← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96229

علوم الحديث ومصطلحه

صبحي الصالح

Полный текст (433 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

النسائي من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص (١). وقال ابن الصلاح: «أَمَّا المُسَاوَاةُ: فَهِيَ فِي أَعْصَارِنَا أَنْ يَقِلَّ العَدَدُ فِي إِسْنَادِكَ لاَ إِلَى شَيْخِ مُسْلِمٍ وَأَمْثَالِهِ، وَلاَ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ، بَلْ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، كَالصَّحَابِيِّ، أَوْ مَنْ قَارَبَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَيْثُ يَقَعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ مَثَلاً مِنَ العَدَدِ مِثْلُ مَا وَقَعَ مِنَ العَدَدِ بَيْنَ مُسْلِمٍ، وَبَيْنَ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ مُسَاوِيًا لِمُسْلِمٍ مَثَلاً فِي قُرْبِ الإِسْنَادِ وَعَدَدِ رِجَالِهِ» (٢). والمصافحة هي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف، وسميت مصافحة لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا (٣).وإن وقعت المساواة لشيخك كانت لك مصافحة، كأنك صافحت المصنف وأخذت عنه، وإن وقعت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وإن وقعت لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك (٤). ونسبة العلو في كل من المساواة والمصافحة لا تحتاج إلى إيضاح، فهذان النوعان عاليان بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في إسناده. ولذلك يتعذر وجود هذين النوعين في زماننا، القرن الرابع عشر الهجري، وفيما يقاربه من القرون الماضية، لأن الإسناد بعيد جِدًّا بالنسبة إلينا. ولقد أراد ابن الصلاح أن ينفي عن المساواة والمصافحة حقيقة العلو، فحكم عليهما حُكْمًا وَاحِدًا، ونظر إليهما بمنظار واحد، ثم جزم بأن «هَذَا النَّوْعَ مِنَ العُلُوِّ عُلُوٌّ تَابِعٌ لِنُزُولٍ، إِذْ لَوْلاَ

стр. 247

نُزُولُ ذَلِكَ الإِمَامِ فِي إِسْنَادِهِ لَمْ تَعْلُ أَنْتَ فِي إِسْنَادِكَ» (١). ومن صور العلو النسبي تقدم وفاة الراوي عمن روى عنه وإن تَسَاوَيَا في العدد. فمن سمع " مسند أحمد " على الحلاوي عن أبي العباس الحلبي عن النجيب أعلى نسبيًا ممن سمعه على الجمال الكتاني عن القرضي عن زينب بنت مكي، لتقدم وفاة الثلاثة الأولين على الثلاثة الآخرين (٢) فهم أقرب إلى أحمد و" مسنده ". ومن العلو النسبي تقدم السماع (٣): فمن سمع من الشيخ قديمًا كان أعلى ممن سمع منه أخيرًا، كأن يسمع شخصان من شيخ واحد، أحدهما سمع منه منذ ستين سنة مثلاً، والآخر منذ أربعين، فالأول أعلى من الثاني (٤). وولوع المتأخرين من المحدثين بالإسناد العالي مطلقًا ونسبيًا، غلب على الكثيرين منهم حتى صرفهم عن الاشتغال بما هو أهم منه، فتباهوا به مثلما تباهوا بطلب الغرائب والمناكير، كما أوضحنا في فصل (الرحلة في طلب الحديث)، وفصل (شروط الراوى)، «وَإِنَّمَا كانَ العلوُّ مَرْغُوبًا فِيهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ؛ لأنَّهُ مَا مِنْ رَاوٍ مِنْ رِجَالِ الإِسْنَادِ إِلاَّ وَالخَطَأُ جَائِزٌ عَلَيْهِ، فَكُلَّمَا كَثُرَتْ الوَسَائِطُ وَطَالَ السَّنَدُ كَثُرَتْ مَظَانُّ التَّجْوِيزِ، وَكُلَّمَا قَلَّتْ قَلَّتْ» (٥). ومن هنا شاع على ألسنة المحدثين أن النازل مفضول (٦). قال السيوطي في ألفيته:

стр. 248

وَطَلَبُ العُلُوِّ سُنَّةٌ وَمَنْ ... يُفَضِّلُِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ (١) وغني عن البيان أن النازل هو ما قابل العالي، وأن تفصيل أقسامه يدرك من تفصيل أنواع العالي التي سبقت الإشارة إليها (٢). على أن تفضيل العالي على النازل لا ينبغي أن يبقى على إطلاقه، فَرُبَّ إسناد نازل أفضل من عال إذا تميز بفائدة، كما إذا كان رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه أو كانت صورة تحمله أقرب إلى السماع (٣). قال وكيع (٤) لأصحابه: «" أَيُّمَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ: الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَاِئِلٍ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ، أَوْ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ؟ " فَقَالُوا: " الأَوَّلُ ". فَقَالَ: " الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَيْخٌ عَنْ شَيْخِ، وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقِيهٌ عَنْ فَقِيهٍ، وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الفُقَهَاءُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا يَتَدَاوَلُهُ الشُّيُوخُ "» (٥). وقد استنتج الحافظ السَّلَفِيُّ (٦) من هذا أن «الأَصْلَ الأَخْذُ عَنِ العُلَمَاءِ، فَنُزُولُهُمْ أَوْلَى مِنَ العُلُوِّ عَنِ الجَهَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّقَلَةِ، وَالنَّازِلُ حِينَئِذٍ هُوَ العَالِي فِي المَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ!» (٧).

стр. 249

و - ١٤ و ١٥ - المُتَابِعُ وَالشَّاهِدُ: لا يرى بعض المحدثين بأسًا في إطلاق المتابع على الشاهد، والشاهد على المتابع (١)، ففي كل منهما ضرب من تعزيز الفرد النسبي «الغريب». وذلك لا يعني ترادف الاصطلاحين، فإن بينهما فَرْقًا دَقِيقًا تتباين آراء العلماء في تحديده. وقد بدا لنا - من خلال الأقوال والأمثلة المحفوظة في هذا الباب - أن الشاهد أعم من المتابع، فهو يشهد للمعنى تارة وللفظ والمعنى كليهما تارة أخرى، على حين تختص المتابعة باللفظ ولا تتعداه إلى المعنى (٢). ويمكننا الآن - في ضوء هذا التمايز الأساسي - أَنْ نُعَرِّفَ المتابع بأنه ما وافق رَاوِيَهُ رَاوٍ آخَرَ، ممن يصلح أن يُخَرَّجَ حديثه، فرواه عن شيخه أو من فوقه بلفظ مقارب (٣)، وَنُعَرِّفَ الشَّاهِدَ بأنه ما وافق رَاوٍ رَاوِيَهُ عن صحابي آخر بمتن يشبهه في اللفظ والمعنى جميعًا، أو في المعنى ففط (٤). والمتابع على قسمن: تام وقاصر، والشاهد على نوعين: لفظي ومعنوي. فالمتابع التام ما جاءت المتابعة فيه للراوي نفسه، ومثاله ما رواه الشافعي في " الأم " عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ»، فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن

стр. 250

قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فَعَدُّوهُ في غرائبه، لأن أصحاب مالك رَوَوْهُ بهذا الإسناد بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»، لكن العلماء وجدوا للشافعي مُتَابِعًا وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي (*). كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك (١). والمتابع القاصر، ما كانت المتابعة فيه لشيخ الراوي فمن فوقه. ومثاله في الحديث الذي تقدم ما ورد في " صحيح ابن خزيمة " من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد اللَه بن عمر بلفظ: «فكَمِّلوا ثلاثينَ»، وفي " صحيح مسلم " من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ «فَاقْدِرُوا ثَلاَثِينَ» (٢). والشاهد اللفظي هو الذي يُعَزِّزُ معنى الحديث لفظًا. ومثاله في الحديث الذي قدمناه ما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فذكر حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر سواء (٣). والشاهد المعنوى هو الذي يُعَزِّزُ معنى الحديث لا لفظه، ومثاله في الحديث السابق نفسه ما رواه " البخاري " من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ (**) عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» (٤). وهكذا صلح حديث «رُؤْيَةُ الهِلاَلِ» مثالاً للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة، والشاهد باللفظ، والشاهد بالمعنى (٥).

стр. 251

ومن المألوف في كتب مصطلح الحديث أن يذكر الاعتبار إلى جانب المتابع والشاهد، فيظن القارئ العادي أنها أنواع ثلاثة. والحق أن الاعتبار ليس أكثر من وسيلة لمعرفة المتابع والشاهد. قال السيوطي في ألفيته: الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ ... هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ (١). وقال ابن حجر: «وَاعْلمْ أَنَّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ لِيُعْلَمَ هَلْ لهُ مُتَابِعٌ أَمْ لاَ هُوَ الاِعْتِبَارُ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلاَحِ: (مَعْرِفَةُ الاِعْتِبَارِ وَالمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ) قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الاِعْتِبَارَ قََسِيمٌ لَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ هَيْئَةُ التَوَصُّلِ إِلَيْهِمَا» (٢). ونقاد الحديث لا يتشددون في الشواهد والمتابعات تشددهم في الأصول، فيغتفرون فيها من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يغتفرون في الأصول، وربما وقع في " الصحيحين " شيء من ذلك. ولهذا يقول الدارقطني وأمثاله من النقاد في بعض الضعفاء: «هَذَا يَصْلُحُ لِلاِعْتِبَارِ» و «هَذَا لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ» (٣). ومتى وُصِفَ الضعيف بأنه «مَتْرُوكَ الحَدِيثِ» فهو لا يصلح للاعتبار. مثاله حديث «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا»، فقد رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ». فأوضح السيوطي عبارة

стр. 252

الترمذي هذه بقوله: «أَيْ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ، وَإِلاَّ فَقَدَ رَوَاهُ الحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. وَالحَسَنُ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، لاَ يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَاتِ» (١). ومن أراد تتبع الطرق التي تصلح للشواهد والمتابعات فعليه بالجوامع والمسانيد والأجزاء. وقد أوضحنا المراد منها ص ١٢٢ وما بعدها. ١٦ - المُدْرَجُ: المدرج هو الحديث الذي اطلع في متنه أو إسناده على زيادة ليست منه (٢). ومورد تسميته واضح، فهو من أدرجت الشيء في الشيء، إذا أدخلته فيه وضمنته إياه (٣). ورواة الصحاح والحسان والمسانيد ينبهون غالبًا على كل زيادة في أحاديثهم مهما تكن هينة يسيرة، بالنص على أصحابها، سواء أوقعت تلك الزيادة في المتن أو الإسناد، ذلك بأنهم يخافون إن لم ينصوا على العبارة المدرجة وعلى مدرجيها أن يأتي من ينقلها عن لسانهم غير ملاحظ إدراجها، فيساعدون بذلك - من غير قصد - على الكذب على رسول الله أو على من أدى أحاديث هذا الرسول الكريم. ولا ريب أن تعمد الإدراج ضرب من الكذب والتدليس لا يقدم عليه إلا ضعيف الإيمان مزعزع العقيدة. قَالَ السَّمْعَانِيِّ: «مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ العَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَذَّابِينَ» (٤).

стр. 253

والإدراج في المتن أكثر ما يكون في آخر الحديث، يتطوع بإدخاله بعض الرواة بعبارة منهم يقصدون بها الايضاح والتفسير. وقد يوجد هذا الإدراج في أول الحديث أو وسطه، ووقوعه أوله أكثر من وسطه (١). فمن الإدراج في الوسط ما رواه النسائي من حديث فضالة مرفوعًا «أَنَا زَعِيمٌ، - وَالزَّعِيمُ الحَمِيلُ - لِمَنْ آمَنَ بِي، وَأَسْلَمَ ... وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ» (٢). فعبارة «وَالزَّعِيمُ الحَمِيلُ» لم تكن في أصل الحديث من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما هي مدرجة أدخلها ابن وهب - أحد رواة الحديث - تفسيرًا للفظ «زَعِيمٍ» الذي ظنه غير واضح في السياق. ومن الإدراج في أول الحديث ما رواه الخطيب من طريق أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» فعبارة «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» في أول الحديث ليست من كلام الرسول ﷺ الذي لم يزد على أن قال «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ولكن أبا هريرة أدرج العبارة السابقة، فوهم أبو قطن وشبابة في روايتهما لها عن شعبة، وظناها من قول الرسول ﷺ لا من قول أبي هريرة (٣).

стр. 254

ومن الإدراج في آخر الحديث ما في " الصحيح " عن أبي هريرة مرفوعًا: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ الجِهَادُ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» (١) فرسول الله ﷺ اكتفى بقوله: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ» غير أن أبا هريرة تكفل بإيضاح هذين الأجرين بقسمه بتمني الرق، ومثل هذه الأمنية يستحيل أن تساور قلب النبي ﷺ الذي جاء بتعاليمه يدعو إلى تحرير الرقيق، فضلاً عن أن أمه ﵇ توفيت وهو صغير، فلا يمكن قطعًا أن تكون العبارة من قوله - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - (٢). أما مدرج الإسناد فمرجعه في الحقيقة إلى المتن (٣) وأهم صوره اثنتان (٤)، الأولى: أن يجمع راو على إسناد واحد حديثًا ذا أسانيد مختلفة، من غير أن يومئ إلى اختلاف تلك الأسانيد في الأصل (٥). مثاله: ما رواه الترمذى من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟» الحديث، فإن واصلاً لا يذكر في روايته «عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ» إنما يروي عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة، فذكر [عمرو] بن شرحبيل إدراج على رواية منصور والأعمش، يتضح ذلك من رواية يحيى القطان

стр. 255

عن الثوري هذا الحديث بإسنادين إلى واصل ليس فيهما الإدراج المذكور، أحدهما عن منصور والثانى عن الأعمش، ورواية القطان أخرجها " البخاري " (١). فالإسناد قد تعدد، ولم يشر الراوي إلى تعدده، فأوهم بذلك أن واصلاً روى عن عمرو بن شرحبيل، المذكور صراحة في كل من الإسنادين الآخرين عن منصور والأعمش (٢). والصورة الثانية أن يكون الحديث عند أحد الرواة بإسناد، ولديه حديث آخر بغير ذلك الإسناد، فيأتي رَاوٍ ويروي عنه أحد الحديثين بإسناده، ويدرج فيه الحديث الآخر من غير بيان. مثاله: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعًا: «لاَ تَبَاغَضُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، ولاَ تَنَافَسُوا» الحديث. فابن أبي مريم أدرج في هذا الحديث عبارة ليست منه، وإنما هي من حديث آخر له إسناد آخر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا، وهذه العبارة هي «ولاَ تَنَافَسُوا» المعروفة في السند الآخر، كما في " الصحيحين " و" الموطأ " (٣). ودواعي الإدراج كثيرة، منها تفسير بعض الألفاظ الغريبة في الحديث النبوي، ومنها تبيان حكم شرعي يمهد له الراوي بقول النبي ﷺ ويكون ذلك من الإدراج في أول المتن، ومنها استنباط حكم من حديث النبي، وذلك

стр. 256

يكون من الإدراج في وسط المتن أو في آخره (١). وهذه جميعًا من الدواعي التي لا يعجزنا تسويغها للراوي ولو وقعت منه على عمد. ولذلك كان الزهري وغيره من الأئمة لا يرون بأسًا بالإدراج لتفسير الغريب ونحوه مما ذكرناه (٢). أما تعمد الإدراج، لغير هذه الدواعي، فهو حرام بإجماع أهل الحديث والفقه. ومن الواضح أن المدرج الذى أدخلناه هنا في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف هو الذي لا يحاكي أي صورة من صور التدليس، ولا يكون صحيحًا أو حسنًا منه إلا ما عرفت فيه العبارة المدرجة، وَعُلِمَ أن الغرض من ذكرها مجرد الايضاح والتفسير، وأن الحديث في أصله خال منها ليس فيه إلا أقوال النبي الكريم في المرفوع، أو في أقوال صحابته والتابعين في الموقوف والمقطوع. والطريق إلى معرفة المدرج من وجوه (٣): الأول: أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي ﷺ ، كحديث: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا إِلاَّ ... » فإن العبارة الأخيرة مدرجة، زادها الراوي الصحابي ابن مسعود، إذ لا يصح أن يضاف إلى النبي ﷺ شيء من الشرك. ومنه إدراج أبي هريرة تمني الرق في حديث الرسول، كما رأينا قريبًا. الثاني: أن يصرح الصحابي بأنه يسمع تلك الجملة المدرجة من النبي ﷺ كحديث ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول كلمة «مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ»، وأخرى أقولها: «مَنْ مَاتَ لاَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ الجَنَّةَ».

стр. 257

والحديث في " صحيح مسلم " بلفظ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى». لكنا لا نستطيع أن نقطع بتعيين الجملة المدرجة هل هي دخول الجنة لمن لا يجعل لله نِدًّا، أو دخول النار فيمن جعل لله نِدًّا، لاختلاف الرواية. الثالث: أن يصرح بعض الرواة بفصل العبارة المدرجة عن المتن المرفوع، فيضيفها إلى قائلها، ويعين المزيد والمزيد عليه. مثاله قول ابن مسعود بعد روايته حديث النبي في التشهد: «فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ».أخرجه أبوداود، فهذه العبارة مدرجة، وقد قطعت بإدراجها رواية شبابة بن سوار عن ابن مسعود، إذ قال: قال عبد الله: «فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ... » الحديث رواه الدارقطني وقال: شبابة ثقة. ١٧ - المُسَلْسَلُ: هو الحديث المسند المتصل الخالي من التدليس الذي تتكرر في وصف روايته عبارات أو أفعال متماثلة ينقلها كل رَاوٍ عمن فوقه في السند، حتى ينتهي إلى رسول الله (١). وخلوه من التدليس والانقطاع يحمل الناشئ في هذا العلم على الحكم بصحته فورًا فيكون في حكمه هذا متسرعًا، إذ يخفى عليه ما في تسلسل تلك العبارات أو الأفعال المماثلة من إثارة للريبة في اشتمال الرواية حقًا عليها. قال ابن كثير: «وفائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع. ومع هذا قلما

стр. 258

يصح حديث بطريق مسلسل» (١). ولقد يكون أصل المتن في حديث من هذا النوع صحيحًا، لسلامته من التدليس، ولكن صفة الضعف تطرأ عليه بمجرد تسلسل بعض الأقوال أو الأفعال في روايته نفسها تسلسلاً كاملاً متماثلاً من كل وجه، لتعذر هذا التسلسل وندرة هذا التماثل في تناقل الأخبار. ومن هنا صحت متون أحاديث كثيرة، من غير أن تكون روايتها نفسها صحيحة بالتسلسل على الوجه الذي وصفناه (٢). ولذلك قال ابن حجر في المسلسل: «وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الإِسْنَادِ» (٣) بخلاف المرفوع ونحوه فإنه من صفات المتن، وبخلاف الصحيح فإنه من صفاتهما معًا. مثال الحديث المسلسل الذي تتماثل العبارات في روايته، ويستغرب وقوع التماثل فيه، مَا حَدَّثَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الزَّاهِدُ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُؤَمَّلِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ الأَدَمِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الوَاسِطِيُّ خَادِمُ أَبِي مَنْصُورٍ الشَّنَابُزِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو مَنْصُورٍ: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ مَنْصُورٍ، فَإِنَّ مَنْصُورًا قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ عَلْقَمَةَ، فَإِنَّ عَلْقَمَةَ قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِي: قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ النَّبِيِّ

стр. 259

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِي: «قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ جَبْرَائِيلَ ﵇» (١). ومثال المسلسل الذي تتماثل الأفعال في روايته، ولا يقل عن السابق استغراب وقوع التماثل فيه: ما رواه الحاكم قال: «شَبَّكَ بِيَدِي أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ المُقْرِئُ، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو عُمَرَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الحَسَنِ بْنِ بَكْرِ بْنِ الشَّرُودِ الصَّنْعَانِيُّ، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبِي، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبِي، وَقَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: شَبَّكَ بِيَدِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَقَالَ صَفْوَانُ: شَبَّكَ بِيَدِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ أَيُّوبُ: شَبَّكَ بِيَدِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ ، وَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ , وَالجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَالمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَآدَمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» (٢). ولقد استشعر رجال الحديث ما يثيره في النفس تماثل هذه الأفعال والأقوال من الشك فيها والتجريح في رواياتها، فقال الحاكم النيسابوري معلقًا على شواهد ذكرها من هذا الباب ما نصه: «فَهَذِهِ أَنْوَاعُ المُسَلْسَلِ مِنَ الأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ التِي لاَ يَشُوبُهَا تَدْلِيسٌ، وَآثَارُ السَّمَاعِ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ ظَاهِرَةٌ غَيْرَ أَنَّ رَسْمَ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَلَيْهَا مُحْكَمٌ، وَإِنِّي لاَ أَحْكُمُ لِبَعْضِ هَذِهِ الأَسَانِيدِ بِالصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهَا لِيُسْتَدَلَّ بِشَوَاهِدِهَا عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (٣).

стр. 260

وإذا كان الحاكم - على حد تعبيره - لا يحكم لبعض تلك الأسانيد التي ذكرها بالصحة، فإن بعضها الآخر لا بد أن يكون حكمه عليها أوفر حَظًّا من الصحيح أو التحسين، وهو بذلك يشير إلى نوع من التسلسل تستدعيه حالة الرواة الضابطين، الذين ثبت لهم الضبط فعلاً، فأدوا جميعًا روايتهم كما تحملوها بعبارات مماثلة كسمعت أو حدثنا أو أخبرنا حتى يصل الحديث مسلسلاً بالعبارة نفسها إلى رسول الله ﷺ : فمثل هذا التسلسل في الألفاظ الدالة على صور الأداء ممكن الوقوع، أو هو- على الأقل - أكثر إمكانًا من تماثل ألفاظ الرواية نفسها أو أفعالها لدى الرواة. مثال ذلك قول الحاكم: «سَمِعْتُ أَبَا [الحُسَيْنَ] بْنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سَالِمٍ الأَصْبَهَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَحْيَى بْنَ حَكِيمٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَوْنٍ الثَّقَفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: " الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ " قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمَرْوَانَ أَوْ ذُكِرَ لَهُ، فَأَرْسَلَ أَوْ أَرْسَلَنِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَحَدَّثَتْنِي، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةَ، فَانْتَشَلَ عَظْمًا أَوْ أَكَلَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (١). ومن المسلسل الصحيح مسلسل الحفاظ، وهو مما اتفقت فيه صفات الرواة، وكل واحد منهم قد بلغ درجة الحفظ، فهذا النوع من المسلسل مما يفيد العلم القطعي (٢).

стр. 261

لكن أصح حديث مسلسل يروى في الدنيا هو المسلسل بقراءة سورة الصف (١). وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ قَالَ: «قَعَدْنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَذَاكَرْنَا فَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أَيُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ لَعَمِلْنَاهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١، ٢]. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَكَذَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَكَذَا. قَالَ يَحْيَى: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا أَبُو سَلَمَةَ. قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا الأَوْزَاعِيُّ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ» (٢). ومن الأحاديث المسلسلة التي حكم النقاد ببطلانها مَتْنًا وَتَسَلْسُلاً الحديث المسلسل بالقسم، وهو أن النبي ﷺ قال: «بِاللَّهِ العَظِيمِ لَقَدْ حَدَّثَنِي جِبْرِيلُ ﵇، وَقَالَ: بِاللَّهِ العَظِيمِ لَقَدْ حَدَّثَنِي مِيكَائِيلُ ﵇، إِلَى أَنْ يَنْتَهِي إِلَى رَبِّ العِزَّةِ ﵎ ... » الحديث، قال السخاوي: «هَذَا الحَدِيثُ بَاطِلٌ مَتْنًا وَتَسَلْسُلاً» (٣). والخلاصة، أن الحكم على حديث ما بالصحة أو بالضعف لا يكون اعتباطًا، فسلامة الحكم من الخطإ متوقفة - إلى حد بعيد - على تتبع السند والمتن في جميع جوانبهما، تمهيدًا لتوجيه الوصف اللائق بهما في أناة وروية.

стр. 262

١٨ - المُصَحَّفُ: ُعني جهابذة الحفاظ عناية بالغة بمعرفة المُصَحَّفِ من الحديث مَتْنًا وَإِسْنَادًا، وَعَدُّوا «مَعْرِفَةَ هَذَا النَّوْعِ مُهِمَّةً» (١) وأكبروا كل من يحذقه، لأن فيه حُكْمًا على كثير من العلماء بالخطأ. وكان المتقدمون من نقاد الحديث لا يفرقون بين المُصَحَّفِ وَالمُحَرَّفِ، فكلاها يقع فيه الخطأ لأنه مأخوذ عن الصحف، لم ينقل بالمشافهة والسماع. وتبعًا لهذا الترادف بين اللفظين، سَمَّى الإمام العسكري (٢) كتابه في هذه المباحث " التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه " (٣). وهو مِنْ أَجَلِّ التصانيف في بيان ما وقع فيه العلماء من تصحيف القُرْآنِ وَالسُنَّةِ. وأراد العسكري أن يخبر قارئ كتابه بتساوي التصحيف والتحريف في نظره فقال: «شَرَحْتُ فِي كِتَابِي [هَذَا] الأَلْفَاظَ وَالأَسْمَاءَ المُشْكَلَةَ التِي تَتَشَابَهُ فِي صُورَةِ الخَطِّ

стр. 263

[فَيَقَعُ] فِيهَا التَّصْحِيفُ، وَيَدْخُلَهَا التَّحْرِيفُ» (١). وقال في موضع آخر: «أَصْلُ هَذَا أَنْ قَوْمًا كَانُوا أَخَذُوا العِلْمَ عَنْ الصُّحُفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلَقَوْا فِيهِ العُلَمَاءَ فَكَانَ يَقَعُ فِيمَا يَرْوُونَهُ التَّغْيِيرَ» (٢). لكن المتأخرين من الحفاظ مالوا إلى التفرقة بين المصحف والمحرف وإن جاءت تفرقتهم لفظية شكلية، فرأى ابن حجر مثلاً أن ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخطُ سمي «مُصَحَّفًا»، وما كان فيه ذلك في الشكل سمي «مُحَرَّفًا» (٣). فمثال المصحف - على هذا الاصطلاح - حديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» صحفه أبو بكر الصولي فقال «شَيْئًا»، بالشين المعجمة والياء. ومثال المحرف كحديث جابر: «رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ فَكَوَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ » صَحَّفَهُ غُنْدُرْ وقال فيه: «أَبِي» بالإضافة، وإنما هو أُبَيٌ بْنُ كَعْبٍ، وأبو جابر كان قد استشهد قبل ذلك بِأُحُدْ (٤). والأخبار متضافرة على أن التصحيف وقع في القرآن مثلما وقع في الحديث، وكان أكثر المصحفين من المتعالمين بين العامة، الذين لم يكن لهم شيوخ من القراء والحفاظ يوقفونهم على أخطائهم (٥). قال أبو بكر المعيطي: «عَبَرْتُ (*) بِمُؤَدِّبٍ، وَهُوَ يُمْلِي عَلَى غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ: " قُرَّيْقٌ فِي الحَبَّةِ وَقُرَّيْقٌ فِي الشَّعِيرِ! "،

стр. 264

فَقُلْتُ لَهُ: " يَا هَذَا، مَا قَالَ اللَّهُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، إِنَّمَا هُوَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فَقَالَ: " أَنْتَ تَقْرَأُ عَلَى حَرْفِ أَبِي عَاصِمِ بْنِ الْعَلاَءِ الكِسَائِيِّ، وَأَنَا أَقْرَأُ عَلَى حَرْفِ أَبِي حَمْزَةَ بْنِ عَاصِمٍ المَدَنِيِّ! "، فَقُلْتُ: " مَعْرِفَتُكَ بِالقُرَّاءِ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَانْصَرَفْتُ "» (١). ولم يُحْكَ عن أحد من المحدثين من التصحيف في القرآن أكثر مما حكي عن عثمان بن أبي شيبة (٢). وقد أورد الدارقطني في كتابا " التصحيف" كثيرًا من أخطائه وتحريفاته (٣). من ذلك أنه قرأ على أصحابه في التفسير: «جَعَلَ السَّفِينَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ» فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]، فَقَالَ: " أَنَا وَأَخِي أَبُو بَكْرٍ لاَ نَقْرَأُ لِعَاصِمٍ! " (٤)، وقرأ عليهم في التفسير أيضًا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] فَجَوَّدَ أَوَّلَهَا كَمَا تُجَوَّدُ فواتح السور (الم) كأنها أول سورة البقرة (٥). ومن ذلك أنه قرأ: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسِنَّوْرٍ لَهُ نَابٌ»، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّمَا هُوَ ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣] فَقَالَ: «أَنَا لاَ أَقْرَأُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ، قِرَاءَةُ حَمْزَةَ عِنْدَنَا بِدْعَةٌ!» (٦).

стр. 265

على أن ابن كثير لا يصدق هذه الأخبار المنسوبة إلى عثمان بن أبي شيبة، ويدافع عنه دِفَاعًا حَارًّا فيقول: «وَمَا يَنْقُلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَحِّفُ قِرَاءةَ القُرْآنِ فَغَرِيبٌ جِدًّا، لأَنَّ لَهُ كُتَّابًا فِي التَّفْسِيرِ! وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَشْيَاءٌ لاَ تَصْدُرُ عَنْ صِبْيَانِ المَكَاتِبِ!!» (١). ولئن أحيطت مثل هذه التصحيفات بكثير من الريبة في صحتها، لوقوعها في القرآن وصدورها عن عالم حافظ، مفسر، محدث، فإن من العسر علينا أن ننكر ضروبًا من التصحيف وقعت في متون الأحاديث تارة، وفي أسانيدها تارة أخرى، وإن أي كتاب في مصطلح الحديث ليشتمل من هذا الباب على أمثلة كثيرة. وما أحسن قول الإمام أحمد: «وَمَنْ يَعْرَى عَنِ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ»؟! (٢). والمصحف أكثر ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء التي في الأسانيد (٣): فمن مصحف المتن أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أُجْلِسَ لِلتَّحْدِيثِ شَيْخٌ يُعْرَفُ بِمَحْمِشٍ فحدث أن النبي ﷺ قال: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ البَعِيرُ؟!» يُرِيدُ «مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» (٤). ومنه ما رواه زَكَرِيَّا بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: " صَحَّفَ بَعْضُهُمْ: «لاَ يُوَرَّثُ حَمِيلٌ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ» فَقَالَ: لاَ يَرِثُ جَمِيلٌ إِلاَّ بُثَيْنَةَ " (٥) وصحف

стр. 266

بعضهم حديث «زُرْ غباً تزدَدْ حُبًّا»، فَقَالَ: «زَرْعُنَا تَزْدَادُ حِنًّا»، ثم قص قصة طويلة أن قومًا ما كانوا يُؤَدُّونَ عشر غلاتهم ولا يتصدتون، فصارت زروعهم كلها حِنَّاءَ ... (١). ومن أطرف ما يروى في تصحيف المتون «أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى بَيْتِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ: كَيْفَ حَدَّثَكَ نَافِعٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الذِي نُشِرَتْ فِي أَبِيهِ القِصَّةُ؟ فَقَالَ اللَّيْثُ: " وَيْحَكَ، إِنَّمَا هُوَ فِي الذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٢). ومن مصحف الإسناد ما رواه محمد بن عبد القدوس المقرئ عن بعض مشايخه أنه قال: «قرأ علينا شيخ ببغداد عن سفيان الثوري عن جلد الجدا عن الجسْر» (٣) يريد «عن سفيان الثورى عن خالد الحذاء، عن الحسن» (٤). ومنه ما رواه الإمام الشافعي عن تصحيفات الإمام مالك، قَالَ المُزَنِيَّ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «صَحَّفَ مَالِكٌ فِي عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَفِي جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَبْرُ بْنُ عَتِيكٍ، وَفِي عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ قُرَيْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ» (٥).

стр. 267

والتصحيف ظاهر في الاسمين الأولين. أما الاسم الثالث فقد علق عليه الحاكم بما نصه: «قَوْلُهُ ﵀ فِي عَبْدِ العَزِيزِ وَهْمٌ، فَإِنَّهٌ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ قُرَيْرٍ، بِلاَ شَكٍّ، وَلَيْسَ بِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ قُرَيْبٍ، فَإِنَّ مَالِكًا لاَ يَرْوِي عَنِ الأَصْمَعِيِّ (١)، وَعَبْدُ العَزِيزِ هَذَا قَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ مَالِكٍ» (٢). ويشبه هذا مما يرويه المؤلفون في تصحيح السماع: أن شعبة بن الحجاج صَحَّفَ اسم خالد بن علقمة إلى مالك بن عرفطة (٣). ويظهر أنهما شيخان روى شعبة عن أحدهما، وروى غيره عن الآخر، ومالك ابن عرفطة شيخ لشعبة فلا يعقل أن يصحف اسمه سَمَاعًا، ولكن ربما وهم شعبة في الإسناد فوضع اسمًا مكان آخر، فظنه النقاد تصحيفًا (٤). والأصل في التصحيف أن يكون من أخطاء النظر في الصحف كما رأينا، ومنه كانت تسميته، ولكن منه نوعًا يُسَمَّى تَصْحِيفَ سَمْعٍ: وهو أن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلاً ونقطًا، فيشتبه ذلك على السمع، كحديث عاصم الأحول، رواه بعضهم فقال: «وَاصِلٌ الأَحْدَبُ» (٥). قال ابن الصلاح:

стр. 268

«فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ تَصْحِيفِ السَّمْعِ، لاَ مِنْ تَصْحِيفِ البَصَرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَشْتَبِهُ مِنْ حَيْثُ الكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِيهِ سَمْعُ مَنْ رَوَاهُ» (١). ومن تصحيف السمع أن الأهوازيين صَحَّفُوا بُكَيْرًا إلى أُكَيْلٍ. قال الحاكم: «فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ أَخَذَهُ إِمْلاَءً، سَمِعَ بُكَيْرًا فَتَوَهَّمَهُ أُكَيْلاً» (٢). وكثرة وقوع التصحيف في أسماء الرواة حملت النقاد على العناية بالمتشابه من هذه الأسماء، بل جاوزوه إلى معرفة المتشابه في قبائل الرواة وبلدانهم وكناهم وصنائعهم (٣) وإلى معرفة من له أسماء متعددة (٤) ومن اشتهر بالاسم دون الكنية (٥)،والمؤتلف والمختلف من الأسماء والألقاب والأنساب (٦)، وصنفوا في ذلك كتبًا كثيرة طُبِعَ بعضها ولا يزال أكثرها مخطوطًا. والتصحيف في جميع صوره المتعلقة بالمتن، غالبًا ما يغير المعنى، ويشوه الحقائق (٧)، ولا سيما إذا كان المصحف قليل المعرفة، سيء الضبط. ومن

стр. 269

غريب ما يرويه الخطيب في هذا الباب عن أبي موسى محمد بن المثنى العَنزي أنه قال يومًا يفخر بقبيلته: نحن قوم لنا شرف، نحن من عَنَزَةَ. قد صلى النبي ﷺ إلينا!»، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إِلَى عَنَزَةَ، توهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العَنَزَةُ التي صلى إليها النبي ﷺ هي حَرْبَةً كانت تُحْمَلُ بن يديه فَتُنْصَبُ فيصلي إليها! (١). ولقد يشكل على كثيرين أن يُسْلَكَ المصحف في القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف رغم الضعف الظاهر الذي يكاد يطبعه في جميع صوره، فأقل ما يفترضه الباحث فيه أنه يجب أن يكون خالصًا للضعف، إن لم يحكم بأنه موضوع. وخطأ هذا الافتراض يبدو بكل وضوح منذ البداية، فإنه يقوم على اعتقاد فاسد خلاصته أن المصحفين يُمْنَعُونَ من تحريف الصحيح والحسن، ويؤذن لهم بالتلاعب كما يريدون بالضعيف الواهي من الروايات، وهذا مما يكذبه الواقع، فإن المصحفين لم يكتفوا بجميع أنواع الحديث يحرفونها، بل بلغت الصفاقة ببعضهم حَدًّا لا يطاق حين طوعت لهم أنفسهم التصحيف في كتاب الله. وكما يمتاز القرآن المتواتر من تلك التصحيفات فلا يلتبس بها قط، يمتاز منها الحديث أيضًا صحيحًا وحسنًا وضعيفًا، فيقال: هذا صحيح ولكن صحفه فلان، وهذا حسن وقع فيه تصحيف، كما يقال: هذا ضعيف، صُحِّفَ أَمْ لَمْ يُصَحَّفْ. وبعد، فقد تمت بدراسة «المصحف» المصطلحات العشرون المشتركة بين الصحيح

стр. 270

والحسن والضعيف، وقد أدخلنا فيها الموقوف والمقطوع كما أشرنا إلى ذلك في مطلع هذا البحث. ودراستنا لها زمرًا ثلاثية وثنائية حيث تقاربت أو تعاكست، يسرت علينا بلا ريب فهم تعاريفها وصورها وأمثلتها وأظهرتنا على كثير من المقاييس النقدية التي كان المحدثون يعلون بها آراءهم ووجهات نظرهم، بلسان مبين فيه دقة المؤرخ، وبراعة المنطقي، وبلاغة الخطيب، وأمانة الناقل الذي يعتقد أن هذا الأمر دين!.

стр. 271

الفَصْلُ السَّادِسُ: المَوْضُوعُ وَأَسْبَابُ الوَضْعِ: الموضوع هو الخبر الذي يختلقه الكذابون وينسبونه إلى رسول الله ﷺ افتراء عليه (١). وأكثر ما يكون هذا الاختلاق من تلقاء نفس الوضاع، بألفاظ من صياغته وإسناد من نسجه. وقد يلجأ بعض المفترين، إذا لم يتح لهم خيال خصيب يقدرهم على الوضع إلى اصطناع إسناد مكذوب ينتهون به إلى النبي ﷺ واضعين في فيه حكمة رائعة، أوكلمة جامعة، أو مثلاً موجزًا (٢). وَلَقَدْ قِيلَ لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ المُبَارَكِ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ؟ فَقَالَ: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]» (٣).وقد عاش لها الجهابذة حَقًّا، فوضعوا منهجًا علميًا دقيقًا، يميزون به الرواية الصحيحة من المختلقة المفتراة. وقواعد هذا المنهج كثيرة أشهرها الخمس التالية التي يكفي وجود إحداها في خبر ما للحكم بوضعه.

стр. 272

القاعدة الأولى: اعتراف الواضع نفسه، باختلاقه الأحاديث (١)، كما فعل أبو عصمة نوح بن أبي مريم، الملقب بنوح الجامع، فإنه أقر بوضعه على ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة (٢). القاعدة الثانية: أن يكون في المروي لحن في العبارة أو ركة في المعنى (٣)، فذلك مما يستحيل صدوره عن أفصح من نطق بالضاد ﵊، وهذه القاعدة يسهل إدراكها على المتمرسين بهذا الفن، فإن للحديث - كَمَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: «ضَوْءًا كَضَوْءِ النَّهَارِ تَعْرِفُهُ, وَظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ، تُنْكِرُهُ» (٤). ونقاد الحديث يولون عنايتهم ركة المعنى قبل ركة اللفظ، لأن فساد المعنى أوضح دليل على الوضع، قال الحافظ ابن حجر: «المَدَارُ فِي الرِّكَّةِ عَلَى رِكَّةِ المَعْنَى، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ دَلَّتْ عَلَى الوَضْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا رِكَّةُ اللَّفْظِ ; لأَنَّ هَذَا الدِّينَ كُلُّهُ مَحَاسِنُ، وَالرِّكَّةُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّدَاءَةِ. أَمَّا رَكَاكَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ، فَلاَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ

стр. 273

أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَغَيَّرَ أَلْفَاظَهُ بِغَيْرِ فَصِيحٍ، ثُمَّ إِنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَاذِبٌ» (١). القاعدة الثالثة: أن يكون المروي مخالفًا للعقل أو الحس والمشاهدة، غير قابل للتأويل (٢). قِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ: حَدَّثَكَ أَبُوكَ عَنْ جَدِّكَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ طَافَتْ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّتْ خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ. (٣). وواضع هذا الخبر، عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مشهور بكذبه وافترائه، ففي " التهذيب " نقلاً عن الإمام الشافعي: «ذَكَرَ رَجُلٌ لِمَالِكٍ حَدِيثًا، مُنْقَطِعًا، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ يُحَدِّثْكَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نُوحٍ!!» (٤). القاعدة الرابعة: أن يتضمن المروي وعيدًا شديدًا على أمر صغير، أو وعدًا عظيمًا على أمر حقير (٥)، كالخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار، في رفقة آلاف من الحور العين، لفعل مندوب أو ترك مكروه (٦)، أو الخلود في

стр. 274

جهنم مع مقت الله وغضبه لترك مندوب أو فعل مكروه. وكان القُصَّاصُ مولعين بوضع أخبار من هذا النوع يستميلون بها قلوب العوام إليهم (١). القادعة الخامسة: أن يكون واضع الخبر مشهورًا بالكذب، رقيق الدين لا يتورع عن اختلاق الأحاديث والأسانيد انتصارًا لهوى شخصي (٢). وَقِيلَ لِمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ الهَرَوِيِّ: أَلاَ تَرَى إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ بِخُرَاسَانَ؟!، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ الأَزْدِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ، وَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي!!» (٣)، وأغرب من ذلك ما أسنده الحاكم عن سَيْفِ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، فَجَاءَ ابْنُهُ مِنَ الكُتَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: " مَالَكَ؟ " قَالَ: " ضَرَبَنِي المُعَلِّمُ " فَقَالَ: " لأُخْزِيَنَّهُمُ اليَوْمَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُمْ عَلَى المِسْكِينِ!» (٤). وقد بدأ ظهور الوضع في سنة إحدى وأربعين بعد الهجرة، على عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -، حين تنازع المسلمون شِيَعًا وَأَحْزَابًا، وانقسموا سياسيًا إلى جمهور وخوارج وشيعة، «وَرَكِبُوا- كَمَا قَالَ ابْنُ

стр. 275

عَبَّاسٍ- الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ» من الإكثار من التحديث للأهواء: فكان الانتصار للمذاهب منذ أول الأمر أهم الأسباب الداعية إلى وضع الأخبار واختلاق الأحاديث. ولقد دأب أصحاب الأهواء في مختلف العصور على الافتراء على رسول الله ﷺ ، حتى قال عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ المُقْرِئُ: «إِنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ البِدَعِ رَجَعَ عَنْ بِدْعَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا هَذَا الحَدِيثَ عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا رَأْيًا جَعَلْنَا لَهُ حَدِيثًا» (١)! وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «أَخْبَرَنِي شَيْخٌ مِنَ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى وَضْعِ الأَحَادِيثِ» (٢). ومن أصحاب الأهواء الفقهاء الذين يتصدون للدفاع عن مذاهبهم زُورًا وَبُهْتَانًا، فيشحنون كتبهم بالموضوعات، سواء اختلقوها بأنفسهم أم اختلقها الوضاعون خدمة لهم وتاييدًا لهواهم. وقد تبلغ بهم الجراءة حد الخلط بين أقيستهم وبين أحاديث الرسول ﷺ ، فيضعون في فيه عبارات أقيستهم التي وصلوا إليها باجتهادهم، وغالبًا ما يكون هؤلاء الفقهاء من مدرسة الرأي التي تعنى بالقياس عناية خاصة. قال أبو العباس القرطبي (٣): «اسْتَجَازَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ نِسْبَةَ الحُكْمِ الذِي دَلَّ عَلَيْهِ القِيَاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [نِسْبَةً قَوْلِيَّةً، فَيَقُولُ فِي ذَلِكَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا].وَلِهَذَا تَرَى كُتُبَهُمْ مَشْحُونَةً بِأَحَادِيثَ تَشْهَدُ مُتُونُهَا [بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ ; لأَنَّهَا] تُشْبِهُ فَتَاوَى الفُقَهَاءِ، [وَلاَ تَلِيقُ بِجَزَالَةِ كَلاَمِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ] ; وَلأَنَّهُمْ لاَ يُقِيمُونَ لَهَا سَنَدًا [صَحِيحًا]!!»

стр. 276

وأدهى من ذلك وَأَمَرُّ ما يضعه بعض علماء السوء في كل جيل تقربًا إلى الطبقة الحاكمة، وكسبًا للحظوة عندها: كما صنع غياث بن إبراهيم النخَعي الكوفي، فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حَدِّثْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ». فَأَمَرَ لَهُ المَهْدِيُّ بِبَدْرَةٍ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: «أَشْهَدُ عَلَى قَفَاكَ أَنَّهُ قَفَا كَذَّابٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ »، ثُمَّ أَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ، وَرَفَضَ مَا كَانَ فِيهِ (١). وأحيانًا، يكون التعالم بين العامة سببًا في وضع الأحاديث، وذلك حين يظهر جاهل بزي العلماء، ويحرص على أن يظل في أعين العامة عالمًا يشار إليه بالبنان، فلا يستر جهله إلا كثرة وضعه للغرائب التي تخلب ألباب العامة في جميع الأجيال. روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: «صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ!» وَأَخَذَ فِي قِصَّتِهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً! فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَجَعَلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَنْظُرُ إِلَى أَحْمَدَ. فَقَالَ لَهُ: «حَدَّثْتَهُ بِهَذَا!؟»

стр. 277

فَيَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ»، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: «تَعَالَ»، فجاء مُتَوَهِّمًا لِنَوَالٍ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: «مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟!» فَقَالَ: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ». فَقَالَ: «أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ !. فَقَالَ: «لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ، مَا تَحَقَّقْتُ هَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ! كَأَنْ لَيْسَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا؟. وَقَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ» فَوَضَعَ أَحْمَدُ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: «دَعْهُ يَقُومُ»، فَقَامَ كَالمُسْتَهْزِئِ بِهِمَا» (١)!!. والقصاص المتعالمون أصفق الناس وجهًا، وأشدهم وقاحة، وهم يتخذون- لترويج أحاديثهم المختلفة - أسانيد مشهورة يحفظونها كالببغاء ثم يضمونها إلى كل حديث يفترونه كما فعل هذا القاص الوقح مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وَكَمَا فَعَلَ قََاصٌّ آخَرَ حَكَى عَنْه أَبُو حَاتِمٍ البُسْتِي إِقْرَارَهُ بِجَهْلِهِ وَاخْتِلاَقِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدًا، فَقَامَ بَعْدَ الصَّلاَةِ شَابٌّ فَقَالَ: «حَدَثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، حَدَثَنَا أَبُو الوَلِيدِ عَنْ شُعَبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ» وَذَكَرَ حَدِيثًا، «فَلَمَّا فَرَغَ دَعْوَتُهُ، فَقُلْتُ: " رَأَّيْتَ أَبَا خَلِيفَةً؟ "قَالَ: لاَ، قُلْتُ: " كَيْفَ تَرْوِي عَنْهُ وَلَمْ تَرَهُ؟ " فَقَالَ: إِنَّ المُنَاقَشَةَ مَعَنَا مِنْ قِلَّةِ المُرُوءَةِ! أَنَا أَحْفَظُ هَذَا الإِسْنَادَ، فَكُلَّمَا سَمِعْتُ حَدِيثًا ضَمَمْتُهُ إِلَى هَذَا الإِسْنَادِ!!» (٢). ومن الغريب حَقًّا أن بعض الزهاد والمتصوفين طوعت لهم أنفسهم وضع

стр. 278

الأحاديث على رسول الله ﷺ تَرْغِيبًا للناس في صالح الأعمال، كأن هذه الثروة التي لا يدرك البيان وصفها من أقواله ﵇ ونوابغ حِكَمِهِ وَجَوَامِعِ كَلِمِهِ لم تكفهم ولم تشف صدورهم. واشتغال هؤلاء بالعبادة، واشتهارهم بالزهد والعفة، يحمل العامة على الاغترار بما يختلقونه، فخطرهم من هذه الناحية أشد هَوْلاً مما نتصور. ولقد شَوَّهُوا بجهلهم وجه الإسلام، وأدخلوا في تعاليمه ما ليس منه. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانَ: «مَا رَأَيْتُ الكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الخَيْرِ [وَالزُّهْدِ]» (١). ولو ذهبنا نستقصي ما افتراه الوضاعون ونسبوه إلى رسول اللهِ ﷺ لما أمكننا إحصاؤه، فالزنادقة وحدهم وضعوا- كما قال حماد بن زيد - أربعة عشر ألف حديث (٢)، وَعَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ (٣) وَضَعَ وَحْدَهُ - بِاعْتِرَافِهِ - أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيثٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُخِذَ لِتُضْرَبَ عُنُقُهُ فِي خِلاَفَةِ المَهْدِيِّ صَاحَ قَائِلاً: «لَقَدْ وَضَعْتُ فِيكُمْ أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيثٍ، أَحَرِّمُ فِيهَا الحَلاَلَ وَأُحَلِّلُ الحَرَامَ!»

стр. 279

على أننا - نحمد الله - أن حفظ دينه من عبث العابثين، وكلام نبيه من كذب الوضاعين بما قيض للأمة من علماء أمناء مخلصين مازوا الخبيث من الطيب، وعرفونا أسباب الوضع، وَجَرَّحُوا الوضاعين، وكشفوا معايبهم، وَأَلَّفُوا الكتب في الموضوعات يجمعونها، وأحيانًا يحفظونها، لِكَيْلاَ يلتبس عليهم منها شيء. وأشهر الكتب في بيان الأحاديث المختلفة كتاب " الموضوعات "، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) أخذ أكثره من كتاب " الأباطيل " للجوزقاني، وكان هذا الأخير يحكم بالوضع على كل حديث يخالف السنة النبوية فعلاً أو تركًا (١)، فكان على ابن الجوزى وقد تاثر بمنهجه أن يقع في كثير من الأخطاء التي تشبه أخطاءه هو «أي الجوزقاني»، وهكذا حكم ابن الجوزي بالوضع على بعض الصحاح والحسان. بل لقد حكم بوضع حديث في " صحيح مسلم "، وهو حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ، أَوْشَكْتَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ البَقَرِ» (٢) وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فقال: «وَلَمْ أَقَفْ فِي كِتَابِ " المَوْضُوعَاتِ " لاَبِنَ الجَوْزِيِ عَلَى شَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالوَضْعِ وَهُوَ فِي أَحَدِ " الصَّحِيحَيْنِ " غَيْرَ هَذَا الحَديثِ، وَإِنَّهَا لَغَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْهُ!» (٣). ووجد ابن حجر في تعقبه لابن الجوزى أربعة وعشرين حديثًا من " المسند " أوردها هذا في كتابه على أنها موضوعات، فَرَدَّ عليه حكمه ودافع عن صاحب " المسند " الإمام أحمد بن حنبل في

стр. 280

كتابه: " القول المسدد في الذب عن المسند" واستطاع السيوطي في " ذيله " على هذا الكتاب أن يستخرج من " موضوعات " ابن الجوزي أربعة عشر حديثًا أخرى كتلك من " المسند " وَنَبَّهَ على عدم جواز وصفها بالوضع، كما أنه ألف " ذيلا " على الكتابين " القول المسدد " و" ذيله " عليه سماه " القول الحسن في الذب عن السنن " استخرج فيه من " موضوعات " ابن الجوزي مائة وبضعة وعشرين حديثًا من " جوامع السنن الأربعة " (الترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه) وأشار كذلك إلى تسرع ابن الجوزي في حكمه عليها بالوضع. وأخيرًا فإن السيوطي رأى أن يلخص كتاب ابن الجوزي ويتتبع أقوال الحفاظ الذين تعقبوا بعض أحاديثه، فسمى تلخيصه بـ " اللآلىء المصنوعة " وسمى إفراده للأحاديث المتعقبة " بذيل اللآلئ المصنوعة " (١). وبنشاط العلماء في تعقب ابن الجوزي وانتقاد كتابه اِنْتِقَادًا عِلْمِيًّا مُجَرَّدًا، أصبح الانتفاع بمصنفه " الموضوعات " ميسورًا، ولا سيما للمشتغل بعلم الحديث الذي لا يفتأ يتابع أبحاثه برغبة واهتمام. وجدير بالذكر أن الضرر في كتاب ابن الجوزي - قبل تعقب العلماء له - لا يتمثل في إغفاله أشهر الموضوعات والوضاعين، «وَفِيهِ مِنَ الضَّرَرِ - كَمَا يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ - أَنْ يَظُنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ مَوْضُوعًا عَكْسُ الضَّرَرِ بِـ " مُسْتَدْرَكِ " الحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ صَحِيحًا» (٢). ولا بد من التنبيه على أن بعض ما يسميه العلماء موضوعًا هو إلى المدرج

стр. 281

أقرب، وبه أشبه: وذلك حين يحدث الشيخ مثلاً فيسرق إسنادًا معينًا، ثم يعرض له ما يستوجب كلامه في غير سياق الحديث الذي يريد أن يرويه، فيظن السامع أن كلامه العارض هو المتن الذى من أجله ساق الإسناد، فيتحمله منه، ويؤديه عنه. مثاله مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الطَّلْحِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُوسَى العَابِدِ الزَّاهِدِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، مَرْفُوعًا «مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ». قَالَ الحَاكِمُ: دَخَلَ ثَابِتٌ عَلَى شَرِيكٍ وَهُوَ يُمْلِي، وَيَقُولُ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَكَتَ لِيَكْتُبَ المُسْتَمْلِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى ثَابِتٍ، قَالَ: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ. وَقَصَدَ بِذَلِكَ ثَابِتًا لِزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، فَظَنَّ ثَابِتٌ أَنَّهُ مَتْنُ ذَلِكَ الإِسْنَادِ ; فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ شَرِيكٍ، [فَإِنَّهُ] قَالَهُ عَقِبَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ». فَأَدْرَجَهُ ثَابِتٌ فِي الخَبَرِ، ثُمَّ سَرَقَهُ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَحَدَّثُوا بِهِ، عَنْ شَرِيكٍ (١). مثل هذا الحديث يرى ابن حجر أنه مدرج، فهو ضعيف، وليس بموضوع، ولكن أبا عمرو بن الصلاح يعتبره نوعًا من الموضوع على غير تعمد، وقد تابعه على ذلك النووي والسيوطي. والواقع أن من العسير جِدًّا الحكم بالوضع على حديث ما، لأن التسرع في الوصف بالوضع كالتسرع في الوصف بالصحة إنما يصدر عن باحث متساهل يلقي الكلام على عواهنه. أما ما يندرج تحت إحدى القواعد الخمس التي ذكرناها

стр. 282

فليس من التسرع في شيء الحكم بوضعه، وإننا نكرر مع ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِذَا رَأَيْتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (١). وغني عن البيان بعد هذا كله أنه محرم علينا أن نروي خبرًا موضوعًا علمنا يقينًا بوضعه إلا مع التنبيه على أنه مختلق مصنوع، لقوله ﵇: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ» (٢) وإِنما نتشدد في هذا لكيلا يظن أحد أنه منسوب إلى رسول الله ﷺ ، أما روايته للتمثيل على الموضوع فلا ضير فيها، لأن الغرض منها. حينئذٍ التفهيم والتعليم.

стр. 283

الفَصْلُ السَّابِعُ: الحَدِيثُ بَيْنَ الشَّكْلِ وَالمَضْمُونِ: إن نظرة عجلى يلقيها الباحث المنصف على فهرس الموضوعات التفصيلي لهذا الكتاب لتقنعه بأن المكان الذي ينبغي أَنْ يَتَبَوَّأَهُ مصطلح الحديث في تاريخ العلوم يعلو كل مكان سمت إليه فلسفة المصطلحات في مختلف العصور. فإذا انتقل الباحث من نظرة عجلى في الفهرس إلى نظرة عميقة في بعض ما يستهويه من موضوعات الكتاب، آنس في الجانب التاريخي منه والجوانب التحليلية لمصطلحاته مادة غنية من النقد العلمي الدقيق الذي بناه المحدثون على تمحيص الحقائق لا على تنميق الظواهر: فالمضمون هو الذى يعني هؤلاء النَّقَدَةِ المَهَرَةِ، أما الشكل فلا قيمة له عندهم إلا بمقدار ما يعين على تحقيق ذلك المضمون. وفي مواطن مختلفة، وعصور متباينة، احتدمت خصومات ثقال طوال حول الشكل والمضمون، أو اللفظ والمحتوى، أو المعنى والمبنى ... خصومات تناولت الشعر والأدب، وانزلقت إلى العلم والفلسفة، وما فتئ خطرها يمتد إلى كل فن وإلى كل حقيقة في هذا الكون حتى اقتحم عالم الدين، وتعدى حدود الغيب، ففرق في كل دين بين حقائقه المُسَلَّمَةِ، وأصوله المؤصلة، وقواعده

стр. 284

المرسومة، وبين الوثائق التاريخية التي نقلت هذه الحقائق والأصول والقواعد واللغة المعبرة عن تلك الوثائق، والمنطق الذي يوجه هاتيك اللغة ... هذا كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يدرس اليوم بأقلام المستشرقين ومقلديهم من ناشئتنا أحيانًا وقادة الفكر فينا أحيانًا أخرى كما يدرس أي كتاب وضعي لا صلة له بالسماء، فتحشد له الأحكام صريحة عارية، وتلقى عليه الأضواء كشافة ساطعة، وَتُخْضَعَ مَبَاحِثُهُ كلها لطرائق الدراسة العلمية الموضوعية التي يريدها العقل الغربي أو «المستغرب»، شكاكة مرتابة، أو قل مترددة حيرى. على هذا الأساس غير الفطري، وبهذا المنطق غير الوجداني، وفي نطاق هذا البحث غير الإنساني الأصيل، درس الدارسون القرآن الكريم، وَوَدُّوا لَوْ يلمسون حقائقه بأيديهم، ويتبعون تنرلاته بأبصارهم، ويتعقبونه في مكيه ومدنيه، وناسخه ومنسوخه، وجمعه وترتيبه، وتأويله وتفسيره، ولقد حفظه الذي أنزله من عبث أولئك العابثين، مصداقًا لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فإن يك هذا شأن القرآن، كتاب الله، فلا عجب أَنْ تَخْلُصَ هذه الدراسة النقدية العلمية إلى الحديث النبوي، تماري في أصوله وطرق نقله وحفظه وتلوينه، ومصطلحات علومه وفنونه، وتشكك في صحته مثلما شككت زَمَنًا غير قليل في صحة الشعر الجاهلي. ولا ريب أن السلاح الثقيل لا يفله إلا السلاح الثقيل، وأن الشبهات التي يثيرها العدو العليم أو الصديق الجهول لا تعالج

стр. 285

بالصراخ والعويل، فما يدفع الباطلَ إلا الحق ولا يدفع الشبهاتِ الحوالك إلا حجج واضحة «لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَضِلُّ فِيهَا إِلاَّ هَالِكٌ»!. وكما عرضنا في كتابنا " مباحث في علوم القرآن " (١) شبهات القوم وطوينا في غضونها رَدَّنَا عليها، أو ردها على نفسها - لِوَهَنِهَا وَتَهَافُتِهَا - عرضنا في «علوم الحديث»، أهم الشبهات، وأتبعناها تحليلاً دقيقًا (ما وسعنا الأمر) لحقائق هذه العلوم كما بسطها علماؤنا الأتقياء الأبرار، فَلَمْ نَرَ حاجة - وقد اتضح هذا كله - إلى عقد فصل مستقل لبحث المشكلة الأساسية التي تشغل بال المستشرقين ومقلديهم في ديارنا، ألا وهي مشكلة اللفظ والمحتوى، أو الشكل والمضمون في الحديث ومصطلحه، بل أرسلنا بحثنا على سجيته، وأجريناه إلى غايته، وجئنا هنا نتحدث في «الخاتمة» متعجبين من هؤلاء الناس الذين يظنون مصطلحنا يقوم على الشكل، ويهمل المضمون، أو كما يقولون: يعنى بالأسانيد ولا يبالي بالمتون، وأقبلنا عليهم وعلى المخدوعين بهم نؤكد أن ما استقيناه من كتب علمائنا في المصطلح (وكدنا والحمد للهِ لا نغفل واحدًا من أمهاتها مطبوعة ومخطوطة) لا يجوز أن يقال فيه أَبَدًا إِنَّهُ عُنِيَ بِالشَّكْلِ، فما اتجهت عنايته إلا إلى المضمون. ومع أن النظرة الممعنة في غضون كتابنا هذا كافية لإقناع الباحث المنصف بهذه الحقيقة البديهية، نؤثر في هذه الخاتمة أن نردد لمن ألقى السمع وهو شهيد أصداءً حلوة لطائفة من أقوال المحدثين، ونخطط له مرة أخرى بعض مقاييسهم
следующие страницы →