ الفَصْلِ: كان مصدر التشريع في عهد الرسول ﷺ كتاب الله وَسُنَّةَ رسوله: ينزل الوحي، فيبلغه النبي الكريم ﵊ إلى الناس كافة، وَيُبيِّنُ مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان ﷺ المرجع الأعلى في جميع أمور الأمَّة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري: يعالج الأمور على مرأى من أصحابه ﵃، وعلى ضوء القرآن الكريم، فإنْ وجد حُكْمًا للقضية فصل فيها، وإن لم يجد اجتهد فيها حِينًا، أو انتظر الوحي أحيانًا، ليعرف حكم الله تعالى، وقد يجتهد فينزل الوحي مُصَحِّحًا لاجتهاده، لأنَّ الله لا يُقِرُّ رسوله على الخطأ. ثم ما لبث أن انتقل محمد ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي. ولم يبق أمام الأُمَّةِ إلاَّ القرآن العظيم وَالسُنَّةِ الشَّرِيفَةِ، مصداقًا لقوله ﷺ : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ , وَسُنَّتِي» (١) وتمسك الصحابة والتابعون بِسُنَّتِهِ ﵊ اتباعًا لأوامر الله تعالى بطاعته وقبول حكمه في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ

стр. 85

حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). والاستجابة لرسول الله ﷺ واجبة في حياته وبعد وفاته، وقد امتثل الصحابة لأوامر الله تعالى في عهد الرسول ﵊ وَنَفَّذوهَا مخلصين، وحموا الشريعة بالمال والدماء، وكذلك فعلوا بعد وفاته، وُقُوفًا عند وصيته ﵊، التي سمعها منه الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، ويرويها العرباض بن سارية ﵁ فيقول: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوعظةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًا، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فإنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ» (٣). فأخذوا بِسُُنَّتِهِ ﵊، وتمسكوا بها , وَأَبَوْا أنْ يكونوا ذلك الرجل الذي ينطبق عليه قوله ﵊: «يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ

стр. 86

حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (١)، بل وقفوا من السُنَّةِ موقفًا عظيمًا، وَرَدُّوا على كل من فهم ذاك الفهم، رَوَى أَبُو نَضْرَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَحَدَّثَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: حَدِّثُوا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَلاَ تُحَدِّثُوا عَنْ غَيْرِهِ. فَقَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ صَلاَةَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا [بِالْقِرَاءَةِ]؟، وَعَدَّ الصَّلَوَاتِ وَعَدَّ الزَّكَاةَ وَنَحْوِهَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ قَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ، وَالسُنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (٢)، وَقَالَ رَجُلٌ لِلْتَّابِعِيِّ الجَلِيلِ مُطَرِّفْ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لا تُحدِّثُونا إلاَّ بِالقُرْآنِ. فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلاً، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالقُرْآنِ مِنَّا» (٣). وسنستعرض الآن تَأَسِّي الصحابة والتابعين بالرسول وَتَمَسُّكَهُمْ بِالسُنَّةِ المُطَهَّرَةِ، ثم احتياطهم وورعهم في رواية السُنَّةِ، ثُمَّ تَثَبُّتَهُمْ في قبول الأخبار والآثار عن النبي ﷺ .

стр. 87

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: اقْتِدَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالرَّسُولِ ﷺ -: لقد استجاب المسلمون الأوائل إلى قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) فتفانوا في اتباع محمد ﷺ ، وساروا على هديه، وهذه صور سريعة عن تمسكهم بالسُنَّةِ النبوية، تتناول أحوال الرعية والرعاة في مختلف جوانب الحياة. فها هو ذا أبو بكر الصدِّيق يعقد لواء أسامة بن زيد، ويأبى أنْ يحتفظ بجيشه وهو في أشد الحاجة إليه، ويقول: «مَا كَانَ لِي أَنْ أَحِلَّ لِوَاءً عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ »، ويعقد اللواء لخالد بن الوليد ليقاتل المُرْتَدِّينَ، وَيَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «نِعْمَ عَبْدُ اللهِ وَأَخُو العَشَيرَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَسَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ ، سَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ» (٢). وتأتيه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تطلب سهم رسول الله ﵊، فيقول لها: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالَتْ فَأَنْتَ وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ» (٣) وقال: في رواية: «لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

стр. 88

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ» (١). ولما ارْتَدَّ مسيلمة الكذاب وقومه قال عمر لأبي بكر ﵄: «تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) -؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " وَاللهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَلأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا "» (٢). وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ، أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِىِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي خِلافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالاً، فَإِذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عَمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلا تَفْعَلْ، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ الذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، قَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَمَا لاَ، فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» (٣).

стр. 89

وَعَنْ فَرُّوخَ، مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّ عُمَرَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -، خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ فَرَأَى طَعَامًا مَنْثُورًا، فَقَالَ: مَا هَذَا الطَّعَامُ؟ فَقَالُوا: طَعَامٌ جُلِبَ إِلَيْنَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَفِيمَنْ جَلَبَهُ، قِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ قَدِ احْتُكِرَ، قَالَ: وَمَنِ احْتَكَرَهُ؟ قَالُوا: فَرُّوخُ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَفُلانٌ مَوْلَى عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمَا عَلَى احْتِكَارِ طَعَامِ المُسْلِمِينَ؟ قََالاَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا، وَنَبِيعُ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ، ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالإِفْلاسِ، أَوْ بِجُذَامٍ»، فَقَالَ فَرُّوخُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أُعَاهِدُ اللَّهَ، وَأُعَاهِدُكَ، أَنْ لاَ أَعُودَ فِي طَعَامٍ أَبَدًا، وَأَمَّا مَوْلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّمَا نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا وَنَبِيعُ. قَالَ أَبُو يَحْيَى: فَلَقَدْ رَأَيْتُ مَوْلَى عُمَرَ مَجْذُومًا (١). وفي وقعة اليرموك كتب القادة إلى عمر بن الخطاب: «إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا المَوْتُ» يستمدونه، فكان فيما أجابهم: «إِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا وَأَحْضَرُ جُنْدًا، اللَّهُ فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي أَقَلَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي هَذَا فَقَاتِلُوهُمْ، وَلا تُرَاجِعُونِي» (٢)!! وهكذا كان الصحابة يَتَمَسَّكُونَ بِهُدَى النَّبِيِّ ﷺ

стр. 90

وَسُنَّتِهِ، ولو كانوا يشرفون على الموت والهلاك. وكان الصحابة جَمِيعًا يحرصون على سُنَنِ النبي ﵊، ويأمر بعضهم بعضًا باتباعها، مِنْ ذَلِكَ أََنَّ عُمَرَ بْنُ الخَطَّابِ رَأَى زَيْدَ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ يَرْكَعُ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ فَمَشَى إِلَيْهِ وَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اضْرِبْ فَوَاللَّهِ لاَ أَدَعْهُمَا بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «يَا زَيْدُ لَوْلاَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ [يَتَّخِذَهُمَا] النَّاسُ سُلَّمًا إِلَى الصَّلاَةِ حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِبْ فِيهِمَا» (١). ويرى عمر ﵁ الناس قد أقبلوا على طيبات الدنيا مما أَحَلَّ لهم الله تعالى، فيُذكِّرهم برسولهم ﷺ ، فيقول: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي، مَا يَجِدُ دَقَلاً يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ». (٢). لقد كان عمر ﵁ وصحابة رسول الله ﷺ يَتَأَسَّوْنَ بالرسول الكريم ما استطاعوا في جميع أحوالهم، فلما طعن عمر ﵁ قِيلَ لَهُ: أَلاَ تَسْتَخْلِفُ؟ فَقَالَ: «إِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ» (٣). حَدَّثَ مَالِكٌ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ، إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالاً، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللهِ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ

стр. 91

أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي، أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقٍ» أَنْشُدُكَ اللهَ يَا عُثْمَانُ، أَسَمِعْتَهُ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -؟ قَالَ: نَعَمْ (١). عَطَاءٌ الخُرَاسَانِيَّ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ قَاعِدًا فِي المَقَاعِدِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ: " قَعَدْتُ مَقْعَدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَكَلْتُ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ، وَصَلَّيْتُ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ "» (٢). وَعَنْ مَيْسَرَةَ بْنَ يَعْقُوبٍ الطُّهَوِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، يَشْرَبُ قَائِمًا قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ تَشْرَبُ قَائِمًا؟ فَقَالَ: «إِنْ أَشْرَبْ قَائِمًا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا، وَإِنْ أَشْرَبْ قَاعِدًا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَاعِدًا» (٣). وَعَن عَبْدِ خَيْرٍ بن يَزِيدٍ الخَيْوَانِىِّ الهَمَدَاني (تابعي) عَنْ عَلِىِّ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أُرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا» (٤). وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ، سُبْحَانَ الَّذِي

стр. 92

سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ»، ثُمَّ حَمِدَ اللهَ ثَلاثًا، وَكَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَكَ لاَ إِلَهَ إِلا أَنْتَ، قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي». ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَعْجَبُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي» (١). وكان الصحابة يَتَأَسَّوْنَ بالرسول الكريم، ويحافظون على سُنَّتِهِ، سواء أعرفوا علة ذلك أم لم يعرفوا عِلَّةَ ذلك أم لم يعرفوا، وسواء أَتَوَقَّعُوا حكمة لما يفعلون أم لم يَتَوَقَّعُوا، وقد اشتهر عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ بمحافظته الشديدة على سُنَنِ رسول الله ﷺ ، فكان الرسول أسوته في كل شيء، في صلاته وَحَجِّهِ وصيامه، حتى في قضاء حاجته (٢) وكان كثيراً ما يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣)، وكان إذا سمع من الرسول ﷺ شيئًا، أو شهد معه مشهدًا، لم يُقَصِّرْ دُونَهُ أَوْ يَعْدُوهُ (٤)، كان يقف عند الحد الوارد في الحديث أو الفعل النبوي من غير إفراط ولا تفريط. عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ عَنْهُ، فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ» (٥)، وَكَانَ يَأْتِي

стр. 93

شَجَرَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ فَيَقِيلُ تَحْتَهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (١). ووقف عمر بن الخطاب على الركن قائلاً: «إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْ لَمْ أَرَ حَبِيبِي ﷺ قَبَّلَكَ أَوْ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ وَلاَ قَبَّلْتُكَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» (٢). وكان ينهى أن يزيد إنسان على ما فعله رسول الله ﷺ قَالَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ،: طُفْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي البَابَ مِمَّا يَلِي الحَجَرَ، أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِيَسْتَلِمَ، فَقَالَ: «أَمَا طُفْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟»، قُلْتُ: «بَلَى»، قَالَ: «فَهَلْ رَأَيْتَهُ يَسْتَلِمُهُ؟»، قُلْتُ: «لاَ»، قَالَ: «فَانْفُذْ عَنْكَ فَإِنَّ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةً حَسَنَةً» (٣). وَقَالَ عليٍّ ﵁ في القيام للجنازة: «قَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا» (٤). وكان رسول الله ﷺ قد أمر الصحابة ومن معه يوم الفتح بِأَنْ يكشفوا عن مناكبهم، ويهرولوا في الطواف، ليرى المشركون قُوَّتَهُمْ وَجَلَدَهُمْ، وقويت دولة الإسلام ورأى عمر أَنَّ هذا الأمر قد ذهبت عِلَّتُهُ، ولكنه قال: «فِيمَ الرَّمَلانُ (٥) الآنَ، وَالكَشْفُ عَنِ المَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ اللهُ الإِسْلامَ، وَنَفَى الكُفْرَ

стр. 94

وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١). وَقِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: لاَ نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ اللهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ ، وَلاَ نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا يَفْعَلُ» (٢). وفي رواية «وَكُنَّا ضُلاَّلاً فَهَدَانَا اللهُ بِهِ، فَبِهِ نَقْتَدِي» (٣). كان الصحابة ﵃ لا يرضون ترك سُنَّةٍ كان عليها رسول الله ﷺ ولا يقبلون مع السُنَّةِ رأي أحد مهما كان شأنه، ومهما علت مكانته بل كانوا يغضبون عضبًا شديدًا وينكرون إنكارًا قَوِيًّا على من لا يستجيب لِسُنَّةٍ سَنَّهَا الرسول الكريم، أو لِخُلُقٍ تَخَلَّقَ بِهِ، ولو كان من ينكرون ذلك عليهم ولدهم أو أقرب الناس إليهم. ومن ذلك ما رواه سعيد بن جُبير عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ (٤) أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا إِلَى جَنْبِهِ ابْنُ أَخٍ لَهُ فَخَذَفَ (٥) فَنَهَاهُ وَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا وَقَالَ: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكِي عَدُوًّا، وَإِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ،

стр. 95

وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ قَالَ: فَعَادَ ابْنُ أَخِيهِ فَخَذَفَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا!!» (١). وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي المَسْجِدِ» فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ (٢). وفي رواية: «فَانْتَهَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أُفٍّ لَكَ!! أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لاَ أَفْعَلُ» (٣). وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ المُتْعَةِ!! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ!! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ! أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ!! (٤). وهذا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، النَّقِيبَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ

стр. 96

بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، لاَ زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلاً نَظِرَةً»، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا الوَلِيدِ لاَ أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ»، فَقَالَ عُبَادَةُ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ، لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ، فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، لاَ إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ، فَإِنَّهُ هُوَ الأَمْرُُُ» (١). أولئك صحابة رسول الله الذين حفظوا سُنَّتَهُ، وَوَجَّهُوا الأُمَّةَ إلى السبيل القويم، وحملوا الأمراء على تطبيق أحكام الشريعة، وَأَبَوْا أَنْ يماروا في دين الله صَادِعِينَ بِالحَقِّ، لا يخافون لومة لائم. وَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ اسْتِلاَمِ الحَجَرِ فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «اجْعَلْ (أَرَأَيْتَ) بِاليَمَنِ!! رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ» (٢). وَعَنْ وَبَرَة بنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَنَا مُحْرِمٌ؟ قَالَ: «مَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ؟»، قَالَ: إِنَّ فُلاَنًا يَنْهَانَا عَنْ

стр. 97

ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ مِنْ المَوْقِفِ وَرَأَيْتُهُ كَأَنَّهُ مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَسُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ مِنْ سُنَّةِ ابْنِ فُلاَنٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» (١). وفي رواية أخرى: صَرَّحَ بِأَنَّ الذِي كُنِّيَ عَنْهُ بِفُلاَنٍ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ». وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِالذِي أَنْزَلَ اللهُ مِنْ الرُّخْصَةِ بِالتَّمَتُّعِ، وَبِمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ، فَيَقُولُ نَاسٌ لابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تُخَالِفُ أَبَاكَ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ: «وَيْلَكُمْ، أَلاَ تَتَّقُونَ اللهَ، إِنْ كَانَ عُمَرُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَيَبْتَغِي فِيهِ الخَيْرَ يَلْتَمِسُ بِهِ تَمَامَ الْعُمْرَةِ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ ذَلِكَ وَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ وَعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟!، أَفَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، أَمْ سُنَّةَ عُمَرَ؟ إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ إِنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ» (٢). وفي ختام ذلك أسوق تمسك عبد الله بن عمرو بن العاص بعبادته التي فارق عليها رسول الله ﷺ ، فقد كان عبد الله بن عمرو من أعبد الصحابة وأورعهم وأزهدهم، كثير الصيام والقيام، وكان رسول الله ﷺ

стр. 98

وقد رَخَّصَ له أن يصوم أَيَّامًا من كل شهر إلاَّ أنه وجد في نفسه القوة على الصيام وأراد أَنْ يصوم الدهر كله، وفي آخر أيامه ضعف عن ذلك فقال: «لأََنْ أَكُونَ قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ أَوْ عَدَلَ، لَكِنِّي فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ» (١). ...

стр. 99

المَبْحَثُ الثَّانِي: احْتِيَاطُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي رِوَايَةِ الحَدِيثِ: لقد عرف الصحابة منزلة السُنَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَتَتَبَّعُوا آثار رسول الله ﷺ ، وَأَبَوْا أنْ يخالفوها متى ثبتت عندهم، كما أَبَوْا أنْ ينحرفوا عن شيء، فارقهم عليه، واحتاطوا في رواية الحديث ﵊، خشية الوقوع في الخطأ، وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَى السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ الكذب أو التحريف، وهي المصدر التشريعي الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا تَتَبَّعُوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فآثروا الاعتدال في الرواية عن رسول الله ﷺ بل إِنَّ بعضهم فَضَّلَ الإقلال منها، قال ابن قتيبة: «كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأنْ يُقِلُّوا الرواية، يريد بذلك ألاَّ يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ ، كأبي بكر والزُبير وأبي عُبيدة والعباس بن عبد المطلب - يُقِلُّونَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة» (١). والتزم الصحابة - في الخلافة الراشدة - منهاج عمر ﵁، وأتقنوا أداء الحديث، وضبطوا حروفه ومعناه (٢)، وكانوا يخشون كثيرًا أنْ يقعوا في الخطأ، لذلك نرى بعضهم - مع كثرة تحمُّلهم عن الرسول - صَلَّى

стр. 100

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إنَّ منهم من كان لا يحدث حَدِيثًا فِي السُنَّةِ، ونرى من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَرَعًا واحترامًا لحديث رسول الله ﷺ ، ومن هذا، مَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ، قَالَ: " مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلاَّ أَتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَنَكَسَ، قَالَ: «فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً، أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدْ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ» قَالَ: «أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ» (١). وَقَالَ أَنَسُ بْنَ مَالِكٍ ﵁: «لَوْلاَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكُمْ بِأَشْيَاءَ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢). وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ، قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللِه ﷺ (٣)، وكذلك كان يفعل أبو الدرداء وغيره. وَجَالَسَ الشَّعْبِيُّ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَمَا سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا (٤). وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا

стр. 101

أنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١). وَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ: أَنَّ بَنِي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالُوا لأَبِيهِمْ: يَا أَبَانَا أَلا تُحَدِّثُنَا كَمَا تُحَدِّثُ الْغُرَبَاءَ؟ قَالَ: «أَيْ بَنِيَّ إِنَّهُ مَنْ يُكْثِرْ يُهْجِرْ» (٢). وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: «أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إِيَّاهُ، وَلاَ يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ وَدَّ أنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ المَسْأَلَةَ فَيَرُدَّهَا هَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الأَوَّلِ» (٣). قَالَ مُجَاهِدٌ: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ هَذَا الحَدِيثِ: " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ "» (٤). وَقَالَ: السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ صَحِبَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: «فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا حَتَّى رَجَعَ» (٥). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، مَالِيَ لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً، يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ

стр. 102

عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١) وَفِي رِوَايَةٍ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٢). وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: قُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «كَبِرْنَا وَنَسِينَا , وَالحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَدِيدٌ» (٣). هكذا تشدَّدَ الصحابة في الحديث، وأمسك بعضهم عنه كراهية التحريف، أو الزيادة والنقصان في الرواية عن الرسول ﷺ لأَنَّ كثرة الرواية كانت في نظر كثير منهم مظنة الوقوع في الخطأ، والكذب على رسول الله ﷺ ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الكذب عليه وعن رواية ما يرى أنه كذب، من ذلك قوله ﵊: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبَيْنِ» (٤). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٥). وكان الصحابة ﵃ يخشون أنْ يقعوا في الكذب عامة، فكيف

стр. 103

يَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «إذا حدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا فَلأَنْ أَخِرَّ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ ... » (١). وقد تَشَدَّدَ عمر بن الخطاب في تطبيق هذا المنهج، فحمل الناس على التثبت مِمَّا يسمعون، والتروي فيما يُؤَدُّونَ، فكان له الفضل الكبير في صيانة الحديث من الشوائب وَالدَّخل، وقد طَبَّقَ ذلك الصحابة أَيْضًا، يقول ابن مسعود: «لَيْسَ العِلْمُ بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّ العِلْمَ الْخَشْيَةُ» (٢). ويُصوِّرُ لنا أبو هريرة ﵁ محافظة الصحابة على السُنَّةِ في عهد عمر بإجابته عن سؤال طرحه عليه أبو سلمة، قال له: أكُنتَ تُحدِّثُ فِي زَمَانِ عُمَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ أُحَدِّثُ فِي زَمَانِ عُمَرَ مِثْلَ مَا أُُحَدِّثُكُمْ لَضَرَبَنِي بِمِخْفَقَتِهِ» (٣). وفي رواية: «لَقَدْ حَدَّثَتُكُمْ بِأَحَادِيثَ، لَوْ حَدَّثْتُ بِهَا زَمَنَ عُمَرَ لَضَرَبَنِي عُمَرُ بِالدِّرَّةِ» (٤). وقد كان تَشَدُّدَ عمر هذا والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم، بجانب المحافظة على السُنَّةِ، فقد خشي أنْ يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم، وهو دستور الإسلام، فأراد أنْ يحفظ المسلمون القرآن جَيِّدًا، ثم يعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن قد دُوِّنَ كله في عهد الرسول ﷺ كالقرآن. فنهج لهم التثبت العلمي والإقلال من الرواية مخافة الوقوع

стр. 104

في الخطأ، وقد عرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد فسمح لهم بالتحديث. وَيَتَجَلَّى منهاج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في وَصِيَّتِهِ التي أوصى بها وفده إلى الكوفة فيما روي عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى الكُوفَةِ، وَشَيَّعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ قُرْبَ المَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: صِرَارٌ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟» قَالَ: «قُلْنَا: لِحَقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِحَقِّ الأَنْصَارِ». قَالَ: «لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثكُمْ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لِمَمْشَايَ مَعَكُمْ: إِنَّكُمْ تَقْدِمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ المِرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فأقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَا شَرِيكُكُمْ» (١). وفي رواية: «فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ قَالُوا: " حَدِّثْنَا "، قَالَ: " نَهَانَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ "» (٢). ورُوِيَ عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أنه اتَّبَعَ منهج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ ومنع الإكثار من الرواية، قَالَ مَحْمُودٌ بْنُ لَبِيدٍ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ يَرْوِي حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ أَسْمِعْ بِهِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَلاَ عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ لا أكون أوعى لأصحابه منه، ألاَ إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

стр. 105

«مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١). وقد سبق لي أنْ بيَّنتُ تطبيق الإمام عَلِيٍّ ﵁ لمنهج الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -. وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَقُولُ: «اتَّقُوا الرِّوَايَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلاَّ مَا كَانَ يُذْكَرُ مِنْهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخَوِّفُ النَّاسَ فِي اللهِ تَعَالَى» (٢). تلكم طريقة الصحابة ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله ﷺ ، خشية الوقوع في الخطأ، أو تَسَرُّبِ الدَسِّ إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أنْ تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذ به. فعلوا ذلك كله احْتِيَاطًا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زاهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلاً له. فلا يجوز لإنسان أنْ يفهم من منهاج الصحابة ومن تَشَدُّدِ عُمَرَ خاصة، هَجْرَ الصَّحَابَةِ لِلْسُنَّةِ أو زهدهم فيها، معاذ الله أن يقول هذا إلاَّ جاهل أو صاحب هوى، لا علم له بقليل من السُنَّةِ، ولم تخالط قلبه رُوحَ الصحابة، ولا أنار سبيله قبس مِنْ هُدَاهُمْ، فقد ثبت عن الصحابة جَمِيعًا تَمَسُّكَهُمْ بالحديث الشريف وإجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فإنْ وجدوا فيه ما يريدون تَمَسَّكُوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإنْ

стр. 106

يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى «السُنَّةِ»، فإنْ رُوِيَ لهم خبر أخذوا به، ونزلوا على حكمه، وإنْْ لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد والرأي (١). وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصدِّيق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإنْ وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإنْ لم يجد في كتاب الله نظر في سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، فإنْ وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإنْ أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أنَّ رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإنْ لم يجد سُنَّةً سَنَّهَا النَّبِيُّ ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم (٢) .. وكان عمر ﵁ يفعل ذلك. هكذا كان منهج الصحابة جَمِيعًا في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أَنْ يتَّخذ بعض ما ورد عن الصحابة ذريعة لهواه، ونستعرض موقف بعض علماء الحديث في ذلك. ١ - رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ: قال: «احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لاَ عِلْمَ لَهُ وَلاَ مَعْرِفَةً مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَغَيْرِهِمْ، الطَّاعِنِينَ فِي السُّنَنِ، بِحَدِيثِ عُمَر هَذَا قَوْلُهُ: " أَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » .. وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سُنَنِ رسول الله ﷺ ، التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلاَّ بها، والطعن على أهلها ولا حُجَّةَ في هذا الحديث، ولا دليل على شيء مِمَّا ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم، منها:

стр. 107

- أنَّ وجه قول عمر كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه، إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك. - وقال غيره: إنَّ عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حُكْمًا ولا يكون سُنَّةً. - وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وَرَدَّهُ، لأنَّ الآثار الثابتة عن عمر خلافه، منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ أَنْ أَقُولَهَا [لاَ أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي] فَمَنْ وَعَاهَا وَعَقِلَهَا وَحَفِظَهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَلاَّ يَعِيَهَا فَإِنِّي لاَ أُحِلُّ [لأَحَدٍ] أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ ... » (١). وهذا يدل على أَنَّ نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ إنما كان خوف الكذب على رسول الله ﷺ ، وخوفًا من [أَنْ] يكونوا - مع الإكثار - يُحَدِّثُونَ بما لم يَتَيَقَّنُوا حِفْظَهُ، وَلَمْ يَعُوهُ، لأنَّ ضبط من قَلَّتْ روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم بالإقلال من الرواية، ولو كره الرواية، وَذَمَّهَا لنهي عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: «فَمَنْ حَفِظَهَا وَوَعَاهَا، فَلْيُحَدِّثْ بِهَا»، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم، بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله - صَلَّى اللهُ

стр. 108

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويأمرهم بالإقلال منه، وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه، بقوله: «مَنْ حَفِظَ مَقَالَتِي وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ» ثم قال: «وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعِيَهَا فَلاَ يَكْذِبْ عَلَيَّ» وهذا يُوضِّحُ لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على (بيان) (١) عن (الشعبي) وليس مثله حُجَّةٌ في هذا الباب، لأنه يعارض السُنَنَ وَالكِتَابَ. قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) ... وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ... ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه (٤) والتأسي به، والوقوف عند أمره، إلاَّ بالخبر عنه، فكيف يَتَوَهَّمُ أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به، وقد قال رسول الله ﷺ : «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ... » الحديث. وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه ﷺ ، وقال: «خُذُوا عَنِّي فِي غَيْرِ مَا حَدَّثْتُ وَبَلِّغُوا عَنِّي»، والكلام في هذا أوضح من النهار لأُولِي النُّهَى والاعتبار. ولا يخلو الحديث عن رسول الله ﷺ من أنْ يكون خَيْرًا أَوْ شَرًّا. فإنْ كان خَيْرًا ولا شك في أنه خير فالإكثار من الخير أفضل، وإنْ كان شَرًّا - فَلاَ (٥)

стр. 109

يجوز أن يَتَوَهَّمَ أَنَّ عمر يوصيهم بالإقلال من الشر (١). وهذ يَدُلُّكَ أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ ، وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن، لأنَّ المكثر لا تكاد تراه إلاَّ غير مُتَدَبِّرٍ ولا مُتَفَقِّهٍ. وذكر مسلم بن الحَجَّاجِ في كتاب " التمييز " ... عن قيس بن عُبادة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا، فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ فَقَدْ سَلِمَ». ومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يُرْوَى عن عمر أنه كان يقول: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ». فسَوَّى بينهما، ... وكتب عمر: «تعلَّمُوا السُنَّةَ وَالفَرَائِضَ وَاللَّحْنَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ» ... قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وَتَصَرُّفِهِ وَالحُجَّةُ بِهِ، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف بل في مواقف شتى: مَنْ عنده علم عن رسول الله ﷺ في كذا، نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط مَيِّتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك ... وكيف يَتَوَهَّمُ على عمر ما تَوَهَّمَهُ الذين ذكرنا قولهم وهو القائل: «إِيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا» ... وعمر أَيْضًا هو القائل: «خَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ »، وهو القائل: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ... ». ويقول ابن عبد البر: «وَقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الآثَارُ كُلُّهَا عَنْ عُمَرَ صَحِيحَةً مُتَّفِقَةً، وَيَخْرُجُ مَعْنَاهَا عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ، وَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا وَأَتْقَنَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ، وَأَنَّ الإِكْثَارَ يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى التَّقَحُّمِ فِي

стр. 110

أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ مِنَ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَغَثٍّ وَسَمِينٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم ... وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ ﵁ مَا ذَكَرْنَا لَكَانَتِ الحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ قَوْلِهِ، فَهُوَ الْقَائِلُ: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا وَبَلَّغَهَا» ... وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ»، رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم. اهـ.) (١). ٢ - رَأْيُ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ: قال الخطيب: «إنْ قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم (٢) عن رسول الله ﷺ ، وتشديده عليهم في ذلك، قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين، لأنه خاف أَنْ يتَّكِلُوا عن الأعمال وَيَتَّكِلُوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يَرِدُ الحَدِيثُ مُجْمَلاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أَنْ يُحْمَلَ حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه والحكم بخلاف ما أخذ، ونحو هذا، الحديث الآخر ... عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عُفَيْر فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ»، قُلْتُ: أَفَلاَ
следующие страницы →