Полный текст (2 171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
دهن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك.
قال ابن القيم هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى لا يفرقون بين السمن والزيت والشيرج كما لا يفرقون بين الهرة والفأرة في ذلك (فقال – ﷺ القوها) أي ألقوا الفأرة (وما حولها) أي ما حول تلك الفأرة من السمن (وكلوه) أي وكلوا ما بقي من السمن وذلك ما لم يتغير (رواه البخاري) وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وقيل لابن عباس أن أثرها في السمن كله فقال إنما كان وهي حية.
قال شيخ الإسلام إذا وقعت في سمن ونحوه ولم يتغير بها ألقيت وما قرب منها ويؤكل ويباع في أظهر قولي العلماء. وقال إذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير فكذلك الصواب في المائعات ومن تدبر الأصول المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال والأقيسة.
وقال ولم يبلغني إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم تتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله.
وما رواه أبو داود وغيره إن كان مائعًا فلا تقربوه فهو من رواية معمر وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم. وقوله فلا
تقربوه متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين. وقال
стр. 107
البخاري وغيره خطأ. ومن عمل به من العلماء فلظنهم صحته وهو باطل. ولو علم أحمد العلة القادحة فيه لم يقل به. وقال ابن القيم غلط معمر من عدة وجوه ويكفي أن الزهري قد روى عنه الناس خلاف ما روى عنه معمر.
وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تلقى وما حولها ويؤكل الباقي. واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه فقد اتفق على ذلك النص والقياس ولا يصلح للناس سواه. وما سواه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده.
وقال ما لم تغيره النجاسة لا ينجس وهو الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول.
(وله عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) وفي لفظ "في طعام أحدكم" (فليغمسه) كله (ثم لينزعه) بكسر الزاي وفيه أن يمهل في نزعه بعد غمسه (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) لفظ أبي داود ولفظ البخاري "ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء". وفي لفظ "سما" زاد أبو داود "وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء". ولأحمد وابن ماجه أنه "يقدم السم ويؤخر الشفاء".
وفيه دلالة ظاهرة على أنه إذا مات في ماء أو مائع أنه لا ينجسه قال ابن القيم وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك لأنه – ﷺ أمر بغمسه ومعلوم أنه يموت
стр. 108
بذلك ولا سيما إذا كان الطعام حارًا وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يدور مع علته ونتفي بانتفاء سببه. فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل أنفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته وهذا بالاتفاق.
(وللخمسة) من حديث علي عند أحمد والترمذي (أن رسول الله – ﷺ قال" ينضح بول الغلام) أي يكاثر بوله بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وهو نجس وإنما خفف الشارع في تطهيره لكثرة حمله وانتشار بوله فتعظم المشقة بغسله. وقيئه كبوله وأولى بالتخفيف. والغلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه وفي لفظ بول الغلام الرضيع (ويغسل بول الجارية) وهي: فتية النساء سميت بذلك لكثرة جريها وأكثر استعماله للصغيرة في مقابلة الغلام قال قتادة وهذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا (حسنه الترمذي) وصححه الحاكم وغيره ولابن ماجه من حديث أم كرز نحوه.
ولأبي داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث أبي السمح "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام" ولأحمد وغيره من حديث أبي أمامة نحوه. وفي الصحيحين من حديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله
– ﷺ "فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه
ولم يغسله". ونضح بول الغلام ما لم يأكل الطعام وغسل بول
стр. 109
الجارية متواتر لا شيء يدفعه. ولابن حبان عن ابن شهاب "مضت السنة أن يرش من بول من لم يأكل الطعام من الصبيان".
والمراد ما لم يحصل لهم الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال. وقال شيخنا وغيره ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب أو يصيح أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام.
(وعن عائشة) –﵂ قالت ("كنت أفرك المني من ثوب رسول الله – ﷺ ) فركًا والفرك الدلك (فيصلي فيه" رواه مسلم)، وفي لفظ "كنت أحكه يابسًا بظفري من ثوبه". وصح عن ابن عباس أنه قال "إنه بمنزلة البصاق والمخاط" وفي الصحيحين "كنت أغسله" وفي لفظ "يغسل المني ثم يخرج إليه الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه". ودلت السنة على غسل رطبه وفرك يابسه فدل على طهارته. قال شيخ الإسلام وأما كون عائشة تغسله تارة وتفركه أخرى فلا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قول غير واحد من الصحابة.
وقال مني الآدمي طاهر سواء كان مستجمرًا أو مستنجيًا ومن قال أن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ضعيف. فإن مالصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم يكن
стр. 110
يستنجي بالماء منهم إلا القليل ومع هذا فلم يكن – ﷺ يأمر أحدًا منهم بغسل مني ولا فركه اهـ وأما المذي والودي فتقدم أنهما نجسان إجماعًا.
ويعفى عن يسير المذي جذم به الموفق وغيره وصححه الشيخ وغيره خصوصًا في حق الشباب لكثرة خروجه فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم ونحوه. قال وهو أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الحذاء. وفي حديث علي في المذي وتأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك واختار هو وغير واحد من أهل العلم العفو عن يسير النجاسات مطلقًا في الأطعمة وغيرها.
(وعن أبي قتادة أن رسول الله – ﷺ قال في الهرة) الهر القط والحديث له سبب وهو أن أبا قتادة سكب له وضوءه فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت فقيل له في ذلك فقال. قال رسول الله – ﷺ (إنها ليست بنجس) أي فلا ينجس ما لامسته وطهارة بعض الحيوان أمر غير حل أكله بالزكاة والمراد طهارة البدن وما أصاب. قال (إنما هي من الطوافين عليكم) جمع طواف والطواف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية شبهها به لمشقة التحفظ منها وفيه إشارة إلى أنه لما جعلها بمنزلة الخادم خفف على عبادة بأن جعلها غير نجس دفعًا للحرج. قال الشيخ فسبب الطهارة الطواف لدفع الحرج (رواه الخمسة وصححه البخاري) والترمذي وغيرهما.
والحديث دليل على طهارتها وإن باشرت نجسًا. وقال
стр. 111
الشيخ إن طال الفصل جعلا لريقها مطهرًا لفمها لأجل الحاجة. قال وهو أقوى الأقوال وكذا حكم نحوها من طير وبهيمة اهـ فأما بهيمة الأنعام فحديث العرنيين متفق عليه وقد أمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها.
وقال الشيخ هو طاهر لبضعة عشر دليلاً من النص والإجماع القديم والاعتبار.
وأما سباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه فمذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وقول الجمهور والخلف على أنه طاهر. قال الشيخ وهو الأصح والأقوى دليلاً لأنه ﵊ يركبها ويركبان في زمنه وفي عصر الصحابة فلو كان نجسًا لبين النبي – ﷺ ذلك وعليه فسؤرها وفضلاتها طاهرة وأكثر العلماء يجوزون الوضوء به كمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وتعليله ﵊ طهارة سؤر الهرة. وريق الكلب على الصيد يقضي أن الحاجة مقتضية للطهارة فإن الحاجة داعية إلى ذلك ولحديث "لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب طهور" وحديث أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال "نعم" وبما أفضلت السباع كلها قواها البيهقي ولها طرق.
وأما حديث "إنها رجس" فقال ابن القيم دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة ولم يقم على تنجيس سؤرها دليل. وهذا الخبر لا دليل فيه. لأنه إنما نهاهم عن لحومها ولكن من أين يلزم
стр. 112
أن تكون نجسة في حياتها حتى يكون سؤرها نجسًا. وأما ولوغ الكلب في الإناء فتقدم حكمه.
باب الحيض
والاستحاضة والنفاس وما يتعلق بذلك. والحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا فهي حائض وحائضة إذا جرى دمها من حاض الوادي إذا سال وأخر هذا الباب وأفرد لاختصاصه بالأنثى ولما يختص به من الأحكام. وفي الصحيحين مرفوعًا "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أي الحيض ما يفعل النساء فيه ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي قذر والأذى ما يكره من كل شيء فمتى رأت دمًا اسود أو أحمر أو صفرة أو كدرة يصلح أن يكون حيضًا ولو قبل تسع سنين أو بعد ستين فحيض. قال شيخ الإسلام فلا حد لأقل سن ولا أكثره. ولا تسمى آيسة حتى ينقطع لكبر أو تغير لقوله ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ﴾ وعليه العمل ولا يسع الناس غيره قال الدارمي المرجع فيه إلى الوجود فأي قدر وجد في أي حال وسن كان وجب جعله حيضًا وما سوى هذا القول خطأ.
وقال مالك والشافعي والشيخ وغيرهم ليس له حد.
وإنما الرجوع فيه إلى العادات في البلدان. قال النووي وفي
الدم الذي تراه الحامل قولان أصحهما أنه حيض وصوبه في
стр. 113
الإنصاف وغيره وهو مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد واختاره الشيخ وغيره. وقال الحافظ هو دم بصفات دم الحيض وفي زمان إمكانه فله حكم دم الحيض فمن ادعى خلافه فعليه البيان ولأنه دم لا يمنعه الرضاع فلا يمنعه الحمل.
﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ أي اجتنبوا مجامعتهن في الفرج قال ابن عباس نكاح فروجهن. وقال الشيخ المراد اعتزال ما يراد منهن في الغالب وهو الوطء في الفرج لأنه قال ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ﴾ فذكر الحكم بعد الوصف بالفاء فدل على أن الوصف هو العلة لا سيما وهو مناسب للحكم. فأمر بالاعتزال في الدم للضرر والنجس وهو مخصوص بالفرج فيختص الحكم بمحل سببه. ولهذا لما نزلت هذه الآية قال النبي – ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" رواه مسلم والخمسة.
﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أي لا تجامعوهن بالوطء في الفرج توكيدًا لقوله ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ من الحيض وهو تفسير لقوله ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ نهى سبحانه عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا وهو حرام إجماعًا ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْ﴾ يعني اغتسلن بالماء من حيضهن أو تيممن مع العذر ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أي جامعوهن ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ أي من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن وهو الفرج.
قال ابن كثير وغيره اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع
стр. 114
دمها لا يحل وطؤها حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه إلا أبا حنيفة فيقول تحل بمجرد الانقطاع والكتاب والسنة حجة عليه. قال الشيخ وقول الجمهور هو الصواب وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن والآثار فيتوقف الوطء على الاغتسال لأن حدثها لا يزول إلا به. وحكى إسحاق إجماع التابعين عليه.
والله تعالى ذكر غايتين حتى يطهرن غاية للتحريم الحاصل بالحيض وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره وإنما يزول بانقطاع الدم ثم بقي بالوطء جائزًا بشرط الاغتسال ولهذا قال ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من الذنوب ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ من الأحداث والنجاسات.
(وعن عائشة أن أم حبيبة) بنت جحش أخت زينب وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف (شكت إلى النبي ﷺ الدم) أي كثرة جريانه. ولأبي داود استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله ﷺ (فقال: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) يعني قبل استمرار جريان الدم (ثم اغتسلي) أي غسل الخروج من الحيض فكانت تغتسل لكل صلاة من غير أمر منه ﷺ لها لذلك (رواه مسلم) وفي رواية البخاري "وتوضئي لكل صلاة" وهي لأبي داود وغيره من وجه آخر.
وعن أم سلمة أنها استفتت رسول الله ﷺ في امرأة تهراق
стр. 115
الدم فقال "لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيض وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
(ولهما عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش) القرشية الأسدية زوج عبد الله بن جحش (كانت تستحاض) والاستحاضة جريان الدم في غير أوانه على سبيل النزف من عرق يقال له العاذل فجاءت إلى النبي – ﷺ تستفتيه فقالت إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة (فقال – ﷺ إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة) ولأبي داود "فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة"، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" ويحرمان عليها بإجماع المسلمين. وفيهما عن عائشة "فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وهو إجماع (فإذا ذهب قدرها) أي قدر الحيضة.
قال الشيخ فالأصل في ذلك عدم التقدير من الشارع فإنه لم يقدر ذلك بقدر بل وكله إلى ما تعرفه من عادتها ومذهب مالك ولو دفعة فقط وقال الشيخ ولو ساعة، ولا حد لأكثره ما لم تصر مستحضاة وهو مذهب جمهور السلف. قال والمرجع في ذلك إلى العادة، ولم يثبت عن النبي – ﷺ ولا عن أصحابه في ذلك شيء، وما أطلقه الشارع عمل بمقتضى مسماه ووجوده ولم يجز تقديره وتحديده.
قال ابن رشد: وإنما أجمعوا على أن الدم إذا تمادى أكثر من
стр. 116
مدة أكثر الحيض أنه استحاضة لهذا الخبر اهـ ولهذا قال النبي – ﷺ "فإذا ذهب قدرها (فاغسلي عنك الدم وصلي)، وفي رواية "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي".
فدلت هذه الأحاديث على أن المستحاضة المعتادة وهي التي تعرف شهرها ووقت حيضها وطهرها منه تجلس عادتها ثم تغتسل بعدها وتصلي ويباح وطؤها اتفاقًا؛ لأن حمنة وأم حبيبة وغيرهما استحضن وزوج كل واحدة منهن يغشاها.
وليست المستحاضة كالحائض من كل وجه فتقاس عليها بل فرق الشارع بينهما لأن دم الحيض أعظم وأدوم وأضر من دم الاستحاضة، ودم الاستحاضة دم عرق وهو في الفرج بمنزلة الرعاف في الأنف وخروجه مضر وانقطاعه دليل الصحة ودم الحيض بعكس ذلك ولا يستوي الدمان حقيقة ولا حكمًا ولا سببًا. قال النووي وغيره يجوز في الزمن المحكوم بأنه طهر ولا كراهة في ذلك ولا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف.
ونقل ابن جرير الإجماع على أنها تقرأ القرآن وأن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر. وحكى غيره أيضًا نحو ذلك لأنها كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما فكذلك في الجماع.
وقال ابن عباس يأتيها زوجها، الصلاة أعظم. وللبخاري "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" ولأبي داود وغيره "ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير".
стр. 117
وعند الجمهور ليس لها الوضوء قبل دخول الوقت لأن طهارتها ضرورية فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة. وتغسل فرجها قبل الوضوء وتحشوه بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة وتقليلًًا لها فإن لم يندفع شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت واستثفرت كما هو معروف عند أهل العلم لقوله ﵊ "انعت لك الكرسف فتحشين به المكان قالت، إنه أكثر من ذلك قال تلجمي" وكذا به من سلس البول أو ريح أو جرح لا يرقى دمه أو رعاف دائم.
(ولأبي داود) والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وابن حزم واستنكره أبو حاتم. وقال ابن الصلاح يحتج به (فقال لها) يعني قال رسول الله – ﷺ لفاطمة (إن دم الحيض دم أسود يعرف) بضم الياء وكسر الراء أي له عرف ورائحة وقيل بفتح الراء أي تعرفه النساء "فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي".
ففيه رد المستحاضة إلى صفة الدم بأنه إذا كان بتلك الصفة فهو حيض، ولا مانع من اجتماع المعرفين في حقها وحق غيرها.
وإذا اتفقت العادة والتمييز جلستهما بلا نزاع. وإن كانت المعتادة مميزة جلست عادتها. قال الزركشي وهو اختيار الجمهور. وقال الشيخ هو أظهر الروايتين عن أحمد وهو ظاهر الحديث اهـ ولظاهر حديث أم حبيبة والتي استفتت لها أم سلمة ولم يستفصل عن كونها مميزة ولأن العادة أقوى لكونها لا تبطل
стр. 118
دلالتها بخلاف اللون إذا استمر بها الدم.
فإن لم يكن لها عادة أو كانت ونسيتها عملت بالتمييز الصالح للحيض. قال في الإنصاف بلا نزاع. قال شيخ الإسلام ﵀، الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام مقطوع بأنه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه. ودم مقطوع بأنه استحاضة كدم صفرة ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنه حيض وهو دم المعتادة والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنه حيض ودم يحتمل الأمرين والأظهر أنه دم فساد وهو الدم الذي يحكم بأنه استحاضة من دماء هؤلاء ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين ويقول به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فيوجبون على أصحابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم.
والصواب أن هذا القول باطل لوجوه منها أن الله بين لنا ما نتقيه فكيف يقال: إن الشريعة فيها شك ولا يقولون نحن شككنا فإن الشاك لا علم عنده فلا يجزم. وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم.
والثاني أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين ولا الصيام مرتين إلا بتفريط والصواب ما عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه.
(وعن حمنة) بنت جحش أخت أم حبيبة وزينب أم
стр. 119
المؤمنين وهي امرأة أبي طلحة (قالت كنت استحاض حيضة كبيرة شديدة) ولأبي داود إنما أثج ثجا "قالت فأتيت النبي – ﷺ استفتيه فقال – ﷺ فقال – ﷺ (إنما هي ركضة من الشيطان) أي أن الشيطان قد وجد سبيلاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها عادتها وصارت في التقدير كأنها ركضة منه والركضة ضرب الرجل في الأرض حال العدو ولا ينافي أنه عرق كما تقدم يقال له العاذل فيحمل على أن الشيطان ركضه حتى انفجر.
(فتحيضي) أي اقعدي عن الصلاة ايام حيضك (ستة أيام أو سبعة) أيام وكلمة "أو" ليست شكًا من الراوي ولا للتخيير بلا للإعلام بأن للنساء أحد العددين فترجع إلى الأقرب منهما (ثم اغتسلي) كما تغتسل الحائض إذا انقطع دمها (فإذا استنقأت) أي بالغت في التنقية (فصلي أربعة وعشرين) إن كانت أيام الحيض ستة (أو ثلاثة وعشرين) إن كانت أيام الحيض سبعة (وصومي وصلي) ما شئت من فريضة وتطوع (فإن ذلك يجزئك) أي الصوم والصلاة يجزئ من غير إعادة ولو مع سيلان الدم (وكذلك فافعلي) فيما يستقبل من الشهور ولأبي داود "فافعلي كل شهر " (كما تحيض النساء) ولأبي داود " وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن" (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وأحمد والبخاري وغيرهم.
والحاصر أن المعتادة ترد إلى عادتها. والمميزة تعمل
بالتمييز. والفاقدة لهما تحيض ستًا أو سبعًا. ومن محاسن مذهب
стр. 120
أحمد جمعه بين السنن الثلاث. قال شيخ الإسلام للعلماء نزاع في الاستحاضة فإن أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة فلا بد من فاصل والعلامات التي قيل بها ست. أما العادة فإن العادة أقوى العلامات لأن الأصل مقام الحيض دون غيره. وأما التمييز لأن الدم الأسود والثخين أولى أن يكون حيضًا من الأحمر. وأما اعتبار غالب النساء لأن الأصل الحاق الفرد بالأعم الأغلب.
فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار. ومن الفقهاء من يجلسها ليلة وهو أقل الحيض ومنهم من يجلسها الأكثر لأن الأصل دم الصحة. ومنهم من يلحقها بعادة نسائها وأصوب الأقوال اعتبار العلامة التي جاءت بها السنة وإلغاء ما سوى ذلك اهـ. وفي حديثها "وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا ثم تؤخري المغرب وتعجلي العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الصبح وتصلين. قال وهو أعجب الأمرين إلي" وهذا للندب لقوله "وإن قويت" فإنه يشعر أنه ليس بواجب عليها، وإنما الواجب الوضوء لكل صلاة بعد الاغتسال عن الحيض وهو إجماع.
(وعن أم عطية) نسيبة بنت الحارث الأنصارية من المبايعات وغزت معه سبع غزوات (قالت كنا) يعني زمن النبي – ﷺ
(لا نعد الصفرة) وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد
стр. 121
(والكدرة) أي ما هو بلون الماء الكدر (بعد الطهر) أي بعد رؤية القصة البيضاء والجفوف (شيئًا) أي لا نعده حيضًا (رواه أبو داود) ورواه البخاري بدون لفظ الطهر وله حكم الرفع عند أهل الحديث وغيرهم لكونه تقريرًا منه – ﷺ فما ليس بدم غليظ أسود يعرف فلا يعد بعد الطهر حيضًا. ولأحمد وأبي داود وغيرهما في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر قال " إنما هو عرق أو عروق" قال البغوي وهو قول أكثر الفقهاء.
ومفهومه أن الصفرة والكدرة قبل الطهر حيض وهو إجماع لقوله (حتى يطهرن) وهو يتناولها ولأن النساء يبعثن إلى عائشة بالدرج فيها الصفرة والكدرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء يعني الطهر فعلامة انقطاعه والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة سواء خرجت رطوبة بيضاء. أو لم يخرج شيء أصلاً. ولا حد لأقل الطهر فمتى طهرت اغتسلت وصلت قال الشيخ ولو ساعة.
(وعن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يواكلوها) وكانوا لا يساكنونها في بيت واحد ولا يجتمعون بها (فقال النبي – ﷺ اصنعوا كل شيء) من أنواع الاستمتاع (إلا النكاح) أي الوطء في الفرج. وفي رواية "إلا الوطء" يعني في الفرج حال جريان الدم (رواه مسلم) ورواه الخمسة وغيرهم.
وهذا الحديث مبين للمراد من الآية أن المأمور به من الاعتزال والمنهي عنه من القربان هو النكاح وأما المواكلة والمجالسة
стр. 122
والمضاجعة ونحو ذلك فجائز. وعن عائشة: "كان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض". وعن معاذ سئل ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال ما فوق الإزار، رواه أبو داود بسند ضعيف.
فأباح الاستمتاع بما فوق الإزار ولا نزاع فيه. ومطلقًا سوى الجماع كما هو نص حديث أنس وحديث عائشة: "كنت أبيت أنا ورسول الله – ﷺ في الشعار الواحد وأنا حائض" والشعار هو ما يلي الجسد من الثياب وهو مذهب الجمهور إذا كان يملك نفسه عن الوطء في الفرج وإلا فلا اتفاقًا لقوله "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه". ويعضده الأمر بالاتزار. وقال ابن القيم حديث أنس ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة وهو النكاح وأباح كلما دونه وأحاديث الاتزار لا تناقضه لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى. وقرر الشيخ قاعدة وهي إنما كان مظنة الفساد خفي علق الحكم به ودار التحريم عليه.
وعن ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار أو نصف دينار رواه الخمسة وصححه الحاكم.
وقال الشيخ وابن القيم هو موجب القياس على الوطء في الصيام والإحرام فالصحيح وجوبه ولو لم تأت به الشريعة فكيف وقد جاءت به مرفوعًا وموقوفًا وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقال الحافظ الخبر مضطرب وقال أحمد لو صح لكنا نرى عليه
стр. 123
الكفارة فعنه لا كفارة وفاقًا، بل من تعمد ذلك أثم وليس عليه إلا الاستغفار. قال الترمذي وهو قول علماء الأمصار وقال ابن كثير وغيره قال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله والذمة بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها فالله أعلم.
(وعن أم سلمة: كانت النفساء) بضم النون ونفست بضمها لا غير إذا ولدت والمصدر النفاس (تقعد) أي تكف نفسها عما تفعله الطاهرة (على عهد رسول – ﷺ بعد نفاسها) أي ولادتها سميت به لأنه يصحبها خروج النفس وهو الدم ثم سمى الدم نفاسًا لأنه خارج بسبب الولادة (أربعين يومًا رواه الخمسة إلا النسائي) وأما ابن ماجه فمن حديث أنس وأثنى عليه البخاري وله شاهد عند الحاكم وصححه من حديث عثمان بن أبي العاص ومعناه أكثر ما تجلس إذ محال اتفاق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض. وقيل أكثره أربعون.
وقال الترمذي أجمع أهل العلم عن أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي وقال أبو عبيد وعلى هذا جماعة الناس. وقال إسحاق هو السنة المجمع عليها. قال ابن رشد وغيره لا خلاف أن الدم الذي يهراق بعد الولادة نفاس وابتداؤه خروج بعض الولد حكاه أحمد
وغيره عن عمر وغيره ولم يعرف لهم مخالف. وقال الشيخ لأحد لأكثره ولو زاد على السبعين وانقطع لكن إن اتصل فهو دم
стр. 124
فساد وحينئذ فالأربعون منتهي الغالب ولا حد لأقله اتفاقًا فيرجع فيه إلى الوجود وقد وجد قليلاً وكثيرًا.
ويثبت حكم النفاس بشيء فيه خلق الإنسان والنقاء زمنه طهر فمتى طهرت تطهرت وصلت. وأحكامه أحكام الحيض إجماعًا فيما يحل من الاستمتاع ونحوه وفيما يحرم كالوطء في الفرج والصوم والصلاة وفيما يجب كالغسل ويسقط كوجوب الصلاة فلا تقضي. ولأبي داود وغيره فلم يأمرها بقضاء صلاة النفاس.
стр. 125
كتاب الصلاة
في الأصل الدعاء وفي الشرع أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وأفضل الأعمال بعدهما لجمعها لمتفرق العبودية وتضمنها لأقسامها. وهي دين الأمة ضرورة. وفرض عين بالكتاب والسنة والإجماع فرضها الله على نبيه محمد ﷺ ليلة المعراج في السماء دون غيرها.
فدل على تأكد فرضيتها. وأحاديث كل صلاة من الصلوات الخمس وأحاديث الركعات وما تشتمل عليه كل ركعة والركوع والسجود والاعتدال منهما وترتيب ذلك مستفيض متواتر تواترًا معنويًا وفي فضلها وتحتمها آيات وأحاديث كثيرة وثبت أنهن كفارات لما بينهن.
(قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ يعني الكفار ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يوحدوه بالعبادة ويفردوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ قال
ابن عباس ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله
стр. 126
موحدين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ ﴿حُنَفَاء﴾ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام مقبلين على الله معرضين عن كل ما سواه.
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ وما أمروا إلا ليؤدوا الصلاة المكتوبة بأركانها وواجباتها في أوقاتها ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ عند محلها ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ أي الذي أمروا به هو الملة والشريعة المستقيمة وقرن الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، وقال ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ وغير ذلك من الآيات وقرنها بالتوحيد يفيد عظم شأنها.
(وفي الصحيحين عن ابن عمر قال قال رسول الله – ﷺ بني الإسلام) وهو الاستسلام لله واسم للدين والشريعة (على خمس) أي قواعد أو دعائم وفي رواية "على خمسة" أي أركان مثل الإسلام ببناء أقيم على خمسة أعمدة لا يستقيم إلا بها.
قطبها (شهادة أن لا إله إلا الله) أي جزم أن لا معبود بحق إلا الله (وأن محمدًا رسول الله) ولا بد مع التكلم بهما من العلم بمعناهما والعمل بمقتضاهما باطنًا وظاهرًا.
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ (وإقام الصلاة) أي المداومة عليها (وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام).
فدل هذا الحديث على أن الإسلام لا يستقيم إلا بهذه
стр. 127
الخمسة الأركان لا يثبت بدونها فما انتقص من هذه الدعائم الخمس زال الإسلام بفقده. وثنى بالصلاة بعد الشهادتين وقدمها على بقية الأركان لعظم شأنها ولا يقدم إلا الأهم.
وعن معاذ مرفوعًا "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة".
(ولهما من حديث معاذ أخبرهم) يعني أهل اليمن حين بعثه إليهم معلمًا (إن الله افترض) وفرض فرضًا وافتراضًا أوجب "عليهم" يعني بعد التوحيد (خمس صلوات في كل يوم وليلة) تكرر بتكرر الأيام والسنين. فرض عين على كل مسلم مكلف بإجماع المسلمين. وعن ابن عمر مرفوعًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتون الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله – " متفق عليه.
فدلت هذه الأحاديث على آكدية فرضيتها. وللبخاري عن أنس "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته".
وأجمعوا على أنه إذا أسلم لم يجب عليه قضاء ما تركه حال كفره لقوله –﵊ "الإسلام يجب ما قبله".
(وللخمسة) وغيرهم عن عمرو بن شعيب وسبرة وعلي
стр. 128
وعائشة وغيرهم من طرق بألفاظ متقاربة (وصححه الترمذي) والحاكم والنووي وغيرهم أن النبي – ﷺ قال (مروا أبناءكم) وفي لفظ "صبيانكم" أي يلزم كل ولي أن يأمر الصبي (بالصلاة لسبع) سنين إذا فهم الخطاب. قال شيخ الإسلام ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة حتى الصغار لقوله "مروهم بالصلاة" ومن عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير ويعزر تعزيرًا بليغًا لأنه عصى الله ورسوله.
(واضربوهم عليها لعشر) سنين ضربًا غير مبرح وجوبًا لتمرينه عليها حتى يألفها (وفرقوا بينهم في المضاجع) أي المراقد لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة ونومهما في فراش واحد ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما المواصلة المحرمة لا سيما مع الطول والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر. وفي لفظ "أولادكم" وللترمذي "علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين" قال النووي وغيره والصبي يتناول الصبية بلا خلاف. وكذا لفظ الأولاد يشمل الذكر والأنثى.
(وعن جابر قال قال رسول الله – ﷺ بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) أي الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة فإن تركها لم يكن بينه وبين الكفر حائل (رواه مسلم) وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره وللطبراني عن ثوبان مرفوعًا "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة" وقال إسناده صحيح على شرط
стр. 129
مسلم وأتى به معرفًا بالألف واللام والمراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة.
(وعن بريدة مرفوعًا العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة) أي الميثاق المؤكد بالإيمان الذي بيننا معشر المسلمين في إجراء أحكام الإسلام هو الصلاة وقال في أمراء الجور "لا تقاتلوهم ما صلوا" (فمن تركها فقد كفر) فلا يسمى تاركها مسلمًا ولا مؤمنًا وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان ولا تنفع صلاة من صلى بلا وضوء عمدًا (رواه الخمسة وصححه الترمذي والعراقي وغيرهم.
قال ابن القيم والأدلة تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه وقال ابن رجب وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام. وقال عبد الله بن شقيق كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفر إلا الصلاة.
وحكى إسحاق إجماع أهل العلم عليه، فترك الصلاة كسلاً من غير جحود لها كفر مستقل في قول جمهور السلف وهو الذي تدل عليه السنة. بل نقل ابن راهويه وغيره الإجماع
عليه.
وقال ابن القيم قد شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة وأما من جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين وإن فعلها لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع الأمة ويكون مرتدًا بلا
стр. 130
خلاف. وإن ادعى الجهل عرف. قال الشيخ نص جمهور العلماء على أنه إذا ضاق الوقت ولم يصل قتل ولو قال أنا أقضيها. وقال ابن رجب ظاهر كلام أحمد وغيره أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه ولم يعتبروا أن يستتاب. ولا أن يدعي إليها للأخبار. وحكي الإجماع عليه كالمرتد، وكترك الصلاة ترك ركن أو شرط مجمع عليه اختاره الشيخ وقال إذا ترك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يكثر من التطوع وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه.
باب الأذان
أي والإقامة وما يتعلق بهما من الأحكام لما ذكر الصلاة أعقبها بالأذان مقدمًا له على الوقت لأنه إعلام به. والأذان في الأصل الإعلام ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أعلمهم به من الأذن وهو الاستماع لأنه يلقي في آذان الناس ما يعلمهم به. وشرعًا إعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. والإقامة إعلام بالقيام إلى الصلاة وهما مشروعان بالكتاب والسنة والإجماع.
وقال الشيخ وغيره هما فرض كفاية إجماعًا. ليس لأهل قرية ولا مدينة أن يدعوهما، ومن أطلق السنية قال يعاقب التارك فالنزاع لفظي. وفرض الكفاية هو ما يلزم جميع المسلمين إقامته وإذا قام به من يكفي سقطت الفرضية عن الجميع.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ أيها المسلمون
стр. 131
بالآذان والإقامة كما أمرتم ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ يعني اليهود والمنافقون ﴿هُزُوًا﴾ سخرية وهزأ واستهزأ سخر ﴿وَلَعِبًا﴾ ضحكة وباطلاً وذلك أنه إذا نادى منادي رسول الله – ﷺ وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود قد قاموا لا قاموا وصلوا ويضحكون على طريق الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية.
ويقال إن المنافقين كانوا إذا سمعوا النداء حسدوا المسلمين عليه، فقالوا لقد بدعت شيئًا لم يسمع بمثله من أين لك صياح كصياح العير، فأنزل الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ وأنزل ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ ذلك الفعل منهم ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُون﴾ يعني أن هزوهم ولعبهم لمن أشغال السفهاء والجهال الذين لا عقل لهم. ويأتي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ومن المعلوم بالضرورة أن المراد بالنداء هو الأذان المشروع للصلوات الخمس.
(وعن أنس أن رسول الله – ﷺ ) كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغير بنا حتى يصبح و (ينظر) يعني قبل أن يغير على العدو (فإن سمع أذانًا) يعني لصلاة الصبح ويعم سائر الأوقات (كف عنهم) وقال البخاري: باب ما يحقن بالأذان من الدماء ففيه حقن الدماء عند وجود الأذان (وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم) قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب يعني فأغار عليهم (رواه البخاري).
стр. 132
فالأذان شعار دار الإسلام الذي يستحل دماء أهل الدار وأموالهم بتركه فيقاتل أهل بلد تركوهما وحكي إجماعًا حتى يفعلوهما لما يلزم من الإجماع على تركهما من استخفافهم بالدين بخفض أعلامه الظاهرة. وهكذا حكم شعائر الإسلام الظاهرة. وإن كانوا مستقيمين على دين الإسلام فإن موجب القتال أعم من أن يكون لأجل الردة.
(وعن مالك بن الحويرث) هو ابن سليمان الليثي وفد إلى النبي – ﷺ وسكن البصرة وتوفي سنة أربع وتسعين قال أتيت النبي – ﷺ في نفر من قومي هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف قال فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيمًا رقيقًا فلما رأى شوقنا إلى أهلينا (قال – ﷺ ) ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم و (إذا حضرت الصلاة) أي دخل وقتها (فليؤذن لكم أحدكم متفق عليه) والأمر يقتضي الوجوب والمراد في الفرائض المتعينة وهي الصلوات الخمس كما هو معلوم من الدين بالضرورة لا النوافل فلا أذان لها ولا إقامة. وفي رواية "إذا سافرتما فأذنا وأقيما".
وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من ثلاثة لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان" رواه أحمد وغيره. ويؤيده أنه – ﷺ لم يتركهما حضرًا ولا سفرًا وليس شرطًا فتصح بدونهما لكن يكره واتفقوا على سنيته وفيه أنه لا يجزئ إلا بعد دخول الوقت وهو إجماع إلا الفجر بعد نصف
стр. 133
الليل لما في الصحيحين إن بلالاً يؤذن بليل. وظاهر الخبر يجزئ من مميز لصحة صلاته كالبالغ.
قال الشيخ والأشبه إن الأذان الذي يسقط به الفرض ويعتمد لا يباشره صبي قولاً واحدًا.
وقال المؤذن الراتب لا يكون إلا عدلاً. ولأبي داود "وليؤذن لكم خياركم". وترتيب الفاسق مؤذنًا لا ينبغي قولاً واحدًا. وقال يعمل بقول المؤذن في الوقت مع إمكان العلم بالوقت. وهذا مذهب أحمد والشافعي وسائر العلماء المعتبرين كما شهدت به النصوص خلافًا لقول بعض أصحابنا ولم يزل الناس يعملون بالآذان من غير نكير فكان إجماعًا. وقال ابن القيم أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد وهو شهادة منه بدخول الوقت.
(وعن جابر أن رسول الله – ﷺ أتى المزدلفة) في حجة الوادع منصرفة من عرفة (فصلى بها المغرب والعشاء) جمعًا (بآذان واحد وإقامتين رواه مسلم) زاد أبو داود من حديث ابن عمر بعد قوله: "بإقامة واحدة لكل صلاة"، وللترمذي في قصة الخندق أنهم شغلوه عن أربع صلوات "فأذن وأقام لكل صلاة" فدل على مشروعية الأذان والإقامة في نحو تلك المواطن.
(وله عن أبي قتادة) في الحديث الطويل (في نومهم عن الصلاة) أي صلاة الفجر وكان عند قفولهم من غزوة خيبر
стр. 134
(ثم أذن بلال) أي: بأمره – ﷺ كما في سنن أبي داود "ثم أمر بلالاً أن ينادي بالصلاة فنادى بها" (فصلى رسول الله – ﷺ كما كان يصلي كل يوم) ففيه دلالة على شرعية التأذين للصلاة الفائتة بنوم. ويلحق بها المنسية. وله من حديث أبي هريرة "أنه أمر بلالاً بالإقامة" قال ابن رشد وغيره والأمر بالأذان منقول بالتواتر والعلم به حاصل ضرورة. ولا يرده إلا كافر يستتاب. فإن تاب وإلا قتل.
(وعن معاوية) بن أبي سفيان الأموي أمير المؤمنين صحب النبي – ﷺ وكتب له وولاه عمر الشام ثم استقل واجتمع عليه الناس عشرين سنة ومات سنة ستين (أن النبي – ﷺ قال "إن المؤذنين) أي المنادين للصلوات الخمس (أطول الناس أعناقًا) أي رقابًا لأن الناس في كرب الموقف متطلعون أن يؤذن لهم في دخول الجنة. وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة "يعرفون بطول أعناقهم" وقيل رؤساء سادة (يوم القيامة) وظاهره الطول الحقيقة (رواه مسلم) وغيره وهذا ما لم يكن القصد الدنيا ونحوها فليس من أعمال الآخرة.
وعن ابن عمر مرفوعًا "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة يغبطهم الأولون والآخرون رجل نادى بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة" رواه الترمذي وغيره ولأبي داود "عجب ربك من راعي غنم يؤذن للصلاة" الحديث وفي الصحيح "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا
стр. 135
عليه لاستهموا" ولأحمد بسند صحيح "يغفر له منتهى صوته ويستغفر له كل رطب ويابس" وفي فضله أحاديث كثيرة. وقال بعض أهل العلم الأذان أفضل من الإمامة قال الشيخ هذا أصح الروايتين. وإمامته – ﷺ وخلفائه متعينة ففي حقهم أفضل لخصوص أحوالهم.
(وعن عثمان بن أبي العاص أنه – ﷺ قال له) وذكر أنه آخر ما عهد إليه (اتخذ مؤذنًا) ففيه الأمر بالأذان (لا يأخذ على أذانه) أي ندائه للصلاة (أجرًا) أي عوضًا يسمى له، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع (رواه الخمسة) وغيرهم (وحسنه الترمذي) وقال العمل عليه عند أهل العلم. وقال ابن عمر لرجل إني لأبغضك في الله لأنك تأخذ على أذانك أجرًا ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
وقال مالك يؤجر نفسه في سوق الإبل أحسن من أن يعمل لله بالإجارة وكذا الإقامة لأنهما قربة لفاعلهما. وكذا يحرم دفعها وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد. وقيل يجوز مع الفقر اختاره شيخ الإسلام. قال وكذا كل قربة.
(وعن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي شهد العقبة والمشاهد ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين (قال طاف بي) جواب لما اهتم به أي مر بي (وأنا نائم) حال من المفعول قال الجوهري طيف الخيال مجيئه في النوم أي تخيل لي
стр. 136
(رجل) فاعل طاف أي تشبه له في المنام يحمل ناقوسًا خشبة أو حديدة طويلة يضربها النصارى إعلامًا للدخول في صلاتهم فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس قال، وما تصنع به قلت ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك قلت بلى (قال تقول الله أكبر) فذكر الحديث وله طرق
وألفاظ.
وسببه والله أعلم أنه لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يجمعهم لها. فقالوا لو اتخذ ناقوسًا. فقال رسول الله – ﷺ "ذلك للنصارى"، فقالوا لو اتخذنا بوقًا قال "ذلك لليهود" فقالوا لو رفعنا نارًا قال "ذلك للمجوس" فافترقوا فرأى عبد الله تلك الرؤيا قال الحاكم هذه أمثل الروايات في قصة عبد الله ويقال أصح منه حديث ابن عمر كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد فتكلموا يومًا في ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود قال فقال عمر ألا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة. فقال رسول الله – ﷺ "يا بلال قم فناد بالصلاة" وقيل غير ذلك.
(فذكر الأذان) يعني ذكر عبد الله بن زيد ﵁ كلمات الأذان (بتربيع التكبير) أي تقول الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر الله أكبر وتثني ما سواه وهو الشهادتان والحيعلة والتكبير ويفرد كلمة التوحيد. والمراد بالتثنية في الجملة وإلا فقد
انعقد الإجماع على إفراد التهليلة (والإقامة فرادى) لا تكرير في
стр. 137
شيء من ألفاظها (إلا قد قامت الصلاة) فتكرر قال فلما أصبحت أتيت رسول الله – ﷺ فأخبرته، يعني أخبره بتلك الرؤيا التي رأها. ولأبي داود وهو مهتم لهم رسول الله – ﷺ فأري الأذان فدل على مشروعيته لاهتمامه – ﷺ في أمر يجمعهم لها.
(فقال رسول الله – ﷺ إنها لرؤيا حق) أي صادقة مطابقة للوحي. والحكمة التنويه بقدره والرفع لذكره قال فقم (فألقه على بلال) أي ما رأيت "فليؤذن به" (فإنه أندى) أي أرفع وأحسن وللترمذي وأمد (صوتًا منك) يعني فيكون أبلغ في الإعلام المقصود منه. وقال لأبي سعيد الخدري "إذا كنت في غنمك فارفع صوتك بالنداء". ولأبي داود أنه قال لأبي محذورة "ثم ارجع فمد صوتك" ولحديث يغفر له "مدى صوته" قال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به.
قال فسمع ذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي رأى فقال رسول الله – ﷺ "فلله الحمد" رواه أحمد وأبو داود و (صححه البخاري) والترمذي وابن خزيمة وغيرهم ولأحمد كان بلال يؤذن بذلك فرفع صوته في الفجر الصلاة خير من النوم قال ابن المسيب فأدخلت في التأذين لصلاة الفجر.
(ولأحمد عن أبي محذورة) أوس بن المغيرة الجمحي مؤذن.
стр. 138
رسول الله ﷺ بمكة أمره به منصرفة من حنين توفي سنة تسع وخمسين (نحوه) أي نحو حديث عبد الله بن زيد بتربيع التكبير كما هو مذهب الجمهور أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم بغير ترجيع. ولمسلم عنه بترجيع الشهادتين يخفض صوته بهما ثم يعيدهما رافعًا بهما صوته. وهو مذهب طائفة من أهل العلم. والأذان بغير ترجيع هو المشهور من حديث عبد الله بن زيد. وكان بلال يؤذن كذلك إلى أن مات.
والنبي ﷺ أقره عليه بعد ما رجع من فتح مكة وعليه عمل أهل المدينة وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم.
وقال أحمد هو آخر الأمرين والترجيع مذهب أهل مكة. قال شيخ الإسلام كل منهما أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها وكل واحد منهما أذان صحيح عند جمع سلف الأمة وعامة خلفها وكل واحد منهما سنة. ومن تمام السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره قد يفضي إلى أن تجعل السنة بدعة.
(وفيه) أي في حديث أبي محذورة فإن كان صلاة الصبح قلت (الصلاة خير من النوم) الصلاة خير من النوم، ورواه أهل السنة وغيرهم من غير وجه وصححه ابن خزيمة ويستحب أن يستقبل القبلة فيهما كغيرهما إجماعًا سوى الحيعلتين ويقولهما ولو أذن قبل الفجر لخبر بلال. وقال أنس إنه من السنة وأخرج الترمذي من حديث بلال لا تثويب في شيء من الصلوات إلا
في صلاة الفجر وهو الذي اختاره أهل العلم وعمل المسلمين
стр. 139
عليه قال بلال ونهاني أن أثوب في العشاء
وكذا يكره النداء بعد الأذان في الأسواق وغيرها مثل أن يقول الصلاة والإقامة. قال الشيخ إذا كانوا يسمعون النداء وإلا فلا ينبغي أن يكره. فإن تأخر الإمام أو أماثل الجيران فلا بأس أن يمضي إليه من يقول قد حضرت الصلاة. وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح ونحوه يرفعون أصواتهم به بدعة.
(وعن أنس قال أمر) بضم الهمزة يعني أمر رسول الله ﷺ فإنه لا يأمر في الأصل إلا رسول الله – ﷺ و (بلال) نائب فاعل وللنسائي "أمر النبي – ﷺ بلالاً" وسبب ذلك قول أنس. ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى وتقدمت الرواية الثانية عن أنس ورؤيا عبد الله بن زيد فبدأ الأذان كان: عن مشورة أوقعها النبي – ﷺ بين أصحابه فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد فقص، فقال عمر ألا تبعثون مناديًا فأمر بلال (أن يشفع الأذان) أي أن يأتي بكلماته مثنى مثنى أو أربعًا أربعًا كالتكبير في أوله والكل يصدق عليه أنه شفع كما فسره حديث عبد الله بن زيد وأبي محذورة. وهذا بالنظر إلى الأكثر وإلا فكلمة التوحيد في آخره مفردة (ويوتر الإقامة) أي يفرد ألفاظها (متفق
عليه).
وظاهره أنه يفرد التكبير في أولها ولكن الجمهور على أن التكبير في أولها مكرر مرتين. وهو بالنظر إلى تكريره في الأذان
стр. 140
أربعًا كأنه غير مكرر فيها وكذلك يكرر في آخرها. وفي رواية للبخاري وغيره "إلا الإقامة" يعني فيشفعها بقوله. قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة لا يوترها. وعن ابن عمر نحوه قال البغوي وهذا قول أكثر العلماء. وشفع الأذان وإيتار الإقامة مستفيض.
والحكمة في تكرير الأذان لأنه لإعلام الغائبين فاحتيج إلى تكريره كما شرع فيه رفع الصوت والمحل بخلاف الإقامة فإنها لإعلام الحاضرين فتفرد لأنه لا حاجة إلى تكرار ألفاظها.
ولأبي داود "إن بلالاً يؤذن على بيت امرأة من بني النجار من أطول بيت حول المسجد إلى أن بنى رسول الله – ﷺ مسجده.
فكان يؤذن على ظهر المسجد" وقد رفع له شيء فوق ظهره.
وبنى سلمة المنائر بأمر معاوية. وتقدم شرعية رفع الصوت وكان مؤذنوا رسول الله – ﷺ يؤذنون قيامًا. وقال القاضي عياض وغيره مذهب كافة العلماء أنه لا يجوز من قاعد. وميل الشيخ إلى عدم إجزاء أذان القاعد. وقال في الإنصاف لا يصح إلا مرتبًا متواليًا بلا نزاع.
(وعن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي العامري توفي رسول الله – ﷺ ولم يبلغ الحلم ولكنه سمع منه. جعله على بيت المال وتوفي بالكوفة سنة أربع وسبعين (قال رأيت بلالاً يؤذن) ولعله رآه كذلك على الاستمرار لاستمرار عمل.
стр. 141
الناس عليه (واتتبع فاه ههنا وههنا) أي أنظر إلى فيه يمنة ويسرة كما فسره بقوله (يقول يمينًا وشمالاً حي على الصلاة) أي هلم إليها (حي على الفلاح) الفوز والخلود في النعيم المقيم. وحي اسم فعل بمعنى أسرع. والمراد هلموا وعجلوا إلى طلب ذلك (متفق عليه).
ففيه مشروعية الالتفات في الحيعلتين. وإنما اختصتا بذلك لأن غيرهما ذكر. وهما خطاب للآدمي كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون ما عداه. وفائدة التفاته أنه أرفع لصوته.
ويعرفه من يراه على بعد قال الشيخ لم يستثن العلماء إلا الحيعلة. وأما الإقامة فالسنة أن يقولها مستقبل القبلة (زاد أبو داود ولم يستدر) يعني بجملة بدنه. وعن أحمد وغيره لا يدور إلا إذا كان على منارة قصدًا لإسماع أهل الجهتين وفاقًا لكبر البلد (وفي رواية واصبعاه) قال النووي وغيره المسبحتان (في أذنيه) لأنه أرفع لصوته ولا يتعين وضع المسبحتين ولكنهما أولى من الإبهامين وغيرهما (صححه الترمذي) وقال العمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن يدخل أصبعيه في أذنيه في الأذان.
(وله عن جابر وضعفه أن رسول الله – ﷺ قال لبلال إذا أذنت فترسل) أي: رتل ألفاظ وتمهل ولا تسرع في سردها بل أقطع الكلمات بعضها من بعض لأن المراد منه الإعلام للبعيد وهو مع الترسل أكثر إبلاغًا (وإذا أقمت فاحدر) أي أسرع لأنه إبلاغ للحاضرين فكان الإسراع بها أنسب (واجعل بين
стр. 142
أذانك وإقامتك بقدر ما يفرغ الأكل من أكله) أي تمهل وقتًا بقدر فراغ الآكل من أكله والمتوضيء من وضوئه ليتمكن من الصلاة. وتمامه "والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة". وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان رواهما أبو الشيخ ومن حديث أبي بن كعب رواه عبد الله ابن الإمام أحمد وكلها ضعيفة.
لكن المقصود من الأذان نداء الغائب فلا بد من وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها وإلا لضاعت فائدة الأذان.
قال ابن بطال لا حد لذلك غير تمكن حضور المصلين وبالجملة قد أمر المؤذن أن يفصل بين الأذان والإقامة ليدرك المصلون الجماعة. ومن أذن فهو يقيم ويجوز غيره. قال الوزير اتفقوا في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز. وقال في الجامع ينبغي للمؤذن أن لا يقيم حتى يحضر الإمام ويأذن له في الإقامة لأن وقتها منوط بنظر الإمام.
(وفي الصحيحين) وغيرهما من غير وجه بألفاظ متقاربة فمن حديث أبي سعيد (إذا سمعتم النداء) يعني الأذان للصلوات الخمس (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) أي قولاً بمثل ما يقول المؤذن حين تسمعونه على أي حال من طهارة أو غيرها إلا حال الجماع والتخلي. وفي صحيح مسلم من حديث عمر "إذا قال المؤذن الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر" إلى آخر الأذان كلمة كلمة وأجمعوا على سنيته وأوجبه أبو حنيفة وأهل الظاهر.
ويدل على الندبية إجابته ﵊ المؤذن بـ
стр. 143
"على الفطرة، وخرجت من النار" ويقطع القراءة والذكر ويجيبه لأنه يفوت، وهذه الأذكار لا تفوت فيقدم الإجابة وإن لم يجبه حتى فرغ استحب له التدارك ما لم يطل الفصل. ويجيب ثانيًا وثالثًا اختاره الشيخ ما لم يكن غير مدعو به فلا تتأكد إجابته.
وللبخاري من حديث معاوية ومسلم من حديث عمر نحو حديث أبي سعيد.
(سوى الحيعلتين) يعني حي على الصلاة حي على الفلاح (فيقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله) يعني عند كل واحدة منهما والحكمة في إبدال الحوقلة من الحيعلة أن الحيعلة دعاء إلى الصلاة معناها هلموا، وإنما يحصل الأجر فيهما بالإسماع، فأمر السامع بالحوقلة؛ لأن الأجر يحصل لقائلها سواء أعلنها أو أخفاها، ولمناسبتها لقول المؤذن وتكون جوابًا له بأن تبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته.
وعن ابن مسعود: ولا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته وفي حديث عمر "من قال مثل ما يقول صدقً من قلبه دخل الجنة".
ولأبي داود عن أبي أمامة أن بلالاً أخذ في الإقامة فقال رسول الله ﷺ في سائر ألفاظ الإقامة نحو حديث عمر في الأذان فلما أن قال قد قامت الصلاة قال "أقامها الله وأدامها" وسنده ضعيف ورجح بعضهم أن المجيب يقول في الإقامة كما يقول
стр. 144
في الأذان فإنه يستدل به على الإجابة فيها. وكذا الصلاة خير من النوم لإطلاق الأذان عليها وهو مذهب الجمهور وما سواه لا تقوم له حجة.
(ولمسلم) من حديث عبد الله بن عمرو "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" يعني كلمة كلمة كما تقدم (ثم صلوا علي) أي قولوا اللهم صل على محمد ومعناها الطلب من الله أن يثني عليه ويعلي ذكره والصلاة بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره ﷺ (فإنه من صلى علي صلاة واحدة) يعني قال اللهم صل على محمد ونحوه مما ثبت عنه (صلى الله عليه) أي أثنى الله عليه (بها عشرًا) الحسنة بعشر أمثالها وجاء "صلت عليه الملائكة بها عشرًا" فله مثل أجر المصلي الذي حصل له ليس المرد أنه يحصل للمصلي أكثر من النبي ﷺ (ثم سلوا الله لي الوسيلة) فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه"، وفي لفظ "حلت له الشفاعة" فدل على مشروعية الصلاة عليه ﷺ بعد إجابة المؤذن. وسؤال الوسيلة له ﷺ .
(وللبخاري عن جابر قال قال رسول الله ﷺ "من قال حين يسمع النداء) أي الأذان بالصلاة بعدما يجيبه ويصلي على النبي ﷺ (اللهم رب هذه الدعوة التامة) بفتح الدال أي دعوة الأذان الكاملة الشاملة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل (والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا يغيرها ملة ولا تنسخها
стр. 145
شريعة (آت) أي اعط نبينا (محمدًا) ﷺ (الوسيلة) وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش.
وقد فسرها رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم.
(والفضيلة) الرتبة الزائدة على سائر الخلق (وابعثه) أي يوم القيامة فأقمه (مقامًا محمودًا) أي الشفاعة العظمى في موقف القيامة الذي يحمده فيه الأولون والآخرون (الذي وعدته) في كتابك الكريم في قولك جل ذكرك (عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا) وعسى من الله واجب إنك لا تخلف الميعاد (حلت له شفاعتي يوم القيامة) أي استحقها ووقعت ووجبت له. وله في القيامة ثلاث شفاعات يختص بها.
وشفاعات له ولسائر النبيين والصالحين. نسأل الله بأسمائه الحسنى أن يشفعه فينا ﷺ .
(وعن أنس مرفوعًا لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) رواه الخمسة وغيرهم و (حسنه الترمذي) وصححه ابن القيم وغيره أي فادعوا "قالوا فما نقول قال سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" وورد اثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وعند البأس" رواه أبو داود. وله عن ابن عمر مرفوعًا "قل كما يقول المؤذن فإذا فرغت فسل تعطه".
ودل الحديث على أن هذا من جملة الأوقات التي ترجى فيها الإجابة. ولا يقال لا يجاب في غيرها بل ينبغي توخي الدعاء فيها وإكثاره رجاء الإجابة ويستحب أن يقول رضيت بالله ربًا
следующие страницы →