← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96229

علوم الحديث ومصطلحه

صبحي الصالح

Полный текст (433 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ممن هاجروا إلى الحبشة أو شهدوا وقعة أُحُدٍ ولكن لم يشهدوا بدرًا ٤ - من أسلم قبل فتح مكة ٥ - من أسلم بعد فتح مكة. وفي هذا التقسيم الطبقي الذي أخذ به ابن سعد - وفضله أصحاب الطبقات بعده، عيب واضح لكنه لا مفر منه: وهو تداخل بعض أشخاص الطبقات فيما بينهم. فقد يكون المترجم من طبقة المهاجرين البدريين، ثم يتاح له أن يهاجر إلى بعض البلدان أثناء الفتوح، ثم يكون ممن حلوا مدة طويلة في المدينة يفتون، فلم يكن بُدٌّ من أن يترجم له ابن سعد في طبقته الحقيقية، ثم يضطر لترجمته في موضعين آخرين أو أكثر، إلا أن ابن سعد التفت الى هذا فجعل الترجمة المفضلة المسهبة هي الواردة لدى طبقة الشخص المترجم وليس تبعًا لبعض ما امتاز به من الخصائص الأخرى. عِنَايَتُهُ بِالأَنْسَابِ: ومع أن ابن سعد خَصَّ كتابه باسم " الطبقات "، وكان متوقعًا ألا يشمل إلا التقسيم الطبقي، إلا أنه أبدى اهتمامًا ظاهرًا بالتاريخ الجاهلي خلافًا لأستاذه الواقدي. ونراه هنا يعتمد على هشام بن محمد بن السائب الكلبي الذي كان كأبيه نَسَّابَةً يحسن التمييز بين أحساب العرب القدامى. وذلك يعني أن ابن سعد يعرف الأنساب معرفة جيدة، وأنه تلقاها مشافهة ممن كان غزير العلم بها، فإن هشامًا الكلبي أكمل خطة أبيه «فكان عالمًا بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها» وكتبه كثيرة في المآثر والبيوتات والمنافرات وأخبار الاسلام، وأخبار البلدان، حتى عدوا له ١٤٠ كتابًا، وقد أخذ الأخبار القريبة التي حدثت في

стр. 352

العصر الأموي من أبيه مباشرة، وقد عاش أبوه محمد بن السائب طويلاً في العصر الأموي، وشهد وقعة دير الجماجم مع عبد الرحمن بن الأشعث، لم يكن ضلعه مع بني أمية. ونجد في " طبقات ابن سعد " ذكرًا لنسابة عاش على عهد النبي ولم يعدوه صحابيًا، وهو دَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وهو الذي رَوَوْا عنه مناظرة في أنساب العرب مع أبي بكر الصديق، وهو الذي قيل إنه اتصل بمعاوية وأعجب بعلمه، وروى الكثير من أخبار الأنساب في عصره. والمادة التي تركها ابن سعد في معرفة الأنساب واضحة في كتابين ألفا بعده أحدهما " أنساب الأشراف " والآخر " فتوح البلدان " وكلاهما للبلاذري، فإن مؤلف الكتابين لا يني يروي عن ابن سعد آخذًا من " طبقاته " نصوصها وألفاظها. ولعل هذه المعرفة الدقيقة بالأنساب هي التي مكنت ابن سعد من تجنب الوقوع في مثل الأخطاء التي وقع بها المؤرخون بعده في الأنساب والطبقات، فهناك صحابة عُدُّوا من التابعين عند بعضهم: كَالنُّعْمَانِ وَمُؤَيْدٍ ابْنَيْ مُقَرِّنٍ المُزَنِي، وهناك تابعون عُدُّوا صحابة مثل (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ غَنْمٍ) غلط فيه محمود بن الربيع الجيزي لأنه أرسل الخبر، وإبراهيم بن عبد الرحمن العُذْرِيِّ غلط فيه ابْنُ مَنْدَهْ. رَاوِيَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ المُحَدِّثِينَ: ومع أن " طبقات ابن سعد " تعتمد على الرواية، وتكاد تختفي فيها

стр. 353

شخصية المؤلف، وتكاد تخلو من التعقيبات، إلا أن نتفًا يسيرة من التوضيحات أظهرتنا على النقد الموضوعي الذي كان يتمتع به ابن سعد: فهو مثلاً يورد رواية خلاصتها أن النبي بكى عند قبر أمه لما فتح مكة فقال: «وَهَذَا غَلَطٌ وَلَيْسَ قَبْرُهَا بِمَكَّةَ، وَقَبْرُهَا بِالأَبْوَاءِ». ونقل عن هشام الكلبي قوله: إِنَّ الذِي حَضَرَ بَدْرًا هُوَ السَّائِبُ بْنُ مَظْعُونٍ (لاَ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) فَقَالَ يُعَقِّبُ عَلَى ذَلِكَ: «وَذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْهُ وَهَلٌ لأَنَّ أَصْحَابَ السِّيرَةِ [وَمَنْ] يَعْلَمُ المَغَازِي يُثْبِتُونَ السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ [فِيمَنْ] شَهِدَا بَدْرًا. وَشَهِدَ أُحُدًا، وَالخَنْدَقَ، وَالمَشَاهِدَ كُلَّهَا». والمادة الأدبية في " الطبقات " ليست غزيرة في الشعر غزارتها في الخطب، ولا سيما خطب النبي في المناسبات المختلفة. أما الشعر فبعضه جاهلي قديم يتعلق أغلبه بأجداد النبي أو بسادات العرب من قريش، وبعضه الآخر إسلامي يتصل غالبًا بباب المغازي. إلا أنه قليل إذا قيس بما ورد من الشعر في " مغازي الواقدي " أو " سيرة ابن إسحاق ". وابن سعد أولاً وآخرًا رجل رواية على طريقة المحدثين، وليس ناقدًا على طريقة الأدباء (١).

стр. 354

الفَصْلُ الثَّانِي: طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ: طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ وَتَقْسِيمُهَا الاِصْطِلاَحِي: كاد المحدثون يتفقون على أن الطبقة هي القوم المتشابهون في السن وفي لقاء الشيوخ (١). ولما قسموا الرواة إلى طبقات جاءت قسمتهم اصطلاحية محضة (٢)، فمنهم من عد الصحابة كلهم طبقة واحدة، وجعل التابعين بعدهم طبقة ثانية، ثم الذين بعدهم طبقة ثالثة، واستشهدوا على هذا التقسيم بقوله ﵇: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ» (٣)، فذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. ومنهم من يقسم الصحابة إلى طبقات، ثم يمضي إلى التابعين فمن

стр. 355

بعدهم فيصنف كل جماعة منهم في طبقات (١). والضابط في هذا التقسيم الذي يتناول الجماعة الواحدة: اجتماع أفراد تلك الجماعة في صفة واحدة، ففي طبقة الصحابة تلتقي جماعات متعددة فيها السابقون إلى الإسلام تارة، وفيها المهاجرون تارة أخرى، وفيها الذين شهدوا المشاهد والمعارك تارة ثالثة: فأبو بكر يعد مثلاً من طبقة الصحابة، ومن طبقة السابقين، ومن طبقة المبشرين بالجنة، ومن طبقة المهاجرين. وكل من اشترك معه في وصف من هذه الأوصاف كان معه من طبقته (٢). فمن هنا تعددت طبقات الصحابة، وتعددت - تَبَعًا لَهَا - طبقات التابعين، لما لوحظ من تنوع الاعتبارات واختلاف وجهات النظر في التقسيم. طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ عَلَى تَقْسِيمِ ابْنِ حَجَرْ: وقد حاول ابن حجر العسقلاني أن يحصر طبقات الرواة منذ عصر الصحابة إلى آخر عصر الرواية، فوصف اثنتي عشرة طبقة ليس فيها إلا من كانت له رواية في " الكتب الستة ". الأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم. الثانية: طبقة كبار التابعين كسعيد بن المسيب. الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين كالحسن وابن سيرين.

стр. 356

الرابعة: طبقة أخرى تلي الوسطى أكثر مروياتهم عن التابعين كالزهري وقتادة. الخامسة: الطبقة الصغرى من التابعين الذين لم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش. السادسة: طبقة حضروا مع الخامسة ولم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كَابْنِ جُرَيْجٍ. السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين كمالك بن أنس ؤسفيان الثوري. الثامنة: الوسطى من أتباع التابعين كابن عيينة وَابْنِ عُلَيَّةَ. التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين كأبي داوود الطيالسي والشافعي. العاشرة: كبار الآخذين من أتباع الأتباع ممن لم يلق التابعين كأحمد بن حنبل. الحادية عشرة: الطبقة الوسطى منهم كالذهلي والبخاري. الثانية عشرة: صغار الآخذين عن أتباع التابعين كالترمذي (١). ومعرفة طبقات الرواة تزيل كثيرًا من اللبس، وتحول دون تداخل الأسماء والكنى المتشابهة، وتقف البَاحِثَ على صور التدليس والانقطاع والإرسال. ولذلك رأينا أن نعرض لأهم الطبقات، ونترجم لأشهر

стр. 357

الرواة في كل طبقة، فندرس طبقة الصحابة ، وطبقة التابعين، وطبقة أتباع التابعين. طَبَقَةُ الصَّحَابَةِ: اصطلحوا على أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات وهو مسلم. فاللقاء ولو ساعة من نهار لا بد منه (١)، لذلك لم يعدوا أصحمة النجاشي صحابيًا، لأنه آمن برسول الله ﷺ من غير أن يلقاه. والتمييز كاف في الصحبة، فالصبي الذي «يفهم الخطاب ويرد الجواب»، - كما يقول النووي والعراقي - يعد صحابيًا، كالحسن والحسين ابني عَلِيٍّ، ومحمود بن الربيع. وقد نص العلماء على أمور إذا توفر أحدها كان دليلاً على الصحبة، أهمها (٢): أولاً - تواتر العلم بذلك، كصحبة العشرة المبشرين بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح. ومن المعلوم أن صحبة أبي بكر ثابتة بالقرآن في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣) ثانيا- استفاضة العلم بذلك من غير تواتره، كصحبة ضِمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن.

стр. 358

ثالثًا - تأكيد صحابي مشهور أن لفلان صحبة، كما قال أبو موسى الأشعري بصحبة حَمَمَةَ بْنِ أَبِي حَمَمَةَ الدَّوْسِيِّ (١). رابعًا - ادعاء الصحبة من شخص معلوم العدالة ضمن الإطار الزمني الممكن، وقد اصطلحوا على أن هذا الزمن الممكن لا ينبغي أن يجاوز سنة ١١٠ هـ (مائة سنة وعشر سنين للهجرة) واستنبطوا ذلك من قوله ﵇ كما في رواية مسلم والترمذي- " «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» (٢). ولذلك كان طبيعيًا أن يرفض العلماء صحبة جعفر بن نسطور الرومي الذي ادعاها بعد سنة ٢٠٠هـ، وَسَرَبَاتِكْ الهندي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٣٣ هـ. ومما يستأنس به على ثبوت الصحبة، ولم ينص العلماء عليه: أن الأوس والخزرج كانوا جميعًا مسلمين في عهده ﵇، فكل من لاقاه منهم فهو صحابي، وأن كل من كان بالمدينة أو بالطائف سنة عشر قد أسلم وشهد حجة الوداع مع النبي ﵇، فثبتت له بذلك الصحبة. وأنه ﵇ لَمْ يُؤَمِّرْ في الفتوحات إلا أصحابه، فَقُوَّادِ الفُتُوحَاتِ في عهده صحابة كلهم (٣). وقد حكى ابن الصلاح وابن عبد البر والنووي الإجماع على عدالة جميع الصحابة. وفي القرآن والسنة إشارة إلى فضل الصحابة وعدالتهم، فالله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤)، ويقول ﴿وَكَذَلِكَ

стр. 359

جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١). والنبي ﵇ يقول: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي»، ويقول: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي»، ويقول: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (٢). وأول الصحابة إيمانًا على الإطلاق زوج النبي ﵇ السيدة خديجة بنت خويلد، ومن الشيوخ ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الصبيان عَلِيٌّ، ومن الأرقاء بلال، ومن الفُرْسِ سلمان (٣). وقد تفرق الصحابة في القرى والأمصار فأصبح إحصاء عددهم مُتَعَذِّرًا، ويقول أبو زرعة (٤): إن رسول الله ﷺ قُبِضَ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا (١١٤٠٠٠)، وقد انقرض عصرهم بوفاة آخرهم أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي الكناني عام مائة على الأرجح. وَيُعَدُّ مُكْثِرًا من الرواية بين الصحابة كل من زاد منهم على ألف حديث، وهؤلاء المكثرون سبعة (٥) هم أبو هريرة روى له (٥٣٧٤)، ابن عمر روى له (٢٦٣٠)، أنس بن مالك، روى له (٢٢٨٦)،

стр. 360

السيدة عائشة لها (٢٢١٠) عبد الله بن عباس له (١٦٦٠)، جابر بن عبد الله له (١٥٤٠)، أبو سعيد الخُدري (١١٧٠)، ولذلك سنترجم لكل منهم ترجمة خاصة، ثم نتبعهم بمن هو أقل رواية منهم، ونكتفي بذكر كلمات موجزة عنهم. وابن سعد في " طبقاته " اكتفى بتقسيم الصحابة إلى خمس طبقات، إلا أن بعضهم فَصَّلَ وَوَضَّحَ فجعلها اثنتى عشرة تَبَعًا للسبق في الإسلام والهجرة وحضور المشاهد (١): الأولى: السابقون بالإسلام ممن آمن بمكة، كالعشرة المبشرين بالجنة، وخديجة وبلال. الثانية: أصحاب دار الندوة الذين أسلموا بعد إسلام عمر. الثالثة: من هاجر إلى الحبشة في السَّنَةِ الخَامِسَةِ من البعثة، وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وجعفر بن أبي طالب، ورقية زوج عثمان وابنة النبي ﷺ ، وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة. ومثل هذه الطبقة من هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكانوا نحو ثلاثة وثمانين، منهم جعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُميس، وَعُبَيْدَ اللهِ بن جحش، وامرأته أم حبيبة وأخوه عبد الله وأبو موسى وابن مسعود. الرابعة: أهل العقبة الأولى، وفيهم اثنا عشر من الأنصار، ومنهم جابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وأسعد بن زُرارة، وعبادة بن الصامت.

стр. 361

الخامسة: أهل العقبة الثانية الذين أسلموا بعد عام العقبة الأولى، وكانوا سبعين من الأنصار ومعهم امرأتان. ومنهم البراء بن معرور، وسعد بن عبادة، وكعب بن مالك. السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى المدينة والنبي ﷺ في قباء قبل أن يدخل المدينة. السابعة: أهل بدر الذين قال فيهم ﵇: «اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». رواه أبو داود، وكانت عدتهم بضعة وثلاث مائة رجل. الثامنة: من هاجر بين بدر والحديبية. التاسعة: الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية بيعة الرضوان. وفيهم يقول ﵇: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ». العاشرة: المهاجرون قبل فتح مكة وبعد الحديبية، ومنهم خالد بن الوليد. الحادية عشرة: الذين أسلموا في فتح مكة، وهم يزيدون عن الألف، ومنهم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام. الثانية عشرة: الصبيان الذين رأوا النبي يوم الفتح وحجة الوداع، ومنهم الحسن والحسين ابنا عَلِيٍّ، والسائب بن يزيد الكلبي، وعبد الله بن الزبير.

стр. 362

طَبَقَةُ التَّابِعِينَ: عَرَّفُوا التَّابِعِيَّ بأنه من لقي صحابيًا مؤمنًا بالنبي ﷺ ومات على الإيمان. ويشترط الخطيب البغدادي صحبة الصحابي، لا مجرد اللقاء فقط (١). وقد شهد الكتاب والسنة لهذه الطبقة بفضلها، فقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال ﵇: «طُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي» وقال: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ». وآخر طبقات التابعين على رأي الحاكم من لقي آخر الصحابة موتًا، فآخرهم من لقي أبا الطفيل بمكة، والسائب بالمدينة، وأبا أمامة بالشام، وعبيد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وأنس بن مالك بالبصرة (٢). ويعتبر خلف بن خليفة المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٨١ هـ (إحدى وثمانين ومائة) آخر التابعين موتًا، لأنه لقي في مكة آخر الصحابة موتًا أبا الطفيل عامر بن واثلة. ومن هنا قيل: إن عصر التابعين انقضى سنة ١٨١ هـ. طَبَقَةُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ: تابع التابعي هو الذي لقي مؤمنًا بالنبي ﷺ ومات على الإسلام. وقد عدوا من هذه الطبقة الإمام مالك بن أنس والإمام الشافعي. أما أبو حنيفة فالأرجح أنه من التابعين لأنه لقي من الصحابة أنس بن مالك،

стр. 363

وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ، وعبد الله بن أُنَيْسٍ، وعائشة بنت عجرد، وروى عنهم. وأما الإمام أحمد بن حنبل فإنه يعتبر من الطبقة التى تلي أتباع التابعين، فهو من أتباع أتباع التابعين، لأن وفاته كانت سنة ٢٤١هـ مع أن عصر أتباع التابعين ينتهي بعام عشرين بعد المائتين (١).

стр. 364

الفَصْلُ الثَّالِثُ: مِنْ تَرَاجِمِ الصَّحَابَةِ: أَوَّلاً - السَّبْعَةُ المُكْثِرُونَ: نَبَّهْنَا على أن كل صحابي زاد على رواية ألف حديث عُدَّ مُكْثِرًا. وَالمُكْثِرُونَ - كما قلنا - سبعة، هم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري. وإليك ترجماتهم وفقًا للترتيب الذي وردت به أسماؤهم آنفًا. ١ - أبو هريرة: هو أكثر هؤلاء السبعة رواية، فقد أخرج له بقي بن مخلد (٥٣٧٤) حديثًا (١).

стр. 365

ورسوله الله ﷺ هو الذي كناه (أبا هريرة) يوم شاهده يحمل هرة صغيرة ولكن هذه الكنية التي سماه بها رسول الله على سبيل التحبب غلبت عليه، حتى بات من النادر أن يطلق عليه أحد اسمه الحقيقي (عبد الرحمن بن صخر). وهو دَوْسِيٌّ، يرجع نسبه إلى بطن من الأزد هم بَنُو دَوْسِ بْنِ عَدْنَانَ. أسلم ﵁ عنه في السَّنَةِ السَّابِعَةِ للهجرة، عام خيبر، وتوفي بالعقيق عام ٥٧ هـ على الراجح. وكان عريف أَهْلَ الصُفَّةِ الذين كانوا منقطعين إلى العبادة في مسجد النبي ﷺ (والصفة موضع مُظَلَّلٌ في المسجد، كان يأوي إليه أولئك الزهاد). وقد استجاب الله دعاء النبي ﷺ له بالحفظ، فكان بين الصحابة أكثرهم حفظًا. أخرج الشيخان والترمذي عنه أنه قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ فَلاَ أَحْفَظُهَا، قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُ، فَحَدَّثَ حَدِيثًا كَثِيرًا، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ». وأبو هريرة - على ورعه وتقواه وزهده - كان مَرِحًا يحب الدعابة، ويطرب للنكتة، فإذا مر بصبيان أضحكهم، وإذا التقى بالناس في الأسواق قَصَّ عليهم ما يسليهم. ولكنه إذا خَلاَ إلى نفسه تَهَجَّدَ طيلة الليل، خَاشِعًا مُتَبَتِّلاً. كان عاملاً على البحرين في عهد عمر بن الخطاب، إلا أن عمر عزله بعد ذلك. ويقال: ان علي بن أبي طالب أراد في خلافته أن يستعمله فأبى عليه، ثم ولاه معاوية إمارة المدينة. ويبدو أن عمر - على عادته في التشدد في الرواية عن رسول الله ﷺ أنكر عليه كثرة رواياته وقال له: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ [عَنِ رَسُولِ اللَّهِ] أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ

стр. 366

دَوْسٍ!» حتى إذا روى له أبو هريرة قوله ﵇ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» أَقَرَّهُ على رواية الحديث وَقَالَ: «أَمَّا إِذَنْ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ». وقد لاحظ شعبة بن الحجاج أن أبا هريرة يروي عن كعب الأحبار ويروي عن رسول الله ﷺ وَلاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ رِوَايَتَيْهِ، فرماه «بالتدليس»، ولكن بُسْرَ (*) بن سعيد لا يطمئن إلى قول شعبة في أبي هريرة، فرده بقوة قائلاً: «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، [وَيَجْعَلُ] حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». فإذا كان ثمة تدليس فليس صادرًا عن أبي هريرة نفسه، وإنما كان يصدر عن الذين يَرْوُونَهُ عَنْهُ. وحسبنا أن الامام الشافعي كان يقول: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ» وأن سَالِمًا أَبَا الزُّعَيْزِعَةِ، وَالِي مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَكَاتِبَهُ يَرْوِي: «أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ دَعَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَقْعَدَهُ خَلْفَ السَّرِيرِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الحَوْلِ دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ». وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعثمان وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وأسامة بن زيد وعائشة وسواهم من الصحابة. ويجاوز عدد الذين رَوَوْا عنه ثمان مائة رجل بين صحابي وتابعي، فيهم من علماء الصحابة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، وفيهم من علماء التابعين سعيد بن المسيب وابن سيرين

стр. 367

وعكرمة وعطاء ومجاهد والشعبي. وأصح الأسانيد عنه: ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عنه. أما أضعفها: فالسري بن سليمان عن داوود بن يزيد الأودي عن والده يزيد عنه (١). ٢ - عبد الله بن عمر: يلي أبا هريرة في كثرة الرواية، فقد روى (٢٦٣٠) حديثًا. وهو ابن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وشقيق السيدة حفصة أم المؤمنين، وأحد العبادلة الأربعة المشهورين بالإفتاء، وكل واحد منهم يسمى (عبد الله) والثلاثة الباقون هم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير (٢). ولد ابن عمر بعد البعثة النبوية بقليل، وكان عمره عشر سنوات حين أسلم مع أبيه. ثم إنه هاجر إلى المدينة قبل أبيه. وكان في معركة أُحُدْ حَدَثًا، فاستصغره رسول الله ﷺ ولم يأذن له بالاشتراك في القتال، لكنه فيما بعد شهد كثيرًا من الغزوات، كما أنه حضر القادسية، واليرموك، وفتح إفريقية ومصر وفارس، وقدم البصرة والمدائن. كان الزهري لا يعدل برأيه أَحَدًا، وكان مالك والزهري يقولان: «إِنَّ ابْنَ عُمَرَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ». وقد

стр. 368

روى عن أبي بكر وعمر وعثمان والسيدة عائشة وشقيقته السيدة حفصة وعبد الله بن مسعود. وروى عنه كثيرون منهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن شهاب الزهري وابن سيرين ونافع ومجاهد وطاووس وعكرمة. توفي عام ٧٣ هـ. ويقال: إن الحجاج دَسَّ له رجلاً فسم ثم زُجَّ لرمح له ورجمه به في ظهر قدمه فمات متاثرًا بهذه الإصابة. وقد تكون وفاته طبيعية، ويكون الخبر عَارِيًا عن الصحة. وأصح الأسانيد عنه ما يسمى بـ «سلسلة الذهب» وهي مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر. وأضعفها: محمد بن عبد الله بن القاسم عن أبيه عن جده عنه (١). ٣ - أنس بن مالك: هو ثالث الرواة المكثرين من الصحابة، فقد روى (٢٢٨٦) حَدِيثًا. وهو خادم رسول الله الأمين، جاءت به أمه أُمُّ سُلَيْمٍ إلى النبي ﷺ وهو ابن عشر سنين ليقوم على خدمته. وأبوه هو مالك بن النضر، ويتصل نسبه بابن عدي بن النجار. كان ﵇ يداعبه قائلاً: «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ» ولم تكن معاملته له معاملة السيد لعبده، وكان أنس من أجل ذلك يقول: «لَمْ يَسْأَلْنِي ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلاَ عَنْ شَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، بَلْ كَانَ يَقُولُ: " مَا شَاءَ اللهُ

стр. 369

كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ». لم يشهد أنس غزوة بدر الكبرى، لحداثة سنه، ولكنه شهد كثيرًا من الغزوات بعد ذلك، وحين استشار أبو بكر عمر في استعمال أنس على البحرين أثنى عليه عمر وقال: «إِنَّهُ فَتًى لَبِيبٌ كَاتِبٌ». وهو مشهود له بالتقوى والورع، لطول معاشرته الرسول ﷺ . قال أبو هريرة فيه: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ» (يعني أنسًا). وقال فيه ابن سيرين: «أَحْسَنُ النَّاسِ صَلاَةً فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ». انتقل أنس في أخريات أيامه إلى البصرة، ويقول بعضهم: إن سبب انتقاله إليها أنه امتحن في فتنة ابن الأشعث، فآذاه الحجاج، فلم يجد بُدًّا مِنَ الهجرة إلى البصرة، حيث كان الصحابي الوحيد فيها، ولذلك يقولون: إنه آخر الصحابة مَوْتًا بالبصرة. توفي عام ٩٣ هـ. بعد أن جاوز المائة. وقال فيه مُوَرِّقٌ يوم وفاته: «ذَهَبَ نِصْفُ العِلْمِ، كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ إِذَا خَالَفَنَا قُلْنَا لَهُ تَعَالَ إِلَى مَن سَمَِع مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ». أما أسانيده فأصحها ما رواه: مالك عن الزهري عنه. وأضعفها ما رواه: داود بن المحبر عن أبيه المحبر عن أبان بن أبي عياش عنه (١). ٤ - السيدة عائشة أم المؤمنين: هي زوج النبي ﷺ ، وبنت صديقه وأحب الناس إليه أبي بكر

стр. 370

الصديق. أسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر شخصًا، وتزوجها ﵇ في العام الثاني من الهجرة، ولم يتزوج بِكْرًا سواها. وكان يؤثرها بالحب ويتابعها على هواها: ولا غرو، فإن الخصال الكريمة التي اجتمعت فيها يندر أن تتوافر لسواها، فهي تعلم اللغة والشعر والطب والأنساب وأيام العرب. قَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَةَ إِلَى عِلْمِ جَمِيعِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ وَعِلْمِ جَمِيعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَةَ أَفْضَلَ». وقال عروة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِطِبٍّ وَلاَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِفِقْهٍ مِنْ عَائِشَةَ». وهي من المكثرات في الرواية، تلي في ذلك أنس بن مالك، فقد روت ٢٢١٠ أحاديث. ومن مزاياها أنها كانت أحيانًا تنفرد باستنباط بعض المسائل، فتجتهد فيها اجتهادًا خَاصًّا وتستدرك بها على علماء الصحابة، حتى إن الزركشي ألف كتابًا خاصا في هذا المعنى سماه: " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ". أما ما ينسب إلى رسول الله ﷺ من أنه قال فيها: «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ هَذِهِ الحُمَيْرَاءِ». - أي البيضاء لأن العرب تسمي الأبيض أحمر - فإنه حديث لا سند له، وقد صَرَّحَ ابن حجر وَالمِزِّي والذهبي وابن كثير بأنه مكذوب مصنوع. إلا أن القارئ يقول: «لكن معناه صحيح». روت عن أبيها أبي بكر، وعن عمر، وسعد بن أبي وقاص وَأُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ (*) وغيرهم. أما الصحابة الذين رَوَوْا عنها فهم أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وزيد بن خالد الجُهَنِيِّ، وصفية بنت شيبة وغيرهم. وأما كبار

стр. 371

التابعين الذين أخذوا عنها فهم سعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، وعائشة بنت طلحة، وعمرة بنت عبد الرحمن وحفصة بنت سيرين. وهؤلاء النسوة الثلاث كن من فُضْلَيَاتِ تلميذاتها الفقيهات. وحسبها شرفًا وفخرًا أن الله أنزل في شأنها قرآنًا بعد حادثة الإفك المشهورة، فَبَرَّأَهَا من افتراء الأفاكين، حتى قال فيها حسان بن ثابت بعد أن خاض في الإفك مع الخائضين: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ وكانت - مع ذلك - تغضب إذا مس أحد حسان بن ثابت بسوء، وتدافع عنه قائلة: أليس هو القائل: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ كانت وفاتها عام ٥٧هـ على الأصح، وصلى عليها أبو هريرة. وأصح أسانيدها ما رواه يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن القاسم بن محمد عنها، وما رواه الزهري أو هشام بن عروة عن عروة بن الزبير عنها. وأضعف أسانيدها ما يرويه الحارث بن شبل عن أم النعمان عنها (١). ٥ - عبد الله بن عباس: هو خامس الصحابة المكثرين من الرواية، يلي في ذلك السيدة

стр. 372

عائشة، فقد روي له (١٦٦٠) حَدِيثًا. وهو ابن عم رسول الله ﷺ وأبوه هو العباس بن عبد المطلب، وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة. كان مولده قبل الهجرة بثلاث سنوات ودعا له ﵇ بقوله: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، فاستجاب الله دعاء نبيه، فاشتهر ابن عباس بالعلم الغزير، والفقه الدقيق، حتى صارت تشد إليه الرحال للفتوى والرواية، وظل يفتي الناس بعد عبد الله بن مسعود نَحْوًا من خمس وثلاثين سَنَةً. وفيه يقول عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: «مَا رَأَيْتُ أحدًا أَعْلَمَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلاَ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَلاَ أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ، وَبِالعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَالحِسَابِ وَالفَرَائِضِ. وَكَانَ يَجْلِسُ يَوْمًا لِلْفِقْهِ، وَيَوْمًا لِلْتَّأْوِيلِ، وَيَوْمًا لِلْمَغَازِي، وَيَوْمًا لِلْشِّعْرِ، وَيَوْمًا لأَيَّامِ العَرَبِ. وَمَا رَأَيْتُ قََطُّ عَالِمًا جَلَسَ إِلَيْهِ إِلاَّ خَضَعَ لَهُ، وَلاَ سَائِلاً سَأَلَهُ إِلاَّ وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا». ذكر النسائي أن أصح أسانيده في الحديث ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، وأضعفها ما يرويه (محمد بن مروان السُدِّيُّ الصغير عن الكلبي عن أبي صالح، وهذه تسمى «سِلْسِلَةَ الكَذِبِ»). لَقَّبَهُ رسول الله ﷺ ترجمان القرآن، وقال الناس في تفسيره: «لَوْ سَمِعَهُ أَهْلُ الرُّومِ وَالدَّيْلَمِ لأَسْلَمُوا». إلا أن الناس تزيدوا عنه في الرواية، وَنَبَّهَ العلماء على أن أوهى طرقه في التفسير هي بالدرجة الأولى «سِلْسِلَةَ الكَذِبِ» التي أشار النسائي إليها، ثم بالدرجة الثانية طريق

стр. 373

الضحاك بن مُزاحم، وهي منقطعة لأنه لم ير ابن عباس. وهذا السند إذا رواه جُوَيْبِرُ البَلْخِيُّ عَنْ الضَحَّاكِ زاد ضعفًا. أما طرقه الجيدة في التفسير فهي: أولاً: طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي، وقد اعتمد البخاري هذه الطريق فيما يعلقه عن ابن عباس. وكانت نسخة التفسير المروية عن ابن عباس بهذه الطريق عند أبي صالح كاتب الليث بمصر، يرويها عن علي بن أبي طلحة معاوية بن صالح، ويرويها عن معاوية كَاتِبُ الليث، وفيها يَقُولُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ، رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا». ويظهر أن علي بن أبي طلحة لم يسمع هذه الصحيفة من ابن عباس مباشرة، وإنما سمعها من مجاهد أو ابن جُبير، وكلاهما ثقة، فكان ابن طلحة أخذها عن ابن عباس نفسه. ثانيًا: طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَيْرٍ عنه. وهذه الطريق على شرط الشيخين. وبها خَرَّجَ الحاكم النيسابوري عَدَدًا من الأحاديث في " مستدركه ". ثالثًا: طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو ابن جبير عنه. وبهذه الطريق أخرج ابن جرير الطبري كثيرًا من الروايات في " تفسيره ". سئل ابن عباس: بِمَ نِلْتَ العِلْمَ؟ فَقَالَ: «بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ». ولذلك كانت معرفته للغة القرآن تتجاوز القضايا الدينية والتشريعية إلى الإحاطة بلغة العرب، والاستشهاد على أسلوب القرآن بما كان شَائِعًا من التعبير العربى الجاهلي الصميم. روي أن نافع بن

стр. 374

الأزرق ونجدة بن عويمر خرجا في نفر من الخوارج يطلبون العلم، فدخلا مكة، فإذا بابن عباس عند زمزم يسأله الناس في التفسير وهو يجيبهم، فسأله نافع عن آيات في القرآن، وعن كلمات فيها، فيقول له نافع: وهل تعرف العرب ذلك قبل أن ينزل الكتاب؟ فيقول له: نعم، وينشده بيتًا من الشعر حتى شهد له هو وأصحابه بسعة المعرفة، وغزارة العلم. روى ابن عباس عن عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَأُبَيٍّ بْنَ كَعْبٍ، وَذَكَرَ مَعْمَرٌ أن علمه من هؤلاء الثلاثة. وروى أيضًا عن معاذ بن جبل وأبي ذر الغفاري وغيرهما. وروى عنه عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وسهل بن حنيف ومولاه عكرمة. وشهد ابن عباس حُنَيْنًا والطائف وفتح مكة وحجة الوداع، وشهد فتح إفريقية مع ابن أبي السرح، وَالجَمَلَ وَصِفِّينَ مع عِلٍّي، وقد جعله عَلِيٌّ نائبه على البصرة. وفي أخريات أيامه أصيب في بصره، كما أصيب بذلك من قبله أبوه وجده. وتوفي بالطائف عام ٦٨ هـ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ (١). ٦ - جابر بن عبد الله: هو سادس المكثرين عن رسول الله ﷺ ، فقد روى (١٥٤٠) حديثًا.

стр. 375

وأبوه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمِيِّ (نسبة إلى بَنِي سَلَمَةَ بطن من الأنصار)، وقد شهد مع أبيه هذا وخاله «العقبة الثانية» في السبعين من الأنصار الذين بايعوا الرسول ﷺ على نصرته وتأييده ونشر دينه. وأتيح لجابر أن يشهد أكثر الغزوات النبوية، إلا أنه لم يشهد معركتي بَدْرٍ وَأَحُدْ، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَلَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلاَ أُحُدًا مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ». قدم جابر بن عبد الله مصر والشام، فكان الناس يأخذون عنه العلم حيثما وجدوه. وفي المسجد النبوي بالمدينة كانت له حَلْقَةٌ يجتمع عليه الناس فيها وينتفعون بعلمه وتقواه. وكانت وفاته بالمدينة عام ٧٤ هـ، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة آنذاك. والمشهور أن أصح الأسانيد عنه ما رواه أهل مكة من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عنه (١). ٧ - أبو سعيد الخُدري: هذا هو سابع المكثرين في الرواية عن رسول الله، فقد روى (١١٧٠) حَدِيثًا، وكان الناس يسالونه أن يكتبوا عنه ما يسمعون من أحاديثه، فيجيبهم: «لَنْ تَكْتُبُوهُ، وَلَنْ تَجْعَلُوهُ قُرْآنًا، وَلَكِنْ احْفَظُواعَنَّا كَمَا حَفِظْنَا».

стр. 376

وقد غلبت عليه كنيته (أبو سعيد) ولكن اسمه هو سعد بن مالك بن سنان، وقد استشهد أبوه مالك بن سنان هذا في وقعة أُحُدْ. وهو خُدْرِيٌّ، يتصل نسبه بِخُدْرَةَ بن عوف بن الحارث بن الخزرج، المعروف بـ «الأَجِيرِ». جاء به أبوه مالك يوم أُحُدْ إلى رسول الله ﷺ ، وعرضه عليه، وكان له من العمر ثلاث عشرة سَنَةً، وراح يشيد بقوته وصلابته ويقول: «إِنَّهُ عَبِلُّ العِظَامِ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، ولكنه ﵇ استصغره وأمر برده. وأبو سعيد الخدري هو أحد الذين بايعوا الرسول ﷺ على ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم أبو ذر الغفاري، وسهل بن سعد، وعُبادة بن الصامت، ومحمد بن مسلمة. وقد خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، كما شهد غزوة الخندق وما بعدها، فكان مجموع ما شهده اثنتي عشرة غزوة. رواياته عن الصحابة كثيرة، ولكن أشهر من روى عنهم أبوه مالك بن سنان، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن سلام. ومن الذين رَوَوْا عنه: ابنه عبد الرحمن، وزوجته زينب بنت كعب بن عجرد، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وَأَبُو الطُّفَيْلِ، ونافع، وعكرمة. أخذ بيد ابنه عبد الرحمن إلى البقيع، وأوصاه أن يدفنه في مكان بعيد منه وقال له: «يَا بُنَيَّ، إِذَا أَنَا مُتُّ فَادْفِنِّي هَا هُنَا، وَلاَ تَضْرِبْ

стр. 377

عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلاَ تَمْشِ مَعِي بِنَارٍ، وَلاَ تُبْكِيَنَّ عَلَيَّ نَائِحَةً، وَلاَ تُؤَذِّنْ بِي أَحَدًا». ولقد توفي الزاهد العابد، والعالم العامل، أبو سعيد الخدري عام ٧٤ هـ (١). ثَانِيًا - بَعْضُ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ: ٨ - عبد الله بن مسعود: هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وكنيته أبو عبد الرحمن. كان سادس السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة مرتين، وحضر جميع الغزوات مع رسول الله ﷺ ، وفي غزوة بدر أجهز على أبي جهل، فشهد له الرسول بالجنة. وقال ﵇: «خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنِ مَسْعُودٍ) وَسَالِمٍ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ». وهو المراد بـ «عبد الله» عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين. كان دقيق الساقين، فكان بعض الصحابة يضحكون من ذلك، فقال ﵇: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ». وقد وَلاَّهُ عمر على القضاء وبيت المال في الكوفة، فكان رمزًا للتقى والورع والعفاف. أصح الأسانيد عنه، ما رواه سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر

стр. 378

عن إبراهيم، عن علقمة. وأضعف الأسانيد عنه: ما رواه شُرَيْكٌ، عن أبي فزارة، عن أبي زيد. روى عن عمر، وسعد بن معاذ. وروى عنه العبادلة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى الأشعري، وعلقمة، ومسروق، وَشُرَيْحٍ القَاضِي، وغيرهم. ويبلغ مجموع ما رواه (٨٤٨) حديثًا. قدم المدينة ومرض بها، ثم توفي عام ٣٢ هـ، ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان بن عفان (١). ٩ - عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أحد العبادلة الفقهاء، وقد أسلم قبل أبيه، ثم هاجر قبل الفتح. كان عابدًا زاهدًا، كثير الصيام والصلاة، مقبلاً على حديث رسول الله ﷺ حتى روى [عَنْهُ] (٧٠٠) حديث، وكان - بعد إذن النبي له بالكتابة - يُدَوِّنُ ما يسمعه منه من الحديث. وفي ذلك يقول أبو هريرة: «[مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً منِّي] إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ». روى عن عمر، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وطاووس وعكرمة وغيرهم.

стр. 379

وأصح الأسانيد عنه ما يرويه عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده عبد الله. وتوفي عبد الله بن عمرو عام ٤٣هـ ليالي حصار الفسطاط (١). ١٠ - أبو ذر الغفاري: هذه كنيته، أما اسمه فهو جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ، وهو منسوب إلى جده جُنَادَةَ الذي كان من غِفَارَ، وكان كِنَانِيًّا. عُرِفَ عنه التعبد قبل مبعث النبي ﷺ ، وكان خامس السابقين إلى الإسلام، ولم يتيسر له أن يهاجر إلا بعد غزوة الخندق. وهو ممن بايع النبي ﷺ على ألا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن يقول الحق وإن كان مُرًّا. كان ﵁ زَاهِدًا لاَ يَدَّخِرُ قُوتًا لِلْغَدِ، ووقف في عهد عثمان يدعو إلى نوع من الاشتراكية في المال أملاه عليه شعوره الإنساني المرهف، وورعه العظيم، ولكن عثمان بن عفان لم يرق له ذلك فنفاه إلى الرَّبَذَةِ، فبقي فيها حتى توفي عام ٣٢ هـ في خلافة عثمان نفسه، وصلى عليه ابن مسعود الذي كان مَارًّا بالربذة في ذلك الحين. روى عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم. وروى عنه: الأحنف بن قيس، وعبد الرحمن بن غنم، وعطاء وغيرهم.

стр. 380

وأصح الأسانيد عنه ما رواه أهل الشام من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني عنه. وقد روي عنه (٢٨١) حَدِيثًا (١). ١١ - سعد بن أبي وقاص: هو سعد بن أبي وقاص بن أُهَيْبٍ الزهري، ويكنى أبا اسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو رابع السابقين إلى الإسلام، وكان إسلامه على يد أبي بكر وهو في السابعة عشرة من عمره. شهد مع الرسول ﷺ جميع الغزوات، وكان فيها جميعًا «فَارِسَ الإِسْلاَمِ»، وهو من بني زهرة الذين كانت آمنة أم النبي منهم، ولذلك قال فيه ﵇: «هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ». وَلاَّهُ عمر بن الخطاب قيادة الجيش الذى سَيَّرَهُ لقتال الفرس، فهزمهم بالقادسية عام ١٥ هـ، وفي جلولاء عام ١٦هـ، وفتح المدائن، وبنى الكوفة عام ١٧هـ. وكان والي العراق في عهد عمر ثم في عهد عثمان. كان أحد الستة الذين عَيَّنَهُمْ عمر للخلافة. وقد اعتزل الفتنة الكبرى التي أسفرت عن مقتل عثمان، فلم يغادر بيته حتى توفي بِالعَقِيقِ عام ٥٥ هـ، ودُفِنَ بِالبَقِيعِ، وهو آخر من توفي من العشرة المبشرين بالجنة. روى عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وخولة بنت

стр. 381

حكيم. وروى عنه مجاهد، وعلقمة بن قيس، والسائب بن يزيد. وأصح الأسانيد عنه ما رواه علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب عنه. وروي عنه (٢٧٠) حديثًا (١). ١٢ - معاذ بن جبل: هو فقيه الصحابة، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، الخزرجي، وكنيته أبو عبد الرحمن. كان إسلامه وهو في الثامنة عشرة من عمره، وبايع النبي ﷺ في «العقبة الثانية» وشهد جميع الغزوات مع النبي ﷺ ، وقد آخى ﵇ بينه وبين عبد الله بن مسعود، وأرسله إلى اليمن. ليعلمهم ويفقههم في الدين ويحفظهم القرآن، فشيعه ﵇ مَاشِيًا، وكان معاذ راكبًا، والنبي يقول له: «إِنِّ أُحِبُّكَ». وقد ظل يعلم الناس في اليمن في عهد أبي بكر، ثم هاجر الى الشام. كان أحد الصحابة الذين جمعوا القرآن في عهد النبي ﷺ ، وكان كما قال فيه ﵇: «أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ». روى عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وروى عنه أنس بن مالك، ومسروق، وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وتوفي عام ١٨ هـ الذي حدث فيه طاعون عَمَوَاسْ بالأردن، وهو ابن ثلاث وثلاثين. وفيه يقول عمر بن الخطاب: «عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ، وَلَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ!» (٢).

стр. 382

١٣ - أبو الدرداء: هذه هي الكنية التي اشتهر بها، أما اسمه فهو عويمر بن زيد بن قيس، وكان أنصاريًا خزرجيًا. حفظ القرآن عن رسول الله ﷺ ، وأبلى في غزوة أُحُدْ بَلاَءً حَسَنا وقال فيه ﵇ يومئذٍ: «نِعْمَ الفَارِسُ عُوَيْمِرٌ»، وقد آخى الرسول ﷺ بينه وبن سلمان الفارسي. ولي أبو الدرداء قضاء الشام في خلافة عثمان، وكان مفتي أهل الشام، وفقيه أهل فلسطين. روى عن السيدة عائشة، وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء. ويبلغ مجموع ما رواه (١٧٩) حَدِيثًا. وفيه يقول مسروق: «وَجَدْتُ عِلْمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -عِنْدَ سِتَّةٍ: مِنْهُمْ أَبُو الدَّرْدَاءِ» (١). توفي ﵁ عام ٣٢ هـ بدمشق.

стр. 383

الفَصْلُ الرَّابِعُ: تَرَاجِمُ بَعْضِ كِبَارِ التَّابِعِينَ: ١ - سعيد بن المسيب: (١) هو- كما يقول أحمد بن حنبل - أفضل التابعين، سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، كان أبوه وَجَدُّهُ صحابيين، وقد ولد لسنتين مَضَتَا من خلافة عمر، وراح منذ نعومة أظفاره يرحل الأيام والليالي في التماس الحديث الواحد. قال فيه مكحول: «طُفْتُ الأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ العِلْمِ، فَمَا لَقِيتُ أَحَدًا أعلم مِنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ». وقال علي بن المديني: «لاَ أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ، هُوَ عِنْدِي أَجَلُّ التَّابِعِينَ». وَيَرْوُونَ في زهده وورعه أنه زَوَّجَ ابنته لكثير بن أبي وداعة على درهمين فقط، وأبى أن يزوجها للوليد بن عبد الملك حين خطبها له أبوه عبد الملك. وحين أراد عبد الملك أن يحقق البيعة لابنه الوليد، ضرب هشام بن إسماعيل نائب عبد الملك على المدينة سعيد بن المسيب

стр. 384

وعرضه على السيف ليحمله على الرضا بالبيعة، ولكنه أبى أن يبايع رغم ذلك كله. روى ابن المسيب عن أبي بكر مرسلاً، وسمع من عمر، وعثمان، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، والسيدة عائشة وغيرهم. وروى عنه سالم بن عبد الله، والزهري، وقتادة، وَشُرَيْكٌ، وأبو الزناد، وغيرهم. وكانت وفاته سنة ٩٤هـ (١). ٢ - نافع مولى ابن عمر: (*) هو الفقيه نافع بن هرمز، وقيل: بن كاوس، وكنيته أبو عبد الله المدني، أصابه عبد الله بن عمر في بعض مغازيه، وقال فيه بعد أن آنس منه الرغبة في العلم والاستعداد الطيب للرواية: «لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِنَافِعٍ». وقد أخلص نافع في خدمة سيده ابن عمر، وظل يخدمه ثلاثين عَامًا. ويرى بعضهم أن أصله من نيسابور، وآخرون أنه من كَابُلْ. أما يحيى بن معين فيقول فيه: «نَافِعٌ دَيْلَمِيٌّ فِيهِ لَكْنَةٌ». وكان الإمام مالك بن أنس من أصحاب نافع، بل كان «أَثْبَت أَصْحَابِهِ». كما يقول النسائي. وفيه يقول مالك: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ نَافِعٍ حَدِيثًا لا أُبَالِي أَلا أَسْمَعُهُ مِنْ [أَحَدٍ]». ومن هنا حكم الإمام البخاري بأن «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ».

стр. 385

ولم يرو نافع عن ابن عمر وحده، فإن له روايات عن أبي سعيد الخدري، والسيدة عائشة، والسيدة حفصة، مرسلاً. وروى عنه عبد الله بن دينار، والزهري، والأوزاعي، وابن إسحاق، وصالح بن كيسان، وابن جريج. وكان ابن عمر يحبة كثيرًا، وقد أعطاه فيه بعضهم ثلاثين ألفًا فأبى أن يبيعه وأعتقه في سبيل الله. وأرسله الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن ويفقههم في الدين. وكانت وفاة نافع سَنَةَ ١١٧ هـ (١). ٣ - محمد بن سيرين: هو الفقيه الزاهد العابد محمد بن سيرين الأنصاري، وكان أبوه سيرين مولى لأنس بن مالك، اشتراه من خالد بن الوليد الذي أسره في «عين التمر»، في بادية العراق قرب الأنبار. إلا أن أنسًا كَاتَبَ سيرين على شيء من المال فأدى كتابته وأصبح حُرًّا. أما أم محمد ابن سيرين فهي صفية التي كانت مولاة لأبي بكر. وكان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وتوفي سنة ١١٠هـ. وقد أدرك ثلاثين من الصحابة لكنه لم يدرك أبا بكر ولا أبا ذر الغفاري، ولا سمع من ابن عباس، ولا أبي الدرداء، ولا عمران بن حُصين، ولا السيدة عائشة: فجميع مروياته عن هؤلاء تعتبر مرسلة. لكنه روى أحاديث مسندة عن زيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وسواهم. وممن روى عن ابن سيرين: الشعبي، والأوزاعي، وعاصم

стр. 386

الأحول، ومالك بن دينار، وخالد الحذاء. وفيه يقول هشام بن حسان: «هُوَ أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ البَشَرِ». ويقول أبو عوانة: «رَأَيْتُ بن سِيرِينَ [فِي السُّوقِ] فَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلاَّ ذَكَرَ اللَّهَ». ويقول ابن سعد: «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِيًا رَفِيعًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ العِلْمِ» (١). ٤ - ابن شهاب الزهري: هو العالم الفقيه محمد بن مسلم بن عبد الله الذي قال فيه الليث بن سعد: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجَمْعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحسِنْ غَيْرَهُ، وَيُحَدِّثُ عَنِ السُنَّةُ وَالقُرْآنِ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ جَامِعًا». كان يسكن في قرية بين الحجاز والشام تسمى «أَيْلَةَ»، وقد ذهب صيته حتى أمسى مرجع علماء الحجاز والشام. وقد جالس سعيد بن المسيب ثماني سنوات في قرية بأطراف الشام تسمى «شعبدا»، وبها كانت وفاته سنة ١٢٣هـ، وقال بعضهم: بل سنة ١٢٥هـ. وكان يُدَوِّنُ ما يسمع من الحديث. قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: «كُنْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، فَقَالَ: "تَعَالَ نَكْتُبْ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ "، ثُمَّ قَالَ: " تَعَالَ نَكْتُبْ عَنْ الصَّحَابَةِ "، فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ، فَنَجَحَ وَضَيَّعْنَا"». ويروى عنه - في معرض الاستشهاد على حفظه وضبطه - أن

стр. 387

هشام بن عبد الملك سأله أن يملي على بعض ولده شيئًا، فأملى عليه أربعمائة حديث، وَخَرَجَ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ الحَدِيثِ»، فَحَدَّثَهُمْ بِتِلْكَ الأَرْبَعِمِائَةٍ. ثُمَّ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ شَهْرٍ [أَوْ] نَحْوِهِ، فَقَالَ هِشَامٌ لِلْزُّهْرِيِّ إِنَّ الكِتَابَ ضَاعَ مِنِّي، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، فَأَمْلاَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَابَلَ هِشَامٌ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ، فَمَا غَادَرَ حَرْفًا وَاحِدًا، فلما أعجب بعلمه جعله مؤدب أولاده. وضبطه للحديث بهذه الدقة والعناية هو الذي حَمَلَ عمرو بن دينار على أن يعترف بفضله ويقول: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ» فهو يحرص على رواية الحديث بنصه. وقد قيل: إن أحاديثه بلغت ألفًا ومائتين (١٢٠٠)، لكن المسند منها يناهز نصفها. روى الزهري عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن جعفر، وسهل بن سعد، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح. وله روايات مرسلة عن عبادة بن الصامت، وأبي هريرة، ورافع بن خديج وسواهم. ويرى البخاري أن أصح أسانيده «الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ»، أما أبو بكر بن أبي شيبة فيرى أن أصح أسانيده «الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيٍّ» (١). ٥ - سعيد بن جبير: هو الفقيه، المقرئ، الناسك، سعيد بن جبير الأسدى الكوفي،

стр. 388

وَيُكَنَّى «أبا عبد الله». كان سفيان الثوري يقدمه على إبراهيم النخعي ويقول: «خُذُوا التَّفْسِيْرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ». كان ابْنُ جُبَيْرٍ يكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود حين كان على قضاء الكوفة، ثم أصبح يكتب بعد ذلك لأبي بُرْدَةَ بن أبي موسى، ثم قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ لخروجه مع ابن الاشعث. وقد روى سعيد بن جبير عن عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأحاديثه مسندة عن هؤلاء. إلا أنه لم يسمع من أبي هريرة وأبي موسى الأشعري، وعلي، والسيدة عائشة، فكل مروياته عن هؤلاء مرسلة. ويقول يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ في مرسلاته هذه: «مُرْسَلاَتُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُرْسَلاَتِ عَطَاءٍ». وروى عنه الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وَيَعْلَى بن حكيم الثقفي، وسِماك بن حرب وغيرهم. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: «مَاتَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ رَجُلٌ إِلاَّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ» (١). ٦ - الإمام أبو حنيفة: أبو حنيفة هي الكنية التى اشتهر بها، أما اسمه فهو النعمان بن ثابت بن زُوطَى، وهو تَيْمِيٌّ بالولاء، إذ كان مولى لِتَيْمٍ الله بن ثعلبة الكوني، ولكن أصله من فارس. وهو تابعي لأنه رأى من الصحابة

стр. 389

أنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبا الطفيل عامر بن واثلة، وروى عن بعض هؤلاء، ويقول بعض العلماء إنه روى عنهم جميعًا. أخذ أبو حنيفة الفقه والحديث عن عطاء، ونافع، وابن هرمز، وحماد بن أبي سليمان، وعمرو بن دينار وغيرهم، وروى عنه أصحابه: أبو يوسف، وَزُفَرْ، وأبو مطيع البلخي، وابن المبارك، والحسن بن زياد، وداود الطائى، ووكيع، وآخرون. وقد شهد له العلماء بسعة المعرفة، والفقه، وقوة الحجة. قال الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ». وقال الليث بن سعد: «قَابَلْتُ مَالِكًا بِالمَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: " إِنِّي أَرَاكَ تَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِكَ "، قَالَ: " عَرَقْتُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِنَّهُ لَفَقِيهٌ يَا مِصْرِيُّ ". ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَحْسَنَ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلَ فِيكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَسْرَعَ مِنْهُ بِجَوَابٍ صَادِقٍ وَنَقْدٍ تَامٍّ "». وهو بلا ريب فقيه أكثر منه مُحَدِّثًا، ولكن معرفته بالحديث لم تكن قليلة إلى الحد الذي يصوره به بعضهم، فقد جمع له محمد بن محمود الخوارزمي خمسة عشر مسندًا، وفي كتاب " الآثار " لصاحبه محمد بن الحسن كثير من الأحاديث التي أخذها محمد عنه. ولكن الفقه ظل الصفة البارزة فيه، وحسبه أنه مؤسس المذهب الحنفي المُسَمَّى باسمه، وإمام أهل الرأي. ولقد كان أبو حنيفة تَقِيًّا وَرِعًا، يكسب حياته من عمل يده، ولا يقبل جوائز العلماء، إِبَاءً وَأَنَفَةً وَتَرَفُّعًا بكرامة العلماء أن تذل

стр. 390

أَوْ تُهَانَ. أراد أبو جعفر أن يكرهه على القضاء، وحبسه وضربه مائة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة، ليحمله على قبول ذلك المنصب، ولكنه أبى، وتوفي بالسجن سنة ١٥٠هـ في بغداد. وفيه يقول ابن المبارك: «أَفْقَهُ النَّاسِ أَبُو حَنِيفَةَ، مَا رَأَيْتُ فِي الفِقْهِ مِثْلَهُ، وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَغَاثَنِي بِأَبِي حَنِيفَةَ لَكُنْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ، كَانَ وَرِعًا سَخِيًّا صَاحِبَ غَوْصٍ عَلَى المَسَائِلِ» (١)
следующие страницы →