Полный текст (2 171 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وورد في فضلها أحاديث كثيرة. وروى عن علي وفيه اللهم أشرح لي صدري ويسرلي أمري وإن شاء قال اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا مما نقول الخ اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسواس الصدر الخ ذكره الترمذي وغيره اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وغيره من الأدعية المشروعة قال الشيخ وغيره لم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاء ولا ذكرا بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية ويكبر ويهلل ويذكر الله حتى تغرب الشمس انتهى ويكثر الاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والا فتقار والتذلل وتفريغ الباطن والظاهر من كل مذموم.
فإنه موقف تسكب فيه العبرات وتقال فيه العثرات وهو أعظم مجامع الدنيا ويجتهد أن يقطر من عينه قطرات فإنها دليل الإجابة وعلامة السعادة كما أن خلافه علامة الشقاوة فإن لم يقدر على البكاء فليتباك وليكن على طهارة في هذا المشعر العظيم يوم الحج الأكبر فإنه إذافرغ قلبه وطهره طهر جوارحه واجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وقوي الرجاء وعظم الجمع كان جديرا بالقبول فإن تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة.
وإذا صادف يوم الجعة يوم عرفة اجتمع فضيلتان وفي اخر الجمعة ساعة الإجابة على الراجح فيكون له مزية على سائر الأيام قال الشيخ وغيره ويجتهد في الذكر والدعاء هذه
стр. 982
العشية فإنه ما رؤي إبليس في يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحض من عشية عرفة لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر.
وروى أبو ذر الهروي عن أنس مرفوعا إن الله يباهي بهم الملائكة فيقول انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون الحر وفي لفظ مناجين من كل فج عميق فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلا التبعات التي بينهم وقال رسول الله ﷺ فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة ولأبي داود عن ابن عباس رأيت رسول الله ﷺ بعرفات يدعو ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين وينبغي أن يأتي بكثير من الأذكار تارة وتارة يكبر وتارة يسبح وتارة يقرأالقران وتارة يصلي على النبي ﷺ وتارة يدعو وتارة يستعيذ وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وأحبابه وسائر من أحسن إليه.
ويكرر الاستعفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب والتضرع والخشوع والتذلل وإظهار الضعف والافتقار ويلح في الدعاء وينبغي أن يكرر كل دعاء ثلاثا ويفتتح بالتحميد والتمجيد والصلاة على رسول الله ﷺ ويختم بمثل ذلك ويصون نظره ويحفظ لسانه ويترك كل عمل ينافي الخشوع ولأحمد هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له.
стр. 983
فصل في الدفع إلى المزدلفة
أي في أحكام الدفع من عرفة إلى المزدلفة بعد أن تغيب الشمس ثم منها إلى منى بعد الأسفار قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين فإنهم كانوا يدفعون قبل أن تغيب الشمس فقال ﷺ وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس مخالفا هدينا هديهم وقال في المزدلفة كذلك
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ أي صدرتم ودفعتم ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ فالإ فاضة دفع بكثرة من أفاض الماء أي صبه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالدعاء والتلبية والتهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية من الشعيرة وهي العلامة لأن الصلاة والمبيت والدعاء عنده من معالم الحج وهو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى المحسر وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر الحرام وسئل ﷺ عن المشعر فسكت حتى هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة فقال هذا المشعر الحرام وكلها موقف إجماعًا
لكن الموقف عند قزح أفضل وهو جبل الميقدة وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم وقد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء بالمشعر الحرام وتمام الآية واذكروه أي بالتوحيد والتعظيم كما هداكم أي كما أنعم به عليكم من الهداية والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه
стр. 984
الخليل ولهذا قال وإن كنتم من قبله لمن الضالين أي وما كنتم من قبله إلا من الضالين.
(قال جابر) ﵁ في حديثه الطويل (ودفع رسول الله ﷺ أي مضى وابتدأ السير والمراد انصرف من عرفة بعدما غربت الشمس متوجها إلى المزدلفة ولأبي داود عن علي دفع حين غابت الشمس وينبغي أن يكون على طريق المأزمين قال الشيخ وإذا غربت الشمس يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبيهما والعلمان هما حدود عرفة فلا يجاوزونهما حتى تغرب الشمس وأما الميلان بعدهما فحد الحرم.
قال (وقد شنق) بتخفيف النون ضم وضيق (للقصواء الزمام) يعني الخطام وبالغ (حتى إن رأسها ليصيب مورك) بفتح الميم وكسر الراء مقدم (رحله) بالحاء المهملة وهو الموضع الذي يثني الراكب رجليه عليه قدام وسط الرحل إذا مل من الركوب وله عن الفضل عليكم السكينة وهو كاف ناقته (ويقول بيده اليمنى) أي يشير بها قائلا (أيها الناس السكينة السكينة) أي الزموا السكينة الزموا السكينة الطمأنينة والرفق ولأبي داود فإن البر ليس بإيجاف الإبل أي الإسراع في السير إبقاء عليهم لئلا يحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
(كلما أتى حبلا) تلا من تلال الرمل وهو ما طال منه
стр. 985
وضخم (أرخى لها) أي ناقته (قليلا حتى تصعد) بفتح المثناة وضمها يقال صعد وأصعد وفي لفظ حتى إذا أتى فجوة أسرع وحرك ناقته ولهما عن أسامة كان يسير العنق فإذاوجد فجوة نص وكان لا يقطع التلبية في مسيره (حتى إذا أتى المزدلفة) من الزلف وهو التقرب لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفة ازدلفوا إلى منى أي تقربوا منها (فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) لم يبدأبشيء قبلهما (ولم يسبح) أي يصل (بينهما شيئا) أي نافلة.
قال ابن المنذر لا اختلاف بين العلماء أن السنة الجمع بينهما لفعله ﷺ رواه جابر وابن عمر وأسامة والسنة أن لا يتطوع بينهما بلا نزاع وللبخاري ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل أنسان راحلته في منزله خشية ما يحصل فيها من التشويش بقيامها ثم أقيمت العشاء فصلاها قال شيخ الإسلام وغيره فإذا وصلوا المزدلفة صلوا المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن ثم إذ بركوها صلوا العشاء وإن أخروا العشاء لم يضر ذلك اهـ. وإن صلوا المغرب بالطريق تركوا السنة وأجزأتهم لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق ومن فاتته الصلاة مع الإمام جمع ولو وحده لفعل ابن عمر ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفردا.
(ثم اضطجع) أي للنوم (حتى طلع الفجر) فيجب أن يبيت بها لأن النبي ﷺ بات بها وقال (خذوا عني مناسككم)
стр. 986
قال الوزير وغيره أجمعوا على أنه يجب عليه أن يبيت بها جزءا من الليل في الجملة ألا مالكا فقال سنة ويتأكد المبيت والوقوف بمزدلفة بأمور منها قوله تعالى فاذكروا الله عند المشعر الحرام وقوله ﵊ من صلى صلاتنا هذه ووقف معنا حتى نجفع وكان قد وقف بعرفة ليلا أو نهارا تم حجه وغير ذلك وفعل رسول الله ﷺ المستفيض الذي خرج مخرج البيان للاية
وقال الشيخ وغيره السنة أن يبيت بها إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر ثم يقف حتى يسفر اهـ. وفي رواية ثم رقد بعد الصلاة ولم يحي تلك الليلة قال ابن القيم وغيره ولا صح عنه في ليلتي العيدين شيء اهـ. وينبغي أن يجتهد تلك الليلة في الدعاء والتضرع فإنها ليلة عيد جامعة لأنواع الفضل من الزمان والمكان وأمر الله بذكره فيها (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) وفي لفظ فصلى الفجر بغلس وهو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل والمراد في أول الوقت (بأذان وإقامة) كما يفعل كل وقت
(ثم ركب) ناقته القصواء (حتى أتى المشعر الحرام) وهو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة ويقال له قزح وبه الميقدة يقف به الناس (فاستقبل القبلة) لأنها أشرف الجهات ويستحب استقبالها في كل طاعة إلا لدليل (فدعا الله) في ذكل الموقف الجليل بما شاء وحمده (وكبره) أي قال الحمد الله والله
стр. 987
أكبر (وهلله ووحده) أي قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونحو ذلك الخ في الدعاء والتضرع
(فلم يزل واقفا) يدعو ويهلل ويكبر ويقرأ فإذا افضتم من عرفات فاذكروا الله الآية ويلح في الدعاء ومنه اللهم كما وفقتنا للوقوف فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا كما وعدتنا بقولك فإذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم افيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ويكثر من قول ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ويدعو بما أحب
ويختار الدعوات الجامعة ويكرر دعاءه وتقدم حديث المباهات بهم في عرفة وفيه قال ثم القوم أفاضوا من عرفات إلى جمع فقال جل وعلا يا ملائكتي انظروا إلى عبادي وقفوا وعادوا في الطلب والرغبة والمسألة اشهدوا أني قد وهبت مسيئهم لمحسنهم وتحملت التبعات التي بينهم قال جابر فلم يزل واقفا عند المشعر الحرام (حتى أسفر جدا) أي إسفارا بليغا وهو مذهب جمهور أهل العلم قال ابن عباس فلما أضاء كل شيء قبل أن تطلع الشمس أفاض وما روي عن مالك من الدفع قبل الإسفار لا يدفع به ما ثبت عنه ﷺ (رواه مسلم) وحكى الطبري وغيره الإجماع على أن من لم يقف بها حتى طلعت
стр. 988
الشمس فاته الوقوف وأوجب بعضهم المبيت على غير سقاةورعاة ونحوهم ممن له عذر يبيح التخلف
(وعن عائشة) ﵂ (قالت استأذنت سودة) بنت زمعة القرشية (رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة) يعني ليلة جمع وهي ليلة عيد النحر (أن تدفع قبله) أي إلى منى فترمي الجمرة قبل الزحمة (وكانت ثبطة) تعني ثقيلة من عظم جسمها فهي أول امرأة تزوج بها بعد خديجة وتوفيت في اخر زمن عمر ﵄ (فأذن لها) أي أن تد فع قبله فدل على جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر للعذر وهو مذهب جمهور العلماء
(وعن ابن عباس) ﵄ (قال بعثني رسول الله ﷺ يعني ليلة جمع (في الثقل) بفتحبين أي الأمتعة وفي لفظ في الضعفة أي من النساء والصبيان وغيرهم (من جمع بليل) يعني من مزدلفة إلى منى (متفق عليهما) قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم لم يروا بأسا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إلى منى لما فيه من الرفق بهم ودفع المشقة عنهم
قال الشيخ وغيره فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر ولا
стр. 989
ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر ويقفوا بها وقال ابن القيم وقول جماعة أهل العلم الذي دلت عليه السنة جواز التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده بنصف الليل دليل اهـ. ومغيبه عادة في الليلة العاشرة في الثلث الأخير وفي حديث اسماء في أول ثلث الليل الأخير.
(ولأبي داود عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ أرسل بأم سلمة) ﵂ ليلة النحر وهي ليلة جمع (فرمت قبل الفجر) فدل على جواز الرمي للنساء والضعفة قبل الفجر لأن الظاهر أنه لا يخفى عليه ﷺ ذلك فقرره فيجوز لمن له عذر وهو مذهب أحمد والشافعي (ثم مضت) أي نفذت (فأفاضت) أي دفعت إلى مكة فطافت طواف الإفاضة قال الحافظ وإسناده على شرط مسلم وقال البيهقي إسناده صحيح.
وفي الصحيحين عن اسماء أنها نزلت بجمع فقامت تصلي
ثم قالت هل غاب القمر قال مولاها نعم قلت فارتحلوا
فارتحلنا ومشينا حتى رمينا الجمرة ثم رجعت فصلت
الصبح في منزلها يعني بمنى فقلت يا هنتاه ما أرانا إلا قد
غلسنا قالت يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن وأجازه
أحمد والشافعي كما أذن فيه ﷺ للنساء والضعفة لئلا يتأذوا
стр. 990
بالزحام ولأحمد والنسائي أمر ضعفة بني هاشم أن يتعجلوا من جمع بليل.
قال ابن القيم وما روى أحمد وغيره عن ابن عباس أنهم رموها قبل الفجر قد روى هو وغيره حديثا أصح منه ولفظه أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس رواه الخمسة وفيه انقطاع وعلى كل تقدير فلا تعارض فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي أما من قدم من النساء فإن قيل رمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الرجال فقد يسوغ وأما القادر فلا يجوز له ذلك.
ويقول جماعة أهل العلم والذي دلت عليه السنة رمي القادر بعد طلوع الشمس قال ابن المنذر وغيره السنة أن لا يرمي إلا بببعد طلوع الشمس كما فعل النبي ﷺ ولا يجوز قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة ومن رماها بعده فلا إعادة عليه إذلاأعلم أحدا قال لا يجزئه.
(وعن عمر) ﵁ (قال إن المشركين كانوا لا يفيضون) أي لا يدفعون (من مزدلفة إلى منى حتى تطلع الشمس) وتكون كالعمائم على رؤوس الجبال (ويقولون أشرق) بفتح الهمزة فعل أمر من الإشراق أي أدخل (ثبير) في الشروق والمراد لتطلع عليك الشمس زاد أحمد وابن ماجه
стр. 991
وغيرهما كيما نغير. أي كي ندفع. وثبير جبل معروف على يسار الذاهب إلى منى. وهو أعظم جبال مكة.
(وإن النبي ﷺ خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس رواه البخاري) وعن محمد بن قيس بن مخرمة قال خطب رسول الله ﷺ فقال "إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حيث تكون الشمس كأنها عمائم الرجال على رءوسهم. قبل أن تغرب. ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حيث تكون كأنها عمائم الرجال على رؤوسهم. وأنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس. وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمسز هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك".
وأورد نحوه شيخ الإسلام محتجا به على تحريم موافقة المشركين. وفيه "خالف هدينا هدي المشركين" فإن أسفر جدا سن أن يدفع قبل طلوعها. ولا نزاع في استجابة. وعن ابن عباس "أفاض قبل طلوع الشمس" حسنه الترمذي.
(ولمسلم عن جابر فدفع) أي انصرف رسول الله ﷺ
(قبل أن تطلع الشمس) يعني من مزدلفة إلى منى قال ابن
القيم الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين. وقال ابن المنذر وغيره جمهور أهل العلم يقولون
بظاهر هذا الحديث. وما ورد في معناه. وما ذكر من رأي مالك أن يدفع قبل الإسفار مردود بالنصوص. وللخمسة وصححه
стр. 992
الترمذي عنه أفاض من جمع. وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة.
(حتى أتى بطن محسر) وهو واد بين مزدلفة ومنى برزخ بينهما. وليس من المشعرين. سمي بذلك لأنه يحسر سالكه. وقيل لأن أصحاب الفيل حسروا فيه أو الفيل. ويسميه أهل مكة وادي النار (فحرك قليلا) أي أجرى ناقته قليلا لتسرع في المشي. وللخمسة عنه "أوضع في وادي محسر". أي أسرع السير فيه.
قال ابن اليم وغيره والإسراع في وادي محسر سنة. نقلها طوائف عنه ﷺ . فيسن إسراع الماشي وتحريك الراكب دابته فيه لأنه محل غضب الله فيه على أصحاب الفيل. فلا ينبغي الإناءة فيه. ولا البقاء به وكذلك كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه وفيه الحث على المراقبة عند المرور. والخوف والبكاء والاعتبار بمصارع أولئك وأن يستعيذ بالله من ذلك. والإسراع المسنون قدر رمية حجر.
(ثم سلك الطريق الوسطى) وهي غير التي ذهب فيها إلى عرفات فهو سنة. ليخالف الطريق تفاؤلا بتغير الحال. كدخول مكة من أعلاها. والخروج من أسفلها. والطريق التي هي الوسطى هي (التي تخرج على الجمرة الكبرى) آخر الجمار من ناحية منى وأقربها إلى مكة. وقد صارت علما على العقبة التي يرمى
стр. 993
عندها الجمرة. وليست من منى. والجمرة واحدة الجمار. وهي في الأصل الحصاة. ثم سمي الموضع الذي ترمى فيه الحصيات السبع جمرة. وتسمى الحصيات السبع جمرة أيضا. تسمية للكل باسم البعض.
(فرماها) أي الجمرة الكبرى (بسبع حصيات) متعاقبات واحدة بعد واحدة. ولهما من حديث ابن عمر أنه رماها بسبع حصيات. وقال رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وقال الوزير وغيره أجمعوا على وجوب رمي جمرة العقبة يوم النحر خاصة بسبع حصيات. وقال ابن الماجشون هو ركن لا يتحلل إلا به كسائر الأركان. وقال ﵊ "إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله".
وذكر غير واحد من أهل التفسير أنها من شعائر الله. وسئل سعيد بن منصور عنها فقال الله ربكم تكبرون. وملة أبيكم تتبعون. ووجه الشيطان ترمون. وسببه رمي الخليل ﵇ الشيطان الذي كان رآه في تلك المواضع (يكبر مع كل حصاة منها) ولا نزاع في استحبابه. والبداءة به. لأنه بدأ به. ولأنه تحية مني. فلم يتقدمها شيء كالطواف بالبيت. وكان ابن عمر وابن مسعود يقولان: اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا.
(كل حصاة مثل حصى الخذف) بقدر حبة الباقلاء. قال
стр. 994
الشيخ وغيره بين الحمص والبندق دون الأنملة طولا وعرضا قال الترمذي وهو الذي اختاره أهل العلم أن تكون الجمار مثل حصى الخذف. ويكره بهيئة الخذف للنهي الصحيح عنه الشامل للحج وغيره. ولا تجزئ صغيرة جدا. ولا كبيرة (رمى من بطن الوادي) مستقبلا للجمرة. وعند بعض أهل العلم وجوبه. وإنه لا يجوز من أعلى الجبل والأكثر أنه جائز. وخلاف السنة.
قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم يختارون أن يرمي الرجل من بن الوادي. وقد رخص بعض أهل العلم إن لم يمكنه أن يرمي من بطن الوادي رمى من حيث قدر عليه قال ابن الهمام ثبت أنه رمى خلق كثير من الصحابة من أعلاها. ولم يؤمروا بالإعادة. وحكي أن الرمي واجب إجماعا. وإن في تركه أو بعضه دم ويأتي (ثم انصرف إلى المنحر فنحر) فيه هديه قرب منزله عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف.
فمنحره عند الجمرة الأولى بينها وبين الوسطى على يمين الصاعد إلى عرفة. عنده مسجد صغير بقرب دار المنحر المعروفة الآن ومنزله بين منحره ومسجد الخيف وقال "نحرت ههنا ومنى كلها منحر. فانحروا في رحالكم" أي فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري بل يجوز لكم النحر في منازلكم. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه أي موضع نحر فيه من الحرم أجزأه إلا مالكا فقال لا ينحر في الحج إلا بمنى. ولا في العمرة إلا بمكة.
стр. 995
وثبت من حديث أنس وغيره أنه ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزله بمنى ونحر. وعليه إجماع المسلمين. وقال ابن رشد النحر بمنى إجماع من العلماء. قال الشيخ. وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنه هدي سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم ويسمى أيضا أضحية. بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل فإنه أضحية وليس بهدي. وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي. كما في سائر الأمصار. وقال ابن القيم هدي الحاج بمنزلة الأضاحي للمقيم. ولم ينقل أحد أن النبي ﷺ ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية. بل كان هديهم هو أضاحيهم. فهو هدي بمنى وأضحية بغيرها.
(وله) أي لمسلم (عن الفضل) بن العباس بن عبد المطلب ابن هاشم ابن عم النبي ﷺ أكبر أولاد العباس. وبه يكنى أبوه وأمه. مات في طاعون عمواس. كان رديف النبي ﷺ حين دفع من مزدلفة. قال (حتى إذا دخل) يعني رسول الله ﷺ (منى) من مزدلفة وفي لفظ محسرا (قال عليكم بحصى الخذف) أي حصى الرمي. والمراد الحصى الصغار الذ يرمي به الجمرة. والتي لقط: هن حصى الخذف. فوضعهن في يده. وجعل يقول بهن في يده "بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو".
ولابن ماجه عنه قال لي وهو على ناقته القصواء "القط لي" قال فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف. وللبيهقي وغيره قال الفضل حتى إذا دخل منى فهبط حين هبط محسرا.
стр. 996
قال "عليكم بحصى الخذف الذي ترمى به الجمرة" وهو يشير بيده كما يحذف الإنسان. وفي رميه اقتداء بالخليلين. وطلب للفضل العظيم المرتب عليه.
وقال غير واحد لم يثبت أخذه ﷺ ولا أحد من أصحابه من غير منى. وإن لم يرد التصريح به فهو كالظاهر. وروي عن ابن عمر وغيره أنه كان يأخذ الحصى من جمع. وثابر بعض العوام عليه حتى التقطه قبل الصلاة. قال الشيخ ولا يرمي بحصى قد رمي به. والتقاط الحصى أفضل من تكسيره من الجبل.
(ولهما عن أسامة) والفضل بن العباس ﵃ قالا (ولم يزل ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) أي حتى شرع في رمي جمرة العقبة. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة. ورواه حنبل قطع عند أول حصاة. وقال الطحاوي وغيره جاء عن رسول الله ﷺ آثار متواترة بتلبيته بعد عرفة. إلى أن رمى جمرة العقبة.
وقال الشيخ فإذا شرع في الرمي قطع التلبية. فإنه حينئذ يشرع في التحلل. وهكذا صح عن النبي ﷺ . وقال ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر. مثل ذهابه إلى عرفات. وذهابه منها إلى مزدلفة. حتى يرمي جمرة العقبة. وتقدم "يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المبكر فلا ينكر عليه". والمراد قبل رميها.
стр. 997
(ولهما عن ابن مسعود جعل ﷺ ) حال رميه جمرة العقبة (البيت) أي الكعبة (عن يساره ومنى عن يمينه) وفيهما عنه أنه استقبل الجمرة حالة الرمي. وهذا مذهب جمهور أهل العلم. وقال الشيخ يرميها مستقبلا لها يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه هذا هو الذي صح عن النبي ﷺ فيها. ولا نزاع يعتد به في استحبابه (ورمى بسبع) أي سبع حصيات. وأجمعوا على وجوبه بها.
ولا يجزئ الوضع فقط من غير رمي أو طرح لأنه خلاف الوارد. ولا يسمى رميا. ولا في معنى الرمي الذي هو مجاهدة الشيطان بالإشارة إليه بالرمي الذي يجاهد به العدو. ولا يجزئ دفعة واحدة إلا عن واحدة عند جمهور أهل العلم لفعله ﷺ ويستحب رفع يده حتى يرى بياض إبطه لأنه أعون على الرمي وأمكن لحصولها في المرمى. وهو مجتمع الحصى والشاخص وضع علما على الجمرة. وإذا وقع الرمي قريبا من الجمرة جاز. ولا يقف عند جمرة العبة بعد رميها إجماعا لضيق المكان. وعدم مشروعية الوقوف عندها.
(ولمسلم عن أنس فنحر ﷺ ) بدنه. وكانت مائة. كما في الصحيحين وغيرهما. ولمسلم عن جابر فانصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده. ثم أعطى عليا فنحر ما غبر. أي ما بقي من المائة. ومنحره عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد (ثم قال للحلاق) معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة القرشي
стр. 998
العدوي ﵁ (خذ) أي احلق شعر رأسي.
(وأشار إلى جانبه الأيمن) فيسن البداءة به وللأمر بالبداءة باليمين في نحوه وهو مذهب الجمهور. ولأبي داود فأخذ شقه الأيمن فجعل يقسمه بين من يليه. وفي لفظ قال "ههنا أبو طلحة" فدفع النصف إليه وفي لفظ فقال اقسمه بين الناس (ثم الأيسر) أي ثم أشار إلى شقه الأيسر ليحلقه فحلقه. وفيه وجعل يعطيه الناس. ويستحب أن يستقبل القبلة لكونه طاعة. وذكر الموفق وغيره ويكبر لأنه نسك. ولا يتشارط على أجرته. ونقل عن بعض الأئمة أنه قال أخطأت في حلق رأسي في خمس علمنيها حجام بمنى قلت بكم تحلق قال النسك لا يشارط عليه فجلست فقال حول وجهك إلى القبلة. وقال أدر اليمين وكبر. فلما فرغت قال صل ركعتين فقلت من أين لك قال رأيت عطاء يفعله. والأربعة الأول هي فعل السلف.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال اللهم اغفر للمحلقين) وفي لفظ "ارحم المحلقين" أي الذين حلقوا رؤوسهم في حج أو عمرة عند الإحلال منهما. وتقدم أن الأفضل للمتمتع التقصير في العمرة ليوفره إلى الحل من الحج (قالوا يا رسول الله والمقصرين) أي قال السامعون لرسول الله ﷺ قل
واغفر للمقصرين. وهو من عطف التلقين. أوقال ويرحم المقصرين. وقالوا فما بال المحلقين ظاهرت لهم الرحمة قال "لم يشكوا". أي عاملوا معاملة من لم يشك. فإن من بادر
стр. 999
إلى الحق في الحديبية أسرع إلى الامتثال (قال في الثالثة والمقصرين متفق عليه).
وظاهره أنه دعا للمحلقين مرتين. وعطف المقصرين في الثالثة. وفيه روايات أنه دعا للمحلقين ثلاثا. ثم عطف المقصرين. وذكر النووي أن هذا الدعاء في حجة الوداع وقيل في الموضعين. قال ولا يبعد ذلك ففيه أن الحلق أفضل من التقصير. وهو إجماع. لتكريره الدعاء للمحلقين في الأولى والثانية. مع سؤالهم له ذلك. ولأن المقصود قضاء التفث وهو بالحلق أتم فكان أولى. ولأنه أبلغ في العبادة وأدل على صدق النية.
وفيه مشروعية الحلق أو التقصير وأنهما عبادتان مقصودتان ليستا مجرد استباحة محظور. مع قوله "فليقصر ثم ليتحلل" وأنهما نسك وهو مذهب جماهير العلماء. قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ويجزئ القصير قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم يرون أن يحلق رأسه. وإن قصر يرون ذلك يجزئ اهـ. ـ. ويجب عند الجمهور استيعابه بالحلق أو التقصير قال ابن الهمام ومقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب كما هو قول مالك وهو الذي أدين الله به. قال مالك ولا يخرج منه الا بالاستيعاب.
وحكى النووي الإجماع على حلق الجميع والمراد إجماع
стр. 1000
الصحابة والسلف ولم يحفظ عنه ولا عن أحد من أصحابه الاكتفاء بحلق بعض شعر الرأس. وتقدم النهي عنه. وقال الشيخ وإذا قصر: جمع الشعر وقصر منه بقدر الأنملة أو أقل أو أكثر اهـ. والمراد من مجموع شعره لا من جميعه. فلا يجب من كل شعره بعينها. وبأي شيء حلق أو قصر أجزأ. لكن السنة بالموسى ونحوه.
وذكر الجمهور إمرار الموسى على رأس من عدم الشعر. وقال أهل التحقيق شيخنا وغيره: إذا سقط ما وجب لأجله سقط الحلق. وإمرار الموسى عبث وقد حل. وينبغي أن يأخذ من شاربه ليكون قد وضع من شعره شيئا لله. وكذا ينبغي أن يأخذ من ظفره وعانته وإبطه. قال ابن المنذر صح أنه ﷺ لما حلق رأسه قلم أظفاره. ولأنه من التفث فيستحب قضاؤه.
(ولأبي داود) وكذا الدارقطني وحسنه الحافظ (عن ابن عباس مرفوعا ليس على النساء حلق) ولأبي داود وضعفه من حديث عائشة نحوه. أي لا يجب عليهن الحلق في التحلل وهو إجماع (إنما على النساء التقصير) أي إنما شرع لهن التقصير. وحكى الحافظ وغيره إجماع العلماء على أنه ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير.
ونقل أبو داود وغيره تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة. قال الشيخ ولا تقصير أكثر من ذلك.
стр. 1001
وللترمذي وغيره عن علي "نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها" قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقا ويرون أن عليها التقصير ولأن الحلق مثلة في حقهن. ومثلهن الرقيق. ولا يحلق إلا بإذن سيده.
(وللخمسة) وغيره (عنه) أي: عن ابن عباس (مرفوعا) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وحسنه في البدر المنير (إذا رميتم الجمرة) يعني جمرة العقبة يوم العيد فقد حل لكم كل شيء إلا النساء. وتكلم فيه بعضهم وللحاكم عن ابن الزبير نحوه. وللنسائي من حديث ابن عمر إذا رمى وحلق. ولأحمد عن عائشة إذا رميتم (وحلقتم) أي شعر رؤوسكم. أو قصرتم من شعرها. وفي الفروع وغيره الأصح أن الحلاق والتقصير لا ينوب عنه غيره. ولا يتحلل إلا به (فقد حل لكم كل شيء) أي كان محظورا بالإحرام.
(وإلا النساء) وفي بعض هذه الأخبار "والطيب" وثبت أن عائشة قالت طيبت رسول الله ﷺ يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت وحكي إجماعا. وهو قول الجمهور. وقال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحرو ذبح وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء. وقال الشيخ فإذا رمى وحلق أو قصر فقد تحلل باتفاق المسلمين. التحلل
стр. 1002
الأول. فيلبس الثياب ويقلم أظفاره. وكذلك له على الصحيح أن يتطيب ويتزوج ويصطاد يعني خارج الحرم. ولا يبقى عليه من المحظورات إلا النساء.
وفي المبدع والأكثر على أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق أو التقصير. لأمره ﷺ من لم يكن معه هدي أن يطوف ويقصر ثم يحل. ودل الحديث على أنه بمجموع الأمرين يحل كل محرم على المحرم إلا النساء. فلا يحل وطؤهن إلا بعد طواف الإفاضة إجماعا. وحكى الوزير وغيره اتفاقهم علىن للمحرم تحليلين: أولهما رمي جمرة العقبة. وآخرهما طواف الإفاضة.
(وعن عبد الله بن عمرو) أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع يوم النحر بعد الزوال. وهو على راحلته. يخطب الناس عند الجمرة (قال) عبد الله (فجعلوا يسألونه فقال رجل) قال الحافظ لم أقف على اسمه (لم أشعر) أي لم أفطن ولم أعلم ترتيب أعمال الحج (فحلقت قبل أن أذبح) أي الهدي (قال اذبح ولا حرج) أي لا إثم ولا فدية (وقال آخر لم أشعر فنحرت) أي الهدي (قبل أن أرمي) يعني جمرة العقبة (فقال ارم ولا حرج).
وفي رواية وأتاه رجل فقال حلقت قبل أن أرمي قال "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال أفضت إلى البيت قبل أن أرمي قال
стр. 1003
"قال ارم ولا حرج" وجاء بألفاظ من غير وجه. قال عبد الله "فما سئل يومئذ) أي يوم النحر حال خطبته الناس (عن شيء قدم) من الأربعة الرمي والنحر والحلق والطواف (ولا آخر) منها يعني الأربعة (إلا قال افعل) ما بقي منها. أو ما فعلته منها. مقدما له أو مؤخرا له (ولا حرج) أي لا ضيق ولا إثم ولا فدية. فقوله لا حرج يقتضي رفع الإثم والفدية معا. ومعناه افعل ما بقي عليك وقد أجزأك ما فعلته. ولا حرج عليك في التقديم والتأخير. ونفي الحرج نفي للضيق (متفق عليه) قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم.
وقال الموفق والشارح لا نعلم خلافا أن الإخلال بالترتيب لا يخرج هذه الأفعال عن الأجزاء. وترتيب أفعال يوم النحر الأربعة رمي جمرة العقبة. ثم الذبح. ثم الحلق. ثم طواف الإفاضة. هو فعل رسول الله ﷺ في حجته ففي الصحيحين أنه أتى منى فأتى الجمرة فرماها. ثم أتى منزله بمنى فنحر. وقال للحلاق خذ. ولا نزاع في هذا للحاج مطلقا. وسنة إجماعا. وقيل واجب. والحديث يدل على جواز تقديم هذه الأمور الأربعة بعضها على بعض. وحكي إجماعا. إلا أنه اختلف في وجوب الدم في بعض المواضع.
وجمهور أهل الحديث والفقهاء على الجواز وعدم وجوب الدم. لأن قول الشارع لا حرج مقتض لرفع الإثم. والفدية معا. لأن المراد بنفي الحرج نفي الضيق. وإيجاب الدم ضيق.
стр. 1004
ولو كان واجبا لبينه رسول الله ﷺ ص وينبغي للإمام أن يخطب يوم النحر بمنى لهذا الخبر ولقول ابن العباس "خطب النبي ﷺ يوم النحر" رواه البخاري. وعن نافع عن ابن عمر "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حيث ارتفع الضحى" ولأبي داود "فطفق يعلمهم مناسكهم" وهو يوم الحج الأكبر. لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأبي داود "افضل الأيام عند الله يوم النحر" فهو أفضل أيام العام. ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. وليس بمنى صلاة عيد بل رمي الجمرة لهم كصلاة العيد لأهل الأمصار.
فصل في الإفاضة
يعني من منى لطواف الإفاضة. ويسمى طواف الصدر. لأنه يصدر إليه من منى. وطواف الفرض لتعينه. وطواف الركن عند أهل الحجاز. وطواف يوم النحر وغير ذلك. والإفاضة الدفع في السير. وأصلها الصب فاستعير للدفع في السير. وأصله افاض نفسه أو راحلته.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أي ليزيلوا أدرانهم وأوساخهم. والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط وقلم الأظفار والاستحداد. وليس الثياب. أو مناسك الحج كلها ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي حجهم
стр. 1005
أو نذر الحج والهدي. وما ينذره الإنسان من شيء يكون في الحج أي ليتموها بقضائها ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الإفاضة الطواف الواجب ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ سمي عتيقا لأنه أول بيت وضع للناس. أو لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه. وروي مرفوعا. وذكره تعالى بصيغة المبالغة لأنه ركن الحج. ووقته يوم النحر بعد الرمي والحلق. والأطواف ثلاثة طواف القدوم وتقدم. وطواف الإفاضة يوم النحر ركن الحج. وطواف الوداع ويأتي.
(وعن عبد الله بن عمر) ﵄ قال: (وأفاض) أي ذهب (رسول الله ﷺ ) مسرعا من منى إلى البيت يوم النحر بعد أن رمى ونحر وحلق "فطاف" أي سبعة أشواط (بالبيت) طواف الإفاضة. وهو طواف الفرض. فيعينه بالنية. ولهما عن ابن عمر. أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر وثبت عن عائشة وغيرها. فيسن طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق أول النهار. لما تواتر من فعله ﷺ . وله تأخيره عن أيام منى.
وقال الشيخ ينبغي أن يكون في أيام التشريق. فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع اهـ. ومذهب أحمد والشافعي أن آخره غير مؤقت. وعند أبي حنيفة أيام التشريق ومالك ذي الحجة. والتعجيل أفضل إجماعا. ولا شيء عليه في تأخيره عند
стр. 1006
الجمهور. وثبت أن من لم يطف طواف الإفاضة لم يحل له أن ينفر حتى يطوف. وهو إجماع. وحكى النووي وغيره الإجماع على ان هذا الطواف وهو طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به وكذا الإحرام والوقوف. قال ابن القيم وغيره هذه الثلاثة أركان الحج باتفاق المسلمين.
(ثم حل من كل شيء) من محظورات الإحرام (حرم منه) بالإحرام حتى الوطء إجماعا (رواه مسلم) وهذا هو التحلل الثاني الذي يعود المحرم به حلالا من لبس وطيب ووطء وغير ذلك مما حرم عليه بالإحرام. ولهما عن ابن عمر قال "لم يحل النبي ﷺ من شيء حرم عليه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه"وعن عائشة نحوه متفق عليهما. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أن التحلل الثاني يبيح محظورات الإحرام جميعها ويعود المحرم حلالا. ومرادهم أن الحل متوقف على السعي إن كان ركنا أو قيل بوجوبه.
(وله عن جابر لم يطف النبي ﷺ وأصحابه) أي في حجهم وعمرتهم (بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول)
أي مع طواف القدوم. فيجزئ عند جمهور العلماء إلا أبا حنيفة في القارن. وقال أحمد في المتمتع إن طاف طوافا واحدا
فلا بأس وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي. وعنه فهو أجود
стр. 1007
وواحدا فلا بأس. قال الشيخ وهذا منقول عن غير واحد من السلف.
وعن أحمد يجزئ سعي واحد. وقال أيضا إن طاف طوافا وحدا فهو أعجب إلي واحتج بحديث جابر. فلأبي داود عن جابر قدم رسول الله ﷺ لأربع ليال خلون من ذي الحجة فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة قال "اجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي" فلما كان يوم التروية أهل بالحج فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه مختصرا ومطولا. قال ابن القيم وفيه اكتفاء المتمتع بسعي واحد كما تقدم.
وقال ابن عباس يجزئ طواف بين الصفا والمروة. واختاره الشيخ. وقال هو أصح أقوال جمهور العلماء. وأصح الروايتين عن أحمد. فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بني الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف. وفي صحيح مسلم عن جابر لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. وأكثرهم كانوا متمتعين. وحلف على ذلك طاووس. وثبت مثله عن ابن عمر وابن عباس وغيرهم. وهم أعلم الناس بحجه ﷺ . قال ولم ينقل أن أحدا منهم طاف وسعى ثم طاف وسعى. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فلما لم ينقله أحد علم أنه لم يكن.
стр. 1008
وعمدة من قال بالطوافين ما روى أهل الكوفة عن علي وابن مسعود. وعن علي أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد خلاف ما رواه عنه أهل الكوفة. قال ابن حزم وما روي في ذلك عن الصحابة لم يصح منه ولا كلمة. قال الشيخ فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزأه كما يجزئ المفرد والقارن وهو الذي ثبت في صحيح مسلم عن جابر. وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا طوافين. لكن هذه الزيادة قيل إنها من قول الزهري وقد احتج بها بعضهم وهذا ضعيف. والأظهر ما في حديث جابر.
ويؤيده "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" فالمتمتع من حين أحرم بالعمرة دخل بالحج لكنه فصل بتحلل ليكون أيسر على الحاج. وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. وقال ابن القيم هذه اللفظة يعني أنهم طافوا طوافا آخر قد قيل إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة اهـ. ولأنه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر الأنساك. قال في المبدع بغير خلاف أعلمه. وقال النووي يكره ولا نزاع فيه في حق المفرد.
والجمهور أن السعي ركن وهو مذهب الشافعي وأحمد والمشهور عن مالك لفعله ﷺ وقال "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" رواه أحمد. ولأنه نسك في الحج والعمرة فكان ركنا فيهما كالطواف. وقالت عائشة ما أتم الله حج من لم يطف بين
стр. 1009
الصفا والمروة. واختيار الموفق وغيره أنه واجب وليس بركن فيجبره بدم لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا على أنه لا يتم الحج إلا به.
(وله) من طريق مجاهد (عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها) وكانت تطهرت بعرفة. ومن رواية طاووس أنه قال لها يوم النفر (طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) وهو مذهب الجمهور. وثبت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. ولدخول العمرة في الحج فلا تحتاج إلى عمل آخر غير عمله.
(وعن جابر) في حديثه الطويل (ثم أتى إلى بني عبد المطلب) وهم أولاد العباس (وهم يسقون) على زمزم لأن سقاية الحاج كانت وظيفتهم. فقال "انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" ولما نزلت (أجعلتم ساقية الحاج) الآية قال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا فقال رسول الله ﷺ "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا (فناولوه) أي أعطوه (دلوا فشرب منه رواه مسلم) وذكر الواقدي وغيره أنه ﷺ لما شرب صب على رأسه. وجاء أنه شرب وهو قائم فلا بأس به.
(ولأحمد عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم) سميت بذلك لكثرة مائها. أو ضم هاجر له حين انفجرت وزمها إياه
стр. 1010
(لما شرب له) أي ينفع الشارب لأي أمر شرب لأجله. سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة لأن ما في قوله "لما شرب له" من صيغ العموم. والحديث أخرجه ابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهم. وصححه المنذري وحسنه الحافظ. وفيه دليل على استحباب الشرب منها. والتظلع منه. وللدارقطني عن ابن عباس مرفوعا "ماء زمزم لما شرب له. إن شربته تستشفي به شفاك الله. وإن شربته يشبعك أشبعك الله به. وإن شربته لقطع ظمئك قطعة الله" ولمسلم من حديث أبي ذر "إنها طعام طعم" أي تشبع شاربها كالطعام ولأبي داود: "وشفاء سقم".
ولابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا "أن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتظلعون من ماء زمزم" وقال ابن عباس إذا شربت من زمزم فاستقبل القبلة. واذكر اسم الله وتنفس وتظلع منه.
فإذا فرغت فاحمد الله. ويقول إذا شرب اللهم اجعله لنا علما نافعا وزرقا واسعا وريا وشبعا وشفاء من كل داء. واغسل به قلبي واملأه من خشيتك وحكمتك. وروي عن عكرمة وغيره. لأنه لائق بالمحلل. وشامل لخير الدنيا والآخرة. فيرجى حصوله.
стр. 1011
فصل في أيام منى
أي في أحكام ما يفعله الحج من أعمال الحج بمنى أيام التشريق. كرمي الجمار والمبيت وغير ذلك.
(عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر) أي طاف بالبيت طواف الإفاضة كما تقدم (ثم رجع) أي من مكة (فصلى الظهر بمنى متفق عليه) قال ابن القيم وهو أظهر مما رواه جابر وعائشة لوجوه. منها أنه ﷺ لوصلىلظهر بمكة لم تصل الصحابة بمنى وحدانا. ولم يكن لهم بد من نائب عنه. ولم ينقل. وأنه لو صلى بمكة كان صلى خلفه أهل البلد وهم مقيمون. ومنها أن حديث ابن عمر متفق على صحته اهـ.
وثبت من غير وجه أنه مكث بها ليالي أيام التشريق. ومذهب الجمهور على أن المبيت بها واجب. وأنه من جملة مناسك الحج. قال الشيخ والسنة أن يصلي بالناس بمنى. ويصلي خلفه أهل الموسم. ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى. وهو مسجد الخيف مع الإمام. فإن النبي ﷺ وأبا بكر. وعمر كانوا يصلون بالناس بمنى قصرا بلا جمع ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة. فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه. والمسجد بني بعد النبي ﷺ لم يكن على عهده بناء. وإنما أول من بناه المنصور العباسي.
стр. 1012
(ولهما عنه) ﵁ (قال استأذن العباس) عم النبي ﷺ وكان له سقاية الحاج (رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة) أي يمكث فيها. يسمى بائتا وإن لم ينم (ليالي منى) أي الليالي الثلاث الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة (من أجل سقايته) يعني من ماء زمزم. فإنهم كانوا يغترفونه بالليل. ويجعلونه في الحياض سبيلا. (فأذن له) في المبيت بمكة لأجل السقاية. وهي مصدر كالسعاية والرعاية والحماية.
وكان العباس يلى ذلك فى الجاهلية وقام الإسلام وهى بيده وأقرها رسول الله ﷺ معه فكانت له ولآله أبدا فمن قام بها فالرخصة له لهما عن ابن عباس نحوه فدل الحديث على انه يجب المبيت بمنى ليلة ثانى النحر وثالثه وكذا رابعه على لمن غربت عليه الشمس بها إلا لمن له عذر السقاية وكذا الرعاية وحفظ مال وعلاج مريض ونحو ذلك عند الجمهور.
وقال ابن القيم يجوز للطائفتين يعنى السقاة والرعاة ترك المبيت بالسنة إذا كان قد رخص لهم فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أوكان مريضا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على السقاة والرعاة.
(وللبخارى عنه) يعنى ابن عمر رضى الله عنهما (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا) تأنيث الأدنى ومعناه الأقرب وهى التى يبدأ بها فى الرمى ثاني يوم النحر وتلي مسجد الخيف.
стр. 1013
سميت الدنيا لقرها من مسجد الخيف وهى أبعدهن عن مكة (بسبع حصيات) متعاقبات واحدة بعد واحدة إجماعأ يرفع يده حتى يرى بياض إبطه (يكبرمع كل حصاة) أي يقول بسم الله والله أكبر وقال الشيخ وغيره وإن شاء قال اللهم اجعله حجا مبرورا. الخ.
(ثم يتقدم) امامها ويجعلها عن يساره (فيسهل) أى يصبر أقرب إلى السهل من الأرض وهو المكان المستوي الذي لا ارتفاع فيه (فيقوم مستقبل القبلة) ولا يكون كذلك إلا يجعلها عن يساره (ثم يدعو ويرفع يديه) أى فى الدعاء عند الجمرة اتفاقا إلا ما روى عن مالك (ويقوم طويلا) يدعو الله ويثنى عليه ويهلل ويكبر ويصلي على النبي ﷺ . ويأتي انه بقدر سورة البقرة.
(ثم يرمي) الجمرة (الوسطى) مثل الأولى بسبع حصيات ويتأخرقليلا (ثم يأخذ ذات الشمال) أى يمشي إلى جهة شماله ليقف داعيا فى مكان لايصيبه الرمل ويجعل الجمرة عن يمينه (فيسهل) أى يصير إلى بطن الوادى (فيقوم مستقبل القبلة) لأنها اشرف الجهات (ثم يدعو) الله (ويرفع يديه) اتفاقا كما تقدم إلا عن مالك (ويقوم طويلا) يحمد الله وثني عليه ويهلل ويكبر ويصلي على النبي ﷺ وفسره ما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح أنه بقدر سورة البقرة فى كل واحدة منهما وجزم به الشيخ وغيره لهذا الخبر وغيره.
стр. 1014
قال ابن القيم ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول فتضمن حجه ست وقفات للدعاء على الصفا والمروة وبعرفة ومزدلفة وعند الجمرتين وإن ترك الوقوف عندهما والدعاء فقد ترك السنة ولاشيء عليه وشرع الذكر عند هذه الأفعال لأنها أفعال تعبدية ولا تظهر فيها العبادة فأمر بالذكر فيها ليكون شعارا لها (ثم يرمي جمرة العقبة) كذلك بسبع حصيات كما تقدم (من بطن الوادي) مستقبلا لها والعمل عليه عند أهل العلم وبعضهم يرى وجوبه لثبوته من طرق متعددة (ولا يقف عندها) قال الحافظ وغيره لا نعلم فيه خلافا.
والحديث دليل على مشروعية رمي الجمار الثلاث كل واحدة بسبع حصيات أيام التشريق وهو واجب إجماعا وحكاه الوزير اتفاقا ولم ينازع فى وجوبه من يعتد بقوله ويجب الترتيب عند الجمهور إلا أبا حنيفة فسنة عنده فإن نكسه لم يعتد إلا بالأولى ويأتي بما يليها وفيه مشروعية الوقوف عند الجمرتين الأوليين دون جمرة العقبة ومشروعية الدعاء عندهما وقال الموفق وغيره لا نعلم مخالفا لما تضمنه حديث ابن عمر إلا ما روي عن مالك فى رفع اليدين والسنة متظاهرة فى ذلك.
وحكمة الوقوف عند الجمرتين دون جمرة العقبة والله أعلم تحصيل الدعاء لكونه فى وسط العبادة دون جمرة العقبة لأن العبادة قد انتهت بفراغ الرمي والدعاء فى صلب العبادة قبل
стр. 1015
الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها كالصلاة (ثم ينصرف) يعني ابن عمر ﵁ من عند الجمرة (ويقول هكذا) أي هذا الذي فعلت (رأيت رسول الله ﷺ يفعله) أي فى جميع ما فعل عند الجمرات الثلاث ولأ حمد وأبي داود عن عائشة نحوه ويفعل ذلك فى كل يوم من أيام التشريق على الترتيب والكيفية المذكورة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم بنقل الخلف عن السلف.
قال الشيخ ويستحب أن يمشي إليها اهـ. لأن بعده وقوف ودعاء فالمشي أقرب إلى التضرع وقال ابن القيم لما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب ورواه الترمذي وغيره وصححه مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا وقال والعمل عليه عند أكثر أهل العلم وأما جمرة العقبة يوم النحر فثبت أنه رماها راكبا.
(وله عنه) قال (كنا نتحين) أي نراقب الوقت المطلوب الرمي فيه وننتظر دخوله (فإذا زالت الشمس رمينا) يعني الجمار الثلاث أيام التشريق ولمسلم عن جابر رأيته يرمي على راحلته يوم النحر ضحى وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس ولأحمد وغيره عن عائشة فمكث رسول الله ﷺ بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمار إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات وللترمذي عن ابن عباس نحوه قال الترمذي والعمل عليه
عند أكثر أهل العلم أنه لايرمي بعد يوم النحر
стр. 1016
إلا بعد الزوال وقال غيرواحد هو مذهب الجمهور وخالف فى ذلك عطاء وطاووس.
ويستحب قبل صلاة الظهر لفعله ﷺ ورخص بعض الحنفية فى الرمي يوم النفر قبل الزوال والأحاديث الصحيحة المستفيضة رد عليهم وإن أخر الرمي إلى اليوم الثالث رماه كله فيه ويرتبه بنية لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي.
(وللخمسة) وغيرهم (عن عاصم بن عدي) صحابي مشهور وكان حليفا لبني عبيد بن زيد الأنصاري مات سنة خمس وأربعين وله مائة وعشرون (أن النبي ﷺ رخص لرعاة الإبل) بضم الراء جمع راع (فى البيوتة عن منى) أي في ترك البيتوتة بها ليالي أيام التشريق لأنهم مشغولون برعي الإبل وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها ولا يمكنهم الجمع بين الرعي والمبيت فيجوز لهم ترك المبيت للعذر والرمي على الصفة المذكورة.
(يرمون يوم النحر) أي جمرة العقبة يوم العيد ولا يبيتون بمنى (ثم يرمون ليومين) أي يرمون اليوم الثالث لذلك اليوم واليوم الذي فاتهم الرمي فيه وهو اليوم الثاني (ثم يرمون يوم النفر) أي اليوم الرابع إن لم يتعجلوا (صححه الترمذي)
وابن حبان يرتبون الجمرات الثلاث بالنيه لليوم الأول ثم
للثاني ثم للثالث وكذا كل ضرورة داعية يشق معها
стр. 1017
المبيت مشقة لاتحتمل عادة وتقدم ترخيصه للسقاة وقيس على ذلك مما هو مثلهم في العذر وهو مذهب جمهور العلماء.
فصل في النفر
أي الذهاب من منى إلى مكة والوداع وما يتعلق بذلك والنفر بالتحريك التفرق من نفر ينفر نفورا ونفارا فر وذهب والنفر الأول والثاني من منى.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي استعجل بالنفر من الحج في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد رمي جماره ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تعجيله وذلك أنه على الحاج أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانيه من أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرون حصاة عند كل جمرة بسبع حصيات كما تقدم إلا أنه رخص لرعاة الإبل وأهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى يبيت ليلة الثالث ويرمي يوم الثالث جماره أو لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في تأخيره فقد خيره تعالى ونفى الحرج سواء في ذلك مريد الإقامة بمكة وغيره
والأفضل أن يمكث ويرمي لفعله ﷺ ونفي الإثم لايقتضي
стр. 1018
المساواة لنزولها بسبب أن الجاهلية منهم من يؤثم المتقدم ومنهم من يؤثم المتأخر.
فنفي الإثم تعالى عنهما لأخذ أحدهما بالرخصة والآخر بالأفضل ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أى لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئًا نهاه الله عنه أو يغفر لهما بسبب تقواهما فلا يبقى عليهما ذنب ولما ذكر تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم حجهم إلى سائر الأفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
(وقال عمر) ابن الخطاب رضى الله عنه (من أدركه المساء) أي غابت عليه الشمس (في اليوم الثاني) أي من أيام التشريق قبل أن ينفر (فليقم) أي يلزم المبيت بمنى (إلى الغد) من اليوم الثالث من أيام التشريق ويرمي الجمرات (حتى ينفر مع الناس) النفر الثاني قال الشيخ وغيره ثبت هذا الأثر عن عمر ورواه مالك عن ابن عمر وقال ابن المنذر ثبت عن عمر وهو قول أحمد والشافعي ورواية عن أبي حنيفة وهو مذهب جماهير العلماء وأكثر الفقهاء وقاله شيخ الإسلام وغيره.
وقال ولأن الشارع جوز التعجيل في اليوم وهو اسم لبياض النهار فإذا غربت الشمس خرج من أن يكون في اليوم فهو ممن تأخر فلزمه المبيت بمنى والرمي بعد الزوال ونص عليه
стр. 1019
جمهور أهل العلم. ثم إن نفر في اليوم الثاني ثم رجع في اليوم الثالث لم يضره رجوعه وليس عليه رمي لحصول الرخصة قال ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث وقال وليس له التعجيل لأجل من يتأخر.
(وعن أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء) يعني بالمحصب وللبخاري عنه صلى الظهر يوم التروية بمنى والعصر يوم النفر بالأبطح قال الحافظ وقوله صلى الظهر يعني بالمحصب لا ينافي أنه لم يرم إلا بعد الزوال لأنه رمى فنفر فنزل المحصب فصلى الظهر به والعصر والمغرب والعشاء (ثم رقد رقدة) وللبخاري عن ابن عمر نحوه وفيه ويهجع هجعة (بالمحصب) اسم لمكان كان متسعا خارج مكة عند خيف بني كنانة فيما بينه وبين ثنية كداء ويقال له الأبطح وهو ما انبطح من الوادي واتسع قال الحافظ مابين الجبلين على المقبرة.
وللبخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعه أي نام يسيرا (ثم ركب) يعني ناقتة القصواء (إلى البيت) أي ليطوف به (فطاف به) أي طواف الوداع (رواه البخاري) قال الشيخ ثم إذا نفر من منى فإن بات بالمحصب وهو الأبطح وهو ما بين
الجبلين إلى المقبرة ثم نفر بعد ذلك فحسن فإن النبي ﷺ بات به وخرج ولم يقيم بمكة بعد صدوره من منى) لكنه
стр. 1020
ودع البيت. وقال لاينفرن أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت.
وقال ابن القيم اختلف السلف في التحصيب هل وهو سنة أو منزل اتفاق؟ فقالت طائفة هو من سنن الحج لما في الصحيحين نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر فقصد إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله ولمسلم أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلونه وابن عمر يراه سنة وذهبت طائفة منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو منزل اتفاق.
وقال أبو رافع لم يأمرني ولكن أنا ضربت قبته فيه ثم
جاء فنزل فأنزل الله فيه بتوفيق تصديقا لقوله ﷺ ولا خلاف
فى عدم وجوبه وصرح شيخ الإسلام وغيره أنه لو سافر
لبلده من منى ولم يأتي مكة بعد طواف الإفاضة لم يكن عليه وداع وقال في الفروع وإن ودع وأقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه.
(ولهما عن ابن عباس) رضى الله عنهما قال (أمر الناس) بالبناء للمجهول والمراد به النبي ﷺ (أن يكون آخر عهدهم) رؤيتهم وليقيهم (بالبيت الطواف) وفي لفظ لمسلم كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ لاينفرن أحد حتى
следующие страницы →