← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المسلمين (يسعى بها أدناهم) أي ولو كان عبدًا أو امرأة أو عسيفًا تابعًا. فيجب قبول أمانهم وليس لأحد أن يخفر ذمتهم (متفق عليه) فدخل كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوى. زاد ابن ماجه "ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم" ومن حديث عمرو بن شعيب "يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم". وللطيالسي من حديث عمرو بن العاص "يجير على المسلمين أدناهم" ولأحمد عن أبي عبيدة مرفوعًا "يجير على المسلمين بعضهم" وللحاكم "المسلمون تتكافأ دماؤهم" ولمسلم "إن ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وهو متفق عليه من حديث علي. ومن حديث أنس "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" ولمسلم عن أبي سعيد نحوه. وهذه الأحاديث وغيرها دالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم مأذون أو غير مأذون. لقوله "أدناهم" فإذا أعطى أحد الجيش العدو أمانًا جاز ذلك على جميع المسلمين. وهذا مذهب جمهور العلماء. ومذهب مالك والشافعي وأحمد يمضي أمان العبد سواء أذن له سيده في القتال أو لم يأذن. قال عمر العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه رواه سعيد. ولأنه مسلم عاقل.

стр. 1122

(ولهما من حديث أم هانئ) بنت أبي طالب ﵄. وكانت أجارت رجلًا فقال (قد أجرنا من أجرت) وذلك أنها قالت يا رسول الله زعم ابن أبي طالب أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان ابن هبيرة. وهبيرة زوجها. ولأحمد أنها أجارت رجلين من أحمائها وجاءت إلى النبي ﷺ تخبره أن عليًا أخاها لم يجز إجارتها فقال رسول الله ﷺ "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" وعن أبي هريرة مرفوعًا "إن المرأة لتأخذ للقوم" رواه الترمذي. فيدل على صحة أمان المرأة بإذن وعدمه. وهو مذهب جمهور العلماء إلا ما روي عن بعض أصحاب مالك حملوه على أنه إجازة منه. والجمهور على أنه أمضى ما وقع منها. وأنه قد انعقد أمانها. لأنه سماها مجيرة ولأنها دخلت في عموم المسلمين كما هو معروف عند الأصوليين. ولقصة زينب. وليس لهم أن يحفزوه، ولا أن ينقضوا عليه عهده وذكر الإجماع على صحة أمان المرأة غير واحد من أهل العلم. ويصح أمان كل واحد من الرعية لقافلة وحصن صغيرين عرفًا. لأن عمر أجاز أمان العبد لأهل الحصن ولا يصح لأهل بلدة كبيرة ولا جمع كبير لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام. (وفيهما عن أنس) أي في الصحيحين (أن قريشًا صالحوا النبي – ﷺ ) يعني عام الحديبية سنة سبع. قال ابن القيم وغيره

стр. 1123

فيه دليل على جواز صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة. ويكون العقد جائزًا له فسخه متى شاء. وهذا هو الصواب, وهو موجب حكم رسول الله ﷺ الذي لا ناسخ له وذكر أيضًا صلحه لأهل خيبر عمالًا له يقرهم فيها ما شاء. وأن هذا الحكم منه فيهم حجة على جواز صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة فيكون العقد جائزًا له فسخه متى شاء. وصوبه أيضًا. وفي قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِين﴾ إلى قوله ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾ الآيات: البراءة من المعاهدين إلا من كان له عهد إلى أجل. وهذا يبين أن تلك العهود كانت مطلقة ليست إلى أجل معين خلافًا لمن قال لا تجوز المهادنة المطلقة. ولا يجوز أن نقركم ما أقركم الله. حتى ادعى الإجماع في ذلك وليس بشيء. (واشترطوا عليه أن من جاء منكم لم نرده عليكم) أي من جاء من المسلمين إلى كفار مكة لم يردوه إلى رسول الله ﷺ (ومن جاءكم منا رددتموه علينا) أي من أهل مكة إلى رسول الله ﷺ رده إليهم. فكره المسلمون ذلك. ولهما أن سهيلًا قال للنبي ﷺ وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. وفيه قالوا يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال "نعم من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".

стр. 1124

وجاء أبو جندل يرسف في قيوده ثم أبو بصير فردهما ولحقا بالسيف عصابة يعترضون غير قريش. فيجوز شرط رد رجل جاء مسلما ًََللحاجة. فإنه ﷺ كتب هذا الشرط. مع ما فيه ومع كراهته له. فدل على جواز الصلح على ذلك إن لم تكون حاجة كظهور المسلمين وقوتهم لم يصح الشرط. ولا يمنعهم الإمام أخذه ولا يجبره على العود معهم, ويجوز أمره سراً بقتالهم والفرار منهم. وله ولمن أسلم معه أن يتحيزوا ناحية ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار. ويأخذوا أموالهم ولا يدخلون في الصلح. وإن عقد من غير شرط لم يجز رد من جاء مسلماً أو بأمان. وثبت أنه لم يرد النساء المهاجرات إليه لأن الصلح إنما وقع في حق الرجال وخرجت إليه أم كلثوم وطلبوا رجوعها فأنزل الله (فلا ترجعوهن إلى الكفار) ولو هرب قن فأسلم لم يرد وهو حر لأنه ملك نفسه بإسلامه. وقال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد. لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمانهم من المسلمين في المال والعرض ولا يحدون لحق الله لأنهم لم يلتزموا حكمنا. (ولأبي داود) وأحمد وغيرهما. وذكر ابن إسحاق وغيره (عن المسور) بن مخرمة بن نوفل القرشي قيل كان مولده بعد الهجرة. وقيل قبلها. وحفظ عن رسول الله ﷺ والخلفاء

стр. 1125

وغيرهم كان يلازم عمر ﵄. وقتل بالمنجنيق مع ابن الزبير وهو يصلي سنة أربع وسنتين (هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله). وفي الصحيحين هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ . فقال سهيل بن عمرو لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت. ولا قاتلناك. ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إني لرسول الله. وإن كذبتموني أكتب محمد بن عبد الله أي هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (سهيل بن عمرو) ابن عبد شمس القرشي قبل أن يسلم ثم أسلم وحسن إسلامه. ومات سنة سبع عشرة. تولى أمر الصلح. (على وضع الحرب) بينه ﷺ وبينهم (عشر سنين) هذا هو المعتمد عليه كما ذكره ابن إسحاق وجزم به ابن سعد. وقيل سنتين. وإنما هي التي انتهى أمر الصلح فيها حتى وقع نقضه على يد قريش. واختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين: فقيل لا تتجاوز عشر سنين كما في هذا الخبر. وهو قول الجمهور. وقال الوزير اتفقوا على أن الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها. واتفقوا على أنهم إذا عوهدوا عهداً وفي لهم به إلا أبا حنيفة فشرط بقاء المصلحة. وصوب ابن القيم وغيره جوازه فوق ذلك للحاجة والمصلحة الراجحة. كما إذا

стр. 1126

كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم. وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام. (يأمن فيها الناس) على دمائهم وأموالهم (ويكف بعضهم عن بعض) القتال فدل على جواز الصلح عشر سنين. وما شاء ولي الأمر كما تقدم. (وله عن أبي رافع مرفوعاً إني لا أخيس) بخاء معجمة فمثناه تحتية فسين (بالعهد) أي لا أنقضه ولا أغدر من خاس الشيء إذا فسد. . (ولا أحبس الرسل) وفي رواية البرد. ورواه النسائي وصححه ابن حبان. وذلك أن العهد مراعى مع الكافر كما يراعى مع المسلم. وأن الكافر إذا عقد له عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه ولا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة. ولأن الرسالة تقتضي جواباً والجواب لا يصل إلا مع الرسول بعد انصرافه. فصار كأنه عقد له مدة مجيئه ورجوعه. وقد دل الحديث على وجوب حفظ العهد. وأمر الله به في غير موضع من كتابه. وعلى وجوب الوفاء به ولو لكافر وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينهم وبينه عهد قبل الإغارة عليهم بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين﴾. وقال الوزير اتفقوا على أنه لا يجوز نقض العهد إلا بعد نبذه في مدة العهد ودل على أنه لا يحبس الرسل بل يرد جواب الرسول. وكان وصوله أماناً له. فلا يجوز أن يحبس بل يرد.

стр. 1127

باب عقد الذمة أي صفة عقد الذمة وصفة أحكامها. والذمة لغة العهد والضمان والأمان. فعله من أذم يذم إذا جعل له عهداً. نحو أقررتكم بالجزية. ولا يعقدها إلا إمام أو نائبه لتعلقها بنظره. وفي الصحيحين "أن الإمام جنة" لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين. ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام. فهو الذي يعقد العهد والهدنة بين المسلمين والمشركين. وليس لغيره أن يجعل لأمة من الكفار أماناً, وإذا رأى الإمام ذلك وصالحهم وهادنهم وجب على المسلمين أن يجيزوا أمانة لهم. وإذا عقد العهد وصالح بين المسلمين وبين غير أهل الإسلام إلى مدة فالمسلمون يسيرون ويمرون في بلاد الشرك. ولا يتعرض لهم مخالفوهم بأذية ولا فساد في أنفسهم وأموالهم لأجل هذا الصلح. وكذلك أهل الشرك, وذلك لا يحصل إلا بعهد وأمان منه. والفرق بين المعاهد والمستأمن والذمي أن المعاهد هو من أخذ عليه العهد من الكفار. والمستأمن هو من دخل دارنا بأمان. والذمي من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية. (قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ وإن ادعوا الإيمان. فإن من قال: عزير بن الله , والمسيح بن الله لا يكون مؤمناً بالله , ومن اعتقد بعثة الأرواح دون

стр. 1128

الأجساد وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون لا يكون مؤمناً باليوم الآخر ﴿وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ في كتابه ﴿وَرَسُولُهُ﴾ في سنته ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي الدين الحق دين الإسلام. الذي هو ناسخ سائر الأديان ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى على اختلاف طوائفهم وكذا من تبعهم فتدين لهم بأحد الدينين. كالسامرة والإفرنج والصابئين لعموم: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. وهذه الآية كما قال شيخ الإسلام وابن كثير وغيرهما هي أول الأمر بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى وذلك في سنة تسع ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ وهي الخراج المضروب عليهم إن لم يسلموا على وجه الصغار كل عام. جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقاً وبدلاً عن قتلهم وإقامتهم بدارنا. وقال الشيخ وجبت عقوبة وعوضاًِ عن حقن الدم عند أكثر العلماء ﴿عَن يَدٍ﴾ عن قهر وذل. قال ابن عباس يعطونها بأيديهم ولا يرسلونها. ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ أذلاء مقهورون يعطوها عن قيام والقابض جالس ويطال وقوفهم وتجر أيديهم. ويمتهنون عند كل جزية. ولكن بلا سوط ولا نول. ولهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغره. كما صحت به الأخبار. قال البغوي والشيخ وغيرهما اتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتابين. وهم اليهود والنصارى

стр. 1129

وكذا اتفقوا على أخذها من المجوس. وقال الشيخ إذا كان أهل الكتاب لا يجوز مهادنتهم إلا مع الجزية والصغار فغيرهم أولى بذلك. وقال وقد أخذها من المجوس وليسوا بأهل كتاب. ولا فرق بين عباد الأصنام وعباد النار بل أهل الأوثان أقرب حالًا من عباد النار. وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار. وعلى ذلك تدل السنة كقوله "فإذا لقيت عدوك من المشركين". وليس أخذ الجزية من أهل الكتاب إقرارًا على دينهم الباطل بل لما في أيديهم من الكتب القديمة. فربما تفكروا فيها فعرفوا صدق محمد ﷺ وصحة نبوته. فامهلوا لذلك. وحقنت دماؤهم رجاء أن يعرفوا الحق فيرجعون إليه ويصدقون به إذا رأوا محاسن الإسلام وقوة دلائله وكثرة الداخلين فيه. ومفهوم الآية وجوب قبول الجزية ممن بذلها. وحرمة قتله فإنها دلت على النهي عن القتال عند حصول الغاية. وهو إعطاء الجزية. فيحرم قتالهم بعد إعطائها. وتقدم قوله ﷺ في حديث بريدة "فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم". (وعن عبد الرحمن بن عوف) بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ولد بعد الفيل بعشر. وأسلم قديمًا. وشهد بدرًا وما بعدها. وصدقاته

стр. 1130

مشهورة. ومات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين ﵁ (أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية) وهي الخراج الذي سيضرب عليهم إن لم يسلموا على وجه الصغار. وبدلاً عن قتلهم وإقامتهم ببلدنا أخذها ﷺ . (من مجوس هجر) وهي هجر البحرين تعرف الآن بالأحساء (رواه البخاري) وأحمد وأبو داود. ورواه الترمذي وغيره عن عمر أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ "أخذها من مجوس هجر". وفي رواية أن عمر ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه الشافعي. وهذا يدل على أنهم ليسوا بأهل كتاب. وعن المغيرة أنه قال لعامل كسرى "أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" رواه البخاري. وكانوا مجوسًا. وقال جمهور أهل العلم إنما أخذت الجزية من اليهود والنصارى بالكتاب. ومن المجوس بالسنة. وقال ابن رشد والوزير وغيرهما اتفق العلماء على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى. وكذلك اتفقوا على ضربها على المجوس. واختلف فيمن لا كتاب له ولا شبهة. فقال مالك تؤخذ من كل كافر عربيًا كان أو عجميًا إلا من مشركي قريش. وقال

стр. 1131

أبو حنيفة لا تقبل إلا من العجم. وهو رواية عن أحمد. واختار شيخ الإسلام وغيره أخذ الجزية من جميع الكفار. وذكر أنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد. بل كانوا قد أسلموا. وقال هو ومالك والأوزاعي وفقهاء الشام تقبل من كل كافر إلا من ارتد. ودل حديث بريدة المتقدم على جواز أخذ الجزية من كل مشرك. قال الشيخ إنما وقعت الشبهة في المجوس لما اعتقد بعض أهل العلم أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب. وقد أخذت من المجوس بالنص والإجماع. قال والمجوس لم يكونوا أهل كتاب أصلًا. ولا دانوا بدين أحد من الأنبياء لا في عقائدهم ولا في شرائعهم. والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع لا يصح. قال والعرب كانوا على دين إبراهيم وكان له صحف وشريعة. وليس تغيير عبدة الأوثان بأعظم من تغيير المجوس. فإنه لا يعرف عنهم التمسك بشيء من شرائع الأنبياء. بخلاف العرب فكيف يجعل المجوس أحسن حالًا من مشركي العرب. وهذا القول أصح في الدليل. (ولأبي داود وغيره: عن أنس أن النبي ﷺ بعث خالدًا) يعني ابن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي سيف الله. كانت

стр. 1132

أعنة الخيل إليه في الجاهلية. وأسلم قبيل الفتح. وشهده. وشهد وقعة المؤتة وغيرها. وأقره أبو بكر. وأبلا بلاء حسنًا وفتح الله على يديه. والنبي – ﷺ بعثه (إلى أكيدر دومة) الجندل. قال الحافظ ثبت أنه كان كنديًا. وقال الخطابي رجل من العرب. (فأتى به) يعني أتى خالد بالأكيدر إلى النبي ﷺ (فحقن دمه) أي صانه عن القتل فلم يرق دمه (وصالحه على الجزية) أي على دفع الجزية كأهل الكتاب وكان ﷺ بعث خالدًا من تبوك في آخر غزوة غزاها ﷺ وقال لخالد إنك تجده يصيد البقر فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمبصر العين في ليلة مقمرة أقام وجاءت بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته فتلقتهم جند رسول الله ﷺ فأخذوا أكيدر وقتلوا أخاه حسان. واستلب خالد منه قباء ديباج مخوصًا بالذهب. وبعث به إلى رسول الله ﷺ وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل ففعل. وصالحه على ألفي بعير. وثمانمائة رأس. وألفي درع. وأربعمائة رمح. فعزل رسول الله ﷺ صفية خالصًا. ثم قسم الغنيمة وفيه أنه دعاه إلى الإسلام فأبي. فأقره على الجزية، فدل على جواز أخذ الجزية من العرب. كجوازه من العجم. قال الشيخ ومذهب الأكثرين أنه يجوز مهادنة جميع الكفار

стр. 1133

بالجزية والصغار. وقد كتب إلى أهل هجر ومنذر بن ساوى وملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية. وإذا عرفت حقيقة السنة تبين لك أن رسول الله ﷺ لم يفرق بين عربي وغيره وأن أخذه للجزية كان أمرًا ظاهرًا مشهورًا. وقدوم أبي عبيدة بمال البحرين معروف. والنبي ﷺ لم يخص العرب بحكم في الدين لا بمنع الجزية ولا منع الاسترقاق، ولا تقديمهم في الإمامة، ولا يجعل غيرهم ليس كفوًا لهم في النكاح، ولا بحل ما استطابوه دون ما استطابه غيرهم. بل إنما علق الأحكام بالأسماء المذكورة في القرآن كالمؤمن والكافر والبر والفاجر، قال: ويؤخذ من بني تغلب عوض الجزية زكاتان مما تجب فيه الزكاة، ويجوز تغييره لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. وجعل جماعة ذلك كالخراج والجزية. وذلك لأن عمر أضعفها عليهم. (وللخمسة) وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان (عن معاذ) بن جبل ﵁ (قال بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن) وذلك سنة عشر قبل حجه ﷺ داعيًا وقاضيًا وجابيًا (وأمرني أن آخذ من كل حالم) أي بالغ وفي رواية محتلم (دينارًا) وهو ضرب من قديم النقود زنته مثقال وتقدم (أو عدله) بفتح العين وتكسر (معافريًا) أي ثوبًا معافريًا بفتح الميم نسبة إلى بلدة باليمن تصنع فيها الثياب أو قبيلة سميت بها الثياب وإليها ينسب البز المعافري. أو نسبة إليهما جميعًا.

стр. 1134

ورواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن "أن على كل إنسان منكم دينارًا كل سنة أو قيمته من المعافر". فدل الحديث على تقدير الجزية بالدينار من الذهب على كل بالغ. وهو مذهب أحمد والشافعي. قال وسألت عددًا من أهل اليمن وكلهم حكوا عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن عدد مضوا قبلهم كلهم ثقة أن صلح النبي ﷺ كان لأهل الذمة باليمن على دينار كل سنة. وتجوز الزيادة لما روى أبو داود وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ "صالح أهل نجران على ألفي حلة في المحرم والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزوا بها المسلمون ضامنين لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد". قال الشافعي وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذوا من كل واحد أكثر من دينار. ولهذا ذهب عمر. فإنه أخذ زائدًا على الدينار. وفي الصحيح عن ابن أبي نجيح قال قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار! قال جعل ذلك من قبيل اليسار. وأقل الجزية عند الجمهور دينار في كل سنة، لحديث معاذ

стр. 1135

وما في معناه. وقيل المتوسط عليه ديناران. وعلى الغني أربعة لهذا الخبر وغيره. وهو مذهب أبي حنيفة. ومن صار أهلًا لها أخذت منه في آخر الحول، ومفهوم الحديث أنها لا تؤخذ من الصبي. وهو مذهب جمهور العلماء. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أن الجزية لا تضرب على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم حتى يبلغوا. ولا على مجنون ولا ضرير. ولا شيخ كان. ولا أهل الصوامع. وقال الشيخ وتؤخذ من راهب بصومعة ما زاد على بلغته. ويؤخذ منهم ما لنا كالرزق للديورة والمزارع إجماعًا. قال والرهبان الذين يخالطون الناس ويتخذون المتاجر والمزارع فكسائر النصارى، تؤخذ منهم الجزية باتفاق المسلمين. ولا تؤخذ من عبد ولا فقير يعجز عنها. لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، وقال ابن رشد اتفق على أنه لا تجب الجزية إلا بثلاثة أوصاف: الذكورة والبلوغ والحرية. (وعن عائذ بن عمرو) بن هلال المزني البصري ﵁ شهد الحديبية. ومات في ولاية عبيد الله بن زياد سنة إحدى وستين (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (الإسلام) أي الدين وهو الاستسلام من التوحيد والانقياد له بالطاعة. والبراءة من الشرك وأهله (يعلو) أي يرتفع ويظهر على سائر الأديان (ولا يعلى) عليه بل يظهر ويعلو (رواه الدارقطني).

стр. 1136

ولا يزال دين الحق يعلو ولا يعلى كما قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ وفيه الدلالة الواضحة على علو أهل الإسلام على سائر أهل الأديان في كل أمر. لإطلاقه. فالحق الذي لأهل الإسلام إذا عارضهم غيرهم من أهل الملل: هو ما أشير إليه من إلجائهم إلى مضائق الطرق وإلزامهم المهانة والصغار، كما تقدم وأن يمنعوا من تعلية بنيان على مسلم ولو رضي. وسواء لاصقه أو لا إذا كان يعد جارًا له. فإن علا وجب نقضه. قال الشيخ ولو في ملك منزله بين مسلم وذمي. ولو احتال مبطل بأن يعليه مسلم ثم يشتريه الكافر فيسكنه فقال ابن القيم هذه أدخلت في المذهب غلطًا محضًا. ولا توافق أصوله ولا فروعه. فالصواب المقطوع به عدم تمكينه من سكناه. فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء. وإنما كانت في ترفعه على المسلمين. ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة. ولو وجدنا دار ذمي عالية ودار مسلم أنزل منها وشككنا في السابقة. فقال لا تقر دار الذمي عالية لأن التعلية مفسدة. وقد شككنا في شرط الجواز والأصل عدمه. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام) لأن فيه تعظيمًا لهم وقد حكم عليهم بالصغار. وكذا بكيف أصبحت وكيف أمسيت أو كيف أنت أو كيف حالك. قال أحمد هذا عندي أكبر من

стр. 1137

السلام. وتهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم. وحكى النووي وغيره تحريم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام عن عامة السلف وأكثر العلماء. ومفهوم الخبر أنه لا ينهى عن رد السلام. وثبت في الصحيحين "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" وفي رواية "يقول أحدهم السلام عليكم فقولوا وعليك" واتفق أهل العلم على أنه يرد كذلك. كذلك. قال الشيخ ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار. وبيعة لهم فيه ومهاداتهم لعيدهم. لما في ذلك من تعظيمهم. وكلما فيه تخصيص كعيدهم وتميز لهم فهو من التشبه بهم. فهو منهي عنه إجماعًا. واختلف كلامه في رد التحية هل ترد بمثلها أو وعليكم فقط وجوز أن يقال أهلًا وسهلًا. وكيف أصبحت وكيف حالك. وأكرمك الله. وهداك يعني بالإسلام. وكره الدعاء بالبقاء. لأنه شيء فرغ منه وجوز عيادتهم وتهنئتهم وتعزيتهم ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام وقال العلماء يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام. لأنه ﷺ عاد يهوديًا وعرض عليه الإسلام فأسلم. وجوز ابتداءهم للضرورة والحاجة طائفة من العلماء. (وإذا لقيتموهم) أي استقبلتموهم (في طريق) أي سبيل جمعه طرق يذكر ويؤنث (فاضطروهم إلى أضيقه) أي

стр. 1138

ألجؤهم إلى المكان الضيق منه (متفق عليه) فلا يجوز للمسلم أن يترك الذمي في صدر الطريق. فإن ذلك نوع من إنزال الصغار بهم والإذلال لهم. قال النووي وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصد من جدار ونحوه. (ولهما عن ابن عباس) ﵄ (أنه ﷺ أوصى عند موته) وذلك حين اشتد برسول الله ﷺ وجعه يوم الخميس بثلاث خصال أحدها (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وهي ما أحاط بها بحر الهند وبحر الشام. ثم دجلة والفرات. أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا. ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا. وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم. والثانية أجيزوا الوفد. ونسيت الثالثة والشك من سليمان الأحول. ولمسلم عن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا" ولأحمد عن عائشة آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال "لا يترك بجزيرة العرب دينان" وله عن أبي عبيدة "أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب". فدلت هذه الأحاديث على وجوب إخراج المشركين من جميع جزيرة العرب. ومن قال لا يعلم أن أحدًا أجلاهم من اليمن ونحو ذلك فليس ترك إجلائهم دليلًا على جوازه. مع ما

стр. 1139

ثبت بحمد الله من ذكر إجلائهم. ولو قدر عدمه فلا يدل السكوت على التقرير. لكثرة الأعذار. ولا تبطل به النصوص الشرعية. وقال النووي وغيره من العلماء في المسافرين إلى الحجاز لا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال. فإن دخل خفية وجب إخراجه لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وقال عمر لأبي موسى في نصراني ولم لا يدخله قال إنه نصراني فانتهره عمر قال الشيخ وهذا يدل على اتفاقهم على أن الكفار لا يدخلون المسجد. (وأجلاهم عمر منها) أي أجلى عمر ﵁ اليهود والنصارى من جزيرة العرب قال ابن شهاب فحص عمر عن ذلك حتى أتاه اليقين عن رسول الله ﷺ أنه قال "لا يجمع دينان في جزيرة العرب" فأجلى يهود خيبر وقال مالك وغيره وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضًا. وفي الصحيح أجلاهم من أرض الحجاز. (ومن شروطه) أي شروط عمر ﵁ التي شرطها على أهل الذمة لما قدم إلى الشام وشارطهم. كما قال شيخ الإسلام وغيره بمحضر من المهاجرين والأنصار –﵃. وعليها العمل عند أئمة المسلمين. لقول رسول الله ﷺ -

стр. 1140

"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" وقوله "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" ولأن هذا صار إجماعًا من أصحاب رسول الله ﷺ الذين لا يجمعون على ضلالة. بل ما فعلوه على ما فهموه من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . قالوا وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة. منها ما رواه سفيان عن مسروق قال كتب عمر حين صالح نصارى الشام كتابًا وشرط عليهم فيه (أن لا يحدثوا) في مدنهم ولا ما حولها (ديرًا) أي خانًا وهو مسكن الرهبان (ولا صومعة) مكانًا مرتفعًا يسكنه الراهب وهو متعبده (ولا كنيسة) وهي محل عبادة النصارى وروى كثير بن مرة قال سمعت عمر يقول قال رسول الله ﷺ "لا تبنى كنيسة في الإسلام". وقال ابن عباس إنما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة احتج به أحمد قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه لا يجوز إحداث كنائس ولا بيعة في المدن والأمصار في بلاد الإسلام. قال عمر –﵁ (ولا يجددوا) أي لا يعيدوا (ما خرب منها) لأنها بعد الهدم كأنها لم تكن كما يمنعون من زيادتها ورم شعثها. قال الشيخ وغيره وهذه من الشروط التي كانوا ملتزمين بها أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديرًا ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية ولا يجددوا ما خرب منها ولا يمنعوا

стр. 1141

كنائسهم التي عاهدوا عليها ضيافة من يمر بهم من المسلمين ودوابهم. ويصح أن يكتفي بها عن الجزية بشرط أن تقابل ما عليهم. ولا تجب بلا شرط. قال والكنائس العتيقة إذا كانت بأرض العنوة فلا يستحقون إبقاءها. ويجوز هدمها مع عدم الضرر علينا. وإذا صارت الكنيسة في مكان قد صار فيه مسجد للمصلين يصلي فيه وهو أرض عنوة فإنه يجب هدم الكنيسة التي به. لما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس مرفوعًا "لا يجتمع قبلتان بأرض" وفي أثر آخر "لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب". ولهذا أقرهم المسلمون في أول الفتح على ما في أيديهم من أرض العنوة بأرض مصر والشام وغير ذلك. فلما كثر المسلمون وبنيت المساجد في تلك الأرض أخذ المسلمون تلك الكنائس فاقطعوها. وبنوها مساجد. وغيره ذلك. وقال اتفق المسلمون أنما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة. وإذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة فبنى المسلمون مدينة عليها فإن لهم أخذ تلك الكنيسة. ولو هدم ولي الأمر كل كنيسة بأرض العنوة كمصر والسودان والعراق وبر الشام ونحو ذلك مجتهدًا في ذلك ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك لم يكن ظلمًا منه. بل تجب طاعته ومساعدته في ذلك. قال ﵁ (ولا يؤوا جاسوسًا)

стр. 1142

أي عينًا للكفار فمن فعل ذلك انتقض عهده. وكذا من تجسس عليهم لما فيه من الضرر على المسلمين. قال الشيخ ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين وأسرهم. أو ذهب بهم إلى دار الحرب. ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين. فهذا يقتل. ولو أسلم. وقال ابن القيم إذا كان الناقض واحدًا من طائفة لم يوافقه بقيتهم لم يسر النقض إلى زوجته وأولاده. كما أن من أهدر النبي ﷺ دماءهم ممن كان يسبه لم يسب نساءهم وذريتهم. وإن كان الناقض طائفة لهم شوكة ومنعة استباح سبيهم. وجعل نقضهم ساريًا في حق النساء والذرية. وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب. وهذا موجب هديه في أهل الذمة ولا محيد عنه. قال الشيخ ولو قال الذمي هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب ينغصون علينا. إن أراد طائفة معينة عوقب عقوبة تزجره وأمثاله. وإن ظهر منه قصد العموم انتقض عهده ووجب قتاله. قال وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتب أهل دينه في طلب فتح الكنائس. ولا يخبرهم بشيء من أخبار المسلمين. ولا يطلب من رسولهم أن يكلف ولي أمر المسلمين ما فيه ضرر على المسلمين. ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق

стр. 1143

المسلمين. وفي أحد القولين قد نقض عهده وحل دمه وماله قال عمر ولا يكتموا غش المسلمين. ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يمنعوا ذي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه. قال عمر (وأن يوقروا المسلمين) أي يبجلوا المسلمين ويعظموهم وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس. (ولا يتشبهوا بهم) أي بالمسلمين (في لباس ونحوه) ولفظه: ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر. ولا يكتنوا بكناهم ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية. وفيه وأن يجزوا مقادم رؤوسهم. وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم. وفي لفظ الشروط التي التزموا بها: وأن يلزموا زيهم حيث كانوا. ولا يتسموا بأسماء المسلمين. ولا يكتنوا بكناهم كأبي عبد الله ولا يتلقبوا بألقابهم كزين العابدين. ولا يلبسوا عمامة صافية. بل يلبس النصراني العمامة الزرقاء عشرة أذرع من غير زينة لها ولا قيمة. وكذلك اليهودي يلبس العمامة الصفراء عشرة أذرع من غير زينة ولا قيمة. والمرأة البارزة من النصارى تلبس الإزار الكتان المصبوغ الأزرق من غير زينة لها ولا قيمة. وكذلك اليهودية تلبس الإزار الكتاب المصبوغ بالأصفر. والمرأة البارزة من النصارى تلبس خفين أحدهما أسود والآخر أبيض. وكذلك المرأة اليهودية تلبس خفين أحدهما أسود

стр. 1144

ولا يدخل أحد منهم الحمام إلا بعلامة تميزه عن المسلمين خاتم من نحاس أو رصاص. أو جرس أو غير ذلك. وفيها ولا يركبوا الخيل ولا البغال بل يركبون الحمير بالأكف عرضًا من غير زينة ولا قيمة. ويركبون أفخاذهم مثنية. وقال ابن القيم الشروط المضروبة عليهم تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم. فسدت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن المسلمين. قال عمر ﵁ (ولا يبيعوا الخمور) يعني للمسلمين ولا يظهروها في أسواقهم وغيرها. لتأذي المسلمين بذلك. وكذا الخنزير. فإن فعلوا أتلفناها عليهم. قال الشيخ وإذا كثر منهم بيع الخمر لآحاد المسلمين استحقوا العقوبة التي تردعهم وأمثالهم عن ذلك. وإن لم يظهروها لم نتعرض لهم. وكذا نكاح المحارم. لأنهم يقرون على كفرهم. وهو أعظم جرمًا. قال الشيخ إذا تزوج اليهودي بنت أخيه أو بنت أخته لحقه ولده منها باتفاق المسلمين. لاعتقادهم حله (ولا يظهروا شركًا) أي ويمنعون أن يظهروا شركًا أو كفرًا معنا. وقاله شيخ الإسلام وغيره ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طريق المسلمين. ولا يرفعوا أصواتهم في الصلاة. ولا يجاوروا المسلمين

стр. 1145

بموتاهم. بل يلزم مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين ولا يظهروا النيران معهم. ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين. وفيما التزموه ولا يستخدموا مسلمًا في الحمام. ولا في أعمالهم الباقية. ولا يركبوا سفينة نوبيها مسلم. وفيها ولا يشتركون مع المسلمين في تجارة ولا بيع ولا شراء ولا يخدموا الملوك ولا الأمراء فيما يجري أمرهم على المسلمين من كتابة أو أمانة أو وكالة أو غير ذلك. وخبر: "المسلمون يد على من سواهم" يمنع من تولية الكفار شيئًا من الولايات. فإن للوالي يدًا على المولى عليه قال الشيخ وهذه الشروط التي أوردت فيها الأحاديث النبوية. قال عمر ﵁ (فإن خالفوا شيئًا من ذلك) أي مما شرط عليهم مما تقدم وغيره مما ثبت عنه ﵁ مما اشترطه عليهم. وما اشترطوه على أنفسهم (فلا ذمة) أي لا عهد (لهم) ولا ميثاق ولا ضمان ولا حرمة (وقد حل للمسلمين منهم) أي المعاهدين (ما يحل من أهل الشقاق) أي الكفرة المحاربين. قال الشيخ وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتبوعة وغيرها في كتبهم. واعتمدوها. قال وما زال يجددها عليهم من وفقه الله من ولاة المسلمين. كما جدد عمر بن عبد العزيز في خلافته. وبالغ في اتباع سنة عمر حيث كان من العلم بالعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله بها على

стр. 1146

غيره من الأئمة. وجددها هارون الرشيد. وجعفر المتوكل وغيرهما. قال وكل من عرف سيرة الناس وملوكهم رأى من كان أنصر لدين الله وأعظم جهادًا لدين الله ولأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله أعظم نصرة وطاعة وحرمة من عهد عمر إلى الآن. وإلى أن تقوم الساعة. وليتقدم حاكم المسلمين ويلزمهم بهذه الشروط العمرية. أعز الله أنصار دينه. قال وهذه الشروط التي أوردت يعني ما تقدم فيها الأحاديث النبوية شرفها الله وأعزها. قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه (وقال ﷺ اليهود والنصارى خونة) لا عهد لهم ولا أمانة (لا أعان الله) أي لا كان الله ظهيرًا لـ (من ألبسهم) أي شملهم وكساهم (ثوب عز) ضد الذل. ويطلق الثوب على الصفة المحمودة والمذمومة. وكنى باللباس أخذًا من قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ والعرب يكنون بالثوب واللباس عما يستر ويقي. وهذا الخبر أورده شيخ الإسلام محتجًا به. وتقدم حديث "لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" وقال عمر لا تعزوهم وقد أذلهم الله. ولا تأمنوهم بعد أن خونهم الله. ولا تصدقوهم بعد أن أكذبهم الله. ومن إذلالهم أخذ الجزية منهم على وجه الصغار. قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ من الصغار وهو الذل والإهانة. فيعطونها وهم أذلاء مقهورون.

стр. 1147

وقال ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ﴾ ومن إذلالهم ما شرطه المسلمون عليهم. واشترطوه هم على أنفسهم. وتقدم أنه لا يجوز إعزازهم كما في هذا الحديث وغيره. واتفق المسلمون على إلزامهم الصغار الذلة والامتهان. وأنهم إن لم يلتزموه انتقض عهدهم. وقال عمر أذلوهم ولا تظلموهم. وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ قال "ألا من ظلم معاهدًا أو نقصه من حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة". فيحرم إعزازهم كما يحرم ظلمهم. ويعاملون المعاملة الشرعية الثابتة في حقهم. قال الشيخ وإذا نقضوا العهد لم يجب على المسلمين أن يعاهدوهم ثانيًا. بل لهم قتالهم. وإن طالبوا أداء الجزية. وللإمام أن يقتلهم حتى يسلموا. وله أن يجليهم من دار الإسلام إذا رأي ذلك مصلحة. بل يجوز قتل كل من نقض العهد وقتاله. وإن بذل الجزية ثانيًا. قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُون أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾. وقال ابن القيم وناقضوا العهد يسري نقضهم إلى نسائهم وذريتهم إذا كان نقضهم بالحراب. ويعودون أهل حرب.

стр. 1148

وهذا عين حكم الله اهـ. وإن انتقل أحدهم إلى دين المجوس أو إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر. ولم يقبل منه إلا الإسلام أو السيف. وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر. * * * * * * * *

стр. 1149

كتابُ البَيع البيع لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء. مأخوذ من الباع. لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء. وشرعًا مبادلة مال أو منفعة بمثل أحدهما. فشمل تسع صور: عين بعين أو دين أو منفعة. دين بعين أو دين أو منفعة. منفعة بعين أو دين أو منفعة. والحكمة أن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا. وصاحبه قد لا يبذله له. ففي شرعية البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج. وحيث أنها تقدمت أركان الإسلام التي لا يستقيم إلا بها. فكل ذي لب لا يتصور منا صدور ذلك إلا بقوة يخلقها الله في أبداننا. وقد أجرى العادة بأن تلك القوة لا تقوم إلا بمادة تحصيلها عن الكسب فيما أباحه الله من السعي في وجوه المعاملات من البيع وغيره. ولا يباح للمسلم أن يفعل شيئًا منه إلا بموجب الشرع. فنخرج من أركان الإسلام إلى المعاملات. وقد بعث عمر ﵁ من يقيم من الأسواق من

стр. 1150

ليس بفقيه. والبيع من أفضل الكسب وجائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. (قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ أي أحل الله لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء. وكل منهما يطلق على ما يطلق عليه الآخر. فهما من الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة. وقال الله تعالى: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وغيرها. ومن السنة "البيعان بالخيار" و "يا معشر التجار" وغيرهما. والإجماع معلوم في الجملة. والحكمة تقتضيه لما تقدم. وقال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهو أخذ مال الإنسان من غير عوض. وذلك أن أهل الجاهلية قالوا لم حرم هذا وأبيح هذا اعتراضًا منهم على الشرع. فأخبر تعالى أن كل ما فيه معاوضة صحيحة خالية من أكل أموال الناس بالباطل الذي لا يقابله عوض فهو بيع حلال. وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام في الجملة. إنما الحرام زيادة على صفة مخصوصة في مال مخصوص. قال الشيخ وغيره: الأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. فهي عفو حتى يحرمها الشارع. فإنه سكت عنها رحمة من غير نسيان وإهمال. بل صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه. وأمر بالوفاء به في غير موضع.

стр. 1151

(وقال: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ﴾ أي الأموال ﴿تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ أي طيب نفس كل واحد منكم فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. بعد أن نهانا عن أكلنا أموالنا بيننا بالباطل. وقال بعض السلف: التجارة رزق من رزق الله لمن طلبها بصدق. قال الشيخ: وكسب الإنسان فيما يقوم بالنفقة الواجبة على نفسه وعياله واجب عليه. وإنما المذموم فرط تعلق القلب بالمال بحيث يكون هلوعًا جزوعًا منوعًا. فدلت الآية على جواز البيع واشتراط التراضي من المتعاقدين وأنه لا يصح من مكره بلا حق. ودلت على اشتراط الإيجاب والقبول. ولا ريب أن الناس يتبايعون بالمعاطاة في كل عصر. ولم ينكر فكان إجماعًا. ولما كان الرضى أمرًا خفيًا لا يطلع عليه. وجب تعلق الحكم بسبب ظاهر. يدل عليه وهو الصيغة القولية أو الفعلية. واختار الشيخ وغيره صحة البيع بكل ما عده الناس بيعًا من متعاقب أو متراخ من قول أو فعل. (وقال: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ الآية) أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم. وتمام الآية: ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي الحلم. والجمهور أن البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم. وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق. وفي الحديث "رفع القلم عن ثلاثة الصبي حتى يحتلم" أو يستكمل خمس عشرة سنة. لما في الصحيحين عن ابن عمر: عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت يوم الخندق

стр. 1152

وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. أو ينبت. لعرضهم يوم قريظة فمن أنبت قتل ومن لم ينبت لم يقتل. وتزيد الجارية بوجود الحيض ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ صلاحًا في دينهم ومالهم ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فيشترط في صحة البيع أن يكون العاقد جائز التصرف. فإنه لا يصح تصرف صبي ولا سفيه بغير إذن ولي. (وقال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ أي من غير الوجه الذي أباحه الله. وأصل الباطل الشيء الذاهب. والأكل بالباطل أنواع كثيرة. وقال أيضًا في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فنهى تعالى عن أكل بعضنا أموال بعض بأي نوع من أنواع المكاسب غير الشرعية كالربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، والأسباب المحرمة في اكتساب الأموال. (وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم﴾ أي بين ووضح لكم ﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وأكثر المفسرين أن المراد قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية. إلا أن الآية مكية. وآية المائدة مدنية. ولما كان في الترتيب لا في النزول. حسن عود الضمير إلى ما هو متقدم في الترتيب. وقيل المراد ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية. وإن كانت بعدها بقليل. فلا يمنع أن تكون هي المراد. والآية أعم من ذلك.

стр. 1153

وقد اعتنى الشارع بتوضيح البيوعات الفاسدة لأنه يحتاج إلى بيانها لكونها على خلاف الأصل. لا البيوعات الصحيحة اكتفاء بالعمل فيها بالأصل. وعموم الآية يدل على أنه يجب اجتناب ما حرم من البيوعات، فيشترط لصحة البيع أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة كما سيأتي. (وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ وهو كل مسكر من أي شيء كان لقوله ﷺ "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" وسميت الخمر خمرًا لمخامرتها العقل ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ أي القمار ومنه الشطرنج. وكل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب والبيض ﴿وَالأَنصَابُ﴾ أي الأوثان سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ﴿وَالأَزْلاَمُ﴾ يعني القداح التي كانوا يستقسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾ أي خبيث مستقذر ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ من تزيينه ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أبلغ من اتركوه. فإن اتركوا لعدم الفعل. واجتنبوا تقتضي الترك والمباعدة والمجانبة ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، أما الخمر فإنهم إذا سكروا عربدوا وتشاجروا. وأما الميسر فيبقى المقمور مسلوب المال مغتاظًا. ثم قال تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ أي يلهيكم عن ذكر الله ويشوش عليكم صلواتكم ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون﴾ وهذا تهديد وترهيب وزجر عن تعاطي تلك

стр. 1154

المحرمات. وانتظمت هذه الآيات عدة من شروط صحة البيع. (وعن رفاعة بن رافع) بن خديج الزرقي الأنصاري هو وأبوه صحابيان شهد رفاعة المشاهد كلها والجمل وصفين. وتوفي أول زمن معاوية. ورافع أحد النقباء وأول من قدم المدينة بسورة يوسف ﵄ (أن النبي ﷺ سئل أي الكسب أطيب) وذلك أن منزلة الرزق من الكسب كمنزلة الشبع من الطعام (قال: عمل الرجل بيده) من جهاد وحراثة ونجارة وخياطة وغير ذلك. وكذا عمل المرأة في بيتها. وغيره مما لا محذور فيه (وكل بيع مبرور) وهو ما خلص من اليمين الفاجرة لتنفيق السلعة. وعن الغش. والحيل في المعاملة، وعن أبي سعيد مرفوعًا "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" حسنه الترمذي. وحديث الباب (رواه أحمد) والبزار وغيره وصححه الحاكم وفيهما دليل على فضل الإتجار. ولأحمد عن أبي بردة بن نيار سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الكسب قال "بيع مبرور وعمل الرجل بيده" وفيها دلالة على تقرير ما جبلت عليه النفوس من طلب المكاسب. وإنما سئل عن أطيبها أي أحلها وأبركها. وقدم في حديث رافع عمل اليد على البيع المبرور. فهو دال على أنه الأفضل. ويدل له ما رواه البخاري "أن داود كان يأكل من عمل يده".

стр. 1155

وأشرفها ما يكسب من أموال الكفار بالجهاد. فهو مكسب النبي ﷺ . ولما فيه من إعلاء كلمة الله. ثم من الزراعة لم تشتمل عليه من عمل اليد. والتوكل على الله. والنفع العام. وقدم في حديث أبي بردة الإتجار. وصوب الجمهور عمل اليد على الاتجار. وفي الاتجار فضل عظيم. لا سيما إن كان ممن يتقي الله ويتسامح. ففي الصحيح "رحم الله امرءًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا ابتاع سمحًا إذا اشترى" ولأحمد "أدخل الله الجنة رجلًا سهلًا بائعًا سهلًا مشتريًا" وفي الصحيحين "تجاوز الله عمن يتجاوز عن الناس" ولمسلم "غفر لمن ينظر المعسر" وقال أحمد: الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على نفسك. وقال لا ينبغي له أن يدع العمل. وينتظر ما بيد الناس. وقال عمن فعل هذا: هم مبتدعة قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا. (وعن أبي سعيد مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (إنما البيع) أي اللازم بالعقد ما كان (عن تراض) أي من المتعاقدين بأن يأتيا به اختيارًا ظاهرًا وباطنًا (رواه ابن ماجه) وتقدم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ وأنه أحد شروط البيع وأنه لا يصح من مكره بلا حق. فإن أكرهه الحاكم على بيع ما له لوفاء دينه صح لأنه حمل عليه بحق. وإن أكره على مقدار من المال فباع ملكه لأجل ذلك كره الشراء منه وصح. لأنه غير مكره عليه. هذا مذهب أحمد

стр. 1156

ويسمى بيع المضطر. واختار الشيخ الصحة من غير كراهة. فلو امتنع الناس من الشراء منه لكان أشد ضررًا عليه. قال ومن استولى على ملك إنسان بلا حق. ومنعه إياه حتى يبيعه له على هذا الوجه فهذا مكره بغير حق. فلا يصح بيعه لأنه ملجأ إليه. اهـ. وإن لم يقصدا البيع بل أظهراه تلجئة خوفًا من ظالم ونحوه لم يصح. وكذا بيع هازل. وبيع الأمانة الذي هو في معنى القرض بعوض. وسئل أحمد عن رجل مقر بالعبودية حتى يباع يؤخذ البائع والمقر بالثمن. فإن مات أحدهما أو غاب أخذ الآخر بالثمن. واختاره الشيخ. وصوبه في الإنصاف. وفي الفروع يتوجه في كل غار. ولو أقر أنه عبده فكبيع. (وعن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حرم بيع الخمر) وفي رواية أنه سمع رسول الله ﷺ يقوم عام الفتح في رمضان سنة ثمان وهو بمكة "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر" وهو كل مسكر (و) حرم بيع (الميتة) وهي ما زالت عنه الحياة لا بزكاة شرعية. وحكى ابن المنذر الإجماع على تحريم بيع الميتة (و) حرم بيع (الخنزير) وقد حرم على لسان كل نبي. وحكى الحافظ الإجماع على تحريم بيعه بجميع أجزائه. ولأبي داود حرم الخمر وثمنها وحرم الخنزير وثمنه" (والأصنام) والصنم ما كان مصورًا. ويقال الصنم الوثن وقيل الوثن ما له جثة. وسماها رجسًا لأن وجوب تجنبها أوكد

стр. 1157

من وجوب تجنب الرجس. وعبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. (فقيل أرأيت شحوم الميتة) أي أخبرني عن الشحوم هل تخص من التحريم لنفعها. وذكر ثلاث المنافع فقال (فإنه يطلى بها السفن) أي تدهن بها وتلطخ لئلا يفسدها الماء (ويدهن بها الجلود) لتلين بذلك الدهان (ويستصبح بها الناس) الاستصباح استفعال من المصباح وهو السراج الذي يشعل منه. أي يجعلونها في سرجهم ومصابيحهم يستنيرون بها. أي فهل يجوز بيعها لما ذكر من المنافع. فإنها مقتضية لصحة البيع (فقال لا هو حرام) غير خارجة عن الحكم أي بيع الشحوم حرام. ولأحمد فما ترى في بيع شحوم الميتة (ثم قال عند ذلك) أي عند سؤالهم عن منافع شحوم الميتة التي تستعمل فيه دون الأكل. (قاتل الله اليهود) أي لعنهم الله كما في غير ما حديث. يقال في مقام الدعاء على المدعو عليه (إن الله لما حرم شحومها) أي شحوم الميتة (جملوه) أي أذابوه. يقال جمله إذا أذابه. والجميل الشحم المذاب (ثم باعوه) وللبخاري "جملوها ثم باعوها" (فأكلوا ثمنه) أي ثمن ما جملوه من الشحوم المحرمة عليهم (متفق عليه) وجوز بعض أهل العلم الاستصباح بالأدهان المتنجسة في غير مسجد. واختار الشيخ. لا ينجس العين مطلقًا.

стр. 1158

وما تنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز. والعلة في تحريم بيع الخنزير والميتة هي النجاسة عند جمهور العلماء. فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة. وأما الأصنام فالعلة عدم المنفعة المباحة. فإن كان ينتفع بها بعد الكسر جاز عند بعضهم. ومنعه الأكثر. وعن ابن عباس مرفوعًا "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها. وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" رواه أبو داود. وروى ابن بطة "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" وفيه دليل على تحريم الحيل والوسائل إلى المحرم. وإبطال ذلك. وأن كل ما حرم الله على العباد فبيعه حرام لتحريم ثمنه. فلا يخرج من هذه الكلية إلا ما خصه دليل كالجلد المدبوغ وتقدم. (ولهما) أي البخاري ومسلم ورواه الخمسة وغيرهم (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر ﵁ قال (نهى ﷺ ) (أي أتى بعبارة تفيد النهي وإن لم يذكرها. وبدأ بالنهي (عن ثمن الكلب) معلمًا كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز. وهذا مذهب جمهور العلماء. والنص على تحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه. وروي "إلا كلب صيد". وقال الحافظ لا يصح. (و) نهى عن (مهر البغي) بتشديد الياء. وهو ما

стр. 1159

تأخذه الزانية في مقابل زناها. وسماه مهرًا لكونه على صورته. وأجمعوا على تحريمه وأصل البغي الطلب. غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد. وذكر ابن القيم أنه في جميع كيفياته يجب التصدق به. ولا يرد إلى الدافع. لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكن صاحب العوض استرجاعه. فهو كسب خبيث يجب التصدق به. ولا يعان صاحب المعصية على حصول غرضه. واسترجاع ماله. (و) نهى عن (حلوان الكاهن) مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته. وأصله من الحلاوة. شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يؤخذ سهلًا بلا كلفة. وأجمعوا على تحريم حلوان الكاهن. والكاهن الذي يدعي علم الغيب. ويخبر الناس عن الكوائن من منجم وغيره. فلا يحل له ما يعطاه. ولا يحل لأحد تصديقه فيما يتعاطاه ولهما أيضًا من حديث أبي جحيفة "نهى عن ثمن الدم" قيل نفس الدم وهو حرام بالإجماع. وقيل أجرة الحجام "وثمن الكلب وكسب البغي" ولأحمد وأبي داود من حديث ابن عباس "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا" وجاء في مسلم "وثمن السنور" وإن كان الجمهور على إباحته لأنه طاهر العين مباح النفع. فقال أحمد وغيره لا يجوز بيعه للنهي عن ثمنه. واختاره ابن القيم وابن رجب وغيرهما. (وللبخاري عن أبي هريرة مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه

стр. 1160

قال (قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) ولابن حبان وغيره "ومن كنت خصمه خصمته" قال: (ومنهم رجل باع حرًا فأكل ثمنه) قال ابن الجوزي الحرعبد الله فمن جنى عليه فخصمه سيده ولأبي داود من حديث ابن عمر "ورجل اعتبد محررًا" كأنه يعتقه ثم يكتم عتقه، أو يستخدمه كرهًا بعد. قال الحافظ وحديث أبي هريرة أشد لأن فيه مع كتم العتق أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع وأكل الثمن. وأريد التشديد على هؤلاء بالتصريح. وإلا فهو تعالى خصم لجميع الظالمين. قال المهلب إنما كان إثمه شديدًا لأن المسلمين أكفاء في الحرية. فمن باع حرًا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له. وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه. وقال ابن المنذر لم يختلفوا في أن من باع حرًا أنه لا قطع عليه. يعني إذا لم يسرقه من حر مثله. إلا ما يروى عن علي. وكان في بيعه خلاف. ثم ارتفع. واستقر الإجماع على المنع منه. قال "ورجل أعطى بي ثم غدر". أي عاهد عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه. والثالث "رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره". (وعن جابر نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء) أي الفاضل عن كفاية صاحبه سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة للشرب أو غيره لحاجة الماشية أو الزرع في فلاة وغيرها. وقال ﷺ "لا تمنعوا فضل الماء" وهو عند الجمهور محمول على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة أو في الموات لقصد
следующие страницы →