← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

«قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي إِنْ كُنْتُ قَدْ حَدَّثْتُكَ بِهِ فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي» (١). وكان بشير بن نهيك قد قرأ عليه الكتاب الذي كتبه عنه قبل أن يفارقه (٢). وجمع سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ (- ٦٠ هـ) أحاديث كثيرة في نسخة رواها عنه ابنه سليمان (٣)، ويحتمل أن تكون هذه النسخة هي الرسالة التي كتبها سمرة إلى بنيه، وقال فيها محمد بن سيرين: «فِي رِسَالَةِ سَمُرَةَ إِلَى بَنِيهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ» (٤). " الصَّحِيفَةُ الصَّادِقَةُ لِعَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو بَنِ العَاصِ ": (٧ ق هـ - ٦٥ هـ): كان رسول الله ﷺ قد سمح لعبد الله بن عمرو ﵄ بكتابة الحديث، لأنه كان كاتبًا محسنًا، فكتب عنه الكثير، واشتهرت صحيفة عمرو ﵁ (الصحيفة الصادقة) كما أراد كاتبها أن يسميها، لأنه كتبها عن رسول الله ﷺ ، فهي أصدق ما يُرْوَى عَنْهُ، وقد رآها مجاهد بن جبر (٢١ - ١٠٤ هـ) عند عبد الله

стр. 352

ابن عمرو، فذهب ليتناولها، فقال له: «مَهْ يَا غُلاَمَ بَنِي مَحْزُومٍ». قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا» قَالَ: «هَذِهِ الصَّادِقَةُ، فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا أَحَدٌ» (١)، وكانت هذه الصحيفة عزيزة جِدًّا على ابن عمرو حتى قال: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الحَيَاةِ إِلاَّ الصَّادِقَةُ وَالوَهْطُ» (٢)، وَرُبَّمَا كَانَ يَحْفَظُهَا فِي صُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ (٣)، خشية عليها من الضياع، وقد حفظ هذه الصحيفة أهله من بعده، وَيُرَجَّحُ أن حفيده عمرو بن شعيب كان يُحَدِّثُ منها (٤). وتضم صحيفة عبد الله بن عمرو ألف حديث كما يقول ابن الأثير (٥). إلا أن إحصاء أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يبلغ خمسمائة حديث (٦)، وإذا لم تصلنا الصحيفة الصادقة كما كتبها ابن عمرو بخطه،

стр. 353

فقد نقل إلينا الإمام أحمد محتواها في " مسنده " (١)، كما ضمت كتب السنن الأخرى جانبًا كبيرًا منها (٢). ولهذه الصحيفة أهمية علمية عظيمة، لأنها وثيقة علمية تاريخية، تثبت كتابة الحديث النبوي الشريف، بين يدي رسول الله ﷺ وبإذنه (٣).

стр. 354

وكان عبد الله يملي الحديث على تلاميذه (١)، وقد نقل عنه تلميذه حسين بن شفي بن ماتع الأصبحي في مصر كتابين، أحدهما فيه «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَذَا، والآخَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الأَحْدَاثِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢). ونحن هنا لم نتعرض إلا للصحيفة الصادقة، فقد كان عند ابن عمرو كتب كثيرة عن أهل الكتاب أصابها يوم اليرموك في زاملتين (٣)، وقد ادعى بشر المريسي «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَرْوِيهِمَا لِلْنَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: لاَ تُحَدِّثْنَا عَنْ الزَّامِلَتَيْنِ»، وهذه الدعوى باطلة، فقد ثبت أن ابن [عمرو] كان أمينًا في نقله وروايته، لا يحيل ما روى عن النبي على أهل الكتاب، كما لا يحيل ما روى أهل الكتاب على النبي (٤).

стр. 355

ويكفي ابن عمرو أنه كان أول من دَوَّنَ الحديث بين يدي رسول الله ﷺ بإذنه وفي مختلف أحواله في الغضب والرضا. كُتُبُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣ ق هـ - ٦٨ هـ): ---------------------------------- اشتهر ابن عباس بطلب العلم ودأبه عليه، وكان بعد وفاة رسول الله ﷺ يسأل الصحابة ويكتب عنهم، وكان رسول الله ﷺ قد دعا له: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُ الحِكْمَةَ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ» (١)، وعندما توفي ابن عباس ظهرت كتبه، وكانت حمل بعير (٢). • • • ويروى أن عبد الله بن عمر (١٠ ق هـ - ٧٣ هـ) «كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ نَظَرَ فِي كُتُبِهِ»، وقد أكد الراوي أن كتبه كانت في الحديث (٣). " صَحِيفَةُ جَابِرٍ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِي ": (١٦ ق هـ - ٧٨ هـ): يحتمل أن تكون هذه الصحيفة غير المنسك الصغير الذي أورده مسلم في كتاب الحج (٤)، وقد ذكرها ابن سعد في ترجمة مجاهد، وكان يحدث

стр. 356

عنها (١)، وكان التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي (- ١١٨) يرفع من قيمة هذه الصحيفة ويقول: «لأَنَا لِصَحِيفَةِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ أَحْفَظُ مِنِّي لِسُورَةِ البَقَرَةِ» (٢). وفي رواية: «إِنَّمَا يُحَدِّثُ قَتَادَةُ عَنْ صَحِيفَةِ سُلَيْمَانَ اليَشْكُرِيَّ، وَكَانَ لَهُ كِتَابٌ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ» (٣). ويحتمل أن يكون سليمان اليشكري قد نقل عن جابر صحيفته، وهو أحد تلاميذه، يروي ابن حجر أن سليمان جالس جابرًا، وكتب عنه صحيفته (٤)، ولعل قتادة كان قد روى صحيفة جابر بن عبد الله عن سليمان اليشكري، فإن أم سليمان قدمت بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت وقتادة وأبي بشر ... فَرَوَوْهَا كُلَّهَا، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا (٥)، فصحيفة جابر كانت مشهورة، وكتاب سليمان اليشكري عنه كان مشهورًا أَيْضًا، ويدعم هذا روايات كثيرة، منها ما روي عن شعبة أنه كان يرى أن أحاديث أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر إنما هو كتاب سليمان اليشكري (٦) وكانت لجابر حلقة في المسجد النبوي يملي فيها على طلابه الحديث، فكتب منهم كثير أمثال وهب بن منبه (- ١١٤ هـ) (٧)، وقد روى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر

стр. 357

وهم قد سمعوا منه وأكثر ما رووه من الصحيفة (١). وَيُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (٢٢ - ٩٣ هـ) قَوْلَهُ: «كَتَبْتُ الحَدِيثَ ثُمَّ مَحَوْتُهُ فَوَدِدْتُ، أَنِّي فَدَيْتُهُ بِمَالِي وَوَلَدِي وَأَنِّي لَمْ أَمْحُهُ» (٢). وربما كتب غيرها ثم احترقت يوم الحرة فحزن عليها، فكان يقول: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي» (٣). وَكَانَ عِنْدَ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ الكِلاَعِيَّ الحِمْصِيَّ (- ١٠٤ هـ) مُصْحَفٌ لَهُ [أَزْرَارٌ] وَعُرًا أَوْدَعَ فِيهِ عِلْمَهُ (٤) (*). وَكَانَ عِنْدَ بَحِيرِ بْنِ [سَعْدٍ] (**) نُسْخَةً عَنْ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ (٥). وأوصى أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي (- ١٠٤ هـ) بكتبه لأيوب السختياني (٦٨ - ١٣١ هـ) فجيء بها في عدل راحلة (٦)، ودفع أيوب كراءها بضعة عشر درهمًا (٧). وَقَالَ الأَعْمَشُ قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ (٢١ - ١١٠ هـ): «إِنَّ لَنَا كُتُبًا نَتَعَاهَدُهَا» (٨). وكان عند محمد الباقر بن علي بن الحسين (٥٦ - ١١٤ هـ) كتب كثيرة

стр. 358

سمع بعضها منه ابنه جعفر الصادق، وقرأ بعضها (١). وكان عند مكحول الشامي كتب (٢) وعند الحكم بن عتبة (٣). وكان عند بكير بن عبد الله الأشج (- ١١٧ هـ) عالم المدينة كتب انتقلت إلى ابنه مخرمة بن بكير (٤). وكان عند قيس بن سعد المكي (- ١١٧ هـ) كتاب انتقل إلى حماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) (٥). ومما لا شك فيه أن العلماء في مطلع القرن الهجري الثاني صنفوا كثيرًا من الكتب، وكثرت الكتب بين أيديهم، حتى بلغت كتب الإمام الزهري حَدًّا كبيرًا، نقلت بعد مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان (٨٨ - ١٢٦ هـ) من خزائنه على الدواب (٦). وقبل أن نتكلم عن شيوع التدوين وانتشاره في مطلع القرن الهجري الثاني وعن كتب ومصنفات العلماء آنذاك، لا بد لنا من أن نتكلم عن " صحيفة همام بن منبه " لما لها من أهمية تاريخية في تدوين الحديث. " الصَّحِيفَةُ الصَّحِيحَةُ " لِهَمَّامَ بْنَ مُنَبِّهٍ (٤٠ - ١٣١ هـ): (٧). لقي همام بن منبه أحد أعلام التابعين الصحابي الجليل أبا هريرة، وكتب

стр. 359

عنه كثيرًا من حديث رسول الله ﷺ ، وجمعه في صحيفة أو صحف أطلق عليها اسم (الصحيفة الصحيحة) (١)، وربما سماها بالصحيحة على مثال (الصحيفة الصادقة) لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحق له أن يسميها بالصحيحة، لأنه كتبها عن صحابي خالط رسول الله ﷺ أربع سنين، وروى عنه الكثير. وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة، كما رواها وَدَوَّنَهَا همام عن أبي هريرة، فقد عَثَرَ على هذه الصحيفة الدكتور المحقق محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (٢). وتزداد ثقتنا بصحيفة هَمَّامٍ حينما نعلم أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في " مسنده "، كما نقل الإمام البخاري عَدَدًا كَثِيرًا من أحاديثها في " صحيحه " في أبواب شتى (٣). ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف، لأنها حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قَدْ دُوِّنَ في عصر مبكر، «وَتُصَحِّحُ

стр. 360

الخَطَأَ الشَّائِعَ: أَنَّ الحَدِيثَ لَمْ يُدَوَّنْ إِلاَّ فِي أَوَائِلِ القَرْنِ الهِجْرِيَّ الثَّانِي» (١)، ذلك لأن هَمَّامًا لقي أبا هريرة - ولا شك أنه كتب عنه - قبل وفاته وقد توفي أبو هريرة سَنَةَ (٥٩) للهجرة فمعنى ذلك أن هذه الوثيقة العِلْمِيَّةَ قد دونت قبل هذه السنة، أي في منتصف القرن الهجري الأول، وقد ثبت لنا أن عبد الله بن عمرو دَوَّنَ في عهد الرسول " صحيفته الصادقة "، وها نحن أولاء يثبت لنا تدوين " صحيفة همام " في منتصف القرن الهجري الأول، مما يدل على أن العلماء كانوا قد باشروا التدوين فعلاً قبل أمر عمر بن عبد العزيز ﵀ وكان من الأولى أن نذكر هذه الصحيفة بين كتب أبي هريرة، لأنها إملاؤه لهمام، إلا أننا فضلنا الكلام عنها هنا لاشتهارها باسمه، وقد رواها عنه تلميذه معمر بن راشد ثم عبد الرزاق عن معمر ثُمَّ هَلُمَّ جَرًّا (٢). وتضم صحيفة همام هذه (١٣٨) حديثًا وقد ذكر ابن حجر أَنَّ هَمَّامًا سمع من أبي هريرة نحو أربعين ومائة حديث بإسناد واحد (٣)، وهذا يزيدنا ثقة بهذه الصحيفة، لاتفاق عدد ما جاء فيها من الأحاديث وما ذكره العلماء. • • • وشاع التدوين في النصف الأول من القرن الهجري الثاني بين العلماء، حتى أصبح من النادر ألا نرى لأحدهم تصنيفًا أو جامعًا فيه بعض الأبواب في الحديث. وقد سبق أن ذكرت أول من صنف في مختلف البلاد الإسلامية. وممن شارك في التصنيف أو وجد عنده كتب في تلك الحقبة يحيى بن أبي كثير

стр. 361

(- ١٢٩ هـ) (١). معاصر الإمام الزهري. وكان عند محمد بن سوقة (١٣٥ هـ) (٢) كتاب، وكان عند زيد بن أسلم (- ١٣٦ هـ) كتاب في التفسير (٣) لعل فيه كثيرًا من حديث رسول الله ﷺ . وكان عند موسى بن عقبة (- ١٤١ هـ) (٤) أحاديث لنافع مولى ابن عمر مكتوبة في صحيفة. وكان للأشعث بن عبد الملك الحمراني (- ١٤٢ هـ) (٥) كتاب انتقل إلى سليمان صاحب البصري. وقد كتب عقيل بن خالد بن عقيل (- ١٤٢ هـ) (٦) حديثًا كثيرًا عن الزهري، وكان أعلم الناس بحديثه. وكان ليحيى بن سعيد الأنصاي (- ١٤٣ هـ) (٧) كتاب انتقل إلى حماد بن زيد. وكتب عوف بن أبي جميلة العبدي (- ١٤٦ هـ) (٨) أطراف الحديث عن الحسن البصري عن النبي ﷺ ، وكانت هذه الأطراف بعد ذلك عند يحيى بن سعيد القطان (١٢٠ - ١٩٨ هـ) (٩). وكان عند جعفر الصادق بن محمد الباقر (٨٠ - ١٤٨ هـ) (١٠) رسائل وأحاديث ونسخ، وكان من ثقات المحدثين، وكان ليونس بن يزيد بن أبي النجاد (- ١٥٢ هـ)

стр. 362

كتاب شهد له ابن المبارك بالصحة (١)، وكان لعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي (- ١٦٠ هـ) كُتُبٌ أتى بها شعبة من بغداد (٢)، وكان لزائدة بن قدامة (- ١٦١ هـ) كُتُبٌ عرضها على سفيان الثوري (٣)، وقد كان زائدة نظيرًا لشعبة بن الحجاج (٤) وكان لسفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) كتب كثيرة منها في الحديث " الجامع الكبير " و" الجامع الصغير " (٥). وقال ابن المبارك: «إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَِ (- ١٦٣ هـ) وَالسُكَّرِِي - يَعْنِي أَبَا حَمْزَةَ - (- ١٦٧ هـ) صَحِيحَا الكُتُبِ» (٦). وكان لشعبة بن الحجاج (- ١٦٠ هـ) كتاب " الغرائب في الحديث " (٧)، وكان لعبد العزيز بن عبد الله الماجشون (- ١٦٤ هـ) كتب مصنفة رواها عنه ابن وهب (٨)، وكان لعبد الله بن عبد الله بن أويس (- ١٦٩ هـ) - ابن عم مالك وصهره على أخته (٩) - كتب انتهت إلى ابنه إسماعيل (١٠)، وأوصى سليمان بن بلال (- ١٧٢ هـ) بكتبه إلى عبد العزيز بن أبي حازم (١١).

стр. 363

ومن الجدير بالذكر أنه كان لعلي بن لهيعة (- ١٧٤ هـ) محدث الديار المصرية كتب كثيرة، احترقت سَنَةَ (١٦٩ هـ) وكانت كتبه صحيحة (١)، ولابن لهيعة صحيفة في الحديث تعتبر من أقدم مجموعات الحديث، وهي موجودة ضمن مجموعة أوراق البردي (بهيدلبرج) (٢)، وكان الليث بن سعد (٩٤ - ١٧٥ هـ) شيخ الديار المصرية وعالمها تصانيف كثيرة (٣). ولدينا كثير من أخبار المصنفات والمصنفين إلا أن المقام يضيق بذكرها ويكفي دليلاً على كثرة هذه المصنفات في نهاية القرن الثاني، أن علي بن عبد الله المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ) صنف في مختلف أبواب الحديث ورجاله وغريبه وشاذه وعلله نَيِّفًا ومائة مصنف، ذكر منها محمد بن صالح الهاشمي نَيِّفًا وخمسة وعشرين مصنفًا، وكل كتاب في عدة أجزاء بلغ بعضها ثلاثين جُزْءًا (٤). هكذا ساهم علماء المسلمين في حفظ الحديث في صدورهم وفي كتبهم، وصدق علي بن المديني حين قال: «نَظَرْتُ فَإِذَا الإِسْنَادُ يَدُورُ عَلَى سِتَّةٍ: فَلأَهْلِ المَدِينَةِ ابْنُ شِهَابٍ (- ١٢٤ هـ)، وَلأَهْلِ مَكَّةَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (٤٦ - ١٢٦ هـ) (٥)، وَلأَهْلِ البَصْرَةِ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ (- ١١٧ هـ)، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ

стр. 364

(- ١٢٩ هـ) (١)، وَلأَهْلِ الْكُوفَةِ أَبُو إِسْحَاقَ، عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ (٣٣ - ١٢٧ هـ) (٢)، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الأَعْمَشُ (٦١ - ١٤٨ هـ)». قَالَ عَلِيٌّ: «ثُمَّ صَارَ عِلْمُ هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ إِلَى أَصْحَابِ الأَصْنَافِ» (٣). • • •

стр. 365

الفَصْلُ الثَّالِثُ: آرَاءٌ فِي التَّدْوِينِ: ١ - رَأْيُ الشَّيْخِ مُحَمَّدْ رَشِيدْ رِضَا:: (١٢٨٢ - ١٣٥٤ هـ): قال الإمام محمد رشيد رضا: «لعل أول من كتب الحديث وغيره من التابعين في القرن الأول، وجعل ما كتبه مصنفًا مجموعًا هو خالد بن معدان الحمصي، روي عنه أنه لقي سبعين صحابيًا. قال في " تذكره الحفاظ ": وَقَالَ بَحِيرٌ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَلْزَمَ لِلْعِلْمِ مِنْهُ، وَكَانَ عِلْمُهُ فِي مُصْحَفٍ لَهُ أَزْرَارٌ وَعُرًا». ثم قال: «فَخَالِدُ بْنِ مَعْدَانَ جمع علمه في مصنف واحد جعل له وقاية لها أَزْرَارًا وَعُرًا تمسكها لِئَلاَّ يقع شيء من تلك الصحف، وكان ذلك في القرن الأول، فإنه مات سَنَةَ ١٠٣ هـ أو سَنَةَ ١٠٤ هـ، ولكن المشهور أن أول من كتب الحديث ابن شهاب الزهري القرشي، ولعل سبب ذلك أخذ أمراء بني أمية عنه» (١). بعد أن رأينا موقف العلماء من الكتابة خلال القرن الأول الهجري وفي النصف الأول من القرن الثاني، وبعد أن وجدنا أدلة علمية قاطعة تثبت وقوع التدوين في عهد الرسول ﷺ وفي عصر الصحابة والتابعين - بعد هذا لا يمكننا أن نقبل رأي الأستاذ الإمام وذلك من ناحيتين:

стр. 366

الأولى إذا اعتبرنا التدوين الشخصي الخاص بكل عالم فإن كثيرين من الصحابة والتابعين سبقوا خالدًا في هذا المضمار، وحافظوا على ما كتبوه، فابن عمرو حفظ صحفه في صندوق له حلق، وغيره في كراريس ودفاتر، كهمام بن منبه وابن شهاب، فمجرد وجود علم خالد بن معدان في مصحف له أزرار لا يكفي لأن يكون أول من دَوَّنَ الحديث في عصره. والناحية الثانية إذا اعتبرنا التدوين الرسمي للحديث استجابة لرغبة عمر بن عبد العزيز فقد سبق خالدًا إلى التدوين أبو بكر بن حزم وابن شهاب الزهري، وقد ثبت أن ابن شهاب كتب لعمر الحديث في دفاتر وزعت على كل أرض له عليها سلطان، فخالد لم يكن أول من صنف، سواء أكان هذا التصنيف خَاصًّا أَمْ رَسْمِيًّا. فهناك من سبقه في جمع الحديث، ويمكننا أن نعتبر صحف خالد من أولى الصحف التي ضمت علمه في ذلك القرن. وإذا كان المشهور أن ابن شهاب الزهري أول من كتب الحديث، فإن هذا محمول على تنفيذه أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، لا لأن أمراء بني أمية أخذوا عنه، لأن أخذ الأمراء عنه لا يؤثر في الأدلة الأخرى التي تثبت استجابة لأمر الخليفة وتدوينه الحديث في دفاتر. وقد أسلفنا أنه كان قد كتب كثيرًا من حديث رسول الله ﷺ ، في أثناء طلبه العلم. وهذا يدل على أسبقية ابن شهاب على غيره في التدوين ومع هذا فهناك من دَوَّنَ قبله - بشكل رسمي - وحفظ علمه في صحف واعتنى بصحفه وحرص عليها من الضياع. فقد ثبت لدينا مما سبق أن كثيرًا قبل ابن شهاب وقبل خالد بن معدان كتبوا الحديث وحفظوه في كل ما تيسر

стр. 367

لديهم من وسائل، رغبة منهم في حفظ حديث رسول الله ﷺ من الضياع والتحريف. ٢ - رَأْيُ الشِّيعَةِ فِي تَدْوِينِ الحَدِيثِ: [- أ -] قال المرجع الديني الأكبر السيد حسن الصدر (١٢٧٢ - ١٣٥٤ هـ): «وقد وهم الحافظ الجلال السيوطي في كتابه " تدريب الراوي "، حيث زعم: " أن ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة. وقال: وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع في رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره، ففي " صحيح البخاري " في أبواب العلم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ... قال في " فتح الباري ": يستفاد من هذا أن ابتداء تدوين الحديث النبوي، ثم أفاد أن أول من دَوَّنَهُ بأمر عمر بن عبد العزيز ابن شهاب ". انتهى ما في " تدريب الراوي "». قلت (السيد حسن الصدر): «كانت خلافة عمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر مبدؤها عاشر صفر سَنَةَ ثمان أو تسع وتسعين ومات سَنَةَ إحدى ومائة لخمس أو لست مضين وقيل لعشر بقين من رجب، ولم يؤرخ زمان أمره ولا نقل ناقل امتثال أمره بتدوين الحديث في زمانه، والذي ذكره الحافظ ابن حجر من باب الحدس والاعتبار، لا عن نقل العمل بأمره بالعيان، ولو كان له عند أهل العلم بالحديث أثر بالعيان لما نصوا أن الإفراد لحديث رسول الله ﷺ كان على رأس المائتين، كما اعترف به شيخ الإسلام وغيره ... قال ابن حجر: إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النبي ﷺ خاصة، وذلك في رأس المائتين وعدد جماعة ... وكذل الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " نص أن أول زمن التصنيف وتدوين السنن وتأليف الفروع - بعد انقراض دولة بني أمية وتحول الدولة إلى بني

стр. 368

العباس ... ولا يقاس بالذهبي غيره في الخبرة بالتورايخ في أمثال هذه الأمور، فلم يذكر ما ذكره السيوطي، بل كل من كتب في الأوائل من علماء السُنَّةِ لم يذكره، اللهم إلا أن يقال باستبعاد عدم الأخذ بقول مثل عمر بن عبد العزيز، فلعله جمع بعده فلا يكون الحكم بجمعه في رأس المائة من القول السديد المحقق، عصمنا الله تعالى من التسرع في القول» (١). أقول: إن ما ذكره السيوطي ليس وَهْمًا بل حقيقة علمية، كما تبين لنا من البحث. وأما قصر مدة خلافة عمر بن عبد العزيز، وعدم تأريخ زمن أمره فإنه لا ينافي استجابة العلماء لأمر الخليفة. وأما أنه لم ينقل هذا ناقل فهذا حكم يناقض الدليل، فقد كثر الناقلون، ونص ابن عبد البر على «أن ابن شهاب امتثل لأمر الخليفة وكتب الحديث في دفاتر، وبعث الخليفة إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا» (٢)، ولم يكن ما ذكره ابن حجر من باب الحدس والتخمين، ثم إن ما ذكره علماء الحديث من أن إفراد تدوين حديث رسول الله ﷺ كان على رأس المائتين - لا ينافي قط تدوينه استجابة لأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، ونحن لا نشك في أن بعض المدونات الأولى في عصر رسول الله ﷺ وفي عصر الصحابة كانت خالية من فتاوى الصحابة، وأقوى دليل على هذا " الصحيفة الصادقة "، و " الصحيفة الصحيحة "، وإن كان بعض المصنفين قد كتب عمل الصحابة، وفتاواهم إلى جانب الحديث، فهذا لا ينافي كونهم دَوَّنُوا الحديث على رأس المائة الأولى وقبلها.

стр. 369

واستشهاده بما ذكره الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " لا يجدي نفعًا، لأن الحافظ الذهبي لخص الحالة في القرن الأول، ولم يدرس التدوين دراسة موضوعية تفصيلية، ومع هذا نراه يذكر في تراجم من صنف من العلماء أنهم أول من صنفوا في بلادهم. وليس من المفروض على الذهبي أن يفصل في التدوين لأن " تذكرته " في رجال الحديث، لا في علم الحديث ومصطلحه. وأما أن أحدًا من الأوائل الذين كتبوا في الحديث وعلومه لم يذكر ما ذكره الجلال السيوطي، فهذا مردود بما كشف عنه بحثنا، فقد ذكر ذلك الرامهرمزي، وَبَيَّنَ سبب كراهة من كره الكتابة في الصدر الأول، وجمع بين أحاديث السماح بالكتابة والنهي عنها. وإذا كان الرامهرمزي لم ينقل إلينا النص كالسيوطي حرفيًا فقد ذكر ما يفهم منه أن بعض العلماء كانوا قد دونوا في القرن الأول (١) كما بَيَّنَ اهتمام عمر بن عبد العزيز بنشر السُنَّةِ والمحافظة عليها (٢)، ووضع الخطيب البغدادي كتابه " تقييد العلم " لعرض سير التدوين في العصر الأول، وَبَيَّنَ كثيرًا مما خفي على الناس، وأثبت أن بعض طلاب العلم وأهله قد مارسوا التدوين في عهد الرسول ﷺ بعده. وروى أبو عبيد القاسم بن سلام (١٥٧ - ٢٢٤ هـ) بسنده عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ عَمْرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، أَرْسَلَ إِلَى المَدِينَةِ يَلْتَمِسُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّدَقَاتِ، وَكِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ... فَنُسِخَا لَهُ» (٣)، فما أظن بعد هذا أن يَدَّعِي إنسان أن أمر عمر بن عبد العزيز لم ينفذ أو لم يؤخذ به، فما ذهب إليه علماء

стр. 370

الحديث من أن ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة الأولى ليس من باب الحدس والتسرع بالقول. ويحمل قولهم هذا على التدوين الرسمي الذي تبنته الدولة، أما التدوين الشخصي والفردي فكان منذ عهد رسول الله ﷺ . بعد ما ذكره السيد حسن الصدر قال: «إذا عرفت هذا فاعلم أن الشيعة أول من تقدم في جمع الآثار والأخبار، في عصر خلفاء النبي المختار - عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، اقتدوا بإمامهم أمير المؤمنين ﵇». ثم ذكر كتابًا لِعَلِيٍّ ﵁ كان عظيمًا مدرجًا، وذكر صحيفته المعلقة بسيفه، ثم ذكر كتابًا لأبي رافع مولى رسول الله ﷺ سماه " كتاب السنن والأحكام والقضايا " , وقد توفي أبو رافع في أول خلافة عَلِيٍّ ﵁، قال السيد حسن الصدر: «وأول خلافة على أمير المؤمنين سَنَةَ خمس وثلاثين من الهجرة، فلا أقدم من أبي رافع في التأليف بالضرورة» (١). أقول: إذا صح هذا الخبر فإن أبا رافع يكون ممن دَوَّنَ في عصر الصحابة، وقد سبقه عبد الله بن عمرو الذي كتب في عهده ﷺ . وإذا صح هذا الخبر وكان كتابه مرتبًا على الأبواب: (الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا).

стр. 371

كما ذكر السيد حسن الصدر، كان لأبي رافع شرف الأولوية في التأليف لا في التدوين، وصحة هذا لا تحملنا على أن ننفي ما ثبت تاريخيًا من أخبر التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز. [- ب -] ما دمنا في موضوع الشيعة والتدوين، فلا بد أن نتناول بالبحث أصلاً من أصول الزيدية، يعود تدوينه إلى مطلع القرن الثاني، وهذا الأصل هو " مجموع الإمام زيد " ونتناول هذا الكتاب في ثلاث نقاط، وهي التعريف بصاحب " المجموع "، والتعريف براويه، ثم " المجموع " ذاته. ١ - الإمام زيد: هو زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ جَمِيعًا -. ولد الإمام زيد [حَوَالَيْ] سَنَةَ (٨٠ هـ)، ونشأ في أسرة معروفة بالعلم والجهاد، فقد تلقى العلم على أبيه ثم أخذ عن أخيه محمد الباقر الذي شهد له العلماء بالمنزلة العلمية الرفيعة، كما سمع من كبار التابعين في المدينة وكان يتنقل بين الحجاز والعراق، ونضج الإمام زيد حتى شهد أهل العلم بفضله وعلمه، سئل جعفر الصادق عن عمه زيد، فقال: «كان والله أقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم، والله ما تُرِكَ فينا لدنيا ولا لآخرة مثله». وقال الشعبي: «ما ولدت النساء أفضل من زيد بن علي ولا أفقه ولا أشجع ولا أزهد»، وسئل الباقر عن أخيه زيد، فقال: «إن زيدًا أعطى من العلم بسطة» (١). ولزيد مع هشام بن عبد الملك وولاته أخبار كثيرة تذكر إخراجهم له واضطراره إلى الخروج على الخليفة، ومن هذا ما ذكره ابن العماد الحنبلي أنه دخل يومًا على هشام بن عبد الملك، فقال له: «أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة

стр. 372

وأنت ابن أمة!» فأجابه بقوله: «إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لإسحاق، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا -، فلم يمنعه ذلك من أن ابتعثه الله نبيًا، وجعله للعرب أبًا، وأخرج من صلبه خير البشر محمدًا ﷺ ! أفتقول لي كذا وأنا ابن فاطمة وابن علي (١)!؟» وقام ينشد شعرًا وخرج من الكوفة وبايعه من أهلها خمسة عشر ألف رجل، ثم تفرقوا عنه ليلة خرج سوى ثلاثمائة رجل، ولما قتل أرسل برأسه إلى الشام ثم إلى المدينة، وكان ذلك سَنَة َ (١٢٢ هـ) (٢). وللإمام زيد " المسند " المُسَمَّى " المجموع الفقهي ". وله " المجموع الحديثي "، وقد جمعهما (٣) عمرو بن خالد الواسطي. وله أَيْضًا " تفسير الغريب من القرآن "، و" تثبيت الإمامة " , و" منسك الحج " (٤). ٢ - أما راوي " المجموع "، فهو أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي بالولاء الكوفي، روى " مجموعي " الإمام زيد الحديثي والفقهي، قال: «صحبت الإمام زيدًا فما أخذت عنه الحديث إلا وقد سمعته مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، وما رأيت هاشميًّا مثل زيد بن علي، فلذلك اخترت صحبته على جميع الناس» (٥). وتوفي بعد العشر الخامسة من المائة الثانية من الهجرة. وقد اختلف في أبي خالد، فقبل الزيدية روايته، وفي هذا يقول القاسم

стр. 373

ابن عبد العزيز: «وعمرو بن خالد الواسطي أبو خالد، حدث عنه الثقات وهو كثير الملازمة لزيد بن علي ﵇، وهو الذي أخذ عنه أكثر الزيدية مذهب زيد بن علي ﵉، وَرَجَّحُوا روايته على رواية غيره» (١). وَجَرَّحَهُ الإمامية (٢) وغيرهم. وقد فند شارح " المجموع " طعون الجارحين لعمرو وَبَيَّنَ أقوال العلماء فيه، وانتهى إلى أن كل ما وجه إليه لا يؤثر في عدالته (٣)، وكذلك فند فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة الطعون وناقشها ووازن آراء العلماء، وانتهى إلى أن أوجه قبول رواية أبي خالد أرجح من أوجه الطعن (٤). ٣ - " المجموع ": واختلف في " المجموع " ذاته: هل وضعه الإمام زيد ورتبه كما هوعليه الآن وأملاه على طلابه أم أن هذا عمل أبي خالد؟ فأبو خالد نفسه يجيب إبراهيم بن الزبرقان الذي سأله: «كَيْفَ سَمِعْتَ هَذَا الكِتَابَ عَنْ زَيْدِ بْنَ عَلِيٍّ؟»، فيقول: «سَمِعتُهُ مِنْه فِي كِتَابٍ مَعَهُ قَدْ وَطَأَهُ وَجَمَعَهُ، فَمَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ زَيْدِ بْنِ عَلَيٍِّ مِمَّنْ سَمِعَهُ مَعِي إلاَّ قُتِلَ غَيْرَِي» (٥). إلا أن الإمام محمد بن المطهر في أول شرحه " المنهاج على المجموع " يقول: «وَكَانَ مَذْهَبُهُ - يَعْنِي زَيْدُ بْنُ عَلَيٍِّ - عَزِيزًا، لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ ' فِي الكِتَابِ الجَامِعِ إلاَّ مَا عَنِيَ بِجَمْعِهِ أَبُو خَالِدٍ، فَإِنَّه جَمَعَ مَجْمُوعَيْنِ لَطِيفَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي الأَخْبَارِ، وَالآخَرُ فِي الفِقْهِ» (٦) ويمكن الجمع بين

стр. 374

الخبرين بأن أبا خالد قد كتب عن الإمام زيد الحديث والفقه وسمع منه، فرتب ذلك في مجموعين. ولا نرى هذا بعيدًا قط، لأن أبا خالد صحب زَيْدًا بالمدينة قبل قدومه الكوفة خمس سنين، كان يقيم عنده في كل سَنَةٍ أَشْهُرًا كلما حج (١)، وكان عصر الإمام زيد عصر طلائع التصنيف، ومع هذا لا يمكننا أن نقطع بأن " المجموع " كما هو عليه الآن جمعًا وترتيبًا من تصنيف الإمام زيد، لأن الدارس لمتن " المجموع " يرى كثيرًا من الحديث يرويه أبو خالد قائلاً: «حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ»، وفي الفقه يقول: «قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ»، مما يدل على أن أبا خالد تلقى هذا مشافهة عن الإمام زيد. وهذا لا يمنع أن يحمل الإمام بعض علمه في كتاب، سواء أملى على طلابه أم لم يمل، يُرَجَّحُ عِنْدِي أن أبا خالد كتب عن الإمام الحديث والفقه، ثم رتب ذلك في " مجموعين " وكل هذا لا يؤثر في صحة نسبة " المجموع " إلى زيد بن علي. وعلى هذا يكون " المجموع " من أهم الوثائق التاريخية التي تثبت ابتداء التصنيف والتأليف في أوائل القرن الثاني الهجري. بعد أن استنتجنا هذا من خلال عرضنا لمصنفات ومجاميع العلماء من غير أن نرى نموذجًا ماديًا يمثل أولى تلك المصنفات. اللهم إلا " موطأ الإمام مالك " الذي انتهى من تأليفه قبل منتصف القرن الهجري الثاني، فيكون " المجموع " قد صنف قبله بنحو ثلاثين سَنَةٍ. ومن الواضح أن " المجموع " المطبوع جمع بين الفقه والحديث، فهو يضم " المجموعين الفقهي والحديثي " ولكنهما ليسا منفصلين، فنرى أبا خالد يروي في الباب الواحد أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وَآثَارًا عن علي ﵁، وفقه الإمام زيد ﵀.

стр. 375

وقد ضم " المجموع " (٢٢٨) حَدِيثًا مَرْفُوعًا إلى النبي ﵊، ومن الأخبار العَلَوِيَّةِ (٣٢٠) خَبَرًا، وَعَنْ الحُسَيْنِ خَبَرَيْنِ فَقَطْ (١). وقد رتب " المجموع " ترتيبًا فقهيًّا، ففيه كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الجنائز، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب الحج، وكتاب البيوع ... ورتب كل كتاب على أبواب مختلفة، ويفتتح كل باب بحديث الباب بسنده المرفوع إلى الرسول الكريم ﵊ أو الموقوف على الإمام عَلِيٍّ ﵁. وسأعرض بعض النماذج لنقف على حقيقة " المجموع ". [- أ -] مِنْ بَابِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ فِي الصَّلاَةِ: قَالَ: «حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: أَبْصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ: " أَمَّا هَذَا لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ "»، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ﵇ «إذاً دَخَلْتَ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ تَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلاَ شِمَالاً، وَلاَ تَعْبِثْ بِالحَصَى، وَلاَ تَرَفَعْ أَصَابِعَكَ وَلاَ تَنْقُضْ أَنَامِلَكَ، وَلاَ تَمْسَحْ جَبْهَتَكَ حَتَّى تَفْرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ» (٢). [- ب -] مِنْ كِتَابِ البُيُوعِ، بَابُ الكَسْبِ بِاليَدِ: قَالَ: «حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الكَسْبِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ، وَمَنْ كَدَّ عَلَى عِيَالِهِ كَانَ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ».

стр. 376

حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلاَلاً تَعَطُّفًا عَلَى وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَوْجَةٍ، بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» (١). ٣ - رَأْيٌ فِي التَّدْوِينِ الرَّسْمِيِّ: لقد تبين لي أثناء البحث في موضوع تدوين السُنَّةِ، وخاصة في دراسة رجال الحديث في عصر الصحابة والتابعين - أن أمير مصر عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي (- ٨٥ هـ). قد حاول جمع حديث رسول الله ﷺ ، وقد روى هذا إمام الديار المصرية ومحدثها اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، «أَنَّ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الحَضْرَمِيِّ، - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ بِحِمْصَ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » قَالَ لَيْثٌ: «وَكَانَ يُسَمِّي الجُنْدَ المُقَدَّمَ» قَالَ: «فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِمَا سَمِعَ مِنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ إِلاَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا» (٢)، لم يطلب حديث أبي هريرة لأنه كان عنده وكان قد سمعه عبد العزيز بن مروان من أبي هريرة (٣). لقد طلب أمير مصر كتابة حديث رسول الله ﵊ من إمام حمص وعالمها الذي كان طلابا للعلم حافظًا ثقة (٤). وقد كان هذا الطلب أثناء إمارته على مصر سَنَةَ (٦٥ - ٨٥ هجرية)، ويمكننا أن نجد هذا بحد

стр. 377

أقرب إلى الحقيقة إذا عرفنا أن كثير بن مرة توفي بين سَنَةَ (٧٠ و ٨٠) للهجرة (١)، فلو فرضنا أنه توفي سَنَةَ (٧٥ هـ) فمعنى هذا أن طلب الأمير كان قبل هذه السَّنَةِ، والراجح عندي أن طلب الأمير عبد العزيز، كان في السنين الأولى من إمارته، لما عرف عنه من حب للعلم وأهله، وتفان في خدمة الدين (٢). إلا أن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كثير بن مرة للأمير. فنقف أمام هذا الخبر التاريخي متسائلين: ترى هل كتب كثير للأمير ما طلب منه من حديث رسول الله ﷺ ؟ وإذا كتب إليه فما مقدار ما كتبه؟ وعن أي الصحابة كتب؟ ثم إلى من آلت تلك الصحف أو الدفاتر المدونة؟ كل هذه أسئلة تعرض أمامنا، وتحتاج إلى بحث وتنقيب، وريثما يكشف لنا التاريخ عن خبايا تراثنا الإسلامي العظيم، نجيب عن هذه الأسئلة على ضوء ما لدينا من أخبار قليلة. إن ما نعرفه من عناية هؤلاء بالحديث يرجح عندنا أن يستجيب كثير بن مرة لطلب الأمير، ولو ظن الأمير عبد العزيز امتناع عالم حمص عن إجابته ما كتب إليه، مما يرجح عندي أن كثيرًا تلقى رسالة الأمير وأجابه إلى طلبه، لما عرف عن كثير من نشاط علمي عظيم، ومن الصعب في هذا المجال أن نقدر مقدار ما كتب كثير، لأن المراجع لم تنص على شيء من هذا (٣)، فأرجو

стр. 378

من الله أن أوفق فيما بعد للكشف عن ذلك وإيضاحه بما يكفل لنا الحكم العلمي الصحيح. ونقول الآن بعد هذا الخبر: إذا ثبتت استجابة كثير بن مرة لطلب أمير مصر، فيعني هذا أن بعض الحديث النبوي قد دُوِّنَ رَسْمِيًّا في منتصف العقد الهجري الثامن قبل انقضاء القرن الأول. وعلى أية حال، فإن اهتمام أمير مصر بحديث رسول الله ﵊ وتدوينه يزيدنا ثقة بأن التدوين قد سار جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع الحفظ، ولم يتأخر قط إلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فيكون شرف المساهمة في تدوين الحديث، قد كلل الوالد الأمير والابن الخليفة البار، ويكون لهما جَمِيعًا شرف العمل لحفظ الحديث وتدوينه رَسْمِيًّا. وأنا بهذه النتيجة لا أريد أن أخالف ما اشتهر عند أئمة هذا العلم من أن تدوين الحديث النبوي كان على رأس المائة الأولى في خلافة عمر بن عبد العزيز، بل أضع يدي على مفتاح بحث تاريخي له أهميته في تاريخ تدوين الحديث سواء أخالف هذا المشهور أم وافقه، وهذا المفتاح قد طوى في بطون تراثنا الزاخر، ينتظر من يتفرغ ليكشف عنه، فنحن في هذا لسنا بِدَعًا، ولا نأتي بشيء جديد سوى أننا ننفض غبار الماضي عن جواهرنا المكنونة، ونحاول أن نسلكها في عقد يصور لنا الحقيقة التاريخية. ٤ - المُسْتَشْرِقُونَ وَرَأْيُهُمْ فِي تَدْوِينِ الحَدِيثِ: لقد عرفنا أن المسلمين حفظوا حديث النبي ﷺ في صدورهم وصحفهم، فساهمت الذاكرة والأقلام والصحف والدفاتر في حفظ السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وسار الحفظ في الصدور وفي الصحف جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ في سبيل هذه الغاية، ورأينا مراحل التدوين الفردي والرسمي، وثبت لنا وقوع التدوين في عهد رسول الله

стр. 379

- ﷺ وفي عصر الصحابة والتابعين، بأدلة قاطعة لا يرقى إليها الشك، ولا يعتريها الظن. وعرفنا أن ضرورة حفظ الحديث لم تنتظر خلافة عمر بن عبد العزيز وإذنه، بل دعت إلى تدوينه قبله بكثير، وكان لعمر بن عبد العزيز شرف مساهمة الدولة في تبني هذا التدوين والإشراف عليه، وتحريك همم العلماء للجمع والتصنيف، الذي ظهرت بوادره في النصف الأول من القرن الثاني، ونضجت ثماره في المصنفات الكثيرة التي أخرجها أوائل المصنفين في مختلف بلاد الدولة الإسلامية آنذاك. بعد هذا لن نؤخذ بما وصل إليه المستشرقون وأعلنوه من أن السُنَّةَ قد دُوِّنَتْ في عصر مبكر. ولن نقع فيما نصبه بعضهم من شراك خلف بحوثهم، وإن ظهرت بعض أبحاثهم في ثوب علمي نقي، فقد كتب جولدتسيهر فصلاً خاصًا حول كتابة الحديث في كتابه " دراسات إسلامية " أتى فيه بأدلة كثيرة على تدوين الحديث في أول القرن الهجري الثاني، وكان في الفصل الأول من كتابه «قد سرد طائفة من الأخبار، تشير إلى بعض الصحف التي دونت في عهد الرسول ﷺ ، ولكنه حاطها بكثير من التشكك في أمرها، والريبة في صحتها، وقد رمى بهذا إلى غرضين، أحدهما: إضعاف الثقة باستظهار السُنَّةِ وحفظها في الصدور، لتعويل الناس منذ القرن الهجري الثاني على الكتابة، والآخر وصم السُنَّةَ كلها بالاختلاق ولوضع على ألسنة المدونين لها، الذين لم يجمعوا سَهْمًا إلا ما يوافق أهواءهم، ويعبر عن آرائهم ووجهات نظرهم في الحياة ... وحاول المستشرق «سوفاجيه» في كتابه " الحديث عند العرب " أن يفند المعتقد الخطأ عن وصول السُنَّةِ بطريق المشافهة وحدها، وجمع أدلة كثيرة

стр. 380

على تدوين الأحاديث والتعويل على هذا التدوين في عصر مبكر يبدأ أَيْضًا في مطلع القرن الهجري الثاني، وليس في حياة الرسول ﵊، وغايته لا تختلف في شيء عن غاية جولدتسيهر» (١). ويقول الدكتور صبحي الصالح: «وأما " دوزي " فَلَعَلَّهُ يخدع برأيه المعتدل كَثِيرًا من علمائنا فضلاً عن أوساط المُتَعلِّمِينَ فينا، فقد كان هذا المستشرق يعترف بصحة قسم كبير من السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ التي حفظت في الصدور وَدُوِّنَتْ في الكتب بدقة بالغة وعناية لا نظير لها " وما كان يعجب لكثير من الموضوعات والمكذوبات تَتَخَلَّلُ كُتُبَ الحديث - فتلك كما يقول طبيعة الأشياء نفسها - بل للكثير من الروايات الصحيحة الموثوقة التي لا يرقى إليها الشك، (ونصف " صحيح البخاري " على الأقل جدير بهذا الوصف عند أشد المُحَدِّثِينَ غُلُوًّا في النقد) مع أنها (٢) تشتمل على أمور كثيرة يَوَدُّ المؤمن الصادق لو لم ترد فيها (٣). فلم يكن غرض هذا المستشرق خَالِصًا للعلم والبحث المُجَرَّدِ حين مال إلى الاعتراف بصحة ذلك النصيب الكبير من السُنَّةِ، وإنما كان يُفكِّرُ أَوَّلاً وَآخِرًا بما اشتملت عليه هذه السُنَّةُ الصَّحِيحَةُ، من نظرات مُسْتَقِلَّةٍ في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يدرأ عنها استقلالها النقد والتجريح لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المعجز، ولم تُصَوِّرْ حياة الغرب الطليقة من كل قيد!» (٤)

стр. 381

وعثر المستشرق (شبرنجر) على كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي فوجد فيه شواهد وأخبارًا تدل على تدوين المسلمين للحديث في عصر مبكر فكتب مقالاً حول ما وجده. واطلع (جولدتسيهر) على ما كتبه سلفه (شبرنجر) وأيد فكرة كتابة المسلمين للحديث في عصر مبكر، إلا أنه «تأمل في الأخبار التي عرضها سلفه " شبرنجر " نقلاً عن الخطيب البغدادي وغيره، فوجدها تارة تقول بأن الرسول ﷺ أجاز كتابة العلم، وطورًا تدعي بأنه نهى عنها، وتذكر مرة أن الصحابة حضوا عليها، ثم لا يلبث أن تروى كراهتهم لها، وَتَعْرِضَ كَتْبَ بَعْضِ التابعين للعلم، ثم تذكر استنكاف بعضهم الآخر - رأى ذلك فظن بهذه الأخبار سُوءًا، وأراد أن يرى خلالها يد الوضع والتزوير، فتصور حزبين متناضلين، اتخذا من هذه الأخبار سِلاَحًا، يذود كل منهما به عن رأيه، ويدفع خصمه، فقال: إن أهل الرأي - الذين اعتمدوا في وضع فروع الشريعة على عقلهم، وأهملوا شأن حديث رسول الله ﷺ - كان من حُجَجِهِمْ أن الحديث لم يكتب دهرًا طويلاً، فغابت معالمه، وتشتت أمره، وأيدوا رأيهم بأخبار اختلقوها، تثبت أنه لم يكتب، ولم يقف خصومهم (أهل الحديث) واجمين، بل فعلوا فعلتهم واختلقوا الأخبار تَأْيِيدًا لقولهم، فنسبوا إلى الرسول أحاديث في إباحة الكتابة» (١). هكذا رأى جولدتسيهر أهل الرأي يدعون عدم كتابة الحديث، فيضعون من الأخبار ما يثبت دعواهم، وأهل الحديث يرون جواز تقييد العلم، فيضعون

стр. 382

ما يثبت دعواهم، ليحتجوا بصحة ما لديهم من أحاديث في خلافاتهم الفقهية، أراد جولدتسيهر أن يصور علماء الأمة ومفكريها، حزبين متعصبين لآرائهم، يستجيزون الكذب في سبيل ذلك!! فساء ما تصوره وبئس ما انتهى إليه. وقد قيض الله لكتاب " تقييد العلم " أن ينشر في دمشق، ويحقق تحقيقًا علميًّا دقيقًا، على يدي الدكتور يوسف العش، الذي درس أخباره دراسة عميقة، ثم قدم للكتاب المذكور بتصدير علمي قيم، كشف فيه عن خطأ جولدتسيهر في رأيه حين قال: «إن من ادعى عدم جواز الكتابة هم أهل الرأي، وأن مخالفيهم هم من أهل الحديث» - قال الدكتور العش: «فالخلاف لم يكن بين هاتين الفئتين، لأن من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة كعيسى بن يونس (- ١٨٧ هـ) وحماد بن زيد (- ١٧٩ هـ) وعبد الله بن إدريس (- ١٩٢ هـ)، وسفيان الثوري (- ١٦١ هـ)، وبينهم من أقرها كحماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ)، والليث بن سعد (- ١٧٥ هـ) وزائدة بن قدامة (- ١٦١ هـ) ويحيى بن اليمان (- ١٨٩ هـ)، وغيرهم. ومن المحدثين من كره الكتابة كابن علية (- ٢٠٠ هـ) وهُشيم بن بشير (- ١٨٣ هـ)، وعاصم بن ضمرة (- ١٧٤ هـ) وغيرهم، ومنهم من أجازها كبقية الكلاعي (- ١٩٧ هـ) وعكرمة بن عمار (- ١٥٩ هـ)، ومالك بن أنس (- ١٧٩) وغيرهم» (١). بهذه البراهين القوية نقض الدكتور يوسف العش رأي جولدتسيهر وقوض

стр. 383

كل ما بناه على رأيه من صور وهمية، وبين بعد البحث والتأمل «أنْ ليس من أوصاف مشتركة تُوَحِّدُ بين أصحاب إحدى الطائفتين، فليس الفريقان حزبين اتفق أفرادهما في الرأي، واستعدُّوا لخوض المعركة متضامنين، يناصر بعضهم بعضًا، وإنما تَمَسَّكُوا برأيهم عن عقيدة نفسية، أو عن ميول شخصية، أو عن ذوق خاص، أو عن عادة مُسْتَحْكَمَةٍ، وعندنا أَنَّ الطائفتين المُتخاصمتين مُتَّفِقَتَانِ بِالغَايَةِ، ولو أنهما تشاحنتا في القول، فكلتاهما تبغي الدفاع عن العلم والتقدُّم» (١). بعد تلك الأخبار عن التدوين، وحرص الأمة على سلامة الحديث النبوي، لا يمكننا أن نسلم بما ذهب إليه المستشرقون، وخاصة بعد أن ظهر أمرهم على ضوء ما بيناه، فالسنة حفظت منذ عهد الرسول ﷺ في الصدور، وقيد بعضها في الصحف، وكانت محل اعتناء المسلمين في مختلف عصورهم، فتناقلوها جيلاً بعد جيل حفظًا ودراسة بالمشافهة والكتابة، واجتهدوا وسعهم لحفظ الحديث بأسانيده في مصنفات ومسانيد تكفل لأهل العلم معرفة القوي من الضعيف، خشية تسرب الكذب إلى حديثه ﷺ ، ثم اجتهد كبار العلماء في جمع الحديث الصحيح على أسلم قواعد التثبت العلمي، فرحلوا في طلب ذلك، وسمعوا بأنفسهم، وتثبتوا وسعهم، وكتبوا بأيديهم، فظهرت الكتب المجردة من الضعيف وأجمعت الأمة الإسلامية - التي فهمت الإسلام واتخذته سبيلها في مختلف وجوه حياتها - على صحة " صحيح البخاري " و" صحيح مسلم "، فإذا اعترف المستشرقون ببعض الحقيقة العلمية، وأقروا جانبًا مما أثبتته المصادر الإسلامية، فلا يجوز لنا على أي حال أن نقبل ما ذهبوا إليه من طعن في

стр. 384

صحاح السُنَّةِ، باسم طبيعة تطور الرواية أو غير ذلك، كما لا يجوز لنا أَيْضًا أن نقبل منهم إضعاف ثقتنا باستظهار السُنَّةِ وحفظها ما دام قد ثبت تقييد بعض الحديث منذ عهده ﷺ ، فلا تعارض بين حفظ الحديث وكتابته، ولا يقتضي وجود أحدهما انعدام الآخر أو ضعفه. ... نَتَائِجُ هَذَا الفَصْلِ: ١ - دونت أحاديث في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الصحابة والتابعين، ووصلنا بعضها في المسانيد والصحاح وبعضها مستقلاً، وأشهر تلك الصحف التي دونت في عهده ﷺ العهد الذي أمر الرسول ﵊ بكتابته بين المسلمين ويهود المدينة، و" الصحيفة الصادقة " لعبد الله بن عمرو، وبعض " صحيفة جابر "، ومن أقدم ما وصلنا من عهد الصحابة " صحيفة همام بن منبه " عن أبي هريرة التي دونت قطعًا في العقد السادس من القرن الأول الهجري. ٢ - تجلى لنا من البحث كثرة الكتب والمصنفات في أول القرن الهجري الثاني. ٣ - إذا صحت نسبة " مجموع زيد " إلى الإمام زيد - وهو الراجح - يكون لدينا دليل مَادِيٌّ قوي على ما صُنِّفَ في أوائل القرن الهجري الثاني. ٤ - إن محاولة أمير مصر جمع الحديث في العقد الثامن من القرن الأول الهجري دليل على اهتمام ولاة المسلمين بالحديث، وحرصهم على حفظه، ومحاولة رسمية من أولي الأمر لجمع السنة قبل الزمن المشهور بربع قرن.

стр. 385

٥ - لم تسلم أبحاث من الخطأ المقصود أو غير المقصود، ولم يصب (جولدتسيهر) في تصوره واستنباطه من الأخبار الواردة في كراهة الكتابة وإباحتها، حين ظن قيام حزبين متخاصمين، أهل رأي، يضعون ما ينفي التدوين ليتمكنوا من الطعن في بعض الأحاديث ورفضها حسب ميولهم وأهوائهم، وأهل حديث، وضعوا ما يروق لهم من الأخبار التي تثبت التدوين ليتمكنوا من الاحتجاج ببعض الأحاديث التي تخدم غاياتهم وأهواءهم. فعلماء المسلمين وفقهاؤهم أرفع بكثير مما تصوره (جولدتسيهر)، وقد نهجوا جَمِيعًا المنهج العلمي الدقيق في سبيل الحفاظ على الشريعة الإسلامية. وبعد أن اطلعنا على تاريخ السُنَّةِ، منذ عهد الرسول ﷺ حتى منتصف القرن الهجري الثاني تقريبًا، وعرفنا كيف حفظت وكيف نقلت ورويت جيلاً بعد جيل، حتى وصلتنا سالمة خالصة من كل شائبة - أرى من واجبي أن أُعَرِّفَ بمشاهير رواة الحديث من الصحابة والتابعين، لنطلع على مكانتهم العلمية، ونعلم قيمة رجال الحديث الذين حافظوا على السُنَّةِ، وصانوها عبر الزمان، ونقلوها إلينا بكل أمانة، فهم سندنا، وسبيلنا إلى الرسول ﷺ وإلي سُنَّتِهِ الطَّاهِرَةِ، وهذا ما سأبحثه في الباب بعون الله. ***

стр. 386

البَابُ الخَامِسُ: أَعْلاَمُ رُوَّاةِ الحَدِيثِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: • الفصل الأول: بعض أعلام الرواة من الصحابة. • الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين.

стр. 387

الفصل الأول: بَعْضُ أَعْلاَمُ الرُوَّاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ: وفيه: ١ - تعريف الصحابي، لغة وشرعًا. ٢ - طبقات الصحابة. ٣ - كيف يعرف الصحابي؟. ٤ - عدالة الصحابة. ٥ - عدد الصحابة. ٦ - علم الصحابي. ٧ - المكثرون من الصحابة: • ابو هريرة. • عبد الله بن عمر. • أنس بن مالك. • عائشة أم المؤمنين. • عبد الله بن عباس. • جابر بن عبد الله. • أبو سعيد الخدري.

стр. 388

١ - تَعْرِيفُ الصَّحَابِي: الصحابي لغة: مشتق من الصحبة، وليس مشتقًا من قدر خاص منها، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيرًا، كما أن القول: مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة، والمخاطبة والضرب، وجار على كل من وقع منه ذلك قليلاً كان أو كثيرًا، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال. وكذلك يقال صحب فلان حَوْلاً وَدَهْرًا وَسَنَةً وَيَوْمًا وَسَاعَةًً فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره (١). والصحابي عند المحدثين: هو كل مسلم رأى رسول الله ﷺ (٢)، قال البخاري في " صحيحه ": «وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ»، وَذَكَرَ الإِمَامُ أَحْمَدُ «مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلاَءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَرْنُ الذِي بُعِثَ فِيهِمْ , كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ , لَهُ مِنَ الصُّحْبَةُ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ , وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ , وَسَمِعَ مِنْهُ , وَنَظَرَ إِلَيْهِ» (٣).

стр. 389

قال ابن الصلاح: «وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي المُظَفَّرِ السِّمْعَانِيِّ المَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " أَصْحَابُ الحَدِيثِ يُطْلِقُونَ اسْمَ الصَّحَابَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ حَدِيثًا أَوْ كَلِمَةً، وَيَتَوَسَّعُونَ حَتَّى يَعُدُّونَ مَنْ رَآهُ رُؤْيَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا لِشَرَفِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْطَوْا كُلَّ مَنْ رَآهُ حُكْمَ الصُّحْبَةِ (*)» (١). وقال آخرون: لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروى حديثًا أو حديثين (٢). قَالَ الوَاقِدِيُّ: «وَرَأَيْتُ أَهْلَ العِلْمِ يَقُولُونَ: كُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَدْرَكَ الحُلُمَ فَأَسْلَمَ وَعَقَلَ أَمْرَ الدِّينِ وَرَضِيَهُ فَهُوَ عِنْدَنَا مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» (٣). إلا أن تعريف الواقدي هذا يخرج بعض الصحابة الذين رأوا رسول الله وهم دون الحُلُمِ وَرَوَوْا عنه، كعبد الله بن عباس والحسن والحسين وابن الزبير وغيرهم ﵃، ولذلك قال العراقي: «وَالتَّقْيِيدُ بِالبُلُوغِ [- كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ -] شَاذٌّ» (٤). قَالَ إِمَامُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «الصَّحَابَةُ لاَ نَعُدُّهُمْ إِلاَّ مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ , وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ» (٥). قال ابن الصلاح: «وَكَأَنَّ المُرَادَ بِهَذَا - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - رَاجِعٌ إِلَى المَحْكِيِّ عَنْ

стр. 390

الأُصُولِيِّينَ، وَلَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ ضِيقٌ يُوجِبُ أَلاَّ يُعَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ وَمَنْ شَارَكَهُ ... » (١). قال العراقي: «وَلاَ يَصِحُّ هَذَا عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ، فَفِي الإِسْنَادِ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الوَاقِدِيُّ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ» (٢). قال ابن الجوزي: «وَعُمُومُ العُلَمَاءِ عَلَى خِلاَفِ قَوْلِ ابْنِ المُسَيِّبِ، فَإِنَّهُمْ عَدُّوا جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ (البَجَلِيَّ) مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَعَدُّوا مِنَ الصَّحَابَةِ، مَنْ لَمْ يَغْزُ مَعَهُ، وَ (مَنْ) تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَغِيرُ السِنِّ، وَلَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يُمَاشِهِ، فَأَلْحَقُوهُ بِالصَّحَابَةِ إِلْحَاقًا وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الصُّحَبَةِ لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ» (٣). قال ابن حجر: «أَصَحُّ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ: مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ ﷺ مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَيَدْخُلُ فِيمَنْ لَقِيَهُ مَنْ طَالَتْ مُجَالَسَتُهُ أَوْ قَصُرَتْ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ أَوْ لَمْ يَرْوِ، وَمَنْ غَزَا مَعَهُ أَوْ لَمْ يَغْزُ، وَمَنْ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَمْ يُجَالِسْهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ لِعَارِضٍ كَالعَمَى» (٤). وهو رأي الجمهور. والرؤية عند أنس بن مالك ﵁ لا تكفي لجعل الرائي صحابيًا. رَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى السَّبْلاَنِيَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، قُلْتُ لأَنَسٍ بْنِ مَالِكَ: «"هَلْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدٌ غَيْرُكَ؟ " قَالَ: " نَاسٌ مِنَ
следующие страницы →