← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96229

علوم الحديث ومصطلحه

صبحي الصالح

Полный текст (433 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والمرسل إذا أسند عن ثقات يَتَقَوَّى وتنكشف صحته، إذ يجمع حينئذٍ صورتين، صورة الإرسال وصورة الإسناد، فإذا عارضهما مسند آخر كان أرجح منه، لاعتضاد المرسل بالمسند المتصل إلى منتهاه (١). الثَّانِي - المُنْقَطِعُ: أشهر تعريف له أنه «الحَدِيثُ الذِي سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ رَجُلٌ، أَوْ ذُكِرَ فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ» (٢). وسبب ضعفه فَقْدَهُ الاتصال في السند، فهو كالمرسل من هذه الناحية. ومثال ما سقط من إسناده رجل الحديث الذي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ». فقد سقط من إسناده شريك بين الثوري وبين أبي إسحاق، لأن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك هذا سمعه من أبي إسحاق. ومثال ما ذكر فيه رجل مُبْهَمٌ حديث: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ» الذي رواه أَبُو العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عن رجلين عن شداد بن أوس (٣) فمن هُمَا هَذَانِ الرَّجُلاَنِ؟ إنهما مبهمان وقد ذُكِرَا في السند. وقد اتفق في هذا الحديث أنهما رجلان اثنان، وقد تكون الرواية في أحاديث أخر مفردة عن رجل واحد مُبْهَمٍ. والذي يعنينا هنا وصف الإبهام في بعض حلقات السند.

стр. 177

وقد يُرْوَى الحديث وفي إسناده رجل غير مُسَمَّى وليس بمنقطع. مثاله حَدَّثَنَا شَيْخٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُخَيَّرُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالْفُجُورِ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيَخْتَرِ الْعَجْزَ عَلَى الْفُجُورِ» لأن هذا الرجل المبهم قد ذكر في رواية أخرى فإذا هو أَبُو عُمَرَ الْجَدَلِيُّ، ولا يقف على هذا النوع مِنَ الْمُنْقَطِعِ إِلاَّ الحَافِظُ الفَهِمُ المُتَبَحِّرُ فِي الصَّنْعَةِ (١). وتماثل المنقطع والمرسل في سبب الضعف، وهو نقد الاتصال في السند، جعل الحافظ الخطيب البغدادي يقول في كتابه " الكفاية في علم الرواية ": «وَالمُنْقَطِعُ مِثْلُ المُرْسَلِ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ [التَّابِعِينَ] عَنِ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ أَنْ يَرْوِيَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَوْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ» (٢). وهذا الاستعمال الغالب الذي يشير إليه الخطيب لا يتفق من كل وجه وتعريف المنقطع الذي قدمناه، فهو اصطلاح خاص بالنسبة إلى وصف يغلب كثيرًا على الأحاديث المنقطعة. الثَّالِثُ - المُعْضَلُ: هو الحديث الذي سقط منه راويان فأكثر بشرط التوالي (٣)، وهو

стр. 178

صورة أشد استغلاقًا وإبهامًا من المنقطع، ومن هنا جاءت تسميته بِالمُعْضَلِ (١). ويعتبر قسمًا من المنقطع لكن بوجه خاص لأن كل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلاً (٢) وفقد الاتصال في سنده هو سبب ضعفه، كما قلنا في المرسل والمنقطع. ومن المعضل ما أرسله تابع التابعي: مثال ذلك ما رواه الأَعْمَشُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ... » لأن الشعبي إنما رواه عن أنس. وأنس رواه عن رَسُولِ اللهِ ﷺ . فقد أعضل الأعمش الحديث بإسقاطه أَنَسًا وَرَسُولَ اللهِ ﷺ من إسناده (٣). والمعضل أسوأ حالاً من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، والمرسل لا تقوم به حُجَّةٌ وإنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، فأما إذا في موضعين أو أكثر فإنه يساوي المعضل في سوء الحال (٤). الرَّابِعُ - المُدَلَّسُ: المدلس قسمان (٥)، أحدهما مدلس الإسناد، وهو الحديث الذي يُؤَدِّيهِ الراوي عمن عاصره ولقيه مع أنه لم يصح له سماعه منه، أو عمن عاصره ولكنه لَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أنه سمعه من لفظه. مثال ذلك: قَوْلُ عَلِيٍّ بْنِ خَشْرَمَ: «كُنَّا عِنْدَ

стр. 179

سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: " قَالَ الزُّهْرِيُّ كَذَا "، فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنْهُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الرَزَّاقِ عَنْ مَعْمَرَ عَنْهُ» (١). فسفيان قد عاصر الزهري ولقيه، ولكنه لم يأخذ عنه فيصح سماعه منه، وإنما أخذ عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق أخذ عن معمر، ومعمر أخذ عن الزهري، فالتدليس هنا إسقاط سفيان شيخيه وإيراده الحديث بصيغة توهم سماعه من الزهري مباشرة. وهذا أشد قسمي التدليس وأشنعهما وأدلهما على الكذب. قَالَ شُعْبَةُ: «لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» (٢). وَقَالَ: «التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ» (٣). وكان الشافعي يَرُدُّ مُطْلَقًا من عرف بالتدليس في الإسناد ولو مرة واحدة، ولكن أكثر العلماء على أن الراوي الذي نسب إلى التدليس يقبل من روايته ما صرح فيه بلفظ السماع، ويرد منها ما كانت عبارته محتملة مبهمة (٤). وقد تتبع الحاكم البلاد التي أكثرت من رواية هذا القسم من التدليس، والبلاد التي لم يعرف فيها هذا الكذب في الرواية، فرأى أَنَّ «أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، [لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ] أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلاَدُ فَارِسَ، وَخُوزِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ - لاَ [يُعْلَمُ] أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَمَّا مَدِينَةُ [السَّلاَمِ] بَغْدَادَ، ... فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، [إِِلاَّ] أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيِّ الْوَاسِطِيِّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا» (٥).

стр. 180

أما القسم الثاني فهو تدليس الشيوخ. وهو أن يصف راويه بأوصاف أعظم من حقيقته أو يسميه بغير كنيته، قاصدًا إلى تعمية أمره. من ذلك أن يقول: حدثنا العلامة الثبت، أو الحافظ الضابط. ومن ذلك ما رواه أبو بكر بن مجاهد المقرئ عن أبي بكر بن أبي داوود قال: «حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله»، وعن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر قال: «حدثنا محمد بن سند» فنسبه إلى جد له، ولم ينسبه إلى أبيه، وهو الاسم الذي يشتهر به (١). ويرى ابن الصلاح أن الخطيب البغدادي: «كَانَ لَهْجًا بِهَذَا التَّقْسِيمِ فِي مُصَنَّفَاتِهِ» (٢)، وينقل عنه بعض الأمثلة في ذلك: منها أن الخطيب يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفاسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه. ويروي أيضًا عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع شخص واحد. ويروي كذلك عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد. ونحن في الواقع نُجِلُّ الحافظ الخطيب عن أن يكون قصده تعمية أمر واحد من هؤلاء الشيوخ، ولكنا لا نكتم استغرابنا من ذكره هذه الأسماء التي

стр. 181

يصعب معها معرفة الشيخ، مع أنها شخص واحد، وهو يعلم أنها شخص واحد، وأن كثيرين لا يفطنون لذلك. ويفرع بعض العلماء عن التدليس أبوابًا متعددة منها ما يسمونه بتدليس العطف، كأن يقول الراوي: «حدثنا فلان وفلان»، ومع أنه لم يسمع من الثاني المعطوف (١). ومن ذلك تدليس السكوت، كأن يقول: «سَمِعْتُ» أو «حَدَّثَنَا» أو «حَدَّثَنِي» ثم يسكت ثم يقول: «الأَعْمَشُ» مثلاً، موهمًا أنه قد سمع منه، مع أنه لم يصح له سماع منه. ومن ذلك تدليس التسوية، وهو أن يحمله على إسقاطه غير شيخه ضعفه أو صغر سنه فيجعل الحديث مَرْوِيًّا عن الثقات فقط، ليحكم عليه بالقبول والصحة. وهذا شر أنواع التدليس، لأن فيه تغريرًا شديدًا. وممن اشتهر بذلك الوليد بن مسلم، فكان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء ولا يذكر إلا الثقات، فسئل عن ذلك، فأجاب: «إن الأوزاعي أسمى من أن يروي عن مثل هؤلاء!» فقيل له: «فإذا روى عن هؤلاء، وهو ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي الثقات، ضعف الأوزاعي؟ فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول». وعبارات المدلسين تنطوي على خبث شديد، فقد يعمد بعضهم إلى لفظ مبهم متشابه يلوي به لسانه تعظيمًا لشيخه من خلال تعظيم البلد أو الحي الذي ينسب إليه: كما إذا قال المصري: «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِالأَنْدَلُسِ» فأراد موضعًا بالقرافة، أو قال: «بِزِقَاقِ حَلَبْ» وأراد موضعًا بالقاهرة، أو

стр. 182

قال البغدادي: «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ» وأراد نهر دجلة (١)، أوقال: «بِالرِقَّةِ» وأراد بستانًا على شاطئ دجلة، أو قال الدمشقي: «حَدَّثَنِي بِالكَرْكِ» وأراد كرك نوح وهو بالقرب من دمشق، ففي ذلك كله إيهام الرحلة في طلب الحديث. والحافظ ابن حجر يطلق على هذا التمويه اسم «تدليس البلاد»، ويلحقه بـ «تدليس الشيوخ» (٢). وكان بعض المدلسين من أئمة الحديث يجدون في التدليس متعة نفسية، فلا يحلو لهم الدعابة إلا بهذا الضرب من الرواية المبهمة يخوضون فيه متساهلين ثم يندمون ويتوبون، قيل لِهُشَيْمٍ بْنِ بَشِيرٍ (٣): مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا؟ يَعْنِي التَّدْلِيسَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَشْهَى شَيْءٍ!» (٤). واجتمع نفر من أصحاب هُشيم هذا يومًا على أَلاَّ يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: «حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ , وَمُغِيرَةُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ»، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمُ الْيَوْمَ؟» فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ: «لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفًا مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: «حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ» غَيْرُ مَسْمُوعٍ لِي! (٥).

стр. 183

أدرك هشيم إذن أن للمزاح بالتدليس حدودًا، فاعترف بنفسه بأن ما ادعى سماعه غير مسموع له!! وكذلك كان المدلسون يعترفون بتدليسهم ولا سيما إذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم ويلح في مراجعتهم (١). بل كانوا غالبًا يعدلون عن عبارتهم المبهمة إلى التصريح بحقيقة ما سمعوه، محذرين الناس من رواية ما دلسوا فيه. قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ: «كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ (٢) فَقَالَ: ... الزُّهْرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمُ الزُّهْرِيُّ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَلاَ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ» (٣). وقد يستغرب وقوع التدليس من مثل هذين الإمامين، ابن عُيينة وهُشيم لما وصفا به من الأمانة والحفظ والضبط، ولا غرابة ... فما أقل الذين سلموا من التدليس! (٤) حتى ابن عباس ﵄ ما سمع من النبي ﷺ إلا أحاديث

стр. 184

يسيرة (- قَالَ بَعْضُهُمْ: «أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ» -)، وبقية أحاديثه سمعها عن الصحابة عن النبي ﷺ ، وهو لا يكاد يذكر من بينه وبين النبي، وإنما يقول: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ » (١). وابن عيينة وهشيم، فوق ذلك، كلاهما من رواة " الصحيحين " وذلك شرف عظيم لهما كان لا بد أن يهيب بأئمة الحديث إلى الدفاع عنهما وعن أمثالهما من رواة " الصحيحين " المشاهير بالتدليس كالأعمش (٢) وقتادة (٣) والحسن البصري (٤) وعبد الرزاق (٥) والوليد بن مسلم (٦).

стр. 185

واعتذروا عن ابن عيينة اعتذارًا خاصًا، فقبلوا تدليسه (١)، لأنه إذا وقف أحال على ابن جُريج ومعمر (٢) ونظرائهما.: وَرَجَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) قَالَ: «وَهَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ وَلاَ يُدَلِّسُ إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ مُتْقِنٍ، وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ خَبَرٌ دَلَّسَ فِيهِ إِلاَّ وَقَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ، عَنْ ثِقَةٍ مِثْلِ ثِقَتِهِ» (٤). واعتذروا عن رواة " الصحيحين " المشاهير بالتدليس اعتذارًا عَامًّا، بأن تدليسهم ضرب من الإبهام وليس كذبًا، فما رووه يعرف فيه السماع، كسمعت وحدثنا وأخبرنا ونحوها (٥). ويحتمل أن الشيخين، البخاري ومسلمًا،

стр. 186

لم يعرفا سماع ذلك المدلس الذي رويا عنه، لكن عرفا لحديثه من المتابعات ما يدل على صحته، فاختار إسناد الحديث إلى المدلس لجلالته وأمانته وانتفاء تهمة الضعف عن حديثه، ولم يكن في المتابعين الثقات من يماثل المدلس ولا يقاربه فضلاً وشهرة (١). ويرى بعض النقاد أن ما رمي به بعض رواة " الصحيحين " من التدليس أجدر أن يطلق عليه اسم المرسل الخفي، وأنشأوا يفرقون بين المدلس والمرسل الخفي تفرقة دقيقة، فالتدليس يختص بمن روى عمن عُرِفَ لقاؤه إياه، فأما من عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي. قال الحافظ ابن حجر: «وَمَنْ أَدْخَلَ فِي تَعْرِيفِ التَّدْلِيسِِ المُعاصَرَةَ، وَلَوْ بِغَيْرِ لُقِيٍّ، لَزِمَهُ دُخولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ فِي تَعْرِيفِهِ. والصَّوابُ التَّفرقةُ بينَهُما» (٢). ثم يستدل على اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي (٣) وقيس بن أبي حازم (٤) عن النبي ﷺ من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس لكان

стр. 187

هؤلاء مدلسين، لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعًا، ولكن لا يعرف هل لقوه أم لا (١). والقول الفصل للخطيب البغدادي في التفرقة بين المدلس والمرسل إطلاقًا: أن الراوي «لَوْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ [يَسْمَعْهُ] مِنَ الشَّيْخِ الَّذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ وَكَشَفَ ذَلِكَ لَصَارَ بِبَيَانِهِ مُرْسِلاً لِلْحَدِيثِ غَيْرَ مُدَلِّسٍ فِيهِ لأَنَّ الإِرْسَالَ لِلْحَدِيثِ لَيْسَ بِإِيهَامٍ مِنَ الْمُرْسِلِ كَوْنَهُ سَامِعًا مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَمُلاَقِيًا لِمَنْ لَمْ يَلْقَهُ إِلاَّ أَنَّ التَّدْلِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُتَضَمِّنٌ لِلإِرْسَالِ لاَ مَحَالَةَ مِنْ حَيْثُ كَانَ المُدَلِّسُ مُمْسِكًا عَنْ ذِكْرِ مَنْ [بَيْنَهُ] وَبَيْنَ مَنْ دَلَّسَ عَنْهُ وَإِنَّمَا [يَفْرِقُ] حَالُهُ حَالَ المُرْسِلِ [بِإِيهَامِهِ] السَّمَاعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فَقَطْ، وَهُوَ المُوهِنُ لأَمْرِهِ فَوَجَبَ كَوْنُ هَذَا التَّدْلِيسِ مُتَضَمِّنًا لِلإِرْسَالِ، وَالإِرْسَالُ لاَ يَتَضَمَّنُ التَّدْلِيسَ لأَنَّهُ لاَ يَقْتَضِي إِيهَامَ السَّمَاعِ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ: وَلِهَذَا المَعْنَى لَمْ يَذُمَّ العُلَمَاءُ مَنْ أَرْسَلَ الحَدِيثَ وَذَمُّوا مَنْ دَلَّسَهُ» (٢) وسبب ضعف المدلس بأنواعه واضح، فلم يثبت لرواته شرط الثقة. وما أحكم ابن المبارك حين قال: دَلَّسَ لِلنَّاسِ أَحَادِيثَهُ ... وَاللَّهُ لاَ يَقْبَلُ تَدْلِيسًا (٣) الخَامِسُ - المُعَلَّلُ: (٤) هو الحديث الذي اكتشفت فيه علة تقدح في صحته، وإن كان يبدو في

стр. 188

الظاهر سليمًا من العلل (١). واكتشاف علة الحديث يحتاج إلى اطلاع واسع، وذاكرة طيبة، وفهم دقيق، لأن العلة نفسها سبب غامض يخفى حتى على المشتغلين بعلوم الحديث. قال ابن حجر: «وَهُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنواعِ عُلومِ الحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا، وَلاَ يَقُومُ بِهِ إلاَّ مَنْ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى فهْمًا ثاقِبًا، وَحِفْظًا وَاسِعًا، وَمَعْرِفةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ، وَمَلَكَةً قويَّةً بِالأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ» (٢). ولقد يتمكن الخبير المتمرس بهذا الفن من معرفة إحدى العلل الغامضة بضرب من الإلهام يشرح اللهُ به صدره. ولا غرو، فالمعرفة بالحديث ليست تلقينًا، وإنما هو علم يُحْدِثُهُ اللهُ في القلب (٣). قال عبد الرحمن بن مهدي (٤): «مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ إِلْهَامٌ، فَلَوْ قُلْتَ لِلْعَالِمِ يُعَلِّلُ الحَدِيثَ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟، لَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ» (٥). وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: «إِنَّكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ: هَذَا صَحِيحٌ وَهَذَا

стр. 189

لَمْ يَثْبُتْ، فَعَمَّنْ تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَتَيْتَ النَّاقِدَ فَأَرَيْتَهُ دَرَاهِمَكَ، فَقَالَ: هَذَا جِيدٌ، وَهَذَا بَهْرَجٌ أَكُنْتَ تَسْأَلُهُ [عَمَّنْ] ذَلِكَ، أَوْ تُسْلِمُ [الأَمْرَ إِلَيْهِ؟] قَالَ: لاَ، بَلْ [كُنْتُ] أُسْلِمُ الأَمْرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَهَذَا كَذَلِكَ لِطُولِ المُجَالَسَةِ وَالمُنَاظَرَةِ [وَالْخُبْرِ بِهِ]» (١). ولذلك قال الخطيب البغدادي: «يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ الذِي يَنْتَقِدُ الدَّرَاهِمِ فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ فِيهَا الزَّيْفُ وَالبَهْرَجُ وَكَذَلِكَ الحَدِيثُ» (٢). ودقة هذا الفن وصعوبته واعتماده على طول الممارسة كانت سببًا في قلة التأليف فيه (٣). وَأَجَلُّ كتاب في هذا الموضوع " كتاب العلل " لعلي بن المديني شيخ البخاري (٤). ويلي ذلك كتاب بالعنوان نفسه للخلال (٥)، وآخر لابن أبي حاتم (٦) وقد طبع الأخير في مصر في مجلدين. ومما وصل إلينا في ذلك كتاب " العلل " في آخر " سنن الترمذي "، لكنه مختصر، وقد شرحه ابن رجب (٧). ونعلم أن للإمام أحمد بن حنبل كتابًا في العلل، وهو مخطوط (٨).

стр. 190

وأن لأبي الحسن الدارقطني (١) كتابًا جليلاً في هذا الباب أعجز به من يريد أن يأتي بعده (٢)، إلا أنه ليس من جمعه، بل الجامع له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني (٣). وتنسب أيضًا كتب في علل الحديث إلى كل من البخاري ويعقوب ابن أبي شيبة (٤)، والساجي (٥) وابن الجوزي (٦) وابن حجر (٧). وأكثر ما يتطرق التعليل إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرًا، وحينئذٍ تدرك العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه الناقد على وهم وقع، بإرسال موصول أو وقف مرفوع، أو دخول حديث في حديث، بحيث يغلب على ظنه أن الحديث غير صحيح، أو يتردد فيتوقف فيه (٨) ولكثرة تطرق التعليل إلى الإسناد، يستحب أن يصنف المسند

стр. 191

معللاً (١)، كما يستحب للراوي إذا روى حديثًا معلولاً أن يبين علته (٢). والطريق إلى معرفة المعلل جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم. قال علي بن المديني: «البَابُ إِذَا لَمْ [تُجْمَعْ] طُرُقُهُ لَمْ يُتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ» (٣). وقد قسم الحاكم النيسابوري في كتابه " معرفة علوم الحديث " العلل إلى عشرة أقسام، وذكر لكل قسم منها مثلاً يوضحه (٤)، ثم قال «وَبَقِيَتْ أَجْنَاسٌ لَمْ نَذْكُرْهَا، وَإِنَّمَا جَعَلْتُهَا مِثَالاً لأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مَعْلُولَةٍ لِيَهْتَدِيَ إِلَيْهَا المُتَبَحِّرُ فِي هَذَا العِلْمِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ عِلَلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ العُلُومِ» (٥). ولكن أنواع العلل غير محصورة في هذا العشر التي ذكرها الحاكم، ولذلك سنكتفي بذكر أهم أمثلتها لتوضيح هذه الأسباب الخفية القادحة في الحديث. من ذلك أن يكون حديث ما محفوظًا عن صحابي ثم يروى عن آخر لاختلاف بلد الراويين أو الرواة، كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق

стр. 192

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ , مَرْفُوعًا: «إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». فالناظر في هذا الإسناد يحسبه أول الأمر مرويًا على شرط الصحيح، ولكن فيه رواية المدني عن كوفي، ومن المشهور أن المدنيين إذا رووا عن الكوفيين زلقوا (١). ومن ذلك الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله، كحديث أبي شهاب عن سفيان الثوري عن الحجاج بن الفرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ». ويرى الحاكم أن علته هي فيما أسند عن محمد بن كثير: حدثنا سفيان الثوري عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة (٢). ومن ذلك أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة، فعلتها أنه لم يسمعها منه كحديث يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتٍ قَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ ... » الحديث (٣). قال الحاكم: «قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا الحَدِيثَ». ثم أسند عن يحيى قال: «حُدِّثْتُ عَنْ

стр. 193

أَنَسٍ» فذكره (١). ومن ذلك أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه، كحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ». فقد روي ان مسلمًا جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: «هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعْلُولٌ " حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: ثَنَا سُهَيْلٌ , عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ... مَعَ أَنَّهُ لاَ يُذْكَرُ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [سَمَاعًا] مِنْ سُهَيْلٍ» (٢). وعلى المشتغل بدراسة الحديث حين يقرأ هذه العبارة: «هَذَ الحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِفُلاَنٍ» أن يتريث فيها فلا يستعجل الحكم بوجود علة قادحة في الحديث من نوع العلل المصطلح عليها، لأن بعض العلماء يطلقون العلة على غير معناها الاصطلاحاي (٣)، فلا تزيد في نظرهم حينئذٍ عن السبب الظاهر (لا الخفي) الذي يجرح راوي الحديث بضعف الذاكرة أو الكذب. ووجود سبب ظاهر لضعف الحديث يمنع وصفه بالمعلل، لأن العلة لا تكون إلا سببًا غامضًا خفيًا كما أوضحنا في الأمثلة. غير أن بعض النقاد يرى أن الاحتراز بالعلة الخفية من باب التعريف

стр. 194

الأغلبي، فهناك علل ظاهرة غير خفية (١). قد أطلق أبو يعلى الخليلي في كتاب " الإرشاد " «العِلَّةَ» على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: «مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ مَا هُوَ صَحِيحٌ مَعْلُولٌ» كما قال بعضهم: «مِنَ الصَّحِيحِ مَا هُوَ شَاذٌّ» ولم يقصد بهذا التقيد بالاصطلاح، ومثل له بحديث مالك في " الموطأ " أنه قال: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وَكِسْوَتُهُ» فرواه مالك مُعْضَلاً هكذا في " الموطأ "، فقد رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. وصار الحديث بعد بيان إسناده صحيحًا. قال بعضهم: «وَذَلِكَ عَكْسَ المَعْلُولِ، فَإِنَّهُ مَا ظَاهِرُهُ السَّلاَمَةُ، فَاطُّلِعَ فِيهِ بَعْدَ الفَحْصِ عَلَى قَادِحٍ. وَهَذَا مَعْلُولٌ ظَاهِرُهُ الإِعْلاَلُ بِالإِعْضَالِ، فَلَمَّا فُتِّشَ تَبَيَّنَ وَصْلُهُ» (٢). والمعلول لا يشمل كل مردود، فالمنقطع ليس معلولاً، والحديث الذي في رواته مجهول أو مضعف ليس معلولاً، وإنما سمي معلولاً إذا آل أمره إلى شيء من ذلك (٣). قال الحاكم أبو عبد الله: «وَإِنَّمَا يُعَلَّلُ الحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ لَيْسَ لِلْجَرْحِ فِيهَا مَدْخَلٌ، فَإِنَّ حَدِيثَ المَجْرُوحِ سَاقِطٌ وَاهٍ، وَ [أَمَّا] عِلَّةٌ الحَدِيثِ ... [فَإِنَّهُ] يَكْثُرُ فِي أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ أَنْ يُحَدِّثُوا بِحَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ، فَيَخْفَى عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ،

стр. 195

فَيَصِيرُ الحَدِيثُ مَعْلُولاً، وَالحُجَّةُ فِيهِ عِنْدَنَا الحِفْظُ، وَالفَهْمُ، وَالمَعْرِفَةُ» (١). السَّادِسُ - المُضْطَرِبُ: (٢) الحديث المضطرب هو الذي تتعدد رواياته، وهي - على تعددها - متساوية متعادلة لايمكن ترجيح إحداها بشيء من وجوه الرجيح، وقد يرويه راو واحد مرتين أو أكثر، أو يرويه اثنان أو رواة متعددون (٣). ومنشأ الضعف فيه ما يقع من الاختلاف حول حفظ رواته وضبطهم (٤) لأن انتفاء هذا الاختلاف معناه رجحان إحدى الروايات بما ثبت لراويها من حفظ أو ضبط أو طول سماع لمن أدى عنه. لذلك لا يسمى «مُضْطَرِبًا» إذا ترجحت فيه إحدى الروايتين أو الروايات (٥). والاضطراب يقع في الإسناد غالبًا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم

стр. 196

المحدث على الحديث بالاضطراب في المتن وحده دون الإسناد (١). فمن الاضطراب في الإسناد حديث أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا "». قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلاَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ مُرْسَلاً، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ مَوْصُولاً، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ سَعْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لاَ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالجَمْعُ مُتَعَذَّرٌ» (٢). وقد يتبادر إلى ذهن الباحث - في مثل هذا الإسناد المضطرب - أن الاختلاف فيه على هذه الأوجه المتباينة، العشرة كما أحصاها الدارقطني، لا ينبغي أن يمنع صحة الحديث، ما دام مرددًا بين ثقات متساوين يتعذر بينهم الترجيح. وهذا الفهم المتبادر مقبول إجمالاً، غير أن الحكم على الحديث، عند التعارض مثلاً، لا بد أن يصنف رواياته درجات فيها الصحيح وفيها الأصح، «فحديث لم يختلف فيه عن راويه أصلاً أصح من حديث اختلف فيه في الجملة» (٣). ومن هنا كان مجرد الاضطراب في الإسناد أمارة على الضعف، لأن تساوي [الروايات] في الدرجة وعدم تعارضها يمنعان الحكم باْيها صح، فكأن تعادلها في الصحة تعادل في الضعف إذ لا مرجح للأخذ بواحدة منها

стр. 197

وإغفال سائرها (١). ومثال الاضطراب في المتن حديث البسملة الذي أخرجه مسلم في " صحيحه " من رواية الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: " صَلَّيْتُ خَلَفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لاَ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا ". فهذه العبارة الأخيرة الي ينص فيها الراوي على نفي قراءة البسملة هي المتن المضطرب في هذا الحديث: لأن مسلمًا والبخاري اتفقا على إخراج رواية أخرى في الموضوع نفسه لا يتعرض فيها لذكر البسملة بنفي أو إثبات، وإنما يكتفي الراوي بقوله: «فكانوا يستفتحون القراءة بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» يقصد أن الفاتحة هي السورة التي كانوا يستفتحون بها. ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكن ترجيح الحديث المتفق عليه، فلم نصف الحديث الأول بالاضطراب، ولكن رواية ثالثة عن أنس تفيد أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فأجاب أنه لا يحفظ في ذلك شيئًا عن رسول الله ﷺ ، وتردد مثله في هذه المسالة يحسب له حسابه، فأصبح عسيرًا أو متعذرًا ترجيح ما يتعلق بالبسملة إثباتًا أو نفيًا، وتعذر الترجيح كان السبب المباشر في وصفنا لمتن الحديث الأول بالاضطراب.

стр. 198

وهذا المثال يصلح شاهدًا لوقوع العلة في متن الحديث، ولذلك يذكره في الحديث المعلل كل من ابن الصلاح في كتاب " علوم الحديث " والحافظ العراقي في " شرحه لكتاب ابن الصلاح " (١) والسيوطي في " التدريب " (٢). ولا غرابة في ذلك، فإن الاضطراب نوع من الإعلال، والبحثان متقاربان (٣). وقد قال العلائي في المضطرب ما عرفنا عن ابن حجر أنه قاله في المعلل: «وَهَذَا الفَنُّ أَغْمَضُ أَنْوَاعِ الحَدِيثِ وَأَدَقُّهَا مَسْلَكًا، وَلاَ يَقُومُ بِهِ إِلاَّ مَنْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى فَهْمًا غَامِضًا (*) وَاطِّلاَعًا حَاوِيًا وَإِدْرَاكًا لِمَرَاتِبِ الرُوَاةِ، وَمَعْرِفَةً ثَاقِبَةً» (٤). وهنا ندرك سر اعتماد ابن حجر في تأليف كتابه " المقترب في بيان المضطرب " (٥) على كتاب " العلل " للدارقطني (٦)، فالموضوع متقارب، والأمثلة متشابهة. ولعل هذا يعطينا فكرة عن رغبة أهل الحديث في تفريع الأقسام، وتنويع أوصاف الروايات ولو أمكن تشابكها أو تداخل بعض أقسامها. ولا يتناقض هذا التداخل، مع ما عرفناه عن أهل الحديث من الدقة، لأنهم لاحظوه أثناء التفريع والتنويع، فما كان صَالِحًا لوصفه بالاضطراب من وجه، يصلح لوصفه بالاعتلال من آخر. وهكذا.

стр. 199

والاضطراب يدخل في بعض الصور في قسم الصحيح والحسن (١): وذلك إذا وقع الاختلاف في نسب راو أو اسمه أو اسم أبيه مع أنه راو ثقة، فالحديث الذي هذا شأنه يسمى " مضطربًا " ولكن تسميته بذلك لا تنفي عنه الحكم بالصحة أو الحسن. إنما يكون الاضطراب الموجب للضعف في مثل ما ذكرناه قبل من صور المضطرب مَتْنًا أَوْ سَنَدًا (٢). السَّابِعُ - المَقْلُوبُ: المقلوب هو الحديث الذي انقلب فيه على أحد الرواة لفظ في المتن، أو اسم رجل أو نسبه في الإسناد، فقدم ما حقه التأخير، أو أخر ما حقه التقديم، أو وُضِعَ شيء مكان شيء (٣). وواضح من التعريف أن القلب يكون في المتن كما يكون في الإسناد. فمثال المقلوب في المتن: ما رواه مسلم فِي السَبْعَةٌ الذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ ... «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» فالحديث في " الصحيحين " هكذا لفظه: «حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ» (٤).

стр. 200

ولكن المتن انقلب على أحد الرواة، فقدم اليمين وَأَخَّرَ الشمال، وكان عليه أن يفعل العكس. ومثال المقلوب في الإسناد التقديم والتأخير في الأسماء، كَمُرَّةَ بْنَ كَعْبٍ وَكَعْبَ بْنَ مُرَّةَ، لأن أحدهما اسم أبي الاَخر (١). وقد عني بهذا القسم عناية خاصة الخطيب في كتابه " رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب " (٢). والقلب في المثالين وقع سَهْوًا لاَ عَمْدًا، وكان مع ذلك مُوجِبًا لضعف الحديث ولو أنه وقع عَمْدًا لاَ سَهْوًا، لكان القلب حينئذ ضَرْبًا من الوضع والاختلاق (٣). من ذلك أن يكون الحديث مشهورًا براو أو بإسناد، فيعمد بعض الوضاعن إلى إبدال الراوي بغيره لأن الناس أشد رغبة في حديثه (٤)، كأن يكون الحديث معروفًا عن سالم بن عبد الله (٥)، فيجعله عن نافع (٦)، أو يأتي بإسناد مكان

стр. 201

إسناد، كما روي عن حماد بن عمرو النَّصِيبِي الكذاب (١) عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي الطَّرِيقِ، فَلاَ تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلاَمِ»: فقد قلب حماد هذا الحديث، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢). وكان كثير من أهل الحديث يمتحنون الرواة بقلب الأحاديث وإدخالها عليهم (٣)، ليعرفوا مدى قبولهم للتلقين (٤)، غير قاصدين إلى الوضع، ولا معتقدين أن ما قلبوه استقر حديثًا (٥). روى الخطيب من طريق أحمد بن منصور الروباذي قال: خرجت مع أحمد ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: «أُرِيدُ أَنْ أَمْتَحِنَ أَبَا نُعَيْمٍ»، فنهاه أحمد، فلم ينته، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على كل عشرة أحاديث حَدِيثًا ليس من حديثه، ثم أتينا أبا نعيم، فخرج إلينا فجلس على دكان حذاء بابه وأقعد أحمد عن يمينه ويحيى عن يساره، وجلست أسفل، فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث وهو ساكت، ثم الحادي عشر. فقال أبو نعيم: «لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِي، فَاضْرِبْ»،

стр. 202

ثم قرأ العشرة الثانية، وقرأ الحديث الثاني، فقال: «وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِي، فَاضْرِبْ عَلَيْهِ»، ثم قرأ العشرة الثالثة، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم ثم قبض على ذراع أحمد، ثم قال: «أَمَّا هَذَا فَوَرَعُهُ يَمْنَعُهُ عَنْ هَذَا، وَأَمَّا هَذَا - وَأَوْمَأَ إِلَيَّ - فَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ هَذَا، وَلَكِنْ هَذَا مِنْ عَمَلِكَ يَا فَاعِلُ! ... » ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين حتى قلبه عن الدكان، ثم قام فدخل داره فقال له أحمد: «أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا وَأَقَُلْ لَكَ إِنَّه ثَبْتٌ؟» فَقَالَ يَحْيَى: «هَذِهِ الرَّفْسَةُ أَحَبُّ إِلَيَِّ مِنْ سَفَرِي!» (١) ولكن النقاد لا يحبون هذا النوع من الأغلوطات لنهي الرسول ﷺ عنها (٢). وقد أنكر حرمي على شعبة لما قلب أحاديث عن ابان بن أبي عياش وقال: «يَا بِئْسَ مَا صَنَعَ» (٣). ومعرفة قلب الحديث تحتاج إلى علم واسع، وتمرس وثيق بالروايات والأسانيد. وإنه ليستدل على مهارة المحدث باكتشافه ما يقع في الأحاديث من قلب. فهذا الخطيب يروي في هذا المجال عن البخارى ما يكبره في أعيننا، ويعظمه في نفوسنا. قال: «فَإِنَّهُمْ اجْتَمَعُوا - أي علماء بغداد حين قدم عليهم البخاري -، وَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ، فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وَأَسَانِيدَهَا، وَجَعَلُوا مَتْنَ هَذَا الإِسْنَادِ لإِسْنَادٍ آخَرَ، وَإِسْنَادَ هَذَا المَتْنِ لِمَتْنٍ آخَرَ، وَدَفَعُوهَا إِلَى عَشَرَةِ أَنْفُسٍ، إِلَى كُلِّ رَجُلٍ عَشَرَةً، وَأَمَرُوهُمْ إِذَا حَضَرُوا المَجْلِسَ يُلْقُونَ ذَلِكَ عَلَى البُخَارِيِّ. وَأَخَذُوا الوَعْدَ لِلْمَجْلِسِ، فَحَضَرَ المَجْلِسَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ مِنَ الغُرَبَاءِ مِنْ أَهْلِ

стр. 203

خُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ وَمِنَ البَغْدَادِيِّينَ. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ بِأَهْلِهِ، انْتُدِبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ العَشَرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَسَأَلَهُ عَنْ آخَرَ فَقَالَ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَمَا زَالَ يُلْقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرَتِهِ، وَالبُخَارِيُّ يَقُولُ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَكَانَ الفُقَهَاءُ مِمَّنْ حَضَرَ المَجْلِسَ يَلْتَفِتُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقُولُونَ: فَهِمَ الرَّجُلُ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ يَقْضِي عَلَى البُخَارِيِّ بِالعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ، وَقِلَّةِ الْفَهْمِ. ثُمَّ انْتُدِبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ المَقْلُوبَةِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَلَمْ يَزَلْ يُلْقِي إِلَيْهِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ عَشَرَتِهِ، وَالْبُخَارِيُّ يَقُولُ: «لاَ أَعْرِفُهُ»، ثُمَّ انْتُدِبَ إِلَيْهِ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ إِلَى تَمَامِ العَشَرَةِ، حَتَّى فَرَغُوا كُلُّهُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ المَقْلُوبَةِ، وَالبُخَارِيُّ لاَ يَزِيدُهُمْ عَلَى: «لاَ أَعْرِفُهُ»، فَلَمَّا عَلِمَ البُخَارِيُّ أَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا، الْتَفَتَ إِلَى الأَوَّلِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَمَّا حَدِيثُكَ الأَوَّلُ، فَهُوَ كَذَا، وَحَدِيثُكَ الثَّانِي فَهُوَ كَذَا، وَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ عَلَى الوَلاَءِ»، حَتَّى أَتَى عَلَى تَمَامِ العَشَرَةِ، فَرَدَّ كُلَّ مَتْنٍ إِلَى إِسْنَادِهِ، وَكُلَّ إِسْنَادٍ إِلَى مَتْنِهِ، وَفَعَلَ بِالآخَرِينَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَدَّ مُتُونَ الأَحَادِيثِ إِلَى أَسَانِيدِهَا، وَأَسَانِيدَهَا إِلَى مُتُونِهَا، فَأَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بِالحِفْظِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْفَضْلِ (١). ومنشأ الضعف في الحديث المقلوب قلة الضبط، لما يقع فيه من تقديم وتأخير واستبدال شيء بشيء. وهو - فوق ذلك - يخل بفهم السامع ويحمله على الخطأ (٢).

стр. 204

الثَّامِنُ - الشَّاذُّ: (١) تعريف الشاذ عسير، ولعسره لم يفرده العلماء بالتصنيف (٢)، غير أن أهم ما يلاحظ فيه معنيان: الانفراد والمخالفة، فهو- بصورة عامة - ما رواه الثقة مُخَالِفًا الثقات، وهو - بتعبير أدق - «مَا رَوَاهُ المَقْبُولُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ»، وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن هذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح (٣). ويوشك ابن حجر، بهذا التعريف المعتمد للشاذ، أن يقرب شقة الخلاف بين اصطلاحيين مشهورين يظن الناس تضاربهما. وقد نسب هذان المصطلحان إلى كل من الإمام الشافعي (٤)، والحاكم. أما الشافعي فيقول: «لَيْسَ الشَّاذُّ مِنَ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ مَا لا يَرْوِيهِ غَيْرُهُ، هَذَا لَيْسَ بِشَاذٍّ، إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ:

стр. 205

هَذَا الشَّاذُّ مِنَ الْحَدِيثِ» (١). والناس، في قول الشافعي، هم الثقات، فكأنه يقول: «الشَّاذُّ مَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مُخَالِفًا الثِّقَاتَ»، وهو إذن لا يلاحظ مطلق التفرد، بل التفرد والمخالفة في آن واحد، إلا أنه لم يصرح بأن المخالفة للأولى أو الأوثق، وإنما هي مخالفة عامة للناس «الثِّقَاتَ». وبهذا الاصطلاح أخذ كثير من علماء الحجاز (٢)، وانتصر له ابن الصلاح، واستنتج منه ابن كثير أن الثقة إذا روى ما لم يرو غيره «مَقْبُولٌ إِذَا كَانَ عَدْلاً ضَابِطًا حَافِظًا، فَإِنَّ هَذَا لَوْ رَدَّ لَرُدَّتْ أَحَادِيثٌ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا النَّمَطِ، وَتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنْ المَسَائِلِ عَنْ الدَّلائِلِ» (٣). وأكد هذا الاصطلاح العلامة ابن القيم (٤) بعبارة قاطعة فقال: « ... وَإِنَّمَا الشُّذُوذُ أَنْ يُخَالِفَ الثِّقَاتَ فِيمَا رُوَوْهُ، فَأَمَّا إذَا رَوَى الثِّقَةُ حَديثًا مُنْفَرِدًا بِهِ لَمْ يَرْوِ الثِّقَاتُ خِلاَفَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يُسَمَّى شَاذًّا. وَإِنْ اِصْطُلِحَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ شَاذًّا بِهَذَا المَعْنًى لَمْ يَكُنْ هَذَا الاِصْطِلاحُ مُوجِبًا لِرَدِّهِ وَلاَ مُسَوِّغًا لَهُ» (٥). وأما الحاكم فيرى أن «الشَّاذَّ حَدِيثٌ [يَتَفَرَّدُ] بِهِ ثِقَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ مُتَابِعٌ لِذَلِكَ الثِّقَةِ» (٦). فهو يعتبر قيد التفرد بلفظ صريح، أما قيد المخالفة فيعتبره أيضًا - في نظرنا - ولكن بلفظ غير صريح، فلو

стр. 206

كان للحديث أصل متابع للراوي الثقة لما كان مخالفًا الناس أو الثقات، والحاكم - كما رأينا - يشترط في الشاذ فقدان الأصل المتابع، فكأنه يشترط المخالفة ويعتبرها. وما لنا نذهب بعيدًا وقد كفانا بنفسه التخبط في فهم تعريفه، فأزال كل لبس حين عقب على ذلك مباشرة بتعريف الشافعي للشاذ، قاصدًا إلى إظهار التماثل بين رأيه ورأي هذا الإمام العظيم، وقد بلغ به استشعاره هذا التماثل حد الإتيان بشاهد واحد على الشاذ، تاركًا لك الخيار أن تجعله مثالاً على تعريفه الخاص أو على تعريف الشافعي. قال: «وَمِثَالُهُ مَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ، فَصَلاهَا مَعَ المَغْرِبِ». يعلّق الحاكم على هذا المثال بقوله: «هَذَا حَدِيثٌ رُوَاتُهُ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ، وَهُوَ شَاذُّ الإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ لا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً نُعَلِّلَهُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ الحَدِيثُ عِنْدَ اللَّيْثِ، [عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ]، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنَا بِهِ الحَدِيثَ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ لَعَلَّلْنَا بِهِ، فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ لَهُ العِلَّتَيْنِ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولاً، ثُمَّ نَظَرْنَا، فَلَمْ نَجِدْ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ رِوَايَةً، وَلا وَجَدْنَا هَذَا المَتْنَ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَلا عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ

стр. 207

جَبَلٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، فَقُلْنَا الحَدِيثُ شَاذُّ» (١). وإنما حرص الحاكم على اْن يقصي عن هذا الحديث معنى العلة، فصرح بأنه لم يعرف له علة يعله بها، وأنه خرج عن أن يكون معلولاً، لما يستشعره في الشاذ من صعوبة تشبه صعوبة المعلل، فهو مما «يَنْقَدِحُ فِي نَفَسِ النَّاقِدِ أَنَّهُ غَلِطَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ» (٢)، ولذلك اضطر الحاكم إلى التفرقة بينهما، فرأى «المَعْلُولَ مَا يُوقَفُ عَلَى عِلَّتِهِ، أَنَّهُ [دَخَلَ] حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ، أَوْ وَهِمَ فِيهِ رَاوٍ أَوْ أَرْسَلَهُ وَاحِدٌ، فَوَصَلَهُ وَاهِمٌ» (٣)، فهو - على خفاء علته وغموضها - يمكن الوقوف عليه، لكن الشاذ «أَدَقُّ مِنَ المُعَلَّلِ، فَلاَ يُوقَفُ عَلَى عِلَّتِهِ، وَلاَ يُتَمَكَّنُ مِنَ الحُكْمِ بِهِ إلاَّ مَنْ مَارَسَ هَذَا الفَنَّ غَايَةَ المُمَارَسَةِ، وَكَانَ فِي الذُّرْوَةِ مِنْ الفَهْمِ الثَّاقِبِ وَرُسُوخِ القَدَمِ فِي الصِّنَاعَةِ، وَرَزَقَهُ اللهُ نِهَايَةَ المَلَكَةِ» (٤). ودقة الشاذ تنشأ غالبًا عن تعذر الحكم بفقدان الأصل المتابع له، لما يستدعيه الوقوف على ذلك من البحث والتقصي، ولعل دقة الشاذ أو صعوبته - على هذا النحو الذي بالغ فيه الحاكم - أن تكون السبب الجوهري في الاعتقاد بتفرده في تعريف الشذوذ، وابتعاده فيه عن رأي الجمهور. ولذلك ضعف ابن الصلاح رأي الحاكم، واعترض على تعريفه بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنه

стр. 208

تفرد به عمر، وعنه علقمة، وعنه محمد بن إبراهيم التَّيْمِيِّ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري (١). على أننا نبهنا إلى بعض المتابعات الغرائب التي أحصاها العلاء لهذا الحديث، واتضح لنا - من تعليقات النقاد - أن الحديث رغم المتابعات لم يصح من طريق عمر إلا الطريق المتقدمة (٢). ولقد زعم ابن العربي أنه روى حديث النية من ثلاثة عشر طريقًا، فطعن عليه بعض أهل بلدته لما لم يبرز لهم بيان ما ادعاه من الطريق، فقال: يَا أَهْلَ حِمْصَ (٣) وَمَنْ بِهَا أُوصِيكُمُ ... بِالبِرِّ وَالتَّقْوَى وَصِيَّةَ مُشْفِقِ فَخُذُوا عَنِ العَرَبِيِّ أَسْمَارَ الدُّجَى ... وَخُذُوا الرِّوَايَةَ عَنْ إِمَامٍ مُتَّقِ إِنَّ الفَتَى ذَرِبُ اللِّسَانِ مُهَذَّبٌ ... إِنْ لَمْ يَجِدْ خَبَرًا صَحِيحًا يَخْلَقُ (٤) وإذا لم يسلم للحاكم حديث النية هذا مثالاً عن الشاذ، لأنه - على تفرده - صحيح، والصحيح لا يكون شَاذًّا، فما أكثر الأمثلة التي ذكرها الجمهور استشهادًا على الشاذ في تعريفه المعتمد، وهي - في الوقت نفسه - صالحة للاستشهاد على تعريف الحاكم، إذ كانت مخالفة الثقات فيها صورة من فقدان الأصول المتابعات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا

стр. 209

صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ (١): «خَالَفَ عَبْدُ الوَاحِدِ العَدَدَ الكَثِيرَ فِي هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا رَوَوْهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ مِنْ قَوْلِهِ: وَانْفَرَدَ عَبْدُ الوَاحِدِ مِنْ بَيْنِ ثِقَاتِ أَصْحَابِ الأَعْمَشِ بِهَذَا اللَّفْظِ» (٢). والنقاد يذكرون في هذا الباب تعريفًا لأَبِي يَعْلَى الخليلي (٣) يحكي به رأي حفّاظ الحديث في الشاذ، فهو عندهم ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به ويرد ما شذ به غير الثقة (٤). وكان على ابن الصلاح والعلماء أن يضعفوا هذا الرأي كما ضعفوا رأي الحاكم، ولكن بين الرأيين فرقًا واضحًا، فإذا أمكن رد تعريف الحاكم إلى رأي الجمهور، فمن المتعذر التوفيق بين ما حكاه الخليلي وما ذهب إليه الجمهور، لأن الخليلي جعل الشاذ مطلق التفرد بدون اعتبار المخالفة (٥)، فيَ حين راعى الجمهور قيد تفرد الثقة، وقيد مخالفة الثقات. ولا يشفع للخليلي إلا أنه يحكي رأي حفاظ

стр. 210

الحديث في الشاذ، فما هو عنده بالاصطلاح الخاص، وهو - في الحقيقة - حكى تعريف الشافعي للشاذ الذي أخذ به الجمهور (١) فهو في كلتا الحالتن ليس إلا ناقلاً لآراء العلماء بدقة وأمانة (٢). على أن تعريف الشاذ - كما حكاه الخليلي - لَوْ سُلِّمَ لترتبت عليه نتائج خطيرة في مصطلح الحديث: فهذا التعريف يسمح في بعض الأحوال بوصف «الصحيح» بالشذوذ. مع أننا اشترطنا في الصحيح سلامته من كل شذوذ، كسلامته من كل علة. إلا اننا - كما رأينا فيما سَمَّاهُ الخليلي بالصحيح المعلول أنه لا يقصد به التَّقَيُّدَ بِالاِصْطِلاَحِ (٣). - نرى هنا فيما يحكيه عن تسمية الصحيح شَاذًّا (إذا لم يكن له إلا إسناد واحد شذ به ثقة)، أنه للمرة الثانية لا يريد التقيد بالاصطلاح العام المشهور، وأنه - رغم حكايته هذا التعريف الغريب للشاذ - ما كان آخذًا إلا برأي الجمهور، يزيدنا ثقة بذلك أنه هو أيضًا حكى ذلك الرأي المشهور. فالصحيح إذن أنه لا بد في الشاذ من اشتراط التفرد والمخالفة، وبهما نُحِّيَ عن كل حديث وُسِمَ بالصحة، فعد خالصًا للضعف، ووسعنا إدراجه في الأنواع المختصة بالضعيف. أما تفرد الثقة أو غير الثقة، بغير شرط المخالفة، فإنه ضرب من التفرد المطلق الذى يوصف به الحديث «الفرد» وسنذكره

стр. 211

في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فلا مسوغ لتداخله هنا مع الشاذ بوجه من الوجوه. وأما التوقف فما شذ به الثقة، وَرَدَّ ما شذ به غير الثقة، فأمران يتعلقان بالاحتجاج وعدمه، فلا أثر لهما في الحكم على حديث ما بالصحة أو بالضعف. لذلك عددنا في ألقاب الصحيح والحسن «الصالح» لصلاحيتهما للاحتجاج، فغيرهما - وهو الضعيف - ليس صالحًا ولا يحتج به، بل هو مردود. والخلاصة أن تنوع الأوصاف والألقاب لا يرادف دائمًا تنوع الأقسام والمصطلحات (١). التَّاسِعُ - المُنْكَرُ: أدق تعاريف المنكر هو أنه الحديث الذي يرويه الضعيف مُخَالفًا رواية الثقة. وهو يباين الشاذ، إذ أن راوي الشاذ ثقة. بينما راوي المنكر ضعيف غير ثقة. وقد لوحظ في المنكر أنه مقابل للمعروف (٢) كما لوحظ في الشاذ أنه مقابل للمحفوظ (٣)، لأن راوي المناكير إنما يخالف ما عُرِفَ واشتهر وإن

стр. 212

لم يحفظ، فالحفظ درجة من الضبط أبعد ما تكون عن مثل هذا الراوي الضعيف. أما راوي الشواذ فهو ثقة، وغالبًا ما يكون مع توثيقه حافظًا ضابطًا، إلا أنه خالف من هو أوثق منه ضبطًا وإتقانًا، فهو لم يخالف ما عرف واشتهر فقط بل خالف ما حفظ وأتقن أيضًا. قال ابن حجر: «وَزِيادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ مَقْبُولَةٌ، مَا لَمْ تَقَعْ مَنَافِيَةً لِرِوَاِيَةِ مِنْ هُوَ أَوْثَقُ، فَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحِ مِنْهُ لِمَزِيدِ ضَبْطٍ أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ المَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ المَرْجُوحُ يُقَالُ لَهُ الشَّاذُّ. وَإِنَّ وَقَعَتْ المُخَالَفَةُ لَهُ مَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ المَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ المُنَكَرُ» (١). لكن ابن الصلاح ذهب إلى ترادف المنكر والشاذ، إذ نقل عن البَرْدِيجِيِّ (٢) في تعريف المنكر «أَنَّهُ هُوَ الحَديثُ الذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّجُلُ، وَلاَ يُعْرَفُ مَتْنُهُ مِنْ غَيْرِ رِوَاِيَتِهِ، لاَ مِنَ الوَجْهِ الذِي رَوَاهُ مِنْهُ وَلاَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ» (٣)، وكأنه بعبارة أوضح لا يلاحظ في المنكر إلا مطلق التفرد. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث (٤). والتفرد على إطلاقه منه المقبول، ومنه المردود «فَإذَا تَفَرَّدَ الرَّاوِي بِشَيْءٍ نُظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مِنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالحِفْظِ لِذَلِكَ وَأَضْبَطَ كَانَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ شَاذًّا مَرْدُودًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُخَالِفَةً لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا هُوَ

стр. 213

أَمْرٌ رَوَاهُ هُوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ فَيُنْظَرُ فِي هَذَا الرَّاوِي المُنْفَرِدِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلاً حَافِظًا مَوْثُوقًا بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ قَبْلَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ وَلَمْ يُقْدَحْ الاِنْفِرَادُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُوثَقُ بِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ لِذَلِكَ الذِي اِنْفَرَدَ بِهِ كَانَ اِنْفِرَادُهُ خَارِمًا لَهُ مُزَحْزِحًا لَهُ عَنْ حَيِّزِ الصَّحِيحِ» (١). ويكاد ابن الصلاح بتفصيله أنواع التفرد المطلق يشير إلى انقسام المنكر إلى ما ينقسم إليه الشاذ. ففي كل منهما مخالفة لمن هو أرجح، وفي كل منهما مقبول ومردود، فلا بدع إذا كان كلام ابن الصلاح صريحًا في أن المنكر والشاذ بمعنى (٢). ولكن القول بترادف الشاذ والمنكر بعيد، وقد نبه السيوطي على بعده بقوله في " ألفيته ": المُنْكَرُ الذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ ... مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ قَابَلَهُ المَعْرُوفُ، وَالذِي رَأَى ... تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى (٣) وهو يقصد ابن الصلاح الذي نأى عن الأرجح وَبَعُدَ حين رأى ترادف الاصطلاحين، وهو ما قصده ابن حجر أيضًا حين قال: «وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا» (٤). ومن أوضح أمثلة المنكر ما رواه ابن أبي حاتم (٥) من طريق حَبيبٍ بْنِ

стр. 214

حبيب - وهو أخو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقرئِ (١) - عَنْ أَبي إِسْحَاقَ عَنْ العَيْزارِ بنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَن أَقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وَحَجَّ البَيْتَ وَصَامَ وَقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ» قالَ أَبُو حَاتِمٍ: «وَهُوَ مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عن أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ المَعْرُوفُ» (٢). ومما ينبغي التيقظ له أن بعض الأئمة أطلقوا لفظ المنكر على مجرد التفرد (٣)، فكان لا بد من أمارات على النكارة حتى لا تشتبه صورتها بصورة غيرها. وعلامة المنكر في حديث المحدث أنه إذَا عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم يكذبوا فيها (٤). وقد يذكر المحدثون في اصطلاحهم «هَذَا أَنْكَرَ مَا رَوَاهُ فُلاَنٌ»، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا، كَقَوْلِ ابْنِ عَدِيٍّ: «أَنْكَرُ مَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا "». قَالَ: «وَهَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَدْخَلَهُ قَوْمٌ فِي صِحَاحِهِمْ» (٥). العَاشِرُ - المَتْرُوكُ: المتروك في اصطلاح المحدثين هو «الحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ رَاوٍ وَاحِدٌ مُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ فِي الحَدِيثِ أَوْ ظَاهِرَ الفِسْقِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، أَوْ كَثِيرِ الغَفْلَةِ، أَوْ

стр. 215

كَثِيرَ الوَهْمِ» (١)، كَحَدِيثِ صَدَقَةُ بْنَ مُوسَى الدَّقِيقِيِّ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢)، وحديث عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيُّ عَنْ الحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ (٣). • • • وهذه الأنواع العشرة التي سلكناها في عداد الضعيف الخالص للضعف، ليست على درجة واحدة من الضعف، بل تتفاوت تَبَعًا لحال رواتها، فمن الضعيف أضعف، كما أن من الصحيح أصح. وقد ساق الحاكم أبو عبد الله تفصيلاً دقيقًا لأوهى أسانيد الرجال والبلاد في كتابه " معرفة علوم الحديث " (٤). هل الموقوف والمقطوع من الأحاديث الضعيفة؟: ---------------------------------------------- لم نسرد من أقسام الحديث الضعيف حتى الاَن - تَبَعًا لما انتهجناه في مستهل بحثنا له - إلا ما أخذ اسْمًا خَاصًّا به. وأما ما كان منها حالة من حالات الضعف من غير أن يخص باسم معين، فقد اكتفينا بمجرد الإشارة الإجمالية إليه. وجدير بنا - قبل أن ننتقل إلى (القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف) - أن نثير قضيتن إحداهما تتعلق بالموقوف والمقطوع هل يوصفان بالضعف؟ والأخرى تتصل بحكم رواية الاْحاديث الضعيفة والعمل بها.
следующие страницы →