Полный текст (2 171 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(وعن بسرة بنت صفوان) بن نوفل القرشية الأسدية كانت من المبايعات (أن رسول الله – ﷺ قال من مس ذكره) أي لمسه بيده من غير حائل (فليتوضأ رواه الخمسة وصححه الترمذي) وابن معين وغيرهما وقال البخاري هو أصح شيء في هذا الباب. وعن أم حبيبة معناه صححه أحمد واحتج بقوله "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينهما سترة فليتوضأ" ولأن مس الذكر مذكر بالوطء. وهو في مظنة الانتشار غالبًا، فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة كما أقيم النوم مقام الحدث وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين. والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
(وعن طلق بن علي) اليمامي الحنفي السحيمي مشهور له صحبة ووفادة ورواية (قال رجل مسست ذكري أو قال الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء فقال النبي – ﷺ لا) أي لا وضوء عليه (إنما هو) يعني الذكر (بضعة) بفتح الموحدة أي قطعة لحم، فلا يبطل الوضوء بمسه كما لا يبطل بمس سائر الأعضاء (منك) كاليد والرجل ونحوهما وقد علم أنه لا وضوء من مس البضعة منه (رواه الخمسة وصححه ابن حبان).
بكسر الحاء الحافظ أبو حاتم محمد ابن حبان بن أحمد البستي صاحب المسند الصحيح وغيره توفي سنة أربع
وخمسين وثلاثمائة وقد ناهز الثمانين. وقال الحافظ بن المديني. وعمرو بن الفلاس هو أصح وأحسن من حديث بسرة. وقال
стр. 72
الطحاوي إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة. وصححه أيضًا ابن خزيمة وغيره.
وقال الترمذي هو أحسن شيء روي في هذا الباب وهو دليل على ما هو الأصل من عدم نقض الوضوء من مس الذكر. وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين ومذهب أبي حنيفة. والرواية الثانية عن أحمد. وأما مالك –﵀ فقال يندب الوضوء منه. وقال شيخ الإسلام الأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح. بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب. لكن الاستحباب متوجه ظاهر.
وقال ابن القيم دليل الأمر دال على الاستحباب. ودليل الرخصة دال على عدم الوجوب فإن مس الذكر مذكر بالوطء وهو في مظنة الانتشار غالبًا. والانتشار الصادر عن المس في مظنة خروج المذي ولا يشعر به. فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها. كما أقيم النوم مقام الحدث ومسه يوجب انتشار حرارة الشهوة والوضوء يطفئها.
(وعن عائشة أن النبي – ﷺ قبل بعض نسائه) قال عروة من هي إلا أنت فضحكت (ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ رواه الخمسة) وضعفه البخاري وغيره. وصححه ابن عبد البر وجماعة. وله طرق يشد بعضها بعضًا. وللنسائي عنها حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله. وفي الصحيحين "إذا سجد غمزني
стр. 73
فقبضت رجلي" ولمسلم "وضعت يدي على باطن قدميه وهما منصوبتان" وغير ذلك مما يدل على أن اللمس غير موجب للنقض ويؤيده بقاء الأصل وقال الشيخ لا خلاف أنه لم ينقل عنه – ﷺ أنه توضأ من المس ولا أمر بذلك مع أن الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة. ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر بالوضوء من ذلك والقرآن لا يدل على ذلك. بل المراد بالملامسة الجماع وهو مقتضي أسلوب الآية وبه فسرها النبي – ﷺ وحبر الأمة.
وقال الأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس النساء فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح. بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب. لكن الاستحباب متوجه ظاهر. فيستحب أن يتوضأ من مس النساء بشهوة. وعلله غير واحد بأنه مظنة لخروج المني والمذي فأقيم مقامه كالنوم. قال شيخنا ومنهم من توسط وقال إن كان بشهوة وإلا فلا. وبه تجتمع الأدلة.
تتمة:
أورد بعض المصنفين هنا حديث من غسل ميتًا فليغتسل. ومن حمله فليتوضأ. وقال أحمد وغيره لا يصح في
هذا الباب شيء. فأما الوضوء من أجل حمله فلا قائل به وأما الوضوء من تغسيل الميت فقال أبو هريرة وابن عمر وابن
عباس أقل ما فيه الوضوء. قال الموفق ولم يعلم لهم مخالف من
стр. 74
الصحابة فكان إجماعًا. ولأن الغاسل لا يسلم غالبًا من مس عورته وقال شيخ الإسلام استحبابه متوجه ظاهر وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم لا ينقض الوضوء لأنه لم يرد بالنقض به نص صحيح. ولا هو في معنى المنصوص عليه.
(وعن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي صحابي ابن صحابي نزل الكوفة وتوفي بها سنة أربع وسبعين (أن رجلاً سأل النبي – ﷺ أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم توضؤا من لحوم الإبل رواه مسلم) أي من أكل لحومها وهو المادة الحمراء الرخوة التي تؤكل وخص لما فيه من القوة دون بقية الأجزاء قال الشيخ سواء كان نيئًا أو مطبوخًا لأن الأمر بالوضوء يقتضي ذلك.
وفي السنن من حديث البراء توضؤا من لحوم الإبل. قال ابن خزيمة لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه وقال أحمد فيه حديثان صحيحان حديث جابر وحديث البراء ولهما شواهد من وجوه ولأن فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي – ﷺ من قوله "إنها جن خلقت من جن" فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر الله به من الوضوء من لحمها. وقال النووي وغيره ذهب الأكثر إلى أنه لا ينقض.
وذهب أحمد ابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي وأصحاب
стр. 75
الحديث إلى النقض به مطلقًا. وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه. فلعلهم لم يسمعوا هذه النصوص أو لم يعرفوا العلة اهـ وكان أحمد يعجب ممن يدع حديث لحوم الإبل مع صحته التي لا شك فيها. والتحقيق أن يخرج على مذاهبهم. فإن المذهب لا يكون خلاف ما فيه نص صريح صحيح أو إجماع كما صرحوا به.
(وله عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا") من نحو ريح وقراقر مترددة من شأنها أن تخرج (فأشكل عليه) أي التبس وأبهم عليه (أخرج منه شيء) أي أحدث (أم لا) أي أو لم يخرج منه شيء (فلا يخرجن من المسجد) إذا كان فيه لإعادة الوضوء (حتى يسمع صوتًا) للخارج يعني الحدث (أو يجد ريحًا) له. قال النووي وغيره أي حتى يعلم وجود أحدهما. ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. ولهما عن عبد الله بن زيد نحوه.
وهذا الحديث أصل من أصول الدين. وقاعدة من قواعده. وهي أن الأشياء يحكم ببقائه على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك. ولا يضر الشك الطارئ عليها. ومن ذلك أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة.
ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة أو خارجها وهو مذهب جماهير السلف والخلف. وإن تيقن الحدث وشك
في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. قال الشيخ وإن
стр. 76
شك هل عليه غسل أو وضوء لم يجب. لكن يستحب له التطهر احتياطًا. وإذا فعل ذلك وكان واجبًا عليه في نفس الأمر أجزأ عنه.
(وفي كتاب عمرو بن حزم) بن زيد الخزرجي النجاري استعمله النبي – ﷺ على نجران وهو ابن سبع عشرة يفقههم في الدين. ويأخذ صدقاتهم. وكتب له كتابًا في الفرائض والسنن والصدقات وغيرها توفي سنة إحدى وخمسين (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) ورواه النسائي وابن حبان وغيرهما. وكتاب عمرو هذا تلقاه الناس بالقبول وقال ابن عبد البر أنه أشبه التواتر لتلقي الناس له بالقبول. وشهد له بالصحة غير واحد.
وأعله قوم. وقال أحمد لا شك أن النبي – ﷺ كتبه. وفي مجمع الزوائد عن ابن عمر مرفوعًا. لا يمس القرآن إلا طاهر ووثقه.
وقال ابن القيم إذا تأملت قوله تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم﴾ الآيات وجدتها دالة بأحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. قال شيخ الإسلام مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس القرآن إلا طاهر. وقال الوزير أجمعوا أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف فيحرم مسه. أو بعضه بيد أو غيرها من أعضائه بلا حائل للعموم.
باب الغسل:
أي باب ما يوجب الغسل وما يسن له وصفته وما
يمنع منه وغير ذلك. والغسل بضم الغين الاغتسال وهو
стр. 77
واستعمال الماء في جميع بدنه. وبالفتح الماء أو الفعل. وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره (قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ أصل الجنابة البعد. وسمي جنبًا لأنه يجتنب البيت الحرام في تلك الحال. ومواضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل.
والآية دالة على وجوب التطهر من الجنابة وهو الغسل منها وذكر السهيلي وغيره. أن الغسل من الجنابة كان معمولاً به في الجاهلية من بقايا دين إبراهيم كما بقي فيهم الحج والنكاح.
ولذلك عرفوه مع قوله ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ ولم يحتاجوا إلى تفسيره وكذا قال الشيخ وغيره كان مشروعًا
قبل.
(وقال تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾) فجنبًا نصب على الحال يعني ولا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبًا ﴿حتى تغتسلوا﴾ أي تتطهروا بالماء. وكذلك المساجد إلا عابري سبيل أي مجتازين فيه للخروج منه. مثل نومه في المسجد فيجنب أو يصير جنبًا والماء في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله. وكذلك إن كان طريقه عليه فيمر به ولا يجلس والسنة واضحة في ذلك.
واحتج الأئمة ﵏ بهذه الآية على أنه يحرم
على الجنب المكث في المسجد. ويجوز له المرور إجماعًا.
وكذا الحائض والنفساء مع أمن التلويث. ومنع الشيخ وغيره من
стр. 78
اتخاذه طريقًا. وذهب أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث فيه لفعل الصحابة ﵃ قال الشيخ وحينئذ يجوز أن ينام في المسجد حيث ينام غيره. وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء فذلك الوضوء الذي يرفع الحدث الأصغر ووضوء الجنب لتخفيف الجنابة.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال قال رسول الله – ﷺ إذا جلس) أي الرجل (بين شعبها) أي شعب المرأة (الأربع) قيل رجلاها وفخذاها وقيل ساقاها وفخذاها والمراد جلس منها مجلس الرجل من امرأته (ثم جهدها) كدها بحركته وبلغ جهده في العمل. وهو كناية عن معالجة الإيلاج وتمكن صورة العمل. ولمسلم عن عائشة "ثم مس الختان الختان" وفي لفظ "جاوز" ولأبي داود "ألزق الختان بالختان" ولابن أبي شيبة "وتوارت الحشفة في الفرج" (فقد وجب الغسل" متفق عليه زاد مسلم) وغيره (وإن لم ينزل)
وحكى الوزير والنووي وغير واحد الإجماع عليه. وكلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع. وإن لم يكن فيه إنزال فاتفق الكتاب والسنة والإجماع على إيجاب الغسل من الإيلاج أنزل أو لم ينزل. فهو أحد موجبات الغسل ويترتب عليه جميع أحكامه.
(وعن علي مرفوعًا قال: "وفي المني الغسل رواه الخمسة
стр. 79
وصححه الترمذي) وقال قد روي عن علي عن النبي – ﷺ من غير وجه. وهو قول عامة أهل العلم. وحكاه الطبري إجماع المسلمين. ولأحمد وأبي داود "إذا فضخت المني فاغتسل" وهذا الحديث يقيد مطلق حديث علي فإنه لا بد من كون خروجه في اليقظة دفقًا. وسمي منيًا لأنه يمني أن يصب ويراق ويدفق. وهو من الرجل ماء غليظ أبيض يخرج عند اشتداد الشهوة يتلذذ بخروجه ويعقب البدن بعد خروجه فتور.
قال النووي خواصه المعتمدة الخروج بشهوة مع الفتور عقبة. والرائحة التي تشبه الطلع أو العجين. والخروج بتزريق ودفق في دفعات. وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في كونه منيًا. وهو من المرأة ماء رقيق أصفر. وفي صحيح مسلم "ماء الرجل غليظ أبيض. وماء المرأة رقيق أصفر".
(وعن أم سلمة) زوج النبي – ﷺ (أن أم سليم) بنت ملحان بن خالد الأنصارية امرأة أبي طلحة أم أنس بن مالك –﵂ المشهورة بكنيتها (قالت يا رسول الله هل على المرأة الغسل إذا احتملت) من الحلم بضم المهملة وسكون اللام، ما تراه في النوم. ثم غلب على ما تراه من الجماع. يقال احتلم جامع في نومه (قال نعم) أي يجب عليها الغسل (إذا رأت الماء) أي المني بعد استيقاظها (متفق عليه) ولأحمد وغيره "ليس عليها غسل حتى تنزل. كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل" وفي رواية "إن النساء شقائق الرجال".
стр. 80
وعن أنس قال. قال رسول الله – ﷺ في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. قال "تغتسل" متفق عليه. زاد مسلم فقالت أم سلمة وهل يكون هذا قال "نعم فمن أين يكون الشبه" أي فإن الولد تارة يشبه أباه وأعمامه وتارة يشبه أمه وأخواله. فأي المائتين غلب كان الشبه له وحديث "إذا علا ماء الرجل اذكر".
وهذه الأحاديث دالة على وجوب الغسل على المرأة إذا أنزلت.
وكذا الرجل إذا أنزل. وحكاه ابن بطال. وابن المنذر. والموفق وغيرهم إجماع المسلمين.
وإن لم يجد الرجل والمرأة بللاً فلا غسل على واحد منهما إجماعًا. ولو وجد لذة الإنزال وإن لم يتحققه منيًا. وكان سبق نومه انتشار. أو ملاعبة. أو نظر، أو فكر، ونحوه أو كان به أبردة لم يجب الغسل اتفاقًا، ويطهر ما أصاب من ثوبه أو بدنه.
(وعن قيس بن عاصم) بن سنان بن منقر التميمي قال الأحنف تعلمت الحلم منه (أنه أسلم) وذلك حين قدم على النبي – ﷺ في وفد تميم. وقال النبي – ﷺ هذا سيد أهل الوبر (فأمره النبي – ﷺ أن يغتسل بماء وسدر. رواه أحمد والثلاثة) وابن حبان وغيرهم وصححه ابن السكن. ولأحمد وغيره أن ثمامة بن أثال أسلم فقال النبي – ﷺ "مروه أن يغتسل". وأصله في الصحيحين. لكن بدون الأمر. فأما وجوبه على الجنب فللأدلة القاضية بوجوبه. وعن أحمد يجب مطلقًا. فقد جاء أمر
стр. 81
بعض من أسلم بالاغتسال وبدنه نشأ على رجس الشرك فعليه أن يزيل آثاره.
وذهب الجمهور إلى الاستحباب لأنه – ﷺ لم يأمر كل من أسلم بالغسل ... ولو كان واجبًا لما خص بالأمر به بعضًا دون بعض.
وقد أسلم الجم الغفير ولو أمرهم لنقل نقلاً متواترًا وقال شيخ الإسلام إذا وجد منه سبب يوجب الغسل فاغتسل في حال كفره ثم أسلم لم يلزمه إعادة الغسل إن اعتقد وجوبه بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم.
(وعن عائشة) ﵂ (قالت كان رسول الله – ﷺ يغتسل من أربع) حالات فسرها بقوله (من الجنابة) وتقدم الأمر به منها (ويوم الجمعة) وهو سنة مؤكدة ويأتي في باب الجمعة (ومن الحجامة) وقال علي سنة وذلك لما يخلف البدن ما خرج من قوته. وتقدم أنه احتجم وصلى ولم يتوضأ. فلعله – ﷺ يفعله تارة ويتركه أخرى (ومن غسل الميت) المسلم فينبغي له الغسل وتقدم تأكد الوضوء (رواه أو داود) ورواه أحمد وغيره وصححه ابن خزيمة. وفي إسناده مصعب بن شيبة فيه مقال.
وذكر ابن القيم وغيره أن له طرقًا تدل على أنه محفوظ.
والغسل من الجنابة واجب بالكتاب والسنة والإجماع. وغسل يوم الجمعة لا نزاع في سنيته بل قيل بوجوبه. وأما الغسل من الحجامة، ومن غسل الميت، فقد دل هذا الحديث
стр. 82
وغيره على استحبابه. وقال ابن القيم يستحب ولا يجب عند الأكثرين.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا "من غسل ميتًا فليغتسل) رواه الخمسة وغيرهم و (حسنه الترمذي) وصححه ابن حبان. وصحح بعضهم وقفه. وقال أحمد وغيره لا يصح في هذا الباب شيء. وخرج بعضهم له طرقًا كثيرة.
وفيه والذي قبله دلالة على استحباب الغسل لمن غسل ميتًا.
وهو قول الجمهور لخبر منا من يغتسل ومنا من لا يغتسل.
وغسلت أسماء أبا بكر ﵄ ثم سألت المهاجرين هل عليها من غسل فقالوا لا. وقيل لا يستحب. قال ابن عقيل هو ظاهر كلام أحمد. ومذهب أبي حنيفة. والاستحباب جمع بين الأدلة.
(وعن عائشة أن النبي – ﷺ أغمي عليه) أي غشي عليه فالإغماء غشية ثقيلة على القلب يزول معها الإحساس (ثم أفاق) أي رجع عليه حاله (فاغتسل" متفق عليه) وفيه أنه فعله ثلاثًا. فدل على استحبابه ولا يجب. حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا. وتأتي بقية الاغتسال في مواضعها إن شاء الله تعالى.
(وعن علي) ﵁ (قال كان رسول الله – ﷺ لا يحجبه من القرآن شيء) وفي لفظ "لا يحجزه من القرآن شيء"
стр. 83
أي لا يمنعه من تلاوة القرآن شيء من سائر الأحداث (ليس الجنابة) أي ليس شيء من الأحداث مانعًا من القرآن إلا الجنابة (رواه الخمسة) والحاكم والبراز وغيرهم (وصححه الترمذي) ولفظه "يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا" وصححه أيضًا ابن حبان وابن السكن. وقال ابن خزيمة هذا ثلث رأس مالي.
وفيه عبد الله بن سلمة تكلم بعضهم فيه.
وعنه قال: "رأيت رسول الله – ﷺ توضأ ثم قرأ شيئًا من القرآن. وقال هكذا لمن ليس يجنب فأما الجنب فلا ولا آية" قال الهيثمي ورجاله موثقون. ولأبي داود وغيره بسند ضعيف "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن" ومذهب الجمهور أحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم تحريم قراءة الجنب القرآن.
وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. ولم ير به ابن عباس بأسًا. واستأنس من لم ير تحريمه بحديث عائشة يذكر الله على كل أحيانه ويخصص بحديث علي وغيره. وقال شيخ الإسلام يباح للحائض إذا خافت نسيانه بل يجب.
(وعن عائشة) ﵂ (قالت قال رسول الله – ﷺ إني لا أحل المسجد) أي دخوله والبقاء فيه (لحائض ولا جنب" رواه أبو داود) وصححه ابن خزيمة، وعن أم سلمة نحوه رواه ابن ماجه وكلاهما من حديث أفلت بن خليفة. وقال أحمد لا بأس به والحديثان يدلان على عدم حل اللبث في المسجد للجنب والحائض. وهو قول أهل العلم وتقدم.
стр. 84
(وعنها قالت كان رسول الله – ﷺ " إذا اغتسل من الجنابة) ولأحمد إذا أراد أن يغتسل من الجنابة (يبدأ فيغسل يديه) وفي حديث ميمونة مرتين أو ثلاثًا (ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه) ولأحمد وغيره فيوضع له الإناء فيه الماء "فيفرغ على يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله فيغسل فرجه" وفي رواية " حتى ينقيه ثم يغسل يده غسلاً حسنًا" وفي حديث ميمونة "ثم أدخل يده في الإناء فأفاض على فرجه ثم دلك يده بالحائط أو الأرض".
فابتداؤه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء سنة إجماعًا.
ويتأكد إذا كان مستيقظًا من النوم كما ورد صريحًا وكان الغسل من الإناء (ثم يتوضأ" ولأحمد "ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا وغسل وجهه ثلاثًا وذراعيه ثلاثًا". وفي حديث ميمونة "ثم توضأ وضوءه للصلاة" وذكرت المضمضة والاستنشاق في الوضوء والمضمضة والاستنشاق في الغسل سنة وكذا الوضوء فيه سنة وليس بواجب ولا شرط حكاه ابن جرير وغيره إجماعًا لأن الله أمر بالغسل ولم يذكر الوضوء. وللأحاديث الدالة عليه كقوله "فأفرغ عليك" وقوله "فأمسه بشرتك".
(ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات) والحفنة ملء الكف وفي رواية "ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات" ولأحمد "ثم يخلل أصول الشعر حتى إذا ظن
стр. 85
أنه قد استبرأ". ولا نزاع في مشروعية تخليل الشعر. ولهما من وجه آخر. "فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه" وفي حديث ميمونة "ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه". ولمسلم "ملء كفه وظاهره أنه لم يمسح رأسه كما يفعل في الوضوء.
(ثم أفاض الماء على سائر جسده) أي بقية بدنه. ولأحمد "ثم يغسل سائر جسده" وفي حديث ميمونة "ثم غسل" بدل أفاض. والإفاضة الإسالة بلا دلك. وحقيقة الغسل إفاضة الماء على الأعضاء وفي لفظ "أفرغ" والمراد أسال الماء على سائر جسده. فلا يجب الدلك إلا لما ينبو عنه الماء. وما لا ينبو عنه فمندوب بلا نزاع. لما في قوله (فاطهروا) وغيره من المبالغة.
وأما إفاضة الماء على جميع البدن فواجب بإجماع المسلمين سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيفًا.
ولا يشرع التثليث في غسل البدن. قال شيخ الإسلام وكل من نقل غسل النبي – ﷺ لم يذكر أنه غسل بدنه كله ثلاثًا.
ولا يصح قياسه على الوضوء. والسنة قد فرقت بينهما (ثم غسل رجليه" متفق عليه) ولأحمد "فإذا خرج غسل قدميه" وفي حديث ميمونة "ثم تنحى فغسل قدميه". وفي رواية للبخاري "ثم توضأ وضوءه للصلاة" غير رجليه. قال الحافظ فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين وقال بعضهم يغسلها مرتين لقولهم توضأ وضوءًا كاملاً ثم غسلهما بعد فراغه.
стр. 86
واستحبه مالك إذا كان المكان غير نظيف. قالت ميمونة فأتيته بخرقة فلم يردها وجعل ينفض الماء بيديه. والأشهر أنه يستحب ترك التنشيف.
وصفة هذا الغسل في الصحيحين والسنن وغيرها من حديث عائشة وميمونة وابن عباس وغيرهم من طرق بألفاظ متقاربة. وهو الغسل الكامل. ولا يستحب الوضوء بعده فللخمسة. وصححه الترمذي "كان لا يتوضأ بعد الغسل".
(وعن أم سلمة قالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي) بفتح الضاد وسكون الفاء قال النووي وغيره هذا المعروف في رواية الحديث والمستفيض عند المحدثين ويجوز ضمهما وضفر الشعر فتله وإدخال بعضه في بعض (أفأنقضه لغسل الجنابة وفي رواية والحيضة) أي في إحدى رواياته له أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة (فقال لا) أي لا يجب عليك نقضه لهما (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) يقال حثيت وحثوت والحثية الحفنة من ماء وغيره.
قال ابن العربي والنووي وغيرهما: قال الجمهور لا تنقضه إلا أن يكون ملبدًا لا يصل الماء إلى أصوله إلا بنقضه فيجب. وعن أحمد تنقضه في الحيضة والثانية كالجماعة أنه لا يجب نقضه.
وبلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن فقالت أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن رواه
стр. 87
مسلم.
ولأبي داود عنها مرفوعًا: "لا عليها أن لا تنقضه" وإسناده حسن.
(ثم تفيضين عليك الماء) أي تسيلين الماء على سائر جسدك كما تقدم نحوه (فتطهرين) فيه دلالة على أنه إذا جلل بدنه بالماء أو انغمس فيه من غير دلك أجزأه (رواه مسلم) وأصحاب السنن وغيرهم، وفي لفظ واغمزي قرونك. قال الشيخ فيه دليل على وجوب بل داخل الشعر المسترسل اهـ
وهذه صفة الغسل المجزئ أن يعمم بدنه بالغسل. قال ابن عبد البر وغير واحد يجزئ بالإجماع.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال قال رسول الله ﷺ إن تحت كل شعرة جنابة) فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها الماء بقيت الجنابة (فاغسلوا الشعر) لأنه إذا كان تحت كل شعرة جنابة فبالأولى أنها فيه. ففرع غسل الشعر على الحكم بأن تحت كل شعرة جنابة.
("وانقوا البشر" رواه أبو داود وضعفه) ورواه أحمد وغيره وضعفه أيضًا وأنقوا البشر أي نظفوا ظاهر البدن ولو كانت البشرة تحت الشعر كثيفًا كان أو خفيفًا وسواء كان على بعض أعضائه أو شعره حناء أو شمع أو عجين أو طين ونحو
ذلك فمنع وصول الماء إلى البشرة أو إلا نفس الشعر لم يصح غسله. فعن علي مرفوعًا "من ترك موشع شعرة من جنابة
فعل الله به كذا وكذا" صححه الحافظ وهو دليل على وجوب
стр. 88
إيصال الماء إلى جميع البشرة وأنه لا يعفى عن شيء منه. وحكى الإجماع فيه غير واحد.
(وعن أنس كان النبي – ﷺ يتوضأ بالمد) يعني من الماء (ويغتسل بالصاع) وهو أربعة أمداد ولذا قال (إلى خمسة أمداد" متفق عليه) والمد رطل وثلث عراقي. وفي الصحيحين عن عائشة "كنت أغتسل أنا ورسول الله – ﷺ من إناء واحد يقال له الفرق" وقال شيخ الإسلام مقدار طهور النبي – ﷺ في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية إلى خمسة وثلث. والوضوء ربع ذلك. وقال الجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء واحد. وهو أظهر وإن زاد جاز ما لم يبلغ إلى حد الإسراف.
(وعن يعلي بن أمية) بن عبيدة التميمي الحنظلي المتوفى سنة سبع وأربعين ﵁ (مرفوعًا "إذا اغتسل أحدكم فليستتر" رواه أبو داود) ورواه النسائي وغيره ورجاله
موثقون.
وللبزار نحوه من حديث ابن عباس. وقال الحسن والحسين إن للماء سكانًا والجمهور على أنه أفضل. وحكى القاضي عياض جواز الاغتسال عريانًا عن أكثر العلماء لقصة اغتسال موسى وأيوب. ويحرم بين الناس عريانا عن أكثر العلماء لقصة اغتسال موسى وأيوب. ويحرم بين الناس عريانًا جزم به الشيخ وغيره. وتدل عليه أخبار وجوب ستر العورة.
(وعن عائشة إذا كان) يعني النبي ﷺ "جنبًا فأراد
أن يأكل أو ينام توضأ" رواه مسلم)، وللترمذي وصححه من
стр. 89
حديث عمار "أرخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة" وفي الصحيحين عن عائشة "إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة" ولهما من حديث عمر أيرقد أحدنا وهو جنب قال "نعم إذا توضأ".
فالوضوء عند إرادة الأكل والشرب والنوم سنة بل يستحب الدوام على الطهارة وتتأكد السنية عند النوم للأمر به وخشية أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة جنازته والأرواح تسجد تحت العرش إذا نام على طهارة فالكبرى أولى. قال ابن القيم وهي والله أعلم العلة التي أمر الجنب لأجلها أن يتوضأ إذا أراد النوم انتهى. ولأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب.
(وله عن أبي سعيد مرفوعًا "إذا أتى أحدكم أهله) كنى به عن الجماع وقال (ثم أراد أن يعود) أي إلى إتيان أهله (فليتوضأ بينهما وضوءًا) ولابن خزيمة والبيهقي "وضوءه للصلاة" وفيه دلالة على شرعية الوضوء لمن أراد معاودة أهله.
وزاد الحاكم "فإنه أنشط للعود" أي معاودة الوطء. والغسل أفضل لأنه أزكى وأطهر. ولأبي داود وغيره أنه ﷺ "طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلاً. وقال هذا أطهر وأطيب" واستحباب مبادرة الجنب بالغسل أول الليل مجمع عليه. وجواز النوم والأكل والشرب للجنب وكذا العودة إلى
الجماع قبل الغسل مجمع عليه أيضًا لما ثبت عن النبي – ﷺ أنه
стр. 90
ربما اغتسل في أول الليل وربما اغتسل في آخره. ولمسلم وغيره يجنب ويتوضأ ثم ينام.
باب التيمم
في اللغة القصد. ثم كثر استعماله حتى صار علمًا على مسح الوجه واليدين بالتراب. وهو من خصائص هذه الأمة لم يجعله الله طهورًا لغيرها توسعة لها. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وبدل من الطهارة بالماء إجماعًا (قال تعالى: "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا) أي أقصدوا ترابًا طاهرًا هذا مذهب الشافعي وأحمد لقوله "وجعلت تربتها لنا طهورًا" وقال ابن كثير وغير واحد الصعيد هو كلما صعد على وجه الأرض فيدخل فيه التراب والرمل وغير ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. والقول الثاني لأحمد. وقال الزجاج وغيره لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره وذهب أهل التحقيق إلى أن المتعين التراب مع وجوده. وإلا فالرمال ونحوها. والطيب الطاهر بالإجماع.
﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ أي من الصعيد الطيب وفيه وجوب مسح الوجه واليدين في التيمم وهو
إجماع.
وأن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر. وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها. ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾، فلهذا سهل عليكم إذا عدمتم الماء أو لو تقدروا على استعماله ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ من
стр. 91
الأحداث والنجاسات ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بتكفير الخطايا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ نعمه فيما شرع لكم من التوسعة والرحمة والتسهيل.
وجمعت الشريعة بين الماء والتراب في التطهير فما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة كما قال ابن القيم وقد عقد سبحانه الإخاء بينهما قدرًا وشرعًا. خلق منهما آدم وذريته وجعل منهما حياة كل حيوان وأخرج منهما الأقوات وكانا أعم الأشياء وجودًا وأسهلها تناولاً، وكان تعفير الوجه بالتراب من أحب الأشياء إلى الله تعالى.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ الآية.
قال إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم رواه البزار وصححه ابن خزيمة. والمراد مرض يضره معه استعمال الماء. أو كان على موضع الطهارة جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف فإنه يصلي بالتيمم.
أو يخاف زيادة الوجع فإنه يمسح عليه إن أمكن. أو يعصب على الجرح ويمسح على العصابة. فإن خشي ضررًا تيمم للجرح.
والمرض على ثلاثة أضرب أحدها يسير لا يخاف من استعمال الماء معه تلفًا ولا مرضَا ولا بطء برء ولا زيادة ألم كصداع ووجع ضرس وحمى لا يضر معها وشبه ذلك
فهذا لا يجوز له التيمم بلا نزاع. الثاني مرض يخاف معه من
стр. 92
استعمال الماء تلف النفس أو عضو أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو فهذا يجوز له التيمم إجماعًا. والثالث أن يخاف بطء البرء أو زيادة المرض أو حصول شيء أو بقاء أثر شين على عضو ظاهر جاز في قول جماهير العلماء سلفًا وخلفًا لظاهر الآية وعموم البلوى. واستنبط أكثر العلماء من الآية أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء فمتى طلبه فلم يجده جاز له التيمم وإلا فلا. قال ابن القيم وألحقت الأمة واجد ثمن الماء بواجده. ومن خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم.
(وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال أعطيت خمسًا) أي خصه الله بخصائص خمس (لم يعطهن أحد) من الأنبياء (قبلي) ومعلوم أنه لا يعطاهن أحد بعده إذا الخاصة هي ما توجد في الشيء دون غيره (نصرت بالرعب) يعني الخوف (مسيرة شهر) أي بينه وبين العدو مسافة شهر. وللطبراني "نصرت بالرعب على عدوي مسيرة شهرين" وإنما جعل مسافة شهر أو شهرين لأنه لم يكن بينه ﷺ وبين عدوه أكثر من هذه المسافة حتى أنه ليخافه ملك بني الأصفر.
(وجعلت لي الأرض مسجدًا) موضع سجود ولا يختص به موضع دون موضع سوى ما ورد فيه النهي كالمقبرة والحش.
وهذه الخصلة لم تكن لغيره ﷺ كما في رواية "وكان من قبلي إنما
стр. 93
كانوا يصلون في كنائسهم" وفي أخرى "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" (وطهورًا) بفتح الطاء أي مطهرًا وهذا الشاهد من الحديث جعلنا الله لنا طهورًا كما جعلها مسجدًا (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) أي بالتيمم على أي حال إذا لم يجد الماء (متفق عليه) قال الشيخ وكل من امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس اليهود والنصارى. فإن التيمم لأمة محمد ﷺ خاصة. وفي لفظ "فعنده مسجده وطهوره" وللترمذي وغيره وصححه "والصعيد الطيب طهور المسلم" وفيه دلالة على أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. قال الشيخ وهو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار.
ومن قال إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة. وقال أحمد القياس أن تجعل التراب كالماء وفيه دلالة أيضًا على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. ولأحمد وغيره من حديث أبي أمامة "وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا"، وكان ﷺ وأصحابه يجتازون الرمال، ولم ينقل أنهم حملوا التراب ولا أمروا بحمله ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن الرمال في تلك المفاوز أكثر من التراب. وإنما كانوا إذا أدركتهم الصلاة تيمموا بالأرض التي صلوا عليها ترابًا أو غيره.
وتمام الحديث قال "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"
стр. 94
وكان غنائم من قبله – ﷺ تأكلها النار. "وأعطيت الشفاعة" ولا ينكرها إلا كافر "وكان النبي – ﷺ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وثبت غير هذه الخمس وعد النيسابوري وغيره أن الذي اختص به ﷺ من بين سائر الأنبياء أكثر من ستين خصلة وعدها بعض المتأخرين إلى ثلاثمائة. والتحقيق أنها لا تحصر فمفهوم العدد في هذا الحديث غير مراد.
(وعن أبي ذر) ﵁ (مرفوعًا "الصعيد الطيب طهور المسلم) وللبزار وصححه ابن القطان "وضوء المسلم" (وإن لم يجد الماء عشر سنين) المراد بالعشر التقريب لا التحديد فمعناه أن يفعل مرة بعد أخرى وإن بلغ عدم الماء ما بلغ (فإذا وجد الماء فـ) ليتق الله و (ليمسه بشرته" رواه الخمسة وصححه الترمذي) وصححه أيضًا ابن حبان والدارقطني وسببه أن أبا ذر اجتوى المدينة فأمر له رسول الله – ﷺ بإبل فكان فيها. فأتى رسول الله – ﷺ فقال هلك أبو ذر. قال "ما حالك قلت كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء. قال الصعيد طهور" الحديث.
وفيه دليل على وجوب إمساسه الماء بشرته عند إرادة الصلاة وذلك مع القدرة وسماه طهورًا ووضوءًا وهو حجة لمن قال حكمه حكم الماء يرفع الجنابة والحدث ويصلي به ما شاء.
وإذا وجد الماء وجب عليه أن يمسه بشرته للمستقبل من الصلاة
стр. 95
لأن الله تعالى جعله قائمًا مقام الماء فلا يخرج عنه إلا بدليل.
وأجمعوا على أنه يجوز للجنب كما يجوز للمحدث لا فرق وإذا وجده الجنب وجب عليه الاغتسال لما استفاض من الأمر به.
ولم يصح عنه – ﷺ التيمم لكل صلاة ولا أمر به بل أطلق التيمم وجعله قائمًا مقام الماء فاقتضى أن يكون حكمه حكمه إلا فيما اقتضاه الدليل. قال الشيخ يقوم مقام الماء مطلقًا ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده. وهذا القول هو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة. وقال في موضع آخر التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى أعدل الأقوال.
واستحسنه شيخنا وقال العمل عليه عند أهل العلم وهو أحوط وخروجًا من الخلاف ولا مشقة فيه.
(وعن جابر) ﵁ (في الرجل الذي شج فاغتسل فمات) قال جابر خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله – ﷺ أخبر بذلك (فقال رسول الله – ﷺ ) "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما
شفاء العي السؤال (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها) أي على الجبيرة (ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود) وفيه الزبير بن خريق تكلم فيه بعضهم
стр. 96
وله طرق وشواهد يصلح معها للاحتجاج به.
فدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر وهو مذهب الجماهير من أهل العلم. وتقدم خبر ابن عباس وقول شيخ الإسلام وغيره أنه إن خاف ضررًا مسح على الجرح مباشرة. فإن خاف ضررًا جعل جبيرة ثم مسح عليها. وإن لم يمكنه تيمم للجرح. قال شيخ الإسلام ومسح الجرح أولى من مسح الجبيرة وهو خير من التيمم. وقال فيما إذا كان الجرح بين أعضاء الوضوء لا يلزمه مراعاة الترتيب. وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره. والفصل بالتيمم بين أعضاء الوضوء بدعة وهذا الخبر والله أعلم من باب المقدم والمؤخر.
(وعن عمرو بن العاص وكان تيمم في ليلة باردة وصلى بأصحابه) وذلك في غزوة ذات السلاسل قال فأشفقت أن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكر ذلك لرسول الله – ﷺ فقال رسول الله ﷺ يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني وقلت ذكرت قول الله ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ علم منها أنه نهى عن إهلاك نفسه قال فتيممت ثم صليت.
جعل خشية مشقة الاستعمال كعدم عين الماء قال: (فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا).
فدل على جواز التيمم عند شدة البرد ونحوه. وقال ابن القيم وألحقت الأمة من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض
стр. 97
في العدول عنه إلى البدل (رواه الخمسة) وغيرهم والبخاري تعليقًا ولم يعد مطلقًا. قال شيخ الإسلام وهذا هو الصحيح لأنه فعل ما قدر عليه فلا إعادة عليه. وهذا مذهب جماهير العلماء.
مالك. وأحمد. وأبي حنيفة. وابن المنذر. وغيرهم. لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإن أمكنه تسخينه والاغتسال في الوقت لزمه ذلك. فإن خاف الضرر باستعمال البعض غسل ما لا يتضرر به وتيمم للباقي ويكون قد فعل ما أمر به من غير تفريض ولا عدوان.
(وعن عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك العنسي حليف بني مخزوم أسلم قديمًا وعذب بمكة على الإسلام وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد وقتل بصفين وهو ابن ثلاث وسبعين (أن رسول الله ﷺ ) بعثه في حاجة قال فاجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فقال "إنما كان يكفيه أن تقول) أي تفعل ولأبي داود وغيره أن تصنع (بيديك هكذا) ثم بينه بفعله (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة) قال أحمد من قال ضربتين إنما هو شيء زاده (ثم مسح الشمال على اليمين وظهر كفيه ووجهه" متفق عليه)، وللبخاري "وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه". وللترمذي وصححه "أمره بالتيمم للوجه والكفين" وصح أنه تيمم بالجدار وهو جائز عند السلف والخلف.
стр. 98
وأصح حديث في صفة التيمم حديث عمار هذا. وحديث أبي جهيم وهو في الصحيح بلفظ "فمسح بوجهه وكفيه" وما سواهما ضعيف أو موقوف. وهذان الحديثان مفسران لمجمل الآية وهو مذهب فقهاء الحديث وجماهير العلماء. وفي حديث عمار التصريح بكفاية التيمم للجنب الفاقد للماء. ويقاس عليه الحائض والنفساء وهو قول عامة أهل العلم. إلا ما روي عن ابن عمر وابن مسعود.
(وعن أبي سعيد الخدري في الرجلين الذين تيمما وصليا) وذلك أنهما خرجا في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا (ثم وجدا الماء في الوقت) أي وقت الصلاة التي صلياها بالتيمم.
(فأعاد أحدهما) الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكر ذلك له (فقال للذي لم يعد أصبت السنة) أي الطريقة الشرعية (وأجزأتك صلاتك) لأنها وقعت في وقتها والماء مفقود فالواجب إذًا التراب (وقال للآخر) الذي توضأ وأعاد الصلاة في الوقت (لك الأجر مرتين) أجر الصلاة بالتراب وأجر الصلاة بالماء (رواه أبو داود) ورواه ابن السكن والنسائي مسندًا ومرسلاً وله شاهد من حديث ابن عباس رواه
إسحاق في مسنده أنه – ﷺ "بال ثم تيمم فقيل له إن الماء قريب منك قال فلعي لا أبلغه" واستدل بهما من لا يرى الانتظار واستأنس من قال فلعلي لا أبلغه" واستدل بهما من
لا يرى الانتظار واستأنس من قال بالانتظار بقول علي في
الجنب يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت والمراد وقت الاختيار
стр. 99
وحكي اتفاقًا وعللوه بأن الطهارة بالماء فريضة. والصلاة في أول الوقت فضيلة وانتظار الفريضة أولى.
وفي الحديث دلالة على عدم الإعادة لأشرفية إصابة السنة وعدم الأمر له بالإعادة ولصدورها منه صحيحة، وفي الصحيحين في قصة القلادة "فبعث رسول الله – ﷺ رجالاً في طلبها فوجدوها فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء" ولم يأمرهم بالإعادة. قال شيخ الإسلام، وهو مذهب جمهور السلف وعامة الفقهاء. وهو الصحيح من أقوالهم لأنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به بحسب استطاعته لحديث ابن عمر مرفوعًا (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) رواه أبو داود والنسائي. وإنما يعيد من ترك واجبًا يقدر عليه كنسيانه أو نومه.
باب إزالة النجاسة
أي هذا باب بيان إزالة النجاسة وأحكامها وتطهير محالها وما يعفي عنه منها وما يتعلق بذلك. والمراد الحكمية وهي الطارئة على عين طاهرة فيمكن تطهيرها. وأما النجاسة العينية فلا تطهر بحال. والإزالة التنحية والنجاسة اسم مصدر وجمعها أنجاس والنجس هو المستقذر المستخبث. وشرعًا قذر مخصوص يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم. واتفقوا على أن إزالتها مأمور بها شرعًا.
(قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء﴾ يعني المطر
стр. 100
﴿طَهُورًا﴾ أي آلة يتطهر به من الأحداث والنجاسات.
والطهور هو الطاهر في ذاته المطهر لغيره وهذه الآية كقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ ولا نزاع في أن الماء مطهر. وإنما النزاع في غيره. قال ابن القيم والنجاسة تزول بالماء حسًا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع.
(وعن أنس قال جاء إعرابي) يقال هو ذو الخويصرة نسبة إلى الأعراب وهم سكان البادية (فبال في طائفة المسجد) أي في ناحيته والطائفة القطعة من الشيء (فزجره الناس) أي نهروه وفي لفظ فقام إليه الناس ليقعوا به (فنهاهم النبي – ﷺ ) بقوله "دعوه" وفي لفظ "لا تزرموه" (فلما قضى بوله "أمر النبي – ﷺ بذنوب) بفتح الذال وهي الدلو الملآى (من ماء) تأكيد (فأهريق عليه) أصله فأريق عليه ثم أبدلت الهاء من الهمزة ثم زيدت همزة أخرى فصار فاهريق عليه أي صب عليه الماء (متفق عليه) وللبخاري نحوه من حديث أبي هريرة وقال صبوا عليه سجلاً أو قال ذنوبًا من ماء.
وفيه دليل ظاهر على نجاسة بول الآدمي وهو إجماع. وإذا كان على الأرض طهر بالماء كسائر النجاسات سواء صب على أرض رخوة أو صلبة وفيه احترام المساجد. وقال له النبي ﷺ "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر
إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن". وفيه الأمر بالرفق. ودفع أشد
стр. 101
المضرتين بأخفهما. لأنه لو قطع عليه بوله لأضر به مع ما يحصل بتنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد.
وفي الصحيح "أن الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك" وذلك أنها تطهر بالاستحالة حيث لم يبق فيها أثر النجاسة فلو كانت النجاسة باقية لوجب غسلها. والأمر بالصب على بول الأعرابي يحصل به تعجيل تطهير الأرض. فإذا لم يصب الماء عليها فإن النجاسة تبقى إلى أن تستحيل كما قاله شيخ الإسلام وغيره وقال إذا أصابت الأرض نجاسة فذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة فمذهب الأكثر طهارة الأرض. وجواز الصلاة عليها هذا مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد.
والقول القديم للشافعي وهذا القول أظهر من قول من لا يطهرها بذلك.
(وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – ﷺ "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) أي شرب مما فيه بطرف لسانه أو أدخل لسانه فيه فحركه وهذا شامل لجميع الكلاب لا فرق بين كلب صيد أو غيره. ولهما "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم" أي فطهوره (أن يغسله) يعني الإناء (سبع مرات) قال الشيخ وذلك أن يلغ شيئًا فشيئًا فلا بد أن يبقى في الماء شيء من ريقه فيكون الخبث محمولاً والماء يسيرًا فيراق لأجل كون الخبث محمولاً ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث سبعًا "أولاهن
стр. 102
بالتراب رواه مسلم) وفي رواية "إحداهن" والأولى أولى لكثرة رواتها وحفظهم وليأتي بعده فينظفه.
والحكمة في ذلك أن ريق الكلب فيه لزوجة فأمر بالتراب لأن فيه طهورية وإزالة للزوجة. ويجزئ عن التراب أشنان وصابون ونحوهما. قال الشيخ والصابون ونحوه أبلغ من وجوه. وفيه دلالة ظاهرة على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب أو شربه. وهذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلا الحنفية فحملوا السبع على الندب. وظاهره العموم إلا الأرض وما اتصل بهنا فتكاثر بالماء.
وأما غير الكلب فلا يجب العدد لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في ذلك شيء لا من قوله ولا من فعله وإنما تكاثر بالماء حتى تذهب عين النجاسة ولونها إن أمكن اتفاقًا للأخبار. وقال النووي وغيره إن كانت كالبول وجب غسلها ولا تجب الزيادة لكن يستحب ثانية وثالثة. وإن كانت كالدم فلا بد من إزالة عينها. ويستحب بعد زوالها ثانية وثالثة ولا يضر لونها.
(وعن أسماء بنت أبي بكر) الصديق ﵄ أم عبد الله بن الزبير أسلمت بمكة قديمًا وماتت بها بعد قتل ابنها بشهر ولها مائة سنة (أن النبي – ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب) وفي رواية قالت جاءت امرأة إلى النبي – ﷺ فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع فقال (تحته)
стр. 103
أي تقشره وتحكه وتنحته والمراد بذلك إزالة عينه (ثم تقرصه) بضم الراء أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها (بالماء) ليتحلل بذلك ويخرج ما تشربه الثوب منه (ثم تنضحه) قال الخطابي أي تغسله. وفي رواية "تغسله" وفي حديث معاذة قالت عائشة تغسله (ثم تصلي فيه" متفق عليه) ولأحمد وغيره قالت خولة فإن لم يذهب الدم قال "يكفيك الماء ولا يضرك أثره".
ويحكم بطهارته اتفاقًا.
والحاصل أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك في الكتاب والسنة وأما تعيينه وعدم الاجتزاء بغيره فيحتاج إلى دليل ولم يرد دليل يقضي بحصر التطهير بالماء ومجرد الأمر به لا يستلزم الأمر به مطلقًا. وفيه دليل على أنه لا يحتاج في غسل نجاسة غير الكلب إلى عدد معين. قال شيخنا وهو أصح وهذا الحديث أصح حديث في الباب وإن من النجاسات ما يحتاج إلى ماء كثير ومنها ما لا يحتاج إلا إلى قليل فيكون بحسبها.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا "إذا وطئ أحدكم الأذى) أي المستقذر طاهرًا كان أو نجسًا وفي رواية "فإن رأي خبثًا (بخفيه فطهورهما التراب" رواه الأربعة) وفي سنده مقال. وعن أبي سعيد نحوه رواه أبو داود وغيره بسند جيد. وفي السنن أيضًا عن أم سلمة في الذيل قال "يطهره ما بعده" ولهما شواهد يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها، على أن النعل والذيل يطهر بدلكه رطبًا كان الأذى الذي بهما أو
стр. 104
يابسًا. ويلحق بهما ما يقوم مقامهما لقيام العلة وعدم الفارق.
وقال شيخ الإسلام، السنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله "اغسليه بالماء"، وقوله "صبوا على بوله" فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة ولم يأمر أمرًا عامًا بأن تزال النجاسة بالماء. وقد أذن بإزالتها بغير الماء في مواضع منها الاستجمار. ومنها قوله في النعل "ثم ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور". ومنها قوله في الذيل "يطهره ما بعده" وهذا القول هو الصواب. قال وثبت الاستجمار بالأحجار في المقعدة والإحليل وهما أصل النجاسات فطهارة نحو ذلك بالمسح موافق للنص والقياس. وقال الصحيح أن النجاسة تزال بغير الماء لكن لا يجوز استعمال الأطعمة ولا الأشربة في إزالتها بغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال.
(وعن أنس قال سئل رسول الله – ﷺ عن الخمر تتخذ خلا قال "لا" الخمر كل مسكر مخامر للعقل من عصير العنب أو غيره. سميت خمرًا: لأنها تخامر العقل؛ أو لأنها تترك فتخمر. وهي رجس كما في الآية. وحكى أبو حامد وغيره الإجماع على نجاستها. وقال ابن رشد الاختلاف شاذ وتخليلها معالجتها بطرح شيء فيها كالملح. وثبت عن طائفة من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف في الصحابة ﵃ لكون تخليلها وسيلة إلى فعل المحرم وأخبر أنها داء إبعادًا عن اصطناعها الداعي إلى شربها (رواه
стр. 105
مسلم) وغيره وقال عمر لا تأكلوا خل خمر إلا خمرًا بدأ الله بفسادها وذلك لأن اقتناء الخمر محرم.
فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرمًا فلا يكون سببًا للحل. فإذا انقلبت بنفسها جاز وطهرت. قال الشيخ بإجماع المسلمين لأنه لا يريد تخليلها. وإذا جعلها الله خلاً كان معاقبة له بنقيض قصده فلا يكون في طهارتها ولا في حلها مفسدة. فما استحال إلى الطهارة طهر عند جماهير العلماء قال شيخ الإسلام والرواية صريحة في التطهير وهو الصحيح في الدليل ولا يدخل في نصوص التحريم لا لفظًا ولا معنى. ولا ينبغي أن يعبر بأن النجاسة طهرت بالاستحالة فإن نفس النجاسة لم تطهر لكن استحالت وهذا الطاهر ليس هو ذاك.
فمتى سقط ذلك الاسم سقط ذلك الحكم. وإن كان مستحيلاً منه كما أن الماء ليس هو الزرع. والاستحالة استفعال من حال الشيء عما كان عليه زال وذلك مثل تغير العين النجسة ونحو ذلك. وقال قول من قال الاستحالة لا تطهر فتوى عريضة مخالفة لإجماع المسلمين.
(وعن ميمونة) أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية كان اسمها برة فسماها رسول الله – ﷺ ميمونة تزوجها سنة سبع في عمرة القضية وكانت وفاتها سنة إحدى وستين (أن فأرة وقعت في سمن) هو ما يكون من الحيوان من سلإ زبدٍ وغيره وليس الخبر مختصًا بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات من زيت أو
стр. 106
دهن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك.
قال ابن القيم هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى لا يفرقون بين السمن والزيت والشيرج كما لا يفرقون بين الهرة والفأرة في ذلك (فقال – ﷺ القوها) أي ألقوا الفأرة (وما حولها) أي ما حول تلك الفأرة من السمن (وكلوه) أي وكلوا ما بقي من السمن وذلك ما لم يتغير (رواه البخاري) وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. وقيل لابن عباس أن أثرها في السمن كله فقال إنما كان وهي حية.
قال شيخ الإسلام إذا وقعت في سمن ونحوه ولم يتغير بها ألقيت وما قرب منها ويؤكل ويباع في أظهر قولي العلماء. وقال إذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير فكذلك الصواب في المائعات ومن تدبر الأصول المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال والأقيسة.
وقال ولم يبلغني إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم تتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله.
وما رواه أبو داود وغيره إن كان مائعًا فلا تقربوه فهو من رواية معمر وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم. وقوله فلا
تقربوه متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين. وقال
стр. 107
البخاري وغيره خطأ. ومن عمل به من العلماء فلظنهم صحته وهو باطل. ولو علم أحمد العلة القادحة فيه لم يقل به. وقال ابن القيم غلط معمر من عدة وجوه ويكفي أن الزهري قد روى عنه الناس خلاف ما روى عنه معمر.
وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تلقى وما حولها ويؤكل الباقي. واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه فقد اتفق على ذلك النص والقياس ولا يصلح للناس سواه. وما سواه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبه طرده.
وقال ما لم تغيره النجاسة لا ينجس وهو الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول.
(وله عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) وفي لفظ "في طعام أحدكم" (فليغمسه) كله (ثم لينزعه) بكسر الزاي وفيه أن يمهل في نزعه بعد غمسه (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) لفظ أبي داود ولفظ البخاري "ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء". وفي لفظ "سما" زاد أبو داود "وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء". ولأحمد وابن ماجه أنه "يقدم السم ويؤخر الشفاء".
وفيه دلالة ظاهرة على أنه إذا مات في ماء أو مائع أنه لا ينجسه قال ابن القيم وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك لأنه – ﷺ أمر بغمسه ومعلوم أنه يموت
стр. 108
بذلك ولا سيما إذا كان الطعام حارًا وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يدور مع علته ونتفي بانتفاء سببه. فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل أنفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته وهذا بالاتفاق.
(وللخمسة) من حديث علي عند أحمد والترمذي (أن رسول الله – ﷺ قال" ينضح بول الغلام) أي يكاثر بوله بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وهو نجس وإنما خفف الشارع في تطهيره لكثرة حمله وانتشار بوله فتعظم المشقة بغسله. وقيئه كبوله وأولى بالتخفيف. والغلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه وفي لفظ بول الغلام الرضيع (ويغسل بول الجارية) وهي: فتية النساء سميت بذلك لكثرة جريها وأكثر استعماله للصغيرة في مقابلة الغلام قال قتادة وهذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا (حسنه الترمذي) وصححه الحاكم وغيره ولابن ماجه من حديث أم كرز نحوه.
ولأبي داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث أبي السمح "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام" ولأحمد وغيره من حديث أبي أمامة نحوه. وفي الصحيحين من حديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله
– ﷺ "فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه
ولم يغسله". ونضح بول الغلام ما لم يأكل الطعام وغسل بول
стр. 109
الجارية متواتر لا شيء يدفعه. ولابن حبان عن ابن شهاب "مضت السنة أن يرش من بول من لم يأكل الطعام من الصبيان".
والمراد ما لم يحصل لهم الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال. وقال شيخنا وغيره ليس المراد امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب أو يصيح أو يشير إليه فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام.
(وعن عائشة) –﵂ قالت ("كنت أفرك المني من ثوب رسول الله – ﷺ ) فركًا والفرك الدلك (فيصلي فيه" رواه مسلم)، وفي لفظ "كنت أحكه يابسًا بظفري من ثوبه". وصح عن ابن عباس أنه قال "إنه بمنزلة البصاق والمخاط" وفي الصحيحين "كنت أغسله" وفي لفظ "يغسل المني ثم يخرج إليه الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه". ودلت السنة على غسل رطبه وفرك يابسه فدل على طهارته. قال شيخ الإسلام وأما كون عائشة تغسله تارة وتفركه أخرى فلا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قول غير واحد من الصحابة.
وقال مني الآدمي طاهر سواء كان مستجمرًا أو مستنجيًا ومن قال أن مني المستجمر نجس لملاقاته رأس الذكر فقوله ضعيف. فإن مالصحابة كان عامتهم يستجمرون ولم يكن
стр. 110
يستنجي بالماء منهم إلا القليل ومع هذا فلم يكن – ﷺ يأمر أحدًا منهم بغسل مني ولا فركه اهـ وأما المذي والودي فتقدم أنهما نجسان إجماعًا.
ويعفى عن يسير المذي جذم به الموفق وغيره وصححه الشيخ وغيره خصوصًا في حق الشباب لكثرة خروجه فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم ونحوه. قال وهو أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الحذاء. وفي حديث علي في المذي وتأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك واختار هو وغير واحد من أهل العلم العفو عن يسير النجاسات مطلقًا في الأطعمة وغيرها.
(وعن أبي قتادة أن رسول الله – ﷺ قال في الهرة) الهر القط والحديث له سبب وهو أن أبا قتادة سكب له وضوءه فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت فقيل له في ذلك فقال. قال رسول الله – ﷺ (إنها ليست بنجس) أي فلا ينجس ما لامسته وطهارة بعض الحيوان أمر غير حل أكله بالزكاة والمراد طهارة البدن وما أصاب. قال (إنما هي من الطوافين عليكم) جمع طواف والطواف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية شبهها به لمشقة التحفظ منها وفيه إشارة إلى أنه لما جعلها بمنزلة الخادم خفف على عبادة بأن جعلها غير نجس دفعًا للحرج. قال الشيخ فسبب الطهارة الطواف لدفع الحرج (رواه الخمسة وصححه البخاري) والترمذي وغيرهما.
والحديث دليل على طهارتها وإن باشرت نجسًا. وقال
следующие страницы →