Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
إلا بعد الزوال وقال غيرواحد هو مذهب الجمهور وخالف فى ذلك عطاء وطاووس.
ويستحب قبل صلاة الظهر لفعله ﷺ ورخص بعض الحنفية فى الرمي يوم النفر قبل الزوال والأحاديث الصحيحة المستفيضة رد عليهم وإن أخر الرمي إلى اليوم الثالث رماه كله فيه ويرتبه بنية لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي.
(وللخمسة) وغيرهم (عن عاصم بن عدي) صحابي مشهور وكان حليفا لبني عبيد بن زيد الأنصاري مات سنة خمس وأربعين وله مائة وعشرون (أن النبي ﷺ رخص لرعاة الإبل) بضم الراء جمع راع (فى البيوتة عن منى) أي في ترك البيتوتة بها ليالي أيام التشريق لأنهم مشغولون برعي الإبل وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها ولا يمكنهم الجمع بين الرعي والمبيت فيجوز لهم ترك المبيت للعذر والرمي على الصفة المذكورة.
(يرمون يوم النحر) أي جمرة العقبة يوم العيد ولا يبيتون بمنى (ثم يرمون ليومين) أي يرمون اليوم الثالث لذلك اليوم واليوم الذي فاتهم الرمي فيه وهو اليوم الثاني (ثم يرمون يوم النفر) أي اليوم الرابع إن لم يتعجلوا (صححه الترمذي)
وابن حبان يرتبون الجمرات الثلاث بالنيه لليوم الأول ثم
للثاني ثم للثالث وكذا كل ضرورة داعية يشق معها
стр. 1017
المبيت مشقة لاتحتمل عادة وتقدم ترخيصه للسقاة وقيس على ذلك مما هو مثلهم في العذر وهو مذهب جمهور العلماء.
فصل في النفر
أي الذهاب من منى إلى مكة والوداع وما يتعلق بذلك والنفر بالتحريك التفرق من نفر ينفر نفورا ونفارا فر وذهب والنفر الأول والثاني من منى.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي استعجل بالنفر من الحج في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد رمي جماره ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تعجيله وذلك أنه على الحاج أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانيه من أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرون حصاة عند كل جمرة بسبع حصيات كما تقدم إلا أنه رخص لرعاة الإبل وأهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى يبيت ليلة الثالث ويرمي يوم الثالث جماره أو لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في تأخيره فقد خيره تعالى ونفى الحرج سواء في ذلك مريد الإقامة بمكة وغيره
والأفضل أن يمكث ويرمي لفعله ﷺ ونفي الإثم لايقتضي
стр. 1018
المساواة لنزولها بسبب أن الجاهلية منهم من يؤثم المتقدم ومنهم من يؤثم المتأخر.
فنفي الإثم تعالى عنهما لأخذ أحدهما بالرخصة والآخر بالأفضل ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أى لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئًا نهاه الله عنه أو يغفر لهما بسبب تقواهما فلا يبقى عليهما ذنب ولما ذكر تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم حجهم إلى سائر الأفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
(وقال عمر) ابن الخطاب رضى الله عنه (من أدركه المساء) أي غابت عليه الشمس (في اليوم الثاني) أي من أيام التشريق قبل أن ينفر (فليقم) أي يلزم المبيت بمنى (إلى الغد) من اليوم الثالث من أيام التشريق ويرمي الجمرات (حتى ينفر مع الناس) النفر الثاني قال الشيخ وغيره ثبت هذا الأثر عن عمر ورواه مالك عن ابن عمر وقال ابن المنذر ثبت عن عمر وهو قول أحمد والشافعي ورواية عن أبي حنيفة وهو مذهب جماهير العلماء وأكثر الفقهاء وقاله شيخ الإسلام وغيره.
وقال ولأن الشارع جوز التعجيل في اليوم وهو اسم لبياض النهار فإذا غربت الشمس خرج من أن يكون في اليوم فهو ممن تأخر فلزمه المبيت بمنى والرمي بعد الزوال ونص عليه
стр. 1019
جمهور أهل العلم. ثم إن نفر في اليوم الثاني ثم رجع في اليوم الثالث لم يضره رجوعه وليس عليه رمي لحصول الرخصة قال ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث وقال وليس له التعجيل لأجل من يتأخر.
(وعن أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء) يعني بالمحصب وللبخاري عنه صلى الظهر يوم التروية بمنى والعصر يوم النفر بالأبطح قال الحافظ وقوله صلى الظهر يعني بالمحصب لا ينافي أنه لم يرم إلا بعد الزوال لأنه رمى فنفر فنزل المحصب فصلى الظهر به والعصر والمغرب والعشاء (ثم رقد رقدة) وللبخاري عن ابن عمر نحوه وفيه ويهجع هجعة (بالمحصب) اسم لمكان كان متسعا خارج مكة عند خيف بني كنانة فيما بينه وبين ثنية كداء ويقال له الأبطح وهو ما انبطح من الوادي واتسع قال الحافظ مابين الجبلين على المقبرة.
وللبخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعه أي نام يسيرا (ثم ركب) يعني ناقتة القصواء (إلى البيت) أي ليطوف به (فطاف به) أي طواف الوداع (رواه البخاري) قال الشيخ ثم إذا نفر من منى فإن بات بالمحصب وهو الأبطح وهو ما بين
الجبلين إلى المقبرة ثم نفر بعد ذلك فحسن فإن النبي ﷺ بات به وخرج ولم يقيم بمكة بعد صدوره من منى) لكنه
стр. 1020
ودع البيت. وقال لاينفرن أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت.
وقال ابن القيم اختلف السلف في التحصيب هل وهو سنة أو منزل اتفاق؟ فقالت طائفة هو من سنن الحج لما في الصحيحين نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر فقصد إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله ولمسلم أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلونه وابن عمر يراه سنة وذهبت طائفة منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو منزل اتفاق.
وقال أبو رافع لم يأمرني ولكن أنا ضربت قبته فيه ثم
جاء فنزل فأنزل الله فيه بتوفيق تصديقا لقوله ﷺ ولا خلاف
فى عدم وجوبه وصرح شيخ الإسلام وغيره أنه لو سافر
لبلده من منى ولم يأتي مكة بعد طواف الإفاضة لم يكن عليه وداع وقال في الفروع وإن ودع وأقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه.
(ولهما عن ابن عباس) رضى الله عنهما قال (أمر الناس) بالبناء للمجهول والمراد به النبي ﷺ (أن يكون آخر عهدهم) رؤيتهم وليقيهم (بالبيت الطواف) وفي لفظ لمسلم كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ لاينفرن أحد حتى
стр. 1021
يكون اخر عهده بالبيت وفيه دليل على وجوب طواف الوداع قال النووي وغيره وهو أكثر قول العلماء وورد فيه أمره ﷺ به ونهيه عن تركه وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب.
ولاريب أنه يفيد الوجوب كما هو مذهب جماهير السلف والخلف إلا ما روي عن مالك مستدلاً بالتخفيف عن الحائض وأجابوا بأنه دليل الإيجاب أن بتركه دمًا إذ لو لم يكن واجبًا لما أطلق عليه لفظ التخفيف ولفظه (إلا أنه خفف) يعني طواف الوداع.
(عن الحائض) وظاهره عدم وجوبه عليها فلا يلزمها عند عامة الفقهاء ولا تنتظر الطهر لسقوطه عنها من أصله ومفهومه وجوبه على من سواها قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم وفي الصحيحين في قصة صفية وكانت حاضت بعد طواف الإفاضة فأمرها أن تنفر.
وهو أصل في سقوط الوداع عنها وألحق الطبري وغيره من خاف نحو ظالم وغريم وفوت رفقة وقال شيخ الإسلام هو واجب على من سواها عند الجمهور وليس من الحج وإن خرج غير حاج فظاهر كلامه لايجب عليه ولاوداع على أهل مكة ولامن أقام بها بإجماع من أوجبه ولو خرج من مكة لحاجة فطر له السفر. لم يلزمه دخولها لأجل طواف الوداع لأنه لم يخاطب به حال خروجه.
ووقته أذا فرغ من جميع أموره وإن قضى حاجته في
стр. 1022
طريقه. أو اشترى زادًا أوشيئًا في طريقه لم يعد لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون اخر عهده بالبيت قاله شيخ الإسلام وغيره وهو مذهب جمهور أهل العلم وقال فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها لكن إن قضى حاجة أواشترى شيئا في طريقه بعد الوداع أودخل المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه وإن أقام بعد الوداع أعاد ليكون اخر عهده بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وجيرانه (ولأبي داود) وأحمد وغيرهما إلا أن في سنده مقالا (عن عبد الرحمن بن صفوان) بن قدامة قيل قرشي وقيل جمحي له صحبة وبلاء حسن وصداقة مع العباس (قال لما فتح رسول الله مكة) سنة ثمان من الهجرة وفي لفظ لما قدم مكة ودخل البيت لبست ثيابي ثم انطلقت و (وافقته قد خرج من الكعبة وللخمسة إلا النسائي وصمم الترمذي إنه دخل الكعبة وقال وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي.
ولأحمد والنسائي عن أسامة دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه ثم هلل وكبر ودعا ثم فعل ذلك بالأركان كلها وثبت دخوله من حديث ابن عباس وغيره عند البخاري وغيره وللترمذي وصححه عن
стр. 1023
بلال أنه ﷺ صلى في جوف الكعبة قال والعمل عليه عند أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسًا.
قال الشيخ فإذا دخل مع الباب تقدم حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع والباب خلفه فذلك المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ وإن لم يدخله فلا بأس وقال ليس دخوله فرضًا ولا سنة مؤكدة بل حسن وأخذ بيد عائشة لما سألته دخوله فأدخلها الحجر وهو ﷺ لم يدخله في حجه ولا عمرته وإنما دخله عام الفتح قال ابن القيم لتطهيره مما كان فيه من طواغيت الجاهلية وأوثانها.
قال (وأصحابه قد استلموا البيت) أي قد وضعوا صدورهم عليه وأيديهم فلمسوه وتناولوه (من الباب إلى الحطيم) وهو ما بين الركن والباب كما ذكره المحب الطبري وغيره. وكذا قال غير واحد أنه من الحجر الأسود إلى الباب. وقال ابن عباس الملتزم ما بين الركن والباب. ولا نزاع في ذلك. سمي بذلك لأن الناس كانوا يحطمون هناك بالإيمان ويستجاب فيه الدعاء للمظلوم على الظالم. وقل من حلف. هناك يعني كاذبًا إلا عجلت له العقوبة. وكذا قال أهل اللغة. لأنه تحطم فيه الذنوب (وقد وضعوا خدودهم على البيت).
ولأبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: طفت مع عبد الله. فلما جاء دبر الكعبة. قال أعوذ بالله من
стр. 1024
النار ثم مضى حتى استلم الحجر. فقام بين الركن والباب فوضع صدره وذراعيه وكفيه هكذا. وبسطهما بسطًا. وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله ولا بن ماجه نحوه ففيه استحباب وضع الخد والصدر على البيت بين الركن والباب قال (ورسول الله ﷺ وسطهم) بالتسكين لأنه بمعنى بيت. أي فكان ﷺ شريكًا لهم في هذا العمل الصالح. ومن حديث عمرو بن شعيب أنه ﷺ يلزق وجهه وصدره بالملتزم.
ودلت الأحاديث على استحبابه. ولأنه موضع تجاب فيه الدعوات. قال ابن عباس لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. وقال الشيخ يقف إن أحب وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع. فإن هذا الألتزام لا فرق أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة وقال ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنا.
وإن شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس، ولفظه اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازداد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأي عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك اللهم فاصحبني العافية في
стр. 1025
جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شئ قدير. ويدعو بما أحب ويصلى على النبي ﷺ .
قال شيخ الإسلام وغيره ويشرب من ماء زمزم لما أحب، ويدعو بما ورد ومن حمل منه جاز، فقد كان السلف يحملونه، ويستلم الحجر ويقبله، ثم يخرج ولا يقف، ولا يلتفت ولا يمشي القهقري بعد وداعه، وذكر أنه بدعة مكروهة بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد بعد الصلاة، وتقف الحائض والنفساء بباب المسجد ولا تدخله، لأنها ممنوعة من دخوله، وتدعو بالدعاء الذي سبق وبغيره.
باب الفوات والإحصار
أي بيان أحكامها، وما يتعلق بذلك، والفوات مصدر فات إذا سبق فلم يدرك وهو هنا كذلك لغة واصطلاحًا، ولا يتأتى إلا في الحج إذ العمرة لا تفوت إلا تبعا لحج القارن والإحصار مصدر حصره إذا حبسه، وأصل الحصر المنع والحبس عن السفر وغيره.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي دون تمام
الحج والعمرة فحللتم (ف) ـعليكم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدْيِ﴾ ما يهدى إلى البيت وأعلاه بدنه وأوسطه بقرة
وأدناه شاة. قال ابن عباس شاة لأنه أقرب إلى اليسر قال
الإمام العادل أبو المظفر الصحيح عندي ما
стр. 1026
ذهب إليه الشافعي في قوله الجديد وأحمد فإن قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ محمول على العموم في حق كل من أحصر سواء كان قبل الوقوف أو بعده، وبمكة أو غيرها، وسواء كان طاف بالبيت أو لم يطف وأن له أن يتحلل كما قال الله تعالى، وأطلق ذلك في قوله ولم يخصصه واختاره الشيخ.
وقال الزركشي لعلها أظهر لظاهر الآية. والآية نزلت رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا من إحرامهم. ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر لأنه ثبت في الصحيح وغيره أن النبي ﷺ ذبح الهدي عام الحديبية بها ثم قال تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه. وقال ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يبلغ محله، قال ابن القيم ولا يلزم نحره في الحرم. ولو قدر على أطرافه اهـ.
ومذهب أحمد الشافعي والجمهور يجب عليه الهدي ولا يتحلل إلا بهدي ينحره في محله في وقت حصره، وقال أبو حنيفة في الحرم. وفعل الرسول ﷺ وأصحابه أولى بالاتباع. وحكى الوزير الإتفاق على أن الإحصار بالعدو يبيح التحلل وقال في المبدع وغيره بغير خلاف. والمراد وأردتم التحلل. إذ الأحصار بمجرده لا يوجب هديا. وقال ابن القيم ولا يلزم المحصر هدي ولا قضاء لعدم أمر الشارع.
وقال أبو حنيفة المحصر بالمرض كمن أحصر بالعدو سواء
стр. 1027
وهو رواية عن أحمد. وقول جماعة من السلف. واختاره الشيخ. وقال غير واحد من أهل اللغة لفظ الإحصار إنما هو للمرض. يقال أحصره المرض إحصار فهو محصور. قال الزهري هو كلام العرب. استفيد حصر العدو بطريق التنبيه فيكون حكمه حكم من حصره العدو. قال ابن قتيبة في الآية هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو. يقال أحصره فهو محصر. وقال ابن القيم لو لم مات يأت نص يحل المحصر بالعدو يقتضيه فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه.
(ولما فرغ رسول الله ﷺ من صلح الحديبية) أي من قضية الكتاب لأصحابه ويأتي (قال لأصحابه قوموا فانحروا) أي الهدي من الإبل، واذبحوا سواها من البقر والغنم (ثم احلقوا) رؤوسكم ويجزئ التقصير. فعند ذلك قال: "اللهم اغفر للمحلقين) وتقدم (رواه البخاري) وغيره عن المسور. ومروان في قصة عمرة الحديبية. وله عن ابن عمر وابن عباس أنه ﷺ "نحر ثم حلق".
فدل على أن الحصر يقدم النحر على الحلق. وله أيضًا عن المسور أن النبي ﷺ "نحر قبل أن يحلق. وأمر أصحابه بذلك " ولأحمد "ونحر بالحديبية قبل ان يحلق وأمر أصحابه بذلك". وقال أكثر أصحاب أحمد يجب الحلق وفاقا لأبي حنيفة ومالك والشافعي. واختاره القاضي وغيره. ولا فرق في ذلك بين كون
стр. 1028
الحصر عامًا أو خاصًا ولا بين كون الحج صحيحًا أوفاسدًا ولاقبل الوقوف أوبعده.
ولا قضاء على المحصر المتطوع بحصر خاص أوعام وإن اقترن به فوات الحج إذ لم يرد الأمر به والذين أحصروا مع النبي ﷺ عام الحديبية لم يعتمر معه ﷺ منهم في عمرة القضية إلاالبعض فعلم أنها لم تكن قضاء ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء لأنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الزمان له فلم يجب قضاؤه وفارق الفوات لأنه منهما بخلاف المحصر وتقدم قول ابن القيم لايلزم المحصر هدي ولاقضاء لعدم أمر الشارع بهما وهو مذهب أبي حنيقة.
فأما الفرض فيجب إجماعًا لوجوبه في الذمة قبل الشروع فيه وقال بعض أهل العلم إن فقد الهدي صام عشر أيام ثم حل وهو مذهب أحمد وأحد قولي الشافعي والجمهور على جواز التحلل قبل الإتيان بالبدل من غير توقف على الصوم لتضرره ببقائه على إحرامه إلى فراغ الصوم ولا إطعام في الاحصار ومن له طريق إلى الحج وأمكنه سلوكه لزمه والأولى لمعتمر وحاج اتسع زمن إحرامه الصبر أن غلب على ظنه انكشاف العدو وإمكان الحج.
(وعن عكرمة) مولى عبد الله بن عباس كان من أعلم الناس ووثقه جماعة وتكلم فيه لرأيه لا لحفظه مات سنة مائه وخمس
стр. 1029
(عن الحجاج بن عمرو) بن أبي غزية الأنصاري المازني ﵁.
(قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كسر) بضم الكاف وكسر السين أي أصابه كسر لايستطيع إكمال النسك معه (أو عرج) بفتح المهملة وكسر الراء أي أصابه شيء في رجله وليس بخلقه ولأبي داود وابن ماجه أومرض ولأحمد من حبس بكسر أومرض وهو محرم بحج أوعمرة (فقد حل) أي يصير حلالا بحصول ذلك المانع وممن يجوز له الحل بعد أن كان ممنوعًا منه.
وتقدم قول ابن القيم ولو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو ويقتضيه فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه اهـ. وكذا كل عذر حكمه حكمها كإعواز النفقة والضلال في الطريق وبقاء السفينة في البحر وهو قول كثير من الصحابة ومذهب الحنفية وغيرهم (وعليه حجة أخرى) يعنى من قابل كما يأتي (قال) عكرمة (فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق) يعني الحجاج بن عمرو فيما أخبر به عن رسول الله ﷺ (رواه الخمسة) وغيرهم وأقره الذهبي وحسنه الترمذي.
وقال غير واحد هو حديث حسن يحتج بمثله وظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض ونحوه كما
стр. 1030
تقدم واختار الشيخ أن الحائض لها التحلل كمن حصره عدو فإن الله لم يوجب على المحصر أن يبقى محرمًا حولاً بغير اختياره.
(وأمر عمر ﵁ وغيره) يعني ابنه عبد الله وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم وغيرهم كما أخرجه مالك وغيره أنهم أمروا (من فاته الحج) وهو أن يفوته الوقوف بعرفة يوم عرفة (أن يحل) ولا بد (بعمرة) لأن قلب الحج عمرة جائز بلا حصر فمعه أولى وأجمعوا على أن من هذه صفته لايخرج من إحرامه إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.
(ثم يحج قابلا) أي وأن عليه الحج السنة المقبلة إن كان فردًا إجماعا أو نفلاً لأنه مفرط وهو مذهب الجمهور وللدار قطني عن ابن عباس مرفوعا من فاته عرفات فاته الحج وليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل وعمومه متناول للفرض والنفل بخلاف المحصر (ويهدي رواه الشافعي) ومالك والبيهقي والأثرم وغيرهم فعمر أمر أبا أيوب وهبار بن الأسود حيث فاتهما الحج أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا ثم يحجا من قابل ويهديا.
والجمهور أن عليه الهدي للإجماع على أن من حبسه المرض حتى فاته الحج فعليه الهدي وحكي أنهم اتفقوا على أن من فاته الحج لايبقى محرمًا إلى العام القبل وحكاه ابن رشد
стр. 1031
قول جمهور العلماءوإن كان اشترط في ابتداء إحرامه أن محله حيث حبس فله التحلل بلا هدي ولا قضاء ثم إن تحلل المحصر وأمكنه الحج لزمه إن كان واجبًا على الفور وإن كان فاسدًا وتحلل منه قضاه في عامه إن أمكنه قال الموفق ولا يتصور في غيرها.
وإن أخطأ الناس فوقفوا فى الثامن أوالعاشر أجزأهم إجماعا وإن وقفوا في الثامن ثم علموا قبل فوت الوقت وجب الوقوف في الوقت وإن لم يعلموا أجزأ وإن كان الخطأ من الجمهور فقد ألحق الأكثر بالكل لقوله ﷺ الحج يوم يحج الناس والمشقة القضاء عليهم مع كثرتهم مشقة عظيمة ولإنهم لا يأمنون وقوع مثله في القضاء ولو أخطؤا لغلط في العددأوفي الطريق ونحوه فوقفوا في العاشر لم يجزئهم قال الشيخ إجماعا.
باب الهدي والأضحية
يعني والعقيقة الهدي ما يهدى للحرم من نعم وغيرها سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله تعالى من أهديته أهدية إهداء وأصله التشديد من هديت الهدي أهديه والأضحية واحدة الأضاحي وجمعها ضحايا وكذا أضحاه بضم الهمزة وكسرها والجمع أضحى كأرطأة وأرطى ويقال ضحية وأجمع المسلمون على مشروعيتهما لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وغيرها ولما تواتر من فعله ﷺ .
стр. 1032
قال ابن القيم والذبائح التي هي قربة إلى الله تعالى وعبادة هي الهدي والأضحية والعقيقة وقال القربان للخالق يقوم مقام الفدية عن النفس المستحقة للتلف فدية وعوضا وقربانا إلى الله وعبودية ولم يكن ﷺ يدع الهدي فثبت أنه أهدى مائة من الإبل في حجة الوداع وأرسل هديا في غيرها.
ولم يكن يدع الأضحية وأوجبها أبو حنيفة على كل حر مسلم مقيم مالك نصاب وروي عن مالك ولأحمد وغيره في الأضاحي هي سنة أبيكم إبراهيم قالوا مالنا منها قال بكل شعرة حسنة وذكر أنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر وأنها تأتي يوم القيامةعلى الصفة التي ذبحت عليها ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض.
وقال الجمهور سنة مؤكدة على كل من قدر عليها من المسلمين المقيمين والمسافرين إلا الحاج بمنى فقال مالك لاأضحية عليهم اختاره شيخ الإسلام وغيره ولم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل ورخص بعض أهل العلم في الأضحية عن الميت ومنعه بعضهم وقول من رخص مطابق للأدلة ولا حجة مع من منع.
(قال تعالى ذَلِكَ) أي الأمر والشأن ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أعلام دينه ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي تعظيم شعائر
стр. 1033
الله من أفعال ذوي تقوى القلوب وذكر القلوب لأنها مراكز التقوى والمخلص تكون التقوى متمكنة في قلبه فيبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص قال ابن عباس شعائر الله البدن والهدي وأصلها من الإشعار وهو الإعلام التي تعرف به أنها هدي وتعظيمها استسمانها واستحسانها واستعظامها وروي استفرهوا ضحاياكم فأنها في الجنة مطاياكم ويأتي الحث على ذلك.
﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي في البدن ﴿مَنَافِعَ﴾ اي في درها ونسلها وصوفها ووبرها وركوب ظهرها ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ أي إلى أن يسميها ويوجبها هديا فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها وقيل لكم فيها منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا بأن تركبوها وتشربوا من ألبانها عند الحاجة إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها وتقدم جواز ركوبها عند الحاجة ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي منحرها عند البيت العتيق والمراد جميع أرض الحرم وتقدم قوله ﷺ نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ سلفت قبلكم ﴿جَعَلْنَا
مَنْسَكًا﴾ وهو موضع القربان فلم يزل النسك مشروعا على
اسم الله في جميع الملل ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا
رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ﴾ أي عند ذبحها ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ﴾ يعني فسموا على الذبح اسم الله وحده ﴿فَلَهُ
أَسْلِمُوا﴾ اخلصوا ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المتواضعين
стр. 1034
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
ثم امتن تعالى على عبيده فيما خلق لهم، وقال: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ يعني الإبل والجمهور والبقر جمع بدنة سميت بدنة لعظمها وضخامتها ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ تهدى إلى البيت الحرام ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ من أعلام دينه لأنها تنغر أي تطعن بحديدة في سنامها فيعلم بذلك أنها هدي ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ منافع في الدنيا وثواب في الآخرة ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ يعني عند نحرها ﴿صَوَافَّ﴾ يعني على ثلاث قوائم قد صفت رجليها ويدها اليمنى والأخرى معقولة فينحرها كذلك.
ورأى ابن عمر رجلا أناخ بدنة ينحرها فقال ابعثها قياما وقرىء صوافي أي صافية خالصة لله لاشريك له شرعا لكم لتذكروه عند ذبحها وقال ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت على الأرض بعد النحر وذهبت نفسها فسقطت على جنوبها وأصل الوجوب السقوط ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ أي الحابس في بيته المتعفف قد قنع بما يعطى ولا يسأل ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المتعرض لذلك تطعمه.
واستدل بهذه الاية بعض أهل العلم أنها تجعل أثلاثا ويأتي ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ لتمكنوا من نحرها ﴿لَعَلَّكُمْ
стр. 1035
تَشْكُرُونَ﴾ نعم الله عليكم ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ أي لن ترفع إلى الله لحومها ﴿وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ أي ولكن ترفع إليه الأعمال الصالحة.
(وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال ما عمل ابن ادم يوم النحر عملا) ويجوز أيضا ذبحها في أيام التشريق (أحب إلى الله) فيه أن الله يحب منا الأعمال الصالحة ويثيبنا عليها (من هراقه دم) بكسر الهاء وهي بدل من همزة أراق يقال آراقه وهراقه هراقة (رواه) ابن ماجه و (الترمذي) وحسنة ولابن ماجه وأحمد عن زيد بن أرقم ما هذه الأضاحي قال سنة أبيكم إبراهيم قالوا ما لنا منها قال بكل شعرة حسنة وللدار قطني عن ابن عباس مرفوعا ما انفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد.
وفيه أحاديث كثيرة تدل على فضل ذبح الأضحية وكذاالهدي ولا نزاع في ذلك وصرح ابن القيم وغيره بتأكد سنيتها وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها لأنه ﷺ وخلفاءه واظبواعليها وعدلوا عن الصدقة بثمنها وهم لايواظبون إلا على الأفضل ودلت هذه الأحاديث على أنها أحب الأعمال إلىلله يوم النحر وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض.
وهي سنة إباهيم الخليل ﵊ لقوله
стр. 1036
تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وأن للمضحي بكل شعرة حسنة وأن الدراهم لم تنفق في عمل صالح أفضل من الأضحية والمراد إذا وقعت لقصد التسنن وتجردت عن المقاصدالفاسدة وكانت على الوجه المطابق للحكمة في شرعها.
(وعن أمامة بن سهل) ﵁ أنه قال (كنا) يعني أصحاب رسول الله ﷺ (نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون) بالمدينة وغيرها (يسمنون) يعني أضاحيهم (رواه البخاري) ولفظ أبي نعيم كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها رغبة في إعظامها ويروى استفرهوا ضحاياكم فإنها في الجنة مطاياكم وتقدم أن استسمانها من تعظيم شعائر الله.
فدل على استحباب تسمين الأضحية وهو قول الجمهور إلاما روي عن بعض أصحاب مالك ورد لأن الظاهر إطلاع النبي ﷺ على ذلك ولأنه من تعظيم شعائر الله المثنى عليها بأنها من تقوى القلوب.
(والمسلم عن جابرأن رسول الله ﷺ قال لاتذبحوا إلا مسنة) وهي الثنية من الإبل والبقر والغنم فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجزىء الجذع وهومذهب الجمهور إلا من الضأن للأحاديث المقتضية بإجزائه المخصصة لهذا الخبر
فللترمذي حديث أبي هريرة نعمت الأضحية الجذع من
стр. 1037
الضأن ورواه أحمد وغيره وله من حديث هلال نحوه وأبي داود من حديث أبي مجاشع وللنسائي عن عقبة قال أصابني جذع فقال رسول الله ﷺ ضح به.
وقوله (إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) وهي ما تم لها ستة أشهر حمله الجمهور على الاستحباب والأفضلية فتقديره يستحب لكم أن لاتذبحوا إلامسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لاتجزىء بحال وصرح النووي أن الأمة أجمعت على أنه ليس على ظاهره لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه فيتعين تأويل الحديث على استحباب الأخبار المقتضية للتأويل منها نعمت الأضحية الجذع من الضأن وغيره.
وفي السنن خير الأضحية الكبش الأقرن وقال بعضهم جذع الضأن أفضل من مسنة المعز وقال الوزير اتفقوا أنه لا يجزىء من الضأن إلاالجذع وهو ما له ستة أشهر وقد دخل في السابع ويعرف بنوم الصوف على ظهره فإنه كانت تعرفه العرب بذلك.
واتفقوا أنه لا يجزئ مما سوى الضأن إلا الثني على
الإطلاق من المعز والإبل والبقر لأنه ﷺ وأصحابه لا يذبحون
إلا ذلك وقال اتفقوا على أن من ذبح الأضحيه من
стр. 1038
هذه الأجناس بهذه الأسنان فما زاد فإن أضحيته مجزئة صحيحة وأن من ذبح منها ما دون هذه الأسنان من كل جنس منها لم تجزئه أضحيته
(ولهما عنه قال أمرنا) وفي لفظ أمرنا رسول الله ﷺ (أن نشترك في الإبل والبقر) يعني في الهدي ولمسلم وحضر جابر الحديبية قال نحرنا يومئذ سبعين اشتركنا (كل سبعة منا في بدنة) وفي لفظ قال لنا اشتركوا في الإبل والبقر كل سبعة في بدنة رواه البرقاني على شرطهما وفي لفظ اشتركنا في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة فقال رجل منا لجابر أيشترك في البقر؟ ما يشترك في الجزور فقال ما هي إلا من البدن رواه مسلم وله عنه قال نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدن عن سبعة والبقرة عن سبعة ولأحمد عن حذيفة قال شرك رسول الله ﷺ في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة ورجاله ثقات.
فدلت هذه الأحاديث على أن البدنة تجزئ في الواجب عن سبعة وهذا مذهب جمهور أهل العلم أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة اهـ. وسواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم وبعضهم اللحم لأن الجزء المجزئ لاينتقص بإرادة الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب.
стр. 1039
وحكى ابن رشد أنه إجماع ويؤيده أنه جاز رجل إلى
النبي ﷺ فقال علي بدنة ولا أجدها فأمره أن يبتاع سبع
شياه فيذبحها رواه أحمد وقال الوزير اتفقوا على سبيل
الإرفاد أجازه بالأثمان والأعراض مالك والشافعي وأحمد
وقال وأجاز الشافعي وأحمد الاشتراك مطلقا وأما الإجزاء عنه وعن أهل بيته ونحوذلك في التطوع فجنس الإبل والبقر
أفضل من جنس الغنم. وشاة أفضل من سبع بدنة ورجح
الشيخ تفضيل البدنة السمينة على السبع وإجزاء الواحدة
من الغنم لا نزاع فيه فالبدنة والبقرة أولى وأما التشريك في
أكثر من سبعة في بدنة أو بقرة أو في السبع منهما فمفهوم
هذا الحديث تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته أنه لايحزئ
لأنه شرك في دم وجزم به شيخنا وغيره
(وعن البراء) بن عازب ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال أربع لاتجوز) أي لا تجزئ (في الأضاحي) وكذا
الهدي أحدها (العوراء) أي الناقة أوالبقرة أوالشاة الذاهب
بصر إحدى عينيها (البين عورها) قيل الواضح ذهاب
جرمها بان انخسفت عينها لاالقائمة العين وهي التي لم
تنخسف إلا أنها لاتبصر بها أو عليها بياض ورجح أهل
الحديث عدم الإجزاء إذا ذهب بصر إحدى
стр. 1040
عينيها بأي حال من الأحوال سواء فقدت الحدقة أوبقيت لفوات المقصود وهو النظر وجاء النهي عن البخقاء وهي التي تبخق عينها فيذهب بصرها والعيب صحيحة الصورة في موضعها (والمريضة البين مرضها) أي الذي بان أثره عليها وهو المفسد للحمها بقروح وجرب وغيره (والعرجاء البين ظلعها) بفتح الظاء أي عرجها وهي التي لاتطيق مع الصحيحة.
(والكبيرة التي لا تنقي) بضم التاء أي قد ذهب مخ عظامها لهزالها وانقت الإبل وغيرها إذا سمنت وصار فيها
نقي وهو مخ العظم وشحم العين من السمن فدل الحديث
على أن متبينة العور والعرج والمرض لا يجوز التضحية بها
إلا ما كان منها يسيرا غير بين وكذا الكبيرة التي لا تنقي
قال النووي أجمعوا على أن التي فيها العيوب المذكورة في
حديث البراء وهي المرض والعجف والعور والعرج البينات
لا تجزئ التضحية بها.
وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه وقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه لا يجزئ ذبح معيب ينقص العيب لحمه وعدوا ما في الخبر منه وفي المبدع وألحق في ذلك أن يناط الحكم بفساد اللحم لأنه أضبط.
(وعن علي) ﵁ (أمرنا رسول الله ﷺ أن
стр. 1041
نستشرف العين والأذن) الاستشراف النظر إلى شيء على التأمل أي أن نشرف عليهما ونتأملهما كي لا يقع فيهما نقص وعيب ولهم عنه وصححه الترمذي نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن قال سعيد بن المسيب العضب النصف فأكثر وأما الهتماء وهي التي ذهب بعض أسنانها فقال الشيخ تجزئ في أصح الوجهين.
وقيل لا تجزئ الجداء وهي التي نشف ضرعها فإذا وجد فيها لبن فليست بجداء وجاء النهي عن الجدعاء وهي مقطوعة الأنف أو الأذن أو الشفة وهو بالأنف أخص وقال عتبة إنما نهى عن المصفرة بالراء المخففة مستأصلة الأذن وقيل إنها المهزولة لخلوها من السمن وأما المستأصلة فالمراد قرنها من أصله.
(وأن لا نضحي بمقابلة) بفتح الموحدة وهي التي قطعت أذنها وتركت معلقة (ولا مدابرة) أي قطعت من جانب (ولا شرقاء) أي مشقوقة الأذن طولا ولا خرقاء وهي التي في أذنها خرق مستدير (رواهما الخمسة وصححهما الترمذي) وحديث البراء رواه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه النووي وحديث علي أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبزار والبيهقي وظاهرهما التحريم والفساد وذكر الخلال أنهم اتفقوا على ذلك.
وتجزئ الصمعاء وهي صغيرة الأذن والجماء التي لم يخلق لها قرن لعدم النهي ولأنه لا يخل بالمقصود ويجزئ خصي
стр. 1042
غير مجبوب وقال أحمد والخصي أحب الينا من النعجة لأن لحمه أوفر وأطيب.
(وللبخاري عن أنس قال نحر النبي ﷺ سبع بدن) بسكون الدال جمع بدنة بفتحها (قياما) وقال تعالى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي قياما على ثلاث قوائم وعن جابر من طريق عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ أصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة يدها اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها فتطعن في الوهدة التي في أصل العنق والصدر لأن عنق البعير طويل فلو طعن في القرب من رأسه لحصل له تعذيب عند خروج روحه.
(وضحى في المدينة) قال ابن عمر أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي وفعله خلفاؤه والسلف (بكبشين) مثنى كبش وهو الثني إذا خرجت رباعيته (أقرنين) الأقرن هو الذي خرجت له قرنان معتدلان (أملحين) الأملح هو الأبيض الخالص وقيل الذي يخالط بياضه شيء من سواد وقيل حمرة أو البياض أكثر فيستحب الأقرن الأملح وفيه مشروعية استحسان الأضحية صفة ولونا وإذا اجتمع حسن المنظر وطيب المخبر في اللحم فهن أفضل.
(يذبح) الكبش وكذا البقر تذبح قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ويجوز العكس لحديث (ما أنهر الدم)
стр. 1043
وقال ابن القيم المستحب في الإبل النحر وفي البقر والغنم الذبح لموافقة السنة المتواترة ويكره العكس لمخالفة السنة (ويكبر) يعني بعد التسمية (ويسمي) ولهما عنه يسمي ويكبر فيقول بسم الله والله أكبر كما في رواية مسلم وأكثر الحديث رواه الجماعة.
وأوجب الجمهور التسمية لقوله فاذكروا اسم الله عليها ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام والأخبار متواترة بذلك أجمعوا على استحبابها وتسقط سهوا كما سيأتي في الذبائح وأما التكبير فمستحب إجماعا لقوله ولتكبروا الله على ما هداكم وقال ابن المنذر وغيره ثبت عنه ﷺ أنه كان يقول ذلك واختير التكبير هنا اقتداء بأبينا الخليل ﵇ حيث أتي بفداء إسماعيل.
(ويضع رجله على صفاحهما) ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أوتؤذيه والصفحة جانب العنق ولا بن أبي شيبة أحدهما عن محمد وال محمد والآخر عن أمة محمد أي من أقر بالتوحيد وشهد له بالبلاغ وفي رواية عمن وحد من أمتي وفيهما فذبحهما بيده فيستحب تولي الإنسان ذبح أضحيته بنفسه
فإن استناب جاز بلا نزاع وينبغي حضوره لقوله لفاطمة (احضري أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة منها)
стр. 1044
وعن ابن عباس نحوه وتعتبر نية حال التوكيل في الذبح ولا تعتبر إن كانت الأضحية معينة ولا تسمية المضحى عنه ولا المهدي عنه إكتفاء بالنية قال الوزير أذا ذبح أضحية غيره بغير إذنه ونواه بها أجزأت عن صاحبها ولاضمان عليه واتفقوا أنها لاتصير بهذا ميتة.
(ولمسلم عن عائشة) ﵂ أنها قالت إن النبي ﷺ (أمر بكبش) ذكر الضأن (أقرن) أي قرناه معتدلان حسان وفيه يطأ في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها يا عائشة هلمي المدية ثم قال اشحذيها على حجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش (فأضجعه) أي وضع جنبه بالأرض وفيه استحباب إضجاع الغنم في الذبح لأنه أرفق بها وكذا البقر وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع عليه المسلمون كما قاله النووي وغيره واتفقوا على أن إضجاعها يكون على جنبها الأيسر لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار.
(ثم قال بسم الله) واستحبابها إجماع وإنما الخلاف في وجوبها (اللهم تقبل من محمد وال محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به) اي ذبحه بنية الأضحية بعد أن سمى ودعا ولابن ماجه عن جابر فقال حين وجهها وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك
стр. 1045
أمرت وأنا أول المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته.
وقال الشيخ وغيره ويقول اللهم منك ولك ورواه أبو داود مرفوعا وقال ويقول اللهم تقبل مني كما تقبلت من خليلك إبراهيم قال ابن القيم تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته وإن كثر عددهم كما قال عطاء عن أبي أيوب الأنصاري وصححه الترمذي وفي رواية مالك كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته وهذا الحديث نص صريح في ذلك.
(وقال أبو أيوب) خالد بن زيد ﵁ (كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة) وهي الواحدة من الغنم (عنه) أي يذبحها أضحية عنه (وعن أهل بيته) وهم عائلته الذين هم في نفقته وكلفته والحديث مع ما تقدم وغيره على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت حيث كان الصحابة ﵃ يفعلون ذلك في عهده ﷺ مع إطلاعه على ذلك وإقرارهم عليه بل فعله ﷺ والجمهور على أنها تجزئ عنهم وإن كثروا كما قضت بذلك السنة.
(فيأكلون) أي أهل البيت منها والجمهور أنهم يأكلون الثلث وإن أكلوا أكثر جاز (ويطعمون) أي من الأضحية والأولى بالثلث ويتصدقون بالثلث لقول عمر ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين ويأتي وهذا الأثر رواه ابن ماجه
стр. 1046
ومالك وغيرهما و (صححه الترمذي) وله شواهد كثيرة.
(وعن علي أمرني) يعني رسول الله ﷺ (أن أقوم على بدنه) أي عند نحرها للاحتفاظ بها وللبخاري أنها مائة بدنة ولمسلم أنه ﷺ نحر منها ثلاثا وستين وأمر عليا فنحر ما بقي فيجوز أن يستنيب مسلما بلا نزاع وكره كتابيا ويجزئ عند الجمهور (وأن أتصدق بلحومها) أي يقسمها على المساكين إلا ما أمره به وهو أن يأخذ من كل بدنة بضعة وطبخت فأكل منها (وجلودها) أي وأن يتصدق بجلودها على المساكين.
(وأجلتها) وهي ما يطرح على البعير من كساء ونحوه جمع جلال بكسر الجيم وكان ابن عمر لا يشق من الجلال إلاموضع السنام فإذا نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسده الدم ثم يتصدق بها (وأن لاأعطي الجازر) أي من ينحرها وكذا من يذبح البقرة والشاة (منها شيئًا) أي لأجل النحر أو الذبح لأنه معاوضة وهي غير جائزة فيها لالغير لك كصدقة أو هبة كغيره وأولى لمباشرته لها وقال ﷺ نحن نعطيه من عندنا يعني أجرته (متفق عليه).
واتفق أهل العلم على أن لحمها لا يباع وكذا الجلود والجلال وأجازه جماعة إذا صرف ثمنه مصرف الأضحية سواء كانت واجبة أوتطوعا لأنها تعينت بالذبح وإن تعينت بقوله هذا هدي أو أضحية أو لله أو بالإشعار أو التقليد بنية قال الوزير
стр. 1047
ولا يوجبها عندهم إلا القول لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة فلم يؤثر فيه مجرد النية كالعتق وعن أحمد تعين بالنية حال الشراء وهو مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام.
(ولمسلم عن بريدة مرفوعا) يعني إلى رسول الله ﷺ أنه قال (كلوا ما بدا لكم) والأمر هنا على الندب والإباحة عند الجمهور أي كلوا ما بدا لكم من لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام (واطعموا) يعني من شئتم وعن عائشة وتصدقوا وفي هذا الخبر وغيره مع ما تقدم من الآية سنية الأكل من الهدي والأضحية والتصدق فيأكل هو وأهل بيته الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث وقال ابن عمر الهدايا والضحايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين وهو قول ابن مسعود ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة.
ويخرج من العهدة بصدقته بالأقل وقيل يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله فكلوا منها واطعموا البائس الفقير وأما الواجب بنذر أوتعيين فلا يأكل منه وقال الشيخ يأكل مما عينه لا عما في ذمته (وادخروا) أي فوق الثلاث ما شئتم قاله بعد الحظر وكان سنة تسع لدافة حصلت والرخصة في حجة الوداع سنة عشر ولفظ أول الخبر كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام أي ليوسع ذو الطول على من لاطول له فكلوا ما بدا لكم الحديث.
стр. 1048
(وعن أنس مرفوعا) اي أن النبي ﷺ قال (من ذبح قبل الصلاة) أي المعهودة وهي صلاة النبي ﷺ العيد وكذا صلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة (فإنما يذبح لنفسه) وللبخاري هن البراء فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء أي ليس من الأضحية ولهما عن أنس فليعد ولهما عن جندب البجلي مرفوعا من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله قاله في خطبة العيد.
فوقت الذبح بلا نزاع أضحية كانت أو هديا بعد صلاة العيد بالبلد والاعتبار كما قال ابن القيم بنفس فعل الصلاة والخطبة لا بوقتهما وما ذبح قبل الصلاة ليس من النسك وإنما هو لحم قدمه لأهله والنبي ﷺ لم يرخص في نحر الهدي قبل طلوع الشمس ألبتة فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل الصلاة وما لاتصلى فيه العيد فبعد قدر زمنها ومنه منى.
وإذا اجتمع عيد وجمعة وصليت الجمعة قبل الزوال واكتفى بها عن صلاة العيد جاز الذبح بعد صلاة الجمعة لقيامها مقام صلاة العيد (ومن ذبح بعد الصلاة) أي صلاة العيد (فقد تم نسكه) أي عبادته ومن حديث البراء فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين يعني طريقتهم (رواه البخاري).
стр. 1049
(ولمسلم عن ناجية) بن كعب الخزاعي ﵁ وكان صاحب بدن رسول الله ﷺ قال يا رسول الله كيف أصنع (فيما عطب من الهدي) أي انكسر ونحوه (قال انحره) وهو السنة في الإبل (واغمس) أي غط (نعله في دمه) بعد الذبح (واضرب صفحته) أي بالنعل المغموسة في الدم ليعلم من مر به أنه هدي (وخل بين الناس وبينه) أي فاتركه وسلمه للناس ليأخذوه فيأكلوه.
ورواه الترمذي وغيره وقال العمل عليه عند أهل العلم في هدي التطوع إذاعطب لا يأكل هو ولا رفقته منه ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه وقد أجزأ عنه وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا إن أكل منه شيئًا غرمه بقدر ما أكل منه ولمسلم عن ذؤيب بن حلحلة قال كان النبي ﷺ يبعث معه البدن ثم يقول إن عطب منها شيء فخشيت منها موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك وفيه أنه يجزئ ذبح ما تعيب ولحديث أبي سعيد ابتعنا كبشا نضحي به فأصاب الذئب من إليته فسألنا النبي ﷺ فأمرنا أن نضحي به رواه ابن ماجه.
وهذا ما لم يكن واجبا في ذمته قبل التعيين كفدية ومنذور في الذمة فيجب نظيره مطلقا سواء أصيب بفعل الله أو فعل ادمي وإن ضل ونحوه ثم أبدله فعاد لزمه ذبحه لفعل عائشة
стр. 1050
رضي الله عنها فإن ابن الزبير بعث إليها بهديين فنحرتهما ثم عاد الضالان فنحرتهما وقالت هذة سنة الهدي رواه الدارقطني وروي عن عمر وابنه وابن عباس
(ولابن حبان) محمد بن حبان التميمي البستي الشافعي صاحب التصانيف المتوفى سنة ثلاثمائة وأربع وخمسين (عن جبير بن مطعم) ﵁ (مرفوعا) إلى النبي ﷺ أنه قال (كل أيام التشريق) أي الثلاثة بعد يوم النحر (ذبح) أي وقت لذبح الهدي والأضحية وقال علي ﵁ أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده وقاله عطاء والحسن وغيرهما وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وعنه أيام النحر ثلاثة وفاقا لمالك وأبي حنيفة.
والقول بأنها ثلاثة غيريوم النحر اختاره ابن المنذر والشيخ وغيرهما قال ابن القيم ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى وأيام التشريق ويحرم صومها فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع وروي من وجهين مختلفين نشد أحدهما الاخر كل أيام التشريق ذبح اهـ. ويكره الذبح في لياليها خروجا من خلاف من قال بعدم جوازه فيها كمالك قال الوزير اتفقوا على أنه يجوز ذبح الأضحية ليلا في وقتها المشروع لها كما يجوز في نهاره إلامالكا أبو حنيفة يكرهه مع جوازه وإن فات الوقت قضى الواجب وسقط التطوع وحكاه اتفاقا.
стр. 1051
(وعن أم سلمة مرفوعا إذا دخل العشر) أي عشر ذي الحجة وفي لفظ إذا رأيتم هلال ذي الحجة وتقدم ذكر فضلها والعمل فيها (وأراد أحدكم أن يضحي) أي لنفسه (فلا يأخذ من شعره) أي شعر جميع بدنه شيئا بقص أوحلق أوغير ذلك (ولا من أظفاره) أي لا يقلم من أظفاره (شيئا) وفي لفظ فلا يمس من شعره ولا من بشرته شيئا أي لايزيل شيئا من شعور بدنه ولا من بشرته كظفر ونحوه وفي لفظ فليمسك عن شعره وأظفاره ليبقى كامل الأجزاء للعتق من النار.
وذكر ابن القيم أن تقليم الظفر وأخذ الشعر من تمام التعبد بالأضحية وذكر خبر عبد الله بن عمر تأخذ من شعرك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند الله فيتركه (حتى يضحي) أي يذبح أضحيته أوتذبح عنه (رواه مسلم) والخمسة وغيرهم وقال الوزير اتفقوا على أنه يكره لمن أراد الأضحية أن يأخذ من شعره وظفره من أول العشر إلى أن يضحي وقال أبو حنيفة لا يكره اهـ. والحديث يرد عليه.
قال ابن القيم وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه وقال بعض أهل العلم يحرم واختار الأكثر الكراهة وقيل من يضحي عنه لا من ضحى عن غيره سواء كان وصيا أو متبرعا.
стр. 1052
فصل في العقيقة
أي في بيان أحكام العقيقة عن الغلام والجارية والتحنيك والتسمية وما يتعلق بذلك والعقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود وأصل العتق الشق والقطع وقيل للذبيحة عقيقة لأنه يشق حلقها وقال الوزير وغيره هي في اللغة أن يحلق عن الغلام أو الجارية شعرهما الذي ولدا به ويقال لذلك عقيقة وإنما سميت الشاة عقيقة لأنها تذبح في اليوم السابع وهو اليوم الذي يعق فيه شعر الغلام الذي ولد وهو عليه أي يحلق.
وقال أحمد إنما العقيقة الذبح نفسه وكذا حلق عقيقته وهي مشروعة وسنة مؤكدة عند الجمهور لأمره ﷺ وفعله وفعل أصحابه والتابعين المستفيض قال مالك لا اختلاف فيه عندنا وهو المعمول به في الحجاز قديما وحديثا وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ولو بعد موت المولود وقيل واجبة شرعت فدية يفدى بها المولود كما فدى الله اسماعيل الذبيح بالكبش وكانت تفعل في الجاهلية وأقرها الإسلام وأكدها وأخبرالشارع أن الغلام مرتهن بها ونفس الذبح وإراقة الدماء عبادة مقرونة بالصلاة كما تقدم.
قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال البغوي وغيره نظر إبراهيم فإذا هوبجبريل ومعه كبش أملح أقرن فقال هذا فداء
стр. 1053
لابنك فاذبحه دونه فأتى به المنحر من منى فذبحه قال أكثر المفسرين كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفًا وسماه عظيمًا لأنه متقبل قال شيخ الإسلام العقيقة فيها معنى القربان والشكر والصدقة والفداء وإطعام الطعام عند السرور فإذا شرع عند النكاح فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة وهو وجود النسل أولى وقال أحمد إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سنة واتبع ما جاء به عن ربه.
قال ابن القيم وهذا لأنها سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عن ولادته بذبح يذبح عنه ولا يستنكر أن يكون هذا حرزا له من الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزا له من ضرر الشيطان اهـ ..
وعن أحمد واجبة ولكن قال ﵊ من أحب أن ينسك فليفعل وتقدم قول ابن القيم أنها تقوم مقام الفديه عن النفس المستحقة للتلف فدية وعوضا وقربانا إلى الله وعبودية اهـ. وفي فعلها مع الحث عليها الاقتداء بالخليلين الذين أمرنا بالاقتداء بهما.
(وعن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي صحابي سكن البصرة ﵁ (أن
стр. 1054
رسول الله ﷺ قال مع الغلام) وجوبا أوندبا (عقيقة) أي الذبيحة التي تذبح للمولود ذكرا كان أو أنثى ولوولد اثنان في بطن استحب عن كل واحد عقيقة قال ابن عبد البر لاأعلم عن أحد من العلماء خلافه (فاهريقوا) من هراق الماء صبه أي أريقوا (عنه دما) شاة أو شاتين كما يأتي وفسر هذا الإبهام الأحاديث الآتية.
وبهذا الحديث ونحوه استدل القائلون بالوجوب والجمهور على الاستحباب إذ لو كان للوجوب لبينه الشارع بيانا عاما تقوم به الحجة ولم يعلق محبةالفعل وإنكار أصحاب الرأي سنيتها لا يلتفت إليه مع ثبوت السنة (وأميطوا عنه الأذى) أي احلقوا عنه شعر رأسه (رواه البخاري) وللحاكم عن عائشة وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى.
(وعن سمرة) بن جندب ﵁ (أن النبي ﷺ قال كل غلام مرتهن) أي مرهون (بعقيقته) ممنوع محبوس عن خير يراد به ولا يلزم أن يعاقب على ذلك محتبس بها فلا تحصل سلامته من الافات (حتى يعق عنه) شبهه بالرهن في يد المرتهن وأنه لا بد أن يفدى مما يسوءه كما فدي إسماعيل قال ابن القيم جعل الله النسيكة عن الولد سببا لفك رهانه من الشيطان الذي تعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته
فكانت فداء وتخليصا له من حبس الشيطان وسجنه
стр. 1055
في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح اخرته فأمر بإراقة الدم عنه الذي يخلص به من الارتهان.
وقال أحمد هذا في الشفاعة أنه إذامات طفل لم يشفع في أبويه قال الخطابي هذا أجود ماقيل فيه وقال أحمد أيضا سنة النبي ﷺ أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة أذا لم يعق عنه فهو محتبس بعقيقته حتى يعق عنه وقال هذا الحديث أشد ما سمعنا في العقيقة وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله له الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ واتبع ما جاء به وجاء الخبر أنها على سبيل النسك كالأضحية والهدي.
وحكمها حكمهما فيما يجزئ ويستحب ويكره والأكل والهدية والصدقة إلاأنه لايجزئ فيها شرك في دم لأن المقصود أن تكون نفس فداء نفس ويروى مرفوعا قل بسم الله والله أكبر اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان حسنه بن المنذر وإن نوى ولم يتكلم أجزأت قال ابن القيم وغير مستبعد في حكم الله وشرعه وقدره أن تكون سببا لحسن نبات المولود ودوام سلامته وطول حياته وحفظه من ضرر الشيطان حتى يكون كل عضو منها فداء كل عضو منه.
(تذبح عنه) أي تعق عن المولود ذكرا كان أم أنثى (يوم سابعه) واستفاض عنه ﷺ أنه عق عن حسن وحسين يوم السابع وسماهما أخرجه ابن وهب ولابن المنذر عن عمرو
следующие страницы →