والبحث عن عدالة المخبر كالبحث عن عدالة الشاهد يتناول ضروبًا من الاستقصاء الدقيق الذي لا يجرح كرامة أحد، بل يُزَكِّي الخبر المروي من خلال تزكية المخبر الراوي: «شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِشَهَادَةٍ، فَقَالَ لَهُ: " لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلاَ يَضُرُّكَ أَلاَّ أَعْرِفَكَ، ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا أَعْرِفُهُ. قَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالأَمَانَةِ وَالعَدْلِ (*)، قَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ "!» (١).
ولا غرابة بعد هذا أن يكره المحدثون الرواية عن أهل الأهواء والبدع (٢)، وعن أهل المجون والخلاعة (٣)، على حين تساهلوا في الرواية عن المشاهير من غير أن يسألوا عن سبب عدالتهم: فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من المحدثين أو غيرهم وشاع الثناء عليه بها لا يحتاج إلى تعديل المُزَكِّينَ، كمالك بن أنس، وسفيان بن عُيَيْنَةَ، وسفيان الثوري (٤)، والأوزاعي (٥)،
стр. 142
والشافعي، وأحمد بن حنبل، والليث بن سعد (١)، وشعبة بن الحجاج، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وَعَلِيُّ بن المديني، ويحيى بن مَعِينٍ، وقد سئل ابن حنبل عن إسحاق بن راهويه (٢) فقال: «مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عَنْهُ؟!» وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ، عَنْ أَبَى عُبَيْدٍ، فَقَالَ: «مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ؟ أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنِ النَّاسِ!» (٣).
ومناهج المحدثين في الجرح أشد منها في التعديل: فهم يقبلون التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور (٤)، أما الجرح فيردونه إذا لم يُبَيِّنْ سببه بيانًا شافيًا، لاعتقادهم بأن الناس يختلفون في إسقاط العدالة والحكم بالفسق، وأن «مَذَاهِبُ النُّقَّادِ لِلرِّجَالِ غَامِضَةٌ دَقِيقَةٌ، وَرُبَّمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّاوِي أَدْنَى مَغْمَزٍ فَتَوَقَّفَ عَنِ الاحْتِجَاجِ بِخَبَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوجِبًا لِرَدِّ الْحَدِيثِ، وَلاَ مُسْقِطًا لِلْعَدَالَةِ» (٥).
من ذلك أنهم تشددوا في رواية مرتكب المباحات، كالتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، والتبسط في المداعبة والمزاح (٦)، أما اللعب بالشطرنج
стр. 143
ونحوه، واللهو بآلات الطرب، فأمرهما أشد. قَالَ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ: «لَقِيتُ نَاجِيَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَرَأَيْتُهُ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَرَكْتُهُ فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، ثُمَّ كَتَبْتُ عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ»، وَقَالَ شُعْبَةُ أَيْضًا: «أَتَيْتُ مَنْزِلَ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو فَسَمِعْتُ فِيهِ صَوْتَ الطُّنْبُورِ، فَرَجَعْتُ. فَهَلاَّ سَأَلْتُ؟ عَسَى أَنْ لاَ يَعْلَمُ هُوَ» (١).
والمعروف في كتب الجرح والتعديل أن مُؤَلِّفِيهَا قَلَّمَا يتعرضون لبيان أسباب الجرح، بل يقتصرون على مجرد قولهم: «فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، وفلان متروك، ونحو ذلك». والناس مع ذلك يُعَوِّلُونَ عليها في رَدِّ حديث الرواة. غير أن التحقيق العلمي الدقيق في موضوع هذه الكتب أثبت أن فائدتها ليست في اعتمادها للحكم بالجرح، بل في إثارة الرِّيبَةِ حول من جَرَّحُوهُ والتوقف في أمره. فلا يقبل حديثه إلا إذا انزاحت هذه الرِّيبَةُ عنه وحصلت الثقة به (٢).
وهذه الشدة المتناهية، والورع الزائد، والدقة البالغة، كلها أثر من شعور النقاد بقيمة المَرْوِيِّ، فما هو بالكلام العادي، ولا بالأشعار والخطب والقصص وإنما هو دين لا يؤخذ إلا بالنقل الأمين، والسماع الصحيح. قال محمد بن سيرين: «إِنَّ هَذَا [الْعِلْمَ] دِينٌ، فَانْظُرُوا مِمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينِكُمْ» (٣). ورفع بعضهم حديثًا إلى رسول الله ﷺ بهذا المعنى، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا ابْنَ عُمَرَ دِينُكَ دِينُكَ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ،
стр. 144
خُذْ عَنِ الَّذِينَ اسْتَقَامُوا، وَلاَ تَأْخُذْ عَنِ الذِينَ مَالُوا» (١). وعلى هدي هذه الوصايا، مضى طلاب الحديث يتخيرون الشيوخ إذا تباينت أوصافهم (٢)، فكانوا يُقَدِّمُونَ السماع من الأمناء، ويكرهون النقل والرواية عن الضعفاء (٣)، وَيُرَجِّحُونَ الأخذ عمن علا إسناده وقرب من النبي ﷺ معتقدين أَنَّ «قُرْبَ الإِسْنَادِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ» (٤)، وحين لا يتيسر لهم الإسناد القريب إلى النبي نفسه يطلبون أقرب الأسانيد إلى الصحابة أو التابعين أو الأئمة الأعلام، واثقين أن العلم في تلك العصور الذهبية كان «غَضًّا طَرِيًّا، وَالارْتِسَامُ بِهِ مَحْبُوبًا شَهِيًّا، وَالدَّوَاعِي إِلَيْهِ أَكْبَرُ، وَالرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرُ» (٥). واهتمامهم بالأسانيد العالية لم يكن ينصرف إليها لذاتها، بل لما يترتب عليها من قوة الظن بصحة متونها، فما يقيمون وزنًا لإسناد عَالٍ إذا شَكُّوا في رجاله لأن ضعف رجال الإسناد سَيُؤَدِّي ضرورة إلى ضعف المتن المروي، لذلك فَضَّلُوا النزول عن الثقات على العلو عن غير الثقات (٦) وأنشدوا مع أبي بكر بن الأنباري (٧):
стр. 145
عِلْمُ النُّزُولِ اكْتُبُوهُ فَهُوَ يَنْفَعُكُمْ ... وَتَرْكُكُمْ كَتْبَهُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَنَتِ
إِنَّ النُّزُولَ إِذَا مَا كَانَ عَنْ ثَبْتٍ ... أَعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوٍّ غَيْرِ ذِي ثَبَتِ (١).
وعرف بعض نقاد الحديث للأسانيد النازلة مزية لم يعرفوها للعالي من الأسانيد، فرأوا «أَنَّ السَّمَاعَ النَّازِلَ أَفْضَلُ، لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ جَرْحِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَتَعْدِيلِهِ، وَالاجْتِهَادُ فِي أَحْوَالِ رُوَاةِ النَّازِلِ أَكْثَرُ، وَكَانَ الثَّوَابُ فِيهِ أَوْفَرَ» (٢).
وبلغ بالمحدثين حسهم النقدي ذروة لا تسامى حين لاحظوا أن المعاصر حجاب، فكرهوا التحديث عن الأحياء (٣) كأنهم يخشون أثر الحب في حسن الظن وأثر الكره والمنافسة في إساءة الظن بالمروي عنه، فلا تكون أسس الجرح والتعديل سليمة ولا صحيحة. قََالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ذَاكَرْتُ الشَّافِعِيَّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ وَأَنَا غُلاَمٌ، فَقَالَ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ. فَقَالَ: «مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ كَمَا حَدَّثْتُكَ. وَإِيَّاكَ وَالرِّوَايَةَ عَنِ الأَحْيَاءِ» (٤). وقال ابْنُ عَوْنٍ: «قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: أَلاَ أُحَدِّثُكَ؟» (قَالَ): فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «أَعَنِ الأَحْيَاءِ تُحَدِّثُنِي أَمْ عَنِ الأَمْوَاتِ؟» قَالَ: «قُلْتُ، لاَ بَلْ عَنِ الأَحْيَاءِ»، قَالَ: «فَلاَ تُحَدِّثْنِي عَنِ الأَحْيَاءِ» (٥).
стр. 146
وَلِنُقَّادِ الحديث اصطلاحات في التعديل والتجريح يدل تنوعها وتغايرهاعلى تباين أحوال الرواة في القوة والضعف، والثقة والريبة. وقد جعل ابن حجر هذه الاصطلاحات اثنتي عشرة مرتبة (١): «١ - الصحابة. ٢ - من أكد مدحه بأفعل التفضيل، كأوثق الناس، أو بتكرار الصفة لفظًا، كثقة ثقة، أومعنى، كثقة حافظ، ٣ - من أفرد بصفة: كثقة، أو متقن، أو ثبت، ٤ - من قصر عمن قبله قليلاً كصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس، ٥ - من قصر عن ذلك قليلاً، كصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة، ويلحق بذلك أهل الأهواء والبدع، ٦ - من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، ويشار إليه بمقبول حيث يتابع، وإلا فَلَيِّنُ الحديث، ٧ - من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، ويشار إليه بمستور، أو مجهول الحال، ٨ - من لم يوجد فيه توثيق معتبر، وجاء فيه تضعيف وإن لم يبين، والإشارة إليه: ضعيف، ٩ - من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق، ويقال فيه: مجهول، ١٠ - من لم يُوَثَّقْ البَتَّةَ وَضُعِّفَ مع ذلك بقادح، ويقال فيه متروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط، ١١ - من اتهم بالكذب، ويقال فيه: متهم، ومتهم بالكذب، ١٢ - من أطلق عليه اسم الكذب والوضع، ككذاب، أو وضاع أيضع، أو ما أكذبه! ونحوها».
والدقة في شروط الراوي - في ضوء مصطلحات الناقدين - كانت
стр. 147
تُرَاعَى حتى أواخر القرن الثالث الهجري بتحفظ شديد، وَحِيطَةٍ بَالِغَةٍ، لتيسر السماع وتداول هذه الألفاظ على ألسنة الشيوخ والتلاميذ. بَيْدَ أَنَّ الرُوَّاةَ اضطروا بعد ذلك إلى كثير من التساهل في هذه الشروط، فاكتفوا في تعديل الراوي بشروط العقل والبلوغ والإسلام والضبط وعدم التظاهر بالفسق لأن الرواية باتت دراسة للكتب، لا نقلاً بالمشافهة والسماع (١).
وأما شرط الإسلام، فهو واضح في نفسه، كما أن الغاية من اشتراطه واضحة: فالراوي يؤدي أحاديث وأخبارًا وآثارًا تتعلق بهذا الدين، وبأحكامه وحكمه وتشريعاته: فالأحوط أن يقوم بهذا الشأن من كان مؤمنًا بهذه العقيدة التي يتحمل مسؤولية تفهيمها للناس. على أن الإسلام يشترط عند أداء الرواية لا عند تحملها (٢)، فقد قبلت رواية جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الطُّورِ» مع أنه كان قد جاء في فداء أسرى بَدْرٍ ولم يكن قد أسلم بعد، وقال عن نفسه - كما في " صحيح البخاري ": «وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي».
стр. 148
البَابُ الثَّالِثُ: مُصْطَلَحُ الحَدِيثِ:
стр. 149
الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَقْسَامُ الحَدِيثِ:
الحديث إما مقبول وهو الصحيح، وإما مردود وهو الضعيف: هذا هو القسم الطبيعي الذي تندرج تحت نوعيه أقسام كثيرة أخرى تتفاوت صحة وضعفًا بتفاوت أحوال الرواة وأحوال متون الأحاديث.
لكن المحدثين اصطلحوا على تقسيم ثلاثي للحديث آثروه على التقسيم الثنائي السابق، فأصبح الحديث لا يخرج عن أحد هذه الأقسام الرئيسية: فهو إما صحيح، وإما حسن، وإما ضعيف (١).
وظاهر أن «الحَسَنَ» يكون - على الرأي الأول - تابعًا لأحد القسمين، فهو إما نوع من الصحيح - كما ينقل الذهبي عن البخاري ومسلم - (٢) وإما نوع من الضعيف الذي لا يترك العمل به (٣) بل هو - كما قال أحمد بن حنبل -
стр. 150
أجدر أن يعمل به من القياس. وأما على الرأي الثاني فيكون «الحَسَنُ» قسمًا قائمًا برأسه دون الصحيح وأعلى من الضعيف.
وأما الموضوع - وهو المختلق على رَسُولِ اللهِ ﷺ أو على غيره من الصحابة والتابعين - فلم نذكره بين أقسام الحديث، لأنه ليس حديثًا في الواقع ونفس الأمر، وإنما هو لدى مختلقه فقط في حكم الحديث (١)، وإثبات وضعه هو الذي يسقط عنه صفة «الحَدِيثِ». أما قبل إثبات وضعه فلنا أن نُسَمِّيهِ «حَدِيثًا» انتظارًا لما تسفر عنه نتيجة البحث فيه، فأما أن تثبت فيه صفة الضعف، فَيُسَمَّى «حَدِيثًا ضَعِيفًا» قَطْعًا. فإذا سمعت أو قرأت هذه العبارة: «حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ» فالغرض من ذكر لفظ «الحَدِيثِ» فيها الحكم عليه بحرمة نقله وروايته.
وأقسام الحديث الثلاثة تشتمل على أنواع كثيرة تندرج تحتها، ومن هذه الأنواع ما هو خالص للصحة أو للحسن أو للضعف، وما هو مشترك بين الصحيح والحسن فقط، ثم ما هو مشترك - أخيرًا - بين الثلاثة على السواء: الصحيح والحسن والضعيف. وحول ألقاب هذه الأنواع (الخالصة لأقسام الحديث تارة، أو المشتركة بينها تارة أخرى) وضعت المصطلحات الكثيرة،
стр. 151
فَسَمَّاهَا بعضهم علومًا، وبعضهم أنواعًا، واتفق هؤلاء وأولئك على أنها من الكثرة بحيث لا تعد ولا تحصر (١)، حتى قال الحازمي [فِي كِتَابِ " الْعُجَالَةِ "] (٢): «عِلْمُ الْحَدِيثِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ تَبْلُغُ مِائَةً، كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ لَوْ أَنْفَقَ الطَّالِبُ فِيهِ عُمُرَهُ لَمَا أَدْرَكَ نِهَايَتَهُ» (٣).
وحين ألف ابن الصلاح كتابه " علوم الحديث " ذكر من هذه الأنواع خمسة وستين ثم قال: «وَلَيْسَ ذَلِكَ بِآخِرِ المُمْكِنِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّنْوِيعِ إِلَى مَا لاَ يُحْصَى، إِذْ لاَ تُحْصَى أَحْوَالُ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَصِفَاتُهُمْ، وَأَحْوَالُ مُتُونِ الحَدِيثِ، وَصِفَاتُهَا» (٤). ولكن ابن كثير - في اختصاره لهذا الكتاب - لاحظ إمكان دمج بعض هذه الأنواع في بعض، وأخذ على ابن الصلاح بسطه كل هذه التقاسيم، ورتبها ترتيبًا جديدًا على ما هو الأنسب في نظره (٥)، ولنا، مع ذلك، ملاحظات على ترتيبه، فلن نأخذ به جملة وتفصيلاً وإن كنا سنسير غالبًا في هَدْيِهِ.
ويبدو لنا أن العَلاَّمَةَ جمال الدين القاسمي (٦) في " قواعد التحديث " كان
стр. 152
أقرب إلى المنطق حين ذكر ألقابًا للحديث تشمل الصحيح والحسن (١)، وأنواعًا تشترك في الصحيح والحسن والضعيف (٢)، ثم أنواعًا تختص بالضعيف (٣). ولاستحساننا هذا التقسيم سيظهر على كتابنا هذا أثر واضح منه، إلا أن القارئ الكريم لن يخفى عليه أننا لسنا دائمًا على وفاق مع عَلاَّمَةِ الشام في مصطلحاته وتقاسيمه. ولقد قال علماؤنا القُدَامَى: «لاَ مُشَاحَّةَ فِي الاصْطِلاَحِ» فاستخرنا الله في أن نعرض للناس مصطلحات الحديث بعبارة واضحة، وتقسيم لا لُبْسَ فيه، ولا تتداخل الأنواع والألقاب فيه قانعين من مباحثه بأهمها، مستغنين عما نظنه قليل الفائدة من النقاش اللفظي والجدل العقيم.
стр. 153
الفَصْلُ الثَّانِي: القِسْمُ الأَوَّلُ - الحَدِيثِ الصَّحِيحُ:
عَرَّفُوا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ: «الحَدِيثُ المُسْنَدُ الذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ إِلَى مُنْتَهَاهُ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَلاَ يَكُونُ شَاذًّا، وَلاَ مُعَلَّلاً» (١).
وفي هذا التعريف أمور تنبغي ملاحظتها:
١ - أن الحديث الصحيح «مُسْنَدٌ» (٢) - وهو ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه - ولذلك يقال في وصفه أيضًا: إنه متصل أو موصول: فالحديث المرسل الذي سقط منه الصحابي فقد الاتصال في السند، فهو على الأرجح ضعيف وليس بصحيح. وكذلك الحديث المنقطع ليس بصحيح، لأن رجلاً سقط من إسناده، أو لأن رجلاً مُبْهَمًا ذكر في هذا الإسناد، والإبهام أشبه بالسقوط. وَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي «المُعْضَلِ» لأنه الحديث الذي سقط من إسناده اثنان فأكثر.
стр. 154
٢ - أن الحديث الصحيح لا يكون «شَاذًّا»، وهو ما رواه الثقة مُخَالِفًا رواية الثقات، كما سنرى في بحث الشذوذ.
٣ - أن الحديث الصحيح لا يكون مُعَلَّلاً - وهو الذي اكتشفت فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ تقدح في صِحَّتِهِ ' وإن كان يبدو في الظاهر سليمًا من العلل.
٤ - أن رجال السند في الصحيح كلهم عدول ضابطون. فإن فقدت في أحدهم صفة من صفات العدالة أو الضبط ضُعِّفَ الحَدِيثُ وَلَمْ يُصَحَّحْ. وقد عرفنا في (فصل شروط الراوي) المراد من العدالة والضبط.
والصحيح على قسمين: صحيح لذاته وصحيح لغيره. فالصحيح لذاته هو ما اشتمل من صفات القبول على أعلاها، أما الصحيح لغيره فهو ما صُحِّحَ لأمر أجنبي عنه، إذا لم يشتمل من صفات القبول على أعلاها، كالحسن فإنه إذا رُوِيَ من غير وجه ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى منزلة الصحة (١).
وكما يوصف الصحيح بأنه مُسْنَدٌ وَمُتَّصِلٌ، يوصف بأنه متواتر أو آحادي، ويجوز وصفه بأنه غريب أو مشهور (٢). وسنرى أن ثمة ألقابًا يشترك فيها كل من الصحيح والحسن، وأن اصطلاحات أخرى تشمل الصحيح والحسن والضعيف.
فالمتواتر هو الحديث الصحيح الذي يرويه جمع يحيل العقل والعادة تواطؤهم على الكذب، عن جمع مثلهم في أول السند ووسطه وآخره (٣). وإنما قلنا في
стр. 155
التعريف: «جَمْعٌ يُحِيلُ العَقْلُ وَالعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ» لنتخلص من تلك الآراء المتضاربة حول تحديد عدد هذا الجمع تحديدًا «كَيْفِيًّا» ليس عليه دليل صريح. فمنهم من يرى أن أقل العدد الذي يثبت به التواتر: أربعة، لقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١) في الشهادة على حصول الزنى، ومنهم من يقول: خمسة، كما في آيات الملاعنة (٢). ومنهم من يقول: عشرة، لأن ما دون العشرة آحاد، ولا يُسَمَّى الجمع جمعًا إلا بها أو بما فوقها. ومنهم من يقول: اثنا عشر، لقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٣). ومنهم من يقول: عشرون، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٤). ومنهم من يقول: أربعون، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥). وكان عددهم عند نزول الآية قد بلغ أربعين رجلاً بإسلام عمر، ومنهم من يقول: سبعون، لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (٦). وقال بعضهم: بل ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً وامرأتان، على عدد أهل بَدْرٍ. وهذه الاستدلالات كلها - وإن تك مستنبطة من القرآن -
стр. 156
ليست صريحة الدلالة، لأن الكل عدد منها علاقة بالحادثة الخاصة التي ذكر فيها. فالأرجح في تعريف المتواتر أن يلاحظ فيه مجرد روايته لتعين عدد هذا الجمع. وقد قال ابن حجر: «لاَ مَعْنَى لِتَعْيِينِ العَدَدِ عَلَى الصَّحِيحِ» (١).
وينقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، فالمتواتر اللفظي هو الذي رواه الجمع المذكور في أول السند ووسطه وآخره بلفظ واحد، وصورة واحدة وهو كما يقول ابن الصلاح: «عَزِيزٌ جِدًّا، بَلْ لاَ يَكَادُ يُوجَدُ. وَمَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرَازِ مِثَالٍ لِذَلِكَ أَعْيَاهُ تَطَلُّبُهُ» (٢). والأكثرون على أنه - باشتراط المطابقة اللفظية فيه من كل وجه - يستحيل وجوده في غير القرآن الكريم. وبعض العلماء يُؤَكِّدُونَ أن في الحديث النبوي نفسه غير قليل من المتواتر اللفظي، ويسوقون للدلالة على ذلك أمثال حديث «انْشِقَاقِ القَمَرِ»، وَ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»، وَ «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا»، وَ «الشَفَاعَةِ»، وَ «أَنِينِ الجِذْعِ»، وَ «المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ»، وَ «الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ»، وَ «نَبْعِ المَاءِ مِنْ أَصَابِعِهِ ﷺ »، وَ «رَدِّ عَيْنِ قَتَادَةَ»، وَ «إِطْعَامِ الجَيْشِ الكَثِيرِ مِنَ الزَّادِ القَلِيلِ» (٣). ومن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي السيوطي (٤).
стр. 157
في " الأزهار المتناثرة، في الأخبار المتواترة " (١)، والقاضي عياض في " الشفاء ". ويبدو أن الحافظ ابن حجر نفسه يجنح إلى هذا المذهب، فقد ذكر في " شرح النخبة " أَنَّ «مِن أَحْسَنَ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كونُ المُتواتِرِ مَوجوداً، وُجودَ كَثْرةٍ في الأَحاديثِ، أَنَّ الكُتُبَ المَشْهُورَةَ المُتَداوَلَةَ بأَيدي أَهْلِ العِلْمِ شَرْقاً وغَرْباً، المَقْطوعَ عِنْدَهُمْ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّداً تُحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ إِلَى آخِرِ الشُّرُوطِ، أَفَادَ العِلْمَ اليَقِينِيَّ بِصِحَّتِهِ إِلَى قَائِلِهِ» (٢).
وأشار في " شرح البخاري " إلى أن حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا» رواه أكثر من أربعين صحابيًا، بينهم العشرة المُبَشَّرُونَ بالجنة (٣).
أما المتواتر المعنوي فمن الواضح أنه لا يشترط في روايته المطابقة اللفظية، وإنما يكتفي فيه بأداء المعنى ولو اختلفت رواياته، عن الجمع الذين يحيل العقل والعادة تواطؤهم على الكذب. وهو كثير جِدًّا ليس في وسع أحد إنكاره. ومثاله: «أَحَادِيثَ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ» فقد رُوِيَ عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء. وقد جمعها السيوطي في جزء لكنها في قضايا مختلفة،
стр. 158
فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها - وهو الرفع عند الدعاء - تواتر باعتبار المجموع (١). ويرى بعضهم أن تلك الأحاديث التي يستشهد بها نفر من العلماء على وجود التواتر اللفظي ليست في الحقيقة إلا متواترة المعنى، ولكن استفاضة محتواها واشتهاره غطيا على اختلاف الروايات في بعض ألفاظها.
ومن علماء الحديث من لا يرى بأسًا في أن يكون المتواتر المعنوي في أوله آحاديًا (٢)، ثم يشتهر بعد الطبقة الأولى ويستفيض ن فيسلكون حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عداد ما تواتر معنى، مع أنه لم يروه إلا عمر بن الخطاب، ولم يروه عن عمر إلا علقمة، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، وإنما طرأت له الشهرة من عند يحيى (٣).
والمحدثون لا يذكرون «المُتَوَاتِرَ» باسمه الخاص المشعر بمعناه، وإنما يتبعون فيه الفقهاء والأصوليين: لأَنَّ التَّوَاتُرَ لَيْسَ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، إِذْ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ، لِيُعْمَلَ بِهِ أَوْ يُتْرَكَ مِنْ حَيثُ صِفَاتُ الرِّجَالِ وَصِيَغُ الأَدَاءِ، وَالمُتَواتِرُ لاَ يُبْحَثُ عَنْ رِجالِهِ، بَلْ يَجِبُ
стр. 159
العَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ» (١).
ولا خلاف بين المحدثين في أن كُلاًّ من المتواتر اللفظي والمعنوي يوجب العلم القطعي اليقيني، وإنما هم يختلفون في الحديث الصحيح الآحادي هل يفيد الظن أم القطع، فالنووي في " التقريب " يراه ظني الثبوت، وأكثر أهل الحديث يقطعون منه بما أخرجه الشيخان، البخاري ومسلم، وبعضهم يُرَجِّحُونَ أن الآحادي الصحيح، سواء أأخرجه الشيخان أم سواهما، يفيد العلم القطعي اليقيني كالمتواتر بقسميه عَلَى حَدٍّ [سَوَاءٍ]. قال ابن حزم (٢): «إَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ مَعًا» (٣).
ورأي ابن حزم أجدر بالاتباع، إذ لا معنى لتخصيص أحاديث " الصحيحين " بإفادة القطع، لأن ما ثبت صحته في غيرهما ينبغي أن يحكم عليه بما حكم عليه فيهما، فما للكتابين من منزلة خاصة في قلوب المؤمنين لا ينبغي أن يقلل من قيمة الصحيح في الكتب الأخرى، كما أنه لا معنى للقول بظنية الحديث الآحادي بعد ثبوت صحته، لأن ما اشترط فيه لقبول صحته يزيل كل معاني الظن، ويستوجب وقوع العلم اليقيني به (٤).
والحديث الصحيح يُسَمَّى «غَرِيبًا» إذا تفرد بروايته واحد ثقة، وتكون
стр. 160
غرابته في المتن تارة، وفي الإسناد تارة أخرى (١).
وَيُسَمَّى «مَشْهُورًا» إذا اشتركت جماعة في روايته عن الشيخ الثقة (٢).
ومن غريب أمر المحدثين أن بعضهم اشترط، في تعريف الصحيح، أن يكون «عَزِيزًا» (٣)، وإليه يُومِئُ كلام الحاكم أبي عبد الله في " معرفة علوم الحديث " حيث قال: «وَصِفَةُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحَابِيُّ زَائِلٌ عَنْهُ اسْمُ الجَهَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ تَابِعِيَّانِ [عَدْلاَنِ]، ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثِ بِالْقَبُولِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ» (٤).
ولا حاجة إلى هذا الاصطلاح الخاص بعد الذي أوضحناه من تفرقة العلماء بين تعديل الراوي وتزكية الشاهد.
والإمام البخاري هو أول من صَنَّفَ في «الصَّحِيحِ المُجَرَّدِ» الذي يخلو من الإرسال والانقطاع والبلاغات. أما التعاليق التي أدخلها في " جامعه " فما أوردها إلا استئناسًا، واستشهادًا، فَذِكْرُهَا فِيهِ لا يخرجه عن كونه جَرَّدَ الصحيح (٥). ولا يعد الإمام مالك أول من صنف في الصحيح، لأنه لم يفرده بل أدخل فيه - تَبَعًا لِمَنْهَجِهِ - المراسيل والمقاطيع والبلاغات. ثم تلا البخاري تلميذه الإمام مسلم في تصنيف الصحيح (٦)، وتتابع التأليف بعد ذلك في الصحيح
стр. 161
وما يقاربه على النحو الذي فَصَّلْنَاهُ في فصل «أَهَمِّ كُتُبِ الرِّوَايَةِ».
غير أن درجة الصحة ليست واحدة في كل ما سُمِّيَ صحيحًا، ولا في جميع الكتب المشتملة على الصحيح، بل المحدثون يعرفون الصحيح والأصح، كما سنرى أنهم يعرفون الضعيف والأضعف، وهو يعتقدون أن رُتَبَ الصحيح تتفاوت بتفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة (١)، ولم يسع النووي، تجاه هذا التفاوت، إلا أن يُقَسِّمَ الصحيح سبعة أقسام: ١ - أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ٢ - ما انفرد به البخاري، ٣ - ثم ما انفرد به مسلم، ٤ - ثم ما كان على شرطهما وإن لم يُخْرِجَاهُ، ٥ - ثم على شرط البخاري، ٦ - ثم على شرط مسلم، ٧ - ثم ما صححه غيرهما من الأئمة (٢).
وتتفاوت كذلك رُتَبُ الصحيح بتفاوت الأمصار التي روته، ويوشك أكثر العلماء أن يجزموا بأن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة فهي دَارُ السُنَّةِ المُشَرَّفَةِ. قال ابن تيمية (٣): «اتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ أَهْلُ المَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ البَصْرَةِ، ثُمَّ أَهْلُ الشَّامِ» وقال الخطيب: أَصَحُّ طُرُقِ السُّنَنِ مَا يَرْوِيهِ
стр. 162
أَهْلُ الحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَإِنَّ التَّدْلِيسَ عَنْهُمْ قَلِيلٌ، وَالكَذِبَ وَوَضْعَ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَزِيزٌ.
وَلأَهْلِ اليَمَنِ رِوَايَاتٌ جَيِّدَةٌ، وَطُرُقٌ صَحِيحَةٌ، إِلاَّ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى أَهْلِ الحِجَازِ أَيْضًا. وَلأَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِالأَسَانِيدِ الوَاضِحَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مَعَ إِكْثَارِهِمْ. وَالْكُوفِيُّونَ مِثْلُهُمْ فِي الكَثْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ رِوَايَاتِهِمْ كَثِيرَةُ الدَّغَلِ، قَلِيلَةُ السَّلاَمَةِ مِنَ الْعِلَلِ.
وَحَدِيثُ الشَّامِيِّينَ أَكْثَرُهُ مَرَاسِيلُ وَمَقَاطِيعُ، وَمَا اتَّصَلَ مِنْهُ مِمَّا أَسْنَدَهُ الثِّقَاتُ فَإِنَّهُ صَالِحٌ. وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاعِظِ» (١).
واختلف أئمة الحديث في أصح الأسانيد، فذكر كل منهم ما أدى إليه اجتهاده. ولكل صحابي رواة من التابعين، ولهم أتباع وأكثرهم ثقات، فلا يمكن أن يُقْطَعَ الحكم في أصح الأسانيد لصحابي واحد (٢).
وقد يعدل نقاد الحديث عن قولهم «حَدِيثٌ صَحِيحٌ» إلى قولهم: «صَحِيحُ الإِسْنَادِ»، قاصدين من ذلك إلى الحكم بصحة السند من غير أن يستلزم صحة المتن، لجواز أن يكون في المتن شذوذ أو علة. وإذا أرادوا صحة السند والمتن معًا أَوْرَدُوا العبارة المطلقة أرقى من قولهم: «صَحِيحُ الإِسْنَادِ» بهذا التقييد. ولذلك قال السيوطي في " ألفيته ":
стр. 163
وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ ... وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ
لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ وَاحْكُمِ ... لِلْمَتْنِ إِنْ أُطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي (١).
وإذا قال المُحَدِّثُونَ: «أَصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ كَذَا» فلا يلزم من هذا التعبير صحة الحديث، فإنهم يقولونه وإن كان الحديث ضعيفًا، ومرادهم أرجح ما في الباب أو أَقَلُّهُ ضعفًا (٢).
стр. 164
الفَصْلُ الثَّالِثُ: الحَدِيثُ الحَسَنُ:
الحدث الحسن هو ما اتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط، وَسَلِمَ من الشذوذ وَالعِلَّةِ (١). وأهم ما في هذا التعريف، لرفع الالتباس بين الصحيح والحسن، أن العدل في الحسن خفيف الضبط، بينا هو في الصحيح تام الضبط. وَكِلاَ التقسيمين سالم من الشذوذ والعلة، وكلاهما يُحْتَجُّ بِهِ ويستشهد بمضمونه.
والحديث الحسن نوعان: حسن لذاته، وحسن لغيره.
وإذا أطلق الحديث الحسن [انصرف] إلى الحسن لذاته، فلا داعي إلى تعريفه مرة أخرى. وإنما سُمِّيَ «حَسَنًا لِذَاتِهِ» لأن حُسْنَهُ ناشئ عن شيء داخل فيه، ذاتي له، لا من شيء خارج عنه (٢): فهو قد بلغ - بنفسه - درجة الصحيح في شروطه، وإن كان أخف مه بضبط رجاله.
أما الحسن لغيره فهو ما في إسناده مستور لم تتحقق أهليته ولا عدم أهليته غير أنه ليس مُغَفَّلاً كثير الخطأ ولا مُتَّهَمًا بالكذب، ويكون متنه مُعَضَّدًا بمتابع
стр. 165
أو شاهد (١). ويدور حول تعريف الحسن بقسميه جدل لا نرى ضرورة للخوض فيه، ولا ثمرة ترجى منه (٢).
و" جامع الترمذي " أصل في معرفة الحديث الحسن وإن أخذوا عليه تعريفه له. وهو الذي نَوَّهَ بذكره (٣). وهو أول من عُرِفَ أنه قَسَّمَ الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف. والضعيف عندهم كان على نوعين: ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه، وهو الواهي (٤).
في " جامع الترمذي " عبارتان يحسن أن تفهما بوضوح، وإلا أوقعتا القارئ في اللُّبْسِ والإبهام، إحداهما: حديث حسن صحيح، والأخرى حديث حسن صحيح غريب. وأفضل ما يجاب به عن الأول أن الرواية التي وصفت
стр. 166
«بِالحُسْنِ» ثبتت من طريق أخرى لها شروط «الصِحَّةِ»، فما يقول فيه الترمذي: «حَسَنٌ صَحِيحٌ» أعلى عنده من الحسن ودون الصحيح (١). وقد أزال الحافظ ابن حجر كل إشكال حول هذا البحث حين قال: «وَشِبْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الرَّاوِي: صَدُوقٌ فَقَطْ، وَصَدُوقٌ ضَابِطٌ، فَإِنَّ الأَوَّلَ قَاصِرٌ [عَنْ] دَرَجَةِ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَالثَّانِيَ مِنْهُمْ. فَكَمَا أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُمَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يُشْكِلُ، فَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ» (٢).
وأما وصف الحسن الصحيح بالغرابة فقائم على أن الصحيح يروى أحيانًا من وجه واحد فيكون غريبًا، فالحسن الذي هو دون الصحيح أجدر أن يوصف كذلك بأنه غريب. ولابن حجر مذهب آخر في تعليل هذا المصطلح، فهو يرى أن الترمذي «لَمْ يُعَرِّفْ الحسن مطلقًا، وإنما عَرَّفَهُ بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه «حَسَنٌ» من غير صفة أخرى، وذلك أن يقول في بعض الأحاديث: حسن، وفي بعضها: صحيح، وفي بعضها: غريب، وفي بعضها: حسن صحيح، وفي بعضها: حسن صحيح غريب. وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه (*): «وَمَا [ذَكَرْنَا فِي هَذَا الكِتَابِ] (حَدِيثٌ حَسَنٌ) فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا، كُلُّ حَدِيث يُرْوَى [لاَ يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ] بِالكَذِبِ وَلاَ يُكُونُ [الحَدِيثُ] شَاذًّا [وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذَاكَ] فَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ». فَعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّفَ الذي يقول
стр. 167
فيه: حسن فقط. أما ما يقول فيه: حسن صحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب، فلم يُعَرِّجْ على تعريف ما يقول فيه: صحيح فقط، أو غريب فقط. وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عن أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: حَسَنٌ فقط، إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح جديد. ولذلك قَيَّدَهُ بقوله «عِنْدَنًا»، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي (١)» (٢).
والحسن لذاته إذا رُوِيَ من وجه آخر، تَرَقَّى من الحسن إلى الصحيح لقوته من الجهتين، فيعتضد أحدهما بالآخر، وذلك لأن الراوي في الحسن متأخر عن درجة الحافظ الضابط مع كونه مشهورًا بالصدق والستر، فإذا رُوِيَ حديثه من غير وجه، ولو وجهًا واحدًا، قوي بالمتابعة وزال ما كان يخشى عليه من جهة سوء حفظ راويه ن فارتفع حديثه من درجة الحسن إلى الصحيح. مثاله حديث: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ». فإن طريق هذا المتن: محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عنه ﷺ . ومحمد بن عمرو مُتَّهَمٌ في الحفظ والضبط والإتقان وإن وَثَّقَهُ كثيرون. فهذا الحديث حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَصَحِيحٌ لِغَيْرِهِ، لأنه مروي عن شيخ محمد وعن شيخ شيخه،
стр. 168
وقد رواه أيضًا عن أبي هريرة كثيرون منهم الأعرج بن هرمز وسعيد المقبري (١).
وإلى جانب الترمذي الذي كان أول من نَوَّهَ بالحديث الحسن نجد في الطبقة التي سبقته كأحمد والبخاري، وفي متفرقات من كلام مشايخه، أحاديث تغلب عليها صفة الحسن (٢)، فهي دون الصحيح، وأعلى من الضعيف. ونحن لا نستغرب وجود الحسن في " صحيح البخاري " - فضلاً عن " مسند أحمد " - بعد أن أوردنا حُجَّةَ الذهبي في أن الحسن نوع من أنواع الصحيح.
ويرى ابن الصلاح أن من مظان الحسن " سنن أبي داود "، لأنه يروي عنه أنه قال: «ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنْتُهُ. وَمَا لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ، وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ» (٣). فَيُعَقِّبُ ابن الصلاح على عبارة أبي داود هذه بقوله: «فَمَا وَجَدْنَاهُ [فِي كِتَابِهِ] مَذْكُورًا (مُطْلَقًا) وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ " الصَّحِيحَيْنِ " وَلاَ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَحَدٌ، فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ» (٤). وظاهر أن تعقيب ابن الصلاح مُسْتَمَدٌّ من منهجه الذي سار عليه من ضرورة منع المتأخرين من الحكم على حديث ما بالصحة إذا لم يكن في أحد " الصحيحين " ولم يَنُصَّ أحد من الأئمة على صحته. ولذلك يرى أن ما صححه الحاكم من الأحاديث، ولم نجد لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا
стр. 169
تضعيفًا حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه. والحق ما ذهب إليه الحافظ العراقي (١) من إباحة الحكم بالصحة أو الضعف على حديث ما للخبير المُتَمَرِّسِ الذي يستطيع أن يُدَقِّقَ في الفحص عن الأسانيد والعلل (٢).
وللبغوي (٣) في كتابه " مصابيح السنة " اصطلاح خاص في تمييز الصحيح والحسن، فأما الصحيح فهو ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وأما الحسن فهو ما رواه أبو داود والترمذي وأشباههما. وقد اعترض عليه كثيرون، ولم يجدوا مسوغًا لاصطلاحه الخاص، ولا سيما لأن " مصابيحه " لَمْ تَخْلُ، كما قال النووي، من الأحاديث المنكرة التي انفرد بروايتها رَاوٍ ليس بالعدل ولا بالضابط (٤).
أَلْقَابٌ تَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالحَسَنَ:
حين يصف النُقَّادُ حديثًا ما بـ «الصِحَّةِ» أو «الحُسْنِ» يرونه - في الوقت نفسه - صالحًا للاتصال بألقاب أخرى توحي جميعًا بقبوله وإمكان الاحتجاج به: ومن هذه الألفاظ المستعملة في الخبر المقبول: جَيِّدٌ، وَمُجَوَّدٌ، وَقَوِيٌّ، وَثَابِتٌ، وَمَحْفُوظٌ، وَمَعْرُوفٌ، وَصَالِحٌ، وَمُسْتَحْسَنٌ.
ويلاحظ في هذه الألقاب أن المعنى اللغوي أغلب عليها من مصطلح
стр. 170
المحدثين: ففيها تنوع في التعبير يتجلى بوضوح في الألفاظ الأربعة الأولى، عندما يقارن المُجَوَّدَ بِالجَيِّدِ ن والثابت بالقوي. ويستأنس لذلك بقول الإمام أحمد: «أَجْوَدُ الأَسَانِيدِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ» عوضًا عن «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ» (١) وقد حكى ابن الصلاح هذه العبارة عن أحمد كما أخرجها عنه الحاكم أبو عبد الله، فاستنتج منها بعض العلماء أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجَيِّدِ والصحيح (٢). ثم إن الترمذي عَبَّرَ أحيانًا بقوله: «هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ» بدلاً من عبارته المشهورة التي أشرنا إليها «حَسَنٌ صَحِيحٌ»، وكأنه عدل عن اصطلاحه المشهور لارتقاء الحديث عنده عن الحسن لذاته وتردده في بلوغ الصحيح، فهو حسن لذاته وصحيح لغيره. وذلك يعني أن التعبير بالجودة يشمل الحسن كالصحيح.
وَيُخَيَّلُ إلينا أن السيوطي يرمي إلى هذا حين يقول: «إِلاَّ أَنَّ الْجِهْبِذَ مِنْهُمْ لاَ يَعْدِلُ عَنْ صَحِيحٍ إِلَى جَيِّدٍ إِلاَّ لِنُكْتَةٍ، كَأَنْ يَرْتَقِيَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنِ الحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَيَتَرَدَّدُ فِي بُلُوغِهِ الصَّحِيحَ، فَالوَصْفُ بِهِ أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ الوَصْفِ (بِصَحِيحٍ)،
стр. 171
وَكَذَا القَوِيُّ» (١). ولا بد أن يسترعي انتباهنا قوله في ختام عبارته: «وَكَذَا القَوِيُّ» فهو يُسَوِّي بين «الجَوْدَةِ» وَ «القُوَّةِ»، فلا يتعذر علينا - قياسًا على هذا - أن نرى التساوي أوضح بين «التَّجْوِيدِ» وَ «الجَوْدَةِ» وَبَيْنَ «الثُّبُوتِ» وَ «القُوَّةِ»، فهي جميعًا صفات للحديث المقبول سواء أكان صحيحًا أم حسنًا.
وفي تعريف كل من الحسن والصحيح نبهنا على سلامتها من الشذوذ، فلا يكون أحدهما شَاذًّا ولا منكرًا، وإنما يوصفان بِنَقِيضَيْهِمَا وهما المحفوظ والمعروف. قال ابن حجر: «وَزِيَادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ مَقْبُولَةٌ، مَا لَمْ تَقعْ مُنَافِيَةً لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ، فإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحَ فَالرَّاجِحُ الْمَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ الشَّاذُّ، وَمَعَ الضَّعْفِ فالرَّاجِحُ المَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُنْكَرُ» (٢).
أما وصف كل من الصحيح والحسن بـ «الصَّالِحِ» فواضح في نفسه، لأن المراد صلاحيتهما للاحتجاج (٣). وعلى هذا يقول المُحَدِّثُونَ في " سنن أبي داود ": إن أحاديثه صالحة، لأنها تشمل الصحيح والحسن.
وإذا قالوا: «هَذَا حَدِيثٌ مُسْتَحْسَنٌ» (٤)، فذلك لا يعين أنه «حَسَنٌ» بالمعنى الاصطلاحي الذي أوضحناه، بل يحتمل الصحة كالحسن، فليس الحسن إلا الجودة، ولا الاستحسان إلا الاستجادة. وما كان أيسر هذه التعابير ومشتقاتها على المُحَدِّثِينَ وما كان أدق حسهم عند تمييزها مما يشبهها على أَلْسِنَةِ
стр. 172
العامة! قَالَ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ: «كُنَّا فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أَحْسَنَهُ!؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: " [أَتَقُولُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَحْسَنَهُ؟] أَلاَ قُلْتَ: هُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْجَوْهَرِ، أَحْسَنُ مِنَ الدُّرِّ، أَحْسَنُ مِنَ الْيَاقُوتِ، أَحْسَنُ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا» (١).
ومن المباحث المشتركة بين الصحيح والحسن أن حكمنا بالصحة أو بالحسن على أحد الأسانيد لا يلزم منه حكمنا بذلك على المتن، فقد يكون شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلاً. وقد أشرنا إلى هذا في بحث الصحيح. وإنما ذكرناه ههنا مرة أخرى لنظهرك على شيء من التداخل أو التشابك المنطقي بين الصحيح والحسن، ولنضع بين يديك مِقْيَاسًا للمحدثين يراعي الجوهر قبل العرض، والمضمون قبل الشكل، حين يقولون: «مَا كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدًا صَحَّ مَتْنًا» (٢).
стр. 173
الفَصْلُ الرَّابِعُ: الحَدِيثُ الضَّعِيفُ:
الحديث الضعيف ثالث أقسام الحديث، وخير تعريف له هو: «مَا لَمْ يَجْمَعْ صِفَةَ الصَّحِيحِ أَوِ الحَسَنِ» (١). وقد حاول بعضهم أن يجمع الصور العقلية لأقسام الحديث الضعيف من خلال فقده شروط الصحة والحسن فخرج بإحدى وثمانين وثلاث مائة صورة (٣٨١) أكثرها غير واقعي ولا يحمل عنوانًا مُعَيَّنًا بين أقسام الحديث الضعيف المصطلح عليها لدى المشتغلين بهذا العلم (٢). ويرى ابن الصلاح أن الصور التي يمكن وقوعها في الحديث الضعيف لا تزيد عن اثنتين وأربعين صورة شرحها وَبَيَّنَ طريقة تخريجها لها، وبها أخذ الحافظ العراقي، ولكننا لن نسرد منها إلا ما أخذ اسمًا خَاصًّا به، فمثله لا يجوز أن نجهله. وأما ما كان منها حالة من حالات الضعف من غير أن يخص باسم معين فإننا نكتفي بمجرد الإشارة الإجمالية إليه.
стр. 174
أَنْوَاعٌ تَخْتَصُّ بِالضَّعِيفِ:
الأَوَّلُ - المُرْسَلُ:
المشهور في تعريفه أنه ما سقط منه الصحابي كقول نافع: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك (١).
فهو إذن مرفوع التابعي مطلقًا، صغيرًا كان أو كبيرًا (٢). وسبب ضعفه فقد الاتصال في السند، وإنما سُمَّيَ «مُرْسَلاً» لأن رَاوِيهِ أرسله وأطلقه فلم يُقَيِّدْهُ بالصحابي الذي تَحَمَّلَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٣).
والمرسل ليس حُجَّةً فِي الدِّينِ. وهذا هو الرأي الذي «اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُفَّاظُ الحَدِيثِ وَنُقَّادُ الأَثَرِ، وَتَدَاوَلُوهُ فِي تَصَانِيفِهِمْ» (٤) وأشار مسلم في مقدمة " صحيحه " إلى أَنَّ «المُرْسَلَ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ».
وأكثر أهل العلم يحتجون بمراسيل الصحابة، فلا يرونها ضعيفة، لأن الصحابي الذي يروي حديثًا لم يتيسر له سماعه بنفسه مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غالبًا ما تكون روايته عن صحابي آخر قد تحقق أَخْذُهُ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ ، فسقوط الصحابي الآخر من السند لا يضر كما أن جهل حاله لا يضعف الحديث، فثبوت شرف الصحبة له كاف في تعديله. قال السيوطي في " التدريب ":
стр. 175
«وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ ذَلِكَ - أَيْ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ - مَا لاَ يُحْصَى، لأَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِهِمْ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَرِوَايَاتُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ نَادِرَةٌ، وَإِذَا رَوَوْهَا بَيَّنُوهَا، بَلْ أَكْثَرُ مَا رَوَاهُ الصَّحَابَةُ، عَنِ التَّابِعِينَ لَيْسَ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةً، بَلْ إِسْرَائِيلِيَّاتٌ، أَوْ حِكَايَاتٌ، أَوْ مَوْقُوفَاتٌ» (١).
ويتعذر إنكار مراسيل الصحابة، فأكثر الرواية عن ابن عباس مرسلة لِصِغَرِ سِنِّهِ في حياة رَسُولِ اللهِ ﷺ . فقد تُوُفِّيَ ﵇ وسن ابن عباس لا تزيد عن ثلاث عشرة سَنَةً (٢).
والمرسل مراتب، أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب؛ ويليها من كان يتحرى في شيوخه، كالشعبي ومجاهد؛ ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد، كالحسن. وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة، والزهري، وحميد الطويل، فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين (٣).
стр. 176
والمرسل إذا أسند عن ثقات يَتَقَوَّى وتنكشف صحته، إذ يجمع حينئذٍ صورتين، صورة الإرسال وصورة الإسناد، فإذا عارضهما مسند آخر كان أرجح منه، لاعتضاد المرسل بالمسند المتصل إلى منتهاه (١).
الثَّانِي - المُنْقَطِعُ:
أشهر تعريف له أنه «الحَدِيثُ الذِي سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ رَجُلٌ، أَوْ ذُكِرَ فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ» (٢). وسبب ضعفه فَقْدَهُ الاتصال في السند، فهو كالمرسل من هذه الناحية.
ومثال ما سقط من إسناده رجل الحديث الذي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ». فقد سقط من إسناده شريك بين الثوري وبين أبي إسحاق، لأن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك هذا سمعه من أبي إسحاق.
ومثال ما ذكر فيه رجل مُبْهَمٌ حديث: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ» الذي رواه أَبُو العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عن رجلين عن شداد بن أوس (٣) فمن هُمَا هَذَانِ الرَّجُلاَنِ؟ إنهما مبهمان وقد ذُكِرَا في السند. وقد اتفق في هذا الحديث أنهما رجلان اثنان، وقد تكون الرواية في أحاديث أخر مفردة عن رجل واحد مُبْهَمٍ. والذي يعنينا هنا وصف الإبهام في بعض حلقات السند.
стр. 177
وقد يُرْوَى الحديث وفي إسناده رجل غير مُسَمَّى وليس بمنقطع. مثاله حَدَّثَنَا شَيْخٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُخَيَّرُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالْفُجُورِ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيَخْتَرِ الْعَجْزَ عَلَى الْفُجُورِ» لأن هذا الرجل المبهم قد ذكر في رواية أخرى فإذا هو أَبُو عُمَرَ الْجَدَلِيُّ، ولا يقف على هذا النوع مِنَ الْمُنْقَطِعِ إِلاَّ الحَافِظُ الفَهِمُ المُتَبَحِّرُ فِي الصَّنْعَةِ (١).
وتماثل المنقطع والمرسل في سبب الضعف، وهو نقد الاتصال في السند، جعل الحافظ الخطيب البغدادي يقول في كتابه " الكفاية في علم الرواية ": «وَالمُنْقَطِعُ مِثْلُ المُرْسَلِ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ [التَّابِعِينَ] عَنِ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ أَنْ يَرْوِيَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَوْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ» (٢). وهذا الاستعمال الغالب الذي يشير إليه الخطيب لا يتفق من كل وجه وتعريف المنقطع الذي قدمناه، فهو اصطلاح خاص بالنسبة إلى وصف يغلب كثيرًا على الأحاديث المنقطعة.
الثَّالِثُ - المُعْضَلُ:
هو الحديث الذي سقط منه راويان فأكثر بشرط التوالي (٣)، وهو
стр. 178
صورة أشد استغلاقًا وإبهامًا من المنقطع، ومن هنا جاءت تسميته بِالمُعْضَلِ (١). ويعتبر قسمًا من المنقطع لكن بوجه خاص لأن كل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلاً (٢) وفقد الاتصال في سنده هو سبب ضعفه، كما قلنا في المرسل والمنقطع. ومن المعضل ما أرسله تابع التابعي: مثال ذلك ما رواه الأَعْمَشُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ:
الأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ... » لأن الشعبي إنما رواه عن أنس. وأنس رواه عن رَسُولِ اللهِ ﷺ . فقد أعضل الأعمش الحديث بإسقاطه أَنَسًا وَرَسُولَ اللهِ ﷺ من إسناده (٣).
والمعضل أسوأ حالاً من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، والمرسل لا تقوم به حُجَّةٌ وإنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، فأما إذا في موضعين أو أكثر فإنه يساوي المعضل في سوء الحال (٤).
الرَّابِعُ - المُدَلَّسُ:
المدلس قسمان (٥)، أحدهما مدلس الإسناد، وهو الحديث الذي يُؤَدِّيهِ الراوي عمن عاصره ولقيه مع أنه لم يصح له سماعه منه، أو عمن عاصره ولكنه لَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أنه سمعه من لفظه. مثال ذلك: قَوْلُ عَلِيٍّ بْنِ خَشْرَمَ: «كُنَّا عِنْدَ
стр. 179
سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: " قَالَ الزُّهْرِيُّ كَذَا "، فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنْهُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الرَزَّاقِ عَنْ مَعْمَرَ عَنْهُ» (١). فسفيان قد عاصر الزهري ولقيه، ولكنه لم يأخذ عنه فيصح سماعه منه، وإنما أخذ عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق أخذ عن معمر، ومعمر أخذ عن الزهري، فالتدليس هنا إسقاط سفيان شيخيه وإيراده الحديث بصيغة توهم سماعه من الزهري مباشرة.
وهذا أشد قسمي التدليس وأشنعهما وأدلهما على الكذب. قَالَ شُعْبَةُ: «لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» (٢). وَقَالَ: «التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ» (٣). وكان الشافعي يَرُدُّ مُطْلَقًا من عرف بالتدليس في الإسناد ولو مرة واحدة، ولكن أكثر العلماء على أن الراوي الذي نسب إلى التدليس يقبل من روايته ما صرح فيه بلفظ السماع، ويرد منها ما كانت عبارته محتملة مبهمة (٤).
وقد تتبع الحاكم البلاد التي أكثرت من رواية هذا القسم من التدليس، والبلاد التي لم يعرف فيها هذا الكذب في الرواية، فرأى أَنَّ «أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، [لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ] أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلاَدُ فَارِسَ، وَخُوزِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ - لاَ [يُعْلَمُ] أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَمَّا مَدِينَةُ [السَّلاَمِ] بَغْدَادَ، ... فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، [إِِلاَّ] أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيِّ الْوَاسِطِيِّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا» (٥).
стр. 180
أما القسم الثاني فهو تدليس الشيوخ. وهو أن يصف راويه بأوصاف أعظم من حقيقته أو يسميه بغير كنيته، قاصدًا إلى تعمية أمره. من ذلك أن يقول: حدثنا العلامة الثبت، أو الحافظ الضابط. ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن مجاهد المقرئ عن أبي بكر بن أبي داوود قال: «حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله»، وعن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر قال: «حدثنا محمد بن سند» فنسبه إلى جد له، ولم ينسبه إلى أبيه، وهو الاسم الذي يشتهر به (١).
ويرى ابن الصلاح أن الخطيب البغدادي: «كَانَ لَهْجًا بِهَذَا التَّقْسِيمِ فِي مُصَنَّفَاتِهِ» (٢)، وينقل عنه بعض الأمثلة في ذلك: منها أن الخطيب يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفاسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه.
ويروي أيضًا عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع شخص واحد.
ويروي كذلك عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد.
ونحن في الواقع نُجِلُّ الحافظ الخطيب عن أن يكون قصده تعمية أمر واحد من هؤلاء الشيوخ، ولكنا لا نكتم استغرابنا من ذكره هذه الأسماء التي