ابن عمرو، لأنه كان قَدْ ظَفِرَ فِي الشَّام بِحِمْلِ جَمَلٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ يَنْظُرُ فِيهَا، وَيُحَدِّثُ مِنْهَا فَتَجَنَّبَ الأَخْذَ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ» (١).
وإلى جانب هذا لم يكن عبد الله بن عمرو على وفاق مع معاوية وابنه يزيد، فلم يفسح له مجال التحديث والاشتغال بالتعليم (٢).
لقد تضافرت هذه العوامل فجعلت مرويات ابن عمرو أقل من مرويات أبي هريرة، ولا ينبغي أنْ يثير هذا أي شك، أو يدخل أية شُبهة على مرويات أبي هريرة الكثيرة مع تصريحه بكثرة حديث عبد الله بن عمرو.
٥ - هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُكَذِّبُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَرُدُّونَ أَحَادِيثَهُ ؟:
ذكر إبراهيم بن سيَّار النظَّام أبا هريرة فقال: أكذبه عمر وعثمان وعَلِيٌّ وعائشة (٣) - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وقال بشر المريسي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» (٤).
قال الأستاذ أحمد أمين: «وقد أكثر بعض الصحابة من نقد أبي هريرة على الإكثار من الحديث عن رسول الله ﷺ وشَكُّوا فيه
стр. 457
، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في " صحيحه " أنَّ أبا هريرة قال: " إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... " وفي حديث آخر: " يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ ... "» (١).
وقال عبد الحسين شرف الدين: «أنكر الناس على أبي هريرة واستفظعوا حديثه على عهده ... وحسبك أنَّ في مُكَذِّبِيهِ عظماء الصحابة ... » (٢).
ثم قال: «وبالجملة فإنَّ إنكار الأجِلاَّء - من الصحابة والتابعين - عليه واتهامهم إياه مِمَّا لا ريب فيه ما تورع منهم عن ذلك أحد حتى مضوا لسبيلهم ... ولعل جل المعتزلة على هذا الرأي، قال الإمام أبو جعفر الإسكافي ما هذا نصه: «وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، (قال): ضربه عمر بالدرة، وقال: أكثرت من الرواية فأحر بك أنْ تكون كاذبًا على رسول الله ﷺ ... » (٣).
وأما أبو رية فقد ساق بعض الأقوال السابقة، وبعض استدراكات الصحابة على أبي هريرة ... واستشهد بفقرات لـ (جولدتسيهر) و (شبرنجر)، وسرد أقوالاً مختصرة لبعض ما دار بين الصحابة وأبي هريرة لِيُكَوِّنَ من ذلك رأيه في أبي هريرة، ويجعله أول راوية اتهم في الإسلام (٤).
مما سبق تبينت لنا الشُبَهُ التي أوردها بعضهم على موقف الصحابة من أبي هريرة، وقد ساقوا تلك الشُبَهِ من غير أنْ يُبَيِّنُوا لنا أسبابها، وإنْ بَيَّنَ
стр. 458
بعضهم ذلك فإنما يحمل الحادثة على غير محملها.
لذلك سأبين موقف الصحابة من أبي هريرة وحديثه، وقد أضطر إلى ذكر بعض الأحاديث والأخبار التي دارت بينهم، أو اختلفوا من أجلها، لأكشف عن حقيقة أمرهم من راوية الإسلام، ولا بد لي أن أشير إلى أن الصحابة، لم يقفوا من أبي هريرة مَوْقفًا خَاصًّا، كما أنهم لم ينظروا إليه من زاوية معينة، أو بمنظار الشك والريبة ولن أطيل بذكر ما لا يقتضيه البحث.
[أ] هَلْ ضَرَبَ عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ ؟:
لم يثبت قط أنَّ عمر ﵁ ضرب أبا هريرة بِدِرَّتِهِ لأنه أكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، وما ذكره أَبُو رَيَّةَ في [ص ١٦٣] وما ذكره عبد الحسين في [ص ٢٦٨] من ضرب عمر لأبي هريرة فهي رواية ضعيفة لأنها من طريق أبي جعفر الإسكافي وهذا غير ثقة.
وأما تهديد عمر ﵁ لأبي هريرة بالنفي وهو ما رواه السائب بن يزيد إذ قال: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ "، وَقَالَ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ الأُوَلِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ "» (١). ولكن عبد الحسين وأبا رية قالا: إنه قال لأبي هريرة: «لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» نقلاً عن ابن عساكر، وأشار أبو رية إلى " البداية والنهاية " وليس فيها هذا.
стр. 459
وليس في أية رواية تكذيب عمر لأبي هريرة أو ضربه، وكل ما في الأمر أنه نهاه عن كثرة الرواية، وقد قال ابن كثير عقب خبره: «وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَضَعُهَا النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَّكِلُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخَصِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الغَلَطِ أَوِ الخَطَأِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ». اهـ (١).
وَرَوَى أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لأَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَحْدِيثِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ وَرَعَهُ وَخَشْيَتَهُ الخَطَأَ، قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لِمَ سَأَلَتْنِي عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". قَالَ: أَمَّا إِذَنْ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ» (٢).
فعمر لم يطعن في أبي هريرة، وكل ما صدر منه إنما كان تطبيقًا لمنهجه من التثبت في السُنَّةِ والإقلال من الرواية. وأبو هريرة نفسه كان يذكر لأصحابه شدة عمر في تطبيق منهجه (٣).
ويدل على أن عمر لم يكذبه، ولم يطعن فيه، ولم يهدده بالنفي إلى جبال دوس - هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «أَخَذَتِ
стр. 460
النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: " مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟ " فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فَبَلَغَنِي الذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (١)، إنه لم يجب عمر سوى أبي هريرة، فهل يعقل بعد هذا أن يكذبه عمر، أو يهدده بالنفي وقد عرف حفظه وإتقانه!!؟
وأما ادعاء بشر المريسي تكذيب الفاروق لأبي هريرة - فهو باطل، لا أصل له، وما رواه عن عمر، أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» لم يذكر سنده. وقد تصدى له عثمان بن سعيد الدارمي (٢٠٠ - ٢٨٠ هـ) فَرَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا قَوِيًّا (٢).
[ب] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعُثْمَانُ بْنِ عَفَّانٍ:
لم يذكر مصدر موثوق أنَّ عثمان كَذَّبَ أبا هريرة كَمَا ادَّعَى النَظَّامُ وَغَيْرُهُ، كما لم يثبت أنه طعن فيه أو منعه من التحديث، وكل ما هنالك رواية ذكرها ابن خلاَّد قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِيسَى، - يَنْزِلُ جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَظُنُّهُ ابْنَ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ:
стр. 461
قُلْ لَهُ: «يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: مَا هَذَا الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَقَدْ أَكْثَرْتَ، لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لأَلْحَقَنَّكَ بِجِبَالِ دَوْسٍ ... » (١)، ولكن هذا الخبر رُوِيَ عن عمر بن الخطاب، ولم نر إلاَّ هذه الرواية عن عثمان ﵁، ولو صَحَّتْ فليس فيها طعن في أبي هريرة، لأنه ينهاه عن الإكثار من الرواية عندما لا تكون هناك حاجة إلاَّ الإكثار منها، وأبو هريرة نفسه لم ير في هذا مَطْعَنًا، ولم يترك كل هذا أَثَرًا في نفسه، فنراه يوم الدار يدافع عن الخليفة الراشد الثالث ﵄.
[ج] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄ -:
لم يذكر مصدر موثوق به ما يدل على أنَّ عَلِيًّا ﵁ كَذَّبَ أبا هريرة أو نهاه عن التحديث، إلاَّ أنَّ بعض أعداء أبي هريرة يستشهدون برواية ضعيفة عن أبي جعفر الإسكافي، وَأَنَّ عَلِيًّا لما بلغه حديث أبي هريرة قال: «أَلاَ إِنَّ أَكْذَبَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ: أَكْذَبَ الأَحْيَاءِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ» (٢). فهذه رواية مردودة لا نقبلها عن الإسكافي، لأنه صاحب هوى دَاعٍ إِلَى هَوَاهُ.
وَقَدْ رَدَّ ابن قتيبة على جميع ما ألصقوه بالإمام عَلِيٍّ طَعْنًا في أبي هريرة (٣).
стр. 462
[د] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵄ -:
لقد طالت حياة عائشة وحياة أبي هريرة، فكانت حاجة الناس إليهما بمقدار حياتهما فيهم، ولهذا روي عنهما من الحديث مَا لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمَا، وقد كان أبو هريرة يُحَدِّثُ، فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتوافقه أخرى، كما كان يُحَدِّثُ مع غيره من الصحابة، فقد استدركت عائشة على أبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ، وعلى ابن عمر، وعلى أبي هريرة (١) ... وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو الدليل في المسألة التي يُفْتِي فيها، كما استدرك غيرها عليها، وكما كانت أحيانًا توجه من يسألها إلى من هو أعرف بالمسؤول عنه، كما وجهت من سألها عن مسح الخف إلى عَلِيٍّ ﵄ (٢)، وفي كل هذا لم يشعر الصحابة بغضاضة أو حَرَجٍ، لأن هدفهم جَمِيعًا وَاحِدٌ، هو تطبيق الشريعة، وما كان الصحابة يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. إلاَّ أنَّ من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما دار بين الصحابة مِنْ نِقَاشٍ عِلْمِيِّ، أو تثبت في الحديث، وجعلوا منه مَادَّةً يَنْفُذُونَ من خلالها إلى مآربهم، وَيُحَقِّقُونَ غاياتهم. ولكنهم لم يفلحوا، لأَنَّ الأُمَّةَ لم تعدم العلماء المخلصين، الساهرين النابهين، الذي بَيَّنُوا الحق من الباطل، ووضعوا كل شيء في موضعه.
وما من حادثة وقعت لأبي هريرة مع السيدة عائشة إلا بَيَّنَ العلماء وجه الحق فيها، وَلَمْ يَرَوْا في عائشة موقف المكذب لأبي هريرة الطاعن
стр. 463
في أحاديثه (١)، ولم يفهم أحد مما دار بينهما أن أبا هريرة كذاب يتهمه الصحابة في صدقه وعلمه، لم يفهم هذا إلا أهل الأهواء، وأعداء السنن.
ومما يؤسف له أنهم كانوا يُؤَوِّلُونَ الأخبار كما يريدون، ويفسرون الأحاديث كما يرغبون، وينظرون إلى جانب واحد من موقف الصحابة من أبي هريرة، وهو جانب المناقشات العلمية، فيحسبون أنهم وقعوا على غنيمة دسمة، وينقلون الأخبار الصحيحة التي تبين صدق أبي هريرة وأمانته، وثناء الصحابة عليه، ويستشهدون ببعض الروايات الضعيفة، ويختارون من الثابت منها ما يحقق مآربهم، وأضرب لهذا مثلاً:
قالوا: إن عائشة أنكرت عليه حديثه، فماذا أنكرت؟ وكيف أنكرت عليه؟
عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ! جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ (٢) فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ» (٣) كأنها تنتقد أبا هريرة في سرعة إلقائه.
إن إنكار عائشة ﵂ على أبي هريرة لم يكن مُوَجَّهًا إلى ما يُحَدِّثُ
стр. 464
به إنما أنكرت عليه أنه يسرد الحديث، ويظهر هذا فيما رُوِيَ عنها: إِنَّمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لأَحْصَاهُ» (١).
ولو أنكرت عائشة عليه غير سرده للحديث لقالت وَبَيَّنَتْ، وهي الجريئة الصريحة، فأبو هريرة لَمْ يَكْذِبْ على رسول الله ﷺ ، إنما كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضيره إذا كان مُتَيَقِّظًا مُتَنَبِّهًا عَارِفًا لِمَا يَرْوِي؟.
قال ابن حجر: «وَاعْتُذِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ المَحْفُوظِ فَكَانَ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ المَهَلِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْدِيثِ كَمَا قَالَ بَعْضُ البُلَغَاءِ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ فَتَتَزَاحَمُ الْقَوَافِي عَلَى فِيَّ» (٢).
وقد أثنت عائشة على أبي هريرة وصدقته، من هذا أنه بلغ عبد الله بن عمر حديث أبي هريرة وهو: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ» (٣). فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِهِ: «صَدَقَ أبو هُرَيْرَةَ». فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» (٤). وفي رواية قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٥).
стр. 465
إن أعداء السُّنَنِ يأبون أن يذكروا مثل هذه الرواية التي تُقَوِّضُ مَا يَبْنُونَ، وتأتي على أساس ما يَدَّعُونَ، فَلَمْ يُكَذِّبْ الصَّحَابَةُ أبا هريرة ولم يتهموه، وإن موقف ابن عباس منه وابن عمر والزبير ومروان بن الحكم وغيرهم لا يعدو موقف المُتَثَبِّتِ المُتَوَخِّي لِلْحَقِّ، ولا يقصر عن موقف العالم النزيه وقد ثبت - فيما سبق - ثناء الصحابة والعلماء عليه، فهل يعقل أن يطعنوا فيه تارة ويثنوا عليه أخرى!؟؟ (١).
ومع هذا فإن بعض الكُتَّابِ والمؤلفين أمثال عبد الحسين وأبي رية لم يأبهوا بكل هذا، واستنتجوا من تلك المناقشات العلمية كذب أبي هريرة، حتى إن عبد الحسين رأى فيما دار بين أبي هريرة والصحابة دليلاً قاطعًا على تجريحه، فقال: «وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة له، وقد تَقَرَّرَ بالإجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض، على أنه لا تعارض هنا قطعًا ... » (٢) أي تكذيب هذا؟ وأي تجريح بعد أن عرفنا حقيقة موقف الصحابة من أبي هريرة؟ فهل ندع هذه الأدلة الصحيحة، التي تثبت إجلال الصحابة له، واحترامهم إياه، وروايتهم عنه ونقبل ادعاءات واهية لا تقوم على دليل أو برهان؟
ثم إن تحامل أعداء أبي هريرة واضح جِدًّا، فقد اتهموه بالتتلمذ على كعب الأحبار لروايته بعض الأحاديث التي وافقه عليها كعب، وأنكروا عليه إنكارًا شديدًا، عِلْمًا بأنه لم يتفرد بروايتها، فَلِمَ يقفون منه هذا الموقف ولا يقفونه من غيره من الصحابة الذين رَوَوْا ما رواه أبو هريرة؟
стр. 466
مثال ذلك قول أَبِي رَيَّةَ: «وإليك مثلاً من ذلك نختم به ما ننقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النبي وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] ". ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: " صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد " ... » (١).
ما وجه الإنكار لهذا الحديث. وقد رواه غير أبي هريرة من الصحابة؟ رواه سهل بن سعد وأبو سعيد الخدري (٢)، فهل خدع كعب هذين الصحابيين أَيْضًا؟ وما هي غاية كعب في قوله هذا؟ إني أتعجب من إنكار الكاتب عليه هذا الحديث، فهل أنكر على أبي هريرة هذا الحديث لضخامة الشجرة؟ وهل يُسْتَغْرَبُ وجود مثل هذه الشجرة في جنة قال فيها الله ﴿ ... وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)؟ أم أنكر عليه أن يسير الراكب مائة عام في ظلها؟ أم أنكر عليه كل هذا لأنه لم يعهد في حياته مثلها؟
هل يريد هؤلاء أن ينفوا كل ما لم تتصوره عقولهم وتفكيرهم؟ فإن أرادوا هذا وجب عليهم أن ينفوا كثيرًا من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها، أو ينفوا كثيرًا مِمَّا جاء في القرآن الكريم. بل على مثل هذا الكاتب أنْ
стр. 467
يترك جانبًا عظيمًا من اللغة العربية، ذلك لأنَّ بعض ما جاء في السُنَّةِ من ألفاظ وعبارات، إنما جاء على نَسَقِ وَسُنَنِ ما حكاه القرآن الكريم من عبارات سِيقَتْ من باب المجاز لا من باب الحقيقة، تخاطب الإحساسات النفسية والنفوس البشرية لِتَتَصَوَّرَ عظمة ما يمثله القرآن الكريم من الثواب والعقاب ... لذلك وجب علينا أنْ نصرف الألفاظ والعبارات التي لا تطابق الحقيقة إلى المجاز، فللعدد معنى خاص لا يتناول غيره، وقد أجمع المُفَسِّرُونَ على أَنَّ بعض ما ذُكِرَ من الأعداد في القرآن الكريم إنما جاء للتكثير لا للحصر، وكذلك ما جاء في السُنَّةِ - في مثل هذا المقام - من العبارات الكثيرة التي لا تتناول حقيقة العدد. وهنا إنما ورد للتكثير وبيان اتساع ذلك الظل الذي أَعَدَّهُ اللهُ تعالى للمؤمنين، فمن الخطأ أَنْ يجعل المؤلف الحقيقة والواقع مِيزَانًا لتلك الألفاظ التي وردت من باب المجاز، لأنه في ذلك سيجانب القواعد المُسَلَّمَةَ في اللغة، ويقع معها في أخطاء فادحة، لاَ يُقِرُّهُ عليها أحد، ويلزم من هذا عدم فائدة الاستعارات والكنايات، والمجازات العقلية، التي تُشَكِّلُ جَانِبًا عَظِيمًا في تراثنا الأدبي، ما دام المؤلف سيصرف كل لفظ إلى حقيقته!!.
وقد سبق أن ذكرت ثناء الصحابة والعلماء على أبي هريرة، وأكرر هنا قول الحافظ الذهبي فيه، ليكون رَدًّا قَاصِمًا لأهل الأهواء -: «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (١).
وهكذا نجا أبو هريرة من تلك الأعاصير التي عصفت حوله، ومن تلك الأمواج التي تلاطمت على قدميه. فبقي صَامِدًا لها، وانهار ما ادعاه أعداؤه أمام الصرح الشامخ الذي يحمي عدالته، وتحطمت سهامهم الواهية على الحصن
(٢) - عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (١٠ ق هـ - ٧٣ ه ـ): (*)
أسلم عبد الله بن عمر صغيرًا، وهاجر إلى المدينة مع أبيه وقيل قبله، وهو ابن إحدى عشرة سنة، عرض على رسول الله يوم بدر ويوم أُحُدٍ فاستصغره، وأجازه يوم الخندق وهو يومئذٍ ابن خمس عشرة سَنَةٍ، فشهد الخندق وما بعده مع رسول الله ﷺ ، وشهد بعده اليرموك وفتح مصر وشمال أفريقيا.
اشتهر ابن عمر بحرصه على اتباع سُنَّةِ رسول الله ﷺ والتأسي به (١). وكان يحضر مجالس رسول الله ﷺ ، ويسأل من حضر إذا غاب عنها، وفيه قال ابن الحنفية: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ حَبْرَ هَذِه الأُمَّةِ».
روى عن رسول الله ﷺ ، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي ذر ومعاذ وعائشة وغيرهم.
وروى عنه خلق كثير، منهم جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس،
стр. 471
وبنوه سالم وعبد الله وحمزة وبلال، ومولاه نافع، وَأًسْلَمُ مولى عمر، وابن أخيه حفص بن عامر.
وروى عنه من كبار التابعين سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص (١)، وأبو عبد الرحمن النهدي، ومسروق، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه ممن بعدهم عبد الله بن دينار، وزيد وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير، وبشر بن سعيد، وعطاء، ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
قال فيه ابن مسعود: «إنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنْ الدُّنْيَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ».
وعن سالم بن أبي الجعد عن جَابِرٍ قَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ إلاَّ مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، وَمَال بِهَا غَيْرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ».
وكان جريئًا في الحق لا يخاف فيه لومة لائم، وله مواقف كثيرة في ذلك.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «كَانَ عُمَرُ فِي زَمَانٍ لَهُ فِيهِ نُظَرَاءُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَانٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِيرٌ».
كان مثالاً رائعًا في الورع والتقوى والعبادة، وكان إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢) بكى حتى يغلبه البكاء وكان لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.
وكان كثير التواضع والتسامح والرحمة والكرم، يكثر التصدق بما يشتهيه من الطعام ويتقرب إلى الله بما يعجبه من ماله، أتته في ليلة عشرة آلاف درهم،
стр. 472
فما بات حتى وزعها، وكان في مجلس فأتى ببضعة وعشرين ألفًا فما قام من مجلسه حتى فَرَّقَهَا وزاد عليها، وقد ينفد ما معه فيستدين ليعطي ذوي الحاجات. وكان لا يأكل طعامًا إلا على خوانه يتيم، وما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو يزيد.
رشحه بعض الصحابة للخلافة بعد أبيه، فأبى عمر وجعلها شورى بين الستة، فوقف عبد الله بن عمر بعيدًا عن جميع الفتن، وتفرغ للعلم والعبادة. لذلك كان من المكثرين من الرواية، وساعده على هذا تقدم إسلامه، وطول عمره، ومخالطته للرسول ﷺ ، فقد كانت أخته حفصة زوجة النبي ﵊ فسهل عليه دخوله وخروجه على الرسول الكريم.
روي عنه [٢٦٣٠] حَدِيثًا، أخرج له الشيخان البخاري ومسلم [٢٨٠] حَدِيثًا، اتفقا على [١٦٨] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٨١] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٣١] حَدِيثًا، وأحاديثه في الكتب الستة، والمسانيد، وسائر السنن.
توفي في مكة سَنَةَ (٧٣ هـ) بعد مقتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل سَنَةَ (٧٤ هـ)، وعمره أربعة وثمانون عَامًا.
* * *
стр. 473
(٣) - أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (١٠ ق هـ - ٩٣ ه ـ): (*).
هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي البخاري، وأمه أم سليم بنت ملحان، جاءت به إلى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة وقالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا غُلاَمٌ يَخْدُمُكَ» فقبله ﷺ فنشأ في بيت النبوة، وأحبه الرسول ﷺ ، وفي هذا يقول أنس: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عشر سِنِينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ تَوَانَيْتُ عَنْهُ، أَوْ صَنَعْتُهُ فَلامَنِي، وَإِنْ لامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ. - أَوْ قَالَ: قُضِيَ - أَنْ يَكُونَ لَكَانَ». فشاهد أنس ما لم يشاهده غيره.
روى عن رسول الله ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن رواحة، وعن فاطمة الزهراء، وعبد الرحمن بن عوف، وعن غيرهم من صحابة رسول الله ﷺ .
وروى عنه الحسن، وسليمان التيمي، وأبو قلابة، وأبو مجلز، وعبد العزيز بن صهيب، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبو بكر بن عبد الله المزني، وقتادة وثابت البناني، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وابن شهاب الزهري، وربيعة بن عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن جبير، وخلق كثير غيرهم.
стр. 474
كان كثير العبادة قليل الكلام، قال فيه أبو هريرة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهُ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ».
وقد بعثه أبو بكر للسعاية (١) على البحرين، ثم استقر بالبصرة بعد المدينة، وأصبح محط أنظار أهل العلم، فروي عنه [٢٢٨٦] حَدِيثًا وأخرج له الشيخان [٣١٨] حَدِيثًا واتفقا على [١٦٨] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٨٠] حَدِيثًا ومسلم بـ[٧٠] حَدِيثًا.
وتوفي أنس في البصرة (سَنَةَ ٩٣ هـ) وهو آخر من توفي بالبصرة من الصحابة.
عن قتادة قال: «لَمَّا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ مُوَرِّقٌ: " ذَهَبَ اليَوْمَ نِصْفُ العِلْمِ ". قِيلَ: " كَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا المُعتَمِرِ؟ " قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفَنَا فِي الحَدِيثِ، قُلْنَا: تَعَالَ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ "».
* * *
стр. 475
(٤) - عائشة أم المؤمنين (٩ ق هـ - ٥٨ ه ـ): (*)
هي عائشة بنت أبي بكر الصِدِّيقْ، إحدى أمهات المؤمنين، بنى بها رسول الله ﷺ في شوال بعد وقعة بدر، فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وكانت أحب نسائه إليه، وهي الطاهرة التي برأها القرآن الكريم مما رماها به أهل الإفك.
كانت ذكية فطنة طلابة للعلم، يسر لها زواجها من رسول الله ﷺ واختلاطها به معرفة كثير من أحكام الإسلام. ولها الفضل الكبير في نقل كثير مما يتعلق بأمور النساء، لذلك كانت أكثر نساء رسول الله ﷺ رواية عنه، وتعد من أفقه الصحابة، وقد شهد بعلمها وفقهها الصحابة والتابعون، كما كان لها علم بالطب، قال عروة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمُ بِالطِبِّ مِنْهَا»، وقال علي بن مسهر: أخبرنا هشام عن أبيه (عروة) أنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَعْلَمَ بِالقُرْآنِ وَلاَ بِفَرْضِهِ وَلاَ بِحَلاَلٍ وَحَرَامٍ وَلاَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِحَدِيثِ العَرَبِ وَالنَّسَبِ مِنْ عَائِشَةَ».
فلا غرابة أن نرى الصحابة والتابعين يلتفون حولها يتفقهون بها، ويرجعون إليها في أمورهم. وفي هذا يقول قبيصة بن ذؤيب: «كَانَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ يَسْأَلُهَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ»
стр. 476
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا».
وكانت كريمة وقورًا، يحترمها كل من يلقاها، وقد كرمها الصحابة والتابعون، روت عائشة ﵂ عن الرسول الكريم الكثير الطيب، وروت عن أبيها، وعن عُمَرَ، وفاطمة، وسعد بن أبي وقاص، وأُسَيْدٍ بن حضير، وجذامة بنت وهب، وحمزة بن عمرو.
وروى عنها من الصحابة عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن خالد، وابن عباس، وربيعة بن عمرو الجرشي،، والسائب بن يزيد، وغيرهم.
وروى عنها كبار التابعين: القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومواليها: أبو بكر، وذكوان وأبو يونس، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، ومسروق، وعبد الله بن حكيم، والأسود بن يزيد، وغير هؤلاء خلق كثير.
رُوِيَ لها [٢٢١٠] ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، لها في " الصحيحين " [٣١٦] حَدِيثًا، اتفق الشيخان على [١٩٤] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٥٤] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٦٨] حَدِيثًا، وأحاديثها في " الكتب الستة " وسائر كتب السنن.
توفيت سَنَةَ ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان عند أكثرهم، وقال بعضهم: سَنَةَ سبع وخمسين.
* * *
стр. 477
(٥) - عبد الله بن عباس (٣ ق هـ - ٦٨ ه ـ): (*)
هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ وابن أخت زوجه ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين. ولد بالشعب حين حصرت قريش بني هاشم، وكانت سِنُّهُ عند وفاة رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سَنَةً. وقد ضمه الرسول ﵊ إليه وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ».
كان طلابة للعلم، وكان لقرابته من رسول الله ﷺ واختلاطه به أثر بعيد في تحمله الكثير الطيب عن رسول الله ﷺ ، حتى أصبح ترجمان القرآن، وكان يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه. ولم يأل جُهْدًا - بعد وفاة الرسول ﷺ في طلب العلم، فكان يقصد الصحابة ويسألهم، حتى إنه لينتظر الصحابي في قيلولته، فيتوسد رداءه على بابه، والريح تسفي التراب على وجهه حتى يخرج إليه فيخبره بما أراد ويقول له الصحابي: «هَلاَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟»، فيقول: «لاَ، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ» (**). قال عمرو بن دينار: «مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا كَانَ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَالعَرَبِيَّةُ، وَالأَنْسَابُ، وَالشِّعْرُ» ( ... ).
وكان عمر ﵁ إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عباس، وقال له:
стр. 478
«أَنْتَ لَهَا وَلأَمْثَالِهَا» (*)، ويأخذ بقوله وكان قوي الذاكرة، سريع الحفظ.
روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وعن أخيه الفضل، وخالته ميمونة، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري، وأُبي بن كعب، وعن تميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعن كثير غير هؤلاء.
وروى عنه خلق كثير، من أشهرهم من الصحابة عبد الله بن عمرو بن ثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور بن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعكرمة، وعطاء، وطاووس، وكريب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
وقد قال فيه ابن عمر: «ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
وقد روى له [١٦٦٠] حَدِيثًا، أخرج له الشيخان منها [٢٣٤) حَدِيثًا، اتفقا على [٧٥] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[١١٠] حَدِيثًا ومسلم بـ[٤٩] حَدِيثًا، وأحاديثه في " الكتب الستة " وكتب السنن.
استعمله عَلِيٌّ ﵁ على البصرة أميرًا، ثم فارقها قبل استشهاد عَلِيٍّ ﵁ وعاد إلى مكة يعلم الناس، وَكُفَّ بصره في آخر أيامه، وتوفي بالطائف سَنَةَ (٦٨ هـ)، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: «اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ».
* * *
стр. 479
(٦) - جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ (١٦ ق هـ - ٨٧ ه ـ): (*)
هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الفقيه مفتي المدينة في زمانه، كان مع من شهد العقبة في السبعين من الأنصار، توفي والده في غزوة أحد، وترك عيالاً وَدَيْنًا، فسرى عنه الرسول ﷺ وشمله بعطفه وكرمه، ورعاه بعنايته حتى قضى دَيْنَهُ، وكان يحب رسول الله ﷺ وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوتي بدر وأُحُدْ فإن أباه خلفه على إخوته.
إن ضيق الحياة لم يمنع جابرًا عن طلب العلم بعد وفاته حيث سمع من كبار الصحابة، فروى عن الرسول الكريم، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وعن أبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أُنيس، وغيرهم.
وروى عنه أولاده: عبد الرحمن وعقيل ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن
стр. 480
عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وعامر الشعبي، وغيرهم. وكان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم.
روي له من الحديث [١٥٤٠] حَدِيثًا، وروى له الشيخان منها [٢١٢] حَدِيثًا، اتفقا على [٦٠] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٢٦] حَدِيثًا، ومسلم بـ[١٢٦] حَدِيثًا، وله " منسك " صغير في الحج أخرجه الإمام مسلم في " صحيحيه ".
عاش جابر [٩٤] سَنَةً وَكُفَّ بصره في أواخر حياته، وتوفي سَنَةَ (٧٨ هـ) على أرجح الأقوال ﵁ وَأَرْضَاهُ - وهو آخر من توفي من الصحابة.
* * *
стр. 481
(٧) -أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (١٢ ق هـ - ٧٤ ه ـ): (*)
هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الخُدري الأنصاري الخزرجي المدني، استشهد والده في غزوة أُحُدْ، فقاسى أبو سعيد شظف العيش، وَيُرْوَى أنه كان من أهل الصفة، استصغر يوم أحد، ثم شهد معظم الغزوات مع النبي ﷺ ، وشهد بيعة الرضوان، وكان يحضر حلقات الرسول ﷺ ، فتحمل عنه الكثير الطيب حتى عُدَّ في المكثرين عنه.
روى عن الرسول ﷺ وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن زيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من الصحابة ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر، ومحمود بن لبيد، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وطارق بن شهاب، وغيرهم، وممن بعدهم عطاء، وعياض بن أبي سرح، ومجاهد، وغيرهم.
روي له من الحديث [١١٧٠] حَدِيثًا، أخرج له منها الشيخان [١١١] حَدِيثًا، اتفقا على [٤٣] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[١٦] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٥٢] حَدِيثًا، أحاديثه في " الكتب الستة "، وروى عنه جميع أصحاب المسانيد والسنن.
عرف أبو سعيد باستقامته الشديدة، وحرصه على الحق، فكان يصدع به لا يخاف في الله لومة لائم، وتوفي ﵁ بالمدينة سَنَةَ (٧٤ هـ)، وَسِنُّهُ (٨٦) سَنَةً.
...
стр. 482
الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين:
من يعد تابعيًا، وأشهر التابعين:
١ - سعيد بن المسيب.
٢ - عروة بن الزبير.
٣ - ابن شهاب الزهري.
٤ - نافع مولى ابن عمر.
٥ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
٦ - سالم بن عبد الله بن عمر.
٧ - إبراهيم النخعي.
٨ - عامر الشعبي.
٩ - علقمة النخعي.
١٠ - محمد بن سيرين.
стр. 483
من يعد تابعيا ؟:
قال الخطيب البغدادي: «التَّابِعِيُّ مَنْ صَحِبَ صَحَابِيًّا» (١)، ولا يكفي مجرد الالتقاء، بخلاف الصحابي فقد اكتفى فيه بذلك، لشرف لقاء النبي ﷺ ، والاجتماع به، أو رؤيته، فإن لذلك أثرًا كبيرًا في إصلاح القلوب وتزكية النفوس، مما لا يتهيأ لمن يلقى الصحابي من غير متابعة له، وطول أخذ عنه.
وقال أكثر المحدثين: «إِنَّ التَّابِعِيَّ مَنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَكْثَرَ» وإن لم يصحبه، ولهذا ذكر مسلم وابن حبان - سليمان بن مهران الأعمش في طبقة التابعين، وقال ابن حبان: أخرجناه في هذه الطبقة لأن له لُقْيَا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإن لم يصح له سماع المسند عنه. كما عد الحافظ عبد الغني بن سعيد - يحيى بن أبي كثير من التابعين، لأنه لقي أنسًا، وَعَدَّ فيهم موسى بن أبي عائشة، لكونه لقي عمرو بن حريث، وَعَدَّ فيهم جرير بن أبي حازم لكونه رأى أنسًا، وهذا إقرار منهم بأن التابعين من رأى الصحابي.
واشترط ابن حبان أن يكون من رآه في سن من يحفظ عنه، أي أن يكون مميزًا، فإن كان صغيرًا لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة، فإنه عَدَّهُ من أتباع التابعين وإن كان رأى عمرو بن حريث، لكونه كان صغيرًا لا يميز.
قَالَ العِرَاقِيُّ: «وَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حِبَّانَ لَهُ وَجْهٌ، كَمَا اشْتَرَطَ فِي الصَّحَابِيِّ
стр. 484
رُؤْيَتَهُ وَهُوَ مُمَيَّزٌ». قَالَ: وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ بِقَوْلِهِ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي» الحَدِيثَ، فَاكْتَفَى فِيهِمَا بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ (١).
وعدد التابعين يفوق الحصر، لأن كل من رأى صحابيًا كان من التابعين، وقد توفي رسول الله ﷺ عن نيف ومائة ألف من الصحابة، رحلوا إلى مختلف البلدان، وانتشروا في جميع الآفاق، ورآهم ألوف الأتباع.
ولرجال الحديث اهتمام كبير بمعرفة الصحابة والتابعين لأن بهما يعرف المرسل والمتصل من الأخبار.
ثم إن التابعين طبقات جعلها الحاكم خمس عشرة طبقة، آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، ومن لقي عبد الله بن الحارث بن جزء من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهلي من أهل الشام (٢). وذكر الحاكم غير هؤلاء في بعض البلدان الأخرى (٣).
وللعلماء كلام طويل في أفضل التابعين (٤).
وسنذكر فيما يلي بعض أعلام الرواة من التابعين.
стр. 485
(١) - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ ه ـ): (*)
هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب القرشي المخزومي المدني، أحد أعلام الدنيا، وسيد التابعين. ولد سعيد سَنَة (١٥ هـ) لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وَعَلِيٍّ، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وجل روايته عن أبي هريرة، فقد كان سعيد تزوج ابنته.
كان غزير العلم، قال فيه ابن عمر: «لَوْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا لَسَرَّهُ»، وقال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم: «مَا رَأَيْنَا أَعْلَمَ مِنْ ابْنِ المُسَيَّبِ». وقال ابن المديني: «لاَ أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ، وَهُوَ عِنْدِي أَجَلُّ التَّابِعِينَ».
وكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره. وكان عمر بن عبد العزيز يُجِلُّهُ ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه، وعرف بجرأته في الحق، وأبى أن يبايع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك، وبقي صامدًا ثابت العزيمة (١).
стр. 486
أشهر من روى عنه:
--------------------
روى عن سعيد بن المسيب جماعات من كبار التابعين، من أشهرهم محمد بن مسلم الزهري، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد الباقر، وقتادة بن دعامة السدوسي، وبكير بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاي، وغيرهم.
أجمع العلماء على إمامته وعلو مكانته، فقد كان رأس المدينة في الفقه والفتوى حتى كانوا يسمونه " فقيه الفقهاء ".
أجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السُنَّةِ، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة. وقد ترفع عن قبول أموال المسلمين، فكان لا يأخذ العطاء، له أربعمائة دينار يَتَّجِرُ بها في الزيت، ويتعيش مما تغله له. توفي سَنَةَ (٩٢ هـ)، وقيل (٩٤ هـ) ﵁ وَأَرْضَاهُ -.
* * *
стр. 487
(٢) - عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (٢٢ - ٩٤ ه ـ): (*)
هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني التابعي الجليل، الفقيه الحافظ، ولد في آخر خلافة عمر سَنَةَ (٢٢ أو ٢٣ هـ) وقيل في خلافة عثمان بن عفان سَنَةَ (٢٩ هـ) (١).
حفظ عن والده وأمه وخالته عائشة. وروى عن علي ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة وعن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن الأرقم، وأبي أيوب، والنعمان بن بشير، ومعاوية، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة، وزينب بنت أبي سلمة، وبشير بن أبي مسعود الأنصاري.
وكان عروة طلابة للعلم، كثير التردد على خالته عائشة أم المؤمنين، دقيقًا في تحمله، ضابطًا ثقة، وقد شهد له بذلك أعلام عصره، حتى أصبح أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وكان ممن اختارهم عمر بن عبد العزيز - أمير المدينة آنذاك - في مجلس شورى المدينة.
وفيه قال الإمام الزهري: «رَأَيْتُهُ بَحْرًا لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ». وقال ابن عيينة: «[أَعْلَمَ] (**) النَّاسِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ثَلاَثَةٌ: القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ،، وَعُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ».
стр. 488
وَقَالَ ابْنُهُ هِشَامٌ: «وَاللَّهِ مَا تَعَلَّمْنَا مِنْهُ جُزْءًا مِنْ أَلْفَيْ جُزْءٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ».
وقال محمد بن سعد: «كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الحَدِيثِ، فَقِيهًا مَأْمُونًا عَالِمًا ثَبْتًا».
وإلى جانب حفظه للحديث الشريف كان عالمًا بالسيرة، حافظًا للقرآن، عابدًا يصوم الدهر، وتوفي وهو صائم.
وعرف بحبه لنشر العلم، فكان يتألف الناس على حديثه، ويذاكر أبناءه الحديث.
وأشهر من روى عنه أولاده: عثمان وعبد الله وهشام ويحيى ومحمد، وحفيده عمر بن عبد الله، والزهري، وسليمان بن يسار، وأبو الزناد، وابن أبي مُليكة، وابن المُنكدر، وغيرهم كثير.
جمع عروة العلم والسيادة والعبادة، وتوفي عن نيف وستين سَنَةَ، سَنَةَ (٩٤ هـ) على أحد الأقوال.
* * *
стр. 489
(٣) - مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: (٥٠ - ١٢٤ هـ) (*)
[١]- التَّعْرِيفُ بِهِ - وِلاَدَتُهُ - نَشْأَتُهُ:
-----------------------------------
هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني.
ولد الزهري سَنَةَ (٥٠ هـ) على الأرجح، في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ويروى أنه وفد على مروان بن الحكم في خلافته، سَنَةَ (٦٤ هـ) وهو غلام محتلم، وكان أبوه على قيد الحياة، لأنه كان إلى جانب عبد الله بن الزبير في ثورته على عبد الملك بن مروان، ثم وفد على عبد الملك بعد وفاة والده، وكان ذلك سَنَةَ (٨٢ هـ) على أرجح الروايات.
[٢]- طَلَبُهُ العِلْمَ:
-----------------
حفظ القرآن في ثمانين يومًا، وطلب الحديث في أواخر عصر الصحابة، وله نيف وعشرون سَنَةً، وسمع من بعضهم، وروى عنهم، ومنهم أنس بن مالك،
стр. 490
وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، والمسور بن مخرمة، وغيرهم.
وروى عن كبار التابعين، ومنهم: أبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن وعبد الله ابنا محمد بن الحنفية، وحرملة مولى أسامة بن زيد، وعبد الله وعبيد الله وسالم بنو ابن عمر، وعبد العزيز بن مروان، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والأعرج [- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ -]، وعطاء بن أبي رباح، والقاسم بن محمد بن أبي بكر والمحرر بن أبي هريرة، ومحمد ونافع ابنا جُبير بن مطعم، وعمرة بنت عبد الرحمن، وروى عن غيرهم.
وقد سمع الزهري كثيرًا من إمام التابعين سعيد بن المسيب، وفي هذا يقول: «مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَةَ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ ثَمَانِي سِنِينَ» وقال: «تَبِعْتُ سَعِيدَ بْنِ المُسَيِّبِ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ»، وَلَزِمَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ وَخَدَمَهُ، وَكَانَ يَسْتَقِي لَهُ المَاءَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ، وَكَانَ لاَ يُفَارِقُهُ - قَالَ الزُّهْرِيُّ -: حَتَّى إِنَّ خَادِمَهُ لَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: «مَنْ بِالبَابِ؟» فَتَقُولُ الجَارِيَةُ: «غُلاَمَكَ الأُعَيْمِشُ» - فَتَظُنُّ أَنِّي غُلاَمُهُ - وَإِنْ كُنْتُ لأَخْدِمَهُ حَتَّى لأَسْتَقِي لَهُ وُضُوءَهُ».
وكما لزم ابن المسيب وعبيد الله لزم عروة بن الزبير، وفيه يقول: «عُرْوَةُ بَحْرٌ لاَ يَنْزِفُ»، و «أَمَّا عُرْوَةُ فَبَحْرٌ لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ».
وكان جريئًا في طلب العلم، يسأل عما يريد. وكان عبد الملك بن مروان قد أمره بطلب العلم - عندما وفد عليه أول مرة - فقال له: «فَاطْلُبِ
стр. 491
العِلْمَ، وَلاَ تَشَاغَلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ عَيْنًا حَافِظَةً، وَقَلْبًا ذَكِيًّا، وَآتِ الأَنْصَارَ فِي مَنَازِلِهِمْ».
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ،: «اجْتَمَعَتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، وَنَحْنُ، نَطْلُبُ العِلْمَ فَقُلْنَا نَكْتُبُ السُّنَنَ , فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ: " نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ " , فَقُلْتُ أَنَا: " لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلاَ نَكْتُبُهُ " , قَالَ: " فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ "».
ويروى عن الزهري أنه كان يكتب الحديث، ويتذكره، فإذا حفظه محاه. وكان من أنشط طلاب العلم في طلب الحديث يتردد كثيرًا على حلقات العلماء ولا يترك أحدًا يعرف عنده شيئًا من العلم إلا قصده، وفي هذا قال إِبْرَاهِيمُ بْنِ سَعْدٍ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي: " بِمَ [فَاقَكُمُ] الزُّهْرِيُّ؟ " قَالَ: " كَانَ يَأْتِي المَجَالِسَ مِنْ صُدُورِهَا، وَلاَ يَلْقَى فِي المَجْلِسِ كَهْلاً إِلاَّ سَاءَلَهُ وَلاَ شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي الدَّارَ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ، فَلاَ يَلْقَى فِيهَا شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، وَلاَ كَهْلاً وَلاَ عَجُوزًا وَلاَ كَهَلَةً إِلاَّ سَاءَلَهُ حَتَّى يُحَاوِلُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ "» (١).
قال أبو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ [ابْنُ شِهَابٍ] يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» (٢).
[٣]- حِفْظُهُ:
-------------
اشتهر الزهري بذاكرته القوية، وسرعة حفظه، وكان يقول: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبَي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ»، وقال: «مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا إِلاَّ مَرَّةً، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي، فَإِذَا هُوَ كَمَا حَفِظْتُ».
وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: «هَلْ تَأْتُونَ ابْنَ شِهَابٍ؟» قَالُوا: إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَأْتُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَم بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ»، قَالَ الرَّاوِي [مَعْمَرُ]: «وَإِنَّ الحَسَنَ وَضُرَبَاءَهُ لأَحْيَاءٌ يَوْمَئِذٍ».
وقال مكحول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ!!».
وَقَالَ عَمْرُو بْنِ دِينَارٍ: «جَالَسْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَنْسَقَ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ وَأَبْصَرَ بِالحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ».
وقال أيوب السختياني: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ».
وكان بارعًا في مختلف علوم الإسلام، وفي هذا يحدثنا اللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ فَيَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ فَتَقُولُ لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، ... وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ العَرَبِ وَالأَنْسَابِ قُلْتَ: لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ نَوْعًا جَامِعًا».
وإلى جانب علمه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعلوم الإسلام كان أحد الأعلام بالشعر والأنساب والسيرة، وقيل إنه أول من ألف في السِّيَرِ، وقال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري (١).
ولسمو مكانته وَلاَّهُ يزيد بن عبد الملك القضاء، ثم اختاره الخليفة هشام بن عبد الملك مُؤَدِّبًا لأولاده، يُفَقِّهُهُمْ ويعلمهم ويحج معهم فلم يفارقهم حتى مات، ولذلك ذكره ابن حبيب مع أشراف المعلمين وفقهائهم (٢).
стр. 494
وكان متمسكًا بِالسُنَّةِ (١)، روى عنه الإمام الأوزاعي قوله: «مِنَ اللَّهِ القَوْلُ، وَعَلَى الرَّسُولِ البَلاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، أَمِرُّوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا جَاءَ بِلا كَيْفٍ» (٢).
وَمِنْ آثَارِهِ فِي السُنَّةِ:
---------------------
١ - كان الزهري أول من استجاب لطلب الخليفة عمر بن عبد العزيز، فَدَوَّنَ لَهُ السُّنَنَ فِي دَفَاتِرَ، ثم وزع الخليفة على كل أرض له عليها سلطان دفترًا، وأجمع العلماء على أنه كان أول من دَوَّنَ السُنَّةَ، وقد بينت أنه أول من دونها رسميًا بأمر الخليفة. وفصلت القول في ذلك، في (خِدْمَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْسُنَّةِ).
٢ - تفرد ابن شهاب بسنن لولاه لضاعت، قال الليث بن سعد: قال لي سعيد بن عبد الرحمن: «يَا أَبَا الحَارِثِ، لَوْلاَ ابْنَ شِهَابٍ لَضَاعَتْ أَشْيَاءٌ مِنَ السُّنَنِ»، وقال الإمام مسلم: «وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ» (٣)، وقال الحافظ الذهبي: «وَقَدِ انْفَرَدَ [الزُّهْرِيُّ] بِسُنَنٍ كَثِيرَةٍ وَبِرِجَالٍ عِدَّةٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُهُ سَمَّاهُمْ مُسْلِمٌ، وَعِدَّتُهُمْ بِضْعٌ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا» (٤).
٣ - كان ممن يحرص على ذكر الإسناد، ويحث العلماء وطلاب العلم على
стр. 495
التزامه، سَمِعَ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بِالمَدِينَةِ يُحَدِّثُ فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: «مَالَكَ قَاتَلَكَ اللهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ، مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللهِ،!!؟ أَسْنِدْ حَدِيثَكَ، تُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطَمٌ وَلاَ أَزِمَّةٌ» (١)، وَقَالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: «خَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنَ الخَضْرَاءِ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَلَسَ عِنْدَ ذَاكَ العَمُودِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا قَدْ مَنَعْنَاكُمْ شَيْئًا قَدْ بَذَلْنَاهُ لِهَؤُلاءِ فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ "، قَالَ: " وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "، فَقَالَ: " يَا أَهْلَ الشَّامِ مَالِي أَرَى أَحَادِيثُكُمْ لَيْسَ لَهَا أَزِمَّةٌ وَلا خَطْمٌ "، قَالَ الوَلِيدُ: "فَتَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا بِالأَسَانِيدِ مِنْ يَوْمَئِذٍ "» (٢).
وقال الإمام مالك: «أَوَّلُ مَنْ أَسْنَدَ الحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ» (٣). فيحمل قوله على أنه من أوائل من التزموا الإسناد. وقد بينت هذا عندما تكلمت عن جهود الصحابة والتابعين لمقاومة الوضع.
٤ - كان الزهري يشجع طلاب العلم على دراسة الحديث، وينفق على بعضهم، قال له أحدهم: لا مال عندي حتى أطلب العلم، فقال له: «اتْبَعْنِي وَأَكْفِيكَ نَفَقَتَكَ».
وكان يكرم أصحاب الحديث ويطعمهم الثريد ويسقيهم العسل، وكان إذا أبى أحد من أصحاب الحديث أن يأكل طعامه حلف عليه أن لا يحدثه عشرة أيام.
قال مالك بن أنس: «كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَجْمَعُ الأَعْرَابَ فَيُذَاكِرَهُمْ حَدِيثَهُ، فَإِذَا