← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96229

علوم الحديث ومصطلحه

صبحي الصالح

Полный текст (433 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أقرب، وبه أشبه: وذلك حين يحدث الشيخ مثلاً فيسرق إسنادًا معينًا، ثم يعرض له ما يستوجب كلامه في غير سياق الحديث الذي يريد أن يرويه، فيظن السامع أن كلامه العارض هو المتن الذى من أجله ساق الإسناد، فيتحمله منه، ويؤديه عنه. مثاله مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الطَّلْحِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُوسَى العَابِدِ الزَّاهِدِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، مَرْفُوعًا «مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ». قَالَ الحَاكِمُ: دَخَلَ ثَابِتٌ عَلَى شَرِيكٍ وَهُوَ يُمْلِي، وَيَقُولُ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَكَتَ لِيَكْتُبَ المُسْتَمْلِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى ثَابِتٍ، قَالَ: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ. وَقَصَدَ بِذَلِكَ ثَابِتًا لِزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، فَظَنَّ ثَابِتٌ أَنَّهُ مَتْنُ ذَلِكَ الإِسْنَادِ ; فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ شَرِيكٍ، [فَإِنَّهُ] قَالَهُ عَقِبَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ». فَأَدْرَجَهُ ثَابِتٌ فِي الخَبَرِ، ثُمَّ سَرَقَهُ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَحَدَّثُوا بِهِ، عَنْ شَرِيكٍ (١). مثل هذا الحديث يرى ابن حجر أنه مدرج، فهو ضعيف، وليس بموضوع، ولكن أبا عمرو بن الصلاح يعتبره نوعًا من الموضوع على غير تعمد، وقد تابعه على ذلك النووي والسيوطي. والواقع أن من العسير جِدًّا الحكم بالوضع على حديث ما، لأن التسرع في الوصف بالوضع كالتسرع في الوصف بالصحة إنما يصدر عن باحث متساهل يلقي الكلام على عواهنه. أما ما يندرج تحت إحدى القواعد الخمس التي ذكرناها

стр. 282

فليس من التسرع في شيء الحكم بوضعه، وإننا نكرر مع ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِذَا رَأَيْتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (١). وغني عن البيان بعد هذا كله أنه محرم علينا أن نروي خبرًا موضوعًا علمنا يقينًا بوضعه إلا مع التنبيه على أنه مختلق مصنوع، لقوله ﵇: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ» (٢) وإِنما نتشدد في هذا لكيلا يظن أحد أنه منسوب إلى رسول الله ﷺ ، أما روايته للتمثيل على الموضوع فلا ضير فيها، لأن الغرض منها. حينئذٍ التفهيم والتعليم.

стр. 283

الفَصْلُ السَّابِعُ: الحَدِيثُ بَيْنَ الشَّكْلِ وَالمَضْمُونِ: إن نظرة عجلى يلقيها الباحث المنصف على فهرس الموضوعات التفصيلي لهذا الكتاب لتقنعه بأن المكان الذي ينبغي أَنْ يَتَبَوَّأَهُ مصطلح الحديث في تاريخ العلوم يعلو كل مكان سمت إليه فلسفة المصطلحات في مختلف العصور. فإذا انتقل الباحث من نظرة عجلى في الفهرس إلى نظرة عميقة في بعض ما يستهويه من موضوعات الكتاب، آنس في الجانب التاريخي منه والجوانب التحليلية لمصطلحاته مادة غنية من النقد العلمي الدقيق الذي بناه المحدثون على تمحيص الحقائق لا على تنميق الظواهر: فالمضمون هو الذى يعني هؤلاء النَّقَدَةِ المَهَرَةِ، أما الشكل فلا قيمة له عندهم إلا بمقدار ما يعين على تحقيق ذلك المضمون. وفي مواطن مختلفة، وعصور متباينة، احتدمت خصومات ثقال طوال حول الشكل والمضمون، أو اللفظ والمحتوى، أو المعنى والمبنى ... خصومات تناولت الشعر والأدب، وانزلقت إلى العلم والفلسفة، وما فتئ خطرها يمتد إلى كل فن وإلى كل حقيقة في هذا الكون حتى اقتحم عالم الدين، وتعدى حدود الغيب، ففرق في كل دين بين حقائقه المُسَلَّمَةِ، وأصوله المؤصلة، وقواعده

стр. 284

المرسومة، وبين الوثائق التاريخية التي نقلت هذه الحقائق والأصول والقواعد واللغة المعبرة عن تلك الوثائق، والمنطق الذي يوجه هاتيك اللغة ... هذا كتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يدرس اليوم بأقلام المستشرقين ومقلديهم من ناشئتنا أحيانًا وقادة الفكر فينا أحيانًا أخرى كما يدرس أي كتاب وضعي لا صلة له بالسماء، فتحشد له الأحكام صريحة عارية، وتلقى عليه الأضواء كشافة ساطعة، وَتُخْضَعَ مَبَاحِثُهُ كلها لطرائق الدراسة العلمية الموضوعية التي يريدها العقل الغربي أو «المستغرب»، شكاكة مرتابة، أو قل مترددة حيرى. على هذا الأساس غير الفطري، وبهذا المنطق غير الوجداني، وفي نطاق هذا البحث غير الإنساني الأصيل، درس الدارسون القرآن الكريم، وَوَدُّوا لَوْ يلمسون حقائقه بأيديهم، ويتبعون تنرلاته بأبصارهم، ويتعقبونه في مكيه ومدنيه، وناسخه ومنسوخه، وجمعه وترتيبه، وتأويله وتفسيره، ولقد حفظه الذي أنزله من عبث أولئك العابثين، مصداقًا لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فإن يك هذا شأن القرآن، كتاب الله، فلا عجب أَنْ تَخْلُصَ هذه الدراسة النقدية العلمية إلى الحديث النبوي، تماري في أصوله وطرق نقله وحفظه وتلوينه، ومصطلحات علومه وفنونه، وتشكك في صحته مثلما شككت زَمَنًا غير قليل في صحة الشعر الجاهلي. ولا ريب أن السلاح الثقيل لا يفله إلا السلاح الثقيل، وأن الشبهات التي يثيرها العدو العليم أو الصديق الجهول لا تعالج

стр. 285

بالصراخ والعويل، فما يدفع الباطلَ إلا الحق ولا يدفع الشبهاتِ الحوالك إلا حجج واضحة «لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَضِلُّ فِيهَا إِلاَّ هَالِكٌ»!. وكما عرضنا في كتابنا " مباحث في علوم القرآن " (١) شبهات القوم وطوينا في غضونها رَدَّنَا عليها، أو ردها على نفسها - لِوَهَنِهَا وَتَهَافُتِهَا - عرضنا في «علوم الحديث»، أهم الشبهات، وأتبعناها تحليلاً دقيقًا (ما وسعنا الأمر) لحقائق هذه العلوم كما بسطها علماؤنا الأتقياء الأبرار، فَلَمْ نَرَ حاجة - وقد اتضح هذا كله - إلى عقد فصل مستقل لبحث المشكلة الأساسية التي تشغل بال المستشرقين ومقلديهم في ديارنا، ألا وهي مشكلة اللفظ والمحتوى، أو الشكل والمضمون في الحديث ومصطلحه، بل أرسلنا بحثنا على سجيته، وأجريناه إلى غايته، وجئنا هنا نتحدث في «الخاتمة» متعجبين من هؤلاء الناس الذين يظنون مصطلحنا يقوم على الشكل، ويهمل المضمون، أو كما يقولون: يعنى بالأسانيد ولا يبالي بالمتون، وأقبلنا عليهم وعلى المخدوعين بهم نؤكد أن ما استقيناه من كتب علمائنا في المصطلح (وكدنا والحمد للهِ لا نغفل واحدًا من أمهاتها مطبوعة ومخطوطة) لا يجوز أن يقال فيه أَبَدًا إِنَّهُ عُنِيَ بِالشَّكْلِ، فما اتجهت عنايته إلا إلى المضمون. ومع أن النظرة الممعنة في غضون كتابنا هذا كافية لإقناع الباحث المنصف بهذه الحقيقة البديهية، نؤثر في هذه الخاتمة أن نردد لمن ألقى السمع وهو شهيد أصداءً حلوة لطائفة من أقوال المحدثين، ونخطط له مرة أخرى بعض مقاييسهم

стр. 286

النقدية الموضوعية، ولن نفتش بعيدًا عن هذه الأقوال والمقاييس فهي بين أيدينا في الصفحات التي يطويها هذا الكتاب بين دفتيه، حتى ليكونن حسبنا أن نشير إلى هاتيك الصفحات، ولتنطقن بَعْدُ بحقائق لا يجحدها إلا مكابر عنيد!. لقد اعتقد المحدثون أن دراستهم لمتن الحديث وعنايتهم بحفظ كتب الرواية ليستا شيئًا ذا بال إن لم تقترنا بعلم الحديث دراية، الذي هو الدراسة التاريخية التحليلية لأقوال الرسول العظيم وأفعاله، ورأيناهم في علم الحديث دراية يبحثون عن أحوال الراوي والمروي، وما كانوا يقصدون بالراوي إلا حلقة في سلسلة السند، ولا بالمروي إلا متن الحديث فعلم مصطلح الحديث - بطبيعة تعريفه - لا يقتصر على مباحث الإسناد، بل يجاوزها إلى المسائل المتعلقة بالمتن أيضًا. وقد يبدو للباحث - إذا وقف عند الظاهر وحده - أن نقاد الحديث عنوا بالإسناد أكثر من المتن، ولكن هذا وهم بعيد ما أسرع تبدده لدى البحث العميق، والنظر الدقيق. إن مباحثهم تدور حول الإسناد والمتن من حيث القبول والرد، ففي حالة القبول يدرسون الصحيح والحسن، وفي حالة الرد يدرسون [الضعيف] والموضوع. ونكاد نلمح في جميع مصطلحاتهم تقسيمًا ثنائيًا مؤلفا من السند والمتن، وأهم ما في هذا الشأن أن المتن يذكر في تقسيمهم كالسند، وإليك البيان والتفصيل: في بحثهم الصحيح والحسن قضية مشتركة خلاصتها أن الصحة قد تتناول السند والمتن مَعًا، أو السند دون المتن، أو المتن دون السند، ومثلها الحسن في ذلك، فلا يحكم بصحة حديث ولا حسنه إطلاقًا بل يبين نوع صحته أو حسنه

стр. 287

هل وقع في الإسناد أو المتن، فَمَا كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدًا صَحَّ مَتْنًا. وحين يكون الصحيح متواترًا لا ينظر فيه إلى إسناده من حيث تعدد رواته واشتراك الجمع فيه، بل ينظر إلى متنه بحيث يؤمن تواطؤ هذا الجمع على الكذب في مثله، لأن الكذب لا يؤمن تواطؤ الجمع عليه فما يخالف الحس أو العقل. والمتواتر، فوق ذلك، ليس من مباحث الإسناد. والحسن لذاته حين يرقى إلى درجة الصحيح لغيره لا ينظر فيه إلى كثرة طرقه وأسانيده فقط، بل يلاحظ فيه - منذ الخطوة الأولى - أنه كالصحيح لذاته في تجرده من كل شذوذ وعلة، وفي الشذوذ تفرد ومخالفة كثيرًا ما يكونان في المتن، لذلك قالوا: «لاَ يَجِيئُُكَ بِالحَدِيثِ الشَاذِّ إِلاَّ الرَّجُلُ الشّاذُّ»، ولذلك أيضًا كرهوا رواية المناكير. وفي العلة ضرب من النقد الذاتي يتناول المتون بالتضعيف من خلال توهن الرواة المدرك بنوع من الإلهام والتعمق في الفهم، لا بحفظ الأسماء والأسانيد. وفي أكثر أنواع الضعيف تتضح هذه الثنائية، يستوي فيها ما كان خالصًا للضعف وما كان مشتركًا بين الصحيح والحسن والضعيف. فمرسل الصحابة مقبول رغم انقطاع السند، لأن المتن الذي يحكيه الصحابة لا يعقل أن يكون مُخْتَرَعًا، فإذا كان هؤلاء الصحابة ممن ينلقون الإسرائيليات تشدد العلماء، لأن متونهم قد تخالف متون الأحاديث النبوية ... ومن هنا تحفظ النقاد في تفسير الصحابة، فلم يطلقوا القول بأن له حكم المرفوع، مخافة تأثر بعضهم بمسلمة أهل الكتاب. ونفى بعضهم أن يكون هنالك شيء يسمى مرسل الصحابة،

стр. 288

وعدوا مراسيل بعضهم تدليسًا، وقالوا صراحة: «مَا أَقَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنَ التَّدْلِيسِ!» (١). ومع اعترافهم بأن التعليل أكثر ما يتطرق إلى الإسناد لم ينفوا تعليل المتن، فقالوا: لا يطلق الحكم بصحة حديث ما لجواز أن يكون فيه علة في متنه. ومع أن الاضطراب أكثر ما يقع في الإسناد، لم يفت النقاد أن ينبهوا على وقوعه في المتن أيضًا، وجاؤوا على ذلك بشواهد. وقسموا المقلوب إلى قسمين: مقلوب مَتْنًا ومقلوب إسنادًا. وتشددهم في أداء الحديث باللفظ أكثر ما يتجه إلى المتون، حتى لا يكذب الناس على رسول الله ﷺ ، ولا سيما إذا لحن الراوي زاعمًا أن خطأه من لفظ الرسول فقد عدوه متعمدًا للكذب، جديرًا بأن يتبوأ مقعده من النار. وبعض مباحث القسم المشترك بين الصحيح والحسن والضعيف إنما ينظر فيها إلى حال المتن كالمرفوع مثلاً، فإن للمرفوع إلى النبي ﷺ نورًا كنور النهار يعرفه الذوق السليم، فلا يخفى على أحد شيء مما يحمل عليه أو يوضع في

стр. 289

فيه لأن للموضوع المختلق ظلمة كظلمة الليل، تنكره البصيرة النيرة (١). وكثير من مباحث هذا القسم المشترك يتناول المتون بالدرجة الأولى، وإن كانت له صور في الأسانيد، كالمدرج مثلاً، فان مدرج الإسناد يرجع في الحقيقة إلى المتن، وكالمصحف أيضًا فإنه أكثر ما يقع في المتون، وكالمسلسل بعد هذا كله فإن أشد شيء إثارة للريبة فيه تماثل العبارات في متونه، وإن كانت صورته الظاهرية ترتد إلى هذا التماثل على ألسنة الرواة، أو بعبارة أخرى إلى سلسلة الإسناد،. ولذلك يقولون: هذا باطل مَتْنَا وَتَسَلْسُلاً، كأن سِرَّ بطلانه ليس مجرد تسلسله إطلاقًا بل تسلسل متنه بهذا الشكل النادر الفريد!. ومصطلحا الفرد والغريب يخيل إلى الباحث أنهما ليسا أكثر من بحثين خالصين للإسناد، يجمعهما رابط مشترك هو التفرد كما رأينا، ولكن النظرة الفاحصة المدققة ترى القضية ألصق بالمتن منها بالسند، فكما أنكروا رواية الشواذ والمناكير أنكروا الولوع بالأفراد والغرائب، وفروا من حسن هذه الغرائب لمخالفتها متون الروايات العزيزة والمشهورة والمستفيضة. أما هذه الروايات الثلاث الأخيرة فلم تكن غاية النقاد من مباحثها سوى تقوية الأحاديث الأفراد والغرائب بمتون تشهد لها وتتابعها، وليس تقويتها

стр. 290

بأسانيد متعددة ورجال كثيرين، فكانت مقاييسهم فيها قيمية، لا كمية عددية، فلا بدع إذا كانت الشهرة نسبية، ولا غرو إذا اشتهرت متون أحاديث عند الفقهاء، وعليها طابعهم، واشتهرت متون عند العامة وعليها ألفاظهم، وعند الصوفية، وبدت موضوعة غالبًا لتأييد أهوائهم. ولعلنا - على هذا الأساس من العناية الخاصة بالمتون - نفهم تشدد القوم في الأصول أكثر من تشددهم في المتابعات والشواهد، فالأصول ينبغي لها من الثقة بمتونها أكثر مما ينبغي للفروع المقوية للفظها أو المعززة لمعناها، ونفهم أيضًا سر رفضهم متروك الحديث عند الاعتبار، لأن من صفات المتروك عدم الضبط، فحفظ المتون لا يواتيه مهما يبذل من الجهد فيه، فكان أن فرقوا بين صالح للاعتبار وغير صالح. وإذا تذكرنا أن الشاهد عندهم على قسمين: لفظي ومعنوي، وأن اللفظي يتناول متن الحديث نَصًّا، وأن المعنوي يرد إليه لأنه تقوية للمتن نفسه بما يقارب لفظه، وأضفنا إلى ذلك أن في المتابعة أيضًا مقاربة للفظ، أدركنا ما للمتن من قيمة في جميع هذه المصطلحات. ونحن إلى هذا الحد ليس وراءنا دافع يسوقنا إلى أن نرد للمتن كل مبحث يتعلق بالإسناد، فقد أسلفنا أن الثنائية المؤلفة من المتن والإسناد، بهذا القيد الثنائي، هي التي كانت تسود جميع مسائل هذا الفن، ولا نريد أَبَدًا أن نقلل من شأن الإسناد، فنحن لا نشك ولا نحسب مُنْصِفًا يشك في أن التشدد في الأسانيد ليس عيبًا جسامًا يلام عليه علماؤنا الأخيار، ما دام لا يقصد لذاته، بل للغاية التي أنشأوا لدراسته من أجلها: ألا وهي تمييز الصحيح من الموضوع وترتيب الأحاديث على درجات متفاوتة ليتمكن العلماء من الاستفادة منها في

стр. 291

التشريع الديني والاجتماعي والاقتصادي والعسكري والسياسي، وهي غاية إنسانية نبيلة رافقت العلوم الإسلامية في جميع ألوانها ومختلف أطوارها، فلا يغض من قيمتها انفراد أمتنا بها، بل هي خصيصة لنا وَمَزِيَّةٌ بَاهَيْنَا وَسَنُبَاهِي بها العالمين أبد الدهر. على أننا لن نركب الحماقة التي لا يزال المستشرقون وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم «الغزير» يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلاً يفصل بين خصمين لا يلتقيان، أو ضرتين لا تجتمعان (١): فمقاييس المحدثين في السند لا تفصل عن مقاييسهم في المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم، وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهي بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقي الذي لا يخالف الحس أن يرد عن طريق سند صحيح، وإذن، فكل أبحاث النقاد في رجال الإسناد، وفي شروط الرواة، إنما تؤدي بكل بساطة إلى النتيجة التي لا مفر منها: وهي نقد متون الأحاديث، لمعرفة درجتها من الصحة والحسن والضعف. وليت القارئ الكريم يعود مرة أخرى إلى مبحث (شروط الراوي)، ويقرؤه بتدبر وتعمق، ليرى رأي العين أن تشدد النقاد في شروط الراوي ليس

стр. 292

إلا وسيلة لتزكية الخبر المروي، ولقد استوجب هذا التشدد أن تقاس تلك الشروط بمقاييس إنسانية مشتركة، تصلح لأن تأخذ بها كل أمة في القديم والحديث، لاْنها صادرة في أغلب صورها عن منهج موضوعي يتعالى عن الأشخاص، وعن كل ما تفرضه قدسية بعض الأشخاص من التملق والنفاق. لا قيمة للألقاب في هذا المنهج، فالمقياس نسبي لا ضير معه أن يُرْمَى بعض الصحابة بالتدليس، ولا ضير أن يعزى التصحيف إلى العلماء الأعلام، كالإمام مالك، ولا بأس أن يفضل الإسناد النازل عن الثقات على الإسناد العالي عن غير الثقات، ولا خير في التحديث عن الأحياء، فالمعاصرة حجاب، ولا مانع من وجود أحاديث فيها مقال في كل من " الصحيحين " (١)، وأحاديث ضعيفة في " مسند أحمد " (٢)، بل لا مانع أن يقوم الجدل بصورة عامة حول الحديث الآحادى هل يفيد الظن رغم صحته ورغم جميع الشروط التي روعيت لدى تصحيحه، ورغم انبناء جل التشريع الإسلامي عليه. ومقياس المحدثين زماني مكاني، أو تاريخي جغرافي، فلما استعمل الرواة الكذب استعمل لهم النقاد التاريخ، واشترطوا معرفة الرجال وطبقاتهم والعناية بمواليدهم ووفياتهم، واشترطوا تقييد أسماء الرجال باسم البلد الذي حَدَّثُوا فيه، وذكروا قصصًا وأخبارًا حكموا عليها بالتدليس بسبب جهل الراوي بتاريخ وفاة المروي عنه، وجعلوا من أمارات الوضع مخالفة الحقائق التاريخية بوجه عام (٣)،

стр. 293

وعدوا من صور العلو النسبي تقدم وفاة الراوي وإن تساويا في العدد، وتقدم السماع، وَنَبَّهُوا على أن المدنيين إذا رَوَوْا عن الكوفيين زلقوا، وعلى أن حد السماع خضع لاعتبارات إقليمية، وعلى أن أكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، ولاحظوا أثر المذاهب التي كان لها في بعض العصور والبيئات أنصارًا متحمسون، فكثيرًا ما يكون ذلك سببًا في الحكم بالوضع على مثل هذه الأحاديث، ورأوا إلحاق تدليس البلاد بتدليس الشيوخ، لأن فيه ادعاء رؤية أماكن لم يتح للراوي مشاهدتها. ومقياس المحدثين نفسي اجتماعي، فحديث الهريسة موضوع، وضعه محمد بن الحجاج اللخمي وكان صاحب هريسة (١) ومثله حديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ... !» فقد وضعه سعد بن طريف لما ضربوا ابنه. وحديث دخوله ﵇ حَمَّامًا بِالجُحْفَةِ موضوع باتفاق الحفاظ (٢) لأنه لم يكن على زمانه - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - حمامات.

стр. 294

والدقة واضحة في هذه المقاييس، فمن كذب مرة واحدة لا يقبل حديثه، ولا يؤخذ الحديث عن غلاط لا يرجع عن خطئه، وَأُذُنُ المحدثين مرهفة لا يفوتها التصحيف ولو كان تصحيف سمع لا تصحيف نظر مثل أكيل وبكير. والتحفظ في الجرح أشد منه في التعديل، لأن المقاييس - على نزعتها الإنسانية السمحة - يجب أن تحجز الناس عن الكذب على رسول الله ﷺ ، فلا بد من الشدة مع الجميع حتى يؤمن الخطأ والعثار. أما المتون فكل ما ذكروه في علامات الوضع يتعلق بها ويدور عليها: فاللحن والركة، ومخالفة العقل أو الحس، والمجازفة بالوعد والوعيد، ومزج الكلام البليغ الفطري بعبارات معقدة من عبارات الأصوليين أو المتكلمين (١)، واختلاق الأحاديث تقربًا إلى الطبقة الحاكمة، كلها مباحث تتعلق بالمتن المروي من حيث إدخال أشياء عليه لا تليق بالنبي. ومن ذلك إدراج بعض العبارات التي يستحيل صدورها عن رسول الله ﷺ ، كتمنيه الرق في حديث أبي هريرة، ومنه الاعتقاد بأن قلب الحديث عَمْدًا من الكذب، والاعتقاد بأن بقاء التعارض بين حديثين مستحيل، فإما أن يحملا على نسخ أحدهما للاَخر أو تفصيله أو تخصيصه. إن كل هذا يشير إلى نتيجة واحدة لا مراء فيها: هي أنه إذا كان لا بد من الاختيار بين السند والمتن أيهما تدور عليه مباحث المحدثين، فإنه المتن بلا

стр. 295

نزاع، وما السند إلا وسيلة إلى الأقوال والمتون. وإذا انضم إلى هذا كله ورع الرواة في مختلف العصور، وركوبهم المشاق في طلب الرحلة والأحاديث، وشعورهم بقيمة المروي، وبأن هذا الأمر دين، أمكننا أن نقول: إن هذا المصطلح على نحو ما عرفه المحدثون ليس له في الدقة مثيل في التاريخ (١). فكيف يبيح المستشرقون لأنفسهم بعد أن تجشموا عناء قراءة ما رأينا من المخطوطات والمدونات والصحف أن يزعموا أن لا طريق لصحة المتن سوى الإسناد، وأن العرب لم يعنوا إلا بهذا الاسناد؟ وكيف يجرؤ أكابرهم على المغالطة إلى هذا الحد فيصنفوا الكتب ويكتبوا الأبحاث لمجرد الطعن في الحديث ورجاله (٢)، والنيل من نصوصه ومتونه (٢)؟ وإذا انضم مرة أخرى إلى هذا كله ما حققناه من وجود وثائق تاريخية تثبت كتابة الأحاديث في حياة النبي ﷺ وتهدم ما بناه المستشرقون وأعوانهم من أحلام وآمال، وتصور طرق المحدثين ومناهجهم في التربية والتعليم، وتشددهم في الألفاظ التي يفرقون بها بين صور التحمل والأداء، رأينا أن كل

стр. 296

ثناء على عمل المحدثين ومصطلحاتهم الدقيقة لا يفي شيئًا مما لهم على ثقافتنا من يد، وعلى الحضارة الإنسانية من فضل، وأيقنا أن دراسة مصطلح الحديث تدعيم لمناهجنا الأصلية في نشر الثقافة وهي مناهج لم يعرفها العالم مطبقة إلا مرة واحدة في عصورنا الذهبية، ولا يمكن أن يطبقها غيرنا، لأنها انبثقت من تفكيرنا القادر على التجريد، ومن ثقافتنا الواسعة الشاملة ومن روح ماضينا المجيد. وبعد ... فان المستشرقين قوم يتقنون الحرب وأساليب الهجوم، ويتفوقون في إلقاء الشبهات وبث السموم، ونحن قوم لا نتقن إلا ما نعلم، ولا نعلم إلا ما نعتقد، ولا يعنينا أن نحارب الناس ونجاولهم ونصاولهم حيث لا ضرورة لحرب ولا دافع لجيال أو صيال، بل يعنينا أن يرى الناس الحق كما نراه بعيون ليس عليها غشاوة، وقلوب ليس فيها مرض ... وإلى شبابنا العربي المثقف نوجه هذه الكلمات، فهلا ينصتون؟! وهلا يوقنون؟

стр. 297

البَابُ الرَّابِعُ: مَكَانَةُ الحَدِيثِ فِي التَّشْرِيعِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَبِ:

стр. 298

الفَصْلُ الأَوَّلُ: مَكَانَةُ الحَدِيثِ فِي التَّشْرِيعِ: إِشَادَةُ القُرْآنِ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَالْتِزَامِ سُنَّتِهِ: انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالاَيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول، والتسليم لحكمه، ورأوا من يحكي خلاف هذا المذهب غير خليق بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نسبته العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين (١). وكان طَبِيعِيًّا أن ينتهي التحقيق العلمي الدقيق إلى هذا الحكم السديد، لأن الآيات التي فرضت على المؤمنين طاعة النبي- ﷺ صريحة لا تحتمل التأويل، وإنما تكون طاعته بالتزام سنته، والعمل بحديثه، والأخذ بمضمونه الصحيح في مسائل الدين، واعتباره الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن المجيد. ومع أن تقرير هذا الأمر على هذه الصورة الواضحة يبدو بديهيًا،

стр. 299

نؤثر أن نجلو بعض الجوانب الشائكة التي تَحُفُّ بِحُجِّيَّةِ الحديث. فهل النصوص القرآنية الحَاثَّةِ على طاعة النبي تُقِرُّ لحديثه بالاستقلال في التشريع، فيؤخذ بما فيه من الأحكام كما يؤخذ بما في الكتاب، أم لا تقر له بالاستقلال التشريعي، كما هو إلا بيان للقرآن، وراجع إليه؟ وإن يكن الحديث مُبَيِّنًا للقرآن أو مُفَصِّلاً لإجماله، فكيف يعد مع الكتاب أصلاً من أصول التشريع مع أن أحكام الدين إنما تستقى من أحدهما فقط وهو كتاب الله المجيد؟ وحين يؤخذ بالحديث أصلاً تشريعيًا أو على غير استقلال، هل يقبل فيه خبر الآحاد، أم لا بد لتصحيحه من التقوية والتعزيز؟ وإن الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة لتفرض علينا في البداية سرد أهم النصوص القرآنية الدالة على وجوب العمل بالسنة النبوية، مشفوعة بتطبيقها العملي في واقع السيرة المطهرة، ومقرونة بفهم الرعيل الأول من الصحابة لمدلولها المتبادر من غير تكلف ولا اعتساف. يرى عبد الرحمن بن يزيد رجلاً مُحْرِمًا في موسم الحج قد ارتدى ثوبًا مخيطًا، فرشده إلى نزع ثيابه والأخذ بسنة النبي ﵇ في لباس الإحرام، فيقول الرجل لعبد الرحمن: «اِئْتِنِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَنْزِعُ ثِيَابِي»، فلا يرى عبد الرحمن خيرًا من أن يقرأ عليه قول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). فَنَزْعُ الثوب المخيط لم يرد صريحًا في كتاب الله، وإنما ورد في الحديث فقط. وهكذا انفردت السُنَّةُ بهذا الحكم الشرعي، وكانت أصلاً مستقلاً من أصول التشريع، لأن الله أمر المؤمنين بالانتهاء عما نهى عنه نبي

стр. 300

الهدى ﵇. ويصلي الإمام الكبير طاووس (١) بعد العصر ركعتين، فيقول له الصحابي الجليل ابن عباس: اتركهما، فيجيبه طاووس بأن الرسول ﵇ إنما نهى عنهما مخافة أَنْ تُتَّخَذَا سُنَّةً، ولا ضير في هاتين الركعتين إن صُلِّيَّتَا بغير نية الاستمرار، ولكن ابن عباس يُصِرُّ على نهي رسول الله ﷺ عن الصلاة مطلقًا بعد العصر، ويؤكد لطاووس أن ليس له الخيار، فما جاء به رسول الله، مستندًا إلى الآية الكريمة: " ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) [الأحزاب: ٣٦]. ولئن تكن للمؤمن خِيَرَة فيما مضت به سنة الرسول، فما عليه إلا أَنْ يُحَكِّمَ هذه السنة في كل خلاف يَشْجُرُ، وفي كل دعوى ترفع، مع التسليم التام لكل ما تصدره من أحكام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). وجملة الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآية تتلخص في أن النبي ﷺ قضى للزبير بن العوام بالشرب من شِرَاجِ الحَرَّةِ قبل رجل شهد بدرًا من الأنصار (٤). ولا ريب أن حديث النبي هنا قد انفرد بالتشريع في هذه

стр. 301

المسألة التي لم يعرض لها القرآن بحكم صريح. وعندما خاطب الله نَبِيَّهُ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، نَبَّهَ المؤمنين إِلى مكانة السنة في التشريع، فإن أقوال الرسول وأعماله تبين المراد من القرآن، إذ تفصل ما أجمله، وتقيد ما أطلقه، وتخصص فيه ألفاظ العموم، وتعين ما لم يعينه من المقادير والحدود والجزئيات. فللسنة أن تنفرد في التشريع حين يسكت القرآن عن التصريح، ولها أن تقوم بوظيفة التبيان حين يترك لها التفصيل والتوضيح. وذلك ما استنتجه عمران بن حصين لما رمى رجلاً بالغفلة الشديدة والفهم السقيم، وقال له مُؤَنِّبًا مقرعا: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الظُّهْرَ أَرْبَعًا]، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ؟» ثم سرد له بعض أحكام الصلاة ومقادير الزكاة وما أشبه ذلك من أركان الإسلام وفرائضه، ثم قال للرجل: «" أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ"، وَإِنَّمَا فَسَّرَتْهُ السُنَّةَ تَوْضِيحًا وَبَيَانًا» (٢). شُمُولُ السُنَّةِ كُلَّ آفَاقِ التَّشْرِيعِ: وتكاد الأمثلة الواردة في تفصيل السنة مجملاتِ القرآن تشمل كل آفاق التشريع الإسلامي في العبادات والمعاملات والحلال والحرام. وينتهي النبي ﷺ في كل منها، على حدة، إلى التبيان الدقيق عن

стр. 302

طريق القياس تارة، والمقارنة بين نظيرين تارة أخرى، والموازنة بين متقابلين تارة ثالثة. فاذا قال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) أدرك رسول اللَه ﷺ أن الزيادة من غير مقابل ولا عوض هي السر في تحريم الربا، فألحق قياسًا بالربا كل تعامل يشمل على زيادة من هذا النوع، وحكم بأن «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، [وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ]، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى» (٢)، ثَم ينحي عن مدلول الربا ما اختلفت فيه تلك الأصناف ولم تتماثل، فخلا من كل زيادة لا عوض فيها، فيقول ﵇: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». وإذا حَرَّمَ القرآن الزنى وأباح النكاح في آيات معروفة، وسكت عن حكم النكاح المخالف للشرع، كزواج المرأة بغير إذن وليها مثلاً، عقد النبي ﷺ مقارنة بين السفاح المحض وهذا اللون من النكاح المخالف للشرع، وقضى ببطلان ما لم تراع فيه أصول العقد الزوجي، فقال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» (٣). وإذا عَدَّ القرآن صيد البحر حلالاً طيبًا فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ

стр. 303

صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١)، وَحَرَّمَ الميتة تحريمًا قاطعًا في مواطن متعددة (٢)، وَازَنَ رسول الله ﷺ بين حِلِّ الصيد البحري المطلق وحرمة الميتة في صيغتها العامة المطلقة، فخص ميتة البحر بالحل واستثناها من الحكم العام، وقال عن البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٣)، وأكد هذا التخصيص بقوله في الحديث الاَخر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالحُوتُ وَالجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (٤). ولعل شعور العلماء الأولين بأثر السُنَّةِ العظيم في توضيح الأصول القرآنية، بأي طريق تم ذلك التوضيح، هو الذي حمل بعضهم على الحكم بأن السُنَّةَ قاضية على الكتاب، حتى قال الأوزاعي: «الكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُنَّةِ مِنَ السُنَّةِ إِلَى الكِتَابِ». (٥). وما أراد الأوزاعي ولا غيره بهذا إلا التنبيه على أن أعلم الخلق بمعاني القرآن هو رسول الله الأمين الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وَمِنْ هُنَا قِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ (٦): لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالقُرْآنِ، فَقَالَ لِلْسَّائِلِينَ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالقُرْآنِ بَدَلاً، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالقُرْآنِ مِنَّا» (٧).

стр. 304

وما دامت الأمثلة التي ذكرناها تجعل السُنَّةَ بين أمرين: فهي إما مستقلة في التشريع بما ليس في القرآن، إما مفسرة لمجملات القرآن، فلا مناص من الاعتراف - كما قال الشاطبي - بأن «[أَدِلَّةُ] القُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى، فَهُوَ لاَحِقٌ فِي الحُكْمِ بِمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَيْهِ» (١). وإن هذه الزيادة الملحوظة في التفصيلات النبوية هي التي تجعل للحديث، على جميع الأقوال، المرتبة الثانية بعد القرآن، وهي التي تؤكد أن الشرع الإسلامي يتكون من الأصلين مَعًا: القرآن والحديث، مصداقًا لقول النبي الكريم نفسه: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ , وَسُنَّتِي» (٢). اِسْتِقْلاَلُ السُنَّةِ بِالتَّشْرِيعِ وَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الكِتَابِ: فإن قيل بعد هذا: بل القرآن دَالٌّ على كل ما في الحديث إجمالاً وتفصيلاً، وما سن الرسول سُنَّةً قَطُّ إلا كان في الكتاب أصلها، لأن الله أنزل القرآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، وتمم به الدين كله فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥)، فليس للسنة، بأي صورة، أن تزيد

стр. 305

في التشريع شيئًا فضلاً على استقلالها بالتشريع، أحلنا أصحاب هذه الشبهة على القرآن نفسه الذي يشيد بطاعة الرسول، ويحذر- من مخالفته، ولا يفرق في ذلك بين ما فَسَّرَهُ النبي من القرآن وما أمر به في سنته أمرًا مستقلاً، فهو الذي يقول بلهجة الإنذار: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١)، وبهذه يخصه بشيء يطاع فيه ولايعصى، وهو سنته التي جاء بها ولم تكن من القرآن ولا أتت في القرآن. ويشبه هذا ما أمر الله به المؤمنين من رد النزاع إلى الله ورسوله في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ﴾ (٢) وإنما يكون الرد إلى الله رجرعا إلى الكتاب، ولا يكون الرد إلى الرسول إلا رجوعًا إلى سنته بعد وفاته ﵇. وَلْتَرْجَعْ السُنَّةُ بعد هذا إلى القرآن بمدلولاتها التفصيلية كلها، فان أحدًا من أهل العلم لا يخالف في أن العمل بما جاءت به السنة هو عمل بالقرآن، لأن القرآن هو الذي دل على وجوب العمل بالسنة، ولأن القرآن أعم والحديث أخص ولا بد أن يشتمل الأعم بكلياته على الأخص بجزئياته، وما بين القرآن والحديث من اتفاق في الأصول لا ينفي ما تفرد الحديث بتشريعه أو توضيحه حتى من تلك الأصول، فإنما جعل الله رسوله إمامًا، وسنته قدوة، وهديه النبوي أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا.

стр. 306

ولقد تحدث الإمام الشافعي في " رسالته " (١) عما سَنَّهُ رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص قرآني، فأداره على أربعة وجوه ترتد كلها إلى الإقرار بوجود زيادة في السنة على ما في الكتاب، وَأَوْشَكَ - وهو يعلل مصدر هذه الزيادة ومدى حجيتها في التشريع - أَنْ يُرَجِّحَ الوجه الثاني الذاهب إلى أن النَّبِيَّ ﵇ «لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إِلاَّ وَلَهَا أَصْلٌ فِي الكِتَابِ كَمَا كَانَتْ سُنَّتُهُ لِتَبْيِينِ عَدَدَ الصَّلاَةِ، وَعَمَلِهَا عَلَى أَصْلِ جُمْلَةِ فَرْضِ الصَّلاَةِ، وَكَذَلِكَ ما سَنَّ مِنَ البُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) وَقَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) فَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ فِيهِ عَنْ اللهِ كَمَا بَيَّنَ الصَّلاَةَ» (٤). ويخيل إلينا أن المذهب الأخير هو أصوب المذاهب لدى توضيح مكانة الحديث في التشريع، فإنه يوفق بغير تكلف ولاتعسف بين اشتمال القرآن على كل شيء، وتبيانه كل شيء، وأن الله لَمْ يُفَرِّطْ فيه من شيء، وَبَيَّنَ إثبات السنة أحكامًا لم يثبتها القرآن ولم ينفها مع أن أصولها الأولى واردة في القرآن، وإن هذا المذهب المعتدل ليأذن لنا دون تردد، بتسمية الحديث «الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام»، ولا علينا بَعْدُ أَنْ يُعَدَّ هذا الأصل عند بعضهم مستقلاً

стр. 307

فيما شرعه من أحكام، وعند بعضهم الآخر غَيْرَ ذِي استقلال. وقديمًا قال العلماء وصدقوا: «تَرَكَ الكِتَابُ مَوْضِعًا لِلسُّنَّةِ، وَتَرَكَتِ السُّنَّةُ مَوْضِعًا لِلْقُرْآنِ» (١). ولا غرابة في هذا بعد قول الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).

стр. 308

الفَصْلُ الثاَّنِي: الحَدِيثُ الصَّحِيحُ حُجَّةٌ فيِ التَّشْرِيعِ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ السُنَّةِ وَالكِتَابِ فِي الحَلاَلِ وَالحَرَامِ: لكأني برسول الله ﷺ استشف حجاب الغيب فرأى في القرون من بعده قومًا يفرقون بين كتاب الله وسنة رسوله، ولا يعملون إلا بما نص عليه القرآن وحده، فإذا هو يُصَوِّرُ لنا هؤلاء تصويرًا ينبئنا عن فداحة خطئهم، وضلالهم عن الصراط المستقيم، فيقول: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» (١). ويفسر الإمام الشافعي اعتناء النبي نفسه بضم سنته إلى كتاب الله في الحلال والحرام، وفي كل أمر تشريعي ذي بال، بأن رسول الله ﷺ لم يحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولم يحرم إلا ما حرم الله في

стр. 309

كتابه، ثم يؤكد بلهجة جازمة حاسمة أن «جَمِيعَ مَا تَقُولُهُ الأَئِمَّةُ شَرْحٌ لِلْسُنَّةِ، وَجَمِيعُ السُنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ» (١). ويكاد غير الشافعي يغلو في تفسير هذه الظاهرة حين يَعُدُّ السُنَّةَ «وَحْيًا يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، وَيُعَلِّمُهُ إِيَّاهُ كَمَا يُعَلِّمُهُ القُرْآنَ» (٢)، ويصرح أبو البقاء بهذا التفسير حين يقول في " كلياته " (٣) دون تَجَوُّزٍ وَلاَ اتِّسَاعٍ: «وَالحَاصِلُ أَنَّ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ يَتَّحِدَانِ فِي كَوْنِهِمَا وَحْيًا مُنَزَّلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ بِدَلِيلِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] إِلاَّ أَنَّهُمَا يَتَفَارَقَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ القُرْآنَ هُوَ المُنَزَّلُ لِلإِعْجَازِ وَالتحَِّدي بِهِ بِخِلاَف الحَدِيثِ، وَإِنَّ أَلْفَاظَ القُرْآن مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وَلَيْسَ لِجِبْرِيلَ ﵇ وَلاَ لِلْرَّسُولِ ﵊ أََنْ يَتَصَرَّفَا فِيهَا أَصْلاً. وَأَمَّا الأَحَادِيثُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّازِلُ عَلَى جِبْرِيلَ مَعْنًى صِرْفًا فَكَسَاهُ حلَّةَ العِبَارَةِ». ولقد نكون أشد ميلاً - من ناحية الوحي - إلى التفرقة بين نزول القرآن على قلب النبي وإلهامه النطق ببعض الأحاديث، ثم نجنح - بسبب هذه التفرقة - إلى استقلال القرآن وحده بظاهرة الوحي على النحو الذي أوضحناه في كتابنا " مباحث في علوم القرآن " (٤)، إذ «كان ﵇ يُفَرِّقُ بِوُضُوحٍ بَيْنَ الوَحْيِ الذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَحَادِيثِهِ

стр. 310

الخَاصَّةِ التِي كَانَ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ: فَمَا يَجُولُ فِي نَفْسِهِ مِنْ خَوَاطِرَ وَأَفْكَارٍ كَانَ ذَا صِفَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مَحْضَةٍ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالكَلاَمِ الرَبَّانِيَّ» (١). ونؤثر إذًا - لتبيان المعنى «التوفيقي» في الأحاديث النبوية التبليغية - أن نسميها «بالحكمة» كما سماها القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، فقد اختار معظم العلماء المحققين أن الحكمة في الآية هي شيء آخر غير القرآن، وهي مجموعة ما أطلع الله عليه رسوله من مقاصد الشرع وتعاليمه وأسراره، التي لا يمكن أن تكون غير سنة الرسول القولية والفعلية، لأن الله أمن على خلقه - كما قال الشافعي - «بِتَعْلِيمِهِمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، فَلَمْ يُجِزْ - وَاللُه أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ: الحِكْمَةُ هُنَا إِلاَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ مَعَ الكِتَابَ، وَأَنَّ اللهَ اِفْتَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ، وحَتَّمَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِقَوْلٍ: (فُرِضَ) إِلاَّ لِكِتَابَ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ اللهَ جَعَلَ الإِيمَانَ بِرَسُولِهِ مَقْرُونًا بِالإِيمَانِ بِهِ» (٣). تَفَاوُتُ عِلْمِ الصَّحَابَةِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ: ولو رجعنا إلى العصر النبوي لرأينا رسول الله في البيت والمسجد والسوق وساحة المعركة، وفي الحضر والسفر، مُعَلِّمًا للرعيل الأول من

стр. 311

الصحابة الكرام، يرشدهم بأقواله وأفعاله إلى فهم القرآن في كل نازلة تقع لهم، ولرأينا من عناية أولئك الصحابة بسنته ﵇ ما لا تدرك العبارة وصفه، حتى كان بعضهم يتناوبون مجلسه يومًا بعد يوم، ينزل هذا يومًا وينزل ذاك يومًا آخر، ثم يخبر كل منهما صاحبه بما سمعه من أقوال رسول الله وتوجيهاته، مخافة أن يفوت أحدهم منها شيء، بعد أن شَوَّقَهُمْ ﵇ إلى العلم وأروى ظمأهم إليه بمثل قوله: «رَحِمَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (١). لكن الصحابة لم يبلغوا جميعًا مرتبة الاجتهاد، بل تفاوتوا في علمهم بسنة الرسول وأقواله، إذ كان فيهم القروي والبدوي، والصانع والتاجر، وفيهم من صحب النبي ﷺ مرة واحدة، ومن سمع منه حديثًا واحدًا. «وَلاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ سَمِعَ [مِنْهُمْ] حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ أَوْ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ حَسْبَ فَهْمِهِ، مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ لاَ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ غَيْرَ المُجْتَهِدِ مِنْهُمْ كُلِّفَ بِالرُّجُوعِ إِلَى المُجْتَهِدِ فَمَا سَمِعَهُ مِنَ الحَدِيثِ، لاَ فِي زَمَانِهِ ﷺ ، وَلاَ بَعْدَهُ فيِ زَمَانِ الصَّحَابَةِ ﵃. وَهَذَا تَقْرِيرٌ مِنْهُ ﷺ بِجَوَازِ العَمَلِ بِالحَدِيثِ لِغَيْرِ المُجْتَهِدِ وَإِجْمَاعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَلَوْلاَ ذَلِك لأَمَرَ الخُلَفَاءُ غَيْرَ المُجْتَهِدِ مِنْهُمْ - سِيمَا أَهْلَ البَوَادِي أَنْ لاَ يَعْمَلُوا بِمَا بَلغَهُمْ مِنَ النَّبِي ﷺ مُشَافَهَةً أََوْ بِوَاسِطَةٍ حَتَّى يَعْرِضُوا عَلَى المُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَرِدْ مِنْ هَذَا عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ» (٢).

стр. 312

ولم يكن بُدٌّ - وقد تفاوت علم الصحابة بسنة الرسول - من أن يختلفوا في تعليل بعض الأحكام، وفي ضبط بعض الألفاظ، وفي مقدار موافقتهم للسنة فما اجتهدوا فيه واستنبطوه، إذ «رَأَى كُلُّ صَحَابِيٍّ مَا يَسَّرَهُ اللهُ لَهُ مِنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ وَفَتَاوَاهُ وَأَقْضِيَتَهُ، فَحَفِظَهَا وَعَقَلَهَا، وَعَرَفَ لِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهًا مِنْ قِبَلِ حُفُوفِ القَرَائِنِ بِهِ، فَحَمَلَ بَعْضَهَا عَلَى الإِبَاحَةِ، وَبَعْضَهَا عَلَى النَّسْخِ لأَمَارَاتٍ وَقَرَائِنَ كَانَتْ كَافِيَةً عِنْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ العُمْدَةُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ وِجْدَانُ الاِطْمِئْنَانِ وَالثَّلَجِ مِنْ غَيْرِ اِلْتِفَاتٍ إِلَى طُرُقِ الاِسْتِدْلاَلِ» (١). تمر بالنبي وصحابته جنازة، فيقوم لها ويقوم الصحابة معه اقتداءً به، ولكنهم لا يعرفون سر قيامه لها، ولا يكتم أحد الصحابة عجبه، فيقول: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، ويجيبه النبي ﷺ بقوله: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!» ثم يردف مُعَلِّمًا مُرْشِدًا: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ، فَقُومُوا لَهَا» (٢). وقد اختلف الصحابة في تعليل القيام للجنازة، وتفسير عموم الأمر به للمؤمن والكافر على السواء، فقيل: تعظيمًا لهول الموت: وقيل: إعظامًا للملائكة الحافين بالميت (٣). ولكن مقتضى التعليل بقوله ﵇: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» أن القيام يستحب لكل جنازة (٤). ويروي عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ : «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ

стр. 313

أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فتقضي عليه عاثشة أم المؤمنين بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه، ولم يضبط لفظه، فإنما مَرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا»، فلم يكن العذاب لبكاء أهلها عليها، وليس عذاب كل ميت في قبره معلولاً للبكاء، كما يستنتج من ألفاظ الحديث برواية ابن عمر. بل الحديث - على رواية عائشة - تقرير لمشهد حكاه النبي ﵇ كما سمعه ورآه، فلا يتضمن حكمًا شرعيًا ولا تعليمًا نبويًا (١). وقد يقع اجتهاد الصحابي موافقًا للحديث كما في رواية " النسائي " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَقَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي فِي ذَلِكَ»، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَلَحُّوا، فَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ وَقَضَى فِي ذَلِكَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَلَحُّوا، فَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ وَقَضَى بِأَنَّ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ (*) فَشَهِدَ بِأَنَّهُ ﷺ قَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ. فَفَرِحَ بِذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَرْحَةً لَمْ يَفْرَحْ بِمِثْلِهَا قَطُّ بَعْدَ الإِسْلاَمِ (٢). وهكذا اختلفت مذاهب أصحاب النبي ﵇، وأخذ عنهم التابعون، فحفظ كل ما تيسر له، وعرف مذاهب الصحابة، ووثق بين المختلف منها على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض، وصار لكل عالم من أئمة التابعين مذهب مستقل، وانتصب في كل بلد

стр. 314

إمام، واستفتاهم المستفتون، ودارت بينهم المسائل، ورفعت إليهم الأقضية والأحكام (١). نَشْأَةُ المَذَاهِبِ وَاحْتِجَاجُ أَصْحَابِهَا بِالحَدِيثِ: وسمع أتباع التابعين فتاوى المفتين، وسألوا عن قضاياهم ومسائلهم في الأمصار، ولم يألوا جُهْدًا في الاجتهاد والاستنباط، وفي القضاء والفتوى، ثم كانت المذاهب، وكثر أتباعها، واستند كل - تأييدًا لرأيه - إلى السُنَّةِ يستنطقها الحكم الصحيح في إيضاح المشكلات، والفصل في النازعات، وَصَرَّحَ أصحاب تلك المذاهب كلها بتعيين العمل بالسنة، ووجوب الاحتجاج بها، وأمسوا - عند اختلاف أحاديث الرسول في مسألة ما - يرجعون إلى أقوال الصحابة لأنهم أقرب إلى نبع الإسلام الأصيل، وأقرب الناس عَهْدًا برسول الله ﷺ . على ان أصحاب المذاهب المشهورة - مهما يزعم الباحثون من تفاوتهم في حفظ الحديث والعلم به - قد أجمعوا كلهم على أن الحديث إذا صح يقدم على القياس والنظر، فما فيهم إمام إلا قال: «إذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي» أو عبارة تشبه هذه. حتى أبو حنيفة الذي «أَفْرَطَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ فِي ذَمِّهِ، وَتَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي ذَلِكَ» (٢)، لم يوجه وجهه إلا للعمل بالسنة متى ظفر بها وصحت لديه. وقد فسر الشعراني وجهة نظر أبي حنيفة أدق التفسير حين قال: «وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الذِي أَضَافَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ، ظَفَرَ بِذَلِكَ فِي كَلاَمِ

стр. 315

مُقَلِّدِيهِ الذِينَ يُلْزِمُونَ العَمَلَ بِمَا وَجَدُوهُ عَنْ إِمَامِهِمْ مِنَ القِيَاسِ، وَيَتْرُكُونَ الحَدِيثَ الذِي صَحَّ بَعْدَ مَوْتِ الإِمَامِ، فَالإِمَامُ مَعْذُورٌ، وَأَتْبَاعُهُ غَيْرَ مَعْذُورِينَ، وَقَوْلُهُمْ: (إِنَّ إِمَامَنَا لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا الحَدِيثِ) لاَ يَنْهَضُ حُجَّةً، لاِحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ أَوْ ظَفَرَ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ» (١). وربما عذرنا أبا حنيفة في إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما وَرَدِّهِ كَثِيرًا من أخبار الآحاد، إذا عرفنا أن الكذب على سول الله فشا في عهده فُشُوًّا مُخِيفًا، فكان لزامًا على إمام الرأي أن يتشدد في قبول الأحاديث، ويشترط للعمل بأخبار الآحاد شروطًا غَلاَ في بعضها، فحمل الأئمة على انتقاد بعض [مواقفه]، وعلى ذم مذهبه أحيانًا. وأهم شروطه في هذا الباب ألا يعارض خبرُ الآحاد الأصول المجتمعة بعد استقراء موارد الشرع، وألا يعارض عمومات القرآن وألا يخالف السُنَّةَ المَشْهُورَةَ، سواء أكانت قولية أم فعلية، وألا يخالف العمل المتوارث بين الصحابة والتابعين دون تخصيص بلد، وألا يعول الراوي على خطه ما لم يذكر مرويه، وألا يعمل الراوي بخلاف حديثه، وألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم، وألا يكون الخبر منفردًا بزيادة، سواء أكانت في المتن أم في السند، وألا يكون مما تعم به البلوى (٢). أما الشافعي فإجلاله للحديث أشهر من أَنْ يُعّرَّفُ بِهِ، فهو القائل: «وَهَلْ لأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -حُجَّةٌ؟ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي» (٣).

стр. 316

وهو الذي أفرد في " رسالته " فصلاً برمته لتبيان «الحُجَّةِ فِي تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ» (١). وأما مالك بن أنس فحسبك أنه إمام أهل المدينة، دار السنة المشرفة، وأن كتابه " الموطأ " نمط من الفقه على طريقة أهل الحديث. وقد جاء احتجاجه بالحديث عَمَلِيًّا تَطْبِيقِيًّا، فلن تزيده الأقوال المروية عنه في هذا الصدد إيضاحًا ولا تفصيلاً. وكان مالك - على كل حال - يرى أن خبر الآحاد قطعي يوجب العلم والعمل مَعًا (٢). وأما أحمد بن حنبل فـ " مسنده " العظيم في الحديث ينبئ عن مكانة السُنَّةِ العُظْمَى لديه في التشريع، وما من ريب في أنه من أكبر حفاظ الحديث، بل كان الحديث أغلب عليه من الفقه، «فَإِذَا وَجَدَ النَّصَّ أَفْتَى بِمُوجَبِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا خَالَفَهُ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ» (٣). وإن هذا كله ليؤكد أن كبار الأئمة كانوا يعرفون للحديث مكانته، ويعدونه الأصل الثاني للتشريع، وإنما يختلفون في مدى اطمئنانهم إلى أخبار الآحاد. الاِحْتِجَاجُ بِخَبَرِ الآحَادِ وَشُرُوطِهِ: ومن لَمْ يَحْتَجَّ بِخَبَرِ الآحَادِ إلا بشروط - كما صنع أبو حنيفة - كان يلتمس العذر لنفسه فيما ورد من آثار عن الصحابة ربما استؤنس

стр. 317

بها على أن بعضهم لم يكن يعمل بهذا الضرب من الخبر الآحادى: فقد رَدَّ أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وَرَدَّ عمر خبر أبي موسى في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد، وَرَدَّ أبو بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله ﷺ في رد الحكم بن العاص، وَرَدِّ علي خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وكان علي لا يقبل خبر أحد حَتَّى يُحَلِّفَهُ سوى أبي بكر، وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله (١). والحق أن الصحابة احتجوا بخبر الآحاد، وعملوا بمضمونه، وإنما توقفوا في قبول بعضه دَفْعًا للريبة، أو رغبة في اليقن، أو تَوَاصِيًا بالحيطة البالغة في رواية الحديث. ويفسر هذا قول عمر لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ »!. ويزيل اللَّبْسَ في هذا مرة واحدة علمنا بحقيقة الخبر الآحادى، فليس المراد منه ما رواه واحد فقط، بل ما يقابل المتواتر كما أوضحنا في بحث الصحيح (٢)، فانضمام صحابي آخر إلى الصحابي الأول في الروايات المذكورة ليس كافيًا لإخراجها من صفة «الآحادية»، بل لو انضم إلى الصحابي الأول اثنان أو ثلاثة أو حتى جمع كثير لا يؤمن تواطؤهم على الكذب لم تخرج تلك الأخبار عن حَيِّزِ الآحاد. ولهذا قال الآمدي: «وَمَا رَدُّوهُ مِنَ الأَخْبَارِ أَوْ تَوَقَّفُوا فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأُمُورٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ مِنْ وُجُودِ مُعَارِضٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، لاَ لِعَدَمِ الاِحْتِجَاجِ بِهَا فِي جِنْسِهَا، مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى العَمَلِ بِهَا» (٣)، وعلى هذا متى

стр. 318

صح الخبر صار أصلاً من الأصول. فلم يكن الباحث بحاجة إلى عرضه على أصل آخر، لأن الأصل الثاني إن وافقه عضده وقواه، وإن خالفه لَمْ يَجُزْ رَدُّ أحدهما لأن هذا من قبيل رد الخبر بالقياس، وهو مرفوض بالاتفاق، فان السُنَّةَ مقدمة على القياس (١). «وَلَوْ أَنَّ امْرُءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ مَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَلَكَانَ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ رَكْعَةً وَاحِدَةً مَا بَيْنَ دُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ (٢)، وَأُخْرَى عِنْدَ الفَجْرِ، لأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلاَةٍ، وَلاَ حَدَّ لِلأَكْثَرِ فِي ذَلِكَ» (٣). لكن صحة العمل بخبر الواحد شيء، والقطع به شيء آخر، فالجمهور على أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل (٤)، ويظل هذا النوع من الخبر ظني الدلالة لا يفيد القطع عند أكثرهم (٥)، وذهب قوم، منهم الإمام أحمد، والحارث بن أسد المحاسبي، الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو سليمان - وروي عن مالك - إلى أنه قطعي موجب للعلم اليقيني (٦)، حتى قال ابن حزم: «إِنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ مَعًا» (٧). ومن هنا

стр. 319

تصدى الخطيب البغدادي لنقد هذا الرأي فعقد في " الكفاية " فصلاً للرد على من قال: يجب القطع على خبر الواحد (١). وآخر لذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم، وإبطال تلك الشبهة (٢)، ولم ير في الوقت نفسه مَانِعًا من الإفاضة في التزام العمل بأخبار الآحاد، والاحتجاج على ذلك بما صَحَّ من الروايات، إذ تكلم على ذلك كله في بحث مستقل بعنوان: «ذِكْر بَعْضِ الدَّلاَئِلِ عَلَى صِحَّةِ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ وَوُجُوبِهِ» (٣)، ثم فصل ما يقبل فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه، وانتهى إلى أن هذا الضرب من الخبر لا يقبل في «مُنَافَاةِ حُكْمِ العَقْلِ وَحُكْمِ القُرْآنِ الثَّابِتِ المُحْكَمِ , وَالسُّنَّةِ المَعْلُومَةِ , وَالفِعْلِ الجَارِي مَجْرَى السُّنَّةِ , وَكُلِّ دَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ» (٤). ولئن دَلَّ هذا على شيء فإنما يدل على مكانة الحديث الصحيح في التشريع ولو رُوِيَ آحاديا، فإنه ليبدو عَسِيرًا، بل شبه مستحيل، أن تروى أخبار العلوم الوضعية، فضلاً على الدينية السماوية، بطرق أدق إسنادًا، وأصدق وَرَعًا، وأكمل أمانة. وأشد حَذَرًا، وأبلغ احتياطًا، وأوسع شهرة واستفاضة وانتشارًا، من أحاديث هذا الرسول العربي العظيم، ولو لم يبلغ معظمها درجة التواتر، ولم نورث أجيال الأمة كلها شعورًا واحدًا - أو متماثلاً - في العلم القطعي اليقيني. ولذلك لا يضر الخبر الصحيح عَمَلُ أكثر الأمة بخلافه، لأن قول

стр. 320

الأكثرين ليس بحجة (١)، ولأن العمل بالحديث خاضع لمقاييس نقدية تتناول - كما أوضحنا (٢) - المتن قبل السند، المضمون قبل الشكل، والمعنى قبل المبنى. الاِحْتِجَاجُ بِالخَبَرِ المُحْتَفِّ بِالقَرَائِنِ، وَاِسْتِبْعَادِ الضَّعِيفِ: من أجل هذا لم يكتف المحققون من العلماء بالاحتجاج بما صح سنده من أخبار الآحاد، بل احتجوا أيضًا بالخبر المحتف بالقرائن، وعدوه مفيدًا للعلم (٣)، وجنحوا إلى اعتباره أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، وإن كانوا قد خصوا هذا المزية «بِمَا لاَ يَنْتَقِدُهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ ... ، وَبِمَا لَمْ يَقَعِ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ... ، حَيْثُ لاَ تَرْجِيحَ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ المُتَنَاقِضَانِ العِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ» (٤). فإن يقبل الخبر المحتف بالقرائن، وتكن قرائنه هي التي تقويه، فإن للحسن - ولا سيما الحسن لذاته (٥) - من الشبه بالصحيح ما يكاد يدرجه فيه، وما يكاد يُشْرِكُهُ معه في الاحتجاج، وإن كان دونه
следующие страницы →