← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96178

السنة قبل التدوين

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (559 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

العِلْمَ، وَلاَ تَشَاغَلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ عَيْنًا حَافِظَةً، وَقَلْبًا ذَكِيًّا، وَآتِ الأَنْصَارَ فِي مَنَازِلِهِمْ». وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ،: «اجْتَمَعَتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، وَنَحْنُ، نَطْلُبُ العِلْمَ فَقُلْنَا نَكْتُبُ السُّنَنَ , فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ: " نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ " , فَقُلْتُ أَنَا: " لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلاَ نَكْتُبُهُ " , قَالَ: " فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ "». ويروى عن الزهري أنه كان يكتب الحديث، ويتذكره، فإذا حفظه محاه. وكان من أنشط طلاب العلم في طلب الحديث يتردد كثيرًا على حلقات العلماء ولا يترك أحدًا يعرف عنده شيئًا من العلم إلا قصده، وفي هذا قال إِبْرَاهِيمُ بْنِ سَعْدٍ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي: " بِمَ [فَاقَكُمُ] الزُّهْرِيُّ؟ " قَالَ: " كَانَ يَأْتِي المَجَالِسَ مِنْ صُدُورِهَا، وَلاَ يَلْقَى فِي المَجْلِسِ كَهْلاً إِلاَّ سَاءَلَهُ وَلاَ شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي الدَّارَ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ، فَلاَ يَلْقَى فِيهَا شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، وَلاَ كَهْلاً وَلاَ عَجُوزًا وَلاَ كَهَلَةً إِلاَّ سَاءَلَهُ حَتَّى يُحَاوِلُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ "» (١). قال أبو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ [ابْنُ شِهَابٍ] يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» (٢). [٣]- حِفْظُهُ: ------------- اشتهر الزهري بذاكرته القوية، وسرعة حفظه، وكان يقول: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبَي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ»، وقال: «مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا إِلاَّ مَرَّةً، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي، فَإِذَا هُوَ كَمَا حَفِظْتُ».

стр. 492

وَقَدْ سَأَلَهُ هِشَامُ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُمْلِيَ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنَ الحَدِيثِ، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، وَأَمْلَى عَلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةَ حَدِيثٍ، فَخَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنْ عِنْدِ هِشَامٍ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ الحَدِيثِ»، فَحَدَّثَهُمْ بِتِلْكَ الأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَقَالَ الزُّهْرِيِّ إِنَّ ذَلِكَ الكِتَابَ قَدْ ضَاعَ قَالَ: «لاَ عَلَيْكَ»، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، فَأَمْلاَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَابَلَ هِشَامٌ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ، فَمَا غَادَرَ حَرْفًا وَاحِدًا (١). قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ: «حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ بِمِائَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ [إِلَيَّ] فَقَالَ: " كَمْ حَفِظتَ يَا مَالِكُ؟ " قُلْتُ: " أَرْبَعِيْنَ حَدِيثًا "، قال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِه، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّا للهِ كَيْفَ نَقصَ الحِفْظُ "!!». وكان كثيرًا ما يذاكر نفسه الحديث، قال الليث بن سعد: «جَلَسَ الزُّهْرِيُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُذَاكِرُ نَفْسَهُ الحَدِيثَ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ مَجْلِسُهُ حَتَّى أَصْبَحَ». وَكَانَ أَحْيَانًا يَبْتَغِي العِلْمَ مِنْ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي جَارِيَةً لَهُ نَائِمَةً فَيُوقِظُهَا فَيَقُولُ لَهَا «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَفُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا؟» فَيَقُولُ: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ» (*). [٤]- عِلْمُهُ وَآثَارُهُ: ------------------- اشتهر الزهري بغزارة علمه، وطار صيته في الآفاق، وأصبح محط أنظار أهل الشام والحجاز، قال الإمام مالك: «كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَأَدْرَكْتُ مَشَايِخَ أَبْنَاءَ سَبْعِينَ وَثَمَانِينَ لاَ يُؤَخَذُ عَنْهُمْ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ دُونَهُمْ فِي السِنِّ فَيُزْدَحَمُ عَلَيْهِ». وكان يقول: «بَقِيَ ابْنُ شِهَابٍ، وَمَا لَهُ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ» (٢).

стр. 493

وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: «هَلْ تَأْتُونَ ابْنَ شِهَابٍ؟» قَالُوا: إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَأْتُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَم بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ»، قَالَ الرَّاوِي [مَعْمَرُ]: «وَإِنَّ الحَسَنَ وَضُرَبَاءَهُ لأَحْيَاءٌ يَوْمَئِذٍ». وقال مكحول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ!!». وَقَالَ عَمْرُو بْنِ دِينَارٍ: «جَالَسْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَنْسَقَ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ وَأَبْصَرَ بِالحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ». وقال أيوب السختياني: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ». وكان بارعًا في مختلف علوم الإسلام، وفي هذا يحدثنا اللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ فَيَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ فَتَقُولُ لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، ... وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ العَرَبِ وَالأَنْسَابِ قُلْتَ: لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ نَوْعًا جَامِعًا». وإلى جانب علمه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعلوم الإسلام كان أحد الأعلام بالشعر والأنساب والسيرة، وقيل إنه أول من ألف في السِّيَرِ، وقال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري (١). ولسمو مكانته وَلاَّهُ يزيد بن عبد الملك القضاء، ثم اختاره الخليفة هشام بن عبد الملك مُؤَدِّبًا لأولاده، يُفَقِّهُهُمْ ويعلمهم ويحج معهم فلم يفارقهم حتى مات، ولذلك ذكره ابن حبيب مع أشراف المعلمين وفقهائهم (٢).

стр. 494

وكان متمسكًا بِالسُنَّةِ (١)، روى عنه الإمام الأوزاعي قوله: «مِنَ اللَّهِ القَوْلُ، وَعَلَى الرَّسُولِ البَلاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، أَمِرُّوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا جَاءَ بِلا كَيْفٍ» (٢). وَمِنْ آثَارِهِ فِي السُنَّةِ: --------------------- ١ - كان الزهري أول من استجاب لطلب الخليفة عمر بن عبد العزيز، فَدَوَّنَ لَهُ السُّنَنَ فِي دَفَاتِرَ، ثم وزع الخليفة على كل أرض له عليها سلطان دفترًا، وأجمع العلماء على أنه كان أول من دَوَّنَ السُنَّةَ، وقد بينت أنه أول من دونها رسميًا بأمر الخليفة. وفصلت القول في ذلك، في (خِدْمَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْسُنَّةِ). ٢ - تفرد ابن شهاب بسنن لولاه لضاعت، قال الليث بن سعد: قال لي سعيد بن عبد الرحمن: «يَا أَبَا الحَارِثِ، لَوْلاَ ابْنَ شِهَابٍ لَضَاعَتْ أَشْيَاءٌ مِنَ السُّنَنِ»، وقال الإمام مسلم: «وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ» (٣)، وقال الحافظ الذهبي: «وَقَدِ انْفَرَدَ [الزُّهْرِيُّ] بِسُنَنٍ كَثِيرَةٍ وَبِرِجَالٍ عِدَّةٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُهُ سَمَّاهُمْ مُسْلِمٌ، وَعِدَّتُهُمْ بِضْعٌ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا» (٤). ٣ - كان ممن يحرص على ذكر الإسناد، ويحث العلماء وطلاب العلم على

стр. 495

التزامه، سَمِعَ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بِالمَدِينَةِ يُحَدِّثُ فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: «مَالَكَ قَاتَلَكَ اللهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ، مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللهِ،!!؟ أَسْنِدْ حَدِيثَكَ، تُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطَمٌ وَلاَ أَزِمَّةٌ» (١)، وَقَالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: «خَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنَ الخَضْرَاءِ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَلَسَ عِنْدَ ذَاكَ العَمُودِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا قَدْ مَنَعْنَاكُمْ شَيْئًا قَدْ بَذَلْنَاهُ لِهَؤُلاءِ فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ "، قَالَ: " وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "، فَقَالَ: " يَا أَهْلَ الشَّامِ مَالِي أَرَى أَحَادِيثُكُمْ لَيْسَ لَهَا أَزِمَّةٌ وَلا خَطْمٌ "، قَالَ الوَلِيدُ: "فَتَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا بِالأَسَانِيدِ مِنْ يَوْمَئِذٍ "» (٢). وقال الإمام مالك: «أَوَّلُ مَنْ أَسْنَدَ الحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ» (٣). فيحمل قوله على أنه من أوائل من التزموا الإسناد. وقد بينت هذا عندما تكلمت عن جهود الصحابة والتابعين لمقاومة الوضع. ٤ - كان الزهري يشجع طلاب العلم على دراسة الحديث، وينفق على بعضهم، قال له أحدهم: لا مال عندي حتى أطلب العلم، فقال له: «اتْبَعْنِي وَأَكْفِيكَ نَفَقَتَكَ». وكان يكرم أصحاب الحديث ويطعمهم الثريد ويسقيهم العسل، وكان إذا أبى أحد من أصحاب الحديث أن يأكل طعامه حلف عليه أن لا يحدثه عشرة أيام. قال مالك بن أنس: «كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَجْمَعُ الأَعْرَابَ فَيُذَاكِرَهُمْ حَدِيثَهُ، فَإِذَا

стр. 496

كَانَ الشِّتَاءُ شَقَّ لَهُمْ المَكْتَلَ (١) وَجَاءَهُمْ بِالزَّبَدِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ شَقَّ لَهُمْ (٢) وَجَاءَهُمْ بِالسَّمْنِ (٣)». وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا، سَمْحَ النفس، وأخبار سخائه كثيرة، ونادر مثلها، حتى كان يجود بما عنده، قال الليث بن سعد: «وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ أَسْخَى مَنْ رَأَيْتُ، كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ اقْتَرَضَ»، فكان لا يخشى الفقر، ولا يضمن بالقليل، ويأتيه السائل - وقد نفد ما عنده - فيقول له: «أَبْشِرْ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِالخَيْرِ». [٥]- عِدَّةُ أَحَادِيثِهِ وَمَنْزِلَةُ رِوَايَتِهِ: --------------------------------- قَالَ عَلِيُّ بْن المَدِينِي: «لَهُ نَحْوُ أَلْفَيْ حَدِيثٍ»، وقَالَ أَبُو دَاوُدُ: «حَدِيثُهُ أَلفَانِ وَمِائَتَا حَدِيثٍ النِّصْفُ مِنْهَا مُسْنَدٌ»، وتعتبر أسانيد الزهري من أحسن الأسانيد. قال الإمام أحمد: «أَحْسَنُ الأَسَانِيدِ تُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أربعة: الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ومَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،

стр. 497

عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ» (١). قال أبو حاتم الرازي: «أَثْبَتُ أَصْحَابِ أَنَسَ الزُّهْرِيُّ». قال الحاكم: «وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، لأَبِي هُرَيْرَةَ - الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... وَمِنْ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ زُهْرَةَ القُرَشِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ القُرَشِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ... وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ أَنَسٍ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ» (٢). وقال الحاكم: «وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ» (٣). وقال السيوطي: «وَقِيلَ: أَصَحُّهَا - أَيْ الأَسَانِيدُ - مُطْلَقًا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلاَّحِ» (٤). وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «أَصَحُّ طَرِيقٍ يُرْوَى فِي الدُّنْيَا عَنْ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ» (٥). [٦]- أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ: -------------------------- روى عن الزهري خلق كثير من مختلف الأقاليم الإسلامية، وأكثر عنه

стр. 498

الحجازيون والشاميون، ومن أشهر من روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وصالح بن كيسان، وأبان بن صالح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي حبيب، وأيوب السختياني، ومعمر بن راشد، وأبو عمرو الأوزاعي، وعبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن مسلم الزهري أخوه، وغيرهم. [٧]- أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ: ----------------------------------------- إلى جانب ما سقناه عن منزلة الزهري وعلمه نذكر آراء مشهوري العلماء والنقاد فيه. قال أيوب السختياني: «" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ "، فَقَالَ لَهُ صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ: " وَلاَ الحَسَنَ؟ " قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ "» (١). وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: «قَالُوا (٢): وَكَانَ الزُّهْرِيُّ ثِقَةً كَثِيرَ الحَدِيثِ وَالعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ فَقِيهًا جَامِعًا» (٣). وقال الإمام الأوزاعي: «وَلاَ أَدْرَكَتْ خِلاَفَةُ هِشَامٍ - (ابْنَ عَبْدَ المَلِكِ) - أَحَدًا مِنَ التَّابِعِينَ أَفْقَهَ مِنْهُ» (٤).

стр. 499

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَحْسَنَهُمْ سِيَاقًا لِمُتُونِ الأَخْبَارِ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلاً» (١). قال الإمام ابن تيمية: «حَفِظَ الزُّهْرِيُّ الإِسْلاَمَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً» (٢) وقال الحافظ الذهبي: «الزُّهْرِيُّ عَلَمُ الحُفَّاظِ»، وقال: «الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ [المَدَنِيُّ] أَحَدُ الأَعْلامِ وَحَافِظُ زَمَانَهُ» (٣). وقال ابن حجر: «مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ... القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الحَافِظُ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ وَالأَعْلاَمِ، وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالشَّامِ» (٤). وقال ابن الجزري: «أَبُو بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالأَمْصَارِ تَابِعِيٌّ» (٥). وقال ابن العماد: «الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَحَدُ الأَعْلاَمِ المَشْهُورِينَ» (٦). وأحاديثه في " الكتب الستة "، وفي " سنن البيهقي "، و" موطأ الإمام مالك، و" مسند الإمام أحمد "، وفي سائر كتب السنن والمسانيد. وقد جمع أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذُّهَلِيِّ النيسابوري أحد الأعلام الحفاظ (- ٢٥٢ هـ) أحاديث

стр. 500

الزهري في مجلدين سميت (الزهريات)، وكان قد اعتنى به، وهو أعلم الناس بحديثه (١). كما جمع الإمام أبو علي الحسن بن محمد الماسرجسي أحاديث الزهري وزاد على الذهلي، وكان جمعه فريدًا لم يسبق إليه أحد. وجمع حديث الزهري أَيْضًا أبو بكر بن مهران النيسابوري (٢). [٨]- وَفَاتُهُ: ------------ توفي الإمام الزهري بعد حياة علمية رفيعة، عن نيف وسبعين سَنَةً، ليلة الثلاثاء، لتسع عشرة (أو لسبع عشرة) ليلة خلت من شهر رمضان، سَنَةَ أربع وعشرين ومائة على أرجح الأقوال في قرية (أدامي) (٣) وهي خلف (شَغْبٍ) و (بَدَا) (٤) أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة الزهري، وقد أوصى أن يدفن على قارعة الطريق، ليمر مار فيدعو له. * * *

стр. 501

رَدُّ الشُّبُهَاتِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الزُّهْرِيِّ: لقد عرفنا الزهري ونشأته، وعرفناه في طلبه العلم، واطلعنا على كثير من أخلاقه ومزاياه، وأدركنا منزلته العلمية، وقيمته بين علماء التابعين، ومكانته بين أعلام رواة الحديث الشريف، وخدماته الجليلة للسنة النبوية ولطلاب العلم، فكان بحق أحد أعلام الحفاظ الذين لمع اسمهم في صحفات التاريخ، ورفعتهم شهرتهم العظيمة إلى مرتبة الإمامة، فكان بحق حافظ زمانه، وإمام عصره. إلا أنه لم يسلم من اتهامات وجهها إليه بعض أتباع الفرق، وأعداء الإسلام، فاتهمه بعض الشيعة بالسير في ركاب الأمويين وإرضائهم بوضع ما يروق لهم من الأحاديث التي تثبت دعائم ملكهم، وترد على خصومهم، ويرى هؤلاء في ادعائهم هذا أن الأمويين استعانوا ببعض العلماء من الصحابة والتابعين لإلباس حكمهم ثوب المشروعية الدينية، وساعدوهم في نشر سلطانهم، وتلقف بعض المستشرقين هذه الأفكار، وبنوا عليها عليها أبحاثهم التي انتهت بنتائج تخالف النتائج التي وصل إليها العلماء المسلمون، فشكوا في كثير من الأخبار، وادعوا وضع كثير من أحاديث الصحاح (١)، واتهموا بعض الرواة بما لا يتفق مع الواقع التاريخي، وقد تولى كِبْرَ ذلك المستشرق (جولدتسيهر)، ولم يكن بحثه إلا حلقة في سلسلة الأبحاث التي ترمي إلى هدم الجانب التشريعي من الإسلام، فكما افترى أعداء الإسلام على الصحابي أبي هريرة، افتروا على التابعي

стр. 502

المشهور الإمام الزهري، قاصدين من وراء ذلك تشكيك المسلمين في مروياتهم وهما اللذان رَوَيَا كَثِيرًا مِنَ الحَدِيثِ النَّبَوِيَّ، وَنَقَلاَ إلى التابعين وأتباعهم جانبًا عظيمًا من السُنَّةِ، فإذا ما شك المسلمون في أوثق الرواة وأحفظهم شَكُّوا في جميعهم واستهانوا بمروياتهم. وحينئذٍ يتحقق لأعداء الإسلام بعض هدفهم، وهو تخلي المسلمين وإعراضهم عن الحديث الشريف، الذي كَانَ تَطْبِيقًا عَمَلِيًّا للشريعة الإسلامية، وشرحًا وافيًا وبيانًا واضحًا للقرآن الكريم، فإذا أعرض المسلمون - لا سمح الله - عن السُنَّةِ اتسعت الهوة بينهم وبين الكتاب الكريم، وسهل على المبشرين زعزعة العقيدة في نفوس الناشئة، وبث الإلحاد الذي يجر وراءه العقائد الدخيلة، والنظريات التي تخدم أعداءنا، وفي هذا الطامة الكبرى والخسارة العظمى للمسلمين في دينهم ودنياه، ولولا خطورة هذه الشبهات وبعدها عن الحق ما تعرضنا لها، فكما رددنا ما أثير حول أبي هريرة من شبهات مصطنعة، وعرفنا وجه الصواب، نَرُدُّ ما أثير حول الزهري من شبهات أَيْضًا، ونحن في هذا لا نتعصب لأحد، وإنما نتوخى الحق وسواء السبيل، خدمة للسنة المطهرة. [رَأْيُ اليَعْقُوبِي وَجُولْدتْسِيهِرْ فِي ابْنِ شِهَابٍ]: (*) ---------------------------------------------- قال اليعقوبي (- ٢٩٢ هـ) المؤرخ الشيعي: «ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا، فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ» وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله ﷺ وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم

стр. 503

لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية» (١). وتبنى هذا الرأي (جولدتسيهر) وقد نقله أستاذنا الدكتور مصطفى السباعي في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " عن مسودة لأستاذه الدكتور (علي حسن عبد القادر) كما ألقاه على طلابه في الدرس، ولا تزال المسودة بخط الدكتور (عبد القادر) محفوظة عند أستاذنا الدكتور السباعي. وقد رد عليه الدكتور السباعي رَدًّا عِلْمِيًّا، وَفَنَّدَ افتراءاته الكثيرة ودحضها بِحُجَجٍ علمية قوية، وأذكر هنا بعض ما جاء في مسودة الدكتور (عبد القادر) من رأي جولدتسيهر قال: (إن عبد الملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير. وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلاً من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزُّهْرِيَّ وهو ذائع الصيت في الأُمَّة الاسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى». ومنها حديث: «الصَلاَةُ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وأمثال هذين الحديثين. والدليل على أن الزُّهْرِي هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبد الملك وكان يتردد عليه، وأنَّ الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزُّهْرِي فقط ... ) (٢). لم أعثر على ما ذهب إليه اليعقوبي في " تاريخه " في أي مصدر إسلامي موثوق

стр. 504

به، فلم ينص الطبري، ولا ابن سعد، ولا ابن الأثير، ولا ابن كثير، ولا الذهبي - على شيء صريح مما ادَّعَاهُ اليعقوبي كما أنه لَمْ يَعْزُ لنا هذا الخبر إلى مصدره، وَيُرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّ (جولدتسيهر) اطلع على رأي اليعقوبي، فرأى فيه ما يؤيد نظريته في وضع الحديث، تلك النظرية التي تَعَرَّضْتُ لها في بحث (الوضع في الحديث) وبينت بطلانها، فتعلق به، وسنعرض هذا الخبر على الحقائق التاريخية ونناقشه، ليظهر لنا وجه الحق فيه، وتتجلى لنا من هذا الخبر النقاط الآتية: ١ - منع عبد الملك أهل الشام من الحج. ٢ - بنى عبد الملك قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها بدلاً من الكعبة. ٣ - حاول حمل الناس على ذلك، بوضع أحاديث مِنْ قِبَلِ الزُّهْرِيِّ المُحَدِّثِ المعروف في الأوساط الإسلامية. ٤ - الدليل على أن الزهري هو واضع هذه الأحاديث أنه كان صديقًا لعبد الملك، وأنه كان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط. [١]- لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ يَمْنَعَ عَبْدُ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَهْلَ الشَّامِ مِنَ الحَجِّ: (*) ١ - أما أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج فغير معقول، لأن الحج فريضة على كل مسلم قادر، فكيف يعطل عبد الملك شعائر الله، ويمنع إقامتها، وقد عرف بالعبادة والصلاح، حتى عُدَّ من فقهاء المدينة، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: «كَانَ فُقَهَاءُ المَدِينَةِ أَرْبَعَةً: سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَقُبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ» (١). وَقَالَ نَافِعٌ: «لَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ المَلِكِ

стр. 505

ابْنَ مَرْوَانَ وَمَا بِالمَدِينَةِ شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيرًا وَلا أَطْلُبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ» (١)، ولا يعقل أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج وفيهم أئمة التابعين، ويسكتون عنه فلا ينكرون عليه أو يشقون عصا الطاعة. وهناك ما يثبت أن عبد الملك لم يمنع أهل الشام من الحج، فقد ورد في الطبري: «وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - (سَنَةَ ٦٨ هـ) - وَافَتْ عَرَفَاتَ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ، قََالَ مُحَمَّدٌ بْنَ عُمَرَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبَي عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قََالَ: وَقَفَتْ فِي سَنَةِ (٦٨ هـ) بعَرَفَاتٍ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ: ابْنُ الحَنَفِيَّةِ فِي أَصْحَابِهِ فِي لِوَاءٍ ... وَابْنُ الزُبَيْر فِي لِوَاءٍ ... وَنَجْدَةَ الحَرُورِيِّ خَلْفَهُمَا، ولِوَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ يَسَارِهِمَا» (٢)، [٢]- لَمْ تَذْكُرْ المَصَادِرُ الإِسْلاَمِيَّةُ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ هُوَ الذِي بَنَى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ: لم تذكر المصادر الإسلامية أن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة، بل ذكرت ابنه الوليد (٣)، ويقول الدكتور مصطفى السباعي: «ولم نجدهم ذكروا ولو رواية واحدة نسبة بنائها إلى عبد الملك، ولا شك أن بناءها - كما يزعم جولدتسيهر - لتكون بمثابة الكعبة يحج الناس إليها بدلاً من الكعبة، حادث من أكبر الحوادث وأهمها في تاريخ الإسلام وَالمُسْلِمِينَ فلا يعقل أن يمر عليه هؤلاء المُؤَرِّخُونَ مَرَّ الكرام، وقد جرت عاداتهم أَنْ يُدَوِّنُوا ما هو أقل من ذلك خَطَرًا أو أهمية، كتدوينهم وفاة العلماء وتولي القضاء وغير ذلك، فلو كان عبد الملك هو الذي بناها لذكروها، ولكنا نراهم ذكروا بناءها في تاريخ الوليد، وهؤلاء مُؤَرِّخُونَ أثبات في كتابة التاريخ، نعم جاء في كتاب " [حياة] الحيوان " للدميري نقلاً عن ابن خلكان: أن عبد الملك هو الذي بَنَى القُبَّة وعبارته هكذا: «بَنَاهَا عَبْدُ المَلِكِ وَكَانَ النَّاسُ

стр. 506

يَقِفُونَ عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ» ورغمًا عما في نسبة بنائها لعبد الملك من ضعف، ومن مخالفته لما ذكره أئمة التاريخ، فإن هذا النص لا غبار عليه، وليس فيه ما يدل على أنه بناها ليفعل الناس ذلك، بل ظاهره أنهم كانوا يفعلون من تلقاء أنفسهم، وليس فيه ذكر الحج عند القُبَّةِ بَدَلاً من الكعبة، بل فيه الوقوف عندها يوم عرفة، وهذه العادة كانت شائعة في كثير من أمصار الإسلام نص الفقهاء على كراهتها، وفرق كبير بين الحج إليها بَدَلاً من الكعبة، وبين الوقوف عندها تَشَبُّهًا بوقوف الحج في عرفة، ليشارك من لم يستطع الحج الحُجَّاجَ في شيء من الأجر والثواب، ولم يكن ذلك مقصورًا على قُبَّةِ الصَّخْرَةِ، بل كان كل مصر إسلامي يخرج أهله يوم عرفة إلى ظاهر البلد فيقفون كما يقف الحُجَّاجُ» (١). ثم إن بناء عبد الملك قبة الصخرة ليحج الناس إليها بدلاً من الحج إلى البيت الحرام كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يمكن أن يصدر عن مثله، وهو الذي عرفنا مكانته العلمية وورعه. ومما يدل على بطلان ما ادعاه (جولدتسيهر) موقف خصوم الأمويين من عبد الملك، الذين لم يذكروا شيئًا من هذا في طعونهم له، ولو صح بعض ما ادعاه اليعقوبي و (جولدتسيهر) لكان إعلان تكفير عبد الملك والتشهير به أول الطعون التي توجه إليه لاجترائه - حسب ادعاء جولدتسيهر - على حرمات الله، والعبث بشعائر الإسلام. ومما يدل على تحامل المستشرق (جولدتسيهر) على الأمويين، وعلى عبد الملك، وعلى الإمام الزهري - موقف غيره من المستشرقين الذين رَجَّحُوا

стр. 507

الرأي القائل بأن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة، ولكنهم لم يذهبوا إلى ما ذهب إليه (جولدتسيهر) في ادِّعَائِهِ (١) الذي افتراه على عبد الملك، وإن كان أكثرهم يعتقد سُوءًا في بني أمية، يقول المستشرق (يوليوس فلهوزن): «وَلِكَيْ يَزِيدَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ فِي رُجْحَانِ كَفَّةِ الشَّامِ مِنَ النَّاحِيَةِ السِّيَاسِيَّةِ حَاوَلُوا فِيمَا حَاوَلُوا نَقْلَ مَرْكَزَ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ مِمَّا اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ظَلَّ يَحْتَلُّ البَيْتَ الحَرَامَ فِي مَكَّةَ قُرَابَةً مِنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الشَّامِ يَسْتَطِيعُونَ الحَجَّ، مَا دَامُوا عَلَى وَلاَئِهِمْ لِلأُسْرَةِ الأُمَوِيَّةِ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ، وَقَدْ اسْتَغَلَّ عَبْدُ المَلِكِ ذَلِكَ لِمَنْعِ رَعَايَاهُ مِنَ الحَجِّ إِلَى مَكَّةَ، وَحَضَّهُمْ عَلَى أَنْ يَحُجُّوا إِلَى بَيْتِ اللهِ المُقَدَّسِ بَدَلاً مِنَ أَنْ يَحُجُّوا إِلَى مَكَّةَ، وَهَذَا مَا يَحْكِيهِ (أُوتِيخْيُوسْ) (*) عَلَى الأَقَلِّ فِي كِتَابِهِ " التَّارِيخْ "، أَمَّا الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ جَهَدَ فِي أَنْ يَجْعَلَ لِبَيْتِ المَقْدِسِ - بِاعْتِبَارِهِ مَكَانًا مُقَدَّسًا فِي نَظَرِ الإِسْلاَمِ - مَظْهَرًا أَرْوَعَ مِمَّا كَانَ لَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ الرِّوَايَةِ القَائِلَةِ بِأَنَّهُ هُوَ الذِي بَنَى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّقْشِ الذِي لاَ يَزَالُ بَاقِيًا فِي الجُزْءِ القَدِيمِ مِنْ هَذَا البِنَاءِ، أَمَّا النَّقْشُ الحَالِيُّ فَيُذْكَرُ فِيهِ اسْمَ المَأْمُونِ الخَلِيفَةَ العَبَّاسِيَّ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ البَانِي، وَلَكِنَّ (دِي فُوجِي) اكْتَشَفَ أَنَّ اسْمَ المَأْمُونِ إِنَّمَا أُدْخِلَ فِي النَّقْشِ الأَصْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحٍ لِكِتَابَةٍ سَابِقَةٍ. وَقَدْ فَاتَ عَلَى المُصَحِّحِينَ أَنْ يُصَحِّحُوا التَّارِيخَ القَدِيمَ الذِي يُبَيِّنُ السَّنَةَ التِي كَانَ فِيهِ البِنَاءُ. وَيُمْكِنُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ النَصَّ الأَصْلِيَّ عَلَى القَطْعِ هَكَذَا: " بَنَى هَذِهِ القُبَّةَ فِي سَنَةِ ٧٢ هـ عَبْدُ اللهِ عَبْدُ المَلِكِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ» (٢).

стр. 508

وفرق كبير بين أن يعتني عبد الملك ببيت المقدس، ويطهره ويجعل له مظهرًا أروع مما كان له - وبين أن يجعله كعبة المسلمين، وهذا ما اعترف به (فلهوزن) وعقب به على رأي (أوتيخيوس) الذي يتفق مع رأي جولدتسيهر. فلو صح نسبة بناء القبة إلى عبد الملك - وهو رأي يخالف المصادر الإسلامية الموثوق بها ومبني على مجرد التخمين والاستنتاج - لكان قد بناها واعتنى بالمسجد الأقصى لمكانته عند المسلمين، وهو أقدس الأماكن التي كانت تقع تحت سلطان عبد الملك آنذاك. ومما يؤكد لنا أنه لم يحمل أحدًا على الحج إليه، بل كان عمله مجرد احترام لذلك المسجد - ما قام به بعد انتصاره على ابن الزبير سَنَةَ (٧٣ هـ) حين أمر بإعادة بناء الكعبة كما كانت عليه في عهد الرسول ﷺ ، وإزالة ما أدخله ابن الزبير في بنائها سَنَةَ (٦٤ هـ)، فمن الواجب أن يفرق بين اعتنائه بالمسجد الأقصى وجعله مَحَجًّا للمسلمين. [٣]- لَمْ يَحْمِلْ عَبْدُ المَلِكِ النَّاسَ عَلَى الحَجِّ إِلَى المَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالزُّهْرِيُّ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ -: أما أنه حاول أن يحمل الناس على الحج إلى المسجد الأقصى بمساعدة الزهري الذي وضع له الأحاديث في ذلك فغير صحيح قطعًا، وَسَنُثْبِتُ هذا من طريقين: الأول في بيان صلة الزهري بالأمويين، والثاني في استحالة هذا تاريخيًا. (أ) صِلَةُ الزُّهْرِيِّ بِالأُمَوِيِّينَ: ---------------------------- صحيح أن الزهري كان يتردد بين الحجاز والشام، وكان يدخل على خلفاء بني أمية، ولكنه لم يكن ذلك الرجل الذي يستجدي أكفهم، أو الذي يبيع دنياه بدينه، فالزهري أرفع بكثير مما يتصوره أعداء الإسلام والزهري أسمى مما يراه اليعقوبي، و (جولدتسيهر) وغيرهما، فقد كان الإمام

стр. 509

الزهري رجل صلاح واستقامة، يبين للخلفاء الحق مهما كان مُرًّا، وكان يحملهم على سواء السبيل ولا يداهنهم أو يمالئهم، ومن هذا ما رواه ابن عساكر بسنده إلى الإمام الشافعي عن عمه قال: دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَلَى هِشَامٍ فَقَالَ: «يَا سُلَيْمَانُ، مَنْ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟» فَقَالَ لَهُ: «عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ»، فَقَالَ لَهُ: «كَذَبْتَ هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، قَالَ: «أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ»، فَدَخَلَ ابْنُ شِهَابٍ، فَقَالَ لَهُ: «مَنْ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟» فَقَالَ لَهُ: «عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ»، فَقَالَ لَهُ: «كَذَبْتَ هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، فَقَالَ لَهُ: «أَنَا أَكْذِبُ، لاَ أَبًا لَكَ؟ فَوَاللهِ لَوْ نَادَانِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الكَذِبَ مَا كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الوَلِيدِ وَسََعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعَلْقَمَةُ بْنَ وَقَّاصٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ»، فَلَمْ يَزَلْ القَوْمُ يُغِرُّونَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: «ارْحَلْ فَوَاللهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَحْمِلَ عَنْ مِثْلِكَ»، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَلِمَ ذَاكَ؟ أَنَا اغْتَصَبْتُكَ عَلَى نَفْسِي، أَوْ أَنْتَ اغْتَصَبْتَنِي عَلَى نفسي؟ فَخَلِّ عَنِّي»، فَقَالَ لَهُ: «لاَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَدَنْتَ أَلْفَيْ أَلْفٍ»، فَقَالَ: «قَدْ عَلِمتَ وَأَبُوكَ قَبْلَكَ أَنِّي مَا اسْتَدَنْتُ هَذَا المَالَ عَلَيْكَ وَلاَ عَلَى أَبِيكَ»، فَقَالَ: «إِنَّا نُهِيِّجَ الشَّيْخَ فَيَهْتَمَّ (١) الشَّيْخُ»، ثُمَّ أَمَرَ (٢) فَقَضَى عَنْهُ مِنْ دَيْنِهِ أَلْفَ أَلْفٍ. وَأُخْبِرَ (٣) بِذَلِكَ، فَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَذَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ» (٤)، (٥).

стр. 510

هذا ابن شهاب، وهكذا كانت صلته بالأمويين، فهل يعقل أن يكذب على رسول الله ﷺ !! وهو الذي أبى أن يداهن الخليفة هشام بن عبد الملك، بل قال له - حين كانت السلطة بيده - «لاَ أَبًا لَكَ. فَوَاللهِ لَوْ نَادَانِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الكَذِبَ مَا كَذَبْتُ»، ابن شهاب يخاطب أمير المؤمنين، بل يشتمه عندما يخالف الحق، وهل أقسى من عبارة «لاَ أَبًا لَكَ»، وهل أجرأ من ابن شهاب بعد هذا؟ وهل صدق - بعد هذا - دعوى أعداء الإسلام وافتراءاتهم على إمام عصره وحافظ زمانه؟. قال الإمام الأوزاعي: «مَا أَدْهَنَ ابْنُ شِهَابٍ قَطُّ لِمَلِكٍ دَخَلَ عَلَيْهِ» (١). وقال أيوب: «لَوْ كُنْتُ كَاتِبًا الحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ كُنْتُ كَاتِبَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، مِنْ رَجُلٍ أَحْيَى عِلْمَ تِلْكَ البَلْدَةِ، مِنْ رَجُلٍ يَصْحَبُ السُّلْطَانَ» (٢). وأما ما روي عن يزيد بن يحيى أنه قال: «قَلَّ قَلِيلُهُ أَيُّ رَجُلٍ هُوَ لَوْلاَ أَنَّهُ أَفسَدَ نَفْسَه بِصُحبَةِ المُلُوْكِ» (٣)، فهذا الخبر ضعيف وَاهٍ لا يعتمد عليه، ففي إسناده مجهولون، وفي إسناده العباس بن الوليد بن صبيح الخلال الدمشقي، قال الآجري: «سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ فَقَالَ: كَانَ عَالِمًا بِالرِّجَالِ وَالأَخْبَارِ لاَ أُحَدِّثُ عَنْهُ» (٤). ويزيد بن يحيى بن الصباح نفسه لا يعرف، وقال أبو حاتم: «لَيْسَ بِالقَوِيِّ» (٥).

стр. 511

فَصِلَةُ الزهري بالأمويين صلة شريفة سامية، صلة العالم الصدوق الذي لا يخشى في الله لومة لائم. ولا يرد علينا هنا أنه كان يُعَلِّمُ أبناء هشام بن عبد الملك، وأنه ولي القضاء ليزيد بن عبد الملك، فأي شيء يضيره في تعليم أبناء الخليفة وتهذيبهم؟ وأي شيء ينقصه إذا أدب أبناء أولي الأمر وفقههم، ونشأهم النشأة الإسلامية الصحيحة؟ إن في هذا خدمة كبيرة للإسلام والمسلمين، حين يرضى الزهري أن يتعهد أبناء الخليفة بالعناية والرعاية والعلم، ويجنبهم اللهو والانغماس في الشهوات، فهم الذين سيتولون أمور الأمة، ويوجهون سياستها، ولكن أعداء الإسلام لا يسرهم أن يروا ابن شهاب معلمًا شريفًا، ومؤدبًا حكيمًا وقد افتخر به ابن حبيب، فذكره مع أشراف المعلمين وفقهائهم. وأي عيب يقترفه الزهري إذا ولي القضاء، وهو الرجل الذي عرفنا استقامته ونزاهته وعدالته. هذا هو وجه الإمام الزهري في علاقته مع البيت الحاكم، وجه مشرق نير، ورأس مرفوع إلى العلياء، لم تخفضه يومًا مِنَّةُ الملوك، ولم تنطفئ نضارته وإشراقته أياديهم عليه، وذلك سلوكه مع أمراء المؤمنين وولاتهم، لا تعتريه شائبة ولا يتناوله شك. كل هذا ينفي عن إمامنا تهمة وضعه الحديث، لإرضائهم ودعم ملكهم. وَقَدْ أَثْبَتُّ سَابِقًا أن الأمويين لم يشجعوا الوضع (١). (ب) اِسْتِحَالَةُ مَا ادَّعَاهُ اليَعْقُوبِي وَ (جُولْدْتْسِيهِرْ) تَارِيخِيًّا: قال (جولدتسيهر): «فَوَجَدَ - عَبْدُ المَلِكِ - الزُّهْرِيَّ وَهُوَ ذَائِعُ الصِّيتِ فِي

стр. 512

الأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ مُسْتَعِدًّا لأَنْ يَضَعَ لَهُ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ، فَوَضَعَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا ... ». هذا غير معقول، لأن ابن شهاب ولد سَنَةَ (٥٠ هـ) على أرجح الأقوال. وكانت الخصومة بين ابن الزبير وعبد الملك بن مروان بين عامي (٦٥ و ٧٣ هـ). فإذا كان عبد الملك قد بنى قبة الصخرة - حسب ما ذهب إليه بعض المستشرقين - سَنَةَ (٧٢ هـ)، فيكون عمر الزهري آنذاك (٢٢) اثنتين وعشرين سَنَةً، ولم يكن بعد مشهورًا، بل ما زال في مقتبل العمر يطلب العلم، لم يصل إلى مرتبة الشهرة في الأمة الإسلامية، وكان هناك من هو أشهر منه، من كبار التابعين، كسعيد بن المسيب، وقبيصة بن ذؤيب، والقاسم بن محمد وغيرهم، لم يحاول عبد الملك أن يستغل واحدًا منهم، عِلْمًا بأن قُبيصة بن ذؤيب كان على خاتمه، ومن كبار العلماء حوله. وابن شهاب - فوق هذا - لم يفد على عبد الملك قبل سَنَةِ ثمانين، قال الليث بن سعد: «وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ قَدِمَ ابْنُ شِهَابٍ عَلَى عَبْدِ المَلِكِِ (١)، وَهِيَ السَّنَةُ التِي ذَكَرَهَا ابْنُ شِهَابٍ نَفْسَهُ فَقَالَ: " قَدِمْتُ زَمَنَ تَحَرُّكِ ابْنِ الأَشْعَثِ "» (٢). فهل يضع الزهري الحديث بعد وفاة ابن الزبير بتسع سنين؟؟ ولو فرضنا أن الزهري وفد على عبد الملك قبل استشهاد ابن الزبير، ووضع هذا الحديث على رسول الله ﷺ ليحمل الناس على الحج إلى المسجد الأقصى - فهل يصدقه الناس؟ وهل يسكت عنه صغار الصحابة وكبار التابعين في دمشق؟ بل هل يسكت عنه علماء الحجاز والأمصار الأخرى؟ وهل يعقل أن يخفى على الأمة صحة هذا الحديث، وفي الأمة علماء

стр. 513

الحفاظ، الجهابذة النحارير، والنقاد الأشداء! هل يعقل أن يضع ابن شهب حديثًا يُغَيِّرُ به مناسك الحج - كما يزعم جولدتسيهر - ثم يثق به العلماء وطلاب العلم، وتزدحم عليه الجموع لتأخذ عنه كلما جاء إلى المدينة، ويتركون كبار التابعين وشيوخ الصحابة؟؟ وهل خفي على الأمة كلها جيلاً بعد جيل، ما اقترفه ابن شهاب، ليكتشفه اليعقوبي ويؤيده جولدتسيهر؟؟؟ أم أن كل من أخذوا عنه، وتلقوا العلم في حلقاته لا يعقلون!!!؟؟ أم أن من ابتدأ هذا الخبر مفتر ومن أيده متحامل لا يتوخى الحقيقة العلمية!!؟. لو صح شيء مما افتراه هؤلاء على الزهري لصرح به النقاد، وتركوا حديثه، وحذروا طلاب العلم منه، أو على أقل تقدير يثور عليه شيخه سعيد بن المسيب الذي روى الحديث المذكور عنه، ولكن شيئًا من هذا لم يكن، فظهر بطلان ما ادعوا وافتراء ما اقترفوا. [٤]- لَمْ يَكُنْ الزُّهْرِيُّ صَدِيقًا قَدِيمًا لَِعَبْدِ المَلِكِ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ الأَحَادِيثِ التِي وَرَدَتْ فِي فَضَائِلِ بَيْتِ المَقْدِسِ: ٤ - استدل جولدتسيهر على صحة ما ادعاه من أن الزهري هو الذي وضع أحاديث بيت المقدس، بأنه كان صديقًا لعبد الملك، وأنه كان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط، وهذا مردود تنفيه الآثار، وتدحضه الأخبار التاريخية، فالزهري عندما قدم دمشق أدخله قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك، ليروي له (قضاء عمر في أمهات الأولاد)، فسأله عبد الملك عن نسبه، وذكره بأن أباه اشترك في الثورة مع ابن الزبير، وأمره بطلب العلم ... فلو كان صديقًا لعبد الملك لا يحتاج إلى من يدخله عليه. كما لا يحتاج إلى أن يسأله عن نسبه، ويوصيه بطلب العلم. ثم كيف نصدق نشوء صداقة بين عبد الملك والزهري؟ إذا كان مولد عبد الملك سَنَةَ (٢٦هـ) ست وعشرين من الهجرة، وانتقاله مع أبيه إلى الشام سَنَةَ (٦٤ هـ) أربع وستين،

стр. 514

حين لم يجاوز الزهري آنذاك أربعة عشر عامًا، فهل يعقل أن تنشأ صداقة بين رجل في الثامنة والثلاثين من عمره مع غلام في الرابعة عشرة؟ فاتفق العقل والنقل على عدم صحة قيام صداقة بين عبد الملك وابن شهاب قبل قدومه إلى دمشق. ثم إن حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ ... » روي من طرق مختلفة كثيرة غير طريق الزهري، فلم ينفرد به ابن شهاب، وَرَوَتْهُ كُتُبُ السُنَّةِ كلها. فقد أخرجه الإمام البخاري من غير طريق الزهري عن أبي الوليد عن شعبة بن الحجاج عن عبد الملك عن قزعة مولى زياد عن أبي سعيد الخدري (١). وأخرجه مسلم من ثلاث طرق، إحداها من طريق الزهري، والثانية عن قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جَمِيعًا عن جرير عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري (٢)، والثالثة عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر عن عمران بن أبي أنس، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة (٣). وأخرجه الإمام أحمد والإمام مالك، والترمذي وأبو داود والدارمي والنسائي وابن ماجه (٤). فالزهري لم ينفرد بهذا الحديث، كما زعم جولدتسيهر، ولم يضعه إرضاء

стр. 515

لعبد الملك، بل شاركه في روايته غيره من كبار الصحابة والتابعين ومن تبعهم، فالحديث صحيح لا ريب فيه، وزعم اليعقوبي وجولدتسيهر باطل لا أصل له. وهكذا خرج الإمام الزهري مما أحيط به من افتراءات واتهامات مرفوع الرأس، يكلله غار النصر، يتمتع بالثقة التامة عند جميع المسلمين، ورواد البحث العلمي النزيه. ويكفيه فَخْرًا أَنْ حَفِظَ السُنَّةَ سَبْعِينَ عَامًا، وساهم في تدوينها ونشرها وتعليمها. وقد خَلَّدَ التاريخ ذكره في مصاف العلماء العاملين، والحفاظ المتقنين. * * *

стр. 516

(٤) - نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (٠٠ - ١١٧ ه ـ): (*) أبو عبد الله العدوي المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، أحد أعلام التابعين. قيل أصله من المغرب. وقيل من الديلم شمالي العراق، أسر في أحد الحروب بين المسلمين والفرس فكان من نصيب عبد الله بن عمر، فلزمه ما يقرب من ثلاثين سَنَةً، تعلم خلالها القرآن والسنة. روى عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخُدري ورافع بن خُديج، وعن عائشة وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وزيد أولاد عبد الله بن عمر، وعن القاسم بن محمد، وأسلم مولى عمر، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم. روى عنه من التابعين أبو إسحاق السبيعي والحكم بن عيينة، ويحيى الأنصاي ومحمد بن عجلان والزهري، وصالح بن كيسان وأيوب وحُميد الطويل، وميمون بن مهران وموسى بن عقبة وابن عون والأعمش وغيرهم. وروى عنه من غير التابعين ابن جُرَيْجٍ والأوزاعي ومالك والليث بن سعد ويونس بن عبيد، وبنوه عبد الله وعمر وأبو بكر، وابن أبي ليلى وكثير غيرهم. كان كثير الحديث ثقة ضابطًا صحيح الرواية، لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه. قال عبد الله بن عمر: «لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِنَافِعٍ». وقال مالك

стр. 517

ابن أنس: «كُنْتُ إذَا سَمِعْتُ مِنْ نَافِعٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لاَ أُبَالِي أَنْ لاَ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ». وبلغ نافع مرتبة رفيعة من العلم فاختاره عمر بن عبد العزيز، وبعثه إلى مصر ليعلمهم السَّنَنَ. توفي نافع ﵀ بالمدينة سَنَة (١١٧ هـ) على أرجح الأقوال. قال الإمام البخاري: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ». وسمى المحدثون هذا الإسناد سلاسل الذهب. * * *

стр. 518

(٥) - عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ (٠٠ - ٩٨ ه ـ): (*) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الذهلي المدني التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة، كان إمام المدينة في زمانه، اتفق العلماء على إمامته وجلالته، وإتقانه للحديث، وكثرة حفظه وضبطه له، وكان ابن عباس يكرمه، وفيه قال الإمام الزهري: «مَا جَالَسْتُ عَالِمًا إِلاَّ رَأَيْتُ أَنِّي أَتَيْتُ عَلَى مَا عِنْدَهُ، إِلاَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةٍ، فَإِنِّي لَمْ آتِهِ إِلاَّ وَجَدْتُ عِنْدَهُ عِلْمًا طَرِيفًا»، وَلِعُلُوِّ مكانته وغزارة علمه اختاره عبد العزيز بن مروان مؤدبًا لولده عمر بن عبد العزيز، قال ابن سعد: «كَانَ ثِقَةً عَالِمًا فَقِيهًا كَثِيرَ الحَدِيثِ»، وإلى جانب هذا كله له شعر جيد، أورد منه أبو الفرج في " أغانيه ". تلقى عبيد الله علمه عن كثير من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو واقد الليثي، وزيد بن خالد، وعائشة، وفاطمة بنت قيس، وأم قيس بن محصن، وغيرهم من الصحابة. وروى عنه كثير من التابعين أشهرهم الإمام الزهري، وصالح بن كيسان وأبو الزناد وغيرهم. وقد كُفَّ بصره وتوفي بالمدينة سَنَةَ (٩٨ هـ) على أرجح الأقوال. * * *

стр. 519

(٦) - سَالِمٌ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (٠٠ - ١٠٦ ه ـ): (*) هو التابعي الجليل أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، كان إمامًا عاملاً زاهدًا، يلبس الثوب بدرهمين، وكان أبوه عبد الله يقبله ويقول: «شَيْخٌ يُقَبِّلُ شَيْخًا»، تلقى علمه في المدينة، وسمع من الصحابة، فروى عن أبيه وعن أبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وعائشة أم المؤمنين. وروى عنه من التابعين عمرو بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وموسى بن عقبة، وحُميد الطويل، وصالح بن كيسان، وغيرهم، وروى عنه كثير من أتباع التابعين. ولعلمه وجلالته عَدُّوهُ من الفقهاء السبعة، وكان ذا مكانة رفيعة حتى إن سليمان بن عبد الملك رحب به، وأقعده على سريره. قال محمد بن سعد: «كَانَ سَالِمٌ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَالِيًا فِي الرِّجَالِ وَرِعًا»، وقال إسحاق بن راهويه: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ». توفي بالمدينة سَنَةَ (١٠٦ هـ). * * *

стр. 520

(٧) - إبراهيم بن يزيد النخعي (٤٦ - ٩٦ ه ـ): (*) هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي، أحد أعلام التابعين كان حافظًا، كثير الحديث، فقيهًا، صالحًا قليل التكلف، يتوقى الشهرة، دخل على السيدة عائشة أم المؤمنين صغيرًا قبل أن يحتلم عندما كان يحج مع عمه وخاله علقمة والأسود. وسمع من علقمة وَخَالَيْهِ الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد، وروى عن مسروق وأبي معمر وهمام بن الحارث وشريح القاضي وغيرهم، ولم يثبت له سماع من عائشة. وروى عنه جماعة من التابعين منهم الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعبد الله بن عون، وحماد بن أبي سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبي، وحبيب بن أبي ثابت، وسماك بن حرب وغيرهم. وإبراهيم - وإن لم يُحَدِّثْ عن أحد من الصحابة مع أنه أدرك جماعة منهم - كان على جانب عظيم من العلم، وشهد له بذلك كبار علماء عصره، قال الشعبي حين توفي إبراهيم: «مَا تُرَكَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَفْقَهَ، قِيلَ وَلاَ الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ!؟ قَالَ: وَلاَ الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَلاَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَلاَ الكُوفَةِ، وَلاَ الحِجَازِ وَلاَ الشَّامَ».

стр. 521

وكان بَارِعًا في الحديث حتى قَالَ الأَعْمَشُ فِيهِ: «كَانَ النَّخَعِيُّ صَيْرَفِيَّ الحَدِيثِ» وقال أبو زرعة: «النَّخَعِيُّ صَيْرَفِيٌّ عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ الإِسْلاَمِ». وكان يقتدي بالصحابة، ومن قوله: «لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَمْسَحُوا إِلاَّ عَلَى ظُفُرٍ مَا غَسَلْتُهُ التِمَاسَ الفَضْلِ , وَحَسْبُنَا مِنْ إِزْرَاءٍ عَلَى قَوْمٍ أَنْ نَسْأَلَ عَنْ فِقْهِهِمْ وَنُخَالِفَ أَمْرَهُمْ». توفي بالكوفة مختفيًا من الحَجَّاجِ سَنَةَ (٩٦ هـ) وابن تسع وأربعين سَنَةً لم يستكمل الخمسين. * * *

стр. 522

(٨) - عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ (١٩ - ١٠٣ ه ـ): (*) عامر بن شراحيل الحِميري الشعبي الكوفي أبو عمرو، الإمام العلم. علامة التابعين ولد لست (١) سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، كان من أهل السنة والجماعة، يكره الفرقة، رحل إلى بلدان كثيرة، وروى الحديث عن عَلِيٍّ، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعيد بن عبادة، وقرظة بن كعب، وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، وأبي سعيد الخُدري، وعائشة أم المؤمنين، وأم سلمة وغيرهم. قال: «أَدْرَكْتُ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ». وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن عمرو وإسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق الثوري، والأعمش، ومنصور، وسماك بن حرب، وعبد الله بن عون، وشعبة بن الحجاج، والشعبي أكبر شيوخ أبي حنيفة. كان قوي الذاكرة يعتز بحفظه ويقول: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ». كان ذكيًا فقيهًا، أصبح على جانب عظيم من العلم حتى إنه كان يفتي في زمن

стр. 523

الصحابة، وقد اتفق العلماء على إمامته وثقته، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «مَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ»، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: «كَانَتْ النَّاسُ تَقُولُ: [كَانَ] ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَالثَّوْرِيُّ قِي زَمَانِهِ». وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي: «اِلْزَمْ الشَّعْبِيَّ فَقَدْ رَأَيْتُهُ يُسْتَفْتَى وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ»، وأثنى معاصروه على علمه وتواضعه وفضله وأخلاقه. وقد ولي قضاء الكوفة لعمر بن عبد العزيز، وتوفي بالكوفة سَنَةَ (١٠٣ هـ) ﵀. * * *

стр. 524

(٩) - عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ (٢٨ ق هـ - ٦٢ ه ـ): (*) هو أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي التابعي الجليل، وهو عم الأسود بن يزيد بن قيس، وأحد الأعلام المخضرمين، روى عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة، وسلمان الفارسي، وعن عائشة، وأبي مسعود، وأبي الدرداء، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي، ومحمد بن سيرين، وابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد. كان علقمة من أصحاب ابن مسعود، وأعلم الناس به، وقد أجمع معاصروه على جلالته ووقاره وغزارة علمه. قال إبراهيم بن علقمة: «كَانَ عَبْدُ اللهِ - أَيْ ابْنُ مَسْعُودٍ - يُشْبِهُ النَّبِيَّ ﷺ فِي هَدْيِهِ ودَلِّهِ وَسَمْتِهِ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ يُشَبَّهُ بِعَبْدِ اللهِ». كان متواضعًا يتوقى الشهرة، قِيلَ لَهُ: لَوْ صَلَّيْتَ فِي المَسْجِدِ وَتَجْلِسَ وَنَجْلِسُ مَعَكَ، فَنَسْأَلَ؟ فَقَالَ: «أَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا عَلْقَمَةُ»، وَقِيلَ لَهُ: لَوْ دَخَلْتَ عَلَى الأَمِيرِ فَأَمَرْتَهُ بِخَيْرٍ؟ فَقَالَ: «لَنْ أُصِيبَ مِنْ

стр. 525

دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابُوا مِنْ دِينِي [أَفْضَلَ] مِنْهُ» وكان ثقة كثير الحديث، يَحُضُّ طلابه على مذاكرة العلم ويقول: «تَذَاكَرُوا العِلْمَ فَإِنَّ حَيَاتَهُ ذِكْرُهُ». قَالَ مُرَّةُ: «كَانَ عَلْقَمَةُ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ». توفي بالكوفة سَنَة (٦٢ هـ) اثنتين وستين عن (٩٠) سَنَةً ﵀. * * *

стр. 526

(١٠) - محمد بن سيرين (٣٣ - ١١٠ ه ـ): (*) هو أبو بكر بن أبي عمرة، محمد بن سيرين التابعي الجليل البصري الأنصاري بالولاء، كان أبوه مولى لأنس، وقد ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ سَنَةَ (٣٣ هـ) ونشأ في كنف أنس، وكان بَزَّازًا، وتعلم القرآن، وتفقه وحفظ كثيرًا من الحديث، وكان متقنًا ضابطًا، يحدث بالحديث على حروفه، وكان ورعًا فقيهًا رأى ثلاثين صحابيًا وروى عن أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي بن أبي طالب، وعن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم. وروى عنه عامر الشعبي، وثابت البناني، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، والأوزاعي، ومالك بن دينار، وهشام بن حسان، وخلق كثير غيرهم. شهد له بالعلم والورع والفقه والضبط والعدالة أئمة عصره. قال ابن عون: «لَمْ أَرَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَ ثَلاَثَةٍ: مُحَمَّدُ بْنَ سِيرِين بِالعِرَاقِ، وَالقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ بِالحِجَازِ وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ بِالشَّامِ وَلمْ يَكُنْ فِي هَؤُلاَءِ مِثْلَ مُحَمَّدٍ». وَقَالَ مُوَرَّقٌ العِجْلِيّ: «مَا رَأَيْت رَجُلاً أَفْقَهَ فِي وَرَعِهِ وَلاَ أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ».

стр. 527

كان كثير العبادة والصيام، قيل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان شديد الحيطة في دينه. قال أنس بن سيرين: «لَمْ يَبْلُغْ مُحَمَّدًا حَدِيثَانِ قَطُّ أَحَدُهُمَا أَشَدُّ مِنَ الآخَرِ إِلا أَخَذَ بِأَشَدِّهِمَا»، قال: «وَكَانَ لاَ يَرَى بِالآخَرِ بَأْسًا ... »، وَقَالَ أَبُو قِلابَةَ: «وَأَيُّنَا يُطِيقُ مَا يُطِيقُ مُحَمَّدٌ!! مُحَمَّدٌ يَرْكَبُ مِثْلَ حَدِّ السِّنَانِ». وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «عَلَيْكُم بِذَلِكَ الأَصَمِّ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ سِيْرِينَ -». كان حليمًا وقورًا يتأسى بالرسول ﷺ وبالخلفاء الراشدين والصحابة وكان يحث طلابه على التثبت في تحمل الحديث، ويقول: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ [دِينَكُمْ]». وإلى جانب هذا كان مرح النفس، طيب المعشر، احتل مكانة في نفوس العلماء وطلاب العلم، وتسنم ذروة الإمامة في عصره. قال محمد بن سعد: «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِيًا رَفِيعًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ العِلْمِ». توفي بالبصرة سَنَةَ (١١٠ هـ) ﵀. * * * هؤلاء من أشهر التابعين وأكثرهم حديثًا، ويضيق المقام عن ذكرهم جَمِيعًا، فهناك الأعلام المشهورين: الحسن البصري، وسليمان الأعمش، وقتادة بن دعامة السدوسي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وغيرهم ممن ساهموا في حفظ السُنَّةِ ونقلها، جزاهم الله عنا أحسن الجزاء، وأسكنهم فسيح الجنان.

стр. 528

الخاتمة: بعد هذا العرض لحياة السُنَّةِ قبل التدوين، عرفنا في الباب الأول الحقيقية التي كانت عليها السُنَّةُ في عهد الرسول ﷺ ، وعرفنا شخصية الرسول الكريم من حيث هو معلم ومرب، وموقفه من العلم، وسمو منهجه ﵊ في تبليغ الإسلام وتطبيق أحكامه، وتشجيعه على طلب العلم، ومعاملته أصحابه ﵃، كما عرفنا كيف كان الصحابة يتلقون السُنَّةَ عنه ﷺ ، وعرفنا إخلاصهم في المحافظة على الشريعة الحنيفية، وبذلهم السخي في سبيل ذلك، وعرفنا عوامل انتشار السُنَّةِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم. وعرفنا في الباب الثاني تأسي الصحابة والتابعين بالرسول ﷺ وتمسكهم بِسُنَّتِهِ، واحتياطهم وورعه في رواية الحديث، وتثبتهم في قبول الأخبار، وَأَنَّ تَشَدُّدَهُمْ في قبول بعض الآثار لم يكن من باب تركهم لِلْسُنَّةِ أو عدم الأخذ بها، بل كان من باب المحافظة عليها، والتثبت والاستيثاق لها، وإذا كان بعضهم في بعض الحالات والمواقف قد طلبوا لقبول الحديث راويين أو غير هذا، فقد كانوا يقبلون في غير تلك الحالات الخبر عن العدل إذا توافرت فيه شروط التحمل والأداء. ولا يعني تشددهم في قبول الحديث أن لغيرهم أن يتظاهر بالاحتياط لِلْسُنَّةِ، وهو يرفض ما قبلوه، فإنه لا ينبغي أن يتخذ تشددهم ذريعة لترك السُنَّةِ، في حين يجب أن يعتبر توثيقًا لما قبلوه منها.

стр. 529

وقد عرفنا في هذا الباب أَيْضًا حرص الصحابة والتابعين ومن تبعهم على رواية الحديث بلفظه كما سمعوه، وإجازة بعضهم للعالم بفقه الحديث روايته بالمعنى إذا لم يحضره اللفظ، ومنعهم هذا لغير العالم بفقهه، خوفًا من التحريف وتغيير الأحكام، وأن رواية الحديث بالمعنى أحيانًا لم تسيء إلى الحديث، ولم تغير أحكامه كما ادعى بعض الباحثين. ثم لمسنا النشاط العلمي الواسع في عصر الصحابة والتابعين، وأدركنا اهتمام الأمة بحديث رسولها الكريم، عندما بحثنا انتشار الحديث في ذلك العصر، والرحلة في طلبه، فكانت صورة صادقة عن الحيوية العلمية آنذاك. وعرفنا في الباب الثالث نشأة وضع الحديث وأسبابه، وأثر الأحزاب السياسية في هذا، وخلصنا إلى أن الشيعة الذين استغلوا اسم (أهل البيت) هم الذين أساءوا إلى السُنَّةِ بوضعهم الحديث لدعم دعواهم ومذهبهم، وعرفنا أن أهل البيت براء من هذا كله، وانتهينا إلى أن الخوارج لم يضعوا الحديث، لأن الكذب في عقيدتهم من الكبائر. وعرفنا أثر أعداء الإسلام، وأثر التفرقة العنصرية والتعصب القبلي والمذهبي والإقليمي، والقصاصين، وأثر الجهل مع الرغبة في الخير، وأثر الممالأة والتقرب إلى الحكام - عرفنا أثر هذا كله في وضع الحديث، ووقوف الأمة وعلمائها أمام هذه الظاهرة، ومقاومة الوضع باتباع أسلم قواعد التثبت العلمي من التزام الإسناد، ومضاعفة النشاط العلمي، وتتبع الكذبة ومعرفة أحوال الرواة، ووضع علامات لتمييز الصحيح من السقيم والموضوع، وبهذا سلمت السُنَّةُ من أيدي أعدائها. وعلى ضوء هذا نقدنا جولدتسيهر وغاستون ويت وأحمد أمين،

стр. 530

وأكدنا اهتمام العلماء بمتن الحديث وسنده، وَبَيَّنَّا أن السُنَّةَ لم تكن نتيجة لنضوج الإسلام وتطوره، ووضع الأجيال المتعاقبة كما زعم جولدتسيهر، وأثبتنا أنها التطبيق العلمي للإسلام، الذي تم على يدي رسول الله ﷺ ، ورفضنا إدعاء جولدتسيهر الذي يتهم فيه أئمة المذاهب الفقهية بوضع الحديث لدعم مذاهبهم، وأدحضناه بالحجج القوية. وأدركنا عظمة الجهود التي بذلها الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم في سبيل الحفاظ على السُنَّةِ، حينما عرضنا أشهر ما ألف في الرجال والموضوعات، وعرفنا أن المسلمين أعظم أمة في التاريخ اهتمت بتراثها التشريعي، منذ عهد الرسول ﷺ . وأما تدوين السُنَّةِ فقد عرضنا في الباب الرابع ما روي عن الرسول ﷺ في الكتابة من أخبار حول منعها وإباحتها، وخلصنا إلى أن الرسول ﷺ أباح كتابة الحديث بعد منعها، كما عرضنا ما روي عن الصحابة والتابعين في الكتابة، وانتهينا إلى أن جميع ما روي عنهم حول السماح بتدوين الحديث أو منع تدوينه لم يكن متعارضًا متضاربًا، بل كان متعاضدًا في سبيل حفظ القرآن وَالسُنَّةِ، فمنعوا الكتابة حين خشوا التباس القرآن بِالسُنَّةِ، وانشغال الناس عن القرآن الكريم، وسمحوا بها حين أمنوا ذلك. كما عرفنا خدمة عمر بن عبد العزيز للسنة بتكليفه ابن شهاب الزهري وغيره بجمع الحديث وتدوينه، ثم توزيعه على الأقطار الإسلامية، وعرفنا اهتمامه بِالسُنَّةِ حين أمر المسؤولين في مختلف أقاليم الدولة الإسلامية بالاعتناء بالحديث، وتشجيع العلماء على عقد حلقات دراسته في المساجد، وعرفنا أن مطلع القرن الهجري الثاني كان بداية نهضة علمية في تصنيف الحديث وتبويبه، وقد
следующие страницы →