وهو الذي أفرد في " رسالته " فصلاً برمته لتبيان «الحُجَّةِ فِي تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ» (١).
وأما مالك بن أنس فحسبك أنه إمام أهل المدينة، دار السنة المشرفة، وأن كتابه " الموطأ " نمط من الفقه على طريقة أهل الحديث. وقد جاء احتجاجه بالحديث عَمَلِيًّا تَطْبِيقِيًّا، فلن تزيده الأقوال المروية عنه في هذا الصدد إيضاحًا ولا تفصيلاً. وكان مالك - على كل حال - يرى أن خبر الآحاد قطعي يوجب العلم والعمل مَعًا (٢).
وأما أحمد بن حنبل فـ " مسنده " العظيم في الحديث ينبئ عن مكانة السُنَّةِ العُظْمَى لديه في التشريع، وما من ريب في أنه من أكبر حفاظ الحديث، بل كان الحديث أغلب عليه من الفقه، «فَإِذَا وَجَدَ النَّصَّ أَفْتَى بِمُوجَبِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا خَالَفَهُ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ» (٣).
وإن هذا كله ليؤكد أن كبار الأئمة كانوا يعرفون للحديث مكانته، ويعدونه الأصل الثاني للتشريع، وإنما يختلفون في مدى اطمئنانهم إلى أخبار الآحاد.
الاِحْتِجَاجُ بِخَبَرِ الآحَادِ وَشُرُوطِهِ:
ومن لَمْ يَحْتَجَّ بِخَبَرِ الآحَادِ إلا بشروط - كما صنع أبو حنيفة - كان يلتمس العذر لنفسه فيما ورد من آثار عن الصحابة ربما استؤنس
стр. 317
بها على أن بعضهم لم يكن يعمل بهذا الضرب من الخبر الآحادى: فقد رَدَّ أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وَرَدَّ عمر خبر أبي موسى في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد، وَرَدَّ أبو بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله ﷺ في رد الحكم بن العاص، وَرَدِّ علي خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وكان علي لا يقبل خبر أحد حَتَّى يُحَلِّفَهُ سوى أبي بكر، وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله (١).
والحق أن الصحابة احتجوا بخبر الآحاد، وعملوا بمضمونه، وإنما توقفوا في قبول بعضه دَفْعًا للريبة، أو رغبة في اليقن، أو تَوَاصِيًا بالحيطة البالغة في رواية الحديث. ويفسر هذا قول عمر لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ »!. ويزيل اللَّبْسَ في هذا مرة واحدة علمنا بحقيقة الخبر الآحادى، فليس المراد منه ما رواه واحد فقط، بل ما يقابل المتواتر كما أوضحنا في بحث الصحيح (٢)، فانضمام صحابي آخر إلى الصحابي الأول في الروايات المذكورة ليس كافيًا لإخراجها من صفة «الآحادية»، بل لو انضم إلى الصحابي الأول اثنان أو ثلاثة أو حتى جمع كثير لا يؤمن تواطؤهم على الكذب لم تخرج تلك الأخبار عن حَيِّزِ الآحاد. ولهذا قال الآمدي: «وَمَا رَدُّوهُ مِنَ الأَخْبَارِ أَوْ تَوَقَّفُوا فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأُمُورٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ مِنْ وُجُودِ مُعَارِضٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، لاَ لِعَدَمِ الاِحْتِجَاجِ بِهَا فِي جِنْسِهَا، مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى العَمَلِ بِهَا» (٣)، وعلى هذا متى
стр. 318
صح الخبر صار أصلاً من الأصول. فلم يكن الباحث بحاجة إلى عرضه على أصل آخر، لأن الأصل الثاني إن وافقه عضده وقواه، وإن خالفه لَمْ يَجُزْ رَدُّ أحدهما لأن هذا من قبيل رد الخبر بالقياس، وهو مرفوض بالاتفاق، فان السُنَّةَ مقدمة على القياس (١). «وَلَوْ أَنَّ امْرُءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ مَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَلَكَانَ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ رَكْعَةً وَاحِدَةً مَا بَيْنَ دُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ (٢)، وَأُخْرَى عِنْدَ الفَجْرِ، لأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلاَةٍ، وَلاَ حَدَّ لِلأَكْثَرِ فِي ذَلِكَ» (٣).
لكن صحة العمل بخبر الواحد شيء، والقطع به شيء آخر، فالجمهور على أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل (٤)، ويظل هذا النوع من الخبر ظني الدلالة لا يفيد القطع عند أكثرهم (٥)، وذهب قوم، منهم الإمام أحمد، والحارث بن أسد المحاسبي، الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو سليمان - وروي عن مالك - إلى أنه قطعي موجب للعلم اليقيني (٦)، حتى قال ابن حزم: «إِنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ مَعًا» (٧). ومن هنا
стр. 319
تصدى الخطيب البغدادي لنقد هذا الرأي فعقد في " الكفاية " فصلاً للرد على من قال: يجب القطع على خبر الواحد (١). وآخر لذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم، وإبطال تلك الشبهة (٢)، ولم ير في الوقت نفسه مَانِعًا من الإفاضة في التزام العمل بأخبار الآحاد، والاحتجاج على ذلك بما صَحَّ من الروايات، إذ تكلم على ذلك كله في بحث مستقل بعنوان: «ذِكْر بَعْضِ الدَّلاَئِلِ عَلَى صِحَّةِ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ وَوُجُوبِهِ» (٣)، ثم فصل ما يقبل فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه، وانتهى إلى أن هذا الضرب من الخبر لا يقبل في «مُنَافَاةِ حُكْمِ العَقْلِ وَحُكْمِ القُرْآنِ الثَّابِتِ المُحْكَمِ , وَالسُّنَّةِ المَعْلُومَةِ , وَالفِعْلِ الجَارِي مَجْرَى السُّنَّةِ , وَكُلِّ دَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ» (٤).
ولئن دَلَّ هذا على شيء فإنما يدل على مكانة الحديث الصحيح في التشريع ولو رُوِيَ آحاديا، فإنه ليبدو عَسِيرًا، بل شبه مستحيل، أن تروى أخبار العلوم الوضعية، فضلاً على الدينية السماوية، بطرق أدق إسنادًا، وأصدق وَرَعًا، وأكمل أمانة. وأشد حَذَرًا، وأبلغ احتياطًا، وأوسع شهرة واستفاضة وانتشارًا، من أحاديث هذا الرسول العربي العظيم، ولو لم يبلغ معظمها درجة التواتر، ولم نورث أجيال الأمة كلها شعورًا واحدًا - أو متماثلاً - في العلم القطعي اليقيني.
ولذلك لا يضر الخبر الصحيح عَمَلُ أكثر الأمة بخلافه، لأن قول
стр. 320
الأكثرين ليس بحجة (١)، ولأن العمل بالحديث خاضع لمقاييس نقدية تتناول - كما أوضحنا (٢) - المتن قبل السند، المضمون قبل الشكل، والمعنى قبل المبنى.
الاِحْتِجَاجُ بِالخَبَرِ المُحْتَفِّ بِالقَرَائِنِ، وَاِسْتِبْعَادِ الضَّعِيفِ:
من أجل هذا لم يكتف المحققون من العلماء بالاحتجاج بما صح سنده من أخبار الآحاد، بل احتجوا أيضًا بالخبر المحتف بالقرائن، وعدوه مفيدًا للعلم (٣)، وجنحوا إلى اعتباره أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، وإن كانوا قد خصوا هذا المزية «بِمَا لاَ يَنْتَقِدُهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ ... ، وَبِمَا لَمْ يَقَعِ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ... ، حَيْثُ لاَ تَرْجِيحَ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ المُتَنَاقِضَانِ العِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ» (٤).
فإن يقبل الخبر المحتف بالقرائن، وتكن قرائنه هي التي تقويه، فإن للحسن - ولا سيما الحسن لذاته (٥) - من الشبه بالصحيح ما يكاد يدرجه فيه، وما يكاد يُشْرِكُهُ معه في الاحتجاج، وإن كان دونه
стр. 321
قوة ودرجة وإشعارًا باليقين. فلا عجب إذا قال أكثر الأئمة: إن الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، فعليه - كما ذكر الخطابي - «مَدَارُ أَكْثَرِ الحَدِيثِ، لأَنَّ غَالِبَ الأَحَادِيثِ لاَ تَبْلُغُ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ، وَعَمِلَ بِهِ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ، وَقَبِلَهُ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ» (١).
بيد أن الذي ينحى عن مدار الاحتجاج، مَكَانًا قَصِيًّا، هو الضعيف بجميع أضربه وصوره، وذلك أمر طبيعي لا يحتاج إلى التفسير، فإن أنواع الضعيف كلها تثير الريبة، سواء أكانت آفتها في المتن أم في الإسناد، ولسنا براجعين كرة أخرى إلى جميع ما وصفناه من المصطلحات الخاصة للضعف لكشف اللثام عن سر الضعف في كل منها على حدة، فما غادرنا مصطلحًا منها إلا ختمناه بالحديث عن المانع الجوهرى من الاحتجاج به، وإنما نود هنا أن نذكر القارئ بالروح النقدي المنهجي الذي ساد أبحاث المحدثين، فحال دون اعتبار أي لون من الضعف، مهما يكن يسيرًا، مصدرًا لحكم شرعي ولا لفضيلة خلقية، على التحقيق (٢). ونود أيضًا أن يظل القارئ على ذكر من اصطلاحات النقاد في التعديل والجرح، وكونها في الجرح أشد منها في التعديل (٣)، ليستيقن أن تلك المقاييس النقدية الدقيقة جعلت جرح الرواة جائزًا بل واجبًا (٤) لتصحيح الحديث الذي يؤخذ به، ولتنقيته من كل شائبة، فما يكون صالحًا للاحتجاج إلا الحديث الذى ثبتت نسبته إلى رواته الصالحين، وأدرك كل من رواه أن هذا الأمر دين!
стр. 322
الفَصْلُ الثَّالِثُ: أَثَرُ الحَدِيثِ فِي عُلُومِ الأَدَبِ:
نَشْأَةُ العُلُومِ الإِسْلاَمِيَّةِ فِي ظِلِّ الحَدِيثِ:
كان بعض العلماء يقول: «العُلُومُ ثَلاَثَةٌ عِلْمٌ نَضَجَ وَمَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ النَّحْوِ وَالأُصُول، وَعِلْمٌ لاَ نَضَجَ وَلاَ احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ البَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَعِلْمٌ نَضَجَ وَاحْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الفِقْهِ وَالحَدِيثِ» (١). وانه لقول سديد ينبئ عن المراحل التي مرت بها العلوم الإسلامية الكبرى، ويصور النتائج التي انتهى إليها الباحثون بعد الموازنة بين تلك العلوم، وبعد المقارنة بين أصولها المؤصلة، وقواعدها المقررة، ومصطلحاتها الدقيقة.
ولقد جعل صاحب هذه الكلمة كُلاًّ من الفقه والحديث عِلْمًا وَاحِدًا، وأصاب وأحسن صنعًا، لأن فروع الفقه تشعبت عن التراث التشريعي الضخم الذي تركه حديث رسول الله في مختلف أبواب الحياة،
стр. 323
سواء أكان هذا الحديث تبيانًا لمجملات القرآن أم أصلاً تشريعيًا مستقلاً بعد كتاب الله. وما من ريب في أن هذا التداخل الوثيق بين الفقه والحديث قد قارب بين خطواتها في طريق التطور، وقارن بين مراحلهما المتعاقبة في سبيل النماء، فما أرسيت أصول الفقه إلا بعد أن وضعت اللبنة الأولى في بناء «علوم الحديث».
وبعد أن مر الحديث والفقه بطور التمهيد والتحضير، اتسع البحث فيهما وتنوع، ودارت حولهما المدارس الفكرية تنتصر للمأثور تارة وللرأي تارة أخرى، فنضجا مَعًا واحترقا مَعًا، وظلت الرابطة وثيقة بينهما لتماثلهما في النشأة الأولى، وتشابههما في خطاهما الكبرى، واستمرار تلاقيهما في خدمة التشريع، وتعبيد الطريق للتحقيق والتدقيق فإن نُرِدْ الآن تسميتهما باسم واحد لا نجد أدق في الدلالة عليهما من لقب (علم الحديث)، وكأنا حينئذٍ نستغني بأحدهما عن الآخر إيماء إلى مكانة الحديث خاصة في مسائل الفقه جميعًا، فلولا الحديث لما كان الفقه عِلْمًا مَذْكُورًا.
إن العلم الذي نضج ثم احترق إذن - من كثرة التصنيف فيه - هو علم الحديث أو «فقه الحديث»، وإن العلوم الأخرى- سواء أنضجت ولم تحترق كأصول النحو أم لم تنضج ولم تحترق كمناهج التفسير- قد تأثرت تأثرًا يتفاوت قوة وضعفًا، واتساعًا وعمقًا، بما وضعه نقاد الحديث من مقاييس، وَأَرْسَوْهُ من قواعد وأصول. ولئن نشأ الفقه في ظل الحديث ثم أضحى جزءًا لا يتجزأ من كله الكبير، فقد وجد التفسير أيضًا طريقه في رحاب الحديث حين عَوَّلَ المفسرون على السنة النبوية في تأويل كتاب الله، وظل التفسير بعد ذلك - كالفقه - جزءًا
стр. 324
من الحديث، حتى استقل علمًا قائمًا بذاته له مناهجه وأصوله، ولكنه - على استقلاله - ما انفك شديد الارتباط بحديث الرسول، ولو في جانب منه على الأقل: وهو جانب التفسير بالمأثور (١).
وهكذا احتج المفسرون بالعلم الذي نضج واحترق - وهو الحديث - تأييدًا للذي لم ينضج ولم يحترق وهو التفسير (٢)، كما احتجوا أيضًا على الفقه بالحديث، فَدَأَبَ الفقهاء المفسرون يحتذون مناهج المحدثين، وطبعت ألوان كثيرة من الفقه والتفسير بطابع الحديث.
تَأْثِيرُ الحَدِيثِ فِي أُصُولِ النَّحْوِ:
بقيت أصول النحو التي نضجت ولم تحترق، فَأَنَّى يكون تأثرها بالحديث؟ وما حاجة النحو - وهو العلم الدنيوي الإنساني - إلى أصل من أصول الدين، ودعامة من دعائم التشريع؟!.
ومن عَجَبٍ أَنَّا، في إجابتنا، نكاد نرى رأي العين تأثير الحديث في النحو وأصوله بنسبة من القوة لا تقل عن تأثير الحديث في الفقه والتفسير، ولكن الزاوية التي ننظر من خلالها الى التأثر والتأثير في هذا المضمار أصيلة مبتكرة ليس فيها شيء من التقليد.
وقبل أن نمضي في توضيح رأينا نود أن نلتزم - تَخَفُّفًا من ثقل
стр. 325
التعبير - أن مرادنا من «النحو» كلما ذكرناه في هذا الفصل أصوله الكبرى التي تشتمل على مسائل لغوية محضة اشتمالها على جزئيات نحوية صرفة: فأصول النحو هذه - على هذا الاصطلاح العام الشامل - هي التي تلقت تأثير الحديث، وأخذت من «منهجيته» الشيء الكثير.
على أن تأثير الحديث في أصول النحو - على اتساعه وعمقه وبعد مداه - كان على وجهين: أحدهما رافق نشأة علم الحديث قبل أن ينضج، والآخر شهد احتراق هذا العلم بعد أن نضج وآتى أكله اليانع الشهي!.
وليس لنا في الوجه الأول أن نغلو في هذا الثأثير ولا أن نطيل، فإنا لنتصور الآن نشأة التفكير بإسناد الحديث سَاذَجًا أَوَّلِيًّا في عصر الخلفاء الراشدين، ثم نتصور نشأة التفكير - سَاذَجًا أَوَّلِيًّا أيضًا - بوضع مسائل في النحو والعربية في عهد عَلِيٍّ آخر هؤلاء الراشدين، ونبصر القوم في هذا المضمار أو ذاك يُعْنَوْنَ بضبط روايتهم التي يستمدون منها مسألة نحوية عنايتهم بضبط التي يستنبطون منها حُكْمًا شَرْعيًّا: فأبو الأسود الدؤلي الذي اشتهر بأنه سبق إلى وضع مسائل في العربية (١) إنما عزا إلى عَلِيٍّ التفكير الأول في ذلك الأمر، وفي عزوه هذا ضرب من الإسناد يؤكد التبكير في إيضاح طريق التحمل والأداء ولو لم يتعلق المروي بموضوع ديني تشريعي. وأبو الأسود، كما نقل عن عَلِيٍّ هذه الرواية وأسندها، أخذ عنه الكثير من فتواه في الدين عَازِيًا إليه ما أخذ أوضح ما يكون العزو والإسناد. فما يُظَنُّ من صعوبة تحديد الوقت
стр. 326
الذى بدأ فيه الإسناد في رواية الحديث لم ينشأ إلا من قلة الرجوع إلى مصادر الحديث، لأن من العسير نفي تلك الآثار المستفيضة المتضافرة على أخذ بعض الصحابة من بعض، وإسناد أحدهم القول إلى أخيه، وتعضيد القول الواحد بما يثبته من أقوال الصحب الغر الميامين.
والقارئ الذي اطلع على فصلنا السابق عن «الاحتجاج بالحديث في التشريع»، وشهد معنا ما أشهدناه إياه من تناوب الصحابة مجلس النبي ﵇ لسماع العلم وتحمله وأدائه، ورأى الصور التي انتزعناها له من رواية بعض القوم عن بعض حتى في عصر النبي الكريم، ما نحسبه بحاجة إلى توكيد جديد لممارسة الرواية وما يتصل بها من الأسانيد، وما نحسبه يتردد في الحكم على الصحابة والتابعين بعزوهم الروايات لأصحابها عندما كانوا يحدثون.
تَبْكِيرُ القَوْمِ بِالرِّوَايَةِ المَصْحُوبَةِ بِالإِسْنَادِ:
وحين نقع على أخبار تومئ إلى أن بعض التابعين - كقتادة بن دعامة السدوسي- لم يكن يُسْنِدُ الحديث، تكون هذه الأخبار نفسها شاهدنا في أن معظم التابعين في مختلف الأمصار كانوا للحديث مسندين. ولولا ذلك لما حرص الراوي على استثناء قتادة - أو أي تابعي آخر سواه - من حكم عام لا يجهل أحد أنه - في ذلك العصر- كان يشمل الجميع.
ففي الطبقات الكبرى (١) على سبيل المثال قول حماد بن سلمة:
стр. 327
«كُنَّا نَأْتِي قَتَادَةَ فَيَقُولُ: بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ. وَلا يَكَاد يُسْنِدُ. فَلَمَّا قَدِمَ حَمَّادُ بْنُ أبي سُلَيْمَانَ البَصْرَةَ جَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ. فَبَلَغَ قَتَادَةَ ذَلِكَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سَأَلْتُ مُطَرِّفًا وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ. وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَ بِالإِسْنَادِ».
وظاهر هذا الخبر: أن قتادة ما أخبر بالإسناد إلا بعد أن أصابته عدوى حماد بن أبي سليمان لدى مقدمه البصرة، وفحوى هذا الخبر: أن كثيرًا من التابعين غير حماد بن أبي سليمان كانوا في أمصارهم يسندون، وهذا هو الذي نهضت به الحجة وقام عليه الدليل.
والحق أنه لم يكن بد للقوم من مُحَرِّضٍ يغريهم بإسناد الروايات أو السؤال عن إسنادها، وما كان إلى هذا الإغراء من حاجة في زمن الرسول ولا الصحابة الأولين، لأن القوم كانوا يصدق بعضهم بعضًا، ولا يكاد واحد منهم يتهم أحدًا، وإنما «كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ هِيَ الحَدُّ الفَاصِلُ بَيْنَ صَفَاءِ السُنّةِ وَخُلُوصِهَا مِنَ الكَذِبِ وَالوَضْعِ، وَبَيْنَ التَزَيُّدِ فَيهَا وَاتِّخَاذِهَا وَسِيلَةً لِخِدْمَةِ الأَغْرَاضِ السِّيَاسِيَّةِ وَالاِنْقِسَامَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ اتَّخَذَ الخِلاَفُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ شَكْلاً حَرْبِيًّا سَالَتْ بِهِ دِمَاءٌ وَأُزْهِقَتْ مِنْهُ أَرْوَاحٌ» (١). فبعد أن وقعت هذه الفتنة بدأ الناس يسألون عن الإسناد، «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أُخِذُوا حَدِيثَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ البِدْعَةِ تُرِكُوا حَدِيثَهُ» (٢)، لأن ما تركته الفتنة من
стр. 328
سَيِّئَ الآثار في النفوس كان مُحَرِّضًا طبيعيًا يغري كُلاًّ من الجانبين بوضع أحاديث في فضائل أحدهما دون الآخر، حتى قال الأديب الشيعي الكبير ابن أبي الحديد: «اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الكَذِبَ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشِّيعَةِ ... » (١).
والمهم أن الرواية المصحوبة بالإسناد عرفت - أول ما عرفت - في نقل سُنَّةِ النَّبِيِّ ﵊، لما كان لها من أثر في توجيه المسائل الفقهية والتشريعية. ومن عُنِيَ إلى ذلك - في صدر الإسلام - بروايات تتعلق بغير الدين أسند ما نقل كما وسعه الإسناد بألفاظ أقرب ما تكون إلى عفوية الورعين، وأبعد ما تكون عن جفاء اللفظيين من أصحاب الاصطلاح.، وعلى هذا، لم يكن الذين سبقوا إلى وضع مسائل في العربية مِمَّنْ عُدُّوا مؤسسي النحو في نشأته الأولى - بِدْعًا من الصحابة والتابعين الآخرين الذين أسهموا في نقل ما تيسر لهم من أخبار وآثار في مختلف الميادين، لأن أحدًا من هؤلاء وأولئك لم يكن يجد فاصلاً حقيقيًا بين رواة الأخبار بوجه عام ورواة الأحاديث النبوية بوجه خاص.
ونقول مع ذلك: إن التأثير العفوى الطبيعي الذي خَلَّفَهُ الحديث في أصول النحو، يوم فكر القوم في وضع أوائلها، إنما رافق نشأة علم الحديث قبل أن ينضج، فليس لنا أن نبالي فيه، ولا أن نغلو في أبعاده ومراميه، ولكنا - بعد نضج هذا العلم في القرن الثاني، ثم بعد احتراقه في القرن الثالث - مهما نَغْلُ في وصف ما كان للحديث من أثر في النحو وأصوله، وفي مختلف العلوم ومناهجها،
стр. 329
نَظَلُّ دون إيفاء علم الحديث حقة، فما من تيار فكري إسلامي إلا وله من عدوى الحديث حظ معلوم، إن لم يكن فيما حمله تراث النبوة من وصايا وَحِكَمٍ وتعاليم ففي طرق التحمل والأداء، وشروط الرواية والرواة، ومقاييس النقد والتجريح، وأساليب التصنيف والتخريج، ومعايير الموازنة والترجيح، فهذه كلها دخلت شواهد النحو، وسادت أبحاث اللغة، وارتفعت إلى أخبار الأدب، وتركت في الجميع أصداءها الشداد، عن طريق الرواية والإسناد!
عُلُومُ الأَدَبِ وَتَأَثُّرِهَا بِأَسَانِيدِ المُحَدِّثِينَ:
وتفصيل ذلك أن النحو والصرف ومسائل اللغة كلها شعب من علوم الأدب، فلا يستشهد عليها - كما قال الرعيني (١) - إلا بكلام العرب الأصيل، وهل من سبيل غير الرواية الصحيحة والإسناد الثابت المتصل للوقوف على كلام العرب القدامى الفصحاء؟
وأجمع العلماء - ولعلهم في إجماعهم قد أصابوا - «على أنه لا يحتج بكلام المولدين واالمحدثين في اللغة العربية، (٢)، وحملوا - عن طريق هذا الإجماع - إلى علوم العربية روايات لا ينالها الإحصاء
стр. 330
فيها كثير من شعر الجاهليين الذين لم يدركوا الإسلام، والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وفيها أحيانًا طائفة من الشعر الإسلامي الذي لم يدرك أصحابه من الجاهلية شيئًا (١). فهل تيسر لأحد منهم أن ينقل تلك الشواهد كلها من غير أن يتأثر، قليلاً أو كثيرًا، بطريقة المحدثين في إسناد الروايات؟.
ربما رفع ههنا بعض الباحثين المعاصرين عقيرتهم لينادوا بنا: بل تأثرت رواية الحديث برواية الشعر وأخبار الشعراء الجاهليين، فإن من الصحابة من أشار إلى أخذ الشعر وتلقيه عن بعض الشعراء قبل الاسلام، حتى قال عمر بن الخطاب لفرات بن زيد الليثي، وقد تمثل بشعر لأخيه: «هَذَا شِعْرُ أَخِيكَ قََسَامَةُ بْنَ زَيْدٍ، هُوَ أَنْشَدَنِيهُ وَعَنْهُ أَخَذْتُهُ» (٢). ولست أدري لماذا يأبى الباحثون - إزاء مثل هذا الخبر إن صح - إلا أن يعدوه دليلاً على إسناد الجاهليين أخبار الشعراء لمجرد كون الشعر المُتَمَثِّلِ به جاهليًا (٣)، لا يرون فيه قط أثرًا مما صنعه الإسلام في مثل عمر من الحرص على عَزْوِ كل قول إلى صاحبه ما دام معروفًا، إيثارًا للصدق والورع والأمانة ومكارم الأخلاق!.
стр. 331
وحتى لو عُدَّتْ الشواهد القليلة المروية من هذا القبيل - بأجمعها -حجة على سراية روح الإسناد بين الجاهليين، ولو فرض فوق ذلك كثرتها التي لا تحصى (وليس فقط هذا النزر القليل الذي لم يبلغنا منها سواه)، فمن ذا الذي قال: إن طريقة رواية تلك الشواهد - حتى بعد نضج علم الحديث واحتراقه - ظلت ساذجة أولية على النحو الذي حكيت به قبيل الإسلام أو في عهد الراشدين المهديين؟.
منذ أن اتسع القول في علوم الحديث، ووضعت الأصول الكبرى لمصطلحات الحديث، وشاعت بين الناس تلك القواعد والمصطلحات، بدأ الرواة يحرصون على رواية ما اتصل من الأسانيد، في كل ما أرادوا تعلمه أو تعليمه من الأخبار والسير والأشعار، وإن كانوا في ذلك كله أحرص على الورع والاحتياط في نقل أحاديث الرسول العربي الكريم.
فقد نستنتج إذن أن الناس - في عصر تصنيف العلوم - التزموا الإسناد المتصل في رواية الحديث، أو كانوا أشد التزامًا لاتصال الحلقات في هذا الضرب من الرواية الدينية (١)، ثم من حقنا - بل يجب علينا أيضًا- أن نستنتج أن أولئك الناس أنفسهم كانوا رواة لشواهد اللغة والنحو من الشعر وما كان من قبيله، فكانوا فيها ربما يَتَخَفَّفُونَ شَيْئًا ما من حَرَجِ الرواية الدينية، ولكنهم ما كانوا يتساهلون في شيء من ذلك تساهلهم في الجاهلية، لأن نقاد الحديث تركوا فيهم من الأثر العميق ما لا يزول حتى بالجهد والمعاناة!.
стр. 332
الفَصْلُ الرَّابِعُ: الاِحْتِجَاجُ بِالحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ:
تَحَرُّجُ الأَئِمَّةِ مِنْ رِوَايَةِ الحَدِيثِ:
إذا كان إمام كالأصمعي يتجنب رواية الحديث حتى «لَمْ يَرْفَعْ مِنْهُ إِلاَّ أَحَادِيثَ يَسِيرَةً» (١)، فذلك يعني أن الخوف من الكذب على رسول ﷺ أدركه كما أدرك الرعيل الأول من الرواة العلماء، فاختاروا لأنفسهم السلامة في دينهم ورعًا واحتياطًا، ولا ريب أنهم في رواية الشعر كانوا أسلم منهم في رواية الحديث، مع أن الورع لم يكن يزايلهم قط في رواية غير الحديث: فشعبة بن الحجاج مثلاً من أكبر أئمة الحديث، ويكاد يكون شغله الوحيد رواية السُنَّةِ للناس، ولكنه يميل أحيانًا إلى تزجية الوقت برواية شيء من الشعر، فيتناشد منه الكثير ذات يوم مع أبي زيد سعيد بن أوس، ويعجب لهذا بعض أصحاب الحديث فلا يملكون إلا أن يقولوا لشعبة: «" يَا أَبَا بَسْطَامٍ، نَقْطَعُ إِلَيْكَ ظَهْرَ الإِبِلِ
стр. 333
لَنَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَدَعُنَا وَتُقْبِلُ عَلَى الأَشْعَارِ! " لَكِنَّ شُعْبَةَ يُجِيبُهُمْ فِي غَضَبٍ شَدِيدٍ: " يَا هَؤُلاَءِ، أَنَا أَعْلَمُ الأَصْلَحَ لِي، أَنَا، وَالذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فِي هَذَا أَسْلَمُ مِنِّي فِي ذَاكَ "» (١).
وإنما كان الرواة في إقبالهم على الأشعار أسلم منهم في انكبابهم علي الأحاديث، لأنهم - عند رواية السُنَّةِ - تغلب عليهم صفة «التحديث» التي تستدعي التحقيق والتدقيق، فيعنون بألفاظ المتون (٢) عنايتهم بسلسلة الأسانيد، وهم في رواية الأشعار أيضًا يفضلون الدقة البالغة والحذر الشديد، ويتأثرون من غير أن يشعروا بصفة «التحديث» إلا أنهم لا يستسلمون أمامها استسلامًا مطلقًا، فإن لهم في الأعاريض لمندوحة عن الكذب، كما قال الصحابي عمران بن حصين عندما قدم البصرة وأكثر فيها من رواية الأشعار بدلاً من الأحاديث، مع أنه كان يقسم: إنه لو شاء لحدث عن رسول الله ﷺ يومين متتابعين (٣)!.
الاِحْتِجَاجُ بِالحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ:
أفلا تعجب - بعد هذا كله - كيف احتج معظم النحاة المتقدمين برواية الأشعار، ورفضوا الاحتجاج بالحديث؟ ألا تأخذك الدهشة وأنت تراهم يقبلون على الروافد الصغيرة ويتركون النبع مهجورًا؟.
لا نقول: إن رواة الأخبار الأولين كانوا كذابين أو وضاعين، بل لا نقول: إنهم جميعًا في رواية الأشعار كانوا متساهلين، وما نظن
стр. 334
إلا أنهم حاولوا ما وسعهم الأمر أن يكونوا في كل ما يَرْوُونَ صادقين حذرين محتاطين، ولكن حزم أهل الحديث لم يكن يدركهم إِذَا أَرْسَلُوا مُسْنَدًا، أَوْ أَسْنَدُوا مُرْسَلاً، أو قطعوا موصولاً، أو وصلوا مقطوعًا، أو أدخلوا رواية في رواية، فإن لهم عذرهم على كل حال، وإنما يتمثل هذا العذر في أخذ معظمهم أخبار الأدب وشواهد النحو واللغة من رجال لم يشهدوا العصر الجاهلي، فلا عليهم إذا سقطت بعض حلقات الإسناد، ولا ضير - حين تسقط هذه الحلقات - في سد الفجوات، وملء الفراغات، وتدليس التسوية (١) تعويضًا لشخص بآخر يعاصره، وترميمًا لسلسلة الإسناد حتى تخلو من الانقطاع!.
ولا نقول مع ذلك: كان رواة الأشعار وضاعين، ولا متساهلين، ولا متعمدين للتمويه والتدليس، فقد أَخَذَهُمْ من عدوى أهل الحديث ما أَخَذَهُمْ، وقد كان في تهربهم نفسه من رواية الحديث أوضح دليل على تأثرهم بمصطلحات المحدثين، وخوفهم من عصا المؤدب الذي لا يرحم، ومن شبحه الغالي في الرصانة، المبالي في الحذر، الذى يريد ليكون تلامذته كلهم في كل ما يَرْوُونَ من شؤون الدنيا أو أصول الدين أصدق الناس لهجة، وأصرحهم وجهًا، وأخلصهم حديثًا.
لكنا نعجب مرة أخرى للنحاة الأولين: كيف طَوَّعَتْ لهم أنفسهم أن يهجروا حديث الرسول وهم يحتجون، ويلتمسون الشواهد لما يُبَوِّبُونَ وَيُفَصِّلُونَ، مع أنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن شروط المحدثين في المشافهة والإسناد تضمن لهم أصدق الأخبار وأقومها قِيلاً!
стр. 335
يفسر بعض الباحثين المعاصرين هذا الموقف العجيب أدق تفسير وأوفاه حين يقول: «ولكن ذلك - أي الاحتجاج بالحديث - لم يقع كما ينبغي، لانصراف اللغويين والنحويين المتقدمين الى ثقافة ما يزودهم به رواة الأشعار خاصة، انصرافًا استغرق جهودهم، فلم يبق فيهم لرواية الحديث ودرايته بقية، فتعقلوا لعدم احتجاجهم بالحديث بعلل، كلها وارد بصورة أقوى على ما احتجوا به هم أنفسهم من شعر ونثر» (١).
لِمَاذَا مَنَعُوا الاِحْتِجَاجَ بِالحَدِيثِ ؟:
وأقوى ما تَعَلَّلَ به مانعو الاحتجاج بالحديث أنهم لم يثقوا بأن تلك المرويات المتعددة المتكاثرة كلها من لفظ النبي ﷺ أفصح العرب قاطبة، و «إنما ترك العلماء ذلك - كما يقول أبو حيان الأندلسي - لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية» (٢). ويفسر أبو حيان موقف المانعين بأمرين: أحدهما تجويز الرواة نقل القصة الواحدة بألفاظ مختلفة مع أن النبي ﵇ لم ينطق بتلك الألفاظ جميعًا، وإنما أتى أولئك الرواة بالمرادف ولم يأتوا باللفظ النبوى الفصيح (٣)، والآخر وقوع كثير من اللحن فيما روي من الحديث «لأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرُّوَاةِ كَانُوا غَيْر عَرَبٍ
стр. 336
بِالطَّبْعِ، وَلاَ يَعْلَمُونَ لِسَانَ العَرَبِ بِصِنَاعَةِ النَّحْوِ، فَوَقَعَ اللَّحْنُ فِي كَلاَمِهِمْ وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ» (١).
الرد كل المانعين:
-----------------
والحق أن تجويز الرواية بالمعنى قد أحيط - عِنْدَ المُجَوِّزِينَ - بشروط لم تتوافر إلا في الصحابة والتابعين وكبار أئمة الفقهاء والرواة ممن كانت لغتهم سليقة، وَجِبِلَّتِهِمْ عربية، فلو غَيَّرَ أَحَدُهُمْ - وهو العربي المطبوع - لفظًا بلفظ آخر مرادف له، لكان على النحاة تفضيله على غيره من كلام العرب، لأن تقلب صاحبه في البيئات العربية الفصحى لا يسمح قط بالتردد في قبوله والأخذ به، لذلك قال الإمام أحمد بن حنبل في الشافعي: «إِنَّ كَلاَمَهُ فِي اللُّغَةِ حُجَّةٌ» (٢).
هذا على فرض رواية أولئك الأسلاف الصالحين على المعنى، وعلى فرض تساهلهم جميعًا في الحديث المرفوع كتساهلهم في غيره، ثم على فرض الإجماع على إباحة الرواية بالمعنى إطلاقًا للجميع في عصر الرواية والتدوين، ولكن الواقع خلاف هذا من كل وجه: فالرعيل الأول من الرواة كانوا يتشددون في الرواية باللفظ والنص، ولا يتساهلون حتى بالواو والفاء، وَكَانَ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمْ - كَمَا قَالَ الأَعْمَشُ -: «أَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِي الحَدِيثِ وَاوًا، أَوْ أَلِفًا، أَوْ دَالاً» (٣)، وما أكثر الأمثلة التي تشير إلى تردد الراوي بين لفظين حرص الراوي
стр. 337
نفسه على التصريح بكل منهما مخافة أن يلفظ بغير لفظ النبي ﵇! (١).
ومن الأئمة من تشدد في منع الرواية بالمعنى في الحديث المرفوع إلى النبي، وإنما كانوا يتساهلون في الموقوف على الصحابي، والمقطوع عند التابعي، لأنهم كانوا يعتقدون أن التحفظ الكامل ينبغي أن يكون في حديث رسول الله نفسه، لما له من مكانة في التشريع (٢).
وقد رأينا كيف منع بعض المحققين من العلماء غير الصحابة من رواية الحديث بالمعنى، وإن استوفوا مراد الرسول ﷺ لدى تبديل لفظه بمرادفه، وعقلوا هذا بأن الإباحة لو أطلقت لما كان أحد على ثقة من الأخذ بالحديث (٣)، ولا ريب أن فرص الرواية على المعنى - بعد هذا التشدد كله، وهذا التضييق من كل جانب - أمست قليلة بل نادرة الوقوع، وأن هذا الضرب من الرواية - على فرض وقوعه - كان مقصورًا بعد عصر التدوين على العالم بالنحو والصرف العارف بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، القادر على أداء الحديث خاليًا من اللحن فإن النبي ﷺ لم يكن يلحن، فمن روى عنه شيئًا ولحن فيه كذب عليه، وتبوأ مقعده من النار (٤).
стр. 338
وإن طائفة غير يسيرة من الأحاديث التي فيها ما يشبه اللحن لتفسر - في نظرنا أحيانًا كثيرة - بتحرج الرواة واحتياطهم في التحمل والأداء، فكان بعضهم - لشدة أمانته - يلحن كما يلحن الراوي ما دام اللفظ الذي يرويه لا يحيل المعنى ولا يفسده (١)، ومن هاهنا نادى أهل التحقيق بوجوب رد الحديث إلى الصواب، إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب! (٢) فمن ذلك أَنَّ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الحُلْوَانِيِّ قَالَ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي، عَنْ عَفَّانَ لَحْنًا فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ عَفَّانَ كَانَ لاَ يَلْحَنُ» وَقَالَ عَفَّانُ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لَحْنًا فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ حَمَّادًا كَانَ لاَ يَلْحَنُ» وَقَالَ حَمَّادٌ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي عَنْ قَتَادَةَ لَحْنًا فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ قَتَادَةَ كَانَ لاَ يَلْحَنُ» (٣).
خلاصة البحث:
---------------
وإن هذه المقاييس التى أخذ بها المحدثون أنفسهم لدى رواية المتون - إلى جانب ما التزموه من دقة بالغة لدى رواية الأسانيد - لتؤكد تأكيدًا قاطعًا أن مانعي الاحتجاج بالحديث من اللغويين والنحويين المتقدمين ارتكبوا خطأ جسيمًا حين تَعَلَّلُوا بأن مرويات الحديث لا تؤنس الثقة بأنها من لفظ النبي العربي الكريم: فإن هؤلاء المانعين أنفسهم عرفوا - كما عرف المجيزون - «أَنَّ مَا فِي رِوَايَاتِ الحَدِيثِ مِنْ ضَبْطِ
стр. 339
وَدِقَّةٍ وَتَحَرٍّ لاَ يَتَحَلَّى بِبَعْضِهِ كُلُّ مَا يَحْتَجُّ بِهِ النُحَّاةُ وَاللُّغَوِيُّونَ مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ» (١).
على أنا نلتمس بعض العذر للمتقدمين من أولئك اللغويين والنحويين - إن لم نعلل بما تعللوا به من الريبة في الحديث - فنرى «شُحَّ المَوْرِدِ» (٢) وندرة الرواية، وقلة التصنيف، من أقوى الأسباب التي حملت القوم على «انْتِجَاعِ الجَدْبِ فِي غَيْرِ الحَدِيثِ وَالخَصْبُ مُحِيطٌ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ» (٣). فيما صحت يومئذٍ روايته عن رسول الله ﷺ .
وفي ضوء هذا التفسر، يمكننا أن نفهم سر الامتناع عن الاحتجاج بالحديث، الذي عَزَوْهُ إلى واضعي النحو الأولين أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من الأئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن مبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين (٤). كما أنا، في ضوء هذا التفسير نفسه، يمكننا أن نفهم سِرَّ احتجاج المتأخربن من اللغويين بأحاديث الرسول في معجماتهم التي اشتملت على أنقى الألفاظ وأفصحها مصحوبة بشروحها وشواهدها، كما في " تهذيب " الأزهري، و" صحاح " الجوهري، و " مقاييس " ابن فارس، و " فائق " الزمخشري، وكما في مسائل كبار النحويين كابن خروف وابن جني وابن بري والسهيلي، حتى قال ابن الطيب من أصحاب هذا المذهب (٥):
стр. 340
«لا نعلم أحدًا من علماء العربية خالف في هذه المسألة ما أبداه الشيخ أبو حيان (- ٧٤٥ هـ) في " شرح التسهيل "، وأبو الحسن [ابن] الضائع (- ٦٨٠ هـ) في " شرح الجمل "، وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي (- ٩١١ هـ)».
«وأغلب الظن - كما يقول الأستاذ سعيد الأفغاني -: أن من لم يستشهد بالحديث من المتقدمين لو تأخر به الزمن إلى العهد الذي راجت فيه بين الناس ثمرات علماء الحديث من رواية ودراية لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم، ولما التفتوا قط إلى الأشعار والأخبار التي لا تلبث أن يطوقها الشك إذا وزنت بموازين فن الحديث العلمية الدقيقة» (١).
وبهذا المذهب المنطقي السليم لا نملك إلا أن نرد قضية الاحتجاج إلى معيار لا يخطئ أبدًا: وهو معيار الفصاحة والصفاء والسلامة من الفساد، فلا يحتج في الحديث ولا في غيره بمن لابس الضعف لغته، وخالطت العجمة كلامه، وتسربت الركة إلى لفظه مهما يَسْمُ مقامه. وكان هذا المعيار الدقيق كفيلاً - لو عرفه اللغويون المتقدمون في وقت مبكر - بإرساء قواعد اللغة وأصول النحو على دعائم ثابتة قوية، وبقطف ثمار تلك الأصول في نتاج نحوي غني بالشواهد كنتاج ابن مالك وابن هشام، من رجال النحو المتأخرين وأئمته الأعلام.
стр. 341
البَابُ الخَامِسُ: طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ:
стр. 342
الفَصْلُ الأَوَّلُ: ابْنُ سَعْدٍ وَمَنْهَجُ التَّصْنِيفِ فِي " الطَّبَقَاتِ ":
تَمْهِيدٌ:
لقد كان جمع الحديث وتلقيه والرحلة في طلبه وتدوين المصنفات للثقافة العربية الإسلامية الأولى بجميع علومها النقلية المعتمدة، المُعَوِّلَةِ على الإسناد، فكل ما نعرفه من التاريخ والسيرة، والمغازي والفتوح، والتراجم والطبقات، وحتى تفسير القرآن وعلوم القراءات تشعب عن جمع الحديث وروايته، إذ كان الحديث في صورته الأولى التي نشأ عليها يشمل ذلك كله في أذهان الرواة وذواكر الحفاظ. إلا أن هذه المعلومات الجزئية التفصيلية أخذت تستقل بأسمائها وموضوعاتها عن الحديث رويدًا رويدًا، وأضحى كل منها فيما بعد علمًا قائمًا برأسه.
وكتب الطبقات لون من هذه الثقافة الإسلامية الأولى المتفرعة عن تدوين الحديث وجمع الروايات، وفيها نعثر على تراجم الرواة،
стр. 343
وأحوالهم عصرًا بعد عصر، وطبقة بعد طبقة (١). وإنما يعنينا - في هذا الفصل - أن نعرف ما لا يسعنا جهله عن هذه الطبقات، وعن مصادرها الأساسية، وتسلسل المشتغلين بهذا اللون من الدراسة التاريخية النقدية.
وما تكاد لفظة «الطبقات» تلقى حتى يطوف في الأذهان ذكر كتاب " الطبقات الكبرى " لابن سعد، لأنه من أول الكتب في علم الطبقات (٢)، ولا ريب أن خير ما نصنعه تحليل هذا الكتاب لنقف على حقيقة هذه الدراسات، وعلى مناهج المصنفين فيها. ونبدأ أولاً بكلمة عن صاحب هذه " الطبقات ".
ابْنُ سَعْدٍ، حَيَاتُهُ وَأَخْبَارُهُ:
هو محمد بن سعد بن منيع الزهري، لأنه كان من موالي بني زهرة، الهاشمي أيضًا لأن أحد أجداده كان مولى للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس من الهاشميين. ولد بالبصرة سنة ١٦٨هـ. ولذلك نسب إليها فقيل (ابن سعد البصري)، ثم رحل إلى المدينة والكوفة وبغداد، ولا بد أن تكون رحلته إلى المدينة قبل سَنَة ٢٠٠ هـ.، لأنه لقي فيها بعض الشيوخ وأخذ عنهم سَنَةَ ١٨٩ هـ، وقد لقي في المدينة رجال الرواية المشاهير، لأن المدينة دَارُ السُنَّةِ، والإقليم الأول الذي انطلقت منه رواية الأحاديث. أما بغداد فإنه لما ارتحل إليها أقام فيها حتى توفي سَنَةَ ٢٣٠ هـ، فيكون قد عاش اثنتين وستين عَامًا. وفي بغداد
стр. 344
لازم المؤرخ الكبير الواقدي صاحب " الطبقات " و" المغازي "، وظل يكتب له حتى عرف باسم «كاتب الواقدي»، وَعَدَّهُ المؤرخون نفحة من نفحاته الخالدة. ولم يُعْزَ إليه في كتب التراجم التي وصفت حياته وسيرته إلا ثلاثة كتب أحدها هذه " الطبقات الكبرى "، والثاني كتاب قدموه لنا باسم " الطبقات الصغير " والثالث " أخبار النبي " الذي لم ينسب إليه ابن النديم في " فهرسته " سواه، ويرجح بعض الباحثين - ونحن معهم - أن الكتب الثلاثة ليست في حقيقتها إلا كتابًا واحدًا، لأن محتوى كتاب " الطبقات الصغير " وكتاب " أخبار النبي " وارد على ما يبدو في الجزئين الأولين من هذه " الطبقات الكبرى ". وليس معنى هذا أن ابن سعد لم يؤلف حَقًّا غير هذا الكتاب، ولكن هذا مجمل ما ألقته كتب التراجم على ابن سعد وتآليفه من أضواء. ولئن لم يكن له إلا هذه " الطبقات الكبرى " فإنها وحدها تَنِمُّ عن علمه الغزير، وحافظته القوية، واتصاله الوثيق بمنابع الرواية ومصادر التاريخ في عصره.
مَصَادِرُهُ الأَسَاسِيَّةُ:
كانت مصادره في " طبقاته " على نوعين: مصدر المشافهة والسماع كأكثر المحدثين والمؤرخين في عصره، ومصدر الكتابة، وهو ضيق محدود. وما دمنا نتكلم عن " الطبقات " بشكل خاص، فإن الأمانة العلمية تفرض علينا أن نقول: إن صاحبنا عَوَّلَ بالدرجة الأولى على النقل المباشر من أفواه الشيوخ، وحتى ما تلقاه عن شيخه الواقدي في كتابه " الطبقات " أخذه عنه بالمشافهة إلى جانب أخذه إِيَّاهُ من الكراريس والقراطيس.
والأمانة العلمية تفرض علينا أيضًا أن نقول: إن أحدًا غير الواقدي لم
стр. 345
يسبق ابن سعد في تأليف سُمِّيَ صراحة باسم " الطبقات ".
ولم يكد يفوت ابن سعد التلقي المباشر عن أحد من رجال الحديث المشاهير في عصره، ومن سنذكرهم من شيوخه على سبيل المثال يكفينا سرد أسمائهم لنعرف نوع البيئة العلمية التي كان ابن سعد يحيط بها نفسه: فلقد لقي وكيع بن الجراح وسليمان بن حرب وَهُشَيْمٍ بن بشير وأبا نُعَيْمٍ الفَضْلَ بْنُ [دُكَيْنٍ] وسفيان بن عُيينة والوليد بن مسلم وأبا الوليد الطيالسي ومحمد بن سعدان المقرئ الضرير. وذلك ما أتاح لنقاد الحديث المتأخرين عن عصره والذين كانوا بُعَيْدَهُ بقليل أن يثنوا عليه وَيُزَكُّوهُ وَيُعَدِّلُوهُ ويقولوا فيه: «صَدُوقٌ ثِقَةٌ يَتَحَرَّى فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ»، حتى فضله [بعضهم] على شيخه الواقدي، فقال السخاوي مثلاً: «ثِقَةٌ مَعَ أَنَّ أُسْتَاذَهُ ضَعِيفٌ».
كَلِمَةٌ فِي شَيْخِهِ الوَاقِدِي:
ولا بد من كلمة في أستاذه الواقدي هذا - وإن قالوا فيه: «ضَعِيفٌ» - فهو محمد بن عمر بن واقد الواقدي، كان من موالي بني هاشم. وكان مولده بالمدينة سَنَةَ ١٣٠ هـ، في خلافة مروان بن محمد، صاحب الخليفة هارون الرشيد في رحلة إلى الحج سَنَةَ ١٧٠هـ، وزار معه المدينة، ودله على المشاهد ومواقع الغزوات، فأعجب به الرشيد، ثم طلب إليه وزير الرشيد يحيى بن خالد البرمكي أن يصير إليه في العراق إذا استقرت به الدار، واتصل به الواقدي ووجد لديه كل إعزاز وتكريم. وخرج بعد ذلك إلى الشام والرقة، ثم عاد إلى بغداد حيث ولاه المامون قضاء «عسكر المهدي» ولم يزل قاضيًا حتى مات ببغداد
стр. 346
سنة ٢٠٧هـ أو سنة ٢٠٩هـ.
وقد تيسر للواقدي أن يأخذ العلم من أفواه الرعيل الأول من الرواة والحفاظ أمثال مالك بن أنس إمام أهل المدينة، وسفيان بن سعيد الثوري، ومعمر بن راشد، وكان معاصرًا لمحمد بن إسحاق صاحب " السيرة " المشهورة، إلا أنه كان أصغر منه سِنًّا، ويعدونه الثاني بعد ابن اسحاق في سعة العلم بالتاريخ والسير والمغازي والفتوح. لكن أكثر علم الواقدي بالمغازي جاءه من نجيح السندي المعروف باسم أبي معشر السندي المتوفى سنة ١٧٠هـ ببغداد، وقد استقدمه الخليفة المهدي معه إلى بغداد حين جاء يزور المدينة وسمع بعلمه وفضله. ومع أن الحفاظ والنقاد يطعنون في بعض روايات أبي معشر هذا لكثرة ما يرويه من المناكير، كانوا يتفقون على بصره بالمغازي وخبرته التامة بسيرة النبي وبالفتوح. حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: «أَبُو مَعْشَرَ بَصِيرٌ بِالمَغَازِي».
لا عجب إذن إذا طبقت كتب الواقدي في الطبقات والتاريخ والمغازي شرق الأرض وغربها كما يقول الخطيب البغدادي في ترجمته، فإنه تلقى كل ما يتعلق بتفصيلاتها وجزئياتها الدقيقة من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ومن الموالي، ومن الرواة والعلماء، ومن أبي معشر صاحب المغازي أولاً وبالذات، ثم إنه ما علم غزوة إلا مضى إلى الموقع الذي وقعت فيه أحداثها ليعاينه بنفسه ويراه ويحسن وصفه ويتقصى أبسط الأخبار فيه.
ولا يعنينا من تآليف الواقدي التي زعموا أنها بلغت ست مائة قِمَطْرٍ من الكتب حُمِلَتْ على عشرين ومائة وَقْرٍ أو «حِمْلِ» -
стр. 347
لا يعنينا منها كتابه المسمى " التاريخ الكبير " الذي رتبه على أخبار السنين وأحداثها وأفاد منه الطبري كثيرًا في " تاريخه "، وكان آخر ما اقتبس منه حوادث سنة ١٧٩ هـ، ولا كتابه في " الردة " الذي سرد فيه أخبار المرتدين عن الإسلام بعد وفاة الرسول، ولا كتابه المشهور " المغازي " الذي لم يصح له من تصانيفه سواه ولم يصل إلينا أيضًا سواه، وإنما يعنينا كتابه الذي لم يصلنا، وهو كتاب " الطبقات " الذي ذكر فيه سير الصحابة والتابعين على حسب طبقاتهم، ووصف أخبارهم في العصرين الإسلامي والأموي بوجه خاص، وَعَوَّلَ فيما ذكره من أخبارهم على نحو خمسة وعشرين شيخًا أكثرهم من أهل المدينة دَارَ السُنَّةِ وبلد الرواية الصحيحة، وكان هؤلاء الرواة هم الذين أخذ عنهم مغازيه أيضًا كما ذكر في أوائل كتابه " المغازي ": ذلك بأن هذه " الطبقات "- وإن لم تصل إلينا بالصورة التي وضعها مؤلفها - بلغتنا على نحو أدق وأصفى فيما نقله التلميذ عن الشيخ، وما كان التلميذ ها هنا إلا محمد بن سعد بن منيع صاحب " طبقاتنا " هذه.
بَيْنَ الشَّيْخِ وَالتِّلْمِيذِ:
لقد جَرَّحَ بعض نقاد الحديث الواقدي الشيخ، واتهموه بالتساهل أحيانًا وبتركيب الأحاديث أحيانًا أخرى، - قال الإمام أحمد بن حنبل: «الوَاقِدِيُّ يُرَكِّبُ الأَسَانِيدَ» وقال يحيى بن معين: «أَغْرَبَ الوَاقِدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ». وقالوا أيضًا: إنه كان يجمع الأسانيد المختلفة ويجيء بالمتن واحدًا، مع أن جزءًا من المتن لراو معين وجزءًا آخر لراو آخر، وقالوا، إنه كان يأخذ من الصحف
стр. 348
والكتب والكراريس، وهم لا يحبون للراوي أن يروي إلا ما سمعه بأذنه مخافة التحريف والتصحيف، وحسن الظن به بعضهم الآخر كالإمام مالك بن أنس الذي كان يفضل روايته على ابن إسحاق، وكأبي عبيد القاسم بن سلام، وكالإمام الشافعي، ولكن جمهرة المحدثين على التردد في أمره ولا سيما لما عرفوه عنه من شدة اتصاله بالعباسيين حتى تلاعب ببعض الأخبار جريًا مع هواه لبني العباس، فحذف اسم العباس عم النبي من قائمة الأسرى الذين وقعوا يوم بدر في أيدي المسلمين، كأنه عز عليه - وهو العباسي الهوى - أَنْ يُؤْسَرَ عَمُّ النَّبِيِّ الكَرِيمِ. لكن هذا التردد في قبول أخبار الرجل لم يكن له فيما يتعلق بابن سعد خاصة إلا أَصْدَاءٌ خِفَافٌ، فإن أكثرهم قالوا - كما أسلفنا -: «ثِقَةٌ مَعَ أَنَّ أُسْتَاذَهُ ضَعِيفٌ».
إن ابن سعد - كما قال ابن النديم بحق - «أَلَّفَ كُتُبَهُ مِنْ تَصْنِيفَاتِ الوَاقِدِيِّ»، فإنه لا يكاد ينسى في طبقة ترجم لها أو باب عقده لغزوة من غزوات النبي اسم شيخه الواقدي في سلسلة الإسناد، بيد أنه - رغم ذكره إياه - يغربل الرواية التي يذكرها له، أو يعضدها برواية أخرى لغيره من المشتغلين بالأنساب والمغازي والفتوح، فهو مثلاً حين يتحدث عن الوفود التي وفدت على الرسول لا يكتفي برواية شيخه الواقدي بل يضع إلى جانب اسمه هشام بن محمد بن السائب الكلبي. وربما اتفق له أن يجدد بعض الفصول التي لم يجد لشيخه فيها رواية، كمباحثه في كنية رسول الله، وما كان رسول الله يَعُوذُ بِهِ وَيُعَوِّذُهُ بِهِ جبريل، وأنساب الجاهليين وسير الأنبياء والأمم السابقة التي اتضح أن الواقدي لم يكن يحتفل بأمرها كثيرًا.
стр. 349
أَهَمُّ مُحْتَوَيَاتِ الكِتَابِ:
إن " طبقات " ابن سعد كتاب ضخم غزير المادة حاول صاحبه أن يجعله في خمسة عشر مجلدًا يعرض فيها سير المحدثين والأخباريين والنسابين في عصر الرسول والتابعين وعصره الذى عاش فيه. وروى لنا هذه " الطبقات " عن ابن سعد تلميذه الحارث بن أبي أسامة، فلذلك نجد في بعض الفصول بين الحين والحين مثل هذه العبارة: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنْ ُسَعْدٍ»، وهذا يدل على آن راوي النص التلميذ وليس ابن سعد نفسه. وبهذا نعقل سر اكتفاء ابن سعد بتسجيل ما بلغه من الأخبار بدقة بالغة من غير أن يعقب عليها إلا في النادر القليل. وبعض الكتاب كان من رواية الحسن بن فهم تلميذ ابن سعد كَأَنَّ هذين التلميذين تقاسما رواية هذه " الطبقات الكبرى ".
ولقد ملأ ابن سعد سواد الجزئين الأولين بسيرة الرسول، مُمَهِّدًا لذلك بذكر مَنْ وَلَدَ رَسُولَ اللهِ من الأنبياء، وذكر حواء وإدريس ونوح وإبراهيم وإسماعيل والقرون والسنين بين آدم ومحمد، وذكر تسمية الأنبياء وأنسابهم، وذكر مَنْ وَلَدَ النبي مَنْ وَلَدَ حتى آدم، وأمهات النبي وأجداد النبي قصي وعبد مناف وهاشم وعبد المطلب، وذكر أبيه عبد الله وأمه آمنة بنت وهب حتى يصل إلى مبعث الرسول، ونزول الوحي عليه، ثم يبلغ الحديث عن هجرته، فيصف غزواته واحدة واحدة، ويصف ما وفد عليه من الوفود، ويتحدث بعد ذلك عن الذين كانوا يُفْتُونَ بالمدينة على عهد الرسول، ثم يترجم بعد ذلك للصحابة والتابعين فيملأ بتراجمهم جميعًا، الأجزاء الباقية من " طبقاته " إلا الجزء الأخير الذي عقده للنساء خاصة.
стр. 350
مَنْهَجُهُ فِي " الطَّبَقَاتِ ":
و" الطبقات " ينبغي أن يراعى فيها بالدرجة الأولى عنصر الزمان. وفد تنبه إلى ذلك ابن سعد، فكانت السابقة إلى الإسلام نقطة الانطلاق الزماني، في حديثه عن المهاجرين إلى الحبشة، أو عن البدريين الذين شهدوا وقعة بدر، أو من أسلم قبل فتح مكة، ولهذا بدأ بالمهاجرين البدريين ثم بالأنصار البدريين ثم بمن أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وإنما هاجر إلى الحبشة أو شهد بَدْرًا، ثم من أسلم قبل فتح مكة وهكذا، ويشبه هذا ما صنعه الخليفة عمر حين دَوَّنَ الدواوين، ولعل ابن سعد راعى فيه من تلقاء نفسه ما صنعه عمر.
على انه لم يغفل كذلك عنصر المكان، فترجم للصحابة على حسب الأمصار التي حلوها، فسمى من كانوا بالمدينة أو مكة أو الطائف أو اليمن أو اليمامة، ومن نزلوا الكوفة، ومن نزلوا البصرة، ومن فضلوا البقاء بالشام أو مصر. ومثل هذا المنهج الزماني المكاني لوحظ أيضًا في " الطبقات " أثناء تراجم التابعين، فقد ترجم لهم في " طبقاته " على هذا النمط نفسه، وتتراجع مدة الطبقة في رأيه خلال عشرين سَنَةً تَقْرِيبًا، وقد جرت بهذا عادة كثير من أصحاب الطبقات ورجال التراجم والسير.
وأهم ما في كتاب " الطبقات " تراجم الصحابة أولاً، وكبار التابعين ثانيًا، لأن هؤلاء هم أقرب الناس إلى عهد الرسول، فكل ما يروى عنهم من المعلومات الدينية والتاريخية يؤخذ به دون تردد. وقد اصطلح ابن سعد على أن يجعل الصحابة خمس طبقات: ١ - طبقة المهاجرين البدريين ٢ - طبقة الأنصار البدريين ٣ - طبقة الذين أسلموا قديمًا
стр. 351
ممن هاجروا إلى الحبشة أو شهدوا وقعة أُحُدٍ ولكن لم يشهدوا بدرًا ٤ - من أسلم قبل فتح مكة ٥ - من أسلم بعد فتح مكة.
وفي هذا التقسيم الطبقي الذي أخذ به ابن سعد - وفضله أصحاب الطبقات بعده، عيب واضح لكنه لا مفر منه: وهو تداخل بعض أشخاص الطبقات فيما بينهم. فقد يكون المترجم من طبقة المهاجرين البدريين، ثم يتاح له أن يهاجر إلى بعض البلدان أثناء الفتوح، ثم يكون ممن حلوا مدة طويلة في المدينة يفتون، فلم يكن بُدٌّ من أن يترجم له ابن سعد في طبقته الحقيقية، ثم يضطر لترجمته في موضعين آخرين أو أكثر، إلا أن ابن سعد التفت الى هذا فجعل الترجمة المفضلة المسهبة هي الواردة لدى طبقة الشخص المترجم وليس تبعًا لبعض ما امتاز به من الخصائص الأخرى.
عِنَايَتُهُ بِالأَنْسَابِ:
ومع أن ابن سعد خَصَّ كتابه باسم " الطبقات "، وكان متوقعًا ألا يشمل إلا التقسيم الطبقي، إلا أنه أبدى اهتمامًا ظاهرًا بالتاريخ الجاهلي خلافًا لأستاذه الواقدي. ونراه هنا يعتمد على هشام بن محمد بن السائب الكلبي الذي كان كأبيه نَسَّابَةً يحسن التمييز بين أحساب العرب القدامى. وذلك يعني أن ابن سعد يعرف الأنساب معرفة جيدة، وأنه تلقاها مشافهة ممن كان غزير العلم بها، فإن هشامًا الكلبي أكمل خطة أبيه «فكان عالمًا بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها» وكتبه كثيرة في المآثر والبيوتات والمنافرات وأخبار الاسلام، وأخبار البلدان، حتى عدوا له ١٤٠ كتابًا، وقد أخذ الأخبار القريبة التي حدثت في
стр. 352
العصر الأموي من أبيه مباشرة، وقد عاش أبوه محمد بن السائب طويلاً في العصر الأموي، وشهد وقعة دير الجماجم مع عبد الرحمن بن الأشعث، لم يكن ضلعه مع بني أمية.
ونجد في " طبقات ابن سعد " ذكرًا لنسابة عاش على عهد النبي ولم يعدوه صحابيًا، وهو دَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وهو الذي رَوَوْا عنه مناظرة في أنساب العرب مع أبي بكر الصديق، وهو الذي قيل إنه اتصل بمعاوية وأعجب بعلمه، وروى الكثير من أخبار الأنساب في عصره.
والمادة التي تركها ابن سعد في معرفة الأنساب واضحة في كتابين ألفا بعده أحدهما " أنساب الأشراف " والآخر " فتوح البلدان " وكلاهما للبلاذري، فإن مؤلف الكتابين لا يني يروي عن ابن سعد آخذًا من " طبقاته " نصوصها وألفاظها.
ولعل هذه المعرفة الدقيقة بالأنساب هي التي مكنت ابن سعد من تجنب الوقوع في مثل الأخطاء التي وقع بها المؤرخون بعده في الأنساب والطبقات، فهناك صحابة عُدُّوا من التابعين عند بعضهم: كَالنُّعْمَانِ وَمُؤَيْدٍ ابْنَيْ مُقَرِّنٍ المُزَنِي، وهناك تابعون عُدُّوا صحابة مثل (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ غَنْمٍ) غلط فيه محمود بن الربيع الجيزي لأنه أرسل الخبر، وإبراهيم بن عبد الرحمن العُذْرِيِّ غلط فيه ابْنُ مَنْدَهْ.
رَاوِيَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ المُحَدِّثِينَ:
ومع أن " طبقات ابن سعد " تعتمد على الرواية، وتكاد تختفي فيها
стр. 353
شخصية المؤلف، وتكاد تخلو من التعقيبات، إلا أن نتفًا يسيرة من التوضيحات أظهرتنا على النقد الموضوعي الذي كان يتمتع به ابن سعد: فهو مثلاً يورد رواية خلاصتها أن النبي بكى عند قبر أمه لما فتح مكة فقال: «وَهَذَا غَلَطٌ وَلَيْسَ قَبْرُهَا بِمَكَّةَ، وَقَبْرُهَا بِالأَبْوَاءِ». ونقل عن هشام الكلبي قوله: إِنَّ الذِي حَضَرَ بَدْرًا هُوَ السَّائِبُ بْنُ مَظْعُونٍ (لاَ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) فَقَالَ يُعَقِّبُ عَلَى ذَلِكَ: «وَذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْهُ وَهَلٌ لأَنَّ أَصْحَابَ السِّيرَةِ [وَمَنْ] يَعْلَمُ المَغَازِي يُثْبِتُونَ السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ [فِيمَنْ] شَهِدَا بَدْرًا. وَشَهِدَ أُحُدًا، وَالخَنْدَقَ، وَالمَشَاهِدَ كُلَّهَا».
والمادة الأدبية في " الطبقات " ليست غزيرة في الشعر غزارتها في الخطب، ولا سيما خطب النبي في المناسبات المختلفة. أما الشعر فبعضه جاهلي قديم يتعلق أغلبه بأجداد النبي أو بسادات العرب من قريش، وبعضه الآخر إسلامي يتصل غالبًا بباب المغازي. إلا أنه قليل إذا قيس بما ورد من الشعر في " مغازي الواقدي " أو " سيرة ابن إسحاق ".
وابن سعد أولاً وآخرًا رجل رواية على طريقة المحدثين، وليس ناقدًا على طريقة الأدباء (١).
стр. 354
الفَصْلُ الثَّانِي: طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ:
طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ وَتَقْسِيمُهَا الاِصْطِلاَحِي:
كاد المحدثون يتفقون على أن الطبقة هي القوم المتشابهون في السن وفي لقاء الشيوخ (١). ولما قسموا الرواة إلى طبقات جاءت قسمتهم اصطلاحية محضة (٢)، فمنهم من عد الصحابة كلهم طبقة واحدة، وجعل التابعين بعدهم طبقة ثانية، ثم الذين بعدهم طبقة ثالثة، واستشهدوا على هذا التقسيم بقوله ﵇: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ» (٣)، فذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
ومنهم من يقسم الصحابة إلى طبقات، ثم يمضي إلى التابعين فمن
стр. 355
بعدهم فيصنف كل جماعة منهم في طبقات (١).
والضابط في هذا التقسيم الذي يتناول الجماعة الواحدة: اجتماع أفراد تلك الجماعة في صفة واحدة، ففي طبقة الصحابة تلتقي جماعات متعددة فيها السابقون إلى الإسلام تارة، وفيها المهاجرون تارة أخرى، وفيها الذين شهدوا المشاهد والمعارك تارة ثالثة: فأبو بكر يعد مثلاً من طبقة الصحابة، ومن طبقة السابقين، ومن طبقة المبشرين بالجنة، ومن طبقة المهاجرين. وكل من اشترك معه في وصف من هذه الأوصاف كان معه من طبقته (٢). فمن هنا تعددت طبقات الصحابة، وتعددت - تَبَعًا لَهَا - طبقات التابعين، لما لوحظ من تنوع الاعتبارات واختلاف وجهات النظر في التقسيم.
طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ عَلَى تَقْسِيمِ ابْنِ حَجَرْ:
وقد حاول ابن حجر العسقلاني أن يحصر طبقات الرواة منذ عصر الصحابة إلى آخر عصر الرواية، فوصف اثنتي عشرة طبقة ليس فيها إلا من كانت له رواية في " الكتب الستة ".
الأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم.
الثانية: طبقة كبار التابعين كسعيد بن المسيب.
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين كالحسن وابن سيرين.