← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

(وعن أم سلمة مرفوعا إذا دخل العشر) أي عشر ذي الحجة وفي لفظ إذا رأيتم هلال ذي الحجة وتقدم ذكر فضلها والعمل فيها (وأراد أحدكم أن يضحي) أي لنفسه (فلا يأخذ من شعره) أي شعر جميع بدنه شيئا بقص أوحلق أوغير ذلك (ولا من أظفاره) أي لا يقلم من أظفاره (شيئا) وفي لفظ فلا يمس من شعره ولا من بشرته شيئا أي لايزيل شيئا من شعور بدنه ولا من بشرته كظفر ونحوه وفي لفظ فليمسك عن شعره وأظفاره ليبقى كامل الأجزاء للعتق من النار. وذكر ابن القيم أن تقليم الظفر وأخذ الشعر من تمام التعبد بالأضحية وذكر خبر عبد الله بن عمر تأخذ من شعرك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند الله فيتركه (حتى يضحي) أي يذبح أضحيته أوتذبح عنه (رواه مسلم) والخمسة وغيرهم وقال الوزير اتفقوا على أنه يكره لمن أراد الأضحية أن يأخذ من شعره وظفره من أول العشر إلى أن يضحي وقال أبو حنيفة لا يكره اهـ. والحديث يرد عليه. قال ابن القيم وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه وقال بعض أهل العلم يحرم واختار الأكثر الكراهة وقيل من يضحي عنه لا من ضحى عن غيره سواء كان وصيا أو متبرعا.

стр. 1052

فصل في العقيقة أي في بيان أحكام العقيقة عن الغلام والجارية والتحنيك والتسمية وما يتعلق بذلك والعقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود وأصل العتق الشق والقطع وقيل للذبيحة عقيقة لأنه يشق حلقها وقال الوزير وغيره هي في اللغة أن يحلق عن الغلام أو الجارية شعرهما الذي ولدا به ويقال لذلك عقيقة وإنما سميت الشاة عقيقة لأنها تذبح في اليوم السابع وهو اليوم الذي يعق فيه شعر الغلام الذي ولد وهو عليه أي يحلق. وقال أحمد إنما العقيقة الذبح نفسه وكذا حلق عقيقته وهي مشروعة وسنة مؤكدة عند الجمهور لأمره ﷺ وفعله وفعل أصحابه والتابعين المستفيض قال مالك لا اختلاف فيه عندنا وهو المعمول به في الحجاز قديما وحديثا وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ولو بعد موت المولود وقيل واجبة شرعت فدية يفدى بها المولود كما فدى الله اسماعيل الذبيح بالكبش وكانت تفعل في الجاهلية وأقرها الإسلام وأكدها وأخبرالشارع أن الغلام مرتهن بها ونفس الذبح وإراقة الدماء عبادة مقرونة بالصلاة كما تقدم. قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال البغوي وغيره نظر إبراهيم فإذا هوبجبريل ومعه كبش أملح أقرن فقال هذا فداء

стр. 1053

لابنك فاذبحه دونه فأتى به المنحر من منى فذبحه قال أكثر المفسرين كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفًا وسماه عظيمًا لأنه متقبل قال شيخ الإسلام العقيقة فيها معنى القربان والشكر والصدقة والفداء وإطعام الطعام عند السرور فإذا شرع عند النكاح فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة وهو وجود النسل أولى وقال أحمد إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سنة واتبع ما جاء به عن ربه. قال ابن القيم وهذا لأنها سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عن ولادته بذبح يذبح عنه ولا يستنكر أن يكون هذا حرزا له من الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزا له من ضرر الشيطان اهـ .. وعن أحمد واجبة ولكن قال ﵊ من أحب أن ينسك فليفعل وتقدم قول ابن القيم أنها تقوم مقام الفديه عن النفس المستحقة للتلف فدية وعوضا وقربانا إلى الله وعبودية اهـ. وفي فعلها مع الحث عليها الاقتداء بالخليلين الذين أمرنا بالاقتداء بهما. (وعن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي صحابي سكن البصرة ﵁ (أن

стр. 1054

رسول الله ﷺ قال مع الغلام) وجوبا أوندبا (عقيقة) أي الذبيحة التي تذبح للمولود ذكرا كان أو أنثى ولوولد اثنان في بطن استحب عن كل واحد عقيقة قال ابن عبد البر لاأعلم عن أحد من العلماء خلافه (فاهريقوا) من هراق الماء صبه أي أريقوا (عنه دما) شاة أو شاتين كما يأتي وفسر هذا الإبهام الأحاديث الآتية. وبهذا الحديث ونحوه استدل القائلون بالوجوب والجمهور على الاستحباب إذ لو كان للوجوب لبينه الشارع بيانا عاما تقوم به الحجة ولم يعلق محبةالفعل وإنكار أصحاب الرأي سنيتها لا يلتفت إليه مع ثبوت السنة (وأميطوا عنه الأذى) أي احلقوا عنه شعر رأسه (رواه البخاري) وللحاكم عن عائشة وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى. (وعن سمرة) بن جندب ﵁ (أن النبي ﷺ قال كل غلام مرتهن) أي مرهون (بعقيقته) ممنوع محبوس عن خير يراد به ولا يلزم أن يعاقب على ذلك محتبس بها فلا تحصل سلامته من الافات (حتى يعق عنه) شبهه بالرهن في يد المرتهن وأنه لا بد أن يفدى مما يسوءه كما فدي إسماعيل قال ابن القيم جعل الله النسيكة عن الولد سببا لفك رهانه من الشيطان الذي تعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته فكانت فداء وتخليصا له من حبس الشيطان وسجنه

стр. 1055

في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح اخرته فأمر بإراقة الدم عنه الذي يخلص به من الارتهان. وقال أحمد هذا في الشفاعة أنه إذامات طفل لم يشفع في أبويه قال الخطابي هذا أجود ماقيل فيه وقال أحمد أيضا سنة النبي ﷺ أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة أذا لم يعق عنه فهو محتبس بعقيقته حتى يعق عنه وقال هذا الحديث أشد ما سمعنا في العقيقة وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله له الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ واتبع ما جاء به وجاء الخبر أنها على سبيل النسك كالأضحية والهدي. وحكمها حكمهما فيما يجزئ ويستحب ويكره والأكل والهدية والصدقة إلاأنه لايجزئ فيها شرك في دم لأن المقصود أن تكون نفس فداء نفس ويروى مرفوعا قل بسم الله والله أكبر اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان حسنه بن المنذر وإن نوى ولم يتكلم أجزأت قال ابن القيم وغير مستبعد في حكم الله وشرعه وقدره أن تكون سببا لحسن نبات المولود ودوام سلامته وطول حياته وحفظه من ضرر الشيطان حتى يكون كل عضو منها فداء كل عضو منه. (تذبح عنه) أي تعق عن المولود ذكرا كان أم أنثى (يوم سابعه) واستفاض عنه ﷺ أنه عق عن حسن وحسين يوم السابع وسماهما أخرجه ابن وهب ولابن المنذر عن عمرو

стр. 1056

ابن شعيب نحوه وقال هذا قول عامة أهل العلم والحكمة والله أعلم أن الطفل حين يولد متردد فيه بين السلامة والعطب إلى أن يأتي عليه ما يستدل به على سلامة بنيته وجعل مقداره أيام الأسبوع فأنه دور يومي كما أن السنة دور شهري وطور من أطواره وإن فات ففي أربعة عشر ثم في السابع الثالث. وروي مرفوعًا وهو مذهب الجمهور قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع فإن لم يتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشر فإن لم يتهيأ عق عن يوم إحدى وعشرين وقالوا لا يجزئ في الشاة إلاما يجزئ في الأضحية وقال ابن القيم التقييد بذلك استحباب فلوذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت. (ويحلق) أي رأسه قال ابن عبد البر كان العلماء يستحبون ذلك وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال في حديث العقيقة ويحلق رأسه وجاء أيضا أميطوا عنه الأذى ويقال إن فاطمة حلقت رأس الحسن والحسين وتصدقت بوزن شعرهما ورقا وقاله أحمد وغيره (ويسمى) يعني المولود وروي ويدمى وقال أبو داود إنها وهم من همام وكانوا في الجاهلية يلطخون رأس المولود بدم القيقة تبركا فعوض الشرع بحلق رأسه والتصدق بوزنه وأن يطلخ بالزعفران (رواه الخمسة) وغيرهم.

стр. 1057

قال ابن القيم لما كانت التسمية حقيقتها تعريف الشيء المسمى لأنه إذا وجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به فجاز تعريفه يوم وجوده وجاز تأخير التعريف إلى ثلاثة أيام وجاز إلى يوم العقيقة عنه ويجوز قبل ذلك وبعده والأمر فيه واسع واتفقوا على أن التسمية للرجال والنساء فرض حكاه ابن حزم وغيره وفي قوله تعالى (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) دليل على جوازه يوم الولادة ويأتي ما في الصحيحين وغيرهما ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم. ولهما عن أنس أنه ذهب بأخيه إلى رسول الله ﷺ حين ولدته أمه فحنكه وسماه عبد الله وسمي المنذر وغيره يوم الولادة وقال البيهقي باب تسمية المولود يوم يولد وهو أصح من السابع والتسمية للأب فلا يسمي غيره مع وجوده قال ابن القيم وهذا مما لا نزاع فيه بين الناس ولأنه يدعى يوم القيامة باسمه واسم أبيه وورد الأمر بتسمية السقط وإن لم يعرف أذكر أو أنثى سمي بصالح للذكر والأنثى كخارجة وطلحة وزرعة ونحوهم. (ولهم) أي للخمسة وغيرهم من طرق أحدها عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ وفي لفظ (أنه أمرهم) يعني المسلمين (أن يعق) كل والد عن ولده ويجزئ من الأجنبي قال الشيخ يعق عن اليتيم كالأضحية وأولى لأنه مرتهن بها وقال بعضهم مشروعة ولو بعد موت المولود واستحب جمع أن يعق

стр. 1058

عن نفسه إذا بلغ قال أحمد من فعله فحسن ومن الناس من يوجبه (عن الغلام شاتان) مكافئتان أي متساويتان أو متقاربتان في السن بمعنى أنه لا ينزل سنها عن سن أدنى ما يجزئ في الأضحية لاتفاقهم على أنه لايحزئ في العقيقه إلاما يجزئ في الأضحيه. (وعن الجارية شاة) رواه أحمد وغيره وعن أم كرز الكعبية أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال نعم عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحده لا يضركم ذكرانا كن أو إناثا رواه أحمد والنسائي ولهما وأبي داود عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده قال سئل رسول الله ﷺ عنها فقال من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة وله طرق في السنن وغيرها (صححهما الترمذي) يعني حديث سمرة وهذا الحديث من طريق عائشة وأم كرز. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تدل على أن المشروع في العقيقة شاتان عن الذكر وهو قول الجمهور وقال مالك شاة عن الذكر والأنثى وجاء في الخبر نحوه والشاتان عن الذكر أكثر وأشهر قال ابن القيم وغيره أو الله تعالى فاضل بين الذكر والأنثى في المواريث والديات وغيرها فجرت المفاضلة في العقيقة هذا المجرى لو لم يكن فيها سنة كيف والسنن الثابتة صريحة بالتفضيل.

стр. 1059

وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية فعق أو ضحى أجزأ عنهما كما لو ولد له أولاد في يوم أجزأت عقيقة واحدة أو ذبح أضحية وأقام سنة الوليمة في عرسه قال أحمد قال به غير واحد من التابعين قال ابن القيم ووجه الإجزاء حصول المقصود منها بذبح واحد لأنهما مشروعتان فتقع عنهما كتحية المسجد وسنة المكتوبة ونحو ذلك وصرح به شيخ الإسلام وغيره. (وعن أبي رافع) ﵁ (أنه ﷺ أذن) أي تلا كلمات الأذان (في أذن الحسن) بن علي بن أبي طالب ﵄ وأمه فاطمة الزهراء ﵄ (حين ولد) يعني الحسن سنة ست من الهجرة رواه أبو داود وغيره و (صححه الترمذي) فيستحب التأذين في أذن الصبي عند ولادته ويستحب إقامته في أذنه اليسرى وهو مذهب الجمهور قال الترمذي وعليه العمل وللبيهقي من حديث الحسن بن علي ورفعت عنه أم الصبيان وله عن ابن عباس أنه أذن في أذن الحسن وأقام في اليسرى وفيها ضعف. وقال ابن القيم وغيره سر التأذين أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المنتظمة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه من الدنيا وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه وتأثره به وهروب الشيطان من الأذان وأن تكون الدعوة إلى الله سابقة دعوة الشيطان وغير ذلك من الحكم.

стр. 1060

(وعن أنس) يعني ابن مالك خادم رسول الله ﷺ (أنه ذهب بأخيه) أي لأمه أما أبوه فهو أبو طلحة بن زيد بن سهل الأنصاري (إلى رسول الله ﷺ حين ولد) أي ولدته أم سليم بنت ملحان الأنصارية ﵂ وقالت يا أنس إذهب به إلى رسول الله ﷺ فليحنكه (فحنكه) رسول الله ﷺ فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ . والتحنيك سنة بالإجماع وهو أن يمضغ المحنك التمر ونحوه حتى يصير مائعا بحيث يبتلع ثم يفتح فم المولود ويضعهما فيه ليدخل شيء منها جوفه وفيه فجعل يتلمظ فقال حب الأنصار التمر وأبت الأنصار إلا حب التمر مبالغة في شدة حبهم للتمر وكان أكثر طعامهم (وسماه عبد الله) قال ابن سعد ولد بعد غزوة حنين وأقام بالمدينة وقيل مات بها سنة أربع وثمانين وفي الصحيحين من حديث أبي بردة قال ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة زاد البخاري ودعا له بالبركة ودفعه إلي وكان أكبر ولد أبي موسى. وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن اسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير فولدت بقباء ثم أتت رسول الله ﷺ فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه قال النووي وغيره اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر فإن تعذر فما في معناه أو قريب منه من الحلو.

стр. 1061

وأن يكون المحنك من الصالحين وفيه استحباب التسمية بعبد الله. (وقال ﷺ ولد لي الليلة ولد) من مارية القبطية سنة ثمان من الهجرة (سميته باسم أبي إبراهيم) يعني الخليل عليهما أفضل الصلاة والسلام تذكيرا به وليقتدى به (متفق عليهما) ورواهما أهل السنة وغيرهم ولأبي داود تسموا باسماء الأنبياء لأن الاسم يذكر بمسماه ويقتضى التعلق بمعناه. (وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال إنكم تدعون يوم القيامة باسمائكم) أي تدعون على رؤوس الأشهاد بالاسم الحسنى والوصف المناسب له وفي تحسين الأسماء تنبيه على تحسين الأفعال (وأسماء ابائكم) فيقال يا فلان ابن فلان (فأحسنوا اسماءكم) لتأثيرها في المسمى وغير ذلك (رواه أبو داود) قال النووي بإسناد جيد ورواه أحمد وغيره وكان ﷺ يحب الاسم الحسن ولما جاء سهل يوم الحديبية قال سهل أمركم. (ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا) إلى النبي ﷺ أنه قال (أحب اسمائكم إلى الله) لأحمد وغيره إن من أحسن اسمائكم ومن حديث عبد الرحمن بن سبرة إن خير الاسماء (عبد الله وعبد الرحمن) ففيه استحباب التسمية بهذين الاسمين وما كان مثلهما لأنها تضمنت ما هو وصف لله

стр. 1062

وواجب له وهو العبودية وقال رسول الله ﷺ يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسمكم واسم أبيكم والجمهور أن أحب الاسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن واسماء الأنبياء ولئلا تنسى اسماؤهم ولتذكر بأوصافهم وأحوالهم. وقال ابن حزم اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله قال ابن القيم ولما كان الاسم مقتضيا لمسماه ومؤثرا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله ضد ملك الأملاك وحاكم الحكام ونحوه فإن ذلك ليس لأحد سوى الله فتسميته بذلك من أبطل الباطل وفي الصحيحين إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك لامالك إلاالله وكذا قاضي القضاة وسيد الناس وسيد الكل. ويحرم التعبيد لغير الله قال ابن حزم اتفق على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى وعبد هبل وعبد عمروعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشى عبد المطلب قال ابن القيم فلا تحل التسمية بتلك وبعبد علي ولا بعبد الحسين وروى ابن أبي شيبة عن شريح بن هانيء أنه وفد على رسول الله ﷺ قوم فسمعهم يسمون رجلا عبد الحجر فقال مااسمك فقال عبد الحجر فقال إنما أنت عبد الله. وأما الإخبار كبني عبد الدار وعبد شمس فليس من باب إنشاء التسمية بذلك وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي

стр. 1063

عرف به المسمى دون غيره وكان الصحابة يتجوزون فيه ما لا يتجوزون في الإنشاء وأصدق الاسماء حارث وهمام ويكره بنحو حرب ويسار كالعاص وكلب وشيطان وخباب وشهاب وحنظلة ومرة وحزن وثبت أقبحها حرب ومرة. وقد كره النبي ﷺ مباشرة الاسم القبيح من الأشخاص والأماكن وذلك لأنه لما كانت الاسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب وأن لاتكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها فإن حكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافه بل لها تأثير في المسميات وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقل واللطافة والكثافة. وتخير الاسماء من توفيق الله للعبد وثبت لاتسمين غلامك يساراولارباحا ولانجيحا ولا أفلح فإنك تقول أثم هو فلا يكون فيقال لا أي فيوجب تطيرا تكرهه النفوس ويصدها عما هي بصدده فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن يمنعهم من أسماء توجب لهم سماع المكروه أو وقوعه وأن يعدل عنها إلى أسماء تحصل المقصود من غير مفسدة ولئلا يسمى يسارا من هو أعسر الناس ونجيحا من لانجاح عنده ورباحا من هو من الخاسرين فيكون قد وقع في الكذب أو يطالب بمقتضى اسمه فلا يوجد عنده فيجعل سببا لذمه أو يعتقد في نفسه أنه كذلك فيقع في تزكية نفسه وتعظيمها فيكره بالتقي

стр. 1064

المتقي والراضي والمحسن والمرشد ونهى الشارع أن يسمى برة ويكره أن يستعمل اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك والمهين في حق من ليس من أهله. وإن لقب بما يصدق فعله جاز وقال أبو جعفر النحاس لا نعلم بين العلماء خلافا أنه لاينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين مولاي ولا يقول عبدك ولا عبدي وإن كان مملوكا ولمسلم لايقل أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وإماؤه ولا ربي ولا مولاي فإن مولاكم الله وظاهر النهي التحريم وقد حظر النبي ﷺ على المملوكين فكيف بالأحرار وكره بعضهم أن يقال يا سيدي أدبا مع الله وأجازه اخرون لغير منافق للخبر. وينبغي أن لا يرضى المخاطب بذلك وأن ينكره كما فعل رسول الله ﷺ الذي يستحق السيادة حيث قال السيد الله ﵎ وينبغي الاعتناء بأمر خلق الطفل فإنه ينشأعلى ما عوده المربي من لجاجة وخفة وجشع ونحو ذلك فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك ويجب أن يجنب إذا عقل مجالس الباطل واللهو فإنه إذا علق سمعه عسر عليه مفارقته. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم آخر المجلد الثاني من شرح أصول الأحكام، ويليه المجلد الثالث، وأوله: كتاب الجهاد.

стр. 1065

جمع الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي رحمه الله تعالى (١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ) المجلد الثالث

стр. 1066

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الجهَاد الجهاد بذل الطاقة والوسع. مصدر جاهدت جهادًا أي بلغت المشقة وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار. ختم به العبادات لأنه أفضل تطوع البدن. وعده بعضهم ركنًا سادسًا لدين الإسلام. فلذا أوردوه بعد الأركان الخمسة وهو سنام العبادة. وذروة الإسلام. وموجب الهداية وحقيقة الإخلاص والزهد في الدنيا. ومنه ما هو واجب باليد، وما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة. فيجب على المرء بغاية ما يمكنه. وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ أي عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ وقرأ الأعمش بالجنة أي بايعهم جل وعلا بها. فأغلى أثمانهم قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال "أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا: ولنفسي أن تمنعوني مما

стр. 1067

تمنعون منه أنفسكم وأموالكم" قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال "الجنة" قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت الآية. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني الجهاد. وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد. كما في الآية (إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (فيقتلون ويقتلون) أي سواءً قتلوا أو قتلوا أو اجتمع لهم هذا وهذا قد وجبت لهم الجنة ومن الحكمة في مشروعيته حصول الثواب للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾. وفي الصحيحين "تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد، إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة " وعدًا عليه) بأن لكم الجنة (حقًا) كتبه على نفسه تفضلًا وكرمًا أثبته ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ تأكيدًا لهذا الوعد. وإخبارًا بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة. وأنه أنزله على رسله في كتبه الكبار. وفيها أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع. ومكتوب على جميع أهل الملل ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ أي: لا أحد أوفى بعهده ﴿مِنَ اللهِ﴾ وعد الله لا يخلف الله الميعاد ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ﴾ أيها المؤمنون ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾ أي بهذا البيع ﴿الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ﴾ البيع ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ الرابح في الآخرة.

стр. 1068

(وقال: ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية) أول الآية ﴿انْفِرُواْ﴾ أي اخرجوا ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ نشاطًا وغير نشاط. ثم رغبهم في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته فقال ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي هذا خير لكم في الدنيا والآخرة لأنكم تغرمون في النفقة قليلًا فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ أن ثواب الجهاد خير لكم من القعود والتثاقل عنه. وقال تعالى: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا. دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ والآيات في فضل الجهاد والحث عليه كثيرة معلومة وقال ﷺ "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" صححه الحاكم فدلت الآيات والأحاديث وما في معنى ذلك على وجوب الجهاد بالمال وهو بذله فيما يقوم به من السلاح ونحوه. وعلى وجوب الجهاد بالنفس وهو بالخروج والمبارزة للكفار. وبذل المهج في مرضاة الله. ووجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس هو إحدى الروايتين عن أحمد. قال ابن القيم وغيره هو الصواب الذي لاريب فيه فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه. بل جاء مقدمًا على النفس في كل موضع إلا موضعًا واحدًا. وهو الذي يدل

стр. 1069

على أن الجهاد به أهم وأشهر من الجهاد بالنفس. وفي هذا الخبر وجوبه باللسان بإقامة الحجة عليهم وبدعائهم إلى الله والزجر ونحوه مما فيه نكاية للعدو. وقال: جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد. فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع. وأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية والصحيح وجوبه بالمال. (وقال) تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ﴾ أي اتخذوا ﴿لَهُم﴾ لوقت الحاجة ﴿مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ أي مهما أمكنكم ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾ أي من الآلات التي تكون لكم عليهم قوة في الحرب لمقاتلتهم. وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال على المنبر "ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي" ولا ينفي كون غيره من القوة بل إنه من أفضل المقصود وأجله. فدلت الآية على الاستعداد في الحرب بجميع ما يمكن من الآلات كآلة الرمي والسيف وغيرهما. ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ يعني اقتنائها وربطها للغزو في سبيل الله والربط شد الفرس وغيره بالمكان للحفظ. وربط الخيل للجهاد من أعظم ما يستعان به. وجاء في فضله أحاديث كثيرة. وفي الصحيحين "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" يعني حسنات ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أي تخوفون بتلك القوة وبذلك الرباط ﴿عَدْوَّ اللهِ﴾ الكافر بالله ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ المحارب

стр. 1070

لكم. وذلك لأن الكفار إذا علموا أن المسلمين كانوا متأهبين للجهاد مستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة وآلات الحرب وإعداد الخيل مربوطة للجهاد خافوهم. فلا يقصدون دخول دار الإسلام. بل يصير ذلك سببًا لدخول الكفار في الإسلام. أو بذل الجزية للمسلمين. (وقال) تعالى ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ﴾ أي ما بالكم إذا دعيتم إلى الخروج ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ أي تثاقلتم وتباطأتم وتكاسلتم وملتم ﴿إِلَى﴾ المقام في ﴿الأَرْضِ﴾ في الدعة والخفض وطيب العيش (الآية) وتمامها ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ أي ما لكم فعلتم هكذا رضىً منكم بالدنيا بدلًا من الآخرة ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل﴾ ما مضى منها وما بقي عند الله قليل كزاد الراكب. (وعن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لغدوة) بالفتح وهي المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أول وقت من أول النهار إلى انتصافه (في سبيل الله) أي الجهاد (أو روحة) هي المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (خير من الدنيا وما فيها. متفق عليه) هذا من باب تنزيل الغائب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس. وإلا فجميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة. وقيل إن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي

стр. 1071

يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله. لما روي أنه ﷺ قال لعبد الله بن رواحة "لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم" والمقصود تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد في سبيل الله. وأن من غدا أو راح في سبيل الله حصل له أعظم من جميع ما في الدنيا. ولهما من حديث أبي هريرة وأبي أيوب "غدوة أو روحة في سبيل الله خير مما طلعت عليه الشمس وغربت" وفيهما "أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" وفي فضله أحاديث كثيرة وقال أحمد لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد. وقال الشيخ اتفق العلماء فيما أعلم أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. (ولهما من حديث سهل) بن سعد الساعدي –﵁. قال قال رسول الله ﷺ (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) الرباط لزوم ثغر للجهاد مقويًا للمسلمين. وفي السنن "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه" ولمسلم عن سلمان مرفوعًا "رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه فإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان" وأفضله الأشد خوفًا. لأن مقامه به أنفع وأهله به أحوج. وكذا الحراسة في سبيل الله ثوابه عظيم للأخبار وعظيم نفعه.

стр. 1072

(ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (من مات ولم يغز) بالفعل (ولم يحدث نفسه بالغزو) في سبيل الله (مات على شعبة) أي خصلة (من) خصال (النفاق) وهذا الوعيد دليل على وجوب الغزو في سبيل الله. وهو فرض كفاية ما لم يحضر العدو. فيتعين على كل أحد. ودليل على وجوب العزم على الجهاد. (وعن أبي موسى) الأشعري ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من قاتل) يعني في سبيل الله (لتكون كلمة الله هي العليا) أي لإظهار دين الله (فهو في سبيل الله متفق عليه) أو من كان قتاله طلب إعلاء كلمة الله وهو جواب سؤال عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". قال ابن بطال إنما عدل النبي ﷺ عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله. فعدل عن ذلك إلى لفظ جامع. فأفاد رفع الالتباس وزيادة الإفهام. وقال الجمهور لا يضر إذا حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا وقال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث إعلاء كلمة الله لم يضره ما ينضاف إليه. (وعن أبي هريرة مرفوعًا الجهاد واجب عليكم مع كل أمير) على المسلمين (برًا كان) ولي أمر المسلمين (أو فاجرًا

стр. 1073

رواه أبو داود) وغيره، وله عن أنس "ثلاث من أصل الإيمان" منها: "الجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل" وفي الصحيح "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". قال الشيخ وغيره فيجب الغزو مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا. حتى عد في العقائد الواجبة الاعتقاد للأخبار. ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تركه، وظهور الكفار على المسلمين. واستئصالهم، وإعلاء كلمة الكفر. قال: وأهل السنة والجماعة يرون الجهاد مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا. (وله عن معاوية) ﵁ (مرفوعاً) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (لا تنقطع الهجرة) أي الانتقال من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان (حتى تنقطع التوبة) أي قبولها "ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" وقال تعالى (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) وقال (إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) وقال ﷺ "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" وقال "أنا بريء من مسلم بين مشركين" وقال الوزير وغيره: اتفقوا علي وجوب الهجرة من ديار الكفر لمن قدر على ذلك وتسن الهجرة لقادر على إظهار دينه بنحو دار كفر. وتجب على عاجز عن إظهار دينه بمحل يغلب فيه حكم الكفر والبدع المضلة إحرازاً لدينه. ولا تجب من بين أهل

стр. 1074

المعاصي. لقوله "من رأى منكم منكراً فليغيره" الحديث. والعمل على هذا عند أهل العلم. وهجران أهل المعاصي كما قال شيخ الإسلام نوعان أحدهما بمعنى الترك للمنكرات. وهو المذكور في قوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وقوله ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ والمراد به أن لا يشهد المنكرات لغير حاجة. وهذا من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات. ومنه الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به. ومنه ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾. والنوع الثاني الهجر على وجه التأديب. وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها. كما هجر الثلاثة المتخلفون حتى نزلت توبتهم وهو بمنزلة التعزير. والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات. وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم. فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه. ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة كان مشروعًا. وإلا فالتأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. ولهذا كان ﷺ يتألف قومًا ويهجر آخرين. وإذا اجتمع في الرجل خير وشر استحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من

стр. 1075

الشر. فيجتمع في الشخص موجبات الإكرام والإهانة. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة. (وعن عبد الله بن عمرو قال جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد) وفي رواية لأحمد وأبي داود. إني جئت أريد الجهاد معك (فقال أحي والداك؟ قال: نعم) وفي لفظ لأحمد وأبي داود ولقد أتيت وإن والدي يبكيان (قال: ففيهما فجاهد متفق عليه) سمى إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين جهادًا من باب المشاكلة لما استأذنه في الجهاد. وفيه دليل على أنه يجب استئذانهما فيه إذا لم يتعين. وهو قول الجمهور. ولفظ أحمد وأبي داود قال "فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما". (ولأبي داود من حديث أبي سعيد) ارجع فاستأذنهما (فإن أذنا لك وإلا فبرهما) أي بطاعتهما في عدم الخروج في الجهاد. وذلك أن برهما فرض عين. والجهاد فرض كفاية. وإن قيل فهما مستويان فمصلحة الجهاد أعم إذ هي لحفظ الدين والدفاع عن المسلمين فقدم لذلك ولا يعتبر إذن غيرهما إلا الغريم. ولا إذنهما لواجب. (وعن عائشة أن النبي ﷺ قال لرجل مشرك تبعه يوم بدر) وهو بحرة الوبرة وكان تذكر فيه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك قال تؤمن بالله قال لا قال

стр. 1076

(فارجع فلن أستعين بمشرك) وفي الثالثة قال "تؤمن بالله ورسوله" قال نعم قال: "فانطلق" (رواه مسلم) فلما أسلم أذن له. فدل على أنها لا تجوز الاستعانة بالمشركين في القتال. وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. واختاره شيخ الإسلام وغيره. ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته لخبث طويته. ويجوز عند الحاجة لأن عيينة الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك. وفيه أيضًا من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم. ويجوز للضرورة لما روى الزهري أنه ﷺ استعان بناس من اليهود في حرب خيبر سنة سبع. وشهد صفوان حنينًا والضرورة مثل كون الكفار أكثر عددًا ويخاف منهم. وإن جوز اشترط أن يكون حسن الرأي في المسلمين. ويحرم أن يعينهم المسلمون على عدوهم إلا خوفًا من شرهم. لقوله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. ويحرم أن يستعين مسلم بأهل الأهواء في شيء من أمور المسلمين لعظم ضررهم. قال الشيخ ولأنهم دعاة بخلاف اليهود والنصارى. وعلى ولي الأمر أن يعرف على القبيلة والجماعة العرفاء الأمناء ينظرون في أحوالهم. ويتعرف منهم أحوالهم لفعله ﷺ . وعليه أن يؤمر في كل ناحية أميرًا يقلده أمر الحرب وتدبير الجهاد. ويكون ممن له رأي ودين وخبره بالحرب ومكائد العدو

стр. 1077

مع أمانة ورفق بالمسلمين. ويعقد لهم الرايات والألوية. ويتخير لهم المنازل ويحفظ مكامنها. ويبعث العيون ليتعرف حال العدو. ليأمنوا هجومهم. ولا يولي في ذلك إلا مسلمًا. قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾. (وعن أبي هريرة مرفوعًا: شر ما في الرجل) من الخصال المذمومة. وفي لفظ شر ما أعطي الرجل: شح هالع و (جبن) هيبة وضعف يعتري القلب ضد الشجاعة (خالع) أي شديد كأنه يخلع فؤاده من شدة خوفه. والمخلع الرخو المفكك المفاصل. رواه أبو داود وغيره و (صححه الترمذي) وقال عمر الجبن والجرأة غرائز يضعها الله حيث يشاء. فالجبان يفر عن أهله وولده. والجرئ يقاتل عمن لا يؤوب به إلى رحله. والمراد ما يعرض للمرء من نوازع الأفكار وضعف القلب عند الخوف. فيمنع من لا يصلح للحرب. كشيخ هرم ومخذل يفند الناس عن القتال ويزهدهم فيه. كمن يقول الحر شديد والبرد شديد والمشقة شديدة أو لا تؤمن هزيمة الجيش. كما أنه لا يغزى مع مخذل ومرجف ومعروف بالهزيمة أو تضييع المسلمين. وفيه الحرص على الشجاعة واختيار الشجعان. حتى رخص الشارع في الخيلاء وهو التكبر عند القتال وإظهار الشجاعة ويري من نفسه القدرة والعظمة عند اللقاء. ومدار

стр. 1078

القتال على قوة البدن والقلب والخبرة بالقتال. (وعن ابن عباس) ﵄ (في قوله) تعالى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أي بعد أن تأسروهم إما أن تمنوا عليهم بإطلاقهم من غير عوض ﴿وَإِمَّا فِدَاء﴾ أي وإما أن تفادوهم فداء بأموال يدفعونها لكم أو رجال أسرى عندهم قال (فجعل النبي ﷺ المسلمين بالخيار) بين المن والفداء وعمل به الخلفاء بعده. قال البغوي وغيره هو الأصح والاختيار لأنه عمل به رسول الله ﷺ والخلفاء بعده. وثبت في صحيح مسلم وغيره أن ثمانين من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ من حيال التنعيم فأخذهم سلمًا فاعتقهم. ونزلت ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ وفي الصحيحين أنه أطلق ثمامة بن أثال. وفداء أسرى بدر قد تظاهرت به الأخبار. وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل، صححه الترمذي. وعن ابن مسعود مرفوعًا أنه قال يوم بدر "لا يبقى أحد من الأسرى إلا أن يفدى أو تضرب عنقه" فوقع منه ﷺ المن والفداء والقتل. ومن خلفائه. واستفاض. قال ابن القيم ذكر عن ابن عباس أنه خير رسول الله ﷺ في الأسرى بين المن والفداء والقتل والاستعباد يفعل ما شاء. قال وهذا هو الحق الذي لا قول سواه. وقال الوزير اتفقوا على أن

стр. 1079

الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق. والجمهور: وبين الفداء والمن. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال الشيخ وغيره يعمل الإمام المصلحة في المال وغيره كما فعل ﷺ بأهل مكة. فصل في وجوب الطاعة لله ورسوله ولأمير الجيش وما يلزم الجيش والمشاورة وغير ذلك. وأصل الطاعة الانقياد. وهو امتثال الأمر فتجب طاعة الله ورسوله وتجب لأمير الجيش. ما لم يأمر بمعصية. ويجب إخلاص النية لله تعالى في الطاعات كلها. (قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ وطاعة الله امتثال أمره فيما أمر والانقياد لذلك الأمر. وطاعة الله واجبة على كافة الخلق. وكذلك طاعة رسوله ﷺ واجبة أيضًا. لهذه الآية وغيرها ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ أي وأطيعوا أولي الأمر منكم أمراء المسلمين في عهده ﷺ وبعده. ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرايا. أمر تعالى بطاعتهم بعد أمرهم بالعدل. تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق. قال علي حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة. فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى الله: إلى

стр. 1080

كتابه. والرسول في حياته. وسنته بعد وفاته. ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فإن الإيمان يوجب ذلك ﴿ذَلِكَ﴾ أي الرد ﴿خَيْرٌ﴾ لكم ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أحمد عاقبة. (وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أي في أمر الحرب إذ الكلام فيه. أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهارًا برأيهم. وتطييبًا لنفوسهم. وتمهيدًا لسنة المشاورة للأمة. والغالب أن السادات إذا لم يشاوروا في الأمور شق عليهم. وشاورهم ﷺ في الذهاب إلى العير. وفي أحد. والخندق. والحديبية وغير ذلك. في الحروب وغيرها. وسئل عن العزم فقال: "مشاورة أهل الرأي" وقالت عائشة "ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة للرجال من رسول الله ﷺ " وقال علي الاستشارة عين الهداية. وقد خاطر من استغنى برأيه. والتدبر قبل العمل يؤمن من الندم. وما استنبط الصواب بمثل المشاورة. وقد يعزم الإنسان على أمر فيشاور فيه فيتبين له الصواب في قول غيره. وما أحسن ما قيل: وشاور إذا شاورت كل مهذب ... لبيب أخي حزم ترشد في الأمر ولا تك ممن يستبد برأيه ... فتعجز أو لا تستريح من الفكر ألم تر أن الله قال لعبده ... وشاورهم في الأمر حتمًا بلا نكر ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أي إذا شاورتهم على الأمر وعزمت عليه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فيه. أو إذا وطنت نفسك على شيء بعد

стр. 1081

المشاورة فتوكل على الله في إمضاء أمرك. على ما هو أصلح لك. واستعن بالله في أمورك. ولا تعتمد إلا عليه. والمشاورة لا تنافي التوكل. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ عليه في جميع أمورهم. فيهديهم إلى ما هو الأصلح لهم. في الدنيا والآخرة. (وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ جماعة كافرة ﴿فَاثْبُتُواْ﴾ للقائهم وذلك لأن يوطنوا أنفسهم على لقاء العدو وقتاله. ولا يحدثوها بالتولي. وفي الصحيحين أنه ﷺ قال "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قال "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم". قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا﴾ بقلوبكم وألسنتكم عند لقاء العدو ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون﴾ وكونوا على رجاء الفلاح والنصر والظفر ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني في أمر الجهاد والثبات عند لقاء العدو ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قوتكم ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ وهذا تعليم من الله لعباده آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة العدو. (وقال: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار﴾ الآية) أي تفروا وتتركوا أصحابكم ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً﴾ فتقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ﴾ ظهوركم. فإن المنهزم يولي دبره ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ظهره ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ منعطفًا يرى من نفسه الانهزام وقصده طلب العزة وهو يريد الكرة ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ منضمًا صائرًا إلى جماعة المسلمين يريد العود إلى القتال فلا بأس عليه. وإلا فمن ولى ظهره بدون هذه النية فقد توعده الله بأنه ﴿بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات وحرم عليهم الانصراف والفرار إذ قد تعين عليهم. إلا أن يكون متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة. أو يكون الواحد مع ثلاثة أو المائة مع ثلاثمائة. وقال ابن رشد لا يجوز الفرار عن الضعف إجماعًا. لقوله ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ الآية وذكر نحو ما ذكره الوزير. وقال مالك يجوز إن كان أعتق جوادًا أو أجود سلاحًا وأجود قوة. وسن الثبات مع عدم ظن التلف والقتال مع ظنه فهما أولى من الفرار والأسر. وكذا قال الشيخ وغيره يحرم نية الفرار من مثليهم للآيات والأخبار. وقال القتال لا يخلو إما أن يكون قتال دفع أو طلب فالأول بأن يكون العدو كثيرًا لا يطيقه المسلمون ويخافون أنهم إن انصرفوا عنهم عطفوا على من تخلف من المسلمين فهنا صرح الأصحاب بوجوب بذل مهجهم في الدفع حتى يسلموا. ومثله لو هجم عدو على بلاد المسلمين والمقاتلة أقل من

стр. 1082

النصف لكن إن انصرفوا استولوا على الحريم. والثاني لا يخلو إما أن يكون بعد المصافة أو قبلها أو بعدها حين الشروع في القتال لا يجوز الإدبار مطلقًا إلا لمتحرف أو متحيز، وقال يسن الانغماس في العدو لمنفعة المسلمين ولا نهي عنه وهو من الهلكة. (وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله" فطاعته ﷺ طاعة لله ومعصيته معصية لله ولابد. فقد أمر الله تعالى بطاعته في غير موضع من كتابه (ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني متفق عليه) ولهما عن علي أنه ﷺ بعث سرية عليهم رجل من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. وقال في أئمة الجور "تسمع وتطيع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك فاسمع وأطع". ولما قالوا له أفلا ننابذهم قال "لا ما أقاموا فيكم الصلاة" "ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة" رواهما مسلم. ولهما عن عبادة بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان" وأجمع العلماء على طاعة السلطان والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه. لما في ذلك من حقن الدماء. ولم يستثنوا من ذلك

стр. 1083

إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته. وذكر الشيخ حديث عبادة "على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثره عليه" قال فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر. وهذا نص في وجوبه مع الإعسار بخلاف الحج. وهذا في قتال الطلب. وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا، ولا يشترط له شروط بل يدفع بحسب الإمكان. والسمع والطاعة فيه أوجب وألزم. (وعن أنس أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان رواه مسلم) ورواه أحمد وغيره وتمامه فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا ووردت عليهم روايا قريش الحديث. وفيه دليل على أنه يشرع للإمام أن يكثر من استشارة أصحابه الموثوق بهم دينًا وعقلًا حتى قيل بوجوبه للآية. ولهذا الخبر وغيره ولأحمد والشافعي عن أبي هريرة ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ومع هذا لا ريب أن أخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالح الإسلام وأهله وأمره

стр. 1084

وأمور السياسات الشرعية من سيره ﷺ ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال. (ولهما عن كعب كان) يعني رسول الله ﷺ (إذا أراد غزوة ورَّى) بفتح الواو وتشديد الراء أي سترها (بغيرها) وجاء الاستثناء إلا في غزوة تبوك فإنه أظهر لهم مراده. وأخرجه أبو داود وغيره وزاد ويقول "الحرب خدعة" وكان توريته إذا أراد قصد جهة سأل عن طريق جهة أخرى إيهامًا أنه يريدها. وإنما يريد ذلك لأنه أتم فيما يريده من إصابة العدو. وإتيانهم على غفلة من غير تأهبهم له. ويقع بالتعريف وبالكمين ونحو ذلك. وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب. والندب إلى خداع العدو. وأن من لم يتيقظ لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. والاحتياج إلى استعمال الرأي آكد من الشجاعة. وقال النووي وغيره اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن. إلا ما يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. (وعن بريدة) بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي. المتوفى بمرو سنة اثنتين وستين. رواه عنه ابنه سليمان عن رسول الله ﷺ من طرق (قال كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش) هم الجند السائرون إلى الحرب أو غيره (أو سرية) هي القطعة من الجيش تخرج منه تغير على العدو ثم

стр. 1085

ترجع إليه. زهاء الأربعمائة. سميت سرية لأنها تسري ليلًا على خفية. (أوصاه في خاصة) أي في حق (نفسه) خصوصًا بتقوى الله تعالى. وهي كلمة جامعة يدخل فيها جميع الطاعات واجتناب المحرمات (و) أوصاه (بمن معه من المسلمين خيرًا) أي أن يفعل معهم خيرًا من الرفق بهم والإحسان إليهم وتعريفهم ما يحتاجون إليه. فدل على أنه يشرع للإمام إذا أرسل قومه إلى قتال الكفار ونحوه أن يوصيهم بتقوى الله تعالى. وينهاهم عن المعاصي وبالأخص المتعلقة بالقتال (ثم قال اغزوا) أي اشرعوا في فعل الغزو (على اسم الله) وفي لفظ بسم الله أي مستعينين باسمه مخلصين له. (في سبيل الله) وفي لفظ طاعة الله. وفي الحديث "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر فهو في سبيل الله (قاتلوا من كفر بالله) هذا العموم شمل جميع أهل الكفر المحاربين وغيرهم. وقد خصص من له عهد. وكذا الرهبان والنسوان. ومن لم يبلغ الحلم. لأنه لا يكون منهم قتال غالبًا. فإن حصل منهم قتال أو تدبير قوتلوا (أغزوا) كرر ﷺ الأمر بالغزو: اهتمامًا بأمره. (ولا تغلوا) بالغين المعجمة والغلول الخيانة في المغنم مطلقًا. ويأتي تمام الكلام فيه (ولا تغدروا) بكسر الدال وضمها. وهو ضد الوفاء. أي لا تنقضوا العهد (ولا تمثلوا)

стр. 1086

من المثلة يقال مثل بالقتيل إذا قطع أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه أو غيرها. تشويهًا وعبثًا به. قال الخطابي وغيره إن مثل الكافر بالمسلم جاز للمسلم أن يمثل به وإلا فلا. وقال الشيخ: المثلة حق للمسلم فله فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر. وله تركها والصبر عنها أفضل. وذلك حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد. أو يكون نكالًا لهم عن نظيرها. وأما إذا كان فيه دعاء لهم إلى الإيمان وزجر لهم عن العدوان فإنه هنا نوع من إقامة الحدود. ومن الجهاد المشروع المندوب إليه (ولا تقتلوا وليدًا) هو الصبي ما لم يبلغ سن التكليف. وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا "نهى عن قتل النساء والصبيان" وكان ﷺ يسترق النساء والصبيان إذا سباهم. وعلى قاتلهم غرم الثمن غنيمة. فلا يجوز قتل صبي ولا امرأة. وكذا راهب وشيخ فان وزمن وأعمى لا رأي لهم ولم يقاتلوا. أو يحرضوا. وحكي الإجماع على أنه لا يجوز قتل الصبيان ولا النساء ما لم يقاتلن. إلا أن يكن ذوات رأي فيقتلن. ولأنهم يصيرون أرقاء. قال ابن رشد في الرهبان: يتركون ولا يتعرض لهم، لا بقتل ولا استعباد لقوله ﷺ "ذروهم وما حبسوا أنفسهم عليه". وقال الشيخ الراهب الذي يعاون أهل دينه بيده ولسانه. مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال. أو نوع من التحضيض. فهذا يقتل باتفاق العلماء إذا قدر عليه. وتؤخذ منه

стр. 1087

الجزية. وإن كان حبيسًا منفردًا في معبد. فكيف بمن هم كسائر النصارى في معائشهم ومخالطتهم الناس. واكتساب الأموال. وأما الأعمى ونحوه فقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إذا كان الأعمى والمقعد والشيخ الفاني وأهل الصوامع لهم رأي وتدبير وجب قتالهم. وقال ابن رشد النكاية جائزة بطريق الإجماع في جميع أنواع المشركين ذكرانهم وإناثهم، شيوخهم وصبيانهم، صغارهم وكبارهم. واستثنى قوم الرهبان وقال الشيخ اتفقوا على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه. وليس ذلك بأولى من قتل النفوس. وما أمكن غير ذلك. (وإذا لقيت عدوك من المشركين) ناكثي العهد وناصبي العداوة المحادين لله ورسوله (فادعهم إلى ثلاث خصال) أي إلى إحدى ثلاث خصال الدخول في الإسلام أو بذل الجزية. وفيه "أو خلال" شك من الراوي وزنهما ومعناهما واحد. ويفسر إحداهما بالأخرى (فأيتهن ما أجابوك) أي فإلى أية الخصال أجابوك إليها أي قبلوها منك. والخطاب لأمير الجيش (فاقبل منهم) ما أجابوك إليه من الثلاث (وكف عنهم) القتال. وبين الثلاث بقوله (ادعهم إلى الإسلام) هذا أول الخلال الثلاث وأوجب مالك وغيره الدعوة مطلقًا. قال لا يقاتل الكفار قبل أن يدعوا ولا يلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم الدعوة فيجوز أن تؤخذ غرتهم. ونصره الموفق وغيره.

стр. 1088

لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين إنما يقاتلون للدين. فإذا علم العدو ذلك كان سببًا لانقيادهم للدخول في الإسلام. وقيل لا تجب وجمهور العلماء أن الدعوة تجب لمن لم تبلغه. قاله ابن المنذر وغيره. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك. وبه تجمع الأدلة. (فإن أجابوك فاقبل منهم) الإسلام (وكف عنهم القتال لإجابتهم ما دعوتهم إليه من الإسلام (ثم ادعهم إلى التحول) أي النقلة (من دارهم) أي منازلهم ومحالهم (إلى دار المهاجرين) مساكنهم وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت تلك المحلة دارًا وفيه ترغيبهم بعد إجابتهم للهجرة إلى ديار المسلمين. لأن البقاء بالبادية ربما كان سببًا لعدم معرفة الشريعة لقلة ما فيها من أهل العلم. وتقدم أنها واجبة على من أسلم. وهو في بلد الشرك إلى بلد الإسلام إذا استطاع. وتجب أو تستحب إذا ظهرت المعاصي كما نص عليه بعض أهل العلم. (وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك) أي تحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين (فلهم ما للمهاجرين) أي المنتقلين من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من ثواب وفيء وغير ذلك (وعليهم ما على المهاجرين) أي من الجهاد والنفير إذا دعوا إليه. والمهاجرون هم الذين تركوا أوطانهم وهجروها في الله تعالى. وكان رسول الله ﷺ ينفق عليهم مما أفاء الله عليه. ولم يكن للأعراب في ذلك حظ والأعراب من قاتل منهم أخذ سهمه ومن

стр. 1089

لم يخرج فلا شيء له من الفيء. ولا عتب عليه ما دام في المجاهدين كفاية. (فإن أبوا أن يتحولوا منها) أي أن ينتقلوا من بلادهم إلى بلاد المسلمين ولم يجاهدوا. ولأبي داود "واختاروا دارهم (فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين) يعني سكان البادية من المسلمين من غير هجرة ولا غزو (يجري عليهم ما يجري على المسلمين) من أحكام الإسلام كوجوب الصلاة والزكاة والقصاص والدية ونحو ذلك (ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء) وإنما لهم من الزكوات. والغنيمة هي ما أوجف المسلمون عليه بالخيل والركاب. والفيء هو ما أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) فيستحقون ذلك. وظاهره أنه لا يستحق من كان بالبادية ولم يهاجر نصيبًا في الفيء والغنيمة إذا لم يجاهد. وهو مذهب الشافعي وأحمد. (فإن هم أبوا) أي عن قبول الإسلام (فاسألهم الجزية) وهي المال الذي يعقد عليه الذمة. فعلة من الجزاء. كأنهم جزت عن قتله. وهذه الثانية من الخصال الثلاث. ودل الحديث أن الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي أو غيره، لقوله "إذا لقيت عدوك" وهو عام وهو مذهب مالك والأوزاعي وغيرهما. ورجحه ابن القيم واختار شيخ الإسلام أخذها من جميع

стр. 1090

الكفار. وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد. بل كانوا قد أسلموا. قال وإذا عرفت حقيقة السنة تبين لك أن رسول الله ﷺ لم يفرق بين عربي وغيره. وأن أخذه للجزية كان أمرًا ظاهرًا مشهورًا. وقدوم أبي عبيدة بمال البحرين معروف. والنبي ﷺ لم يخص العرب بحكم في الدين. لا بمنع الجزية ولا منع الاسترقاق. ولا تقديمهم في الإمامة ولا بجعل غيرهم ليس كفوا لهم في النكاح. ولا بحل ما استطابوه دون ما استطابه غيرهم. بل إنما علق الأحكام بالأسماء المذكورة في القرآن. كالمؤمن والكافر والبر والفاجر. قال ويؤخذ من بني تغلب عوض الجزية زكاتان. مما تجب فيه الزكاة. ويجوز تغييره لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. وجعل جماعة ذلك كالخراج والجزية. قال وإنما وقعت الشبهة في المجوس لما اعتقد بعض أهل العلم أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب. وقد أخذت منهم بالنص والإجماع (فإن أجابوك) أي إلى بذل الجزية (فأقبل منهم وكف عنهم) أي القتال. (فإن أبوا) عن قبول الجزية (فاستعن بالله) عليهم فهو الذي بيده النصر والتأييد (وقاتلهم) كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ
следующие страницы →