٩ - حَيَاتُهُ العِلْمِيَّةُ:
صحب أبو هريرة رسول الله ﷺ أربع سنوات، وسمع منه كثيرًا، وشاهد دقائق السنة، ووعى تطبيق الشريعة، وعرف رسول الله ﷺ منزلته، فأرسله رسول الله ﷺ مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، فكان مؤذناً وإمامًا، وكان رسول الله ﷺ لا يتأخر في إجابته عما يسأل لما عرف من حرصه على طلب العلم. قال أَبُو هُرَيْرَةَ، - ذَاتَ يَوْمٍ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلُنِى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (١).
وكان همه طلب العلم، وأمله التفقه في الدين، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أنا وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللهَ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَسَكَتْنَا فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ» قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَمِّنُ - (يقول: آمين) - عَلَى دُعَائِنَا، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ [هَذَانِ]، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 422
«آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» (١).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَلاَ تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟» قُلْتُ: «أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ». فَنَزَعَ نَمِرَةً كَانَتْ عَلَى ظَهْرِي، فَبَسَطَهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَمْلِ يَدُبُّ عَلَيْهَا، فَحَدَّثَنِي حَتَّى [إِذَا] اسْتَوْعَبْتُ حَدِيثَهُ قَالَ: «اجْمَعْهَا فَصُرَّهَا إِلَيْكَ» فَأَصْبَحْتُ لاَ أُسْقِطُ حَرْفًا مِمَّا حَدَّثَنِي (٢).
هذه الأخبار - وغيرها كثير - تثبت حرص أبي هريرة الشديد على طلب العلم، ودعاء الرسول له بتحقيق ما أراد.
وقد عرف الصحابة منزلته بعد رسول الله ﷺ ، فكان يحدث في مسجد رسول الله ﷺ ، ويفتي الناس بحضرة علماء الصحابة، وكباره وكان بعضهم كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائلين عليه، فَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ [وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجَاءَهُمَا] مُحَمَّدُ بْنُ إيَاسِ بْنُ بُكَيْرِ، فَسَأَلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ ثَلاَثًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَبَعَثَهُ إِلَى أََبِِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَكَانَا عِنْدَ عَائِشَةَ - فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «الوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلاَثُ تُحَرِّمُهَا» (٣). لعل أبا هريرة أفتى بهذا بعد أن
стр. 423
أجرى عمر ﵁ إيقاع الثلاث زَجْرًا للناس، أو أن السائل كان قد أطلق ثلاثًا في مجالس متفرقة.
وَيَصِفُ لَنَا مُحَمَّدٌ بنِ عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَجْلِسًا لأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَدِيثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَتَرَاجَعُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ بِالحَدِيثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَعْرِفُهُ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا. قَالَ: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١).
وكان الناس يتواعدون لينطلقوا إليه فيسمعوا حديثه عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك ما روي عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «تَوَاعَدَ النَّاسُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي إِلَى قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ مُعَاوِيَةَ فَاجْتَمَعُوا فِيهَا، فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ» (٢).
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ: «كَانَ يَقُومُ كُلَّ خَمِيسٍ فَيُحَدِّثُهُمْ» (٣).
وكان أبو هريرة أمينًا في حديثه عن الرسول الكريم، وإذا قال في شيء برأيه قال: «هَذِهِ مِنْ كَيْسِي» (٤). وقد ثبت هذا بأدلة كثيرة، وأخبار عِدَّةٍ، منها ما رواه بكير بن الأشج قال: قال لنا بشر بْنُ سَعِيدٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ
стр. 424
الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ الأحبار، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ... فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الحَدِيثِ» (١).
وقد روى كثيرًا عن رسول الله ﷺ وكان يقول: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ» (٢).
وقد استكثر بعض الصحابة حديث أبي هريرة عن الرسول ﷺ ، حين كانت سياستهم الإقلال من الرواية، كَيْلاَ ينصرف الناس عن القرآن، وخوفًا أن يشتغلوا بغيره. فقال لهم أبو هريرة: «إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاللهُ المُوعِدُ، وَتَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ؟ وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَالقِيَامُ عَلَيْهَا، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مِسْكِينًا، (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مَلْءِ بَطْنِي) (٣) وَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَحْضُرُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا». (٤) ثم ذكر قصة النمرة، ودعاء الرسول له، ثم قال: «فَوَاللهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ» (٥).
стр. 425
وكان يقول: «وَايْمُ اللهِ، لَوْلاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾» (١).
وروى الوليد بن عبد الرحمن أنَّ أبا هريرة حَدَّثَ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَتَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ» فقال عبد الله بن عمر: «انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّكَ تُكْثِرُ مِنَ الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ »، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك، فقالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ!!» ثم قال: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، إِنَّمَا كَانَ يَهُمُّنِي كَلِمَةٌ من رَسُولِ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ لُقْمَةٌ يُطْعِمُنِيهَا» (٢)، وفي رواية: وفي رواية: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ بِالوَادِي وَصَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ (٣). فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا - يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٤).
وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله. وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه، حتى إنَّ بعض الصحابة رَوَوْا عنه لأنه سمع من النبي الكريم - صَلَّى اللَّهُ
وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ» (١).
فكان أبو هريرة حريصًا على أن يُحَدِّثَ الناس بما تدركه عقولهم، وحريصًا على ألا يحدثهم إلا بما ينتفعون به، لذلك أَبَى أن يحدثهم بكل ما يعلم.
стр. 428
١٠ - حِفْظُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
كان أبو هريرة حافظًا متقنًا، ضابطًا لما يروي، دقيقًا في أخباره، فقد اجتمعت فيه صفتان عظيمتان تُتَمِّمُ إحداهما الأخرى، الأولى سعة علمه وكثرة مروياته، والثانية قوة ذاكرته وحسن ضبطه، وهذا غاية ما يتمناه أُولُو العلم. وسبق أن ذكرت أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا لَهُ بِعِلْمٍ لاَ يُنْسَى.
وإلى جانب هذا، نشاط أبي هريرة وحرصه على طلب العلم، وفي ذلك يقول: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي، وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [مِنِّي] فِيهِنَّ» (١).
وكان يذاكر ما يسمعه من الرسول الكريم، فيقضي شطرًا من ليله في هذا، قال أبو هريرة: «جَزَأْتُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثًا أُصَلِّي، وَثُلُثًا أَنَامُ، وَثُلُثًا أَذَكَرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢).
ويذكر لنا أبو الزعيزعة، كاتب مروان، ما يُثْبِتُ اتقانه وحفظه، فيقول: «دَعَا مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَأَجْلَسَنِي خَلَفْ السَّرِيرِ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ عَنْهُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الحَوْلِ، دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ» (٣). وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم (٤).
стр. 429
١١ - أَبُو هُرَيْرَةَ وَالفَتْوَى:
لم يكن أبو هريرة راوية للحديث فقط، بل كان من رؤوس العلم في زمانه، في القرآن وَالسُنَّةِ والاجتهاد، فَإِنَّ صُحبته وملازمته لرسول الله ﷺ ، أتاحت له أَنْ يَتَفَقَّهَ في الدين، ويشاهد السُنَّةَ العَمَلِيَّةَ، عظيمها ودقيقها، فَتَكَوَّنَتْ عنده حصيلة كثيرة من الحديث الشريف، وقد اطَّلَعَ على حلول أكثر المسائل الشرعية، التي كانت تُعْرَضُ للمسلمين في عهده ﵊.
كل ذلك هَيَّأَ أبا هريرة، لأنْ يفتي المسلمين في دينهم نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةُ، والصحابة كثيرون آنذاك. ويذكر لنا عَنْ زِيَادِ بنِ مِينَا، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ مَعَ أَشْبَاهٍ لَهُم، يُفْتُونَ بِالمَدِينَةِ، وَيُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ لَدُنْ تُوُفِّيَ عُثْمَانُ إِلَى أَنْ تُوُفُّوا. قَالَ: وَهَؤُلاَءِ الخَمْسَةُ إِلَيْهِمْ صَارَتِ الفَتْوَى» (١).
وولي البحرين لعمر، وأفتى الناس فيها، وكانت فتاواه تتلاقى وفتاوى عمر بن الخطاب (٢) وكان يفتي بحضور ابن عباس (٣). وإن المقام يضيق بنا عن حصر فتاواه، ولن نفرط في القول فَنَدَّعِي أنه كان من المكثرين في الفتيا، بل كان من المتوسطين في ذلك، كما ذكر الإمام أبو محمد بن حزم إذ قال: «وَالمُتَوَسِّطُونَ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنَ الفُتْيَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ... فَهَؤُلاَءِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ صَغِيرٌ جِدًّا» (٤).
стр. 430
١٢ - شُيُوخُهُ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ:
روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ الكثير الطيب، وروى عن بعض الصحابة كأبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، والفضل بن عباس بن عبد المطلب، وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ، وأسامة بن زيد، وعائشة أم المؤمنين، وبصرة بن أبي بصرة، وروى عن كعب الحبر وهو من التابعين.
وقد روى عنه بعض الصحابة، وأشهر من روى عنه منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجابر بن عبد الله الأنصاري (١)، وأبو أيوب الأنصاري (٢).
وروى عنه خلق كثير من التابعين، قَالَ البُخَارِيُّ: «رَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ» (٣) فيهم أئمة التابعين وأعلامهم في الحديث والفقه، منهم: بشير بن نهيك والحسن البصري، وزيد بن أسلم، وزيد بن أبي عتاب، وسعيد المقبري، وسعيد بن يسار، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشفي بن ماتع، وشهر بن حوشب، وعامر الشعبي، وعبد الله بن سعد مولى عائشة، وعبد الله بن عتبة الهذلي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن مروان، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعمر بن خلدة قاضي المدينة، وعمرو بن دينار، والقاسم بن محمد، وقبيصة بن ذؤيب، وكثير بن مرة، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن مسلم الزهري - ولم يلحقه -
стр. 431
محمد بن المنكدر، ومروان بن الحكم، وميمون بن مهران، وهمام بن مبنه - وقد كتب عن أبي هريرة صحيفة مشهورة - وأبو إدريس الخولاني، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سعيد المقبري، وأبو صالح السمان، وغيرهم (١).
١٣ - عِدَّةُ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الحَدِيثِ:
أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله ﷺ ، ولن نستغرب هذا بعد أنْ عرفنا ملازمته لرسول الله ﷺ ، وجرأته في السؤال، وحبه للعلم، ومذاكرته حديث الرسول الكريم في كل فرصة تسنح له.
روى الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " [٣٨٤٨] حَدِيثًا وفيها مُكَرَّرٌ كثير باللفظ والمعنى، ويصفو له بعد حذف المُكَرَّرٌ خير كثير.
وروى له الإمام بقي بن مَخْلَدْ (٢٠١ - ٢٧٦ هـ) في " مسنده " [٥٣٧٤] خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حَدِيثًا. وله في " الصحيحين " [٣٢٥] ثلاثمائة وخمسة وعشرون حَدِيثًا، وانفرد البخاري أَيْضًا بـ[٩٣] ثلاثة وتسعين حَدِيثًا، ومسلم بـ[١٨٩] تسع وثمانين ومائة حَدِيثٍ (٢).
стр. 432
١٤ - الثَّنَاءُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ:
قال رسول الله ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ» (١).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبُو هُرَيْرَةَ وِعَاءُ مِنَ العِلْمِ!!» (٢).
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ حَدِيثًا مِنِّي عَنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ , وَكُنْتُ لاَ أَكْتُبُ» (٣).
وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد نهى أبا هريرة من الإكثار عن رسول الله ﷺ ، كما نهى غيره، لأنَّ سياسة عمر وبعض الصحابة الإقلال من رواية الحديث، لأنَّ الإكثار مظنة الخطأ، وفيه شغل الناس بالحديث عن القرآن، ومع هذا فقد سمح عمر ﵁ لأبي هريرة بالتحديث، بعد أنْ عرف ورعه وتقواه. قال أبو هريرة: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ".
стр. 433
قَالَ: " أَمَا لاَ، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ "» (١). وهذا السماح توثيق لأبي هريرة من أمير المؤمنين.
قال عبد الله بن عمر: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْتَ أَلْزَمُنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَعْلَمُنَا بِحَدِيثِهِ» (٢).
وَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ، وَجَبُنَّا» (٣).
وفي رواية قال ابن عمر: «أَبُو هُرَيْرَةُ خَيْرٌ مِنِّي، وَأَعْلَمُ بِمَا يُحَدِّثُ» (٤). وكان يكثر التَرَحُّمَ عَلَيْهِ ويقول: «كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ» (٥).
قَالَ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَرِيئًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نسَأَلُهُ عَنْهَا» (٦).
وحين أرسل ابن عمر يستفهم من السيدة عائشة عن حديث الجنازة الذي رواه أبو هريرة، قالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ» (٧).
стр. 434
قال طلحة بن عبيد الله: «لاَ نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ» (١).
قال زيد بن ثابت لرجل سأله عن شيء: «عَلَيْكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ» (٢).
جاء رجل إلى ابن عباس في مسألة، فقال ابن عباس لأبي هريرة: «أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ» (٣).
قال كعب الأحبار: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا لَمْ يَقْرَأِ التَّوْرَاةَ أَعْلَمَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (٤).
وقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٥). وذلك حين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة يُحَدِّثُهُمْ، فلا يعرف بعضهم الحديث، ثم يتراجعون فيه فيعرفونه.
قال أبو صالح السمان: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ » (٦).
قال الإمام الشافعي: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ (٧)»
стр. 435
قال البخاري: «رَوَى عَنْهُ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَكَانَ أَحْفَظَ مَنْ رَوَى الحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ» (١).
وقال الإمام الحافظ الذهبي [٦٧٣ - ٧٤٨ هـ]: «أَبُو هُرَيْرَةَ: إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي حَفِظِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الرَّسُولِ ﵇، وَأَدَائِهِ بِحُرُوفِهِ» (٢)، وقال في موضع آخر: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (٣).
وقال ابن كثير [- ٧٧٤ هـ]: «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الصِّدْقِ وَالحِفْظِ وَالدِّيَانَةِ وَالعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ» (٤).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [٧٧٣ - ٨٥٢ هـ]:
«إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ أَحْفَظَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَرْوِي الحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ، وَلَمْ يَاْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَحَابَةِ كُلِّهِمْ مَا جَاءَ عَنْهُ» (٥).
هذا غيض من فيض، شهد به رؤوس العلم لأبي هريرة، فسعة علمه وكثرة حديثه لا تخفى على مسلم، وما سقته من ثناء عليه إنما كان على سبيل الذكرى، وإلا فإني أظلم راوية الإسلام إذا حاولت أن أحصر من أثنى عليه.
١٥ - أَصَحُّ الطُرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّ مِنْ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ (إِطْلاَقًا): حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٦).
الرَدُّ عَلَى الشُّبَهِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
ذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعده، عرفناه في هجرته وصحبته للرسول الكريم ﷺ ، فكان الصاحب الأمين، والطالب المُجِدَّ، التزم السُنَّةَ المُطَهَّرة، في شبابه وهرمه، وفي غناه وفقره، فكان وَرِعًا تَقِيًّا، كريمًا متواضعًا، له مواقفه المُشَرِّفَةَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعرفنا اعتزاله للفتن وَحُبَّهُ للجماعة وسيعه للخير، وكشفنا عن روحه الطيِّبة المرحة، ونفسه الصافية، وأخلاقه الكريمة، وزُهده في الدنيا وفنائه في الحق، وعرفنا مكانته العلميَّة، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه.
ولكن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أن يصوروه صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صحبته للرسول الكريم ﷺ غايات خاصة لأبي هريرة، ليشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وكرمه رياء، وحفظه تدجيلاً، وحديثه الطيب الكثير كذبًا على رسول الله ﷺ وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذُلاًّ، وفي مرحه هَذَرًا، وصوروا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لَوْنًا من الاحتيال لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تَحَزُّبًا، وفي قوله الحق انحيازًا، واعتبروه صنيعة الأمويين الذين طووه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم
стр. 438
السياسية، فهو في نظرهم من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله ﷺ ، افتراء وزورًا.
هكذا رآه بعض أهل الأهواء قديمًا كالنظَّام، والمريسي، وَالبَلْخِي، وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) و (شبرنجر) وأغرب من هذا أنْ يطعن فيه وفي السُنَّةِ بعض من يُنسبُ إلى العلم، فقد عثرتُ على كتاب تحت عنوان " أبو هريرة " ألَّفه عبد الحُسين شرف الدين العاملي، وافترى فيه على أبي هريرة افتراءات يَنْدَى لَهَا جبين العلم، وَتَخِزُ ضمير العلماء، وتجرح الحق، ولا تلتقي معه، حتى انتهى إلى تكفير أبي هريرة، وقد حمله على هذا عاملان: أولهما هواه، وثانيهما تأويلاته التي لا تتمشى مع البحث العلمي، ولا توافق التاريخ ..
وقد استقى من هذا الكتاب أَيْضًا محمود أَبُو رِيَّة صاحب كتاب " أضواء على السنة المحمدية "، فكان أشدَّ على أبي هريرة من أستاذه، وأكثر مجانبة للصواب، كما أن الأستاذ أحمد أمين كشف عن جانب من سيرة أبي هريرة دون أن يكشف عن الجوانب الأخرى فلم تكن صورته عنده مطابقة للحقيقة التاريخية.
ومن الصعب أن أفند جميع الشبهات التي أخذها بعضهم على أبي هريرة في هذا الكتاب، لأنها تحتاج إلى كتاب منفرد بها (١)، لذلك أرد هنا رَدًّا مجملاً على أهم الشبهات التي أثاروها حوله، ولولا مكانة أبي هريرة ونقله جانبًا عظيمًا من السُنَّةِ لتركت الرد على هذه الشبهة، ولكني رأيت من الواجب أن أبين الحق لأن الطعن فيه طعن صريح في جميع مروياته، وترك لجانب لا يستهان به من السُنَّةِ.
стр. 439
١ - عُمَرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ -:
اتهم عبد الحسين شرف الدين وأبو رية (١) أبا هريرة بأنه سرق عشرة آلاف دينار حينما ولي البحرين لعمر، فعزله وضربه بالدرة حتى أدماه.
لقد ذكرت جميع الروايات (٢) المعتمدة أن عمر ﵁ قاسمه كما قاسم غيره من الولاة (٣). وليس فيها أنه ضربه حتى أدماه. وكان أبو هريرة يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَمِيرِِ المُؤمِنِينَ (٤)». لم يحقد على عمر ﵁ مع أنه يعلم أن ما قاسمه إياه إنما هو عطاياه وأسهمه وبعض غلة رقيقة. ولو أن عمر شك في أمانة أبي هريرة بعض الشك لحاكمه وعاقبة العقوبة الشرعية، ولكنه عرف فيه الأمانة والإخلاص فعاد إليه بعد حين يطلبه للولاية فأبى أبو هريرة قبولها كما أسلفنا!!.
هذا وجه الحق الذي أخفاه عبد الحسين وأبو رية، فعبد الحسين نقل رواية واحدة عن " العقد الفريد " لابن عبد ربه (٥)، حيث وجد فيها ما يوافق هواه، ولم
стр. 440
يتعرض لبقية الروايات التي تبين الحقيقة (١)، واكتفى أبو رية بالنقل عن عبد الحسين من غير أن يشير إلى المصدر ومن غير بحث أو مقارنة وتمحيص!!
٢ - هَلْ تَشَيَّعَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِلأُمَوِيِّينَ ؟:
ومما اتُّهِمَ به أبو هريرة أنه تشيع للأمويين ووالاهم، ووضع الحديث على الرسول ﷺ ضد خصومهم وتأييدًا لسياستهم (٢).
ويظهر بطلان هذه الشبهة إذا علمنا أنه لا دليل على تشيع أبي هريرة للأمويين بل ثبتت معارضته لهم في كثير من تصرفاتهم، ولم يكن دائمًا على صلة حسنة بمعاوية وإذا كان معاوية قد جعله على المدينة فقد كان يعزله كلما غضب عليه، ويولي مروان بن الحكم مكانه، كما أن أبا هريرة لم يكن يكره عَلِيًّا وأهله إرضاء للأمويين، بل كان مُحِبًّا لأهل البيت، ومن هذا ما رواه ابن كثير مما دار بين مروان بن الحكم وأبي هريرة حين أراد المسلمون دفن الحسن مع النبي ﷺ . فكان مما قاله لمروان: «وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِوَالٍ، وَإِنَّ الوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ، وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ ... » (٣).
وكذلك نرى أبا هريرة ينكر على مروان في مواضع عدة، فقد أنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير، فَقَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَقُولُ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا! كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا
стр. 441
ذَرَّةً، (١)، كما أنكر عليه حين أبطأ بالجمعة، فقام إليه قائلاً: «أَتُظَلُّ عِنْد ابْنَة فُلاَنٍ تُرَوِّحَُِك بِالمَرَاوِحِ وَتَسْقِيَك المَاءَ البَارِدَ، وَأَبْنَاءُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ يُصْهَرُونَ مِنَ الحَرِّ؟ لََقََدْ هَمَمْتُ أََنْ أَفْعَلَ وَأَفْعَلَ»، ثُم قَال: «اسْمَعُوْا مَن أَمِيرِكُمْ» (٢).
فهل هذا موقف المُتَشَيِّعِ لبني أمية، النازل على رغباتهم في الحديث، الدَّاعي لهم!! أم أنَّ هذا موقف ملتزم الحق؟
لقد أنكر على الأمير تَأَخُّرَهُ، وحفظ له حقه فأمر المسلمين بالسماع إليه. وهذا دليل آخر على مكانة أبي هريرة بين المسلمين. فلو كان حقيرًا مهينًا ما سمع منه المسلمون وَمَا تَحَمَّلَهُ مروان.
وكان يجدر بمن اَتَّهِمَ أبا هريرة بالتشيُّع للأمويين أن يتهمه بالتشيع لأهل البيت، لما رُوِيَ عنه عن رسول الله ﷺ في مناقبهم ومدحهم مِمَّا ورد فِي صِحَاحِ السُنَّةِ (٣)، فهذا أولى لهم من أنْ يَتَتَبَّعُوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة على أبي هريرة في مدح الأمويِّين، ليتهموه بموالاتهم وتأييدهم، مع وضوح وضع تلك الأحاديث، ومعرفة الكَذَبَةِ الواضِعِين لها. وجلاء أمرها، ونتيجة لهذا المنهج الملتوي حكم عليه عبد الحسين وأبو رية.
ومما قاله عبد الحسين في أبي هريرة والأمويين: «استعبد بنو أمية أبا هريرة ببرهم، فملكوا قياده، واحتلُّوا سمعه وبصره وفؤاده، فإذا هو لسان دعايتهم في سياستهم، يَتَطَوَّرُ فيها على ما تقتضيه أهواؤهم. فتارة يفتئت
стр. 442
الأحاديث في فضائلهم ... وتارة يلفق أحاديث في فضائل الخليفتين نزولاً على رغائب معاوية وفئته الباغية» (١).
هكذا أراد أنْ يُصَوِّرَهُ عبد الحسين شرف الدين، وقد عرفنا في سيرته وأخلاقه ما يدفع هذا الافتراء.
٣ - هَلْ وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ الأَحَادِيثَ كَذِبًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -؟:
لقد اتهم عبد الحسين، وأبو رية أبا هريرة بالكذب على رسول الله إرضاء للأمويين ونكاية بالعلويين (٢) وأبو هريرة من كل هذا براء. ولكنهما أَوْرَدَا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها. من هذا ما ذكره عبد الحسين فقال: «قال الامام أبو جعفر الاسكافي: إنَّ معاوية حمل قَوْمًا من الصحابة وَقَوْمًا من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عَلِىٍّ تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جَعْلاً يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمُغيرة بن شُعبة، ومن التابعين عُروة بن الزبير إلى آخر كلامه» (٣).
وقال: «لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على رُكبتيه ثم ضرب صلعته مِرَارًا!! وقال: " يا أهل العراق (٤) أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله
стр. 443
وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَرَمًا وَإِنَّ المَدِينَةُ حَرَمِي، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". قال: " وأشهد بالله أنَّ عَلِيًّا أَحْدَثَ فيها "!! فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاَّهُ إمارة المدينة» (١).
هذه أخبار مختلفة استشهد بها عبد الحسين ليدعم زعمه أنَّ أبا هريرة كان عميلاً للأمويِّين، وَضَّاعًا للحديث. إلاَّ أنَّ هذه الأخبار مردودة سَنَدًا وَمَتْنًا.
١ - أما من حيث السند. فإنَّ ابن أبي الحديد صاحب " شرح نهج البلاغة " نقل هذه الأخبار عن شيخه محمد بن عبد الله أبي جعفر الإسكافي (- ٢٤٠ هـ) وهو من أئمة المعتزلة المُتَشَيِّعِينَ، والعداء مستحكم بين المعتزلة وأهل الحديث من أواخر القرن الأول الهجري وأصبح مُتَوَارَثًا بعد هذا القرن. وأترك التعريف بأبي جعفر وتزكيته لتلميذه ابن أبي الحديد فيقول: «ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وكان من المُتَحَقِّّقِينَ بموالاة عَلِيٍّ ﵇ والمُبالغين في تفضيله وإنْ كان القول بالتفضيل عَامًّا شَائِعًا في البغداديِّين من أصحابنا كافة، إلاَّ أنَّ أبا جعفر أَشَدُّهُمْ في ذلك قولاً، وأخلصهم فيه اعتقادًا (٢)».
стр. 444
هذه شهادة تليمذ لأستاذه لا يرقى إليها الشك، ولا يعتريها الظن والتأويل، فالأستاذ من أهل الأهواء، دَاعٍ إلى هَوَاهُ، بل من المُتَعَصِّبِينَ في ذلك، بشهادة أقرب الناس إليه وأعرفهم به، فإذا سبق لأمثاله أنْ كَذَّبُوا الصحابة في الحديث بل في نقل القرآن فليس بَعِيدًا أَنْ يَكْذِبُوا على أبي هريرة ويفتروا عليه وعلى بعض الصحابة والتابعين. لكن روايته مردودة لسببين:
الأول: ضعف الإسكافي لعاملين:
العامل الأول: إنه معتزلي يناصب أهل الحديث العداء.
والعامل الثاني: أنه شيعي محترق. فقد اجتمع فيه عاملان يكفي أحدهما لِرَدِّ روايته.
الثاني: لم تذكر هذه الروايات في مصدر موثوق بسند صحيح. عِلْمًا بِأَنَّ الإسكافي لم يذكر لها سَنَدًا، وهذا يُرَجِّحُ أنها موضوعة، أو هي على الأقل ضعيفة لا يُحْتَجُّ بها.
٢ - وأما من حيث المتن - فلم يثبت أنَّ معاوية حمل أحدًا على الطعن في أمير المؤمنين عَلِيٍّ ﵁، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع بذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جَمِيعًا أسمى وأرفع من أنْ يَنْحَطُّوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أنْ يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله وسمع حديثه وزجره عن الكذب، وإنَّ جميع ما جاءنا من هذه الأخبار الباطلة، إنما كان عن طريق أهل الأهواء الداعين إلى أهوائهم المُتَعَصِّبِينَ لمذاهبهم، فَتَجَرَّؤُوا على الحق، ولم يعرفوا لِلْصُحْبَةِ حرمتها، فَتَكَلَّمُوا في خيار الصحابة وَاتَّهَمُوا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا بعضهم بالكفر، وافتروا على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم (١).
стр. 445
وقد كشف أهل الحديث عن هؤلاء الكذبة، لذلك ناصبت أكثر الفرق أصحاب الحديث العداء، فتتبعوا أحوالهم واخترعوا الأباطيل، لتفقد الأُمَّة الثقة بهم، من ذلك ما فعله المعتزلة والروافض وبعض فرق الشيعة، ومن أراد الاطلاع على بعض هذا فليراجع كتاب " قبول الأخبار " للبلخي.
ولكن الله أبى إلاَّ أنْ يكشف أمر هذه الفرق، ويميط اللثام عن وجوه المُتَسَتِّرِينَ وراءها، فكان أصحاب الحديث هم جنود الله ، بَيَّنُوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم، فما من حديث، أو خبر يطعن في صحابي، أو يُشَكِّكُ في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدين الحنيف إلاَّ بَيَّنَ جهابذة هذا الفن يد صانعه، وكشفوا عن علَّته.
فَادِّعَاءُ المؤلف مردود حتى يثبت زعمه بِحُجَّةٍ صحيحة مقبولة. وكيف نَتَصَوَّرُ معاوية يُحَرِّضُ الصحابة على وضع الحديث كَذِبًا وَبُهْتَانًا وَزُورًا، ليطعنوا في أمير المؤمنين عَلِيٍّ ﵁، وقد شهد ابن عباس ﵄ لمعاوية بالفضل والعقل والفقه (١) وقد ذكر ذلك البخاري في " صحيحه "، فهل لهؤلاء أنْ يَتَّهِمُوا حبر الأُمَّة وعالمها بالكذب، أو بالتشيُّع لمعاوية؟!! (٢) هذا لا يمكن، وشهادة ترجمان القرآن صحيحة، وبذلك ننفي تُهمة عبد الحسين.
وقد افترى الإسكافي على الصحابة الذين ذكرهم، وَبَيَّنَ ابن العربي في " العواصم من القواصم " جَانِبًا من أمرهم ومكانتهم وورعهم، كما بَيَّنَتْ كُتُبُ التراجم
стр. 446
سيرتهم. ثم إنَّ روايات أهل الأهواء تسرَّبتْ إلى التاريخ الإسلامي، وخاصة ما يتعلَّق بأخبار الأمويِّين، لأَنَّ كُتُبَ التاريخ كتبت بعد بني أمية، فشوَّهتْ سيرتهم (١)، ومع هذا لم يعدم التاريخ الرجال الأمناء المُخْلِصِينَ، الذين دَوَّنُوا حوادثه بأسانيدها حتى يَتَبَيَّنَ المُطَّلِعُ الصَّحِيحَ من الباطلِ، فليس كل خبر في كتاب يقبل ويؤخذ به، فلا بد من دراسته دراسة عِلْمِيَّةٍ حسب منهج المُحَدِّثِينَ الدقيق - سَنَدًا وَمَتْنًا.
ثم إنا نستبعد صحة هذا الخبر، فإنَّ عُرْوَةَ ولد سَنَةَ (٢٢ هـ) فكان عمره في فتنة عثمان ﵁ (١٣ سَنَةً)، وعندما استشهد أمير المؤمنين عَلِيٌّ ﵁ (١٨ سَنَةً)، فكيف يحمل خليفة كمعاوية يحمل عروة بن الزبير على وضع أحاديث تطعن في عَلِيٍّ ﵁؟ ولا يزال عروة يَافِعًا على عَتَبَةِ العلم لم يشتهر بعد!؟ فكان أحرى بمعاوية - لو صَحَّ الخبر - أنْ يُغري من هو أشهر منه وأعلم من كبار الصحابة والتابعين،
وإن قال قائل إنما استعان به أيام خلافته بعد استشهاد الخليفة الراشد الرابع، فالجواب بَدَهِيٌّ في أنَّ كلمة المسلمين اجتمعت سَنَةَ (٤٠ هـ) عام الجماعة، حين بايع الحسن معاوية بالخلافة وثبتت دعائم الحكم، فلم تبق أية ضرورة للدعاية للأمويِّين وهم الحكام وبيدهم الزمام.
ولو سلَّمنا جدلاً أنَّ عروة قد قام بما ادَّعَاهُ المؤلف - فهل يسكت عنه علماء الأُمَّة أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وبينهم الأبطال الشُجعان، وفيهم الأقوياء الأفذاذ؟؟ لقد كانت الأُمَّةُ الإسلامية واعية في ذلك العصر، عرف أبناؤها الحوادث جميعها وعاصروها واختبروها فلم تعد تخفى دقائقها
стр. 447
على أحد، وعرف المسلمون قادتهم من صحابة رسول الله ﷺ ، فلم يكن من السهل أنْ يُغيِّرَ بعضُ الصحابة والتابعين وجه الحق - كما زعم عبد الحسين - لإرضاء الخليفة وإشباع ميوله ورغباته، وإنَّ من يحاول إثبات صِحَّةَ هذا الخبر لَيَتَجَنَّى على الأُمَّة جميعها، ويجعل من عاصروا تلك الحوادث بُلْهًا مُغَفَّلِينَ، يعمى عليهم الحق بالدعايات الكاذبة والأخبار الموضوعة، والواقع يثبت خلاف ذلك، ويثبت وضع الخبر وعدم صِحَّتِهِ.
ثم إن الخبر الثاني - وهو قدوم أبي هريرة العراق -، من رواية الإسكافي، وهو مردود عندنا، لضعف راويه، ولو سلمنا صحته فليس في هذاما يضير أبا هريرة، لأنه يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويِّين حوله، وإنَّ الحديث الذي رُوِيَ عن أبي هريرة ليس فيه الزيادة التي اختلقت في ذم الإمام عَلِيٍّ (١) لينال أبو هريرة أجره من معاوية أو غيره.
٤ - كَثْرَةُ حَدِيثِهِ:
أخذ النَظَّامُ المعتزلي على أبي هريرة كثرة أحاديثه، وتابعه بعض المعتزلة قديمًا، ومنهم بشر المريسي، وأبو القاسم البلخي (٢). وقد رَدَّ ابن قتيبة على النَظَّامِ في كتابه " تأويل مختلف الحديث "، ولقيت هذه الشبهة صدى في نفوس بعض المتأخرين كعبد الحسين شرف الدين الذي سَوَّدَ صفحات كثيرة من كتابه " أبو هريرة " (٣)، يشكك في مروياته ويستكثرها، ويوهم القارئ أن ما رواه أبو هريرة أكثر مما رواه الصحابة الذين اشتغلوا بأمور الدولة
стр. 448
وسياستها، ويثير هذه الشبهة نفسها محمود أبو رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " (١)، ويستشهد هؤلاء جَمِيعًا بأخبار ضعيفة أو موضوعة أحيانًا، وبتأويلات وموازنات باطلة أحيانًا أخرى، وتلتقي أهواء هؤلاء بأهواء بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) الذي استكثر أَيْضًا مرويات أبي هريرة (٢).
وحمل لواء الدفاع عن الحق قديمًا وحديثًا بعض العلماء الذين كشفوا عن نوايا هؤلاء، وبينوا الحق من الباطل، ومازوا الخبيث من الطيب (٣).
وخلاصة أقوالهم، أن أبا هريرة تأخر إسلامه، وروى عن رسول الله ﷺ [٥٣٧٤ حديثًا]، وهي أكثر كثيرًا مما رواه الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة الذين سبقوه إلى الإسلام، ومما يقوله عبد الحسين في هذا: «فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة، وتأخُّره في إسلامه، وخموله في حسبه، وَأُمِيَّتِهِ، وما إلى ذلك مِمَّا يوجب إقلاله، ثم لينظر إلى الخلفاء الأربعة، وسبقهم، واختصاصهم، وحضورهم تشريع الأحكام، وحسن بلائهم في اثنين وخمسين سَنَةً، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله ﷺ ، وتسع وعشرين من بعده، ساسوا فيها الأمَّة وسادوا الأمم ... فكيف يمكن والحال هذه أَنْ يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جَمِيعًا؟ أفتونا
стр. 449
يا أولي الألباب!!؟ وليس أبو هريرة كعائشة وإنْ أكثرت أَيْضًا، فقد تزوجها رسول الله ﷺ قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين، فكانت في مهبط الوحي والتنزيل، ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عَامًا، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير».
ثم وازن بينهما في الذكاء والفطنة، ثم قال: «على أنها اضطرت إلى نشر حديثها، إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجَرَّارِ. ومع هذا فإنَّ جميع ما رُوِيَ عنها إنما هو عشرة مسانيد ومائتا مسند وألفا مسند، فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة ... ».
ثم يرى بعد ذلك أن حديث أبي هريرة: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» يعارض كثرة حديث أبي هريرة، ويرى أنه إقرار صريح من أبي هريرة بأنَّ ابن عمرو أكثر منه حَديثًا. وقد بلغ مسند عبد الله بن عمرو (٧٠٠) حديث.
ثم يزعم أَنَّ العلماء حاروا في أمر أبي هريرة ولم يروا مَخْرَجًا له، اللهم إلاَّ ما عَلَّلَهُ ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريا الأنصاري، بأنَّ عبد الله بن عمرو قطن مصر بينما سكن أبو هريرة المدينة مقصد المسلمين. ومع هذا يرى كلام أبي هريرة صَرِيحًا يحبط تأويل واعتذار القسطلاني والأنصاري.
ويعود ليقارن بين مقام أبي هريرة في المدينة وعبد الله بن عمرو في مصر ويغمز جانب أبي هريرة ويجعله من المُتَّهَمِينَ عند من يفد إلى المدينة ويقول: «وكثيراً ما كانوا ينقمون عليه إكثاره على رسول الله ﷺ -فيقولون إنَّ أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لاَ يُحَدِّثُونَ مثل حديثه ... ». وينتهي عبد الحسين من تحقيقه هذا في كثرة أحاديث أبي هريرة.
стр. 450
إلى النتيجة الآتية حيث يقول: «والحق أنَّ أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في أوائل أمره بعد رسول الله ﷺ حين لم يكن مُفْرِطًا هذا الإفراط الفاحش، فإنه إنما تفاقم إفراطه وطغى فيه على عهد معاوية حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا عَلِيٌّ ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين يخشاهم أبو هريرة» (١).
من الغريب أنْ يعجب الكاتب لكثرة حديث أبي هريرة، ومن العجيب أَنْ يثير هذا في القرن العشرين!! فهل يعجب من قوة ذاكرة أبي هريرة أنْ تجمع (٥٣٧٤) حَدِيثًا؟ أم يعجب أنْ يحمل هذه الكثرة عن الرسول ﷺ خلال ثلاث سنوات؟.
إذا كان يعجب من قوة حافظة أبي هريرة فليس هذا مجالاً للدهشة والطعن، لأنَّ كثيرًا من العرب قد حفظوا أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة، فكثير من الصحابة حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار، فماذا يقول المؤلف في هؤلاء؟ ماذا يقول في حفظ أبي بكر أنساب العرب؟ وعائشة ﵂ شعرهم؟ وماذا يقول صاحبنا في حماد الراوية الذي كان أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها؟ وماذا يقول فيه إذا علم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون الإسلام (٢)؟ وماذا يقول في حفظ حبر الأمَّة عبد الله بن عباس؟ وحفظ الإمام الزهري والشعبي وقتادة بن دعامة السدوسي؟ فحفظ أبي هريرة ليس بِدَعًا وليس غريبًا وخاصة إذا عرفنا أنَّ تلك الأحاديث الـ (٥٣٧٤) مروية عنه ولم تسلم جميع طرقها. فأبو هريرة لا يتهم في حفظه وكثرة حديثه من هذا الوجه.
стр. 451
وإذا كان المؤلف يعجب من تحمل أبي هريرة هذه الأحاديث الكثيرة عن الرسول ﷺ خلال ثلاث سنوات، فقد غاب عن ذهنه أنَّ أبا هريرة صاحب الرسول ﷺ في سنوات ذات شأن عظيم، جرت فيها أحداث اجتماعية وسياسية وتشريعية هامة، وفي الواقع أنَّ رسول الله ﷺ قَدْ تَفَرَّغَ تلك السنوات للدعوة والتوجيه بعد أَنْ هادنته قريش، ففي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وما بعدها انتشرت رسله في الآفاق ووفدت إليه القبائل من جميع أطراف جزيرة العرب. وأبو هريرة في هذا كله يرافق الرسول ﵊، ويرى بعينيه، ويسمع بأذنية، ويعي بقلبه.
ثم إنَّ ما رواه لم يكن جميعه عن النبي ﷺ ، بل روى عن الصحابة ﵃ ورواية بعض الصحابة عن بعضهم مشهورة مقبولة لا مأخذ عليها، فإذا عرفنا هذا زال العجب العجاب الذي تصوره مؤلف كتاب " أبو هريرة " وغيره.
ومن الخطأ الفاحش أَنْ يُقَارَنَ الخلفاءُ الراشدون وأبو هريرة في مجال الحفظ وكثرة الرواية، لأسباب كثيرة أهمها:
١ - صحيح أنَّ الخلفاء الأربعة ﵃ سبقوا أبا هريرة في صُحْبَتِهِمْ وإسلامهم، وَلَمْ يُرْوَ عنهم مثل ما رُوِيَ عنه. إلاَّ أنَّ هؤلاء اهْتَمُّوا بأمور الدولة وسياسة الحكم، وأنفذوا العلماء وَالقُرَّاءَ والقضاة إلى البلدان، فَأَدُّوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء الأمانة في توجيه شؤون الأُمَّةِ. فكما لا نلوم خالد بن الوليد على قِلَّةِ حديثه عن الرسول ﷺ لانشغاله بالفتوحات لا نلوم أبا هريرة على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم، وهل لأحد أنْ يلوم عثمان ﵁ أو عبد الله بن عباس لأنهما لم يحملا
стр. 452
لواء الفتوحات شرقًا وغربًا!!؟ لا، فكل امرئ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.
٢ - انصراف أبي هريرة إلى العلم والتعليم واعتزاله السياسة، واحتياج الناس إليه لامتداد عمره، يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة، بل ذات خطأ كبير.
ثم إنَّ عبد الحسين شرف الدين وأبا رية يطعنان عليه في هذا المجال في حَسَبِهِ ونَسَبِهِ وَأمِّيَّتِهِ، فهل لهذه النواحي أثر في كثرة الرواية وَقِلَّتِهَا؟ لم يقل بهذا أحد.
وما رَدَدْنَا به عليه بالنسبة لمقارنته بالخلفاء الراشدين، يرد بالنسبة لمقارنته بالسيدة عائشة ﵂، ونضيف أَنَّ السيدة عائشة كانت تُفْتِي الناس في دارها، وأما أبو هريرة فقد اتَّخَذَ حلقة له في المسجد النبوي، كما كان أكثر احتكاكًا بالناس من السيدة أم المؤمنين بصفته رجلاً، كثير الغدو والرواح، وأضيف إلى هذا أَنَّ السيدة الجليلة كان جُلُّ هَمِّهَا مُوَجَّهًا نحو نساء المؤمنين، وكان يَتَعَذَّرُ دخول كل إنسان عليها. ومع هذا لَمْ يَكُفَّ المؤلف لكتاب " أبو هريرة " لسانه عنها، بل رأى أنها أكثرت أَيْضًا!! وهو في هذا يناقض نفسه.
أما أنه يرى حديث أبي هريرة أكثر من حديث السيدة عائشة وأم سلمة وحديث بقية أمهات المؤمنين وَالحَسَنَيْن وَأمَّهُمَا مع حديث الخلفاء الأربعة، فقد سبق الرد عليه، وأضيف أَنَّ أم سلمة لم تكن مَرْجِعًا للناس كالسيدة عائشة ﵄، وأما الحَسَنَانِ فهما من صغار الصحابة، وقد اشتغلا في الأمور السياسية، فَبَدَهِيٌّ أنْ تكون مروياتهما قليلة، ومثل هذا يقال في أُمِّهِمَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ، التي لم تعش سوىستة شهور
стр. 453
بعد وفاة الرسول الكريم - عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَفْضَلَ الصَلاَةِ وَأَتَمَّ التَّسْلِيمِ -.
فالأمر ليس مهولاً، يحتاج إلى تفكير أرباب العقول كما ادَّعَى!؟؟ وهل يقصد بأرباب العقول النَظَّام والجاحظ!؟.
إنَّ نظرة مُجَرَّدَةً عن الهوى تدرك أَنَّ مَا رُوِيَ عن أبي هريرة من الأحاديث لا يثير العجب والدهشة، ولا يحتاج إلى هذا الشغب الذي اصطنعه أهل الأهواء، وأعداء السُّنَنِ، وَإِنَّ ما رواه عن رسول الله ﷺ ، سواء سمعه منه أو من الصحابة لا يشك فيه لِقِصَرِ صُحْبَتِهِ، بل إِنَّ صُحْبَتَهُ تحتمل أكثر من هذا، لأنها كانت في أعظم سنوات دولة الإسلام دعوة ونشاطًا وتعليمًا وتوجيهًا في عهد رسول الله ﵊.
وأما طعنهم في حدين الوعاءين، وَتَهَكُّمُهُمْ على أبي هريرة، واستهزاؤهم بما في وعائه من العلم الذي لم ينشره، وتساؤلهم عن ذلك العلم، كل هذا قد طرقه العلماء، وَبَيَّنُوا أَنَّ ما عنده مِمَّا لم ينشر لا يتعلق بالأحكام أو الآداب، وليس مِمَّا يقوم عليه أصل من أصول الدين، بل بعض أشراط الساعة، أو بعض ما يقع لِلأُمَّةِ من الفتن (١) ويدل على ذلك حديثه الذي ذكر بعضه مؤلف كتاب " أبو هريرة " (٢) ولم يذكر تعليق راويه الذي يُبَيِّنُ قصد أبي هريرة، قال أبو هريرة: «لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا فِي جَوْفِي لَرَمَيْتُمُونِي بِالبَعْرِ». قَالَ الحَسَنُ - رَوِاي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -: «صَدَقَ وَاللَّهِ .. لَوْ أَخْبَرَنَا أَنَّ بَيْتَ اللَّهِ يُهْدَمُ [وَيُحْرَقُ] مَا صَدَّقَهُ النَّاسُ!!» (٣).
стр. 454
وأبو هريرة ليس بِدَعًا في قوله، فقد كان رسول الله ﷺ يختص بعض أصحابه بأشياء دون الآخرين، من هذا حديثه لمعاذ بن جبل ﵁ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (١). وأخبر به معاذ عند موته تأثُّمًا، خَوْفًا من أنْ يكون قد كتم العلم. ولم يكن معاذ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَلاَ خَلِيفَتَهُ من بعده، فالأمر لا يحتاج إلى ولاية عهد ولا إلى وصاية، فَلِمَ ينكر الكاتب مثل هذا على أبي هريرة ولا ينكره على غيره؟ ثم ليعرف المؤلف الأمين الذي أساء كثيراً إلى أبي هريرة، وشتمه وكال له السِبَابَ كيلاً - أنَّ كتمان أبي هريرة لهذا الوعاء لم يكن لخوفه ألا يسمع الناس له لمهانته وضعفه فيرمونه بالبعر وبالمزابل، بل لأنه أرأد أنْ يُحَدِّثَ الناس على قدر عقولهم، وأنْ يخاطبهم بما يفهمون ويعرفون، وبهذا أوصى أمير المؤمنين عليٌّ ﵁ (٢).
أما قول أبي هريرة: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يَكْتُبُ»، فلا يتعارض مع حديث الوعاءين لأنَّ أبا هريرة لا يكتم العلم النافع الضروري، وما كتمه لم يكن من هذا، بل كان بعض أخبار الفتن والملاحم وما سيقع للناس مِمَّا لا يتوقف عليه شيء من أصول الدين أو فروعه، وهذا النوع من العلم يجدر كتمانه، ومن الصواب عدم نشره وإعلانه.
- وأما ما استشهدوا به لدعم طعونهم في كثرة مرويات أبي هريرة، واحتجاجهم بما قاله أبو هريرة نفسه: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النََّبِيِّ ﷺ
стр. 455
أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» (١) وبأن مرويات ابن عمرو التي لا تتجاوز سبعمائة حديث واستنباطهم من هذا أن أبا هريرة يُقِرُّ ويعترف بتقوله على رسول الله ﷺ ما لم يقل - فهو استشهاد في غير موضعه، بُنِيَ على تصوُّرٍ بَاطِلٍ، وفهم للحديث على خلاف الواقع.
إن قول أبي هريرة يدل على أَنَّ عبد الله بن عمرو كان أكثر أَخْذًا للحديث من أبي هريرة، لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب. ويحتمل أن يكون قول أبي هريرة هذا في حياة الرسول ﷺ قبل أنْ يدعو له بالحفظ، أو قبل أن يكون لديه من الحديث من الكثرة ما أصبح عنده بعد حين، وإذا استبعدنا هذا الفرض فكل ما في الأمر أنَّ عبد الله بن عمرو حمل من الحديث عن رسول الله ﷺ أكثر من أبي هريرة، إلاَّ أنه لم يَتَيَسَّرْ له نشره لأسباب نُبَيِّنُهَا أهمها:
١ - أن اشتغال عبد الله بن عمرو بالعبادة كان أكثر من اشتغاله بالتعليم، ولذلك قَلَّتْ الرواية عنه، وإن لم يقل تحمله.
٢ - كان مقامه بعد فتوح الأمصار في مصر والطائف، وكان مقام أبي هريرة في المدينة متصدرًا فيها الفتوى، والتحديث إلى أن توفي، وكان طلاب العلم يقصدون المدينة مهجر الرسول وعاصمة الإسلام، أكثر مما يقصدون غيرها من بلاد الإسلام.
وأضيف إلى هذا ما اختص به أبو هريرة من دعوة الرسول ﷺ له بأن لا ينسى ما يسمعه منه، وربما قلت الرواية عن عبد الله
стр. 456
ابن عمرو، لأنه كان قَدْ ظَفِرَ فِي الشَّام بِحِمْلِ جَمَلٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ يَنْظُرُ فِيهَا، وَيُحَدِّثُ مِنْهَا فَتَجَنَّبَ الأَخْذَ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ» (١).
وإلى جانب هذا لم يكن عبد الله بن عمرو على وفاق مع معاوية وابنه يزيد، فلم يفسح له مجال التحديث والاشتغال بالتعليم (٢).
لقد تضافرت هذه العوامل فجعلت مرويات ابن عمرو أقل من مرويات أبي هريرة، ولا ينبغي أنْ يثير هذا أي شك، أو يدخل أية شُبهة على مرويات أبي هريرة الكثيرة مع تصريحه بكثرة حديث عبد الله بن عمرو.
٥ - هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُكَذِّبُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَرُدُّونَ أَحَادِيثَهُ ؟:
ذكر إبراهيم بن سيَّار النظَّام أبا هريرة فقال: أكذبه عمر وعثمان وعَلِيٌّ وعائشة (٣) - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وقال بشر المريسي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» (٤).
قال الأستاذ أحمد أمين: «وقد أكثر بعض الصحابة من نقد أبي هريرة على الإكثار من الحديث عن رسول الله ﷺ وشَكُّوا فيه
стр. 457
، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في " صحيحه " أنَّ أبا هريرة قال: " إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... " وفي حديث آخر: " يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ ... "» (١).
وقال عبد الحسين شرف الدين: «أنكر الناس على أبي هريرة واستفظعوا حديثه على عهده ... وحسبك أنَّ في مُكَذِّبِيهِ عظماء الصحابة ... » (٢).
ثم قال: «وبالجملة فإنَّ إنكار الأجِلاَّء - من الصحابة والتابعين - عليه واتهامهم إياه مِمَّا لا ريب فيه ما تورع منهم عن ذلك أحد حتى مضوا لسبيلهم ... ولعل جل المعتزلة على هذا الرأي، قال الإمام أبو جعفر الإسكافي ما هذا نصه: «وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، (قال): ضربه عمر بالدرة، وقال: أكثرت من الرواية فأحر بك أنْ تكون كاذبًا على رسول الله ﷺ ... » (٣).
وأما أبو رية فقد ساق بعض الأقوال السابقة، وبعض استدراكات الصحابة على أبي هريرة ... واستشهد بفقرات لـ (جولدتسيهر) و (شبرنجر)، وسرد أقوالاً مختصرة لبعض ما دار بين الصحابة وأبي هريرة لِيُكَوِّنَ من ذلك رأيه في أبي هريرة، ويجعله أول راوية اتهم في الإسلام (٤).
مما سبق تبينت لنا الشُبَهُ التي أوردها بعضهم على موقف الصحابة من أبي هريرة، وقد ساقوا تلك الشُبَهِ من غير أنْ يُبَيِّنُوا لنا أسبابها، وإنْ بَيَّنَ
стр. 458
بعضهم ذلك فإنما يحمل الحادثة على غير محملها.
لذلك سأبين موقف الصحابة من أبي هريرة وحديثه، وقد أضطر إلى ذكر بعض الأحاديث والأخبار التي دارت بينهم، أو اختلفوا من أجلها، لأكشف عن حقيقة أمرهم من راوية الإسلام، ولا بد لي أن أشير إلى أن الصحابة، لم يقفوا من أبي هريرة مَوْقفًا خَاصًّا، كما أنهم لم ينظروا إليه من زاوية معينة، أو بمنظار الشك والريبة ولن أطيل بذكر ما لا يقتضيه البحث.
[أ] هَلْ ضَرَبَ عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ ؟:
لم يثبت قط أنَّ عمر ﵁ ضرب أبا هريرة بِدِرَّتِهِ لأنه أكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، وما ذكره أَبُو رَيَّةَ في [ص ١٦٣] وما ذكره عبد الحسين في [ص ٢٦٨] من ضرب عمر لأبي هريرة فهي رواية ضعيفة لأنها من طريق أبي جعفر الإسكافي وهذا غير ثقة.
وأما تهديد عمر ﵁ لأبي هريرة بالنفي وهو ما رواه السائب بن يزيد إذ قال: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ "، وَقَالَ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ الأُوَلِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ "» (١). ولكن عبد الحسين وأبا رية قالا: إنه قال لأبي هريرة: «لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» نقلاً عن ابن عساكر، وأشار أبو رية إلى " البداية والنهاية " وليس فيها هذا.
стр. 459
وليس في أية رواية تكذيب عمر لأبي هريرة أو ضربه، وكل ما في الأمر أنه نهاه عن كثرة الرواية، وقد قال ابن كثير عقب خبره: «وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَضَعُهَا النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَّكِلُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخَصِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الغَلَطِ أَوِ الخَطَأِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ». اهـ (١).
وَرَوَى أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لأَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَحْدِيثِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ وَرَعَهُ وَخَشْيَتَهُ الخَطَأَ، قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لِمَ سَأَلَتْنِي عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". قَالَ: أَمَّا إِذَنْ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ» (٢).
فعمر لم يطعن في أبي هريرة، وكل ما صدر منه إنما كان تطبيقًا لمنهجه من التثبت في السُنَّةِ والإقلال من الرواية. وأبو هريرة نفسه كان يذكر لأصحابه شدة عمر في تطبيق منهجه (٣).
ويدل على أن عمر لم يكذبه، ولم يطعن فيه، ولم يهدده بالنفي إلى جبال دوس - هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «أَخَذَتِ
стр. 460
النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: " مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟ " فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فَبَلَغَنِي الذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (١)، إنه لم يجب عمر سوى أبي هريرة، فهل يعقل بعد هذا أن يكذبه عمر، أو يهدده بالنفي وقد عرف حفظه وإتقانه!!؟
وأما ادعاء بشر المريسي تكذيب الفاروق لأبي هريرة - فهو باطل، لا أصل له، وما رواه عن عمر، أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» لم يذكر سنده. وقد تصدى له عثمان بن سعيد الدارمي (٢٠٠ - ٢٨٠ هـ) فَرَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا قَوِيًّا (٢).
[ب] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعُثْمَانُ بْنِ عَفَّانٍ:
لم يذكر مصدر موثوق أنَّ عثمان كَذَّبَ أبا هريرة كَمَا ادَّعَى النَظَّامُ وَغَيْرُهُ، كما لم يثبت أنه طعن فيه أو منعه من التحديث، وكل ما هنالك رواية ذكرها ابن خلاَّد قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِيسَى، - يَنْزِلُ جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَظُنُّهُ ابْنَ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: