البَابُ الخَامِسُ: أَعْلاَمُ رُوَّاةِ الحَدِيثِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
• الفصل الأول: بعض أعلام الرواة من الصحابة.
• الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين.
стр. 387
الفصل الأول: بَعْضُ أَعْلاَمُ الرُوَّاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ:
وفيه:
١ - تعريف الصحابي، لغة وشرعًا.
٢ - طبقات الصحابة.
٣ - كيف يعرف الصحابي؟.
٤ - عدالة الصحابة.
٥ - عدد الصحابة.
٦ - علم الصحابي.
٧ - المكثرون من الصحابة:
• ابو هريرة.
• عبد الله بن عمر.
• أنس بن مالك.
• عائشة أم المؤمنين.
• عبد الله بن عباس.
• جابر بن عبد الله.
• أبو سعيد الخدري.
стр. 388
١ - تَعْرِيفُ الصَّحَابِي:
الصحابي لغة: مشتق من الصحبة، وليس مشتقًا من قدر خاص منها، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيرًا، كما أن القول: مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة، والمخاطبة والضرب، وجار على كل من وقع منه ذلك قليلاً كان أو كثيرًا، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال.
وكذلك يقال صحب فلان حَوْلاً وَدَهْرًا وَسَنَةً وَيَوْمًا وَسَاعَةًً فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره (١).
والصحابي عند المحدثين:
هو كل مسلم رأى رسول الله ﷺ (٢)، قال البخاري في " صحيحه ": «وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ»، وَذَكَرَ الإِمَامُ أَحْمَدُ «مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلاَءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَرْنُ الذِي بُعِثَ فِيهِمْ , كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ , لَهُ مِنَ الصُّحْبَةُ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ , وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ , وَسَمِعَ مِنْهُ , وَنَظَرَ إِلَيْهِ» (٣).
стр. 389
قال ابن الصلاح: «وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي المُظَفَّرِ السِّمْعَانِيِّ المَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " أَصْحَابُ الحَدِيثِ يُطْلِقُونَ اسْمَ الصَّحَابَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ حَدِيثًا أَوْ كَلِمَةً، وَيَتَوَسَّعُونَ حَتَّى يَعُدُّونَ مَنْ رَآهُ رُؤْيَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا لِشَرَفِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْطَوْا كُلَّ مَنْ رَآهُ حُكْمَ الصُّحْبَةِ (*)» (١).
وقال آخرون: لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروى حديثًا أو حديثين (٢).
قَالَ الوَاقِدِيُّ: «وَرَأَيْتُ أَهْلَ العِلْمِ يَقُولُونَ: كُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَدْرَكَ الحُلُمَ فَأَسْلَمَ وَعَقَلَ أَمْرَ الدِّينِ وَرَضِيَهُ فَهُوَ عِنْدَنَا مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» (٣). إلا أن تعريف الواقدي هذا يخرج بعض الصحابة الذين رأوا رسول الله وهم دون الحُلُمِ وَرَوَوْا عنه، كعبد الله بن عباس والحسن والحسين وابن الزبير وغيرهم ﵃، ولذلك قال العراقي: «وَالتَّقْيِيدُ بِالبُلُوغِ [- كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ -] شَاذٌّ» (٤).
قَالَ إِمَامُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «الصَّحَابَةُ لاَ نَعُدُّهُمْ إِلاَّ مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ , وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ» (٥).
قال ابن الصلاح: «وَكَأَنَّ المُرَادَ بِهَذَا - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - رَاجِعٌ إِلَى المَحْكِيِّ عَنْ
الأَعْرَابِ رَأَوْهُ، فَأَمَّا مَنْ صَحِبَهُ فَلاَ ". رواه مسلم بحضرة أبي زرعة» (١).
قَالَ أَبُو بَكْرٍالبَاقِلاَّنِيُّ (٣٣٨ - ٤٠٣ هـ) بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ الصَّحَابِيَّ لُغَةً: «وَكَذَلِكَ يُقَالُ: صَحِبْتُ فُلاَنًا حَوْلاً وَدَهْرًا وَسَنَةً وَشَهْرًا وَيَوْمًا وَسَاعَةً , فَيُوقَعُ اسْمُ المُصَاحَبَةِ بِقَلِيلِ مَا يَقَعُ مِنْهَا وَكَثِيرِهِ , وَذَلِكَ يُوجِبُ فِي حُكْمِ اللُّغَةِ إِجْرَاءَ هَذَا عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي اشْتِقَاقِ الاسْمِ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلأُمَّةِ (٢) عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ إِلاَّ فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ , وَلاَ يُجْرُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ المَرْءَ سَاعَةً , وَمَشَى مَعَهُ خُطًى , وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا , فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ لاَ يُجْرَى هَذَا الاسْمُ فِي عُرْفِ الاِسْتِعْمَالِ إِلاَّ عَلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ» (٣).
ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به وإن لم تطل صحبته، ولا سمع منه إلا حديثًا واحدًا. فقول أنس ﵁ لا يخالف عرف الأمة، ومما لا شك فيه أن الصحابة على درجات بحسب تقدمهم وبلائهم في الإسلام.
وإلى رأي الجمهور أميل وبه أقول، لأنه في الحقيقة لَمْ يَرْوِ صحابي عن رسول الله ﷺ حديثًا إلا قد ثبتت عدالته عند جهابذة هذا العلم، بتطبيق قواعد النقد العلمي الصحيحة، التي طبقوها في علم الحديث على سائر الرواة، وسيتجلى لنا ما ذهبت إليه عندما نتكلم عن عدالة الصحابة.
стр. 392
والصحابي عند الأصوليين أو بعضهم: هو كل من طالت مجالسته للرسول ﷺ ، على طريق التبع له والأخذ عنه (١) وقول أنس بن مالك وسعيد بن المسيب قريب من قول الأصوليين.
٢ - طَبَقَاتُ الصَّحَابَةِ:
صحيح أن أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحبة على كل من روى عن النبي ﷺ حديثًا أو كلمة، ويتوسعون حتى إنهم يعدون من رآه رؤية من الصحابة، قالوا هذا لشرف منزلة النبي ﷺ ، إلا أن الصحابة ﵃ طبقات ودرجات، فهناك السابقون في الإسلام، الذين طالت صحبتهم، وبذلوا أموالهم ودماءهم للدعوة، وهناك من رآه في حجة الوداع رؤية، وبين هؤلاء وهؤلاء درجات ومراتب كثيرة، وهناك من لازمه في الليل والنهار، في حله وظعنه، في صيامه وفطره، في مرحه ﵊ وجده، في جهاده ومناسكه، وعرف عنه كثيرًا من دقائق الأعمال وشرف السنن، فلا يعقل أن يكون جميع الصحابة في مرتبة واحدة، ولا يتصور هذا في ميزان العدالة والمنطق، لذلك كان الصحابة طبقات بإجماع الأمة، واختلف المؤلفون في تصنيف الصحابة إلى طبقات، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة، وزاد بعضهم أكثر من ذلك (٢).
стр. 393
والمشهور ما ذهب إليه الحاكم، وهذه الطبقات هي: (١)
١ - قوم تقدم إسلامهم بمكة، كالخلفاء الأربعة.
٢ - الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.
٣ - مهاجرة الحبشة.
٤ - أصحاب العقبة الأولى.
٥ - أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار.
٦ - أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بقُباء قبل أن يدخل المدينة.
٧ - أهل بدر.
٨ - الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
٩ - أهل بيعة الرضوان في الحديبية.
١٠ - من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي هريرة (٢).
١١ - مسلمة الفتح، الذين أسلموا في فتح مكة.
١٢ - صبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها.
وقد أجمع أَهْلُ السُنَّةِ على أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر، ولم يختلف أحد من الصحابة والتابعين في أفضليتهم على جميع
стр. 394
الصحابة (١)، ثم عثمان بن عفان، ثم علي، وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم عَلِيٍّ على عثمان، وبه قال ابن خزيمة، ثم بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة (٢)، ثم أهل بدر، ثم أُحُدْ، ثم بيعة الرضوان، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون، وهم من صلى القبلتين في قول ابن المسيب ومحمد بن سيرين وقتادة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان، وفي قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار أهل بدر وقيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح، وهو قول الحسن البصري (٣).
٣ - كَيْفَ يُعْرَفُ الصَّحَابِيُّ ؟:
يعرف الصحابي بأحد الأدلة التالية:
[١] الخبر المتواتر: كأبي بكر وعمر وبقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃.
[٢] الخبر المشهور أو المستفيض القاصر عن حد التواتر، كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة.
[٣] أن يخبر أحد الصحابة عنه أنه صحابي، كَحُمَمَةُ بْنُ أَبِي حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ الذي توفي بأصبهان مبطونًا، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي ﷺ .
стр. 395
٤ - أن يخبر عن نفسه بأنه صحابي بعد ثبوت عدالته ومعاصرته للرسول ﷺ (١).
٥ - أن يخبر أحد التابعين بأنه صحابي بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح (٢). ويمكن ضم الثالث والخامس أحدهما إلى الآخر فنقول أن يخبر بذلك من تقبل شهادته، فالصحبة رتبة ومكانة لا تثبت لأحد إلا بدليل أو بينة توافرت فيها جميع الشروط والأركان التي يجب أن تتوافر في كل بيئة، فإذا قامت البينة المقبولة لأحد في ذلك نال شرف الصحبة.
٤ - عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
إن للصحبة شرفًا عظيمًا، يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي أن جميع الصحابة عند من يعتد به من أهل السُنة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس (٣)، وهو قول الجمهور.
وقال قوم: إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.
ومنهم من قال: إنهم لم يزالوا عُدُولاً إلى أن وقع الاختلاف والفتن بينهم أبعد ذلك لا بد من البحث في عدالتهم.
стр. 396
ومنهم من قال - وهم المعتزلة - (١) إن كل من قاتل عَلِيًّا عالمًا فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم على الإمام الحق.
ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم، لأن أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معين.
ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهاته إذا انفرد، لأن الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفه، لتحقق فسق أحدهما من غير تعيين.
والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة، وذلك بالأدلة على عدالتهم ونزاهتهم وتميزهم على من بعدهم (٢).
قال ابن حزم: «نقول بفضل المهاجرين الأولين بعد عمر بن الخطاب ... ثم بعد هؤلاء أهل العقبة " الأنصار الذين بايعوه بيعة العقبة "، ثم أهل بدر ثم أهل المشاهد مشهدًا مشهدًا، وأهل كل مشهد أفضل من المشهد الذي بعده حتى يبلغ الأمر إلى الحديبية، فكل من تقدم ذكره من المهاجرين والأنصار ﵃ إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم أنهم كلهم مؤمنون صالحون (٣)، ماتوا كلهم على الإيمان والهدى والبر،
ويتبين لنا من كلام ابن حزم أن أصحاب رسول الله ﷺ حتى بيعة الرضوان في غزوة الحديبية كلهم من أهل الجنة، معتمدًا في ذلك على ما ورد من نصوص في القرآن وَالسُنَّةِ، وأما من جاؤوا بعد هؤلاء فلم يقطع بأنهم من أهل الجنة.
وقال شارح " مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ ": «إن عدالة الصحابة مقطوعة لا سيما أصحاب بدر وبيعة الرضوان، كيف لا وقد أثنى عليهم الله تعالى في مواضع عديدة من كتابه، وبين رسول الله ﷺ فضائلهم غير مرة» (١).
ويقول في موضع آخر: «واعلم أن عدالة [الصحابة] الداخلين في بيعة الرضوان والبدريين كلهم مقطوع العدالة، لا يليق المؤمن أن يمتري فيها، بل الذين آمنوا قبل فتح مكة أَيْضًا عادلون قطعًا، داخلون في المهاجرين والأنصار، وإنما الاشتباه في مسلمي فتح مكة، فإن بعضهم من مؤلفة القلوب، وهم موضع الخلاف، والواجب علينا أن نكف عن ذكرهم إلا بخير فافهم» (٢). فمسلمو الفتح لم ينص على عدالتهم ومع هذا يوجد ما يدل على عدالتهم، وسنتعرض لهذا بعد قليل.
وقد ورد في الصحابة ما يوجب لهم العدالة، ويجعلهم في ذروة الثقة والائتمان، فقد زكاهم الله تعالى ورسوله، وتقبلت الأمة ذلك بالإجماع، فلا سبيل إلى الطعن في أكابرهم كما يفعل بعض أهل الأهواء قديمًا وحديثًا (٣).
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).
تلك آيات كريمة تشهد بفضل ومكانة جميع الصحابة الذين كانوا مع رسول الله ﷺ من أول الدعوة حتى غزوة الحديبية، وهناك آيات أخرى تذكر فضلهم في كثير من المواقف في الهجرة والجهاد والغزوات.
وإن هذه وتلك أدلة قطعية - كما ذكر شارح " مسلم الثبوت " وابن حزم - تنص على عدالة الصحابة، لقد رضي عنهم ورضوا عنه، فهل بعد ذلك نطلب رضاء الناس عنهم وتعديلهم إياهم، وهل لإنسان بعد ذلك أن يطعن فِي صَحَابَةٍ نُصَّ عَلَى عَدَالَتِهِمْ ولم يبد ما يجرحهم أو يقدح فيهم، وعجب كل العجب مما يدعى البحث عن الحق والعمل على جمع الكلمة وتوحيد صفوف المسلمين أن يطعن في الصحابة الكرام، بل يسف في ذلك وينحط إلى الحضيض، حين يتهكم ويسخر من بعضهم، ويرى أن كثيرًا من روايات بعض الصحابة كأبي هريرة التي جاءت في " الصحيحين " كذب، وأن الجمهور أخذوا بها في فروع
стр. 401
الدين معتمدين في ذلك كله على عدالة الصحابة جَمِيعًا، ويقول هذا الطاعن - وهو عبد الحسين شرف الدين -: «ولا عجب منهم " الجمهور " في ذلك بعد بنائهم على أصالة العدالة في الصحابة أجمعين حيث لا دليل على هذا الأصل ... » (١).
فهل بعد هذه الآيات مجال للشك في عدالة الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح؟
إن النصوص تنطق واضحة بذلك لا تحتمل التأويل والظن، ولكن الهوى المتبع يحمل صاحبه على إنكار الحق ولو كان كالشمس في رابعة النهار ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). وسنرى في الأحاديث التالية تأكيدًا واضحًا لمنزلة الصحابة الرفيعة.
[٢]- أَدِلَّةُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ مِنَ السُنَّةِ:
في صِحَاحِ السُنَّةِ أحاديث كثيرة تشهد بفضل الصحابة جملة وآحادًا، وفي أكثر الكتب كـ " صحيح البخاري " و" الجامع الصحيح " لمسلم و" السنن الأربعة " وغيرها أبواب خاصة في فضل الصحابة.
من ذلك ما رواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ» (٣).
стр. 402
ومنها ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (١).
وَعَنْ أَبِي مُوسَى عن النَّبِيِّ ﷺ -أَنَّهُ قَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٢).
وقد يقول قائل: إن هذه الأدلة تتناول أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه قبل الفتح، وأما من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جَوَابًا له قول الدكتور محمد السماحي: «وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول الله ﷺ فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمل الصحابة الملازمون لرسول الله ﷺ ، ومن تعرض منهم للرواية كحكيم بن حزام، وَعَتَّابٍ، وغيرهم عرفوا بالصدق والديانة، وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل ممن سواهم، من القرون بعدهم كقوله ﷺ : " خَيْرُ [النَّاسِ] قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ " وهو حديث صحيح مروي في " الصحيحين " وغيرهما بألفاظ
стр. 403
مختلفة (١)، والخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدين والعمل به، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).
والخطاب الشفهي لصحابة رسول الله ﷺ ، ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣). وَسَطًا: عُدُولاً ...
فالإسلام كان في أول شبابه فَتِيًّا وَقَوِيًّا في قلوب من أذعنوا له، واتبعوا هداه، وتمكنوا بمبادئه، واصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحد، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى التوبة حيث تاب الله عليهم، ولا نريد بقولنا الصحابة عدول، أكثر من أن ظاهرهم العدالة». اهـ. (٤)، لا يبحث عنها ما لم يطعن فيها.
ثم إن الجرح لا يدعيه ولا يثبته أي إنسان كيف شاء ومتى شاء، فللجرح والتعديل رجال جهابذة أتقياء، يخشون الله لا يتبعون أهواءهم، فلو سلمنا
стр. 404
جدلاً وجوب البحث عن بعض الصحابة لِتُهَمٍ وجهت إليهم، فإنه لا يقبل هذا الجرح إلا ببيان علته، ولا يتصدى لهذا المَوْتُورُونَ وَالمُغْرِضُونَ، من أهل الأهواء وغيرهم، بل يتصدى له عدول الأمة من أئمة الصدر الأول، الذين خالطوا الصحابة، وعاشوا معهم، وعرفوا عنهم كل شيء إذ رُبَّ فضيلة عند النقاد العدول يراها المغرضون رذيلة ومنقصة، وليست جميع الذنوب والهفوات مسطقة للعدالة.
وقد نص الفاروق عمر ﵁ على عدالة الصحابة جَمِيعًا إلا من أظهر ما يسقط عدالته فقال: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ , وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ , فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ , وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ , اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ , وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ , وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتِي حَسَنَةٌ» (١).
وقد أجمعت الأمة على عدالة الصحابة جَمِيعًا إلا أفرادًا معدودين اختلف في عدالتهم ممن لم يستقيموا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة (٢). فلا يجوز لأحد أن يتعداهم خشية أن يخالف الكتاب وَالسُنَّةََ اللذين نَصَّا على عدالتهم، فبعد تعديل الله تعالى ورسوله لهم، لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم ﵊ شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم لما كانوا عليه من
стр. 405
دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، وبذل المُهَجِ والأموال، والمحافظة على أمور الدين، والقيام بحدوده ومراسيمه، والتشدد في امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه، حتى إنهم قتلوا أقرب الناس إليهم، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم في سبيل الله، وإقامة دعائم الإسلام. كل ذلك دليل على قَوِيِّ إيمانهم، وحسن إسلامهم، وأمانتهم وإخلاصهم. لذلك وجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، لأن ما وقع إنما كان نتيجة لما أدى إليه اجتهاد كل فريق «مِنِ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الوَاجِبَ مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلدِّينِ وَأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى هَذَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا أَوْ أَنَّ المُصِيبَ وَاحِدٌ وَالآخَرُ مُخْطِئٌ فِي اجْتِهَادِهِ. وَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ، فَالشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لاَ تَكُونُ مَرْدُودَةً أَمَّا بِتَقْدِيرِ الإِصَابَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِتَقْدِيرِ الخَطَأِ مَعَ الاجْتِهَادِ فَبِالإِجْمَاعِ» (١). أي أن جميع من اشترك في الفتنة من الصحابة عدول لأنهم اجتهدوا في ذلك.
ثم إن الكلمة اجتمعت بعد الفتنة في عام الجماعة، حين تنازل الحسن بن علي ﵁ للخليفة معاوية بن أبي سفيان. وقد ثبت في " صحيح البخاري " عن رسول الله ﷺ أنه قال عن سبطه الحسن بن علي وكان معه على المنبر: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ [عَظِيمَتَيْنِ] مِنَ المُسْلِمِينَ» (٢) فسمى الرسول ﷺ الجميع (مسلمين)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣).
стр. 406
فسماهم (مؤمنين) مع الاقتتال. ويقال إنه لم يكن من الصحابة في الفريقين مائة (١)، وقد بينت عدالتهم، مع أنهم اشتركوا مع أحد الفريقين، واشتراكهم هذا لا يسلبهم العدالة لأنهم مجتهدون في ذلك.
وأختم الكلام في عدالة الصحابة جَمِيعًا بقول أَبِي زُرْعَةَ: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ [عِنْدَنَا] حَقٌّ , وَالقُرْآنَ حَقٌّ , وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا القُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى [وَهُمْ زَنَادِقَةٌ]» (٢).
٥ - عَدَدُ الصَّحَابَةِ:
إن حصر الصحابة ﵃ بالعد والإحصاء متعذر، لتفرقهم في البلدان والبوادي، ولأنهم كثرة لا يمكن إحصاؤها، ومن حَدَّهُمْ من العلماء فإنه من باب التقريب. وقد روى البخاري في " صحيحه " أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «[وَالمُسْلِمُونَ] مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ» (٣).
ويمكننا أن نحد عددهم بحد قريب من الحقيقة، مما ورد في روايات بعض الصحابة والتابعين عن عددهم في بعض المشاهد.
стр. 407
فعن ابن عباس ﵄ قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالكَدِيدِ أَفْطَرَ، ثُمَّ مَضَى فِي عَشَرَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ حَتَّى نَزَلَ مَمَرَّ صِرَارٍ» (١). وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ الفَتْحِ (٢).
وحج رسول الله ﷺ حجة الوداع تسعون ألفًا من المسلمين (٣).
سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا زُرْعَةَ الرَّازِي فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا زُرْعَةَ، أَلَيْسَ يُقَالُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةُ آلاَفِ حَدِيثٍ؟»، قَالَ: «وَمَنْ قَالَ ذَا؟ قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ. هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَمَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ أَلْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ». فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: «يَا أَبَا زُرْعَةَ هَؤُلاَءِ أَيْنَ كَانُوا وَسَمَعُوا مِنْهُ؟»، قَالَ: «أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بَيْنَهُمَا وَالأَعْرَابُ وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ حَجَّةَ الوَدَاعِ» (٤).
من هذا يتبين أن من روى عن رسول الله ﷺ من الصحابة كثيرون، وقد نقلوا عنه خيرًا عظيمًا، ويختلفون في مقدار ما حملوا عنه
стр. 408
باختلاف أحوالهم وسماعهم منه ﷺ .
٦ - عِلْمُ الصَّحَابِي:
لم يكن الصحابة على درجة واحدة من العلم بِسُنَّةِ رسول الله ﷺ وأحواله وأقواله، بل كانوا متفاوتين (١) لأن منهم المتفرغ الملازم لرسول الله ﵊، يخدمه في معظم أوقاته، كأنس وأبي هريرة ﵄، ومنهم من له ماشية في البادية، أو تجارة في الآفاق، ومنهم البدوي والحضري والمقيم والظاعن، وقد سبق أن بينت كيف كانوا يتلقون الأحكام والعلم عن الرسول ﷺ ، لذلك كان الصحابة - عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ - مختلفين في مقدار ما حملوا عنه ﵊. وفي ذلك يقول مسروق: «جَالَسْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدْتُهُمْ كَالإِخَاذِ، فَالإِخَاذُ يَرْوِي الرَّجُلَ، وَالإِخَاذُ يَرْوِي الرَّجُلَيْنِ، [وَالإِخَاذُ يَرْوِي الْعَشَرَةَ]، وَالإِخَاذُ يَرْوِي المِائَةَ، وَالإِخَاذُ لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الأَرْضِ لأَصْدَرَهُمْ» (٢).
ويمكننا أن نعرف علم الصحابي كما قال ابن حزم: «لأحد وَجْهَيْن لاَ ثَالِث لَهما أَحدهمَا كَثْرَة رِوَايَته وفتاويه وَالثَّانِي كَثْرَة اسْتِعْمَال النَّبِي ﷺ لَهُ فَمن المحَال الباطل أن يستعمل النبي ﷺ من لا علم له وهذا أكبر شهادات على العلم وسعته» (٣).
стр. 409
وهذا لا يكفي لمعرفة علو الصحابي وروايته، لأن بعض الصحابة الذين عرفت ملازمتهم للرسول ﷺ وسبقهم للإسلام بالتواتر، كأبي بكر وعمر اللذين حَمَلاَ عِلْمًا كثيرًا عنه ﵊، لم يظهر علمهم كله لنا وبخاصة أبو بكر، لأنه لم يعش كثيرًا بعد رسول الله ليحتاج إليه كما احتيج إلى غيره، فامتدار عُمْرِ الصَّحَابِيِّ إلى جانب الوجهين السابقين اللذين ذكرهما ابن حزم يكشف لنا عن علمه ومروياته، كما أن ظهور أمور جديدة في الحياة مع مر الزمن يكشف عن علم الصحابة، لأنه يحتاج إلى ما عندهم تجاه تلك الأمور المستجدة، وفي هذا يقول ابن حزم: «ثمَّ وجدنَا الأَمر كلمَا أَطَالَ كثرت الْحَاجة إِلَى الصَّحَابَة فِيمَا عِنْدهم من العلم فَوَجَدنَا حَدِيث عَائِشَة ﵂ ألفي مُسْند ومائتي مُسْند وَعشرَة مسانيد وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة ... » (١).
ونحن في بحثنا هذا يهمنا الصحابة الذين رَوَوْا عن رسول الله ﷺ ، وحملوا لنا الشريعة الحنيفية، ونقلوا إلى من بعدهم أفعال الرسول ﵊ وتصرفاته دقيقها وعظيمها، في سفره وحضره، وظعنه وإقامته، وسائر أحواله من نوم ويقظة، وإشارة وتصريح وصمت ونطق إلى غير ذلك.
وقد ألف في الصحابة كتب كثيرة تناولت أحوالهم وعلمهم، وأوجز الآن في عدد من روى عنه ﵊ من الصحابة وعدد مروياتهم، فقد روى عنه ﷺ سبعة من الصحابة، لكل منهم أكثر من ألف حديث، وأحد عشر صحابيًا، لكل واحد منهم أكثر من مائتي حديث، وواحد وعشرون صحابيًا، لكل واحد أكثر من مائة حديث، وأما أصحاب العشرات فكثيرون، يقربون من المائة، وأما من له عشرة أحاديث أو أقل
стр. 410
من ذلك فهم فوق المائة. وهناك نحو ثلاثمائة صحابي روى كل واحد منهم عن الرسول ﷺ حديثًا واحدًا (١).
بهذا العرض السريع يمكننا أن نتصور اختلاف تحمل الصحابة عن الرسول ﷺ .
ونحن الآن نكتفي بذكر بعضهم ممن اشتهروا بالحديث عنه ﷺ ، وهم عندنا في منزلة شريفة ومقام كريم، لا نفضل أحدًا عن الآخر عصبية أو هوى، بل لكل صحابي فضله ومنزلته، بما له من سبق في الإسلام، وبذل في سبيل الله، وكلهم خير، نالوا شرف الصحبة، فكانوا أمناء مخلصين للشريعة الغراء التي نقلوها إلى التابعين، ثم نقلها هؤلاء إلى من بعدهم، ثم نقلت جيلاً بعد جيل حتى وصلتنا كاملة غير منقوصة بفضل الله وحسن رعايته.
٧ - المُكْثِرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ:
بعد هذا نترجم لأشهر من روى عن رسول الله ﷺ من الصحابة، متوخين في هذا ناحية الحديث التي تتعلق ببحثنا مع لمحة موجزة عن حياة الصحابي، إلا أننا مضطرون أحيانًا إلى التفصيل في حياة الراوي العامة والخاصة، سواء أكانت حياته الاجتماعية أم العلمية وذلك لبيان شخصيته
стр. 411
وعدالته واستقامته من خلال البحث، ولولا ضيق المقام لتعرضت لترجمة جميع رجال الحديث في ذلك العصر، لتكون على علم صحيح بتلك الشخصيات الفذة، التي خدمت السُنَّةَ المُطَهَّرَةَ، وحفظها من عبث المفسدين. وسأكتفي بذكر أشهر مشاهير من روى عن الرسول ﷺ وهم المكثرون عنه، راجيًا من المولى الكريم أن أوفق فيما بعد إلى الكشف عن بقيتهم، وإظهار منزلتهم وفضلهم بما يستحقون من عناية. وبالله التوفيق.
***
стр. 412
(١) - أَبُو هُرَيْرَةَ: (١٩ ق هـ - ٥٩ ه ـ):
١ - التَّعْرِيفُ بِهِ:
أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر (١) الدوسي اليماني، كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. واشتهر أبو هريرة بكنيته. حتى غلبت على اسمه فكاد ينسى. وسئل أبو هريرة: لِمَ كُنِّيتَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «كُنِّيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ لأَنِّي وَجَدْتُ هِرَّةً فَحَمَلْتُهَا فِي كُمِّي، فَقِيلَ لِي: أَبُو هُرَيْرَة».وكان يرعى غنم أهله في صغره، ويداعب هرته. وكان يقول: «لاَ تُكَنُّونِي أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ النَبِيَّ ﷺ كَنَّانِي أَبَا هِرٍّ، وَالذَكَرُ خَيْرٌ مِنَ الأُنْثَى» (٢).
كان أبو هريرة رجلاً آدم (٣) بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يخضب شيبه بالحمرة (٤). وكان أبيض لينًا، لحيته حمراء،
стр. 413
ورآه خباب بن عروة وعليه عمامة سوداء (١)، وعندما صلح حاله ارتدى الخز (٢).
٢ - إِسْلاَمُهُ:
هاجر أبو هريرة من اليمن إلى المدينة ليالي فتح خيبر، وكان ذلك سَنَةَ سبع من الهجرة. وكان قد أسلم على يد الطُفيل بن عمرو في اليمن، ووصل المدينة وصلى الصبح خلف سباع بن عرفطة الذي كان قد استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة أثناء غزوة خيبر (٣). وقد لازم أبو هريرة النبي ﷺ إلى آخر حياته، وقصر نفسه على خدمته، وتلقى العلم الشريف منه، فكان يدور معه، ويدخل بيته، ويصاحبه في حجه وغزوه، ويرافقه في حله وترحاله، في ليله ونهاره، حتى حمل عنه العلم الغزير الطيب. فكانت صحبته أربع سنوات، وقد اتخذ الصُفَّةَ مَقَامًا لَهُ، وخدم الرسول ﷺ على ملء بطنه، وجعله رسول الله ﷺ عريف أهل الصفة، فقد كان أعرف الناس بهم وبمراتبهم (٤).
وكان يحب رسول الله ﷺ حُبًّا شَدِيدًا، ففي يوم رفع رسول الله ﷺ الدرة ليضربه بها، فقال أبو هريرة: «لأَنْ يَكُونُ ضَرَبَنِي بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (٥).
стр. 414
وكان أبو هريرة وَرِعًا، مُلْتَزِمًا سُنَّةَ الرسول ﷺ ، يحذر الناس من الانغماس في ملذات الدنيا وشهواتها (١)، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يفرق في ذلك بين غني وفقير، أو بين أمير وحقير، وأخباره في هذا الصدد كثيرة (٢). وكان يخشى الله كثيرًا في السر والعلن، ويذكر الناس به، ويحثهم على طاعته (٣).
وكان عابدًا، يصوم النهار ويقوم الليل، يتناوب قيامه هو وزوجته وابنته (٤)، وكان كثير الصلاة، وله عدة مساجد في بيته وفي حجرته وعلى باب داره، إذا خرج صلى فيها جَمِيعًا، وإذا دخل صلى فيها جَمِيعًا (٥).
٣ - فَقْرُهُ وَعَفَافُهُ:
كان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد، حتى إنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أن يجد ما يقيم صلبه، يقول أبو هريرة: «إِنِّي كُنْتُ وَاللهِ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَشْبَعَ بَطْنِي حَتَّى لاَ آكُلَ الخَمِيرَ، وَلاَ أَلْبَسَ الحَرِيرَ، وَلاَ يَخْدُمُنِي فُلاَنٌ وَفُلاَنَةٌ ... وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي
стр. 415
فَيُطْعِمَنِي» (١) ثم يقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا بُرْدَةٌ، أَوْ كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ» (٢).
وقال إمام التابعين سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ): رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَقُولُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟» فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» (٣)، وكان قنوعًا راضيًا بنعم الله، فإذا ما أصبح لديه خمس عشرة تمرة أفطر على خمس، وتسحر بخمس، وأبقى خمسًا لفطره (٤). وكان كثير الشكر لله، كثير الحمد والتكبير والتسبيح على ما آتاه الله من فضل وخير (٥).
٤ - كَرَمُهُ:
كان أبو هريرة عفيف النفس مع فقره، فياض اليد، مبسوط الكف، جَوَادًا، يحب الخير، ويكرم ضيوفه، لا يبخل بما في يديه، وإنْ كان قليلاً، فلم يحمله فقره على الشح، ولم يجعله دنيء النفس، يَتَكَفَّفُ الناس ... بل آثر أنْ يأكل الجوع بطنه من أنْ يأكل هو فتات الموائد، وفضلات الطعام.
وكان في عسره كله ضيف الإسلام وضيف رسول الله وصحبه، حتى إذا
стр. 416
مَا يَسَّرَ اللهُ عليه لم يجعله غناه قاسي القلب، مُتَحَجِّرَ الفُؤَادِ، بل كان عَلَمًا من أعلام الجود والكرم.
قَالَ الطُّفَاوِيُّ: «نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِالمَدِينَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلاً أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ». (١).
٥ - وِلاَيَتُهُ عَلَى البَحْرَيْنِ:
كان رسول الله ﷺ ، قد أرسل أبا هريرة مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، لينشر الإسلام وَيُفَقِّهَ المسلمين ويُعَلِّمَهُمْ أمور دينهم، فَحَدَّثَ عن رسول الله ﷺ وأفتى الناس.
وفي عهد عمر ﵁ استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: «اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَعَدُوَّ كِتَابِهِ؟».
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فَقُلْتُ: لَسْتُ بِعَدُوَّ اللَّهِ، وَلاَ عَدُوَّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا». قَالَ: «فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟». قُلْتُ: «خَيْلٌ نَتَجَتْ، وَغُلَّةُ رَقِيقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ». فَنَظَرُوا، فَوَجَدُوا كَمَا قَالَ (٢).
وفي رواية عن أبي هريرة: «خَيْلٌ لِي تَنَاتَجَتْ، وَسِهَامٌ لِيَ اجْتَمَعَتْ. فَأَخَذَ
стр. 417
مِنِّي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» (١).
وفي رواية: أنَّ عُمَرَ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: «كَيْفَ وَجَدْتَ الإِمَارَةَ؟»، قَالَ: «بَعَثْتَنِي وَأَنَا كَارِهٌ، وَنَزَعْتَنِي وَقَدْ أَحْبَبْتُهَا»، وَأَتَاهُ بِأَرْبَعِمِائَةَ أَلْفٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، قَالَ: «أَظَلَمْتَ أَحَدًا؟»، قَالَ: «لاَ». قَالَ: «فَمَا جِئْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ؟»، قَالَ: «عِشْرِينَ أَلْفًا». قَالَ: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَهَا؟»، قَالَ: «كُنْتُ أَتَّجِرُ». قَالَ: «انْظُرْ رَأْسَ مَالِكَ وَرِزْقِكَ، فَخُذْهُ وَاجْعَلْ الآخَرَ فِي بَيْتِ المَالِ» (٢).
فقد قاسمة عمر ﵁ مع جملة مَنْ قَاسَمَهُمْ مِنَ العُمَّال، وكان أبو هريرة يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَمِيرِِ المُؤمِنِينَ» (٣).
وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: «تَكْرَهُ الْعَمَلَ وَقَدْ طََلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْراً مِنْكَ، يُوسُفُ ﵇!!». فقال: «يُوسُفُ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ابْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى (مِنْ عَمَلِكُمْ) ثَلاَثاً وَاثْنَتَيْنِ». قَالَ: «فَهَلاَّ قُلْتَ خَمْسًا؟». قَالَ: «لاَ، أَخَافُ أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حِلْمٍ، وَأَنْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْزَعَ مَالِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي» (٤).
٦ - اعْتِزَالُهُ الفِتَنَ:
كان أبو هريرة يوم حصار عثمان ﵁ عنده في الدار مع بعض
стр. 418
الصحابة وأبنائهم الذين جاءوا ليدفعوا الثوار عنه وقد حفظ ولد عثمان له يده، واحترموه حتى إنه لما مات أبو هريرة كانوا يحملون سريره حتى بلغوا البقيع (١).
واعتزل أبو هريرة الفتن التي قامت بعد استشهاد عثمان ﵁، ولم يثبت أنه اشترك فيها، وربما كان يحث الناس على اعتزالها، ويروي عن رسول الله ﷺ قَوْلَهُ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (٢).
وكان معاوية - أيام خلافته - يستعمله على المدينة، فإذا غضب بعث مروان وعزله (٣). وقد استخلفه مروان حين توجه إلى الحج.
٧ - مَرَحُهُ وَمُزَاحُهُ:
كان أبو هريرة حسن المعشر، طيِّب النفس، صافي السريرة، ربما كان الفقر والصبر عليه هُمَا اللذان جعلا منه الإنسان المرح، ومع هذا كان يعطي كل شيء حقَّهُ. نظر إلى الدنيا بعين الراحل عنها، فلم تدفعه الإمارة إلى الكبرياء، بل أظهرت تواضعه وحُسن خلقه، فربما استخلفه مروان على المدينة،
стр. 419
فيركب حمارًا، قد شَدَّ عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، يسير فيلقى الرجل، فيقول: «الطَّرِيقَ .. قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ» (١).
ويمر أبو هريرة في السوق، يحمل الحطب على ظهره - وهو يومئذٍ أمير لمروان - فَيَقُولُ لِثَعْلَبَةَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ القُرَظِيٍّ: «" أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ [أَبِي] مَالِكٍ "، فَيَقُولُ: " يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَكْفِي هَذَا!! " فَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةُ: " أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالحِزْمَةُ عَلَيْهِ!! "» (٢).
وكان يحب إدخال السرور إلى نفوس الأطفال، فقد يراهم يعلبون بالليل لعبة الغراب، فَيَتَسَلَّلُ بينهم، وهم لا يشعرون، حتى يلقي بنفسه بينهم، ويضرب برجليه (الأرض) كأنه مجنون، يريد بذلك أنْ يضحكهم، فيفزع الصبيان منه، وَيَفِرُّونَ هَهُنَا وهَهُنَا، يَتَضَاحَكُونَ (٣).
ويقول أبو رافع: وَرُبَّمَا دَعَانِي أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى عَشَائِهِ بِاللَّيْلِ، فَيَقُولُ: «دَعْ العُرَاقَ لِلأَمِيرِ»،قَالَ: فَأَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ ثَرِيدٌ بِالزَيْتٍ!! (٤).
٨ - وَفَاتُهُ:
اختلف في وفاته على أقوال:
قال هشام بن عروة: «أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ مَاتَا سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ،
стр. 420
وهو رأي المدائني وعلي بن المديني. (١)
قال أبو معشر: «تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ» (٢).
قال الواقدي وأبو عبيد: «مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ» (٣).
قال ابن حجر بعد أن ذكر رواية الواقدي - وفيها أنه توفي سَنَةَ (٥٩ هـ) -: «هَذَا مِنْ أَغْلاَطِ الوَاقِدِي الصَّرِيحَةَ، فَإِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَتْ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ، ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التِي صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ مَعَهَا فِي السَّنَةِ هِيَ عَائِشَةُ، كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنَ عُرْوَةَ: " إِنَّهُمَا مَاتَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ "» (٤).
أقول: إن خطأ الواقدي في وفاة أم سلمة، لا يستلزم خطأه في وفاة أبي هريرة. وقال ابن كثير: «وَالصَّوَابُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ» (٥).
وحضر جنازته من الصحابة عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وشهدها أَيْضًا مروان بن الحكم، وكان ابن عمر يسير أمامها ويكثر الترحم عليه (٦). وحمل ولد عثمان سريره حتى بلغوا به البقيع، حفظًا بما كان من رأيه في عثمان (٧).
стр. 421
٩ - حَيَاتُهُ العِلْمِيَّةُ:
صحب أبو هريرة رسول الله ﷺ أربع سنوات، وسمع منه كثيرًا، وشاهد دقائق السنة، ووعى تطبيق الشريعة، وعرف رسول الله ﷺ منزلته، فأرسله رسول الله ﷺ مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، فكان مؤذناً وإمامًا، وكان رسول الله ﷺ لا يتأخر في إجابته عما يسأل لما عرف من حرصه على طلب العلم. قال أَبُو هُرَيْرَةَ، - ذَاتَ يَوْمٍ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلُنِى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (١).
وكان همه طلب العلم، وأمله التفقه في الدين، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أنا وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللهَ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَسَكَتْنَا فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ» قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَمِّنُ - (يقول: آمين) - عَلَى دُعَائِنَا، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ [هَذَانِ]، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 422
«آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» (١).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَلاَ تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟» قُلْتُ: «أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ». فَنَزَعَ نَمِرَةً كَانَتْ عَلَى ظَهْرِي، فَبَسَطَهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَمْلِ يَدُبُّ عَلَيْهَا، فَحَدَّثَنِي حَتَّى [إِذَا] اسْتَوْعَبْتُ حَدِيثَهُ قَالَ: «اجْمَعْهَا فَصُرَّهَا إِلَيْكَ» فَأَصْبَحْتُ لاَ أُسْقِطُ حَرْفًا مِمَّا حَدَّثَنِي (٢).
هذه الأخبار - وغيرها كثير - تثبت حرص أبي هريرة الشديد على طلب العلم، ودعاء الرسول له بتحقيق ما أراد.
وقد عرف الصحابة منزلته بعد رسول الله ﷺ ، فكان يحدث في مسجد رسول الله ﷺ ، ويفتي الناس بحضرة علماء الصحابة، وكباره وكان بعضهم كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائلين عليه، فَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ [وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجَاءَهُمَا] مُحَمَّدُ بْنُ إيَاسِ بْنُ بُكَيْرِ، فَسَأَلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ ثَلاَثًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَبَعَثَهُ إِلَى أََبِِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَكَانَا عِنْدَ عَائِشَةَ - فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «الوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلاَثُ تُحَرِّمُهَا» (٣). لعل أبا هريرة أفتى بهذا بعد أن
стр. 423
أجرى عمر ﵁ إيقاع الثلاث زَجْرًا للناس، أو أن السائل كان قد أطلق ثلاثًا في مجالس متفرقة.
وَيَصِفُ لَنَا مُحَمَّدٌ بنِ عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَجْلِسًا لأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَدِيثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَتَرَاجَعُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ بِالحَدِيثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَعْرِفُهُ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا. قَالَ: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١).
وكان الناس يتواعدون لينطلقوا إليه فيسمعوا حديثه عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك ما روي عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «تَوَاعَدَ النَّاسُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي إِلَى قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ مُعَاوِيَةَ فَاجْتَمَعُوا فِيهَا، فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ» (٢).
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ: «كَانَ يَقُومُ كُلَّ خَمِيسٍ فَيُحَدِّثُهُمْ» (٣).
وكان أبو هريرة أمينًا في حديثه عن الرسول الكريم، وإذا قال في شيء برأيه قال: «هَذِهِ مِنْ كَيْسِي» (٤). وقد ثبت هذا بأدلة كثيرة، وأخبار عِدَّةٍ، منها ما رواه بكير بن الأشج قال: قال لنا بشر بْنُ سَعِيدٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ
стр. 424
الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ الأحبار، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ... فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الحَدِيثِ» (١).
وقد روى كثيرًا عن رسول الله ﷺ وكان يقول: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ» (٢).
وقد استكثر بعض الصحابة حديث أبي هريرة عن الرسول ﷺ ، حين كانت سياستهم الإقلال من الرواية، كَيْلاَ ينصرف الناس عن القرآن، وخوفًا أن يشتغلوا بغيره. فقال لهم أبو هريرة: «إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاللهُ المُوعِدُ، وَتَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ؟ وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَالقِيَامُ عَلَيْهَا، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مِسْكِينًا، (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مَلْءِ بَطْنِي) (٣) وَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَحْضُرُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا». (٤) ثم ذكر قصة النمرة، ودعاء الرسول له، ثم قال: «فَوَاللهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ» (٥).
стр. 425
وكان يقول: «وَايْمُ اللهِ، لَوْلاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾» (١).
وروى الوليد بن عبد الرحمن أنَّ أبا هريرة حَدَّثَ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَتَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ» فقال عبد الله بن عمر: «انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّكَ تُكْثِرُ مِنَ الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ »، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك، فقالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ!!» ثم قال: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، إِنَّمَا كَانَ يَهُمُّنِي كَلِمَةٌ من رَسُولِ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ لُقْمَةٌ يُطْعِمُنِيهَا» (٢)، وفي رواية: وفي رواية: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ بِالوَادِي وَصَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ (٣). فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا - يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٤).
وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله. وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه، حتى إنَّ بعض الصحابة رَوَوْا عنه لأنه سمع من النبي الكريم - صَلَّى اللَّهُ