← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أن يشتغلوا بغير القرآن الكريم، ونراه يكتب بعض السُنَّةِ بيده حين زالت علة المنع، فَعَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ قَالَ: «أَخْرَجَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كِتَابًا وَحَلَفَ لِي: إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ بِيَدِهِ» (١). وهذا عَلِيٌّ ﵁ يخطب في الناس قائلاً: «أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابٌ إِلاَّ رَجَعَ فَمَحَاهُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ حَيْثُ [تَتَبَّعُوا] أَحَادِيثَ عُلَمَائِهِمْ وَتَرَكُوا كِتَابَ رَبِّهِمْ» (٢). وأبى زيد بن ثابت أن يكتب عنه مروان بن الحكم (٣) وقال: «[أَتَدْرُونَ] لَعَلَّ كُلَّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ لَيْسَ كَمَا حَدَّثْتُكُمْ» (٤) وفي رواية قال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا [أَنْ لاَ] نَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ» [فَمَحَاهُ] (٥). وكذلك أَبَى أبو هريرة أن يكتب عنه كاتب مروان بن الحكم (٦) وكان أحيانًا يقول: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يَكْتُبُ» (٧)، وفي رواية: «نَحْنُ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نُكْتِبُ» (٨). وقال ابن عباس: «إِنَّا لاَ نَكْتُبُ العِلْمَ وَلاَ نُكْتِبُهُ» (٩)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه كان ينهى عن كتابة العلم، وقال:

стр. 317

«إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالكُتُبِ» (١). وقد تمسك أبو سعيد الخُدري بحديث رسول الله ﷺ الذي رواه في النهي عن كتابة غير القرآن. وَأَبَى أَنْ يُكْتِبَ أَبَا نَضْرَةَ حِينَ قَالَ لَهُ هَذَا: أَلاَ تُكْتِبُنَا، فَإِنَّا لاَ نَحْفَظُ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «لاَ، إِنَّا لَنْ نُكْتِبَكُمْ، وَلَنْ نَجْعَلَهُ قُرْآنًا، وَلَكِنِ احْفَظُوا عَنَّا، كَمَا حَفِظْنَا نَحْنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢). وَيُرْوَى عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يكره كتابة الحديث، رُوِيَ عَنْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نَخْتَلِفُ فِي أَشْيَاءَ فَنَكْتُبَهَا فِي كِتَابٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهَا ابْنَ عُمَرَ أَسْأَلُهُ عَنْهَا خُفْيًا (٣) فَلَوْ عَلِمَ بِهَا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» (٤). وكره أبو موسى أن يكتب ابنه عنه مخافة أن يزيد أو ينقص، وَمَحَا مَا كَتَبَهُ بالماء (٥) وفي رواية قال: «احْفَظُوا عَنَّا كَمَا حَفِظْنَا» (٦)، وفي رواية عنه أنه قال: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَتَبُوا كِتَابًا وَاتَّبَعُوهُ وَتَرَكُوا التَّوْرَاةَ» (٧). هؤلاء معظم الذين كرهوا كتابة الحديث في الصدر الأول، حاولت أن

стр. 318

أثبت رأي كل منهم إلى جانب وجهة نظره فيما ذهب إليه من المنع والكراهة، لأتمكن من استنتاج أسباب هذه الكراهة، فوجدت كما قال الخطيب البغدادي: «أَنَّ كَرَاهَةَ [مَنْ كَرِهَ] الْكِتَابَ مِنَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ إِنَّمَا هِيَ لِئَلاَّ يُضَاهَى بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُ , أَوْ يُشْتَغَلَ عَنِ القُرْآنِ بِسِوَاهُ، وَنُهِيَ عَنِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ أَنْ تُتَّخَذَ لأَنَّهُ لاَ يُعْرَفُ حَقُّهَا مِنْ بَاطِلِهَا، وَصَحِيحِهَا مِنْ فَاسِدِهَا , مَعَ أَنَّ القُرْآنَ كَفَى مِنْهَا، وَصَارَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهَا , وَنُهِيَ عَنْ كَتْبِ العِلْمِ فِي صَدْرِ الإِسْلاَمِ وَجَدْتُهُ لِقِلَّةِ الفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ , وَالمُمَيِّزِينَ بَيْنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ , لأَنَّ أَكْثَرَ الأَعْرَابِ لَمْ يَكُونُوا فَقِهُوا فِي الدِّينِ وَلاَ جَالَسُوا العُلَمَاءَ العَارِفِينَ , فَلَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُلْحِقُوا مَا يَجِدُونَ مِنَ الصُّحُفِ بِالقُرْآنِ , وَيَعْتَقِدُوا أَنَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كَلاَمُ الرَّحْمَنِ» (١)، أضف إلى هذا ورع الصحابة وخشيتهم من أن يكون ما يملونه أو يقيدونه غير ما سمعوه من الرسول ﵊. من أجل هذا أولى الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كتاب الله في هذه الحقبة عناية الحفظ في الصحف والمصاحف وفي الصدور، وجمعوه في عهد الصِدِّيقِ، ونسخوه في عهد عثمان، وبعثوا به إلى الآفاق، ليضمنوا حفظ المصدر التشريعي الأول من أن تشوبه أية شائبة، ثم حافظوا على السنة بدراستها و [مُذَاكَرَتِهَا] وكتابتها أحيانًا عند زوال مانع الكراهة، وقد ثبت عن كثير من الصحابة الحث على كتابة الحديث، وإجازة تدوينه. ولا نشك في هذه الأخبار كما شك غيرنا، لأننا لا نرى فيها ذلك التعارض الذي تصوره بعض المستشرقين (٢)، حتى استجازوا لأنفسهم أن يحكموا على

стр. 319

بعضها بالوضع والاختلاق، وسنوجز فيما يلي بعض ما روي عن الصحابة من إجازة تقييد الحديث، ليتبين صحة ما ذهبنا إليه. وقبل أن أتناول هذه الأخبار لاَ بُدَّ لي من أن أقلب النظر فيما روي عن محاولة عمر ﵁ جمع السنة وتدوينها، كما جمع القرآن الكريم، ثم عدوله عن ذلك خَوْفًا من أن يلتبس الكتاب بالسنة، وخشية ألا يميز المسلمون الجدد بينهما. أقول: إن محاولته هذه تدل على اقتناعه بجواز كتابة الحديث الشريف، وهذا ما انتهى به أمر رسول الله ﷺ بعد النهي عن الكتابة، ولو شك عمر ﵁ في الجواز - مَا هَمَّ بأن يفعل ما منعه رسول الله ﷺ ، وما كرهه، فإحجام الفاروق لم يكن لكراهة الكتابة، بل لمانع يقتضي أن يتريث في التدوين والجمع لمصلحة أخطر وأعظم، ولذلك رأيناه يكتب بنفسه لمن يأمن عليه اللبس ويثق به، وربما سمح عمر ﵁ بالكتابة بعد أن رأى حفظ الأمة لكتاب الله تعالى بجمعه في المصحف الشريف، ويقوي هذا ما يروى عن عمرو بن أبي سفيان من أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «قيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ» (١). ثم إن بعض الصحابة أنفسهم قد أجاز الكتابة، وكتب بعضهم بيده، وتغير رأي من عرف منهم النهي عن كتابة الحديث حينما زالت أسباب المنع، وخاصة بعد أن جمع القرآن في المصاحف وأرسل إلى الآفاق. ولا ينقض هذا الرأي الذي ذهبنا إليه ما رُوِيَ عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق كتب له فرائض في الصدقة التي سَنَّهَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 320

وَسَلَّمَ - (١) بأن هذا كان قبل نسخ المصاحف، لأننا لم نجعل الخشية من التباس الكتاب بِالسُنَّةِ السبب الوحيد لمنع الكتابة، بل هناك أسباب أخرى قد ذكرتها فيما سبق، ثم إن أنسًا ﵁ ممن لا يلتبس عليه ذلك، لأنه خدم رسول الله ﷺ وعرفه وتلقى عنه عشر سنوات، وعلى هذا نقول: إنه ثبت عن أبي بكر كتابة شيء من السُنَّةِ وكذلك ثبت عن الفاروق مثل ذلك (٢). وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «مَا كُنَّا نَكْتُبُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [مِنَ الأَحَادِيثِ] (*) إِلاَّ الاسْتِخَارَةَ وَالتَّشَهُّدَ» (٣) فهذا دليل على كتابة الصحابة غير القرآن الكريم في عهده ﷺ ، وعلى عدم كراهة ابن مسعود للكتابة، وقد روينا خبر الكتاب الذي كان عند ابنه بخط يده (٤). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أنه كان يحض على طلب العلم وكتابته، فقد قال: «مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي عِلْمًا بِدِرْهَمٍ؟» , قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ: يَقُولُ: «يَشْتَرِي صَحِيفَةً بِدِرْهَمٍ يَكْتُبُ فِيهَا العِلْمَ» (٥)، وخبر صحيفة عَلِيِّ ﵁ مشهور، وقد كانت معلقة في سيفه، فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات (٦) ... وَهَذَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ يَقُولُ لِبَنِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ «تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا، فَإِنَّكُمْ صِغَارُ قَوْمٍ اليَوْمَ، وَتَكُونُونَ كِبَارَهُمْ غَدًا، فَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْكُمْ

стр. 321

فَلْيَكْتُبْ» (١)، وفي رواية: «فَلْيَكْتُبْهُ وَلْيَضَعْهُ فِي بَيْتِهِ» (٢). وهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول لابن أختها عروة بن الزبير: «يَا بُنَيَّ [إِنَّهُ] يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ»، [فَقُلْتُ] لَهَا: «أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ». فَقَالَتْ: «هَلْ تَسْمَعُ فِي المَعْنَى خِلاَفًا؟»، قُلْتُ: «لاَ»، قَالَتْ: «لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ» (٣)، فلو كرهت عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - الكتابة لمنعته ونهته، ولكنه لم يحدث شيء من هذا، بل لم تر بأسًا بعمله. وهذا أبو هريرة ﵁ يسمح لبَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ أن يكتب عنه، ويجيزه بالرواية عنه (٤)، وفي رواية يقول بشير: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِكِتَابِي الذِي كَتَبْتُهُ عَنْهُ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: «هَذَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟» قَالَ: «نَعَمْ» (٥)، وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى كُتُبًا كَثِيرَةً عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَة (٦). وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ، وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ» (٧).

стр. 322

وكتب زياد بن أبي سفيان إلى السيدة عائشة ﵂ يسألها عن الحاج الذي يرسل هديه، وهل يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر، كما أفتى ابن عباس؟ فأجابته عن هدي رسول الله ﷺ ، وقالت: «فَلَمْ يَحْرُمْ [عَلَى] رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ» (١). وَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُ أَبَا رَافِعٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ أَلْوَاحٌ يَكْتُبُ فِيهَا» (٣)، وكان ابن عباس يحض على التعلم والكتابة ويقول: «قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ، مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي عِلْمًا بِدِرْهَمٍ» (٤)، وكان يقول أحيانًا: «إِنَّا لاَ نَكْتُبُ فِي الصُّحُفِ إِلاَّ الرَّسَائِلَ وَالقُرْآنَ» (٥). إلا أننا نرى ابن عباس بنفسه يكتب غير الرسائل، فيملي التفسير على مجاهد بن [جبر]، ويقول له: «اكْتُبْ» (٦)، ويكتب إليه الحجاج أمير العراق يستفتيه في رجل أكره أخته، فيكتب إليه بحديث عن رسول الله ﷺ (٧). وسبق لي أن ذكرت كتابة عبد الله بن عمرو بن العاص، وسنتكلم عن صحيفته بعد قليل.

стр. 323

وهذا أبو سعيد الخدري الصحابي الجليل الذي روى عن رسول الله ﷺ حديث « ... وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» يقول: «كُنَّا لاَ نَكْتُبُ إِلاَّ القُرْآنَ وَالتَّشَهُّدَ» (١). وكان البراء بن عازب صاحب رسول الله ﷺ يُحَدِّثُ وَيُكْتِبُ مَنْ حَوْلَهُ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ [بْنِ حَنَشٍ] (*) قَالَ: «رَأَيْتُهُمْ عِنْدَ البَرَاءِ يَكْتُبُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِالقَصَبِ» (٢). وهذا وَرَّادُ كاتب المغيرة بن شعبة يكتب ين يدي المغيرة (٣). وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ غُدْوَةً حَتَّى يَنْظُرَ [فِي] كُتُبِهِ (٤). وهذا أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ وملازمه في بيته ليلاً ونهارًا عشر سنوات، كان يقول لبنيه: «يَا بَنِيَّ قيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ» (٥)، وَكَانَ يُمْلِي الحَدِيثَ (٦) حَتَّى إِذَا مَا كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ جَاءَ بِمَجَالَّ (٧) مِنْ كُتُبٍ، فَأَلْقَاهَا ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتُهَا وَكَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ , وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ» (٨).

стр. 324

تلك أخبار متعاضدة، تثبت أن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - قد أباحوا الكتابة، وكتبوا الحديث لأنفسهم، وكتب طلابهم بين أيديهم، وأصبحوا يتواصون بكتابة الحديث وحفظه، كما ثبت ذلك عن عَلِيٍّ ﵁، وعن ابن عباس، وعن الحسن، وأنس بن مالك ﵃، بعد أن كرهها بعض الصحابة عندما كانت أسباب المنع قائمة. ويتجلى لنا رجوع بعض من كره الكتابة عن رأيه مما رويناه عن ابن مسعود وعن أبي سعيد الخدري، إذ بعد أن كانوا يكرهون أن يكتبوا في الصحف غير القرآن كتبوا الاستخارة والتشهد، وفي هذا دليل واضح أن النهي عن كتب ما سوى القرآن إنما كان مخافة أن يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، وأن يُشتغل عن القرآن بسواه، ويقول الخطيب البغدادي: «فَلَمَّا أُمِنَ ذَلِكَ، وَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى كَتْبِ العِلْمِ لَمْ يُكْرَهْ كَتْبُهُ كَمَا لَمْ تَكْرَهِ الصَّحَابَةُ كَتْبَ التَّشَهُّدِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَبَيْنَ (١) غَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ فِي أَنَّ الجَمِيعَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَلَنْ يَكُونَ كَتْبُ الصَّحَابَةِ مَا كَتَبُوهُ مِنَ العِلْمِ وَأَمَرُوا بِكَتْبِهِ إِلاَّ احْتِيَاطًا كَمَا كَانَ [كَرَاهَتُهُمْ] لِكَتْبِهِ احْتِيَاطًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٢). ... ثَالِثًا - التَّدْوِينُ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ: لقد تلقى التابعون علومهم على يدي الصحابة، وخالطوهم وعرفوا كل شيء عنهم، وحملوا الكثير الطيب من حديث رسول الله ﷺ عن طريقهم، وعرفوا متى كره هؤلاء كتابة الحديث ومتى أباحوه، فقد تأسوا بهم

стр. 325

وهم الرعيل الأول الذين حفظوا القرآن والسنة، فمن الطبيعي أن تتفق آراء التابعين وآراء الصحابة حول حكم التدوين، فإن الأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين والصحابة على الكراهة هي نفسها التي حملت التابعين عليها، فيقف الجميع موقفًا واحدًا، ويكرهون الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة، ويجمعون على الكتابة وجوازها عند زوال تلك الأسباب، بل إن أكثرهم يحض على التدوين ويشجع عليه. ولن نستغرب أن نرى خبرين عن تابعي أحدها يمنع الكتابة والآخر يبيحها، ولن نعجب من كثرة الأخبار التي تدل على الكراهة في مختلف أجيال التابعين - كبارهم وأوسطهم وصغارهم - والأخبار التي تدل على الإباحة - ما دمنا نوجه كل مجموعة من هذه الأخبار وجهة تلائم الأسباب التي أدت إليها، ونرى أن سبيل الصحابة المتأخرين وكبار التابعين إباحة تقييد الحديث، بشروط تمتنع معها كراهته المأثورة عندهم عن النبي وكبار الصحابة (١)، فقد امتنع عن الكتابة من كبار التابعين عَبِيدَةُ بن عمرو السلماني المرادي (- ٧٢ هـ)، وإبراهيم بن يزيد التميمي (- ٩٢ هـ)، وجابر بن زيد (- ٩٣ هـ) وإبراهيم النخعي (- ٩٦ هـ)، ولم يرض عبيدة أن يكتب عنده أحد، ولا يقرأ عليه أحد (٢)، وقد نصح إبراهيم فقال له: «لاَ تُخَلِّدَنَّ عَنِّي كِتَابًا» (٣)، وقبل وفاته دعا بكتبه فأحرقها وقال: «أَخْشَى أَنْ يَلِيَهَا قَوْمٌ يَضَعُونَهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا» (٤)، وكره إبراهيم النخعي أن تكتب

стр. 326

الأحاديث في الكراريس، وتشبه بالمصاحف (١)، وكان يقول: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُُّ» (٢)، حتى إنه منع حماد بن سليمان من كتابة أطراف الأحاديث (٣)، ثم تساهل في كتابتها، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «رَأَيْتُ حَمَّادًا يَكْتُبُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ " أَلَمْ أَنْهَكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَطْرَافٌ "» (٤). ونسمع عَامِرًا الشَّعْبِيَّ (١٧ - ١٠٣ هـ) يردد عبارته المشهورة: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ، وَلاَ سَمِعْتُ مِنْ رَجُلٍ حَدِيثًا فَأَرَدْتُ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَيَّ» (٥). وقد ازدادت كراهة التابعين للكتابة عندما اشتهرت آراؤهم الشخصية فخافوا أن يُدَوِّنَهَا طلابهم مع الحديث، وتحمل عنهم، فيدخله الالتباس. ويمكننا أن نستنبط أن من كره الكتابة وأصر، إنما كره أن يدون رأيه، وفي هذا يقول الدكتور يوسف العش: «وَأَمَّا مَنْ وَرَدَ عَنْهُمْ

стр. 327

الاِمْتِنَاعَ عَنْ الإِكْتَابِ مِنْ هَذَا الجِيلِ، فَيُؤَوَّلُ اِمْتِنَاعُهُمْ بِمَا لاَ يُخَالِفُ مَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، فَهُمْ جَمِيعًا فُقَهَاءُ (١) وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ مُحَدِّثٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَالفَقِيهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَدِيثِ وَالرَّأْيِ، فَيَخَافُ تَقْيِيدَ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ إِلَى جَانِبِ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ ﷺ » (٢)، ويوضح هذا بأمثلة تثبت ما ذهب إليه، فيقول: «إننا نجد في الواقع أخبارًا تَرْوِي كراهتهم لكتابة الرأي، كاعتذار زيد بن ثابت عن أن يكتب عنه كُتَّابُ مروان ... وجاء رجل إلى سيعد بن المسيب - وهو من الفقهاء الذي رُوِيَ عنهم امتناعهم عَنْ الإِكْتَابِ - فسأله عن شيء فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه فأجابه، فكتب الرجل، فقال رجل من جلساء سعيد: «أَيُكْتَبُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ رَأْيُكَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ لِلْرَّجُلِ: " نَاوِلْنِيهَا "، فَنَاوَلَهُ الصَّحِيفَةَ فَخَرَقَهَا» (٣)، وَقِيلَ لِجَابِرٍ بْنَ زَيْدٍ: إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ رَأْيَكَ، قَالَ: «تَكْتُبُونَ مَا عَسَى أَرْجِعَ عَنْهُ غَدًا؟» (٤). وكل هذه الأقوال رويت من علماء، حَدَّثَ المؤرخون عنهم أنهم كرهوا إكتاب الناس، وهي تدل دلالة صريحة على أن الكراهة ليست في كتابة العلم أي الحديث، [بل] في كتابة الرأي، وأن [الأخبار] التي وردت في النهي دون تخصيص إنما قصد بها الرأي خاصة. ويشابه هذا الأمر ما حدث في أمر كراهة الرسول والصحابة الأولين: من التباس الحديث بالقرآن، أو الانكباب عليه.

стр. 328

دونه، فما كانوا يخشونه من الحديث، أصبح خشية التابعين الأولين من الرأي والتباسه بالحديث» (١). ويقوي هذا الرأي عندنا ما ورد عن هؤلاء التابعين من أخبار يحثون فيها على الكتابة ويسمحون لطلابهم أن يكتبوا عنهم، وقد نشطت الكتابة عندما فرق طلاب العلم بين النهي عن كتابة الرأي والنهي عن كتاب الرأي مع الحديث، ونرى التابعين ينكبون على الكتابة في حلقات الصحابة، بل إن بعضهم كان يحرص على الكتابة حرصًا شديدًا، فهذا سعيد بن جبير (- ٩٥ هـ) كان يكتب عن ابن عباس، فإذا امتلأت صحفه كتب في نعله حتى يملأها (٢)، وعنه قال: «كُنْتُ أَسِيرُ بَيْنَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَكُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْهُمَا، فَأكْتُبُهُ عَلَى وَاسِطَةِ الرَّحْلِ حَتَّى أَنْزِلَ فَأَكْتُبَهُ» (٣)، ورخص سعيد بن المسيب (- ٩٤ هـ) لعبد الرحمن بن حرملة بالكتابة حينما شكا إليه سوء حفظه (٤)، ونرى عامرًا الشعبي بعد أن كان يقول: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ ... » يُرَدِّدُ قَوْلَهُ: «الكِتَابُ قَيْدُ العِلْمِ» (٥)، وكان يحض على الكتابة ويقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي، شَيْئًا فَاكْتُبُوهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ» (٦)، ومع هذا فقد روى أنه

стр. 329

لم يوجد له بعد موته إلا كتاب بالفرائض والجراحات (١)، وإذا كانت كتبه التي تركها قليلة ولا تدل على نشاطه العلمي، فإننا نعزو هذا إلى قوة حافظته، لأنه كان يعتمد على الحفظ أكثر من اعتماده على الكتابة، وهذا لا ينافي قط إملاءه لطلابه وحثهم على الكتابة. ويقول الضحاك بن مزاحم (- ١٠٥ هـ): «إِذَا سَمِعْتَ شَيْئًا، فَاكْتُبْهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ» كما أنه أملى على حسين بن عقيل مناسك الحج (٢). وانتشرت الكتب حتى قال الحسن البصري (- ١١٠ هـ): «إِنَّ لَنَا كُتُبًا نَتَعَاهَدُهَا» (٣). وكان عمر بن عبد العزيز (٦١ - ١٠١ هـ) يكتب الحديث، روي عن أبي قلابة قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَمَعَهُ قِرْطَاسٌ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا لِصَلاَةِ العَصْرِ وَهُوَ مَعَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الكِتَابُ؟ قَالَ: " هَذَا حَدِيثٌ حَدَّثَنِي بِهِ عَوْنُ بْنُ عبْدِ اللَّهِ، فَأَعْجَبَنِي فَكَتَبْتُهُ " ... » (٤). وهذا يدل على أن الكتابة قد شاعت بين مختلف الطبقات ولم يعد أحد ينكرها في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني. وقد كثرت الصحف والكتب في ذلك الوقت حتى لنرى مجاهد بن جبر (- ١٠٣ هـ) يسمح لبعض أصحابه أن يصعدوا إلى غرفته فيخرج لهم كتبه فينسخون منها (٥).

стр. 330

ويطلب هشام بن عبد الملك من عامله أن يسأل رجاء بن حيوة (- ١١٢ هـ) عن حديث، فيقول رجاء: « ... فَكُنْتُ قَدْ نَسِيتُهُ، لَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدِي مَكْتُوبًا» (١). وكان عطاء بن أبي رباح (- ١١٤ هـ) يكتب لنفسه، ويأمر ابنه أحيانًا أن يكتب له (٢) وكان طلابه يكتبون بين يديه (٣)، وقد بالغ في حض طلابه على التعلم والكتابة، فَعَنْ [عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ] الهَمْدَانِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَنَحْنُ غِلْمَانُ فَقَالَ: «يَا غِلْمَانُ، تَعَالَوُا اكْتُبُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لاَ يُحْسِنُ كَتَبْنَا لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قِرْطَاسٌ أَعْطَيْنَاهُ مِنْ عِنْدِنَا!!» (٤). ونشطت الحركة العلمية وازدادت معها الكتابة والقراءة على العلماء، ويدل على هذا ما روي عَنْ الوَلِيدِ بْنُ أَبِي السَّائِبِ , قَالَ: «رَأَيْتُ مَكْحُولاً , وَنَافِعًا , وَعَطَاءً تُقْرَأُ عَلَيْهِمُ الأَحَادِيثُ» (٥)، وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «رَأَيْتُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى الأَعْرَجِ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزْ (- ١١٧ هـ)، حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَقُولُ: هَذَا حَدِيثُكَ يَا أَبَا دَاوُدَ؟ قَالَ: نَعَمْ ... » (٦). وها هو ذا نافع مولى ابن عمر (- ١١٧ هـ) يملي العلم على طلابه، وطلابه يكتبون بين يديه (٧). ويصور لنا قتادة بن دعامة السدوسي (- ١١٨ هـ) بإجابته لمن يسأله عن كتابة الحديث - موقف هذا الجيل من التابعين من الكتابة، بعد أن فشت فيهم وانتشرت وأصبحت من ضروريات

стр. 331

كل طالب علم، فيقول: «وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَكْتُبَ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنَّهُ يَكْتُبُ , ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾؟» (١). وكثرت الصحف المدونة، حتى إن خالدًا الكلاعي (- ١٠٤ هـ) جعل علمه في مصحف له أزرار وعرا (٢). ... رَابِعًا - خِدْمَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْسُنَّةِ: عاش عمر بن عبد العزيز في جو علمي، فلم يكن بعيدًا - وهو أمير الأمة - عن العلماء، ورأيناه يكتب بنفسه بعض الأحاديث، ويشجع العلماء، وقد رأى أن يحفظ حديث الرسول ﷺ ويجمعه، وربما دعاه إلى هذا نشاط التابعين آنذاك وإباحتهم الكتابة حين زالت أسباب الكراهة، لأننا لا نعقل أن يأمر بجمع السنة وتدوينها والعلماء كارهون لهذا، ولو كرهوا كتابتها ما استجابوا لدعوته، ومما لا شك فيه أن خشيته من ضياع الحديث دفعته إلى العمل لحفظه. ويمكننا أن نضم إلى ما ذكرنا سببًا آخر كان له أثر بعيد في نفوس العلماء حَمَلَهُمْ على تنقيح السُنَّةِ وحفظها، وهو ظهور الوضع بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، ويؤكد لنا هذا ما يرويه [ابْنُ أَخِي] (*) ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ - يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ -، يَقُولُ: «لَوْلاَ أَحَادِيثَ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لاَ نَعْرِفُهَا ,

стр. 332

مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا، وَلاَ أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (١) ورأي الزهري هذا رأي أكثر علماء ذلك العصر، فإن حرصهم على حديث رسول الله ﷺ من أن يدرس لا يقل عن حرصهم على سلامته من الكذب والوضع، فكان هذان العاملان من أقوى العوامل التي حفزت همم العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها، عندما تبنت الحكومة جمعها رسميًا على يدي الخليفة الورع عمر بن عبد العزيز، الذي اتخذ خطوة حازمة فكتب إلى الآفاق: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ» (٢). وكان فيما كتب إلى أهل المدينة: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكُتُبُوهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وَذَهَابَ أَهْلِهِ» (٣). وكان في كتابه إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (- ١١٧ هـ) عامله على المدينة أن «اكْتُبْ إِلَيَّ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَكَ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِحَدِيثِ عَمْرَةَ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَهُ» (٤). وفي رواية: «أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ العِلْمَ مِنْ عِنْدِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (- ٩٨ هـ)، وَالقَاسِمِ بْنَ مُحَمَّدٍ (- ١٠٧ هـ)، فَكَتَبَهُ لَهُ» (٥) وفي رواية: «فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ [يُقْبَلُ] إِلاَّ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ ، ولْيُفْشُوا العِلْمَ

стр. 333

وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ فَإِنَّ العَلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا». (١). كما أمر ابن شهاب الزهري (- ١٢٤ هـ) وغيره بجمع السنن (٢)، وربما لم يكتف عمر بن عبد العزيز بأمر من أمرهم بجمع الحديث، فأرسل كُتُبًا إلى الآفاق يحث المسؤولين فيها على تشجيع أهل العلم على دراسة السُنَّةِ وإحيائها، ومن هذا ما يرويه عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ فَأْمُرُوا أَهْلَ العِلْمِ أَنْ يَنْشُرُوا العِلْمَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَدْ أُمِيتَتْ» (٣). كَمَا كَتَبَ «أَنَّهُ لاَ رَأْيَ لأَحَدٍ فِي [كِتَابِ اللَّهِ] (*)، وَإِنَّمَا رَأْيُ الأَئِمَّةِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ كِتَابٌ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلاَ رَأْيَ لأَحَدٍ فِي سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (٤)، بل هناك أخبار تثبت أن عمر بن عبد العزيز قد شارك العلماء في مناقشة بعض ما جمعوه، من ذلك ما رواه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي قال: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ جَمَعَ الفُقَهَاءَ، فَجَمَعُوا لَهُ أَشْيَاءَ مِنَ السًّنَنِ، فَإِذَا جَاءَ الشَّيْءُ الذِي لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: " هَذِهِ زِيَادَةٌ لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهَا "» (٥). لقد بذل عمر بن عبد العزيز جهده في المحافظة على السُنَّةِ - مع قصر

стр. 334

مدة خلافته، فقد طلب من أبي بكر بن حزم جمع الحديث، وأبو بكر هذا من أعلام عصره، قال فيه مالك بن أنس: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ بْنَ حَزْمٍ أَعْظَمَ مُرُوءَةً وَلاَ أَتَمَّ حَالاً ... وَلِيَ المَدِينَةَ وَالقَضَاءَ وَالمَوْسِمَ (١)» وعنه قوله: «لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا أَحَدٌ بِالمَدِينَةِ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ القَضَاءِ مَا كَانَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ» (٢). وكان قد طلب منه أن يكتب إليه حديث عمرة بنت عبد الرحمن، وهي خالته، نشأت في حجر عائشة، وكانت من أثبت التابعين في حديث عائشة ﵂ (٣). وأما القاسم بن محمد بن أبي بكر (٣٧ - ١٠٧ هـ) الذي ذكر في بعض الروايات فهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وعالم أهل زمانه، تلقى علمه عن عمته عائشة ﵂، وعائشة أم المؤمنين معروفة بعلمها وتعمقها في السُنَّةِ، وهي غنية عن التعريف. وأما ابن شهاب أحد الذين شاركوا في الجمع والكتابة فهو أحد أعلام ذلك العصر، كان قد كتب السنن وما جاء عن الصحابة أثناء طلبه العلم (٤). وكان ذا مكانة رفيعة، فقد روي عن أبي الزناد أنه قال: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» (٥). وإذا كانت المنية قد اخترمت الخليفة الراشد الخامس قبل أن يرى الكتب

стр. 335

التي جمعها أبو بكر - كما يذكر ذلك بعض العلماء - (١) (*) فإنه لم تفته أولى ثمار جهوده، التي حققها ابن شهاب الزهري الذي يقول: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ، فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا، فَبَعَثَ إِلَى كُلِِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٍ دَفْتَرًا» (٢)، وعلى هذا يحمل ما قاله المؤرخون والعلماء: «أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ ابْنُ شِهَابٍ» (٣) وله أن يفخر بعلمه هذا، ويقول: «لَمْ يُدَوِّنْ هَذَا العِلْمَ أَحَدٌ قَبْلَ تَدْوِينِي» (٤). وقد اعتبر علماء الحديث تدوين عمر بن عبد العزيز هذا أول تدوين للحديث ورددوا في كتبهم هذه العبارة: «وَأَمَّا ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الحَدِيثِ فَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَى رَأْسِ المِائَةِ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ» (٥) أو نحوها. ويفهم من هذا أن التدوين الرسمي كان في عهد عمر بن عبد العزيز، أما تقييد الحديث وحفظه في الصحف والرقاع والعظام فقد مارسه الصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينقطع تقييد الحديث بعد وفاته ﵊، بل بقي جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع الحفظ حتى قَيَّضَ الله للحديث من يودعه في المدونات الكبرى. وسيتبين لنا بعد قليل أن والد عمر بن عبد العزيز قد سبق ابنه في طلب تدوين الحديث وأن أهل الحديث لم يمسكوا طوال القرن الأول عن تقييد حديث رسول الله ﷺ منتظرين سماح الخليفة وأمره، وقد ذكرنا

стр. 336

شيئًا من هذا فيما عرضناه من أخبار عن سماح الصحابة والتابعين بالكتابة وكتاباتهم لأنفسهم. وهكذا كانت نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني خاتمة حاسمة لما كان من كراهة الكتابة وإباحتها، فدونت السنة في صحف وكراريس ودفاتر، وكثرت الصحف في أيدي طلاب الحديث. ... وقد يظن الباحث أن كراهة الكتابة قد ولت، وانهزمت أمام إباحتها، ولم تعد هذه الإباحة مجرد رأي، بل انتقل الرأي إلى التطبيق فعلاً، وتبنت الدولة الإشراف على الكتابة، ولكنا لا نثبت أن نسمع أصوات من يكره الكتابة تعلو من جديد، وكان بعض هؤلاء من نفس جيل التابعين الثاني (أواسطهم) ومن صغارهم، فقد راعهم أن يروا الحديث في كراريس ودفاتر، وأن يعتمد طلاب الحديث والعلماء على الكتب، ويهملوا الحفظ، فتمسكوا بالآثار التي تبيح الكتابة، وأبوا أن ينكب أهل الحديث على دفاترهم، ويجعلوها خزائن علمهم، ولم يعجبهم أن يخالف سبيل الصحابة في الحفظ والاعتماد على الذاكرة، وحق لهم أن يكرهوا الاتكال على الكتب، لأن في الاتكال على المكتوب وحده إِضْعَافًًا للذاكرة، وانصرافًًا عن العمل به. وها هو ذا الضحاك بن مزاحم الذي أباح الكتابة سابقًا، والذي أملى مناسك الحج حين زال خوفه من أسباب الكراهة - ها هو ذا يقول: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكْثُرُ فِيهِ الأَحَادِيثُ حَتَّى يَبْقَى المُصْحَفُ بِغُبَارِهِ لاَ يُنْظَرُ فِيهِ» (١)، وفي رواية عنه: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ [يُعَلِّقُونَ] الْمُصْحَفَ حَتَّى [يُعَشِّشَ] فِيهِ العَنْكَبُوتُ، لاَ يُنْتَفَعُ بِمَا فِيهِ، وَتَكُونُ أَعْمَالُ النَّاسِ بِالرِّوَايَاتِ وَالْحَدِيثِ» (٢).

стр. 337

لقد تصور عاقبة هذا الإقبال على الكتابة، وجعل الحديث في دفاتر وكراريس، فأعلن إنكاره مدويًا: «لاَ تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَارِيسَ كَكَرَارِيسِ المَصَاحِفِ» (١). ويمكننا أن نحمل قول الزهري: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ، فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٢) - على ما بيناه، لأننا نعرف أن الإمام الزهري كان يكتب الحديث وهو في دور طلب العلم، وكان يشجع أصحابه على الكتابة، حتى إنه كان يكتب في ظهر نعله خشية - أن يفوته الحديث (٣) وفعلاً عندما طلب منه الخليفة هشام بن عبد الملك أن يكتب لِبَنِيهِ خرج وأملى على الناس الحديث (٤) وقال: «اسْتَكْتَبَنِي الْمُلُوكُ فَأَكْتَبْتُهُمْ، فَاسْتَحْيَيْتُ اللَّهَ إِذْ كَتَبْتُهَا المُلُوكَ أَلاَّ أَكْتُبَهَا لِغَيْرِهِمْ» (٥). وقد سبق أن بينت أن حرصه على تنقيح السُنَّةِ كان عاملاً كبيرًا في تدوينه الحديث هو وبعض معاصريه. وكان سعيد بن عبد العزيز يفخر بحفظه ويقول: «مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا قَطُّ» (٦). ونرى الإمام الأوزاعي بعد أن كان يملي على طلابه ويصحح لهم ما يكتبونه عنه ليجيزهم بروايته (٧)، ينفر من الاعتماد على الكتاب، ويتشاءم مما سيؤول إليه الحفظ فلا يسره الميل عن طريق السلف الذين كانوا يتلقون الحديث من

стр. 338

أفواه العلماء، فيقول: «كَانَ هَذَا العِلْمُ شَيْئًا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَلَقَّوْنَهُ (١) وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ، وَصَارَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» (٢). ونرى بعض من كره الكتابة في هذا العصر يعتمد عليها في حفظ الحديث ثم يمحو ما كتبه بعد أن يحفظه، وقد قبل غير واحد من السلف أمثال سفيان الثوري (- ١٦١ هـ)، وحماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) (٣) وغيرهما، ويروى في هذا عن خالد الحذاء (- ١٤١هـ): «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُّ إِلاَّ حَدِيثًا طَوِيلاً , فَإِذَا حَفِظْتُهُ مَحَوْتُهُ» (٤). وكان كثير من التابعين يمحون كتبهم قبل وفاتهم، أو يوصون بكتبهم إلى من يثقون به، ليفيد منها خشية أن تقع في غير موضعها، فقد أوصى أبو قلابة بكتبه إلى أيوب (٥)، كما أوصى شعبة بن الحجاج ابنه بغسل كتبه بعد موته (٦). إن محاولة هؤلاء المانعين من الكتابة، لم تخفف من نشاط الكتابة، ولم تقف أمام هذا الجيل الذي نشأ عليها، فقد كان تيار إباحة الكتابة أقوى بكثير من تيار كراهتها.

стр. 339

ونرى أيوب السختياني (- ١٣١ هـ) يرد على من يعيب تقييد الحديث، فيقول: «يَعِيبُونَ عَلَيْنَا الكِتَابَ!! , ثُمَّ يَتْلُو ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [سورة طه، الآية: ٥٢]» (١). وما لبث التياران أن تَوَحَّدَا وألحت الحاجة القاهرة إلى الكتابة على هؤلاء المانعين بأن يجاوروا التيار العام، ويعتمدوا في حفظ السنة على الحفظ والكتابة مَعًا. يقول ابن الصلاح: «ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الخِلاَفُ وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلاَ تَدْوِينُهُ فِي الكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الأَعْصُرِ الآخِرَة» (٢). ويقول الرامهرمزي: «وَالحَدِيثُ لاَ يُضْبَطُ إِلاَّ بِالكِتَابِ ثُمَّ بِالمُقَابَلَةِ وَالمُدَارَسَةِ، وَالتَّعَهُّدِ، وَالتَّحَفُّظِ، وَالمُذَاكَرَةِ، وَالسُّؤَالِ، وَالفَحْصِ عَنِ النَّاقِلِينَ، وَالتَّفَقُّهِ بِمَا نَقَلُوهُ وَإِنَّمَا كَرِهَ الكِتَابَ مَنْ كَرِهَ [مِنَ] الصَّدْرِ الأَوَّلِ، لِقُرْبِ العَهْدِ، وَتَقَارُبِ الإِسْنَادِ وَلِئَلاَّ يَعْتَمِدُهُ الكَاتِبُ فَيُهْمِلُهُ، أَوْ يَرْغَبُ عَنْ تَحَفُّظِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، فَأَمَّا وَالوَقْتُ مُتَبَاعِدٌ، وَالإِسْنَادُ غَيْرُ مُتَقَارِبٌ، وَالطُّرُقُ مُخْتَلِفَةٌ، وَالنَّقَلَةُ مُتَشَابِهُونَ، وَآفَةُ النِّسْيَانِ مُعْتَرِضَةٌ، وَالوَهْمُ غَيْرُ مَأْمُونٌ، فَإِنَّ تَقْيِيدِ العِلْمِ بِالكِتَابِ أَوْلَى وَأَشْفَى» (٣). ولم تكن ظاهرة الاختلاف هذه ناشئة عن انقسام العلماء إلى حزبين أو مدرستين، إحداهما تبيح الكتابة والأخرى تمنعها، بل نشأت من تلك الأسباب التي بيناها، فإذا ما زالت أسباب المنع أباح العلماء الكتابة، وإذا قامت عاد أكثرهم فمنع الكتابة، وإذا ما خيف من الاتكال على الكتاب وإهمال الحفظ علت أصوات المنع ثانية تطالب بالاعتماد على الذاكرة، حتى

стр. 340

أجمعت الأمة على الكتابة التي أصبحت من ضروريات حفظ الحديث لا يمكن الاستغناء عنها. خَامِسًا - المُصَنِّفُونَ الأَوَائِلُ فِي الحَدِيثِ: لم يلبث هذا التيار من النشاط العلمي وكتابة الحديث أن طالع العالم بمدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يُسَمَّى مُصَنَّفًا وبعضها يُسَمَّى جَامِعًا أو مَجْمُوعًا وغير ذلك. وقد اختلف في أول من صنف وَبَوَّبَ، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْجٍ البصري (- ١٥٠ هـ) بمكة، ومالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) أو محمد بن إسحاق (- ١٥١ هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (٨٠ - ١٥٨ هـ) " موطأ " أكبر من " موطأ مالك "، والربيع بن صُبيح (- ١٦٠ هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (- ١٥٦ هـ) أو حماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) بالكوفة، ومعمر بن راشد (٩٥ - ١٥٣ هـ) باليمن، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٨٨ - ١٥٧ هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١ هـ) بخراسان، وهُشَيْمٍ بن بشير (١٠٤ - ١٨٣ هـ) بواسط (١)، وجرير بن عبد الحميد

стр. 341

(١١٠ - ١٨٨ هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (١٢٥ - ١٩٧ هـ) بمصر (١)، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان هذا التصنيف بالنسبة إلى جمع الأبواب وضمها إلى بعضها في مؤلف أو جامع، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد، فقد سبق إليه التابعي الجليل عامر الشعبي (١٩ - ١٠٣ هـ)، الذي يُرْوَى عنه أنه قال: «هَذا بَابٌ مِنَ الطَّلاَقِ جَسِيمٌ، إِذَا اعْتَدَّتِ المَرْأَةُ وَرِثَتْ» (٢)، وساق فيه أحاديث (٣). وكان معظم هذه المصنفات، والمجاميع بضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا هذا في " موطأ الإمام مالك بن أنس " (٤)، ثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي ﷺ في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، تجمع فيها أحاديث كل صحابي - ولو كانت في مواضيع مختلفة - تحت اسم مسند فلان، ومسند فلان، وهكذا.

стр. 342

وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (١٣٣ - ٢٠٤ هـ) (١) وتبعه من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي (- ٢١٢ هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي (- ٢١٣ هـ)، ومسدد البصري (- ٢٢٨) ونعيم بن حماد الخزاعي المصري (- ٢٢٨)، واقتفى الائمة آثارهم، كأحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ)، وإسحاق بن راهويه (١٦١ - ٢٣٨ هـ)، وعثمان بن أبي شيبة (١٥٦ - ٢٣٩ هـ) وغيرهم (٢). ويعتبر " مسند الإمام أحمد بن حنبل " - وهو من أتباع أتباع التابعين - أوفى تلك المسانيد وأوسعها. جمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده، واجتنبوا الأحاديث الموضوعة، وذكروا طُرُقًا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم، فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب، واقتصروا فيها على الحديث الصحيح، وظهرت " الكتب الستة " في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ)، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ)، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ) وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي

стр. 343

(- ٢٧٩ هـ)، وأحمد بن شعيب الخراساني النسائي (٢١٥ - ٣٠٣ هـ)، ثم ابن ماجه، وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (٢٠٧ - ٢٧٣ هـ) (١). وقد خدمت هذ الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاءوا بعدهم. أَهَمُّ نَتَائِجِ هَذَا الفَصْلِ: ١ - لم يكن السبب في عدم تدوين السُنَّةِ رَسْمِيًّا في عهده ﷺ جهل المسلمين آنذاك بالكتابة والقراءة، فكان فيهم القارئون الكاتبون، الذين دونوا التنزيل الحكيم، بل كان ذلك لأسباب أخرى، أهمها الخوف من التباس القرآن بالسنة، وكيلا ينشغل المسلمون بكتابة السنة عن كتابة القرآن ودراسته وحفظه. ٢ - ليس هناك تعارض بين ما روي عن الرسول ﷺ من إباحة الكتابة وكراهتها، فَكَرِهَ الكتابة لمن لا يحسنها أو لمن يستطيع الحفظ، وأباحها لمن لا يستطيع الحفظ، وإن بعضهم يرى أن النهي كان أول الإسلام حتى لا يلتبس القرآن بالسنة، ثم انتهينا إلى إباحة الرسول ﷺ كتابة السنة مطلقًا، وليست هذه الأخبار من وضع مذاهب متخاصمة متضادة. ٣ - ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباعهم من كراهة الكتابة أو إباحتها

стр. 344

لم يكن ناشئًا من قيام حزبين أحدهما يبيح الكتابة والآخر يكرهها، بل أباحوا الكتابة حين زالت أسباب المنع، وكرهوا الكتابة حين وجدت أسباب منعها وكراهتها، كخشية التباس القرآن بالسنة، أو الانشغال بالسنة عن القرآن، أو خوف مضاهاة الكتاب الكريم بكراريس الحديث وكتبه. وقد ثبتت أخبار الكراهة عن بعض من أباحوا الكتابة، كما ثبتت أخبار الإباحة عن بعض من كرهوا الكتابة، وكانت غايتهم جَمِيعًا واحدة، وهي المحافظة على القرآن والسنة: أن يلتبس أحدهما بالآخر، ثم انعقد الإجماع على إباحة الكتابة حين زالت أسباب كراهتها. ٤ - خشي عمر بن عبد العزيز اندراس السُنَّةِ، وتسرب الوضع إليها، فأمر بجمعها على أيدي كبار علماء التابعين، وأمر المسؤولين في مختلف أقاليم الدولة الإسلامية بالاعتناء بالحديث الشريف، وتشجيع العلماء على عقد حلقات دراسته في المساجد، وشارك عمر بن عبد العزيز نفسه العلماء في ذلك، ووزع قبل وفاته ما كتبه الإمام الزهري، فَلِعُمَرَ الفَضْلُ الكَبِيرُ في تحميل الدولة مسؤولية حفظ السُنَّةِ رسميًا. وأما التدوين الفردي فقد وقع فعلاً في عهد الرسول ﷺ ، وفي عهد الصحابة والتابعين، ولم تبق السُنَّةُ مُهْمَلَةً طلية القرن الأول إلى عهد عمر بن عبد العزيز، بل تم حفظها في الصدور جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع حفظها في الصحف والكراريس. ٥ - في مطلع القرن الهجري الثاني، تحول عمل العلماء من جمع الحديث وتقييده، إلى تصنيفه على الأبواب وضم هذه الأبواب إلى بعضها

стр. 345

في مصنف أو جامع، فلم يكن مطلع هذا القرن مبدأ لتدوين السُنَّةِ وتقييدها، بل كان مبدأ للتصنيف على الأبواب، وقد ظهرت هذه المصنفات في أوقاته متقاربة في مختلف مراكز الإشعاع العلمي بالدولة الإسلامية. ثم ظهرت المسانيد فالصحاح، وبهذا يكون تدوين الحديث، قد مَرَّ بمراحل منتظمة حتى انتهى إلينا في كتب الصحاح والمسانيد. • • •

стр. 346

الفَصْلُ الثَّانِي: مَا دُوِّنَ فِي صَدْرِ الإِسْلاَمِ ... : من الثابت أن بعض الصحابة كانوا قد كتبوا عن رسول الله ﷺ بعض أحاديثه بإذن خاص منه كعبد الله بن عمرو، والأنصاري الذي كان لا يحفظ الحديث، ثم كتب غيرهم من حديثه بعد إذنه ﷺ بالكتابة إِذْنًا عَامًّا كما سبق، ولدينا أخبار كثيرة عما كتبه الصحابة من صحف. غير أنا لا نعرف كل ما تتضمنه هذه الصحف، لأن بعض الصحابة والتابعين كانوا يحرقون ما لديهم من الصحف أو يغسلونها قبل وفاتهم، وكان بعضهم يوصي بما عنده لمن يثق به، كانوا يفعلون هذا خشية أن تؤول تلك الصحف إلى غير أهل العلم (١). ونحن لا نشك في أن كثيرًا من صحف الصحابة قد كتب في عهده ﵊، وأن أكثر ما كتب تناقله الناس في حياة أصحابه وبعد وفاتهم عن طريق أبنائهم وأحفادهم أو ذويهم. روى ابن عبد البر بسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: وُجِدَ فِي قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحِيفَةٌ فِيهَا مَكْتُوبٌ «[مَلْعُونٌ مَنْ أَضَلَّ أَعْمَى عَنِ السَّبِيلِ]، مَلْعُونٌ مَنْ سَرَقَ تُخُومَ الأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ» أَوْ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ جَحَدَ نِعْمَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ» (٢).

стр. 347

وقد اشتهر في عهد رسول الله ﷺ كتاب خطير الشأن هو ذلك الكتاب الذي أمر رسول الله ﷺ كُتَّابَهُ بتدوينه في السَّنَةِ الأولى للهجرة، وقد نَصَّتْ فيه حقوق المسلمين المهاجرين والأنصار وعرب يثرب وموادعة يهودها، وتكررت فيه عبارة (أهل الصحيفة) خمس مرات، وجاء في مقدمته: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولُ اللهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَ [يَثْرِبَ]، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ ... » الخ (١)، وهذا دليل على أن هذا الدستور أو الميثاق للدولة الإسلامية الفتية، كَانَ مُدَوَّنًا في صحيفة اشتهر أمرها وتواتر نقلها. وربما أرسل رسول الله ﷺ بعض الأحكام مكتوبة إلى عماله، ومن هذا ما يرويه ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنْ لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ» (٢). وكتب أبو بكر لأنس بن مالك كتابًا فيه الصدقات التي فرضها رسول الله ﷺ ، وفي رواية: أن الكتاب كان ممهورًا بخاتم رسول الله ﷺ (٣). وروى نافع عن ابن عمر أنه وجد في قائم سيف عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ

стр. 348

عَنْهُ - فيها صدقة السوائم (١)، وقد تكون هذه النسخة هي التي ورثها سالم بن عبد الله بن عمر، وقرأها عنده ابن شهاب الزهري (٢). ويؤكد لنا هذا ما روي عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ عَمْرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، أَرْسَلَ إِلَى المَدِينَةِ يَلْتَمِسُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّدَقَاتِ، وَكِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ... وَوَجَدَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ كِتَابَ عُمَرَ فِي الصَّدَقَاتِ، مِثْلَ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَنُسِخَا لَهُ» (٣). وقد اشتهرت صحيفة أمير المؤمنين عَلِيَّ بن أبي طالب التي كان يعلقها في سيفه، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وحرم المدينة، ولا يقتل مسلم بكافر (٤). وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: محمد بن علي بن أبي طالب (- ٨١ هـ) قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي، قَالَ: «خُذْ هَذَا الكِتَابَ، فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَإِنَّ فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ» (٥). وَرُوِيَ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ قَالَ: «أَخْرَجَ [إِلَيَّ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كِتَابًا وَحَلَفَ لِي: إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ بِيَدِهِ» (٦).

стр. 349

وكان عند سعد بن عبادة الأنصاري (- ١٥ هـ) كتاب أوكتب فيها طائفة من أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد روى ابن هذا الصحابي من كتب أبيه بعض أعمال الرسول ﷺ (١). ويروي الإمام البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه (٢). وكان عند أبي رافع مولى رسول الله ﷺ (- ٣٥ هـ) (٣) كتاب فيه استفتاح الصلاة، دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (- ٩٤ هـ) (٤) أحد الفقهاء السبعة. وكان عند أسماء بنت عُميس (- ٣٨ هـ) كتاب جمعت فيه بعض أحاديثه ﷺ (٥). عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ (- ٤٢ هـ) (٦)، وَجَدْنَا فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِهِ كِتَابًا: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 350

وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي بَقِيَّةِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ ... ») (١). وكتبت سُبيعة الأسلمية إلى عبد الله بن عتبة تروي عن النبي ﷺ أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت (٢). وكتب رسول الله ﷺ كتابًا لوائل بن حجر (- ٥٠ هـ) لقومه في حضرموت، فيه الخطوط الكبرى للإسلام، وبعض أنصبة الزكاة، وحد الزنا، وتحريم الخمر، وكل مسكر حرام (٣). وَوَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عمرو بن حزم (- ٥٣ هـ) على اليمن، وأعطاه كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات وغير ذلك (٤). وكان أبو هريرة (- ٥٩ هـ) يحتفظ بكتب فيها أحاديث عن رسول الله ﷺ . رَوَى [الْفَضْلِ] بْنِ حَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَحَدَّثْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي»، فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْتِهِ فَأَرَانَا كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فَقَالَ:

стр. 351

«قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي إِنْ كُنْتُ قَدْ حَدَّثْتُكَ بِهِ فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي» (١). وكان بشير بن نهيك قد قرأ عليه الكتاب الذي كتبه عنه قبل أن يفارقه (٢). وجمع سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ (- ٦٠ هـ) أحاديث كثيرة في نسخة رواها عنه ابنه سليمان (٣)، ويحتمل أن تكون هذه النسخة هي الرسالة التي كتبها سمرة إلى بنيه، وقال فيها محمد بن سيرين: «فِي رِسَالَةِ سَمُرَةَ إِلَى بَنِيهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ» (٤). " الصَّحِيفَةُ الصَّادِقَةُ لِعَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو بَنِ العَاصِ ": (٧ ق هـ - ٦٥ هـ): كان رسول الله ﷺ قد سمح لعبد الله بن عمرو ﵄ بكتابة الحديث، لأنه كان كاتبًا محسنًا، فكتب عنه الكثير، واشتهرت صحيفة عمرو ﵁ (الصحيفة الصادقة) كما أراد كاتبها أن يسميها، لأنه كتبها عن رسول الله ﷺ ، فهي أصدق ما يُرْوَى عَنْهُ، وقد رآها مجاهد بن جبر (٢١ - ١٠٤ هـ) عند عبد الله

стр. 352

ابن عمرو، فذهب ليتناولها، فقال له: «مَهْ يَا غُلاَمَ بَنِي مَحْزُومٍ». قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا» قَالَ: «هَذِهِ الصَّادِقَةُ، فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا أَحَدٌ» (١)، وكانت هذه الصحيفة عزيزة جِدًّا على ابن عمرو حتى قال: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الحَيَاةِ إِلاَّ الصَّادِقَةُ وَالوَهْطُ» (٢)، وَرُبَّمَا كَانَ يَحْفَظُهَا فِي صُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ (٣)، خشية عليها من الضياع، وقد حفظ هذه الصحيفة أهله من بعده، وَيُرَجَّحُ أن حفيده عمرو بن شعيب كان يُحَدِّثُ منها (٤). وتضم صحيفة عبد الله بن عمرو ألف حديث كما يقول ابن الأثير (٥). إلا أن إحصاء أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يبلغ خمسمائة حديث (٦)، وإذا لم تصلنا الصحيفة الصادقة كما كتبها ابن عمرو بخطه،

стр. 353

فقد نقل إلينا الإمام أحمد محتواها في " مسنده " (١)، كما ضمت كتب السنن الأخرى جانبًا كبيرًا منها (٢). ولهذه الصحيفة أهمية علمية عظيمة، لأنها وثيقة علمية تاريخية، تثبت كتابة الحديث النبوي الشريف، بين يدي رسول الله ﷺ وبإذنه (٣).

стр. 354

وكان عبد الله يملي الحديث على تلاميذه (١)، وقد نقل عنه تلميذه حسين بن شفي بن ماتع الأصبحي في مصر كتابين، أحدهما فيه «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَذَا، والآخَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الأَحْدَاثِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢). ونحن هنا لم نتعرض إلا للصحيفة الصادقة، فقد كان عند ابن عمرو كتب كثيرة عن أهل الكتاب أصابها يوم اليرموك في زاملتين (٣)، وقد ادعى بشر المريسي «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَرْوِيهِمَا لِلْنَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: لاَ تُحَدِّثْنَا عَنْ الزَّامِلَتَيْنِ»، وهذه الدعوى باطلة، فقد ثبت أن ابن [عمرو] كان أمينًا في نقله وروايته، لا يحيل ما روى عن النبي على أهل الكتاب، كما لا يحيل ما روى أهل الكتاب على النبي (٤).

стр. 355

ويكفي ابن عمرو أنه كان أول من دَوَّنَ الحديث بين يدي رسول الله ﷺ بإذنه وفي مختلف أحواله في الغضب والرضا. كُتُبُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣ ق هـ - ٦٨ هـ): ---------------------------------- اشتهر ابن عباس بطلب العلم ودأبه عليه، وكان بعد وفاة رسول الله ﷺ يسأل الصحابة ويكتب عنهم، وكان رسول الله ﷺ قد دعا له: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُ الحِكْمَةَ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ» (١)، وعندما توفي ابن عباس ظهرت كتبه، وكانت حمل بعير (٢). • • • ويروى أن عبد الله بن عمر (١٠ ق هـ - ٧٣ هـ) «كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ نَظَرَ فِي كُتُبِهِ»، وقد أكد الراوي أن كتبه كانت في الحديث (٣). " صَحِيفَةُ جَابِرٍ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِي ": (١٦ ق هـ - ٧٨ هـ): يحتمل أن تكون هذه الصحيفة غير المنسك الصغير الذي أورده مسلم في كتاب الحج (٤)، وقد ذكرها ابن سعد في ترجمة مجاهد، وكان يحدث
следующие страницы →