في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فلا مسوغ لتداخله هنا مع الشاذ بوجه من الوجوه.
وأما التوقف فما شذ به الثقة، وَرَدَّ ما شذ به غير الثقة، فأمران يتعلقان بالاحتجاج وعدمه، فلا أثر لهما في الحكم على حديث ما بالصحة أو بالضعف. لذلك عددنا في ألقاب الصحيح والحسن «الصالح» لصلاحيتهما للاحتجاج، فغيرهما - وهو الضعيف - ليس صالحًا ولا يحتج به، بل هو مردود. والخلاصة أن تنوع الأوصاف والألقاب لا يرادف دائمًا تنوع الأقسام والمصطلحات (١).
التَّاسِعُ - المُنْكَرُ:
أدق تعاريف المنكر هو أنه الحديث الذي يرويه الضعيف مُخَالفًا رواية الثقة. وهو يباين الشاذ، إذ أن راوي الشاذ ثقة. بينما راوي المنكر ضعيف غير ثقة. وقد لوحظ في المنكر أنه مقابل للمعروف (٢) كما لوحظ في الشاذ أنه مقابل للمحفوظ (٣)، لأن راوي المناكير إنما يخالف ما عُرِفَ واشتهر وإن
стр. 212
لم يحفظ، فالحفظ درجة من الضبط أبعد ما تكون عن مثل هذا الراوي الضعيف. أما راوي الشواذ فهو ثقة، وغالبًا ما يكون مع توثيقه حافظًا ضابطًا، إلا أنه خالف من هو أوثق منه ضبطًا وإتقانًا، فهو لم يخالف ما عرف واشتهر فقط بل خالف ما حفظ وأتقن أيضًا. قال ابن حجر: «وَزِيادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ مَقْبُولَةٌ، مَا لَمْ تَقَعْ مَنَافِيَةً لِرِوَاِيَةِ مِنْ هُوَ أَوْثَقُ، فَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحِ مِنْهُ لِمَزِيدِ ضَبْطٍ أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ المَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ المَرْجُوحُ يُقَالُ لَهُ الشَّاذُّ. وَإِنَّ وَقَعَتْ المُخَالَفَةُ لَهُ مَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ المَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ المُنَكَرُ» (١).
لكن ابن الصلاح ذهب إلى ترادف المنكر والشاذ، إذ نقل عن البَرْدِيجِيِّ (٢) في تعريف المنكر «أَنَّهُ هُوَ الحَديثُ الذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّجُلُ، وَلاَ يُعْرَفُ مَتْنُهُ مِنْ غَيْرِ رِوَاِيَتِهِ، لاَ مِنَ الوَجْهِ الذِي رَوَاهُ مِنْهُ وَلاَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ» (٣)، وكأنه بعبارة أوضح لا يلاحظ في المنكر إلا مطلق التفرد. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث (٤). والتفرد على إطلاقه منه المقبول، ومنه المردود «فَإذَا تَفَرَّدَ الرَّاوِي بِشَيْءٍ نُظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مِنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالحِفْظِ لِذَلِكَ وَأَضْبَطَ كَانَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ شَاذًّا مَرْدُودًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُخَالِفَةً لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا هُوَ
стр. 213
أَمْرٌ رَوَاهُ هُوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ فَيُنْظَرُ فِي هَذَا الرَّاوِي المُنْفَرِدِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلاً حَافِظًا مَوْثُوقًا بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ قَبْلَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ وَلَمْ يُقْدَحْ الاِنْفِرَادُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُوثَقُ بِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ لِذَلِكَ الذِي اِنْفَرَدَ بِهِ كَانَ اِنْفِرَادُهُ خَارِمًا لَهُ مُزَحْزِحًا لَهُ عَنْ حَيِّزِ الصَّحِيحِ» (١). ويكاد ابن الصلاح بتفصيله أنواع التفرد المطلق يشير إلى انقسام المنكر إلى ما ينقسم إليه الشاذ. ففي كل منهما مخالفة لمن هو أرجح، وفي كل منهما مقبول ومردود، فلا بدع إذا كان كلام ابن الصلاح صريحًا في أن المنكر والشاذ بمعنى (٢).
ولكن القول بترادف الشاذ والمنكر بعيد، وقد نبه السيوطي على بعده بقوله في " ألفيته ":
المُنْكَرُ الذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ ... مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ
قَابَلَهُ المَعْرُوفُ، وَالذِي رَأَى ... تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى (٣)
وهو يقصد ابن الصلاح الذي نأى عن الأرجح وَبَعُدَ حين رأى ترادف الاصطلاحين، وهو ما قصده ابن حجر أيضًا حين قال: «وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا» (٤).
ومن أوضح أمثلة المنكر ما رواه ابن أبي حاتم (٥) من طريق حَبيبٍ بْنِ
стр. 214
حبيب - وهو أخو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقرئِ (١) - عَنْ أَبي إِسْحَاقَ عَنْ العَيْزارِ بنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَن أَقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وَحَجَّ البَيْتَ وَصَامَ وَقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ» قالَ أَبُو حَاتِمٍ: «وَهُوَ مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عن أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ المَعْرُوفُ» (٢).
ومما ينبغي التيقظ له أن بعض الأئمة أطلقوا لفظ المنكر على مجرد التفرد (٣)، فكان لا بد من أمارات على النكارة حتى لا تشتبه صورتها بصورة غيرها. وعلامة المنكر في حديث المحدث أنه إذَا عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم يكذبوا فيها (٤).
وقد يذكر المحدثون في اصطلاحهم «هَذَا أَنْكَرَ مَا رَوَاهُ فُلاَنٌ»، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا، كَقَوْلِ ابْنِ عَدِيٍّ: «أَنْكَرُ مَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا "». قَالَ: «وَهَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَدْخَلَهُ قَوْمٌ فِي صِحَاحِهِمْ» (٥).
العَاشِرُ - المَتْرُوكُ:
المتروك في اصطلاح المحدثين هو «الحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ رَاوٍ وَاحِدٌ مُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ فِي الحَدِيثِ أَوْ ظَاهِرَ الفِسْقِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، أَوْ كَثِيرِ الغَفْلَةِ، أَوْ
стр. 215
كَثِيرَ الوَهْمِ» (١)، كَحَدِيثِ صَدَقَةُ بْنَ مُوسَى الدَّقِيقِيِّ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢)، وحديث عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيُّ عَنْ الحَارِثِ الأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ (٣).
• • •
وهذه الأنواع العشرة التي سلكناها في عداد الضعيف الخالص للضعف، ليست على درجة واحدة من الضعف، بل تتفاوت تَبَعًا لحال رواتها، فمن الضعيف أضعف، كما أن من الصحيح أصح. وقد ساق الحاكم أبو عبد الله تفصيلاً دقيقًا لأوهى أسانيد الرجال والبلاد في كتابه " معرفة علوم الحديث " (٤).
هل الموقوف والمقطوع من الأحاديث الضعيفة؟:
----------------------------------------------
لم نسرد من أقسام الحديث الضعيف حتى الاَن - تَبَعًا لما انتهجناه في مستهل بحثنا له - إلا ما أخذ اسْمًا خَاصًّا به. وأما ما كان منها حالة من حالات الضعف من غير أن يخص باسم معين، فقد اكتفينا بمجرد الإشارة الإجمالية إليه.
وجدير بنا - قبل أن ننتقل إلى (القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف) - أن نثير قضيتن إحداهما تتعلق بالموقوف والمقطوع هل يوصفان بالضعف؟ والأخرى تتصل بحكم رواية الاْحاديث الضعيفة والعمل بها.
стр. 216
يُقْصَدُ بِالْمَوْقُوفِ «مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ فِعْلٍ، كأن يقول الراوي: قال عمر بن الخطاب كذا، أو فعل علي بن أبي طالب كذا، أو فُعِلَ كيت وكيت أمام أبي بكر فأقره ولم ينكره.
فالقول أو الفعل أو التقرير الذي يفترض أن يكون صادرًا عن النبي ﷺ نفسه، يصدر في " الموقوف " عن الصحابي. ومن هنا اتجه تفكير بعض العلماء إلى ضعف " الموقوف " (١) لأن للحديث المروي عن رسول الله المنتهي إليه قداسة ليست لحديث سواه ولو كان صحابيًا جليلاً. على أننا لا نجد مسوغًا لإضعاف الموقوف «إِطْلاَقًا» بهذا السبب، لأننا حين نحكم له بالصحة أو الحسن إذا توافرت فيه شروط أحدهما نعلم يقينًا أننا نصحح أو نحسن حديث الصحابي لا حديث رسول الله ﷺ ، فلم نكذب - والحال هذه - عليه - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لا ساهين ولا متعمدين، ولم نضع في فيه ما لم يتلفظ به. ووصفنا «لِلْمَوْقُوفِ» بالصحة أو الحسن لا يعني وجوب عملنا به، وإنما نبيح لأنفسنا العمل بما ثبت منه أنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه (٢)، لأن الصحابي في مثل ذلك لا يقول ولا يفعل ولا يقر إلا ما تحققه بنفسه عن النبي ﷺ ، وعلى ذلك فقول الصحابي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » (٣)، وقوله لمن خرج من المسجد والمؤذن يؤذن: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ
стр. 217
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (١)، كلاهما حديث موقوف، وكلاهما مما يجوز لنا العمل به، وعلينا - مع ذلك - أن نتحفظ في الأحاديث الموقوفة على كعب الأحبار، وابن سلام، وابن عمرو بن العاص، لأنهم من الصحابة الذين اشتهروا برواية الإسرائيليات والأقاصيص، ولا سيما ما يتعلق منها بأشراط الساعة وفتن آخر الزمان. وأغلب الأحاديث التي تشتمل على مثل هذه الأخبار ضعيفة، إن لم نقل موضوعة، لكن ضعفها ليس ناشئًا عن وقفها، أو بعبارة أخرى لم تكن ضعيفة لأنها موقوفة، بل نشأ ضعفها عن شذوذ أو علة أو اضطراب فيها، وإلا فهي قابلة كالأحاديث المرفوعة إلى رسول الله ﷺ لأن توصف بالصحة أو الحسن أو الضعف، تَبَعًا لحال أسانيدها ومتونها.
وإذا قال الراوي عن الصحابي «يَرْفَعُ الحَدِيثَ» أو «يَنْمِيهِ» أو «يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ » فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع (٢). بيد أن إطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة له حكم المرفوع إطلاق غير جيد، لأن الصحابة اجتهدوا قي تفسير القرآن. واختلفوا في بعض المسائل والفروع، كما رأينا بعضهم يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب (٣).
أما الحديث «المقطوع» فهو ما روي عن التابعين من قول أو فعل أو تقرير. وللإمام أبي حنيفة رأي مشهور فيه. فهو- على رغم إدراكه عددًا من الصحابة كأنس بن مالك وعبد الله بن عباس ﵄ يقول
стр. 218
قولاً صريحًا: «مَا جَاءَ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ، وَمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابِيِّ تَخَيَّرْنَا مِنْهُ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ التَّابِعِينَ فَهُُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ».
وأوضح من قوله هذا أنه يجعل «المَقْطُوعَ» ضعيفًا لا يحتج به.
ولذلك مالت مدرسة الرأي- التي هي مدرسته - إلى تفضيل العمل بالقياس الظاهر على العمل بما ورد «مَقْطُوعًا» عن التابعن. بَيْدَ أَنَّ الرأي المختار أن «المَقْطُوعَ» يوصف كذلك بالصحة أو الحسن أو الضعف - تَبَعًا لحال إسناده ومتنه - وأن تصحيحه أو تحسينه لا يعين أنه مأخوذ عن الصحابة، فضلاً عن النبي ﷺ ، بل يعين مجرد روايته عن التابعين أنفسهم، فلا يجوز أن نحتج منه إلا بما جاء عن أكابر هؤلاء التابعين كسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي ومسروق (١)، الذين أتيح لهم أن يعاصروا أكابر الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.
رِوَايَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالعَمَلِ بِهَا:
------------------------------------
يتناقل الناس هذه العبارة «يَجُوزُ العَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ»،فيسوغون بها جميع ما يتساهلون في روايته من الأحاديث التي لم تصح عندهم، ويدخلون في الدين كثيرًا من التعاليم التي لا تستند إلى أصل ثابت معروف.
وإن هذه العبارة ليست على مر العصور أكثر من صدى لعبارة أخرى مماثلة لها منسوبة إلى ثلاثة من كبار أئمة الحديث، هم أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن
стр. 219
مهدي وعبد الله بن المبارك، فقد روي عن هؤلاء أنهم كانوا يقولون: «إِذَا رَوِينَا فِي الحَلاَلِ وَالحَرَامِ شَدَّدْنَا، وَإِذَا رَوِينَا فِي الفَضَائِلِ وَنَحْوِهَا تَسَاهَلْنَا» (١).
على أن عبارة هؤلاء الأئمة لم تفهم على وجهها الصحيح، فغرضهم من التشديد ليس مقابلة أحدهما بالآخر كتقابل الصحيح بالضعيف في نظرنا نحن، وإنما كانوا إذا رَوَوْا في الحلال والحرام يتشددون فلا يحتجون إلا بأعلى درجات الحديث، وهو المتفق في عصرهم على تسميته بـ «الصَّحِيحِ» فإن رَوَوْا في الفضائل ونحوها مما لا يمس الحل والحرمة لم يجدوا ضرورة للتشدد وقصر مروياتهم على الصحيح، بل جنحوا إلى قبول ما هو دونه في الدرجة وهو الحسن الذي لم تكن تسميته قد استقرت في عصرهم، وانما كان يعتبر قِسْمًا من الضعيف، في اصطلاح المتقدمين وإن كان في نظرهم أعلى درجة مما يصطلح بعدهم على وصفه بالضعيف (٢). ولو أن الناس فهموا أن تساهل هؤلاء الاْئمة في الفضائل إنما يعني أخذهم بالحديث الحسن الذي لم يبلغ درجة الصحة، لَمَا طَوَّعَتْ لهم أنفسهم أن يتناقلوا تلك العبارة السالفة: «يَجُوزُ العَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ»، فَمِمَّا لاَ رَيْبَ فِيهِ - في نظر الدين - أن الرواية الضعيفة لا يمكن أن تكون مصدرًا لحكم شرعي ولا لفضيلة خلقية، لأن الظن لايغني من الحق شيئًا، والفضائل كالاْحكام من دعائم الدين الأساسية، ولا يجوز أن يكون بناء هذه الدعائم وَاهِيًا، على شفا جرف هار.
لذلك لا نسلم برواية الضعيف في فضائل الأعمال ولو توافرت له جميع
стр. 220
الشروط التي لاحظها المتساهلون في هذا المجال. والمشهور أن تلك الشروط ثلاثة:
أولاً - ألا يكون المروي شديد الضعف.
ثانيًا - أن يندرج تحت أصل كلي ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة.
ثالثًا - ألا يعارضه دليل أقوى منه.
لا نسلم برواية الضعيف - رغم هذه الشروط - لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان، وهي كثيرة جِدًّا في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية، ولأننا - رغم توافر هذه الشروط - لا نؤنس من أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف، ولولا ذلك لما سميناه ضعيفًا، وإنما يساورنا دائمًا الشك في أمره، ولا ينفع في الدين إلا اليقن.
ومن هنا وجب علينا - حتى في دراسة الحديث وتدريسه - ضرب أمثلة على الضعيف منه أن نتحاشى عند الاستشهاد به كل عبارة تفيد الجزم والتحقيق فلا ننقل حديثًا تيقنا ضعفه قائلين: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ »، حتى لا نوهم السامع أو القارئ أنه صحيح أو حسن، بل نصرح بضعفه، ونشير إلى نوع الضعف من إعلال وإعضال واضطراب وشذوذ ونحو ذلك إن كنا نعلم هذا يقينًا، ونشفع قولنا بأحكام الحفاظ الذين اطلعوا على الطرق المختلفة التي ورد بها هذا الحديث مما استوجب وصفهم له بالضعف.
ونحن إذا أعدنا النظر في الأمثلة المختلفة لأقسام الحديث الضعيف التي درسناها لاحظنا أن ضعفها يعود تارة إلى الإسناد، وتارة أخرى إلى المتن.
стр. 221
وإن هذه الملاحظة لتوجهنا إلى التزام الكثير من الحيطة في حكمنا على حديث ما بالضعف. فإطلاق الحكم بالضعف ليس من دقة المحدثين في شيء، إذ ليس لهذا الاطلاق معنى إلا ضعف الحديث المبحوث عنه إسنادًا ومتنًا في آن واحد، مع أنه يحتمل أن يكون ضعفه في الإسناد فقط، أو في المتن وحده، بل يحتمل أن يكون ضعفه في إسناد معين، بينما تكون بقية أسانيده صحيحة لا يجوز الحكم بضعفها، فعلينا إذا وجدنا حديثًا بإسناد ضعيف أن ندقق في تعبيرنا فنقول: «إِنَّهُ ضَعِيفٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ» (١). ونحتاط كذلك في الحديث الذي وصف بعض الحفاظ متنه بالضعف فنقول: «لَمْ يَرِدْ هَذَا المَتْنُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى صَحِيحَةً، كَمَا ذَكَرَ الحَافِظُ فُلاَنٌ فِي كِتَابِهِ كَذَا».
على أن باب الاجتهاد لم يقفل في الحديث كما لم يقفل في الفقه، ويجب أن يظل بابه مفتوحًا في كل من هذين العلمين، فكل من أقبل على علم الحديث رواية ودراية وتوافرت فيه شروط الاجتهاد التى كانت تتوافر في الحفّاظ السالفين، جاز له أن يحكم إطلاقًا بضعف حديث ما إن بحث عن جميع طرقه، وغلب على ظنه أن متنه لم يرد بإسناد آخر صحيح.
والناشئ في علم الحديث إذا نقل رواية لا يعلم حالها، أصحيحة
стр. 222
هي أم ضعيفة، يجب عليه أن يختار للتعبير عنها صيغة التمريض، فيقول مثلاً: «رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَذَا»، أَوْ «بَلَغَنَا كَذَا» (١).
ولا يجوز له أن يذكر بصيغة التمريض هذه حديثًا صحيحًا يرويه بدون إسناده، لما يوهم ذلك من ضعفه، بل يقول جازمًا: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ».
стр. 223
الفَصْلُ الخَامِسُ: القِسْمُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنِ وَالضَّعِيفِ:
نذكر في هذا القسم المشترك مصطلحات اتضح لنا - استقراءً وبحثًا - أنها لا تختص بنوع معين من الأنواع الرئيسية الثلاثة، بل تشملها جميعًا على سواء، فتكون ألقابًا وأوصافًا لكل من الصحيح والحسن والضعيف.
وهذه المصطلحات عشرون، عرضنا لاثنين منها، وهما الموقوف والمقطوع، فَلَمْ نَرَ بأسا في اتصافهما بالصحة آو الحسن تارة، وبالضعف تارة أخرى، أما المصطلحات الثمانية عشر الباقية فهي: المرفوع والمسند والمتصل، والمؤنن والمعنعن والمعلق، والفرد والغريب، والعزيز والمشهور والمستفيض، والعالي والنازل، والتابع والشاهد والمدرج، والمسلسل، وَالمُصَحَّفُ.
وسندرس بعض هذه المصطلحات زمرًا ثلاثية حيث تتقارب أو تتداخل، وبعضها الآخر زمرًا ثنائية حيث تتعاكس أو تتقابل، لتسهل المقارنة بين
стр. 224
ألقابها وأوصافها، غير أننا سنخصص كُلاًّ من الثلاثة الأخيرة فيها ببحث مستقل، إذ لا تجاوز ولا تضارب بين المدرج، والمسلسل، والمصحف، فلكل واحد منها مفهوم واضح في نفسه، لا تزيده المقارنة بغيره شيئًا.
أ - ١ و ٢ و ٣ - المَرْفُوعُ وَالمُسْنَدُ وَالمُتَّصِلُ:
المشهور في المرفوع أنه مما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير، سواء أضافه إليه صحابي أم تابعي أم مَنْ بعدهما، وسواء اتصل إسناده أم لا (١).
وواضح من هذا التعريف أن المرفوع لا يكون متصلاً دائمًا، فقد يسقط منه الصحابي خاصة فيكون مرسلاً، أو يسقط من إسناده رجل أو يذكر فيه رجل مبهم فيكون منقطعًا، أو يسقط اثنان فأكثر فيكون مُعضَلاً، وهو في هذه الحالات الثلاث يوصف بالضعف ولو كان مرفوعًا: فليس مجرد رفع الحديث كافيًا لإطلاق الحكم بصحته، بل لا بد من تتتبع الطريق التي رُفِعَ بها ليتبين اتصاله أو انقطاعه من جهة، وَلِتُعْرَفَ دَرَجَةُ رِجَالِهِ إذا اتصل من جهة ثانية. ومن هنا أمكن دخول المرفوع في هذا القسم المشترك، فإن كان في إسناده انقطاع سمي باسم من أسماء الضعيف، تَبَعًا لنوع الانقطاع وإن اتصل إسناده صلح لأن يوصف بالصحيح والحسن، تَبَعًا لدرجة رجاله في الضبط.
ومثال المرفوع من القول أن يقول الصحابي: سمعت النبي ﷺ يقول
стр. 225
كذا، أو حدثنا رسول الله ﷺ بكذا، أو يقول هو أو غيره: قال رسول الله كذا، أو عن رسول الله أنه قال كذا، أو نحو ذلك.
ومثال المرفوع من الفعل أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله ﷺ يفعل كذا، أو يقول هو أو غيره: كان رسول الله ﷺ يفعل كذا.
ومثال المرفوع من التقرير أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ بحضرة النبي ﷺ كذا، أو يقول هو أو غيره: فعل فلان بحضرة النبي كذا، ولا يذكر إنكاره لذلك (١).
ويلاحظ أن المرفوع يُنْظَرُ فيه إلى حل المتن مع قطع النظر عن الإسناد، فكل ما أضيف إلى النبي ﷺ كان مرفوعًا (٢). والقول والفعل والتقرير كلها صالحة لأن تسمى «متن الحديث»، إذ لا علاقة بينها وبين الإسناد حين ينظر إليها لذاتها.
أما المسند فهو - على المعتمد - ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٣). إلا أن الخطيب يشترط الرفع اشتراطًا أغلبيًا فيقول: «وَصْفُهُمْ لِلْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُسْنَدٌ , يُرِيدُونَ أَنَّ إِسْنَادَهُ مُتَّصِلٌ بَيْنَ رَاوِيهِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ , إِلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذِهِ العِبَارَةَ هُوَ فِيمَا أُسْنِدَ عَنِ النَّبِيِّ
стр. 226
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ خَاصَّةً , وَاتِّصَالُ الإِسْنَادِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ , حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ , وَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ السَّمَاعُ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى العَنْعَنَةِ» (١). والمسند، على الأرجح، لا يرادف المرفوع وإن كان لا بد من شرط الرفع فيه: فقد رأينا إمكان الانقطاع في إسناد المرفوع، إذ يتجه النظر فيه إلى حال متنه فقط، فلا يكون كل مرفوع مُسْنَدًا. على حين يجمع المسند شَرْطَيْ الاتصال والرفع، إذُ ينظر فيه إلى الإسناد والمتن فكل مسند متصل لاتصال سنده إلى منتهاه، وكل مسند مرفوع لانتهاء متنه إلى النبي ﵇ (٢). ولذلك رأى الحاكم أن المسند لا يستعمل إلا في المرفوع المتصل (٣)، وذكر من شرائطه ألا يكون موقوفًا، ولا مرسلاً، ولا معضلاً، ولا في روايته مدلس (٤)، وألا يكون في إسناده «أُخْبِرْتُ عَنْ فُلاَنٍ»، ولا «حُدِّثْتُ عَنْ فُلاَنٍ» ولا «بَلَغَنِي عَنْ فُلاَنٍ»، ولا «رَفَعَهُ فُلاَنٌ»، ولا «أَظُنُّهُ مَرْفُوعًا»، وغير ذلك مما يفسد به (٥).
وما أكثر الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها على المسند، كما عرفناه وفسرناه.
وقد ذكر الحاكم مثلاً منها ضربه لألوف من الحديث يستدل به على جملتها فقال: «[ذَلِكَ] مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكِ، بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ
стр. 227
اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ حَتَّى كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَتِهِ، فَقَالَ: [" يَا كَعْبُ، ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا "، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَيِ الشَّطْرَ]، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَضَاهُ» (١) ... فَسَمَاعُ الحَاكِمِ «مِنْ ابْنِ السَّمَّاكِ ظَاهِرٌ، [وَسَمَاعَهُ] مِنَ الحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَسَمَاعُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ مِنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ عَالٍ لِعُثْمَانَ، وَيُونُسَ مَعْرُوفٌ بِالزُّهْرِيِّ، وَكَذَلِكَ الزُّهْرِيُّ بِبَنِي كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَبَنُو كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِأَبِيهِمْ، وَكَعْبٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصُحْبَتِهِ» (٢).
ولابن عبد البر (٣) رأي طريف في المسند يُسَوِّي به بينه وبين المرفوع، فهو عنده ما جاء عن النبي ﷺ خاصة، متصلاً كان أم منقطعًا (٤). ويمثل للمتصل منه بحديث يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ ، وللمنقطع منه بحديث مالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ (٥)، ويعقب ابن عبد البر على هذا الحديث الأخير بقوله: «فَهَذَا مُسْنَدٌ، لأَنَّهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁» (٦) ولكن هذا الرأي مخالف للمستفيض من عمل أئمة الحديث في
стр. 228
مقابلتهم بين المسند والمرسل، يقولون: أسنده فلان، وأرسله فلان (١).
والحق أن المسند لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الانقطاع والإرسال وما أشبههما، بل يجمع في آن واحد الرفع والاتصال. ومن الواضح أن الاتصال كالرفع، ليس كافيًا للحكم على الحديث بالصحة (٢)، وإنما يكون صحيحًا إذا توافرت في رجاله شروط الضبط والحفظ على النحو الذي
شرحناه (٣).
وأما المتصل أو الموصول فهو ما اتصل سنده سواء أكان مرفوعًا إلى النبي ﷺ أم موقوفًا على الصحابي أو من دونه (٤). غير أن الخطيب يكاد يسوي بينه وبين المسند، فلا يرى الفرق بينهما إلا في غلبة الاستعمال (٥)، إذ يغلب على المسند أن يكون فيما أسند عن النبي ﷺ ،فالرفع فيه ليس أكثر من شرط أغلبي. بيد أن هذا اصطلاح للخطيب خاص به كاصطلاحه في التسوية بين المرسل والمنقطع، فقد رأيناه لا يفرق بينهما إلا في غلبة الاستعمال أيضًا. وقد أخذنا في تعريف المسند بالرأي المعتمد الذي يلاحظ فيه اشتراط الرفع اشتراطًا حقيقيًا من كل وجه لا أغلبيًا.
ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد على المتصل في حال الرفع، لأن أمثلة المرفوع تصلح له، فلا مسوغ للتكرار. وكذلك المتصل في حال الوقف تصلح له جميع
стр. 229
أمثلة الموقوف. وقد ضرب له ابن الصلاح مثلاً بما يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر (١).
أما أقوال التابعين إذا اتصلت الأسانيد بهم فتسمى «متصلة مع التقييد» كقولهم: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب. ولا يجوز تسميتها «متصلة مع الإطلاق» دون ذكر التابعي الذي انتهى إليه الإسناد، لأن ما ينتهي إلى التابعي يسمونه «المقطوع»، ولا ريب أن المقطوع ضد الموصول لغة وذوقًا، فكرهوا في الاصطلاح أيضًا أن يطلقوا اسم الضد على ضده (٢). ولعلنا، بهذا الاحتراز الدقيق، نفهم جَيِّدًا قول ابن الصلاح: " «وَحَيْثُ يُطْلَقُ المُتَّصِلُ يَقَعُ عَلَى المَرْفُوعِ وَالمَوْقُوفِ» (٣) مع أننا لاحظنا في تعريف المتصل أنه قد يكون موقوفًا على من دون الصحابي، أي مقطوعا على التابعي.
• • •
وخلاصة القول في هذه الزمرة الثلاثية أن المرفوع قد يكون متصلاً وغير متصل، وأن المتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع، وأن السند أعم منهما كليهما، فهو في الوقت نفسه متصل ومرفوع (٤)، وأنها جميعًا صالحة في ذاتها لأن تكون صحيحة أو حسنة أو ضعيفة تَبَعًا لحال رواتها.
стр. 230
ب - ٤ و ٥ و ٦ - المُعَنْعَنُ وَالمُؤَنَّنُ وَالمُعَلَّقُ:
الحديث المعنعن هو - كما يظهر من لفظه - ما يقال في سنده:
«فلان عن فلان» من غير تصريح بالتحديث والسماع (١): وهو - على المعتمد - من قبيل الإسناد المتصل إذا توافرت فيه ثلاثة شروط: عدالة الرواة، وثبوت لقاء الراوي لمن روى عنه، والبراءة من التدليس (٢).
والمعنعن كثر في " الصحيحين "، وهو في " صحيح مسلم " أكثر، لأن مسلمًا لم يشترط ثبوت اللقاء بين الراوي ومن عنعن عنه، بل أنكر في خطبة " صحيحه " هذا الشرط مع أنه مذهب علي بن المديني والبخاري وغيرهما من أئمة المحدثين. وقد بنى مسلم رأيه على ما عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا من أن الرواية بالعنعنة ثابتة والحجة بها لازمة، وهي محمولة أبدًا على سماع الراوي للمروي عنه إذا كانا ثقتين متعاصرين (٣).
ولم يتابع مسلمًا على رأيه أحد، بل انتقدوه فيه وأخذوه عليه، فقال ابن الصلاح: «وَفِيمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ نَظَرٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ القَوْلَ الذِي رَدَّهُ مُسْلِمٌ هُوَ الذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا العِلْمِ: عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، وَالبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا» (٤). وكانت عبارة النووي في الموضوع نفسه أصرح وأوضح حيث قال: «وَهَذَا الذِي صَارَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ قَدْ أَنْكَرَهُ المُحَقِّقُونَ، وَقَالُوا: هَذَا الذِي صَارَ إِلَيْهِ ضَعِيفٌ
стр. 231
وَالذِي رَدَّهُ هُوَ المُخْتَارُ الصَّحِيحُ الذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا الفَنِّ ... » (١).
وذهب بعض النقاد إلى أن الحديث المعنعن من قبيل المرسل، فلا يحتج به، وآثرت طائفة منهم الاحتجاج به رغم هذا، فقد رأوا ذلك أكثر ما يكون في مرسل الصحابي، إذا كان لا يعرف اصطلاحًا في الرواية، فتارة يقول: «سَمِعْتُ» وتارة «عَنْ رَسُولِ اللهِ» وتارة «قَالَ رَسُولُ اللهِ». لذلك استحسنوا التفصيل، فرواية الصحابي الذي لازم الرسول ﷺ محمولة على السماع بأي عبارة أديت، وإن كان من غير الملازمين احتمل الأمرين، فقد كان عمر - وهو من خواص الصحابة - يتناوب النزول لسماع رسول الله ﷺ هو وجارٌ له، فينزل عمر يومًا ويأتي جاره بما استفاده ذلك اليوم، وينزل جاره يومًا فيأتي عمر بما استفاده في ذلك اليوم، كما صرح به البخاري في " صحيحه " (٢). ولكن الإمام النووي يرى أن عَدَّ المعنعن من قبيل المرسل مردود بإجماع السلف (٣).
وقد اعتذروا عن كثرة المعنعن في " الصحيحين "، ولا سيما في " صحيح مسلم "، بما ورد في المستخرجات عليهما من الطرق الكثيرة التي صرح فيها بالتحديث والسماع (٤)، ويشفع لمسلم فوق هذا كثرة طرق الحديث الواحد في " صحيحه " نفسه، وليست كلها بالمعنعنة (٥).
والقول الفصل للحافظ ابن حجر في شرح المواقع الثلاثة: أحدها أنها بمنزلة «حَدَّثَنَا» و «أَخْبَرَنَا». الثاني أنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت
стр. 232
من مُدَلِّسٍ. والثالث أنها بمنزلة «أَخْبَرَنَا» المستعملة في الإجازة، فلا تخرج عن الاتصال، ولكنها دون السماع كما أوضحنا في صور التحمل (١).
أما الحَدِيثُ المُؤَنَّنُ فهو الذي يقال في سنده: «حَدَّثَنَا فُلاَنٌ أَنَّ فُلاَنًا» وجعله الإمام مالك كالمعنعن، إذ سئل عن قول الراوي: «عَنْ فُلاَنٍ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، أَوْ أَنَّ فُلاَنًا قَالَ كَذَا». فقال: «هُمَا سَوَاءٌ» (٢).
وحمله البَرْدِيجِيُّ (٣) على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى (٤). والحق ما سبق أن أشرنا إليه في بحث (السماع) من أن الألفاظ المختلفة التي يستعملها الراوي عبارة عن التحديث عند علماء اللسان. وإنما الخلاف فيها بين نقاد الحديث من جهة العرف والعادة (٥).
وأما الحَدِيثُ المُعَلَّقُ فهو ما حذف من مبدإ إسناده واحدٌ فأكثر على التوالي، ويعزى الحديث إلى مَنْ فوق المحذوف من رواته (٦). وهو في " البخاري " كثير جِدًّا. مثاله: وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... » الحديث (٧).
стр. 233
والمعلق في " صحيح البخاري " على نوعين، أحدهما ما يكون في موضع آخر من كتابه موصولاً، فهو يتصرف في إسناده بالاختصار مخافة التطويل، والآخر ما لا يكون إلا معلقًا، فهو يورده بصيغة الجزم ويستفاد منه الصحة إلى من عَلَّقَ عنه. قال النووي: «فَمَا كَانَ مِنْهُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ كَقَالَ، وَفَعَلَ، وَأَمَرَ، وَرَوَى، [وَذَكَرَ فُلاَنٌ] (*)، فَهُوَ حُكْمٌ بِصِحَّتِهِ عَنِ المُضَافِ إِلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِيرَادُهُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّحِيحِ مُشْعِرٌ بِصِحَّةِ أَصْلِهِ إِشْعَارًا يُؤْنَسُ بِهِ وَيُرْكَنُ إِلَيْهِ» (**). وَعَلَى المُدَقِّقِ إذَا رَامَ الاِسْتِدْلاَلَ بِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي رِجَالِهِ وَحَالِ سَنَدِهِ لِيَرَى صَلاَحِيَّتَهُ لِلْحُجَّةِ وَعَدَمِهَا (١).
ويستشعر بعض العلماء في «المُعَلَّقِ» أنه ضرب من «المُنْقَطِعِ»، الذي سقط من إسناده رجل أو ذكر فيه رجل مبهم، فقد لاحظ السيوطي أنه «وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَحَادِيثُ أُبْهِمَ بَعْضُ رِجَالِهَا» وذكر طائفة من هذه الأحاديث في بحث المنقطع (٢)، مع أن النووي يسمي نظائرها معلقات، أو يجعل تسميتها مرددة بين الانقطاع والتعليق، فهو يقول: «قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ... » وَيَذْكُرُ الحَدِيثَ ثُمَّ يَقُولُ: «هَكَذَا وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ مُنْقَطِعًا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَاللَّيْثِ وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمَّى مُعَلَّقًا» (٣).
وأهم ما يعنينا في هذه الزمرة الثلاثية أن الحكم عليها بالضعف الخالص ليس من الدقة في شيء، فهي قابلة لأن توصف بالصحة والحسن والضعف، تَبَعًا لحال رواتها أيضًا.
стр. 234
جـ - ٧ و ٨ - الفَرْدُ وَالغَرِيبُ:
بين الفرد والغريب رابط مشترك لغة واصطلاحًا: وهو مفهوم التفرد، وقد سَوَّغَ هذا الرابط لبعض العلماء أن يحكموا بترادف الفرد والغريب، فأنشؤوا يقولون: تفرد به فلان تارة، وأغرب به فلان تارة أخرى، وهو يقصدون شيئًا واحدًا (١).
والحق أن أكثر المحدثين على التغاير بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته: فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق الذي لم يقيد بقيد ما والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي الذي قُيِّدَ بقيد ما، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي الذي قُيِّدَ بالنسبة إلى شيء معين. وإنما يغايرون بينهما عند التسمية الاصطلاحية، فالأصل في مثل هذه التسمية عدم الترادف، أما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون بين التفرد والإغراب (٢).
والفرد المطلق لا يجوز أن يتداخل مع الشاذ، فقد رأينا، في الشاذ شرطين لا بد منهما: التفرد والمخالفة (٣). أما الفرد فلا يلاحظ فيه إلا مطلق التفرد. ومن هنا جاء تعريفهم له بأنه «الحَدِيثُ الذِي اِنْفَرَدَ بِهِ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الطُّرُقُ إِلَيْهِ» (٤). ويحكم له بالصحة أو الحسن أو الضعف تبعًا لحال رواته، وقد مثلوا للفرد المطلق الصحيح بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، فإن
стр. 235
هذا الحديث تفرد به عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر (١). والمعروف عن ابن دينار أنه ثقة ضابط متقن.
والفرد النسبي (أو الغريب كما يسمى في الاصطلاح) لا يجوز أن يتداخل أيضًا مع الشاذ، فلا تشترط فيه المخالفة مع التفرد، وإنما يكون فيه ضرب من التفرد المقيد بِرَاوٍ أو براوية عن رَاوٍ معين أو بأهل بلد أو نحو ذلك، ولذلك عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ «الحَديثُ الذِي يَنْفَرِدُ بِرِوَاِيَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي أََيِّ مَوْضِعِ وَقَّعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ» (٢). ويقع التفرد في الغريب في أثناء السند فيقيد بالموضع الذى وقع فيه، كأن يروي عن الصحابي أكثر من واحد ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد (٣)، بينما يقع التفرد في الحديث الفرد في أصل السند وهو طرفه الذي فيه الصحابي، وإليه يرجع ولو تعددت الطرق إليه (٤). وحين يكون التقيد في الغريب بأهل بلد ما لا يراد من تفردهم إلا انفراد واحد منهم تَجَوُّزًا (٥). فراوي الغريب شخص واحد على جميع الأحوال.
وأنواع الغريب متكاثرة، وإنما تضبط بنسبة التفرد فيه إلى شيء معين. وأهم هذه الأنواع ثلاثة:
الأول: تفرد شخص عن شخص (٦)، كتفرد عبد الرحمن بن مهدي عن
стр. 236
الثوري عن واصل بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، [قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ»]، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» (١). وهذا النوع كثير متعارف عند المحدثين.
الثاني: تفرد أهل بلد عن شخص (٢)، كحديث ابْنِ بُرَيْدَةَ: مَا كُنْتُ لأَجْلِسَ عَلَى قَضَاءٍ بَعْدَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: [سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ]: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ: فَاثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، فَأَمَّا الاثْنَانِ: فَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ، وَهُوَ يَعْلَمُ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَأَمَّا الوَاحِدُ الَّذِي هُوَ فِي الجَنَّةِ، فَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ».قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ الخُرَاسَانِيُّونَ فَإِنَّ رُوَاتَهُ، عَنْ آخِرِهِمْ مَرَاوِزَةٌ (٣).
الثالث: تفرد شخص من أهل بلد عن أهل بلد آخر (٤)، كحديث خَالِدٍ بْنِ نِزَارٍ الأَيْلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الجُمَحِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ، البَلِيغُ الذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلُّلَ البَاقِرَةِ بِلِسَانِهَا». قَالَ الحَاكِمُ: " وَهَذَا الحَدِيثُ مِنْ أفْرَادِ المِصْرِيِّينَ، عَنِ الْمَكِّيِّينَ، فَإِنَّ خَالِدَ بْنَ نِزَارٍ عِدَادُهُ فِي المِصْرِيِّينَ،
стр. 237
وَنَافِعَ بْنَ عُمَرَ مَكِّيُّ " (١). وقد عَبَّرَ الحاكم عن هذا النوع الثالث بقوله: «أَحَادِيثُ لأَهْلِ المَدِينَةِ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مَثَلاً، وَأَحَادِيثُ لأَهْلِ مَكَّةَ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَثَلاً، وَأَحَادِيثُ يَنْفَرِدُ بِهَا الخُرَاسَانِيُّونَ، عَنْ أَهْلِ الحَرَمَيْنِ مَثَلاً، وَهَذَا نَوْعٌ يَعِزُّ وُجُودُهُ وَفَهْمُهُ!» (٢).
كل هذه الأنواع الثلاثة - كما لاحظنا - تفرد بها شخص واحد، وكان التفرد مقيدًا في كل نوع منها بموضع من السند وقع فيه، لم يكن في أصل السند بل في أثنائه. وهذا التقييد الإضافي في الحديث الغريب هو الذي سَوَّغَ تسميته «فَرْدًا نِسْبِيًّا»، وأكثر الأمثلة التي استشهدنا بها عليه ذكرها الحاكم في النوع الخامس والعشرين من علم الحديث وهو معرفة الأفراد (٣)، كأنه لا يرى بين الفرد والغريب فرقًا إلا في التوجيه والتعليل بين إطلاق وتقييد.
د - ٩ و ١٠ و ١١ - العَزِيزُ وَالمَشْهُورُ وَالمُسْتَفِيضُ:
يجمع بين هذه الأنواع الثلاثة توسطها بين مصطلحي التفرد النسبط والتواتر المعنوي، ففيها شيء من الغريب (الذي رأينا أنه هو الفرد النسبي)، لأن الغربب إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ سُمِّيَ عَزِيزًا، فإن رواه عنه جماعةُ سُمِّيَ مَشْهُورًا (٤)، وإن روته عنه الجماعة وكان في ابتدائه
стр. 238
وانتهائه سواءًُ سُمِّيَ مُسْتَفِيضًا (١)، وفيها ضرب من التواتر المعنوي لانتشارها بين الناس بعد أن لوحظ في روايتها التعدد، فَعُزِّزَتْ بأكثر من رَاوٍ، واستفاضت وَكُتِبَتْ لها الشهرة بتناقلها على ألسنة الجماعة.
بيد أن هذه الأنواع الثلاثة ألصق بالغريب منها بالمتواتر، لأن مباحثها تتعلق بالإسناد، وليس للمتواتر صلة بالإسناد (٢)، ثم إن تعدد الرواة فيها، على نِسَبِهِ المتفاوتة، لا يخرجها عن صفة الاَحادية ولا يبلغ بها درجة الجمع المشروط في التواتر، وهي أولاً وآخراً أسماء للغريب وألقاب حين يرقى عن التفرد بعض الشيء، وهي، لذلك، تحاكي الغريب في انقسامها مثله إلى صحيحة وحسنة وضعيفة.
والناظر العجول في هذه الأنواع الثلاثة يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنها ينبغي أن تكون خالصة للصحيح، فهو يستبعد أن يكون الحديث الذي عَزَّ وَقَوِيَ بمجيئه من طريق أخرى، أو استفاض واشتهر برواية الجماعة له، بمنزلة الحديث الغريب الذي انفرد بروايته شخص واحد. وقد يبدو هذا الاستنتاج منطقيًا صحيحًا لما ألفه الناس في كل زمان ومكان من العناية بالكم والكثرة، ولكن التحقيق العلمي الدقيق يثبت أن مقياس المحدثين في تصحيح الروايات وتضعيفها ليس كَمِّيًّا فَيُعَوَّلُ على الأرقام والأعداد، ويقارن فى الجموع والأفراد: وإنما هو قيمي يُعْنَى بأوصاف الرجال
المذكورين في الأسانيد، أقلة كانوا أم كثيرين. ومن هنا رأينا نُقَّادَهُمْ لا يبالون في المتواتر نفسه بتعيين عدد الجمع الراوي له،
стр. 239
بل يشترطون أَنْ يُؤْمَنَ تَوَاطُؤُ هذا الجمع على الكذب في العرف والعادة (١).
ويسرف الباحث في الظن الخاطئ أحيانًا حين يستنتج أن بعض نقاد الحديث لم يستبعدوا أن يكون لتعدد الرواة أثر في تصحيح الحديث.
وفي كلام الحاكم أبي عبد الله ما يوهم أخذه بهذا المقياس العددي حين اشترط في «الصَّحِيحِ» أن يكون له راويان. وقد أوضحنا اتجاهه هذا في بحث (الصحيح) (٢). على أن من حق الحاكم علينا أن نفسر اتجاهه تفسيرًا سليمًا. فهو إذ يشترط تعزيز الصحيح لا يحكم بتصحيح العزيز، فالصحيح عنده لا بد أن يكون عَزِيزًا ولا يحوز أن يكون فردًا ولا غريبًا، أما العزيز فلا يكون دائمًا صحيحًا، بل المشهور والمستفيض - على تعدد رواتهما واشتراط الجمع فيهما - ليسا دائمًا صحيحين، إذ يكون فيهما الحسن والضعيف، وربما الباطل والموضوع. وعبارة الحاكم في هذا الباب أصرح من أَنْ تُؤَوَّلَ، فهو يقول: «وَالمَشْهُورِ مِنَ الحَدِيثِ غَيْرِ الصَّحِيحِ، فَرُبَّ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ» (٣). ويستشهد الحاكم على ذلك بطائفة من الأحاديث منها الحسان ومنها الضعاف، ثم يقول: «فَكُلُّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَشْهُورَةٌ بِأَسَانِيدِهَا وَطُرُقِهَا وَأَبْوَابٍ يَجْمَعُهَا أَصْحَابُ الحَدِيثِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا تُجْمَعُ طُرُقُهُ فِي جُزْءٍ أَوْ جُزْئَيْنِ، وَلَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ».
ولقد اطلع السيوطي على هذه الأحاديث التي استشهد بها الحاكم، فدقق النظر فيها وأحسن التمييز بينها، وَسَمَّى كُلاًّ منها باسمه الاصطلاحي اللائق به
стр. 240
وزاد عليها الكثير في كتاب رتبه على حروف المعجم مستدركًا به على الإمام الزركشي ما فاته في " التذكرة في الأحاديث المشتهرة " (١). وفي " التدريب " عدد من هذه الشواهد يمثل بها السيوطي للمشهور في جميع أحواله، صحيحًا وحسنًا وضعيفًا وباطلاً.
فمثال المشهور وهو صحيح حديث: «إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).
ومثال المشهور وهو حسن حديث «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». فقد قال المِزِّي (٣) «إِنَّ لَهُ طُرُقًا يَرْتَقِي بِهَا إِلَى رُتْبَةِ الحَسَنِ» (٤).
ومثال المشهور وهو ضعيف: «جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا» (٥).
وأمثلة المشهور وهو باطل لا تعد ولا تحصى، وهي بين مرفوعات وموقوفات ومقطوعات، وأكثر ما تشيع على ألسنة العامة. ومنها: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»، «يَوْمُ صَوْمِكُمْ يَوْمُ نَحْرِكُمْ»، «كُنْتُ كَنْزًا لاَ أُعْرَفُ»،
стр. 241
«البَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» (١).
واشتهار الحديث أمر نسبي (٢)، فقد يكون مشهورًا بين أهل الحديث خاصة، وقد يكون مشهورًا بينهم وبين غيرهم من العلماء والعامة. ومن هنا قيل: إن حديث «أَبْغَضُ الحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ» مشهور عند الفقهاء، وحديث «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مشهور عند الأصوليين، وحديث «نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» مشهور عند النحاة، وحديث «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» مشهور عند العامة. أما حديث «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» فمشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام في آن واحد (٣).
لكن المشهور الاصطلاحي الذي يعرفه نقاد الحديث لا يراد به ما اشتهر على ألسنة الناس من العلماء والعامة، بل الحديث الذي روته الجماعة ثلاثة أو أكثر (٤)، وأمثلته، على كثرتها، لا يقف عليها غير أهل الحديث والمجتهدين في جمعه ومعرفته (٥)، ومن أوضحها حديث أنس «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ» أخرجه الشيخان من رواية سلمان التيمي عن أبي مَجْلِزٍ عن أنس (٦). قال الحاكم مُوَضِّحًا
стр. 242
أسباب وصف هذا الحديث بالشهرة: «هَذَا حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَهُ رُوَاةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيْرَ أَبِي مِجْلَزٍ، وَرُوَاهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيْرِ التَّيْمِيِّ، وَرُوَاهُ عَنِ التَّيْمِيِّ غَيْرِ الأَنْصَارِيِّ، وَلا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ الغَيْرَ إِذَا تَأَمَّلَهُ، يَقُولُ: سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ هُوَ صَاحِبُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَلا يُعْلَمُ أَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلا يُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي ذِكْرِ العُرَنِيِّينَ يُجْمَعُ وَيُذَاكَرُ بِطُرُقِهِ» (١).
وأكثر أمثلة المشهور تصلح للمستفيض، فهما مترادفان على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، لكن الأصح التفرقة بينهما، بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سَوَاءٌ، والمشهور أعم من ذلك (٢)، ومنهم من غاير بينهما على كيفية أخرى، فلاحظ أن الجماعة التي تروي المشهور ثلاثة أو أكثر، فطرقه محصورة بأكثر من اثنين، بينما يخصص المستفيض بالأكثر من الثلاثة، فلا يمكن أن تقل طرقه عن ثلاثة (٣). وقد سُمِّيَ بذلك لانتشاره: من فاض الماء يفيض فيضًا، إذا فاض من جوانب الإناء (٤).
ولم يُثِرْ العلماء شبهة حول المشهور ولا المستفيض، فأمثلتهما كثيرة متضافرة، وإنما أثاروا الشبهات حول العزيز، فقد زعم ابْنُ حِبَّانَ البُسْتِيُّ (٥) أن لا وجود أصلاً للحديث العزيز، لاعتقاده أن العزيز ما يرويه اثنان عن اثنين إلى أن
стр. 243
ينتهي إسناده (١)، وكانه يرى أن تسميته بالعزيز لعزة وجوده وتعذره، لا لقلة وجوده وندرته، وقد رَدَّ رأيه شيخ الإسلام ابن حجر قائلاً: «إن أراد أن رواية اثنين فقط عن اثنين لا توجد أصلاً فيمكن أن يسلم، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة: بألا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة، أن " رسول الله ﷺ قال: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» الحديث، ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة» (٢).
ومن الصور النادرة في المصطلح أن يجمع الحديث بين وصفي العزة والشهرة، فَيُسَمَّى عَزِيزًا مَشْهُورًا، وذلك إذا اتضح أنه عزيز في بعض طبقاته برواية اثنين، ومشهور في التي قبلها أو بعدها بروايته عن الأكثر، وَمَثَّلَ له الحافظ العلائي (٣) بحديث: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وقال: هو عزيز عن النبي ﷺ ، رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو هريرة، ورواه عن أبي هريرة سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاووس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم برثن (٤).
стр. 244
هـ - ١٢ و ١٣ - العَالِي وَالنَّازِلُ:
مضى الورعون من العلماء يرجحون الأخذ ممن عَلاَ إسناده وقرب من
النبي ﷺ معتقدين أن «قُرْبَ الإِسْنَادِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ» (١). ولم يكن الإسناد القريب إلى النبي يتيسر لهم دائمًا، فكانوا يلجؤون إلى أقرب الأسانيد من الصحابة والتابعين والعلماء الأعلام: فنشأت بذلك صورتان من الإسناد العالي، إحداهما مطلقة والأخرى نسبية.
فالاسناد العالي المطلق هو ما قرب رجال سنده من رسول الله ﷺ بسبب قلة عددهم إذا قيسوا بسند آخر يرد في ذلك الحديث نفسه بعدد كثير (٢).
وهذا النوع من العلو هو أجل الأسانيد شريطة أن يكون بإسناد صحيح نظيف، فلا التفات إليه إذا كان مع ضعف، ولا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممن ادعى سماعًا من الصحابة كَابْنِ هُدْبَةَ ودينار وخراشة ونعيم بن سالم وأبي الدنيا الأشج. ولذلك قال الحافظ الذهبي: «مَتَى رَأَيْتَ المُحَدِّثِ يَفْرَحُ بِعَوَالِي هَؤُلاَءِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَامِّيٌّ بَعْدُ» (٣).
أما الإسناد العالي النسبي فهو ما قرب رجال سنده من إمام من أئمة الحديث، كالأعمش، وابن جريج، ومالك، وشعبة،
وغيرهم، مع صحة الإسناد إليه، أو قربوا من كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة، ك " الكتب الستة "، و" الموطأْ "،
стр. 245
ونحو ذلك (١). وإنما سمي «نِسْبِيًّا»، لأن العلو فيه إضافي لا حقيقي.
وللإسناد العالي النسبي صور كثيرة، أشهرها أن تاتي لحديث رواه " البخاري " مثلاً، فترويه باسنادك إلى شيخ البخاري، أو شيخ شيخه، وهكذا، ويكون رجال إسنادك في الحديث أقل عددًا مما لو رويته من طريق البخاري (٢).
وقد جعل ابن حجر الإسناد العالي النسبي على أربعة أنواع: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة.
فالموافقة هي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه. مثاله أن يروي البخاري عن قتيبة عن مالك حديثًا، فترويه بإسناد آخر عن قتيبة، بعدد أقل مما لو رويته من طريق البخاري عنه (٣).
والبدل هو الوصول إلى شيخ شيخه من غير طريقه أيضًا. ومثاله أن يقع لك الإسناد السابق بعينه من طريق أخرى إلى القعنبي عن مالك، فيكون القعنبي بدلاً فيه من قتيبة (٤).
والمساواة هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين، ومثاله - كما قال ابن حجر - أن يروي النسائي مثلاً حديثًا يقع بينه وبين النبي ﷺ فيه أحد عشر نفسًا، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر إلى النبي ﷺ ، بيننا فيه وبين النبي ﷺ أحدعشر نفسًا فنساوي
стр. 246
النسائي من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص (١).
وقال ابن الصلاح: «أَمَّا المُسَاوَاةُ: فَهِيَ فِي أَعْصَارِنَا أَنْ يَقِلَّ العَدَدُ فِي إِسْنَادِكَ لاَ إِلَى شَيْخِ مُسْلِمٍ وَأَمْثَالِهِ، وَلاَ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ، بَلْ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، كَالصَّحَابِيِّ، أَوْ مَنْ قَارَبَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَيْثُ يَقَعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ مَثَلاً مِنَ العَدَدِ مِثْلُ مَا وَقَعَ مِنَ العَدَدِ بَيْنَ مُسْلِمٍ، وَبَيْنَ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ مُسَاوِيًا لِمُسْلِمٍ مَثَلاً فِي قُرْبِ الإِسْنَادِ وَعَدَدِ رِجَالِهِ» (٢).
والمصافحة هي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف، وسميت مصافحة لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا (٣).وإن وقعت المساواة لشيخك كانت لك مصافحة، كأنك صافحت المصنف وأخذت عنه، وإن وقعت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وإن وقعت لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك (٤).
ونسبة العلو في كل من المساواة والمصافحة لا تحتاج إلى إيضاح، فهذان النوعان عاليان بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في إسناده. ولذلك يتعذر وجود هذين النوعين في زماننا، القرن الرابع عشر الهجري، وفيما يقاربه من القرون الماضية، لأن الإسناد بعيد جِدًّا بالنسبة إلينا. ولقد أراد ابن الصلاح أن ينفي عن المساواة والمصافحة حقيقة العلو، فحكم عليهما حُكْمًا وَاحِدًا، ونظر إليهما بمنظار واحد، ثم جزم بأن «هَذَا النَّوْعَ مِنَ العُلُوِّ عُلُوٌّ تَابِعٌ لِنُزُولٍ، إِذْ لَوْلاَ
стр. 247
نُزُولُ ذَلِكَ الإِمَامِ فِي إِسْنَادِهِ لَمْ تَعْلُ أَنْتَ فِي إِسْنَادِكَ» (١).
ومن صور العلو النسبي تقدم وفاة الراوي عمن روى عنه وإن تَسَاوَيَا في العدد. فمن سمع " مسند أحمد " على الحلاوي عن أبي العباس الحلبي عن النجيب أعلى نسبيًا ممن سمعه على الجمال الكتاني عن القرضي عن زينب بنت مكي، لتقدم وفاة الثلاثة الأولين على الثلاثة الآخرين (٢) فهم أقرب إلى أحمد و" مسنده ".
ومن العلو النسبي تقدم السماع (٣): فمن سمع من الشيخ قديمًا كان أعلى ممن سمع منه أخيرًا، كأن يسمع شخصان من شيخ واحد، أحدهما سمع منه منذ ستين سنة مثلاً، والآخر منذ أربعين، فالأول أعلى من الثاني (٤).
وولوع المتأخرين من المحدثين بالإسناد العالي مطلقًا ونسبيًا، غلب على الكثيرين منهم حتى صرفهم عن الاشتغال بما هو أهم منه، فتباهوا به مثلما تباهوا بطلب الغرائب والمناكير، كما أوضحنا في فصل (الرحلة في طلب الحديث)، وفصل (شروط الراوى)، «وَإِنَّمَا كانَ العلوُّ مَرْغُوبًا فِيهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ؛ لأنَّهُ مَا مِنْ رَاوٍ مِنْ رِجَالِ الإِسْنَادِ إِلاَّ وَالخَطَأُ جَائِزٌ عَلَيْهِ، فَكُلَّمَا كَثُرَتْ الوَسَائِطُ وَطَالَ السَّنَدُ كَثُرَتْ مَظَانُّ التَّجْوِيزِ، وَكُلَّمَا قَلَّتْ قَلَّتْ» (٥).
ومن هنا شاع على ألسنة المحدثين أن النازل مفضول (٦). قال السيوطي في ألفيته:
стр. 248
وَطَلَبُ العُلُوِّ سُنَّةٌ وَمَنْ ... يُفَضِّلُِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ (١)
وغني عن البيان أن النازل هو ما قابل العالي، وأن تفصيل أقسامه يدرك من تفصيل أنواع العالي التي سبقت الإشارة إليها (٢).
على أن تفضيل العالي على النازل لا ينبغي أن يبقى على إطلاقه، فَرُبَّ إسناد نازل أفضل من عال إذا تميز بفائدة، كما إذا كان رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه أو كانت صورة تحمله أقرب إلى السماع (٣).
قال وكيع (٤) لأصحابه: «" أَيُّمَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ: الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَاِئِلٍ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ؟ " فَقَالُوا: " الأَوَّلُ ". فَقَالَ: " الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَيْخٌ عَنْ شَيْخِ، وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقِيهٌ عَنْ فَقِيهٍ، وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الفُقَهَاءُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا يَتَدَاوَلُهُ الشُّيُوخُ "» (٥).
وقد استنتج الحافظ السَّلَفِيُّ (٦) من هذا أن «الأَصْلَ الأَخْذُ عَنِ العُلَمَاءِ، فَنُزُولُهُمْ أَوْلَى مِنَ العُلُوِّ عَنِ الجَهَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّقَلَةِ، وَالنَّازِلُ حِينَئِذٍ هُوَ العَالِي فِي المَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ!» (٧).
стр. 249
و - ١٤ و ١٥ - المُتَابِعُ وَالشَّاهِدُ:
لا يرى بعض المحدثين بأسًا في إطلاق المتابع على الشاهد، والشاهد على المتابع (١)، ففي كل منهما ضرب من تعزيز الفرد النسبي «الغريب». وذلك لا يعني ترادف الاصطلاحين، فإن بينهما فَرْقًا دَقِيقًا تتباين آراء العلماء في تحديده.
وقد بدا لنا - من خلال الأقوال والأمثلة المحفوظة في هذا الباب - أن الشاهد أعم من المتابع، فهو يشهد للمعنى تارة وللفظ والمعنى كليهما تارة أخرى، على حين تختص المتابعة باللفظ ولا تتعداه إلى المعنى (٢).
ويمكننا الآن - في ضوء هذا التمايز الأساسي - أَنْ نُعَرِّفَ المتابع بأنه ما وافق رَاوِيَهُ رَاوٍ آخَرَ، ممن يصلح أن يُخَرَّجَ حديثه، فرواه عن شيخه أو من فوقه بلفظ مقارب (٣)، وَنُعَرِّفَ الشَّاهِدَ بأنه ما وافق رَاوٍ رَاوِيَهُ عن صحابي آخر بمتن يشبهه في اللفظ والمعنى جميعًا، أو في المعنى ففط (٤).
والمتابع على قسمن: تام وقاصر، والشاهد على نوعين: لفظي ومعنوي.
فالمتابع التام ما جاءت المتابعة فيه للراوي نفسه، ومثاله ما رواه الشافعي في " الأم " عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ»، فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن
стр. 250
قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فَعَدُّوهُ في غرائبه، لأن أصحاب مالك رَوَوْهُ بهذا الإسناد بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»، لكن العلماء وجدوا للشافعي مُتَابِعًا وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي (*). كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك (١).
والمتابع القاصر، ما كانت المتابعة فيه لشيخ الراوي فمن فوقه. ومثاله في الحديث الذي تقدم ما ورد في " صحيح ابن خزيمة " من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد اللَه بن عمر بلفظ: «فكَمِّلوا ثلاثينَ»، وفي " صحيح مسلم " من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ «فَاقْدِرُوا ثَلاَثِينَ» (٢).
والشاهد اللفظي هو الذي يُعَزِّزُ معنى الحديث لفظًا. ومثاله في الحديث الذي قدمناه ما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فذكر حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر سواء (٣).
والشاهد المعنوى هو الذي يُعَزِّزُ معنى الحديث لا لفظه، ومثاله في الحديث السابق نفسه ما رواه " البخاري " من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ (**) عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» (٤).
وهكذا صلح حديث «رُؤْيَةُ الهِلاَلِ» مثالاً للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة، والشاهد باللفظ، والشاهد بالمعنى (٥).