← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الناس عليه (واتتبع فاه ههنا وههنا) أي أنظر إلى فيه يمنة ويسرة كما فسره بقوله (يقول يمينًا وشمالاً حي على الصلاة) أي هلم إليها (حي على الفلاح) الفوز والخلود في النعيم المقيم. وحي اسم فعل بمعنى أسرع. والمراد هلموا وعجلوا إلى طلب ذلك (متفق عليه). ففيه مشروعية الالتفات في الحيعلتين. وإنما اختصتا بذلك لأن غيرهما ذكر. وهما خطاب للآدمي كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون ما عداه. وفائدة التفاته أنه أرفع لصوته. ويعرفه من يراه على بعد قال الشيخ لم يستثن العلماء إلا الحيعلة. وأما الإقامة فالسنة أن يقولها مستقبل القبلة (زاد أبو داود ولم يستدر) يعني بجملة بدنه. وعن أحمد وغيره لا يدور إلا إذا كان على منارة قصدًا لإسماع أهل الجهتين وفاقًا لكبر البلد (وفي رواية واصبعاه) قال النووي وغيره المسبحتان (في أذنيه) لأنه أرفع لصوته ولا يتعين وضع المسبحتين ولكنهما أولى من الإبهامين وغيرهما (صححه الترمذي) وقال العمل عليه عند أهل العلم يستحبون أن يدخل أصبعيه في أذنيه في الأذان. (وله عن جابر وضعفه أن رسول الله – ﷺ قال لبلال إذا أذنت فترسل) أي: رتل ألفاظ وتمهل ولا تسرع في سردها بل أقطع الكلمات بعضها من بعض لأن المراد منه الإعلام للبعيد وهو مع الترسل أكثر إبلاغًا (وإذا أقمت فاحدر) أي أسرع لأنه إبلاغ للحاضرين فكان الإسراع بها أنسب (واجعل بين

стр. 142

أذانك وإقامتك بقدر ما يفرغ الأكل من أكله) أي تمهل وقتًا بقدر فراغ الآكل من أكله والمتوضيء من وضوئه ليتمكن من الصلاة. وتمامه "والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة". وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان رواهما أبو الشيخ ومن حديث أبي بن كعب رواه عبد الله ابن الإمام أحمد وكلها ضعيفة. لكن المقصود من الأذان نداء الغائب فلا بد من وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها وإلا لضاعت فائدة الأذان. قال ابن بطال لا حد لذلك غير تمكن حضور المصلين وبالجملة قد أمر المؤذن أن يفصل بين الأذان والإقامة ليدرك المصلون الجماعة. ومن أذن فهو يقيم ويجوز غيره. قال الوزير اتفقوا في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز. وقال في الجامع ينبغي للمؤذن أن لا يقيم حتى يحضر الإمام ويأذن له في الإقامة لأن وقتها منوط بنظر الإمام. (وفي الصحيحين) وغيرهما من غير وجه بألفاظ متقاربة فمن حديث أبي سعيد (إذا سمعتم النداء) يعني الأذان للصلوات الخمس (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) أي قولاً بمثل ما يقول المؤذن حين تسمعونه على أي حال من طهارة أو غيرها إلا حال الجماع والتخلي. وفي صحيح مسلم من حديث عمر "إذا قال المؤذن الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر" إلى آخر الأذان كلمة كلمة وأجمعوا على سنيته وأوجبه أبو حنيفة وأهل الظاهر. ويدل على الندبية إجابته ﵊ المؤذن بـ

стр. 143

"على الفطرة، وخرجت من النار" ويقطع القراءة والذكر ويجيبه لأنه يفوت، وهذه الأذكار لا تفوت فيقدم الإجابة وإن لم يجبه حتى فرغ استحب له التدارك ما لم يطل الفصل. ويجيب ثانيًا وثالثًا اختاره الشيخ ما لم يكن غير مدعو به فلا تتأكد إجابته. وللبخاري من حديث معاوية ومسلم من حديث عمر نحو حديث أبي سعيد. (سوى الحيعلتين) يعني حي على الصلاة حي على الفلاح (فيقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله) يعني عند كل واحدة منهما والحكمة في إبدال الحوقلة من الحيعلة أن الحيعلة دعاء إلى الصلاة معناها هلموا، وإنما يحصل الأجر فيهما بالإسماع، فأمر السامع بالحوقلة؛ لأن الأجر يحصل لقائلها سواء أعلنها أو أخفاها، ولمناسبتها لقول المؤذن وتكون جوابًا له بأن تبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته. وعن ابن مسعود: ولا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته وفي حديث عمر "من قال مثل ما يقول صدقً من قلبه دخل الجنة". ولأبي داود عن أبي أمامة أن بلالاً أخذ في الإقامة فقال رسول الله ﷺ في سائر ألفاظ الإقامة نحو حديث عمر في الأذان فلما أن قال قد قامت الصلاة قال "أقامها الله وأدامها" وسنده ضعيف ورجح بعضهم أن المجيب يقول في الإقامة كما يقول

стр. 144

في الأذان فإنه يستدل به على الإجابة فيها. وكذا الصلاة خير من النوم لإطلاق الأذان عليها وهو مذهب الجمهور وما سواه لا تقوم له حجة. (ولمسلم) من حديث عبد الله بن عمرو "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" يعني كلمة كلمة كما تقدم (ثم صلوا علي) أي قولوا اللهم صل على محمد ومعناها الطلب من الله أن يثني عليه ويعلي ذكره والصلاة بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره ﷺ (فإنه من صلى علي صلاة واحدة) يعني قال اللهم صل على محمد ونحوه مما ثبت عنه (صلى الله عليه) أي أثنى الله عليه (بها عشرًا) الحسنة بعشر أمثالها وجاء "صلت عليه الملائكة بها عشرًا" فله مثل أجر المصلي الذي حصل له ليس المرد أنه يحصل للمصلي أكثر من النبي ﷺ (ثم سلوا الله لي الوسيلة) فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه"، وفي لفظ "حلت له الشفاعة" فدل على مشروعية الصلاة عليه ﷺ بعد إجابة المؤذن. وسؤال الوسيلة له ﷺ . (وللبخاري عن جابر قال قال رسول الله ﷺ "من قال حين يسمع النداء) أي الأذان بالصلاة بعدما يجيبه ويصلي على النبي ﷺ (اللهم رب هذه الدعوة التامة) بفتح الدال أي دعوة الأذان الكاملة الشاملة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل (والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا يغيرها ملة ولا تنسخها

стр. 145

شريعة (آت) أي اعط نبينا (محمدًا) ﷺ (الوسيلة) وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقد فسرها رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم. (والفضيلة) الرتبة الزائدة على سائر الخلق (وابعثه) أي يوم القيامة فأقمه (مقامًا محمودًا) أي الشفاعة العظمى في موقف القيامة الذي يحمده فيه الأولون والآخرون (الذي وعدته) في كتابك الكريم في قولك جل ذكرك (عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا) وعسى من الله واجب إنك لا تخلف الميعاد (حلت له شفاعتي يوم القيامة) أي استحقها ووقعت ووجبت له. وله في القيامة ثلاث شفاعات يختص بها. وشفاعات له ولسائر النبيين والصالحين. نسأل الله بأسمائه الحسنى أن يشفعه فينا ﷺ . (وعن أنس مرفوعًا لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) رواه الخمسة وغيرهم و (حسنه الترمذي) وصححه ابن القيم وغيره أي فادعوا "قالوا فما نقول قال سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" وورد اثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وعند البأس" رواه أبو داود. وله عن ابن عمر مرفوعًا "قل كما يقول المؤذن فإذا فرغت فسل تعطه". ودل الحديث على أن هذا من جملة الأوقات التي ترجى فيها الإجابة. ولا يقال لا يجاب في غيرها بل ينبغي توخي الدعاء فيها وإكثاره رجاء الإجابة ويستحب أن يقول رضيت بالله ربًا

стр. 146

وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ – ﷺ نبيًا. وعند أذان المغرب اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي. ورأى أبو هريرة –﵁ رجلاً خرج بعد الأذان من المسجد فقال: "إن هذا قد عصى أبا القاسم – ﷺ " قال ابن عبد البر أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل وكان على طهارة. قال الشيخ إن كان التأذين للفجر قبل الوقت لم يكره الخروج وأما خروجه لعذر فلا يحرم. باب شروط الصلاة الشروط جمع شرط. والشرط لغة العلامة (فقد جاء اشراطها) علاماتها. والشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه. ولا يلزم أن يوجد عند وجوده وشروط الصلاة هي ما يجب لها قبلها ويجب استمرارها فيها. وهي تسعة الإسلام. والعقل والتمييز. وهذه شروط في كل عبادة إلا التمييز في الحج. والرابع رفع الحدث. وهو الوضوء المعروف وتقدم. وتأتي الخمسة الباقية وهي الوقت. وستر العورة. وإزالة النجاسة. واستقبال القبلة. والنية. وبدأ بالوقت لأنه آكد شروط الصلاة. (قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ مفروضًا مقدرًا محدودًا كلما مضى وقت جاء وقت والمراد الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة فلا

стр. 147

تجزئ قبله بإجماع المسلمين ولا يجوز إخراجها عنه إجماعًا على أي حال كان من خوف أو أمن إلا في حالة جمع الصلاتين في وقت إحداهما. قال عمر: الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به وهو سبب وجوبها لأنها تضاف إليه وتتكرر بتكرره والعلم بدخوله أو غلبة الظن على دخوله شرط في صحة الصلاة وإن صلى مع الشك أعاد إجماعًا. (وقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي ميلها إلى جهة المغرب. وأصل الدلوك الميل فالشمس تميل إذا زالت وغربت ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي ظهور ظلمته وهو وقت صلاة العشاء (وقرآن الفجر) يعني صلاة الفجر تسمية لها ببعض أفرادها معظم أركانها القراءة من إطلاق الجزء الأعظم على الكل. فمن قوله تعالى ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أخذ الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقوله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاة الفجر. وقد ثبتت السنة بذلك. بل تواترت أقواله – ﷺ وأفعاله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام مما تلقوه خلفًا عن سلف وجيلاً بعد جيل وقرنًا بعد قرن عن سيد المرسلين – ﷺ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء. وفي الصحيحين "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر".

стр. 148

(وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله – ﷺ قال: وقت الظهر) أي أول دخول وقت الظهر المحدد للفعل من الزمان (إذا زالت الشمس) أي مالت عن كبد السماء إلى جهة المغرب بإجماع المسلمين لقوله ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقال النبي – ﷺ لأبي بكر حين زالت الشمس "هذا حين دلكت الشمس" رواه ابن جرير وغيره. والظهر لغة الوقت. وشرعًا صلاة هذا الوقت (وكان ظل الرجل كطوله) أي ويستمر وقت صلاة الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله إجماعًا. ويعرف زوال الشمس بزيادة الظل بعد تناهي قصره. وتحول الشمس عن خط المسامتة وبحدوث الظل بعد عدمه. وأجمعوا على أنها لا تصح قبل الزوال. وعن جابر أن جبرائيل "صلاها بالنبي – ﷺ حين زالت الشمس في اليوم الأول. وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله. وقال الوقت ما بين هذين الوقتين" فتضبط ما زالت عليه الشمس من الظل ثم تنظر الزيادة عليه فإذا بلغت قدر الشاخص فقد انتهى وقت الظهر (ما لم تحضر العصر) أي يدخل وقتها وحضور وقتها بمصير ظل كل شيء مثله كما هو مفهوم هذا الخبر فمتى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر. وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر (ووقت العصر) والعصر الزمان أو الغداة أو العشي ومنه سميت صلاة العصر. أي ويستمر وقت

стр. 149

صلاة العصر المختار من مصير الفيء مثله بعد فيء الزوال من غير فضل بينهما (ما لم تصفر الشمس) ويأتي والشمس بيضاء نقية. وقال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن من صلاها والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها. وأصرح حديث في تحديد وقتها حديث جبرائيل أنه صلاها بالنبي – ﷺ في اليوم الأول وظل الرجل مثله. وفي اليوم الثاني وظل الرجل مثليه. وقال النبي – ﷺ "الصلاة ما بين هذين الوقتين"، وهذا مذهب جماهير العلماء ومن صلاها في ذلك الوقت فقد صلاها في وقتها. ثم يدخل وقت الضرورة قال الشيخ وهو الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة المدنية. وقال نقول بما دل عليه الكتاب والسنة والآثار من أن الوقت للصلوات الخمس وقت اختيار وهو خمسة. ووقت ضرورة وهو ثلاثة (ووقت صلاة المغرب) إذا وجبت أي غربت وفي لفظ "إذا غربت" وهو سقوط قرص الشمس جميعه بحيث لا يرى منه شيء وهو إجماع ولا يجوز قبل الغروب إجماعًا. ويمتد من سقوط قرص الشمس (ما لم يغب الشفق) الأحمر عند جماهير أهل العلم وفي رواية "ما لم يسقط ثور الشفق" أي ثورانه وانتشاره. وفي حديث جبريل "فأقام المغرب حين وجبت الشمس.

стр. 150

فلما كان في اليوم الثاني أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق الأحمر". ثم قال "الوقت ما بين هذين الوقتين" وفي لفظ "إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق" وهو أصح الأقوال لهذا الخبر. وخبر أبي موسى وبريدة وغيرهم ولعموم قوله – ﷺ "وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها" وإنما خص منه الفجر بالإجماع فما عداه داخل في عمومه. فالمغرب لها وقتان. وقت اختيار. وهو إلى ظهور الأنجم. ووقت كراهة وهو ما بعده إلى مغيب الحمرة. فالشفق بياض تخالطه حمرة ثم تذهب ويبقى بياض خالص بينهما زمن قليل. فيستدل بغيبوبة البياض على مغيب الحمرة. قال شيخ الإسلام وما بين العشائين ثمن الليل وما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس سبعه ووقت الفجر يتابع الليل فيكون في الشتاء أطول. والعشاء بالعكس (ووقت صلاة العشاء) من غيبوبة الشفق الأحمر إجماعًا. والأحاديث متظاهرة بذلك وقال ابن عمر الشفق الحمرة. فإذا غاب الشفق فقد وجبت الصلاة. وسميت بالعشاء لأنها تفعل فيه. وتسمى بالعتمة. ولا يكره ما لم يكثر حتى يغلب على الاسم ويستمر وقت العشاء (إلى نصف الليل الأوسط) عند جماهير أهل العلم للأخبار المستفيضة في ذلك. ويمتد إلى طلوع الفجر عند الأكثر كما هو معروف عن ابن عباس وغيره لحديث أبي قتادة رواه مسلم.

стр. 151

(ووقت صلاة الصبح) أوله (من طلوع الفجر) وهو ضوء النهار أو حمرة الشمس في سواد الليل وهو في آخر الليل كالشفق في أوله سمي به لانفجار الصبح، وقال ﵊: "الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة" أي صلاة الصبح "ويحل فيه الطعام" صححه ابن خزيمة والحاكم. وله في صفة الفجر الذي يحرم الطعام أنه يذهب مستطيلاً في الأفق ومد يديه عن يمينه وعن يساره وفي الآخر "أنه كذنب السرحان" ويمتد وقت الفجر المختار إلى أن يسفر جدًا. والضرورة يمتد (ما لم تطلع الشمس" رواه مسلم) ولحديث جبريل "صلى الفجر حين برق الفجر. وفي اليوم الثاني حين أسفر جدًا". وقال البخاري هو أصح شيء في المواقيت. وقال الوزير وغيره أجمعوا على أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني وآخر وقتها المختار إلى أن يسفر ووقت الضرورة إلى أن تطلع الشمس اهـ. وجاء نحوه من طرق مستفيضة عن النبي – ﷺ وقال شيخ الإسلام استعمل فقهاء الحديث في هذا الباب جميع النصوص الواردة في أوقات الجواز والاختيار فوقت الفجر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ووقت الظهر من الزوال إلى مصير ظل كل شيء مثله سوى في الزوال. ووقت العصر إلى اصفرار الشمس. ووقت المغرب إلى مغيب الشفق. ووقت العشاء إلى منتصف الليل. وهذا بعينه

стр. 152

قول رسول الله – ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم. وليس حديث في المواقيت أصح منه. وكذا صح معناه من غير وجه من فعله ﷺ . وقال ولا يأثم بتعجيل صلاة يستحب تأخيرها ولا تأخير ما يستحب تعجيلها إذا أخرها عازمًا على فعلها ما لم يضق الوقت عن فعل جميع العبادة لصلاة جبريل بالنبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره. وقوله "الوقت ما بين هذين الوقتين" ولأن وقت الوجوب موسع فهو كالتكفير موسع في الأعيان، وقال في قوله – ﷺ "أفضل الأعمال عند الله الصلاة في وقتها". الوقت يعم أول الوقت وآخره. والله يقبلها في جميع الوقت. لكن أوله أفضل من آخره لفعله – ﷺ وحثه على المسارعة إلا حيث استثناه الشارع كالظهر في شدة الحر. وكالعشاء إذا لم يشق على المأمومين. وهي أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت في وقتها المستحب قال والمواقيت التي علمها جبرائيل النبي وعلمها لأمته وذكرها العلماء هي الأيام المعتادة فأما اليوم الذي قال فيه – ﷺ "يوم كسنة قال اقدروا له" فله حكم آخر تكون فيه الصلاة بقدر الأيام المعتادة لا ينظر فيه لحركة الشمس كما في قوله "ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا" أي على مقدار البكرة والعشي في الدنيا اهـ. وعلى قياسه فاقدروا الوقت، كبلغار يقدر له. وعن جابر أن النبي ﷺ (كان يصلي الظهر بالهاجرة) أي

стр. 153

استمر فعله لها بالهاجرة ولهما "يصلي الظهر بالهجير حين تدحض الشمس" أي تميل والهاجرة شدة الحر نصف النهار من الهجر وهو الترك لترك الناس التصرف من شدة الحر. والهجير والهاجرة نصف النهار من زوال الشمس. فيسن تعجيلها في غير شدة الحر بلا نزاع. وقال الترمذي هو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي – ﷺ وغيرهم. (و) يصلي (العصر والشمس نقية) أي لم يدخلها شيء من الصفرة وعن بريدة "والشمس بيضاء نقية" وعن أبي موسى "والشمس مرتفعة" رواهما مسلم. ولهما من حديث أبي برزة "يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية" أي بيضاء قوية الأثر وفي لفظ "والشمس مرتفعة" وأصرح حديث فيه وظل الرجل كطوله ويسن تعجيلها بلا نزاع وقال الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ وثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة أنها العصر فنص عليها تأكيدًا في الحض على المحافظة عليها بخصوصها. وثبت عن النبي – ﷺ أنه قال "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله". قال الشيخ وتفويتها أعظم من تفويت غيرها فإنها الوسطى. وعرضت على من قبلنا فضيعوها. ومن حافظ عليها فله الأجر مرتين. وتأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود قال وهذا قول سائر الأمة وهذه العلة منصوصة (والمغرب إذا وجبت الشمس) وعن سلمة: "إذا غربت الشمس

стр. 154

وتوارت بالحجاب" صححه الترمذي وقال العمل عليه عند أهل العلم. وعن رافع "كنا نصليها مع النبي – ﷺ فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله" متفق عليه. فيسن تعجيلها قال شيخ الإسلام وغيره باتفاق المسلمين (والعشاء أحيانًا وأحيانًا) أي يقدمها أحيانًا وأحيانًا يؤخرها (إذا رأهم اجتمعوا) لها في أول وقتها (عجل) رفقًا بهم (إذا رآهم أبطئوا) عن أوله (أخر) مراعاة لما هو الأرفق بهم. وفيه مشروعية ملاحظة أحوال المؤتمين والمبادرة بالصلاة مع اجتماع المصلين لأن انتظارهم بعد الاجتماع ربما كان سببًا لتأذي بعضهم وملله. وتأخير صلاة العشاة أفضل لقوله – ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل" صححه الترمذي وقال هذا الذي اختاره أكثر أهل العلم. وفي الصحيحين أنه ﷺ "أخرها إلى نصف الليل وقال إنكم في صلاة ما انتظرتموها" وعن أبي برزة "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها" قال الشيخ لو قيل بتحديدها إلى نصف الليل الذي ينتهي إلى طلوع الفجر وثلثه بالذي ينتهي إلى طلوع الشمس لكان متوجهًا. (والصبح كان يصليها بغلس) وهو اختلاط ضياء الفجر بظلمة الليل (متفق عليه) ولمسلم من حديث أبي موسى "فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا" ولهما من حديث أبي برزة "وكان ينفتل من صلاة الغداة حين

стр. 155

يعرف الرجل جليسه. وكان يقرأ بالستين إلى المائة" فدل على أنه يدخل فيها والرجل لا يعرف جليسه. ولهما في صلاة النساء معه كن يشهدن صلاة الفجر متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد من الغلس". وأما حديث "أسفروا بالفجر" فالمراد صلوا صلاة الفجر مسفرين اسفارًا يتيقن معه طلوع الفجر لمواظبته – ﷺ وخلفائه على التغليس. ومحال أن يتركوا الأفضل. وقال ابن القيم حديث "اسفروا" بعد ثبوته إنما المراد به دوامًا لا ابتداء فيدخل فيها مغلسًا ويخرج منها مسفرًا كما كان يفعله فقوله موافق لفعله – ﷺ . (ولهما عن أبي هريرة مرفوعًا) يعني إلى النبي – ﷺ (إذا اشتد الحر) أي تقوى وهج النار (فأبردوا بالصلاة) أي أخروها إلى أن يبرد الوقت ليحصل الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها (فإن شدة الحر من فيح جهنم) أي شدة غليانها وحرها وسعة انتشارها وتنفسها أجارنا الله منها بمنه وكرمه أي: وعند شدة الحر يذهب الخشوع. قال شيخ الإسلام أهل الحديث يستحبون تأخير الظهر مطلقًا سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة التي لا دافع لها. وكل الفقهاء يوافقهم أو الأغلب قال النووي ولا يجاوز بالإبراد نصف الوقت.

стр. 156

(وعنه) أي عن أبي هريرة –﵁ (مرفوعًا) إلى النبي – ﷺ أنه قال (من أدرك من) صلاة (الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس) أي وأضاف إليها ركعة أخرى بعد طلوعها (فقد أدرك الصبح) يعني صلاة الصبح أداء ووقعت موقعها وأجزأت لوقوع ركعة في الوقت ولو كان التأخير لغير عذر لكنه آثم. (ومن أدرك ركعة من العصر) ففعلها (قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) وإن لم يوقع الثلاث إلا بعد الغروب إجماعًا (متفق عليه) وليس المراد من أتى بركعة فقط فللبيهقي "وركع بعد طلوع الشمس". وفي رواية "من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى". فكذا العصر. ولا تكره في حقه. وإن كان وقت كراهة. ومفهومه أن من أدرك دون ركعة لا يكون مدركًا للصلاة. وفي رواية سجدة بدل ركعة. قال الراوي وغيره إنما هي الركعة فمن أدرك دونها لا يكون مدركًا للصلاة. وهو الذي استقر عليه الاتفاق. قال شيخنا هذا دليل على أن الصلاة لا تدرك أداء إلا بإدراك ركعة كاملة وهو أصح القولين. وقال شيخ الإسلام وتعليق الإدراك بسجدة مجردة لم يقل به أحد من العلماء. وقال من دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون ونحوه لا قضاء عليه وهو قول مالك ورواية عن أبي حنيفة وهو

стр. 157

الأظهر في الدليل. لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولا أمر هنا يلزمه بالقضاء لأنه أخر تأخيرًا جائزًا فهو غير مفرط وليس عنه ﵊ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها وليس كالنائم والناسي فإن وقتهما إذا ذكرا. (وعن أنس أن النبي – ﷺ قال من نسي صلاة) ولمسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها (فليصلها إذا ذكرها) فإن في التأخير آفات وفي لفظ فإن الله يقول: (أقم الصلاة لذكرى) وفي قراءة للذكرى أي أقم الصلاة لذكرها لأنه إذا ذكرها فقد ذكر الله. وعن أبي قتادة في نومهم عن الصلاة قال "إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" صححه الترمذي. فالنائم أو الناسي غير مكلف حال نومه أو نسيانه إجماعًا ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى (قد فعلت) رواه مسلم. ثم صرح بأن القضاء كفارة لهما فقال (لا كفارة لها إلا ذلك) أي فعلها إذا ذكرها (متفق عليه) وفي رواية "فهو وقتها" وفيه أحاديث كثيرة مستفيضة والأمر يقتضي الوجوب وأجمع أهل العلم على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان من حين يذكر. وقال ابن القيم ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان وغلبة العقل يصلي إذا زال عذره. ولا يجوز تأخيرها إلى وقت آخر بالاتفاق بل هو من الكبائر العظام اهـ.

стр. 158

وتجب المبادرة على الفور عند جمهور العلماء وكون النبي – ﷺ لم يصل في المكان الذي ناموا فيه لا يدل إلا على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملاً معرضًا بل له أن يفعل ما فيه تكميل الصلاة من اختيار بقعة واجتماع مصلين ونحو ذلك. ودليل الخطاب منه أن العامد لا يقضي لأنه لا يسقط الإثم وتقدم. وفيه دلالة على عدم وجوب قضاء تلك الصلاة. ورواية فليقض مثلها خطأ من راويها حكاه الحافظ وغيره. (ولهما عن جابر في قصة الخندق) وذلك أنه جاء عمر بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال يا رسول الله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله ﷺ "ما صليتها فتوضأ وتوضأنا" وفيه تصريح بصلاته جماعة (فصلى العصر بعدما غربت الشمس) ولمسلم "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" (ثم صلى بعدها المغرب) وهي الحاضرة فدل على وجوب فعل الفائتة على الفور وتقديمها على الحاضرة ما لم يضق وقتها ولترتيبه الأربع الصلوات. وروي وجوب الترتيب ولو كثرت الفوائت عن أحمد وأبي حنيفة وغيرهما. وعن أحمد لا يجب الترتيب، وفاقًا للأئمة الثلاثة. قال في المبهج مستحب وقال ابن رجب إيجاب قضاء سنين ببقاء صلاة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي وقال النووي المعتمد في المسألة أنها ديون عليه فلا يجب ترتيبها إلا

стр. 159

بدليل ظاهر وليس للموجبين دليل اهـ. ويسقط الترتيب بنسيانه اتفاقًا وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة. قال القاضي رواية واحدة. فصل في ستر العورة أي في أحكام ستر العورة. وأحكام اللباس وستر العورة أحد شروط الصلاة والفصل لغة الحاجز بين الشيئين واصطلاحًا هو الحاجز بين مسائل العلوم وأنواعها. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ خاطبهم تعالى بعد ما ذكر أنه امتن عليهم بلباس يواري سوءاتهم فقال ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ أي لباس زينتكم والزينة اللباس وهو ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع وفيه دليل على أن ستر العورة واجب في الصلاة والطواف وفي كل حال ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة وطواف. وحكى ابن حزم وغيره الاتفاق على أن المراد ستر العورة. وقال غير واحد بل أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة فإنه علق الأمر باسم الزينة لا ستر العورة إيذانًا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أحسن ثيابه وأجملها في الصلاة للوقوف بين يدي الرب ﵎ وأداء حقه. ويسن لبس الثياب البيض كما سيأتي. والنظافة في الثوب والبدن باتفاق أهل العلم. وحكى غير واحد أنه لا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة وبحضرة الناس وفي الخلوة على الصحيح إلا لغرض صحيح.

стр. 160

وقال الوزير اجمعوا على أن ستر العورة واجب وأنه شرط في صحة الصلاة إلا مالكًا فقال واجب وقال بعض أصحابه هو شرط. وقال ابن عبد البر وغيره اجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانًا. (وقال رسول الله – ﷺ "الفخذ عورة" رواه الخمسة إلا النسائي) ورواه غيرهم فرواه البخاري تعليقًا وأحمد عن ابن عباس وجرهد الأسلمي ولفظه "غط فخذك فإن الفخذ عورة" حسنه الترمذي وهو في الموطأ وسنن أبي داود عن علي "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" في أحاديث أخر من وجوه وإن كانت لا تخلو من مقال فكثرتها تثبت أن له أصلاً. وعورة الرجل من السرة إلى الركبة عند جماهير أهل العلم وليستا من العورة. قال الوزير اتفقوا على أن السرة ليست عورة. وقال مالك والشافعي وأحمد ليست الركبة من العورة. وأما الفخذ فتظاهرت الأحاديث: أنه عورة. (ولهم) أي الخمسة إلا النسائي (عن عائشة أن النبي – ﷺ قال لا يقبل الله صلاة حائض) المراد المكلفة ولو بالاحتلام وإنما عبر بالحيض لأنه الأغلب (إلا بخمار) هو ما تغطي به رأسها وعنقها ويقال له النصيف والحديث صححه

стр. 161

ابن خزيمة وغيره وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من عورتها مكشوف لا تجوز صلاتها. وله من حديث ابن مسعود وصححه "المرأة عورة". وللطبراني من حديث أبي قتادة، "لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر". ولأبي داود من حديث أم سلمة أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار. قال "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها". وله من حديث ابن عمر "يرخين شبرًا" صححه الترمذي. فلا بد في صلاتها من تغطية رأسها ورقبتها ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهور قدميها. لا وجهها في الصلاة بحيث لا يراها أجنبي فليس الوجه عورة في الصلاة. قال الموفق والقاضي إجماعًا وقال جمع وكفيها وهو مذهب مالك والشافعي. وقال الشيخ وقدميها وما عدا ذلك عورة بالإجماع. قال شيخ الإسلام والتحقيق أن الوجه ليس بعورة في الصلاة. وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه. (وعن جابر أن النبي ﷺ قال إن كان الثوب واسعًا) ضد الضيق (فالتحف به) أي ارتد به ولمسلم "فخالف بين طرفيه" وذلك بأن يجعل منه شيئًا على عاتقه والالتحاف بالثوب التغطي به والمراد لا يشد الثوب في وسطه فيصلي مكشوف المنكبين بل

стр. 162

يتزر به ويرفع طرفيه فيلتحف بهما فيكون بمنزلة الإزار والرداء وهذا إذا كان الثوب واسعًا (وإن كان ضيقًا) ضد المتسع الكافي للارتداء (فاتزر به. متفق عليه) وذلك جائز من غير كراهة. وبه يجمع بين الأحاديث ففي الصحيحين "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" وللبخاري "من صلى في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه" ولهما " صلى في ثوب واحد متوشحًا به". ولما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد قال: "أو لكلكم ثوبان" قال النووي وغيره لا خلاف في جواز الصلاة في الثوب الواحد واجمعوا على أن الصلاة في الثوبين أفضل. وقال عمر إذا وسع الله عليكم فأوسعوا. (ولهما) من غير وجه (نهى عن اشتمال الصماء) فمن حديث أبي سعيد "نهى عن اشتمال الصماء" بالمد ضرب من الاشتمال سميت بذلك لأنه لا منفذ لها وفسره من حديث أبي هريرة "أن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه منه شيء" وللبخاري وغيره من حديث أبي هريرة "نهى عن لبستين اشتمال الصماء والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب. والأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء" والنهي عنهما لكونهما مظنة الانكشاف. وللبخاري "نهى أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء".

стр. 163

والاحتباء أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوبًا. ولأبي داود عن أبي هريرة "نهى عن السدل في الصلاة" وهو طرح ثوبه على كتفيه ولا يرد طرفه على الآخر. قال الشيخ هذا التفسير هو الصحيح فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى أو ضم طرفيه لم يكره. وإن طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في الكمين فلا بأس بذلك باتفاق الفقهاء وليس من السدل المكروه وفيه "وأن يغطي فاه" قال ابن حبان لأنه من زي المجوس. وفي الصحيحين "ولا أكف شعرًا ولا ثوبًا" واتفقوا على كراهته في الصلاة والحكمة أنه يسجد معه. (وللخمسة) من حديث أبي موسى وغيره (أن رسول الله ﷺ قال: حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم) ورواه غيرهم من طرق عن غير واحد و (صححه الترمذي) وإن كانت طرقه لا تخلوا من مقال فبكثرتها يعضد بعضها بعضًا. وتثبت أن للحديث أصلاً ويشهد له ما في الصحيحين وغيرهما من حديث عمر وأنس "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة". ومن حديث عقبة "أهدي إلى رسول الله – ﷺ فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له ثم قال لا ينبغي هذا للمتقين". وللبخاري من حديث حذيفة "نهانا عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه". وتواترت الأحاديث والآثار بتحريمه على الذكور. وحكى

стр. 164

الإجماع على ذلك غير واحد من أئمة المسلمين. وقال ابن القيم والنهي عن لبسه والجلوس عليه متناول لافتراشه كما هو متناول للإلتحاف به وذلك لبسه لغة وشرعًا قال الشيخ والجمهور على أن الإفتراش كاللباس وقد ثبت النص بتحريم افتراش الحرير وغلط من رخص في إلباسه الدابة أو تحليتها بذهب أو فضة. قال وما حرم لبسه لم تحل صناعته ولا بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم ولا يخيط لمن يحرم عليه لبسه لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان. (ولمسلم عن عمر "نهى – ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة) ففيه إباحة مقدار إصبعين أو ثلاثة أو أربعة كالطراز والسجاف ويحرم الزائد عند جماهير العلماء، و"رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكمة كانت بهما" متفق عليه. ويجوز لبسه عند التحام القتال قال شيخ الإسلام باتفاق المسلمين، وفي السنن "نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا" أي إلا قطعًا يسيرة منه. وكره الكثير منه الذي هو عادة أهل السرف. وحكى شيخ الإسلام فيه أربعة أقوال ثم قال والرابع وهو الأظهر أنه يباح يسير الذهب في اللباس والسلاح فيباح طراز الذهب إذا كان أربع أصابع فما دونها. ولما ذكر علم الحرير قال وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء والأظهر جوازه واستدل بهذا الخبر وقال ولبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم لم

стр. 165

يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة كان ذلك دليلاً على إباحة ذلك وما هو في معناه وما هو أولى منه بالإباحة والتحريم يفتقر إلى دليل. (وعن جابر نهى) يعني رسول الله – ﷺ (عن الصورة في البيت) أي أن تجعل في البيت لامتناع دخول الملائكة (وأن تصنع) أي تعمل وصانعها هو المصور العامل لها على أي شكل (صححه الترمذي) وفي الصحيحين "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة". وللبخاري "لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه" وللترمذي وصححه "أتاني جبرائيل فقال إني أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل". فدلت هذه الأحاديث وغيرها على تحريم التصوير على هيئة الحيوان وهو إجماع. وكذا تحريم استعماله على الذكر والأنثى وتوعد فاعله بالعذاب في جهنم. ففي الصحيحين عن ابن عباس مرفوعًا "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم" والصورة التمثال والشكل وصوره تصويرًا جعل له صورة وشكلاً ونقشه ورسمه، فالنهي عام سواء كان على ثوب أو ورق أو غير ذلك، جزم به غير واحد من أهل العلم بالحديث وهو قول أكثر أهل العلم وهو ظاهر النصوص الصحيحة الصريحة.

стр. 166

ويؤيد التعميم وقوع الاسم عليه لا محالة. وحديث النمرقة وقوله "ولا صورة إلا لطخها" وقوله "إلا نقضه" وغير ذلك من الأحاديث وتحداهم بقوله – ﷺ يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة أو ليخلقوا ذرة" وحديث "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم". ويحرم التصليب وجعله في ثوب ونحوه لقول عائشة "لم يكن يترك شيئًا فيه تصليب إلا قضبه" رواه أبو داود وغيره قال الشيخ ولا تجوز الصلاة في ثوب فيه تصاوير لأنه يشبه حامل الصنم ولا يسجد على الصورة لأنه يشبه عباد الصور. (وعن ابن عمر قال قال رسول الله – ﷺ من جر ثوبه) أي على الأرض (خيلاء) بالمد عجبًا وبطرًا وكبرًا مأخوذ من التخيل وهو التشبه بالشيء فالمختال يتخيل في صورة من هو أعظم منه تكبرًا والمخيلة والكبر والبطر والزهو والخيلاء بمعنى (لم ينظر الله إليه يوم القيامة" متفق عليه) ولمسلم "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" وذكر منهم "المسبل" أي المرسل ثوبه ونحوه أسفل من الكعبين. وهذا من أعظم الوعيد وأبلغ الزجر فهو من أكبر الكبائر. وجر الثوب يستلزم الخيلاء والخيلاء تستلزم جر الثوب ولو لم يقصده. ولا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء

стр. 167

لأن النهي قد تناوله لفظًا إذ حكمه أن يقول لا أمتثل والحال دال على التكبر. ولأبي داود "والإسبال في الإزار والقميص والعمامة" وله من حديث أبي هريرة "بينما رجل يصلي مسبلاً إزاره قال له رسول الله – ﷺ "اذهب فتوضأ مرتين" فقال له رجل أمرته أن يتوضأ. فسكت. ثم قال "إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل" ووجه أنه معصية وكل من واقع المعصية فإنه يؤمر بالوضوء والصلاة. وذكر الشيخ الإسلام وابن القيم أن كل ما زاد في اللباس في الطول والعرض حرام. وقال في الإنصاف هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه. وقد يجوز من غير خيلاء ولا استمرار كما في الصحيح عن النبي – ﷺ أنه قال للصديق "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" ويجوز في الحرب لإرهاب العدو لأنه –﵊ رأى بعض أصحابه يمشي بين الصفين مسبلاً يختال في مشيته فقال "إنها للبسة يبغضها الله إلا في هذا الموطن" ويجوز لحاجة كستر ساق قبيح ونحوه. (وللخمسة) من حديث ابن عباس (إلا النسائي "البسوا من ثيابكم البياض) البياض لون الأبيض وقماش تعمل منه ملابس بيض. (فإنها من خير لباسكم) وعن أبي الدرداء يرفعه "أحسن ما زرتم الله به في مساجدكم البياض" ولفظ الحاكم "خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم" ولأحمد والنسائي والترمذي وصححه وغيرهم من حديث سمرة "البسوا ثياب

стр. 168

البياض فإنها أطيب وأطهر". والحديث ظاهر الدلالة على مشروعية لبس البياض ولا يجب لما ثبت عنه – ﷺ من لبس غيره من غير وجه فثبت أنه لبس الحبرة برديمان سميت حبرة لتحسينها بالتخطيط. ولبس مرطًا مرجلاً من شعر أسود. ولبس الخميصة. وصبغ ثيابه بالزعفران. ولبس حلة حمراء. وكره الأحمر القاني. قال ابن القيم وفي لباس الأحمر من الثياب والجوخ نظر. وأما كراهته فشديدة جدًا. والبرد الأحمر ليس هو أحمر مصمتًا كما ظنه بعض الناس فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا وإنما فيه خطوط حمر فيسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهيته كراهة شديدة. فأما غير الحمرة من الألوان فلا يكره. وعن عمران بن حصين مرفوعًا "إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن ترى أثر نعمته على عبده" رواه البيهقي، وقال كان هديه – ﷺ في اللباس ما يسره الله ببلده، فكان يلبس القميص والعمامة والإزار. والرداء. والجبة. والفروج ويلبس من القطن والصوف وغير ذلك. ويلبس ما يجلب من اليمن وغيرها. فسنته تقضي أن يلبس الرجل ما يسره الله ببلده. ونهي – ﷺ عن لباس الشهرة. ففي الحديث "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة" رواه أبو داود وغيره. ونهى عن

стр. 169

الشهرتين وهما الفاخر من اللباس المرتفع في الغاية أو الرذل في الغاية. قال الشيخ يحرم لبس الشهرة وهو ما قصد به الارتفاع أو إظهار التواضع لكراهة السلف لذلك. وروى أبو عوانة والعكبري وغيرهما بأسانيد صحيحة "تمعددوا واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة" لتعتاد الأرجل الحر والبرد فتصلب وتقوى. وهو مشهور عن عمر. وعنه "ائتزروا وارتدوا والقوا الخفاف والسراويلات" استغناء عنها بالأزر وهو زي العرب "وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل وإياكم والتنعم وزي الأعاجم وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل وإياكم والتنعم وزي الأعاجم وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا واقطعوا الركب وانزوا وارموا الأغراض". وفي لفظ "وعليكم بالمعدية وذروا التنعم" وهو مشتهر بألفاظ. ولأحمد عن معاذ مرفوعًا "إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين". ومما نهى عنه النبي ﷺ في اللباس وغيره التشبه بالنساء. ففي الصحيح "لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال. والمتشبهين من الرجال بالنساء" وهو عام ولما أتي ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء ألبسها أم خالد ولا خلاف في إلباسه النساء.

стр. 170

فصل في اجتناب النجاسة أي في أحكام اجتناب النجاسة وما تصح الصلاة فيه واجتناب النجاسة شرط من شروط الصلاة المجمع عليها سواء في ذلك. بدن المصلي. وثوبه. وبقعته. والآيات والأحاديث تدل على وجوب التطهر من النجاسات ولا نزاع في ذلك. قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال ابن سرين اغسلها بالماء. وقال ابن زيد أمره الله أن يطهر الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها وذلك أن المشركين كانوا لا يطهرون ثيابهم. والأمر بالشيء نهي عن ضده. والنهي في العبادة يقتضي الفساد. وقال بعضهم طهر أعمالك عن الشرك. واختار الأول ابن جرير والآية تشمل ذلك كله. واحتج بالآية على أن اجتناب النجاسة شرط جمع منهم ابن عقيل. والشيخ تقي الدين وغيرهم. قال الوزير وغيره واجمعوا على أن طهارة البدن والثوب وبقعة المصلي شرط في صحة الصلاة. (وعن أبي سعيد أن النبي – ﷺ صلى) يعني بالناس في نعليه (فخلع نعليه) وهو في الصلاة فخلع الناس نعالهم. فلما انصرف قال لهم لم خلعتم نعالكم قالوا رأيناك خلعت فخلعنا (فقال أتاني جبريل فأخبرني أن بهما خبثًا) وفي لفظ "أذى" وفي لفظ "قذرًا" والمراد النجاسة (رواه أبو داود) ورواه أحمد وابن حبان والحاكم وابن خزيمة فدل على وجوب اجتناب النجاسة في الصلاة وتقدم حكاية الإجماع أنها شرط وهو قول الجمهور.

стр. 171

ولأحمد عن جابر أنه سئل ﷺ أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي. قال "نعم إلا أن ترى فيه شيئًا فتغسله" وللخمسة إلا الترمذي عن معاوية قلت لأم حبيبة هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه قالت "نعم إذا لم يكن فيه أذى" وحديث تعذيب من لم يتنزه من البول وحديث غسل المذي. وغسل الحيض. وحديث "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر" وغير ذلك مما يدل على وجوب اجتناب النجاسة. وفي الحديث دليل على أنه إذا أزالها سريعًا صحت صلاته وقيل إن علم بعد صلاته أنها كانت عليه أعاد لأنه ترك شرطًا. وعن أحمد وغيره واحد لا يعيد. وهو مذهب مالك. وقول ابن عمر وابن المنذر واختاره المجد والموفق والشيخ وغيرهم وأفتى به البغوي وتبعوه. وقال النووي هو أقوى في الدليل وهو المختار. وقاله طائفة من العلماء لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله مخطئًا أو ناسيًا لا تبطل صلاته ولا إثم عليه. قال في الإنصاف وغيره وهو الصحيح عند أكثر المتأخرين قال تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ والفرق بين طهارة الحدث والخبث أن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها فلا تسقط بالنسيان والجهل. ويشترط فيها النية وطهارة الخبث من باب التروك والمقصود منها اجتناب الخبث فلا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده. ودل الحديث على سنية الصلاة في النعلين. ولأبي داود "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم".

стр. 172

(وعن أبي قتادة أنه – ﷺ "كان يصلي وهو حامل أمامة" بنت زينب بنت رسول الله – ﷺ "كان يصلي وهو حامل أمامة" بنت زينب بنت رسول الله – ﷺ تزوجها علي بعد فاطمة (متفق عليه) وإنما جاز للعفو عما في بطنها كالنجاسة في جوف المصلي فيعفى عن حمل الحيوان الطاهر في الحياة غير مأكول وأما المأكول فمن باب أولى لطهارة ما في جوفه. ولأحمد من حديث أبي هريرة في قصة الحسن والحسين نحوه. (وعن أبي مرثد الغنوي) كناز بن الحصين وهو مرثد بن أبي مرثد من بني غنم بن غني أسلم هو وأبوه وشهد بدرًا وقتل يوم غزوة الرجيع شهيدًا في حياته – ﷺ (قال سمعت رسول الله – ﷺ يقول "لا تصلوا إلى القبور) مدفن الموتى. أي لا تكون قبلتكم في الصلاة. والنهي يقتضي التحريم. والمقدار في ذلك ما يعد استقبالاً لها عرفًا. ولمسلم عن جندب: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" وفي الصحيحين "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا" وقال ابن حزم وغيره أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة متواترة لا يسع أحدًا تركها. وقال غير واحد هو أصل شرك العالم. وقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانًا كما قال الشافعي وغيره أكره أن يعظم مخلوق

стр. 173

حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة على من بعده من الناس. وذكره معناه الأثرم وغيره عن سائر العلماء. وكلما دخل في اسم المقبرة أو حدثت المقبرة بعده حوله أو في قبلته فصلاته فيها كصلاته إليها. ولو وضع القبر والمسجد معًا لم يجز ولم تصح الصلاة فيه (ولا تجلسوا عليها) أي على القبور (رواه مسلم) وفي وطئها أحاديث أخر كقوله لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" رواه مسلم" وللطبراني عن ابن مسعود "لأن أطأ على جمرة أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم" وله من حديث ابن لهيعة في رجل جالس على قبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك ويأتي نحو ذلك. (وعن أبي سعيد مرفوعًا "الأرض كلها مسجد" وتقدم "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره" وغير ذلك من النصوص وخص منه ما يأتي فمنه قوله (إلا المقبرة) وهو كلما قبر فيه لأنه جمع قبر وكلما دخل في اسم المقبرة مما حول القبر لا يصلي فيه لما يفضي إليه ذلك من الشرك وقال الشيخ بل عموم كلامهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد. والنهي عن الصلاة إليها متفق عليه من غير وجه. ومما خص قوله (والحمام) وهو المغتسل المعروف (رواه

стр. 174

الخمسة إلا النسائي) وقال الترمذي فيه اضطراب وصححه الحاكم وغيره. وورد النهي عن الحمام معللاً بأنه محل الشياطين. وروى عنه – ﷺ "الحمام بيت الشيطان" وعن ابن عباس لا يصلي إلى حش. ولا في حمام ولا في مقبرة. قال ابن حزم لا نعلم لابن عباس مخالفًا من الصحابة. ولا فرق بين مكان نزع الثياب وموقد النار وكل ما يغلق عليه باب الحمام. والظاهر التحريم وهو قول طائفة. والجمهور على الكراهة ما لم يكن فيه نجاسة. (وعن أبي هريرة مرفوعًا) يعني إلى النبي – ﷺ أنه قال (لا تصلوا في أعطان الإبل صححه الترمذي) ورواه أحمد وغيره وصححه وله طرق وشواهد. والأعطان واحدها عطن ما تقيم فيه وتأوي إليه قاله أحمد وغيره. وقيل ما تقف فيه لترد الماء ومباركها عنده. قال أهل اللغة لا تكون إلا عند الماء أما في البرية وعند الحي فالمأوى. قال الشيخ وغيره والأول أجود. ومعاطن الإبل في الأصل وطنها غلب على مبركها حول الماء والأولى الإطلاق كما هو ظاهر الحديث. ولا فرق بين أن تكون طاهرة أو نجسة. ولا أن تكون فيها إبل حال الصلاة أولا لعموم هذا الحديث. وحديث "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين" وقال "جن خلقت من جن". فعلل الأماكن بالأرواح الخبيثة وهو مذهب أحمد

стр. 175

وفقهاء الحديث. قال والفقهاء الذين لم ينهوا عنها إما أنهم لم يسمعوا النصوص أو لم يعرفوا العلة والسنة في ذلك قوية نصًا وقياسًا. وقال ابن عبد البر النهي عن الصلاة في معاطن الإبل جاء معناه من وجوه كثيرة بأسانيد حسان وأكثرها متواتر. وقال الشيخ أيضًا نهى عن الصلاة في معاطن الإبل لأنها مأوى الشياطين. كما نهى عن الصلاة في الحمام لأنه مأوى للشياطين. فإنه مأوى الأرواح الخبيثة ومأوى الأرواح الخبيثة. ومأوى الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه، وفي موضع الأجسام الخبيثة. بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة. (وله بسند ضعيف عن ابن عمر نهى) يعني النبي ﷺ (أن يصلي في سبع) أي مواطن وفي لفظ "مواطن" يعني مواضع والموطن ما أقيم فيه (المزبلة) وهي الموضع الذي يلقى فيه الزبل ومثله سائر النجاسات (والمجزرة) وهي المكان الذي تنحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والغنم لأنه محل النجاسة فتحرم الصلاة فيها اتفاقًا. ومع الحائل فيه خلاف والأكثر على الكراهة. ويقال المجزرة مأوى الشياطين. وكذا المزبلة ولا خلاف في طهارة الدارسة العافية من آثار أهلها مزبلة كانت أو مجزرة أو كنيسة. (والمقبرة) بفتح الباء وتثلث فتحرم الصلاة فيها وإليها لأنها أصل شرك العالم وتقدم (وقارعة الطريق) ما تقرعه

стр. 176

الأقدام بالمرور عليها وهو ما كثر سلوك السالكين فيها لما في ذلك من شغل الخاطر المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها. عند الجمهور تصح مع الكراهة (وفي الحمام وفي أعطان الإبل) وتقدما (وفوق ظهر بيت الله) الحرام إذا لم يكن بين يديه شاخص منها لأنه مصل على البيت لا إلى البيت. وقال الموفق والصحيح جواز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم لعموم جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. ولابن المنذر وغيره بسند صحيح جعلت لي كل أرض طيبة أي طاهرة مسجدًا واستثنى منه المقبرة. والحمام ومعاطن الإبل. بأحاديث صحيحة ففيما عداها يبقى على العموم. وحديث ابن عمر يرويه العمري وقد تكلم فيه فلا يترك به الحديث الصحيح اهـ. والجمهور على صحة الفريضة فيه وفوقه إذا استقبل شاخصًا. فأما النافلة فتصح إجماعًا لصلاته ﵊ فيه متفق عليه. والحجر منه ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد لم تصح صلاته ألبتة وقال غير واحد من كان فرضه المعاينة لم تصح لأن الحجر في المشاهدة ليس من الكعبة فعمل به في الطواف دون الصلاة احتياطًا. ولو غيرت مواضع النهي بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارًا. ونبش المقبرة. ونحو ذلك صحت.

стр. 177

وتحرم في الحش. وهو ما أعد لقضاء الحاجة لمنع الشرع من الكلام وذكر الله فيه فالصلاة أولى قال. ابن عباس لا يصلين إلى حش ولا يعلم له مخالف. قال الشيخ وكره عامة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حش. قال ولا فرق عند عامة أصحابنا وغيرهم بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه وهو المنصوص عن أحمد والمأثور عن السلف. وذكر مواضع الأجسام الخبيثة ثم قال ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين والصلاة فيها أولى بالنهي عن الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل والصلاة على الأرض النجسة. ولم يرد في الحشوش نص خاص لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى بيان. ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش ولا يصلي عليها. وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام وأعطان الإبل علموا أن الصلاة في الحشوش أولى وأحرى. وتكره في الكنيسة المصورة والبيعة وقال هما كالمسجد على القبر وكل مكان فيه تصاوير لخبر عائشة وتكره في أرض الخسف وأرض بابل وتكره في الرحى وعلله بما يلهي المصلي من الصوت ويشغله. وقال النووي الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق. وذكر مثل مواضع الخمر والحانة ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة لقوله: "إن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان" وتكره إلى نار لأنه من فعل المجوس

стр. 178

ويحرم أن يصلي في الأرض المغصوبة لما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه كما لو ستر عورته بمغصوب وذكر بعضهم غير ذلك. فصل في استقبال القبلة أي في بيان أحكام استقبال القبلة. واستقبالها شرط من شروط الصلاة لا تصح بدونه مع القدرة إجماعًا وقال شيخنا شرعية استقبال القبلة من العلم العام عند كل أحد وأنه من شرائط صحة الصلاة. (قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي حول وجهك نحو المسجد الحرام وتلقاءه والشطر الناحية والمراد به الكعبة والحرام المحرم واستقباله لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها وقد كان – ﷺ يحب أن يوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم فأنزل عليه القرآن وذلك بعد ما صلى ستة عشر شهرًا إلى بيت المقدس ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْْ﴾ أي في بر أو بحر أو شرق أو مغرب ﴿فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي قبل البيت ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون﴾. (وعن ابن عمر في صلاة أهل قباء) قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال "إن النبي – ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنًا و (قد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها) أنتم

стр. 179

وتحولوا إلى جهة الكعبة (وكانت وجوههم إلى الشام) وهذا تفسير من الراوي فإنه لما أنزل على رسول الله – ﷺ القرآن في تحويل القبلة. وكان أول صلاة صلاها قبل البيت صلاة العصر في أصح الروايات. وصلى معه – ﷺ قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون قبل بيت المقدس فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله – ﷺ قبل مكة (فاستداروا) كما هم (إلى الكعبة) أي البيت الحرام (متفق عليه) ولهما "أنه صلى ركعتين قبل الكعبة وقال هذه القبلة" أي أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت فلا نسخ بعد اليوم فكونوا إليه أبدًا فهو قبلتكم. وقال للمسيء "ثم استقبل القبلة فكبر" وقال "قبلتكم أحياء وأمواتًا" رواه أبو داود وغير ذلك مما تواتر نقله قولاً وفعلاً خلفًا عن سلف. وقال ابن رشد ما نقل بالتواتر كاستقبال القبلة وأنها الكعبة لا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل فلا تصح بدونه إلا لعاجز كالمربوط. والمصلوب. وعند اشتداد الحرب في حال الطعن والكر والفر. وكهرب من سيل. أو نار ونحو ذلك فتصح في ذلك إلى غير القبلة إجماعًا لأنه شرط عجز عنه فسقط كغيره من الشروط لقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وفيه دلالة على أنه إذا صلى باجتهاد فبان أنه أخطأ فلا إعادة عليه وهو إجماع. وفيه أنه يستدير إلى الجهة التي ظهرت له ويبني على ما

стр. 180

مضى من الصلاة قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا. (وعن أبي هريرة مرفوعًا "ما بين المشرق والمغرب قبلة) بالنسبة إلى المدينة وما وافق قبلتها (صححه الترمذي) ورواه ابن ماجه والحاكم وغيرهم. ويعضده حديث أبي أيوب ولكن شرقوا أو غربوا. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي جهته وناحيته فلسائر البلدان من السعة مثل ما للمدينة وعكسها بين الجنوب والشمال. قال ابن عبد البر وهذا صحيح لا مدفع له ولا خلاف فيه بين أهل العلم. وقال أحمد هذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت فإنه إذا زال عنه شيئًا وإن قل فقد ترك القبلة. وبين القاضي وغيره أنما وقع عليه اسم مشرق ومغرب فالقبلة ما بينهما وينبغي أن يتحرى أوسط ذلك لا يتيامن ولا يتياسر. وتعرف دلائل القبلة في الحضر بمحاريب المسلمين إجماعًا لاتفاقهم عليها. وفي السفر بالقطب والشمس والقمر وغير ذلك. وإن اجتهد فأخطأ صحت لما تقدم ولحديث "فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ ضعفه الترمذي. وللطبراني "صلى في غيم إلى غير القبلة. وقال قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله" وتقدم أن من اتقى الله ما استطاع لا إعادة عليه ولا إثم. قال ابن القيم ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها
следующие страницы →