Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
من المثلة يقال مثل بالقتيل إذا قطع أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه أو غيرها. تشويهًا وعبثًا به. قال الخطابي وغيره إن مثل الكافر بالمسلم جاز للمسلم أن يمثل به وإلا فلا.
وقال الشيخ: المثلة حق للمسلم فله فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر. وله تركها والصبر عنها أفضل. وذلك حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد. أو يكون نكالًا لهم عن نظيرها. وأما إذا كان فيه دعاء لهم إلى الإيمان وزجر لهم عن العدوان فإنه هنا نوع من إقامة الحدود. ومن الجهاد المشروع المندوب إليه (ولا تقتلوا وليدًا) هو الصبي ما لم يبلغ سن التكليف. وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا "نهى عن قتل النساء والصبيان" وكان ﷺ يسترق النساء والصبيان إذا سباهم. وعلى قاتلهم غرم الثمن غنيمة.
فلا يجوز قتل صبي ولا امرأة. وكذا راهب وشيخ فان وزمن وأعمى لا رأي لهم ولم يقاتلوا. أو يحرضوا. وحكي الإجماع على أنه لا يجوز قتل الصبيان ولا النساء ما لم يقاتلن. إلا أن يكن ذوات رأي فيقتلن. ولأنهم يصيرون أرقاء. قال ابن رشد في الرهبان: يتركون ولا يتعرض لهم، لا بقتل ولا استعباد لقوله ﷺ "ذروهم وما حبسوا أنفسهم عليه".
وقال الشيخ الراهب الذي يعاون أهل دينه بيده ولسانه. مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال. أو نوع من التحضيض. فهذا يقتل باتفاق العلماء إذا قدر عليه. وتؤخذ منه
стр. 1087
الجزية. وإن كان حبيسًا منفردًا في معبد. فكيف بمن هم كسائر النصارى في معائشهم ومخالطتهم الناس. واكتساب الأموال. وأما الأعمى ونحوه فقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إذا كان الأعمى والمقعد والشيخ الفاني وأهل الصوامع لهم رأي وتدبير وجب قتالهم.
وقال ابن رشد النكاية جائزة بطريق الإجماع في جميع أنواع المشركين ذكرانهم وإناثهم، شيوخهم وصبيانهم، صغارهم وكبارهم. واستثنى قوم الرهبان وقال الشيخ اتفقوا على جواز قطع الشجر وتخريب العامر عند الحاجة إليه. وليس ذلك بأولى من قتل النفوس. وما أمكن غير ذلك.
(وإذا لقيت عدوك من المشركين) ناكثي العهد وناصبي العداوة المحادين لله ورسوله (فادعهم إلى ثلاث خصال) أي إلى إحدى ثلاث خصال الدخول في الإسلام أو بذل الجزية. وفيه "أو خلال" شك من الراوي وزنهما ومعناهما واحد.
ويفسر إحداهما بالأخرى (فأيتهن ما أجابوك) أي فإلى أية الخصال أجابوك إليها أي قبلوها منك. والخطاب لأمير الجيش (فاقبل منهم) ما أجابوك إليه من الثلاث (وكف عنهم) القتال.
وبين الثلاث بقوله (ادعهم إلى الإسلام) هذا أول الخلال الثلاث وأوجب مالك وغيره الدعوة مطلقًا. قال لا يقاتل الكفار قبل أن يدعوا ولا يلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم الدعوة فيجوز أن تؤخذ غرتهم. ونصره الموفق وغيره.
стр. 1088
لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين إنما يقاتلون للدين. فإذا علم العدو ذلك كان سببًا لانقيادهم للدخول في الإسلام. وقيل لا تجب وجمهور العلماء أن الدعوة تجب لمن لم تبلغه. قاله ابن المنذر وغيره. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك. وبه تجمع الأدلة.
(فإن أجابوك فاقبل منهم) الإسلام (وكف عنهم القتال لإجابتهم ما دعوتهم إليه من الإسلام (ثم ادعهم إلى التحول) أي النقلة (من دارهم) أي منازلهم ومحالهم (إلى دار المهاجرين) مساكنهم وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت تلك المحلة دارًا وفيه ترغيبهم بعد إجابتهم للهجرة إلى ديار المسلمين. لأن البقاء بالبادية ربما كان سببًا لعدم معرفة الشريعة لقلة ما فيها من أهل العلم. وتقدم أنها واجبة على من أسلم. وهو في بلد الشرك إلى بلد الإسلام إذا استطاع. وتجب أو تستحب إذا ظهرت المعاصي كما نص عليه بعض أهل العلم.
(وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك) أي تحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين (فلهم ما للمهاجرين) أي المنتقلين من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من ثواب وفيء وغير ذلك (وعليهم ما على المهاجرين) أي من الجهاد والنفير إذا دعوا إليه.
والمهاجرون هم الذين تركوا أوطانهم وهجروها في الله تعالى. وكان رسول الله ﷺ ينفق عليهم مما أفاء الله عليه. ولم يكن للأعراب في ذلك حظ والأعراب من قاتل منهم أخذ سهمه ومن
стр. 1089
لم يخرج فلا شيء له من الفيء. ولا عتب عليه ما دام في المجاهدين كفاية.
(فإن أبوا أن يتحولوا منها) أي أن ينتقلوا من بلادهم إلى بلاد المسلمين ولم يجاهدوا. ولأبي داود "واختاروا دارهم (فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين) يعني سكان البادية من المسلمين من غير هجرة ولا غزو (يجري عليهم ما يجري على المسلمين) من أحكام الإسلام كوجوب الصلاة والزكاة والقصاص والدية ونحو ذلك (ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء) وإنما لهم من الزكوات.
والغنيمة هي ما أوجف المسلمون عليه بالخيل والركاب. والفيء هو ما أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) فيستحقون ذلك. وظاهره أنه لا يستحق من كان بالبادية ولم يهاجر نصيبًا في الفيء والغنيمة إذا لم يجاهد. وهو مذهب الشافعي وأحمد.
(فإن هم أبوا) أي عن قبول الإسلام (فاسألهم الجزية) وهي المال الذي يعقد عليه الذمة. فعلة من الجزاء. كأنهم جزت عن قتله. وهذه الثانية من الخصال الثلاث. ودل الحديث أن
الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي أو غيره، لقوله "إذا
لقيت عدوك" وهو عام وهو مذهب مالك والأوزاعي وغيرهما. ورجحه ابن القيم واختار شيخ الإسلام أخذها من جميع
стр. 1090
الكفار. وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد. بل كانوا قد أسلموا.
قال وإذا عرفت حقيقة السنة تبين لك أن رسول الله ﷺ لم يفرق بين عربي وغيره. وأن أخذه للجزية كان أمرًا ظاهرًا مشهورًا. وقدوم أبي عبيدة بمال البحرين معروف. والنبي ﷺ لم يخص العرب بحكم في الدين. لا بمنع الجزية ولا منع الاسترقاق. ولا تقديمهم في الإمامة ولا بجعل غيرهم ليس كفوا لهم في النكاح. ولا بحل ما استطابوه دون ما استطابه غيرهم. بل إنما علق الأحكام بالأسماء المذكورة في القرآن. كالمؤمن والكافر والبر والفاجر.
قال ويؤخذ من بني تغلب عوض الجزية زكاتان. مما تجب فيه الزكاة. ويجوز تغييره لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. وجعل جماعة ذلك كالخراج والجزية. قال وإنما وقعت الشبهة في المجوس لما اعتقد بعض أهل العلم أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب. وقد أخذت منهم بالنص والإجماع (فإن أجابوك) أي إلى بذل الجزية (فأقبل منهم وكف عنهم) أي القتال.
(فإن أبوا) عن قبول الجزية (فاستعن بالله) عليهم فهو الذي بيده النصر والتأييد (وقاتلهم) كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ
стр. 1091
الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ وقال: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ وغيرها من الآيات الدالة على قتال المشركين إلى هذه الغاية.
(وإذا حاصرت منعت وحبست (أهل حصن) من الكفار وضيقت عليهم وأحطت بهم. والحصن كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه قصراًَ كان أو غيره. قال الشيخ لزمه عمل المصلحة من مصابرته والموادعة بحال والهدنة بشرطها (فأرادوك) أي طلبوا منك (أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه) الذمة عقد الصلح والمهادنة.
وإنما نهى عن ذلك لئلا ينقض الذمة من لا يعرف حقها. وينتهك حرمتها بعض من لا تمييز له من الجيش. فكأنه يقول إن وقع نقض من متعد كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله وعهد نبيه. فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه لأن نقض ذمة الله وذمة رسوله امتدت من نقض ذمة أمير الجيش أو ذمة جميع الجيش. وإن كان نقض الكل محرماً (ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك) ولا تجعل لهم ذمة الله تعالى ولا ذمة نبيه ﷺ .
(فإنكم أن تخفروا) بضم التاء. من أخفرت الرجل إذا نقضت عهده. وذمامه. أي تنقضوا (ذممكم وذمم أصحابكم)
стр. 1092
يعني الجيش (أهون) أي عند الله (من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه) وإن كان نقض الذمة محرماَ مطلقاً. فخفركم ذممكم وذمم أصحابكم أهون من خفركم ذمة الله وذمة نبيه ﷺ .
(وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله) أي على ما يحكم الله فيهم (فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك) فدل على جواز إنزالهم على حكم ولي أمر الجيش. وكذا غيره لقصة سعد لما نزل بنو قريظة على حكمه. وحكم أن يقتل رجالهم وتستحي نسائهم. وقال رسول الله ﷺ "أصبت حكم الله فيهم" صححه الترمذي.
فيجوز نزول العدو على حكم رجل من المسلمين. ويلزمهم ما حكم به عليهم من قتل أو أسر أو استرقاق (فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) وعلله بأنه لا يدري أيصيب حكم الله فيهم أم لا يصيب حكم الله. فلا ينزلهم على شيء لا يدري أيقع أم لا. بل ينزلهم على حكمه (رواه مسلم) وأبو داود وغيرهما قال الشيخ وإن نزلوا على حكم رجل مسلم حر عدل مجتهد في الجهاد أو أكثر منه جاز.
ويلزمه الحكم بالأحظ لنا. من قتل أو رق أو فداء وحكمه لازم. قال وتخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه هو تخيير لأي مصلحة. بطلب أي الأمرين كان أرضى لله فعله. ولا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت. بل قد يتعين
стр. 1093
فعل هذا تارة وفعل هذا تارة. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ يقتضي فعل أحد الأمرين.
فصل في الغنيمة
أي في بيان أحكام الغنيمة وقسمتها بين الغانمين. وقسمة خمسها وتحريم الغلول. والغنيمة هي ما أصيب من مال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. وهي من خصائص هذه الأمة. حلال بالكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ من أموال الكفار. والسبب محذوف تقديره أبحت لكم الغنائم ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ أكلًا ﴿حَلاَلاً﴾ ضد الحرام إزاحة لما في قلوبهم بسبب تلك المعاتبة في الأسرى. أو حرمة الغنائم على الأولين. ولذلك وصفه بقوله ﴿طَيِّبًا﴾ أي هنيئًا لذيذًا. وحلالًا بالشرع طيبًا بالطبع ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لما فعلتم ﴿رَّحِيم﴾ بإحلال ما غنمتم. وفي الصحيحين "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وروي أنه قال: "ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا".
(وقال: ﴿وَاعْلَمُواْ﴾ أيها المسلمون ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ أي الذي غنمتم من الكفار قهرًا ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ أي مما يقع عليه اسم
الشيء حتى الخيط والمخيط ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ أي: فثابت أن الله خمسه ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ وذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرك.
стр. 1094
والجمهور أن ذكر الله للتعظيم. وأضافه لنفسه لأنه هو الحاكم فيه. فيقسمه كيف شاء. وليس المراد منه أن سهمًا منه لله منفردًا. لأن الدنيا والآخرة كلها منه.
فسهم الله وسهم رسوله واحد فتجعل خمسة أخماس أربعة أخماسها لمن قاتل عليها وأحرزها. والخمس الباقي لخمسة أصناف سهم لله وللرسول. كما ذكر الله ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وهذا قول غير واحد من الخلف والسلف. ويؤيده ما رواه البيهقي وغيره أن رجلًا قال يا رسول الله ما تقول في الغنيمة فقال "لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش" وهذا الخمس يقسم على خمسة أسهم سهم لرسول الله ﷺ كان له في حياته.
واليوم هو لمصالح المسلمين. وما فيه قوة الإسلام. يتصرف فيه الإمام بالمصلحة كالفئ. قال الشيخ وهو قول مالك وأكثر السلف الصالح وهو أصح الأقوال. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يعني أن سهمًا من خمس السهم لذوي القربى وهم أقارب رسول الله ﷺ وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس ونوفل. وقال بعضهم ولا يفضل الفقير على الغني لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده يعطون العباس مع كثرة ماله.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم ويعطى من خمس الخمس إذا كان فقيرًا ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم أهل الحاجة والفاقة من المسلمين ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر البعيد عن ماله. فهذا مصرف
стр. 1095
خمس الغنيمة. ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة كما سيأتي قال تعالى ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾ أي فاعملوا به وارضوا بهذه القسمة. فالإيمان يوجب الرضا بحكم الله والعمل به.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم وفي الصحيحين في ذكر خصال الإيمان "وآمركم أن تؤدوا الخمس من المغنم" فجعل أداء الخمس من الإيمان بالله. فدلت الآية على مصرف الغنيمة وهو مذهب جمهور العلماء.
وقال ﴿وَمَن يَغْلُلْ﴾ أي من المغانم شيئًا ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ ليزداد فضيحة بما يحمله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حاملًا له على عنقه كما في الحديث أو بما احتمل من وباله وإثمه فيجازي به يوم القيامة. وهو قوله ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ من خير أو شر ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون﴾ بل يجازي كل على عمله.
(وللخمسة أن النبي ﷺ كان ينفل) أي يزيد المستحق لعنايته وقتاله وغير ذلك. مأخوذ من النفل وهو الزيادة (في البدأة) بفتح الباء وسكون الدال أي ابتداء السفر للغزو إذا نهضت سرية من جملة العسكر (الربع) مما غنموا (وفي الرجعة) أي القفول من الغزو إذا أوقعوا بالعدو مرة ثانية (الثلث) مما غنموا رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن.
стр. 1096
ولأبي داود وغيره عن حبيب بن مسلمة شهدت رسول الله ﷺ "نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة" وفي رواية بعد الخمس. وتنفيل الثلث لأجل ما لحق الجيش من الكلال وعدم الرغبة في القتال. وله عن معن بن زيد سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا نفل إلا بعد الخمس" وجمهور العلماء على جوازه. وقال شيخ الإسلام كان ﷺ ينفل السرية الربع. وإذا رجعوا الثلث بعد الخمس اهـ.
وإنما شركوا الجيش فيما غنمت السرية لأن الجيش ردء لها. قال ابن عبد البر لا يختلف الفقهاء أنه إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة فغنمت شيئًا كانت الغنيمة للجميع. وليس المراد من في بلاد الإسلام، وإنما المراد القريب الذي يلحقهما عونه وغوثه لو احتاجوا. قال الشيخ وكذا لو غنمت الجيش شاركتهم السرية لأنها في مصلحة الجيش. كما قسم النبي ﷺ لطلحة والزبير يوم بدر لأنه بعثهما في مصلحة الجيش.
فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وخبر "يرد عليهم أقصاهم" يوجب أن السرية إذا غنمت غنيمة بقوة جيش كانت للجميع. إذ بقوته غنموها. قال ويجوز أن ينفل السرية من أربعة الأخماس وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض اهـ. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال بعث رسول الله ﷺ سرية وأنا فيهم قبل نجد فغنموا إبلًا كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر
بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا" ولهما عنه "كان ينفل بعض من يبعث
стр. 1097
من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامة الجيش".
ولم يرد ما يدل على الاقتصار على نوع معين ولا مقدار معين. فيفوض إلى رأي الإمام. وهذا قول الجمهور لما تقدم. ولقوله ﷺ "وترد سراياهم على قعدهم" رواه أبو داود. ولأن لهم تأثيرًا في أخذ الغنيمة.
(وعن ابن عمر قال قسم النبي ﷺ يوم خيبر) وكانت سنة سبع. وأول إسهامه يوم بني قريظة (للفرس سهمين) لتأثيرها في الحرب (وللراجل سهمًا متفق عليه) وفي رواية أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهمًا له ومن حديث أبي عمرة أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهمًا. فكان للفارس ثلاثة أسهم. قال خالد الحذاء لا يختلف فيه عن النبي ﷺ وقال ابن القيم هذا حكمه الثابت عنه في مغازيه كلها وبه أخذ جمهور العلماء اهـ.
ولأن سهم الفارس إنما استحقه الإنسان الذي هو الفارس بالفرس. وغير بعيد أن يكون تأثير الفارس بالفرس في الحرب ثلاثة أضعاف تأثير الراجل. وهذا قول الجمهور وقيل يسهم لفرسين لكون إدامة ركوب واحد سيضعفه ويمنع القتال عليه.
بخلاف ما فوق ذلك فإنه يستغني عنه. فيعطي صاحبها خمسة أسهم سهم له وأربعة لفرسيه. وهو مذهب أحمد.
وروى الأوزاعي أن النبي ﷺ كان يسهم للخيل وكان لا يسهم
стр. 1098
للرجل فوق فرسين. ورواه الحسن عن بعض الصحابة. ويسهم للفرس الهجين سهمًا عند الأكثر. لما روى مكحول أنه ﷺ "أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهمًا" رواه سعيد وأبو داود مرسلًا. ولا شيء لغير الخيل من البهائم إجماعًا لعدم وروده.
قال الشيخ ويرضخ للبغال والحمير وهو قياس الأصول كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان.
قال ابن القيم ونص أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة. والعطاء الذي أعطاه رسول الله ﷺ لقريش والمؤلفة هو من النفل نفل به النبي ﷺ رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته واستجلاب عدوه إليه. وهكذا وقع سواء.
وللإمام أن يفعل ذلك لأنه نائب عن المسلمين إذا دعت الحاجة. فيتصرف لمصالحهم وقيام الدين. وإن تعين الدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم تعين عليه اهـ. وكل من شهد الوقعة من أهل القتال بقصد الجهاد أسهم له قاتل أو لم يقاتل حكاه الوزير وغيره اتفاقًا. بخلاف من لم يكن قاصدًا له كتاجر ونحوه. فإن قاتل فالجمهور على أنه يسهم له.
قال ابن رشد إنما تجب عند الجمهور للمجاهد بأحد
стр. 1099
شرطين إما أن يكون ممن حضر القتال وإما أن يكون ردءًا لمن حضره. وحكى ابن القيم على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد لا يشترط في الغنيمة ولا في الثواب مباشرة كل واحد في القتال. وقال المجد في الأجراء من كان للقتال استحق الإسهام من الغنيمة ومن لم يقصد فلا يستحق إلا الأجرة المسماة جمعًا بين قصتي أجير طلحة ويعلى. أعطي الأول ومنع الثاني رواه مسلم.
(ولهما عن أبي قتادة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من قتل قتيلًا) وذلك أنه خرج مع رسول الله ﷺ يوم حنين ورأى رجلًا من المشركين فضربه على حبل عاتقه. ولما تراجع الناس وجلس رسول الله قال من قتل قتيلًا (له عليه بينة) أي شاهد ولو واحد. فإنه قال رجل من القوم صدق يا رسول الله فأمره بإعطائه إياه. قال ابن القيم أجاز شهادة الواحد ولم يطالب القاتل بشاهد آخر. وقال تقبل بشاهد واحد من غير يمين لهذا الخبر فلا استحلاف.
(فله سلبه) السلب بفتح المهملة واللام وهو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره. وعن أنس أن النبي ﷺ قال يوم حنين "ومن قتل رجلًا فله سلبه" فقتل أبو طلحة عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم رواه أحمد وأبو داود. ولمسلم عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد أما علمت أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل! وفيه أنه حاز فرسه وسلاحه. وقصة سلمة بن الأكوع
стр. 1100
متفق عليها. وأنه جاء بجمل القتيل يقوده فقال ﷺ "من قتل الرجل" قالوا سلمة بن الأكوع فقال "له سلبه أجمع".
فدلت هذه الأحاديث على أن السلب الذي يؤخذ من العدو الكافر ملبوسًا كان أو غيره كالسلاح والدابة وما عليها بآلتها يستحقه قاتله عند الجمهور. وقال الزركشي هذا أعدل الأقوال. وقال ابن رشد عليه جماعة السلف سواء قال الإمام ذلك قبل القتال أو لا. قال الشافعي قد حفظ هذا الحكم عن رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة. منها: يوم بدر حكم بسلب أبي جهل. وخاطب ابن أبي بلتعة يوم أحد. والأحاديث في هذا حكم كثيرة.
وقوله "من قتل قتيلًا فله سلبه" بعد القتال مقرر للحكم. فإن هذا كان معلومًا عند الصحابة. قال أبو قتادة فقلت من يشهد لي فقال رجل –قيل إنه قرشي- سلب ذلك عندي فارضه، فقال أبو بكر يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله ﷺ "صدق فأعطه إياه" فأعطانيه. قال فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة. فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام" متفق عليه.
وسواء كان قتله حال الحرب أو انهزم والحرب قائمة فأدركه وقتله فسلبه له. أو قتله منفردًا. لقصة ابن الأكوع. ورجحه الشيخ. وإن شاركه غيره فبينهما. وعموم الأدلة قاضية بعدم تخميسه.
стр. 1101
(وعن ابن عمر أنه ذهب فرس له) الفرس اسم جنس يذكر ويؤنث (فأخذه العدو) الكافر المحارب (فظهر عليهم المسلمون فرد عليه) في زمن رسول الله ﷺ وأبق عبد الله فلحق بأرض الروم وظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ (رواه البخاري) وأبو داود وغيره. وفي رواية أن غلامًا لابن عمر أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده إليه رسول الله ﷺ ولم يقسم. وروي أن الفرس في زمن أبي بكر.
وبتقدير أن ذلك في زمنه والصحابة متوافرون من غير نكير فهو إجماع. ومتى وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به عند الجمهور. وبعد القسمة بالقيمة. قال الشيخ وإن كان المغنوم مالًا قد كان للمسلمين قبل من عقار ومنقول وعرف صاحبه قبل القسمة فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين اهـ. فإن قسم بعد العلم أنه مال مسلم لم تصح قسمته. وما لم يملكون فلا يغنم بحال.
وذكر الشيخ أنهم يملكون أموال المسلمين بالقهر ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه وقال ابن القيم مضت السنة أن الكفار المحاربين إذا أسلموا لم يضمنوا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مال ولم يردوا عليهم أموالهم التي غصبوها عليه بل من أسلم على شيء فهو له هذا حكمه ﷺ وقضاؤه. وقال الشيخ وما لم يملكوه فإن ربه يأخذه مجانًا ولو بعد
стр. 1102
إسلام من هو معه أو قسمته وشرائه منهم. وإن جهل ربه وقف أمره. ولا يملك الكفار حرًا مسلمًا ولا ذميًا بالاستيلاء عليه ويلزم فداؤهم.
(وله عنه) أي وللبخاري وغيره عن ابن عمر ﵄ (قال كنا نصيب العسل والعنب) أي في المغازي (فنأكله) وفي رواية والفواكه. وفي أخرى والسمن (ولا نرفعه) أي لا نحمله على سبيل الادخار. أو لا نرفعه إلى من يتولى أمر الغنيمة ونستأذنه في أكله. اكتفاء بما علمه من الأذن في ذلك. وفي رواية أصبنا طعامًا وأغنامًا يوم اليرموك فلم يقسم. ولأبي داود فلم يؤخذ منهم الخمس وله عن ابن أبي أوفى قال أصبنا طعامًا يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف.
ولمسلم عن عبد الله بن مغفل أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر فالتزمته. فقلت لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا.
فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسمًا. وغير ذلك من الأخبار الدالة على جواز أخذ الطعام. وقال ابن المنذر اتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام. وقال ابن المنذر اتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام. وحكاه جماعة قول الجمهور. وكذا ما يصلح به. وكل طعام أعتيد أكله عمومًا. وعلف الدواب قبل القسمة بإذن الإمام أو غيره. وأن هذه الأحاديث مخصصة أحاديث النهي عن الغلول.
ويجوز ركوب الدابة. ولبس الثوب حال الحرب من غير
стр. 1103
إعجاف وإتلاف. لقوله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه. ولا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده". رواه أبو داود وغيره. وحكاه الحافظ اتفاقًا. وحكى الوزير وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز لأحد من الغانمين أن يطأ جارية من السبي قبل القسمة.
(وعن عبادة مرفوعًا لا تغلوا) أي لا تخونوا. والغلول الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة. سمي غلولًا لأن صاحبه يخفيه في متاعه. أو لأن الأيدي فيها مغلولة (فإن الغلول) يعني الخيانة (نار) على أصحابه (وعار) أي فضيحة في الدنيا والآخرة (على أصحابه) الكاتمين ما غنموا أو بعضه (في الدنيا) يفتضح به صاحبه إذا ظهر للناس (والآخرة) على الصفة الشنيعة في حمله (رواه أحمد) ورواه النسائي وصححه ابن حبان.
وفي رواية "أدوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار ونار على أهله يوم القيامة" واتفقوا على تحريمه للآية وهذا الخبر وغيره.
ففي الصحيحين أنه ﷺ قال "والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم. وجاء رجل بشراك أو شراكين فقال "شراك من نار أو شراكان من نار" وفيهما في صاحب البردة "هو في النار" في بردة غلها. أو عباءة.
стр. 1104
ومذهب أحمد وغيره حرق متاعه. لما رواه هو وأبو داود من حديث عمر "إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه" وله من حديث عمرو بن شعيب أنه ﷺ وأبا بكر وعمر. حرقوا متاع الغال. وضربوه. لكن قال البخاري قد روي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغال. ولم يأمر بحرق متاعه وقال الدارقطني حرق متاع الغال لا أصل له عن رسول الله ﷺ ولم يثبت حرمان سهمه في خبر. ولا دل عليه دليل. ولا قياس. فبقي بحاله.
ومذهب جمهور العلماء وأئمة الأمصار أنه يعزر بما يراه الإمام. ولا يحرق رحله. وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم. ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين.
واختار الشيخ أن تحريق رحل الغال من باب التعزير لا الحد. فيجتهد الإمام بحسب المصلحة. وصوبه في الإنصاف وغيره. وورد أن "هدايا العمال غلول" رواه أحمد وغيره.
وقال الشيخ ما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم. كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد هدايا العمال غلول.
وروي مرفوعًا. ويشهد له قصة ابن اللتبية. وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك. هو من نوع الهدية. ولهذا شاطرهم
стр. 1105
عمر. لما خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها. لأنه إمام عادل يقسم بالسوية.
فصل في الفيء
وقسمته وما يتعلق بذلك. الفيء هو: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال. ولا إيجاف خيل ولا ركاب. قال الشيخ وغيره خلق الله الخلق لعبادته وأعطاهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته فالكفار لما كفروا بالله وعبدوا معه غيره لم يبقوا مستحقين للأموال. فأباح الله لعباده قتلهم وأخذ أموالهم.
فصارت فيئًا أعاده الله على عباده المؤمنين. لأنهم هم المستحقون له.
وكل مال أخذ من الكفار قد يسمى فيئًا حتى الغنيمة. لقوله ﷺ في حنين "ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم" لكن لما قال الله ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآيات صار اسم الفيء عند الإطلاق لما أخذ من الكفار بغير قتال (قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي رد الله على رسوله.
يقال فاء يفيء أي رجع. وأفاءها الله ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من بني النضير أو من الكفرة.
﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أجريتم على تحصيله من الوجيف. وهو سرعة السير ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلبك الراكب على مركوبه (إلى قوله ﴿مَا أَفَاء اللَّهُ
стр. 1106
عَلَى رَسُولِهِ﴾ قال ابن كثير أي ما قاتلتم الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة. بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسوله ﷺ . فأفاءه الله على رسوله. ولهذا تصرف فيه كما يشاء. فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله في هذه الآيات.
وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم. طلب المسلمون من رسول الله ﷺ أن يقسمها بينهم. كما فعل بغنائم خيبر. فبين الله في هذه الآيات أنها فيء. لم يوجف عليه المسلمون خيلًا ولا ركابًا. ولا قطعوا إليها مسافة. ولا نالوا مشقة. ولم يلقوا حربًا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ لا يغالب ولا يمانع.
﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي جميع البلدان التي تفتح هكذا. فحكمها حكم أموال بني النضير.
وهذا بيان للأول فلذلك لم يعطف عليه. ولهذا قال ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه. قال تعالى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ أي كيلا يبقى مأكله يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء. ولا يصرفون منها شيئًا إلى الفقراء.
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أي مهما أمركم به فافعلوه ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ أي مهما نهاكم عنه فاجتنبوه. فإنه إنما يأمركم
стр. 1107
بخير وينهاكم عن شر ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ لمن خالف. ثم بين حال الفقراء المستحقين لمال الفيء، ﴿وأنهم الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. ثم ذكر الذين من بعدهم إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ فأخبر تعالى أن ما أفاء على رسوله ﷺ بجملته لمن في هؤلاء الآيات. ولم يخص منه خمسه بالمذكورين بل عمم وأطلق واستوعب.
ويصرف على المصارف الخاصة. وهم أهل الخمس. ثم على المصارف العامة وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم الدين. قال الشيخ والذي عمل به ﷺ هو وخلفاؤه هو المراد من هؤلاء الآيات. ولذلك قال عمر ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد. وقرأ ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ حتى بلغ ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ فقال هذه استوعبت المسلمين عامة. قال الشيخ ولا حق للرافضة في الفيء وليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه فوق الحاجة. كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه.
والأموال التي يتولى قسمتها ولاة الأمور. ثلاثة: مال المغانم وهي لمن شهد الوقعة إلا الخمس والفيء. وهو ما ذكره الله في قوله: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآيات ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ حركتم وأعملتم وسقتم. وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيل ولا
стр. 1108
ركاب. وذلك عبارة عن القتال. أي ما قاتلتم عليه. فما قاتلوا عليه كان للمقاتلة. وما لم يقاتلوا عليه فهو فيء. لأن الله أفاءه على المسلمين فإنه خلق الخلق لعبادته وأحل لهم الطيبات ليأكلوا طيبًا ويعملوا صالحًا. والكفار عبدوا غيره فصاروا غير مستحقين للمال. فأباح للمؤمنين قتالهم. وأن يسترقوا أنفسهم. وأن يسترجعوا الأموال منهم. فإذا أعادها الله إلى المؤمنين فقد فاءت. أي رجعت إلى مستحقيها. وهذا الفيء يدخل في جزية الرؤوس التي تؤخذ من أهل الذمة. وما يؤخذ منهم من العشور. وأنصاف العشور.
وما يصالح عليه الكفار من المال الذي يحملونه. وغير ذلك. ويدخل فيه ما جلوا عنه وتركوه خوفًا من المسلمين. كأموال بني النضير. وذكر تعالى مصارفه، فقال ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى ﴿رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ فهؤلاء المهاجرون والأنصار ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة. ومنه ما ضربه عمر على أهل الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها. كأرض مصر والعراق إلا يسيرًا. وبر الشام وغير ذلك.
قال واتفق العلماء أنه يصرف منه ارزاق الجند. ومذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور في مذهب أحمد والشافعي أنه لا يختص به المقاتلة. بل يصرف في المصالح كلها. وعلى القولين يعطي من فيه منفعة عامة لأهل الفيء قال وإذا كان للمصالح فيصرف منه إلى كل من للمسلمين به منفعة عامة. كالمجاهدين
стр. 1109
وولاة أمورهم. من ولاة الحرب وولاة الديوان. وولاة الحكم ومن يقرئهم القرآن. ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم في صلاتهم. ويؤذن لهم.
ويصرف منه في سد ثغورهم وعمارة طرقاتهم. وحصونهم. ويصرف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضًا. ويبدأ فيه بالأهم فالأهم. فيقدم ذوو المنافع الذين يحتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا منفعة فيهم. هكذا نص عليه عامة الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. قال ولا يعطى غني شيئًا حتى يفضل عن الفقراء.
هذا مذهب الجمهور. كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي تخصيص الفقراء بالفاضل.
والمال الثالث زكاة أموال المسلمين. فمصرفه ما ذكره الله في كتابه. قال وجمهور العلماء على أن الفيء لا يخمس. كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد. وهو قول السلف قاطبة. وهو الصواب فإن السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وخلفائه تقتضي أنهم لم يخمسوا فيئًا قط. وصوب أن مال الخمس والفيء سواء.
وقال اتفق المسلمون على أن من مات ولا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين. ومثله المظالم المجهول أربابها. وما اجتمع من بيت المال. ولم يرد إلى أصحابه. فصرفه في مصالح أصحابه والمسلمين أولى. من صرفه فيما لا ينفع أصحابه أو فيما يضر.
стр. 1110
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها) قال القاضي يحتمل أن يكون المراد الذي لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب بل صالحوا عليه.
(فسهمكم فيها) أي حقكم من العطايا كما يصرف الفيء (وأيما قرية عصت الله ورسوله) وأخذت عنوة (فإن خمسها لله ورسوله) أي تكون غنيمة يخرج منها الخمس (ثم هي لكم) أي باقيها للغانمين رواه مسلم وأحمد وغيرهما.
فدل على أن الأرض المغنومة للغانمين. حكمها حكم سائر الأموال التي تغنم. وأن خمسها لأهل الخمس. وأربعة أخماسها للغانمين. وقال الشيخ مذهب الأكثرين أن الإمام يفعل ما هو الأصلح للمسلمين من قسمها وحبسها. قال وإذا قسمها فمقتضى كلام المجد وغيره أنه يخمسها. وعموم كلام أحمد والقاضي وقصة خيبر أنها لا تخمس. لأنها فيء وليست بغنيمة. لأن الغنيمة لا توقف. وليس في الفيء خمس. ورجح ذلك.
وقال لو جعلها الإمام فيئًا صار ذلك حكمًا باقيًا فيها دائمًا. فإنها لا تعود إلى الغانمين. وقال الموفق وغيره لا نعلم أن بلدًا فتح عنوة قسم بين الغانمين. إلا خيبر نصفها قسم فصار لأهله لا خراج عليه. وسائر ما فتح عمر ومن بعده لم يقسم منه شيء.
(وقال عمر) ﵁ (اتركها) أي الأرضين المغنومة (خزانة لهم) مدخرة للمسلمين غير مقسومة أسهمًا بين
стр. 1111
الغانمين (يقتسمونها رواه البخاري) يقتسمون خراجها. وأول الخبر "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم من شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر. ولكني أتركها خزانة لهم" فوقفها ﵁ وضرب عليها الخراج الذي يجمع مصلحتهم.
قال عمر بن عبد العزيز من سأل عن مواضع الفيء فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب فرآه المؤمنون عدلاً موافقاً لخبر "جعل الله الحق على لسان عمر" وقال الشيخ جمهور الأئمة رأوا أنما فعله عمر من جعل الأرض المفتوحة عنوة فيئاً حسن جائز. وأن حبسها بدون استطابة الغانمين. ولا نزاع أن كل أرض فتحها لم يقسمها. وقال ابن القيم الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين يقسم خراجها في مصالح المسلمين.
وقال جمهور الصحابة والأئمة بعدهم على أن الأرض ليست داخلة في المغانم التي تجب قسمتها. وهذه كانت سيرة الخلفاء ولما قال بلال وذووه أقسمها قال اللهم أكفنيهم فما حال عليهم الحول. ثم وافق سائر الصحابة عمر. وكذا جرى في سائر البلاد. وكان الذي رآه هو عين الصواب. ولا يصح أن يقال إنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم.
وقال إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسمها. وإن اختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة فظاهر مذهب أحمد أن الإمام مخير فيها تخيير
стр. 1112
مصلحة. فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها. وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها. وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله. فإن رسول الله ﷺ فعل الأقسام الثلاثة.
قال الشيخ وقول الجمهور أعدل الأقوال وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول. وهم الذين قالوا يخير الإمام تخيير رأي ومصلحة لا تخيير شهوه ومشيئة. وقال في الأرضين المغنومة تنقلت أحوالها كالعراق فإن خلفاء بني العباس نقلوه إلى المقاسمة. ومصر رفع عنها الخراج من مدة لا أعلم ابتداءها وصارت الرقبة للمسلمين وهذا جائز في أحد قولي العلماء.
(وضرب) عمر ﵁ على الأرضين (الخراج) على كل جريب درهماً وقفيزاً. وهو ثمانية أرطال. قيل بالمكي. والجريب عشر قصبات في مثلها والقصبة ستة أذرع بذراع عمر وهو ذراع متوسط وقبضة وإبهام قائمة. فيكون الجريب ثلاثة آلاف ذراع وستمائة مكسراً. وما ضربه هو أو غيره من الأئمة فليس لأحد تغييره لأنه حكم من الإمام.
ولا نقض لما فعله النبي ﷺ من وقف أو قسمة أو فعله الأئمة بعده. ولا يغير. لأنه نقض للحكم اللازم. وإنما التخيير والاستئناف فيما استؤنف فتحه. ما لم يتغير السبب بأن غلت الأرض أو رخصت فيغير المسبب لتغير سببه. قال الشيخ ولو
стр. 1113
يبست الكروم بجراد أو غيره أو بعضها سقط من خراجها بقدر ذلك. وإذا لم يمكن الانتفاع بها ببيع أو إجارة أو غيرها لم تجز المطالبة بخراجها.
(وقال) عمر ﵁ (ليس أحد من المسلمين) على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم (أحق بهذا المال) يعني الفيء
ونحوه (من أحد) بل المسلمون فيه على حد سواء بحسب منازلهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي لفظ لأبي داود وغيره عنه ما أنا بأحق بهذا المال منكم وما أحد منا بأحق به من أحد إلا أنا على منازلنا من كتاب الله وقسم رسوله وهو ما بينه بقوله (للفقراء المهاجرين) إلى آخر الآيات من سورة الحشر وما دل عليه من تفاصيل المسلمين في ترتيبه طبقاتهم. من ذكر السابقين والمهاجرين ومن بعدهم.
وقد دون الدواوين وقدر الأعطية كل بحسبه ولم يكن لأحد ديوان في عهد رسول الله ﷺ بل عمر هو أول من دونها فهو من سنته التي أمرنا رسول الله ﷺ باتباعها. وظهرت مصلحتها وحاجة الناس إليها. وقال ﵁ (إنما هو الرجل وسابقته) أي في الإسلام. وفي لفظ وقدمه وهو من كان من السابقين الأولين فإنه يفضلهم في العطاء لسبقهم.
(والرجل وغناؤه) بفتح الغين وهو الذي يغني عن المسلمين في مصالحهم كولاة أمورهم ومعلمهم وأمثال هؤلاء.
стр. 1114
(والرجل وبلاؤه) أي شجاعته وثباته الذي ابتلى به في سبيل الله. والمراد مشقته وسعيه واجتهاده في قتال الأعداء. -قال ﵁ (والرجل وحاجته) أي مقدار حاجته وفي لفظ وفاقته. فإنه كان ﵁ يقدم الفقراء. وفي لفظ وعياله أي ممن يمونه.
فلا مزية لأحد في أصل الاستحقاق. وإنما التفاوت في التفاضل بحسب اختلاف المراتب والمنازل. وإما بتنصيص الكتاب والسنة. وإما بحسب بلائه. وإما لشدة احتياجه وكثرة عياله. وذكر شيخ الإسلام نحو هذا أيضاً ثم قال وإذا عرفت أن العطايا بحسب منفعة الرجل وبحسب حاجته في مال المصالح. وفي الصدقات أيضًا. فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحق نظراؤه. وليسوا ملاكًا كما قال رسول الله ﷺ "والله إني لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا. وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت".
وقال ونص العلماء على أنه يجب أن يقدم في مال الفيء والمصالح أهل المنفعة العامة وإذا كان العطاء لمنفعة المسلمين لم ينظر إلى الآخذ هل هو صالح النية أو فاسدها. وإنما العطاء بحسب المصلحة الدينية. فكلما كان لله أطوع ولدينه أنفع فالعطاء فيه أولى. وإعطاء محتاج إليه في إقامة دين الله وقمع أعدائه وإظهاره وإعلائه أعظم من إعطاء من لا يكون كذلك. وإن كان الثاني أحوج.
стр. 1115
وذكر أنه اختلط في هذه الأموال المرتبة السلطانية الحق والباطل. فأقوام من ذوي الحاجات والعلم لا يعطى أحدهم كفايته ويتمزق جوعًا. وهو لا يسأل. ومن يعرفه فليس عنده ما يعطيه. وأقوام يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وقوم لهم رواتب أضعاف حاجاتهم. وقوم ينالون جهات كالمساجد وغيرها. فيأخذون معلومها. وقوم آخذون ما لا يستحقون. ويأخذون فوق حقهم. ويمنعون من هو أحق منهم حقه أو تمام حقه.
ولا يستريب مسلم أن السعي في تمييز الحق من غيره والعدل بين الناس وفعله بحسب الإمكان هو من أفضل أعمال ولاة الأمور. بل ومن أوجبها عليهم. قال ولا يجوز للإمام أن يعطى أحدًا ما لا يستحقه لهوى نفسه من قرابة بينهما أو مودة أو نحو ذلك. وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه. فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء.
(وقال ﷺ ) فيما رواه عنه عمرو بن تغلب النمري (إني أعطي أقوامًا) وفي لفظ قومًا (أخاف ظلعهم) أي انقطاعهم واعوجاجهم وتأخرهم (وجزعهم) أي وأخاف قلة صبرهم إذا لم أعطهم. فيتألفهم ويثبتهم بالعطاء (وأكل أقوامًا) اعتمادًا وثقة وطمأنينة (إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير) المانع لهم من الهلع والجزع بل (والغنى) الذي أودعه الله في قلوبهم. وتقدم
стр. 1116
"أن الغنى غنى النفس" والغناء بالمد الكفاية وفي لفظ بالقصر ضد الفقر. (رواه البخاري) وأول الحديث "أعطى قومًا ومنع آخرين" فكأنهم عتبوا عليه فقال ذلك.
قال الشيخ ويجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليفه وإن كان لا يحل له أخذ ذلك. كما في القرآن. وكما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة من الفيء. قال وإن كان ظاهره لعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما فعل الملوك. فالأعمال بالنيات. فإن كان المقصد بذلك مصلحة الدين وأهله كان جنس عطاء النبي ﷺ وخلفائه. وإن كان المقصود العلو في الأرض كان من جنس عطاء فرعون.
وذكر أن الغنيمة والخراج لمصالح المملكة. وبها يجتمع الجند على باب السلطان. فينفذ أحكام الشرع. ويحمي البيضة. ويمنع القوي من ظلم الضعيف. ويوصل كل ذي حق حقه. فلو فرقه غيره تفرقوا عنه. وزالت حشمته وهيبته. وطمع فيه. فجر ذلك إلى الفساد. وذكر أن الله علق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء والقتال الذي هو الشجاعة. وأن هذا مما اتفق عليه أهل الأرض.
وأن الناس افترقوا أربع فرق فريق غلب عليهم العلو في الأرض فصاروا نهابين وهابين. نظروا في عاجل دنياهم. وأهملوا آخرتهم. فعاقبتهم رديئة في الدنيا والآخرة. وفريق عندهم
стр. 1117
خوف من الله ودينهم يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا من ظلم الخلق. وفعل المحارم. لكن قد يعتقدون أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام. وربما اعتقدوا إنكار ذلك واجبًا كالخوارج.
والفريق الثالث الأمة الوسط. دين محمد ﷺ وخلفائه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو إنفاق المال في المنافع للناس. فإن كانوا رؤساء فبحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال. وإقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها الدين. وعفته في نفسه، فلا يأخذ ما لا يستحقه فيجمعون بين التقوى والإحسان. ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذه الطريقة.
وهذا هو الذي يطعم الناس ما يحتاجون إلى إطعامه. ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب. ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأول، فإن الذي يأخذ لا لنفسه تطمع إليه النفوس ما لا تطمع في العفيف. ويصلح به الناس في دينهم ما لا يصلحون بالثاني. وأما من يأخذ لنفسه. ولا يعطي غيره. فهذا القسم الرابع شر الخلق. لا يصلح به دينه ولا دنياه. كما أن الصالحين أرباب السياسية الكاملة هم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائهم. ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم. ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه. ويعفون عن حقوقهم. وهذه أخلاق رسول الله ﷺ في بذله. وهي الأكمل.
стр. 1118
باب الأمان
أي والهدنة. والأمان ضد الخوف. ويسمى مهادنة. وموادعة ومسالمة. ويجوز عقده مطلقًا وموقتًا ويقع لازمًا يجب الوفاء به. ما لم ينقضه العدو. والمطلق جائز يعمل الإمام فيه بالمصلحة. ولا يعقد الأمان إلا الإمام أو نائبه لتعلقه بنظر الإمام. ويصح الأمان بكل قول أو فعل أو إشارة أو كتابة ونحو ذلك مما يدل عليه. ويحرم به قتل ورق وأسر. وأخذ مال. لعصمتهم بالأمان. والأصل في الأمان: قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِين﴾ وغيرها من الآيات والأحاديث.
(قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي استأمنك وطلب منك جواره ﴿فَأَجِرْهُ﴾ أي أمنه وأجبه إلى طلبته ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ أي القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئًا من أمر الدين. ويعلم ما له من الثواب إن آمن. وما عليه من العقاب إن أصر على الكفر (الآية) وتمامها ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يعني إن لم يسلم أبلغه إلى الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه. أو وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده ودار مأمنه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُون﴾ أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوته في بلاده.
فدلت الآية على أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في
стр. 1119
أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه ووطنه.
ولا يمكن من الإقامة في دار الإسلام أكثر من أربعة أشهر.
(وقال: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ أي: مالوا إلى الصلح والمسالمة والمهادنة ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي فمل إليها واقبل منهم ذلك ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي صالحهم وتوكل على الله فإن الله كافيك وناصرك. ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقوا ويستعدوا ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾. ولما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب عشر سنين أجابهم إلى ذلك. وقيل الآية منسوخة بآية السيف.
وقال ابن كثير فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك. فأما إن كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية. وكما فعل ﷺ يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص. فيجوز عقد الهدنة لمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين أو لمشقة الغزو. ولا تصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد لمصلحة وتجوز ولو بمال منا ضرورة. وبمال منهم وبغير عوض بحسب المصلحة. لفعله ﷺ .
(وقال: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أي فأوفوا لهم بعهدهم ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ أي إلى تمام مدتهم وأجلهم الذي عاهدتموهم عليه. ولا تجروهم مجرى الناكثين. فإنه تعالى قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ
стр. 1120
عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَْ﴾ قيل لهم بعد أن أمروا بنكث العهد ولكن الذين عاهدوا منكم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ مهما كان ولا تجعلوا الوافي كالغادر.
وفي الحديث "ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته" بشرط أن لا ينقصه ولا يظاهر من سواهم. فهذا الذي يوفي له بذمته وعهده إلى مدته. ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين﴾ أي الموفين بعهدهم. وأما إذا حارب أهل العهد من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده: صاروا حربًا له بذلك. وله أن يبيتهم في ديارهم كما في قصة الفتح ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء.
وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم خيانة، فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده. ولما سار معاوية بأرض الروم وكان بينه وبينهم أمد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم.
فقال عمرو بن عنبسة الله أكبر وفاء لا غدر. إن رسول الله ﷺ قال: "من كان بينه وبين قومه عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدنها حتى ينقضي أمدها أو ينبذوا إليهم عهدهم على سواء" فرجع معاوية. صححه الترمذي.
(وعن علي مرفوعًا: ذمة المسلمين) أي عهدهم وحرمتهم (واحدة) فإذا أعطى أحدهم لعدو أمانًا جاز على جميع
стр. 1121
المسلمين (يسعى بها أدناهم) أي ولو كان عبدًا أو امرأة أو عسيفًا تابعًا. فيجب قبول أمانهم وليس لأحد أن يخفر ذمتهم (متفق عليه) فدخل كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوى. زاد ابن ماجه "ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم" ومن حديث عمرو بن شعيب "يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم".
وللطيالسي من حديث عمرو بن العاص "يجير على المسلمين أدناهم" ولأحمد عن أبي عبيدة مرفوعًا "يجير على المسلمين بعضهم" وللحاكم "المسلمون تتكافأ دماؤهم" ولمسلم "إن ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وهو متفق عليه من حديث علي. ومن حديث أنس "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" ولمسلم عن أبي سعيد نحوه.
وهذه الأحاديث وغيرها دالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم مأذون أو غير مأذون. لقوله "أدناهم" فإذا أعطى أحد الجيش العدو أمانًا جاز ذلك على جميع المسلمين. وهذا مذهب جمهور العلماء. ومذهب مالك والشافعي وأحمد يمضي أمان العبد سواء أذن له سيده في القتال أو لم يأذن. قال عمر العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه رواه سعيد. ولأنه مسلم عاقل.
стр. 1122
(ولهما من حديث أم هانئ) بنت أبي طالب ﵄. وكانت أجارت رجلًا فقال (قد أجرنا من أجرت) وذلك أنها قالت يا رسول الله زعم ابن أبي طالب أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان ابن هبيرة. وهبيرة زوجها. ولأحمد أنها أجارت رجلين من أحمائها وجاءت إلى النبي ﷺ تخبره أن عليًا أخاها لم يجز إجارتها فقال رسول الله ﷺ "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" وعن أبي هريرة مرفوعًا "إن المرأة لتأخذ للقوم" رواه الترمذي.
فيدل على صحة أمان المرأة بإذن وعدمه. وهو مذهب جمهور العلماء إلا ما روي عن بعض أصحاب مالك حملوه على أنه إجازة منه. والجمهور على أنه أمضى ما وقع منها.
وأنه قد انعقد أمانها. لأنه سماها مجيرة ولأنها دخلت في عموم المسلمين كما هو معروف عند الأصوليين. ولقصة زينب. وليس لهم أن يحفزوه، ولا أن ينقضوا عليه عهده وذكر الإجماع على صحة أمان المرأة غير واحد من أهل العلم.
ويصح أمان كل واحد من الرعية لقافلة وحصن صغيرين عرفًا. لأن عمر أجاز أمان العبد لأهل الحصن ولا يصح لأهل بلدة كبيرة ولا جمع كبير لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.
(وفيهما عن أنس) أي في الصحيحين (أن قريشًا صالحوا النبي – ﷺ ) يعني عام الحديبية سنة سبع. قال ابن القيم وغيره
стр. 1123
فيه دليل على جواز صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة. ويكون العقد جائزًا له فسخه متى شاء. وهذا هو الصواب, وهو موجب حكم رسول الله ﷺ الذي لا ناسخ له وذكر أيضًا صلحه لأهل خيبر عمالًا له يقرهم فيها ما شاء. وأن هذا الحكم منه فيهم حجة على جواز صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة فيكون العقد جائزًا له فسخه متى شاء. وصوبه أيضًا.
وفي قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِين﴾ إلى قوله ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾ الآيات: البراءة من المعاهدين إلا من كان له عهد إلى أجل. وهذا يبين أن تلك العهود كانت مطلقة ليست إلى أجل معين خلافًا لمن قال لا تجوز المهادنة المطلقة. ولا يجوز أن نقركم ما أقركم الله. حتى ادعى الإجماع في ذلك وليس بشيء.
(واشترطوا عليه أن من جاء منكم لم نرده عليكم) أي من جاء من المسلمين إلى كفار مكة لم يردوه إلى رسول الله ﷺ (ومن جاءكم منا رددتموه علينا) أي من أهل مكة إلى رسول الله ﷺ رده إليهم. فكره المسلمون ذلك. ولهما أن سهيلًا قال للنبي ﷺ وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. وفيه قالوا يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال "نعم من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".
стр. 1124
وجاء أبو جندل يرسف في قيوده ثم أبو بصير فردهما ولحقا بالسيف عصابة يعترضون غير قريش. فيجوز شرط رد رجل جاء مسلما ًََللحاجة. فإنه ﷺ كتب هذا الشرط. مع ما فيه ومع كراهته له. فدل على جواز الصلح على ذلك إن لم تكون حاجة كظهور المسلمين وقوتهم لم يصح الشرط. ولا يمنعهم الإمام أخذه ولا يجبره على العود معهم, ويجوز أمره سراً بقتالهم والفرار منهم.
وله ولمن أسلم معه أن يتحيزوا ناحية ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار. ويأخذوا أموالهم ولا يدخلون في الصلح. وإن عقد من غير شرط لم يجز رد من جاء مسلماً أو بأمان. وثبت أنه لم يرد النساء المهاجرات إليه لأن الصلح إنما وقع في حق الرجال وخرجت إليه أم كلثوم وطلبوا رجوعها فأنزل الله (فلا ترجعوهن إلى الكفار) ولو هرب قن فأسلم لم يرد وهو حر لأنه ملك نفسه بإسلامه.
وقال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد. لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمانهم من المسلمين في المال والعرض ولا يحدون لحق الله لأنهم لم يلتزموا حكمنا.
(ولأبي داود) وأحمد وغيرهما. وذكر ابن إسحاق وغيره (عن المسور) بن مخرمة بن نوفل القرشي قيل كان مولده بعد الهجرة. وقيل قبلها. وحفظ عن رسول الله ﷺ والخلفاء
стр. 1125
وغيرهم كان يلازم عمر ﵄. وقتل بالمنجنيق مع ابن الزبير وهو يصلي سنة أربع وسنتين (هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله).
وفي الصحيحين هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ . فقال سهيل بن عمرو لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت. ولا قاتلناك. ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إني لرسول الله. وإن كذبتموني أكتب محمد بن عبد الله أي هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (سهيل بن عمرو) ابن عبد شمس القرشي قبل أن يسلم ثم أسلم وحسن إسلامه. ومات سنة سبع عشرة. تولى أمر الصلح.
(على وضع الحرب) بينه ﷺ وبينهم (عشر سنين) هذا هو المعتمد عليه كما ذكره ابن إسحاق وجزم به ابن سعد. وقيل سنتين. وإنما هي التي انتهى أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش. واختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين: فقيل لا تتجاوز عشر سنين كما في هذا الخبر. وهو قول الجمهور. وقال الوزير اتفقوا على أن الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها. واتفقوا على أنهم إذا عوهدوا عهداً وفي لهم به إلا أبا حنيفة فشرط بقاء المصلحة. وصوب ابن القيم وغيره جوازه فوق ذلك للحاجة والمصلحة الراجحة. كما إذا
следующие страницы →