← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ويسمى بيع المضطر. واختار الشيخ الصحة من غير كراهة. فلو امتنع الناس من الشراء منه لكان أشد ضررًا عليه. قال ومن استولى على ملك إنسان بلا حق. ومنعه إياه حتى يبيعه له على هذا الوجه فهذا مكره بغير حق. فلا يصح بيعه لأنه ملجأ إليه. اهـ. وإن لم يقصدا البيع بل أظهراه تلجئة خوفًا من ظالم ونحوه لم يصح. وكذا بيع هازل. وبيع الأمانة الذي هو في معنى القرض بعوض. وسئل أحمد عن رجل مقر بالعبودية حتى يباع يؤخذ البائع والمقر بالثمن. فإن مات أحدهما أو غاب أخذ الآخر بالثمن. واختاره الشيخ. وصوبه في الإنصاف. وفي الفروع يتوجه في كل غار. ولو أقر أنه عبده فكبيع. (وعن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حرم بيع الخمر) وفي رواية أنه سمع رسول الله ﷺ يقوم عام الفتح في رمضان سنة ثمان وهو بمكة "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر" وهو كل مسكر (و) حرم بيع (الميتة) وهي ما زالت عنه الحياة لا بزكاة شرعية. وحكى ابن المنذر الإجماع على تحريم بيع الميتة (و) حرم بيع (الخنزير) وقد حرم على لسان كل نبي. وحكى الحافظ الإجماع على تحريم بيعه بجميع أجزائه. ولأبي داود حرم الخمر وثمنها وحرم الخنزير وثمنه" (والأصنام) والصنم ما كان مصورًا. ويقال الصنم الوثن وقيل الوثن ما له جثة. وسماها رجسًا لأن وجوب تجنبها أوكد

стр. 1157

من وجوب تجنب الرجس. وعبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. (فقيل أرأيت شحوم الميتة) أي أخبرني عن الشحوم هل تخص من التحريم لنفعها. وذكر ثلاث المنافع فقال (فإنه يطلى بها السفن) أي تدهن بها وتلطخ لئلا يفسدها الماء (ويدهن بها الجلود) لتلين بذلك الدهان (ويستصبح بها الناس) الاستصباح استفعال من المصباح وهو السراج الذي يشعل منه. أي يجعلونها في سرجهم ومصابيحهم يستنيرون بها. أي فهل يجوز بيعها لما ذكر من المنافع. فإنها مقتضية لصحة البيع (فقال لا هو حرام) غير خارجة عن الحكم أي بيع الشحوم حرام. ولأحمد فما ترى في بيع شحوم الميتة (ثم قال عند ذلك) أي عند سؤالهم عن منافع شحوم الميتة التي تستعمل فيه دون الأكل. (قاتل الله اليهود) أي لعنهم الله كما في غير ما حديث. يقال في مقام الدعاء على المدعو عليه (إن الله لما حرم شحومها) أي شحوم الميتة (جملوه) أي أذابوه. يقال جمله إذا أذابه. والجميل الشحم المذاب (ثم باعوه) وللبخاري "جملوها ثم باعوها" (فأكلوا ثمنه) أي ثمن ما جملوه من الشحوم المحرمة عليهم (متفق عليه) وجوز بعض أهل العلم الاستصباح بالأدهان المتنجسة في غير مسجد. واختار الشيخ. لا ينجس العين مطلقًا.

стр. 1158

وما تنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز. والعلة في تحريم بيع الخنزير والميتة هي النجاسة عند جمهور العلماء. فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة. وأما الأصنام فالعلة عدم المنفعة المباحة. فإن كان ينتفع بها بعد الكسر جاز عند بعضهم. ومنعه الأكثر. وعن ابن عباس مرفوعًا "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها. وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" رواه أبو داود. وروى ابن بطة "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" وفيه دليل على تحريم الحيل والوسائل إلى المحرم. وإبطال ذلك. وأن كل ما حرم الله على العباد فبيعه حرام لتحريم ثمنه. فلا يخرج من هذه الكلية إلا ما خصه دليل كالجلد المدبوغ وتقدم. (ولهما) أي البخاري ومسلم ورواه الخمسة وغيرهم (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر ﵁ قال (نهى ﷺ ) (أي أتى بعبارة تفيد النهي وإن لم يذكرها. وبدأ بالنهي (عن ثمن الكلب) معلمًا كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز. وهذا مذهب جمهور العلماء. والنص على تحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه. وروي "إلا كلب صيد". وقال الحافظ لا يصح. (و) نهى عن (مهر البغي) بتشديد الياء. وهو ما

стр. 1159

تأخذه الزانية في مقابل زناها. وسماه مهرًا لكونه على صورته. وأجمعوا على تحريمه وأصل البغي الطلب. غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد. وذكر ابن القيم أنه في جميع كيفياته يجب التصدق به. ولا يرد إلى الدافع. لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكن صاحب العوض استرجاعه. فهو كسب خبيث يجب التصدق به. ولا يعان صاحب المعصية على حصول غرضه. واسترجاع ماله. (و) نهى عن (حلوان الكاهن) مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته. وأصله من الحلاوة. شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يؤخذ سهلًا بلا كلفة. وأجمعوا على تحريم حلوان الكاهن. والكاهن الذي يدعي علم الغيب. ويخبر الناس عن الكوائن من منجم وغيره. فلا يحل له ما يعطاه. ولا يحل لأحد تصديقه فيما يتعاطاه ولهما أيضًا من حديث أبي جحيفة "نهى عن ثمن الدم" قيل نفس الدم وهو حرام بالإجماع. وقيل أجرة الحجام "وثمن الكلب وكسب البغي" ولأحمد وأبي داود من حديث ابن عباس "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا" وجاء في مسلم "وثمن السنور" وإن كان الجمهور على إباحته لأنه طاهر العين مباح النفع. فقال أحمد وغيره لا يجوز بيعه للنهي عن ثمنه. واختاره ابن القيم وابن رجب وغيرهما. (وللبخاري عن أبي هريرة مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه

стр. 1160

قال (قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) ولابن حبان وغيره "ومن كنت خصمه خصمته" قال: (ومنهم رجل باع حرًا فأكل ثمنه) قال ابن الجوزي الحرعبد الله فمن جنى عليه فخصمه سيده ولأبي داود من حديث ابن عمر "ورجل اعتبد محررًا" كأنه يعتقه ثم يكتم عتقه، أو يستخدمه كرهًا بعد. قال الحافظ وحديث أبي هريرة أشد لأن فيه مع كتم العتق أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع وأكل الثمن. وأريد التشديد على هؤلاء بالتصريح. وإلا فهو تعالى خصم لجميع الظالمين. قال المهلب إنما كان إثمه شديدًا لأن المسلمين أكفاء في الحرية. فمن باع حرًا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له. وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه. وقال ابن المنذر لم يختلفوا في أن من باع حرًا أنه لا قطع عليه. يعني إذا لم يسرقه من حر مثله. إلا ما يروى عن علي. وكان في بيعه خلاف. ثم ارتفع. واستقر الإجماع على المنع منه. قال "ورجل أعطى بي ثم غدر". أي عاهد عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه. والثالث "رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره". (وعن جابر نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء) أي الفاضل عن كفاية صاحبه سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة للشرب أو غيره لحاجة الماشية أو الزرع في فلاة وغيرها. وقال ﷺ "لا تمنعوا فضل الماء" وهو عند الجمهور محمول على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة أو في الموات لقصد

стр. 1161

التملك وإما لقصد الارتفاق فالحافر لا يملك ماءها بل يكون أحق به إلى أن يرتحل. وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته وعلله الشارع أيضاً بكونه ذريعة إلى منع فضل الكلأ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب من ذلك الماء لم يتمكن من المرعى الذي حوله. ولمسلم أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه. ويأتي قوله "الناس شركاء في ثلاث فى الماء والكلأ والنار" وخص من العموم ما كان محرزاً في آنية ونحوها قياساً على جواز الاحتطاب. وكذلك بيع البئر والعين. فإنه جائز. وفي الاختيارات من ملك ماءً نابعاً كبئر محفورة في ملكه أو عين ماء في أرضه فله بيع البئر والعين جميعاً. ويجوز بيع بعضها مشاعاً. وإن كان أصل القناة في أرض مباحة. فكيف إذا كان في أرضه. قال الشيخ وهذا لا أعلم فيه نزاعاً. وإنما تنازعوا فيما لو باع الماء دون القرار. وفي الصحة قولان. ومذهب مالك والحنفية الصحة. ونص الشافعي على أنه يملك. لما يأتي من قوله ﷺ "من يشتري بئر رومة". ومن احتفر بئراً أو نهراً ونحوه فهو أحق بمائه. وحديث الباب يدل على جواز بيع الماء لأنه منع الفضل لا منع الأصل ومحل النهي إذا لم يجد المأمور له بالبذل ماء غيره. فلا يمنع الفضل عن غيره. ولما رواه أبو داود وغيره مرفوعاً سئل ما الشيء الذي لا يحل منعه قال "الماء" وذكر الملح ومثله الكلأ.

стр. 1162

قال ابن القيم ويجوز دخول الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ لأن له حقاً في ذلك. ولا يمنعه استعمال ملك الغير نص عليه أحمد. لأنه ليس له منعه من الدخول. بل يجب عليه تمكينه. ويحرم منعه. فلا يتوقف دخوله على الأذن إنما يحتاج إليه في الدار إذا كان فيها سكن. (و) نهي (عن بيع ضراب الجمل. رواه مسلم) ورواه أهل السنن وغيرهم. وصححه الترمذي وغيره. وللبخاري من حديث ابن عمر "نهى عن عسب الفحل" وهو أن يستأجر فحل الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها لينزو على الإناث وعسبه ضرابه والمراد نهي عن أجرة ضراب الجمل. فدل على تحريم استئجار الفحل للضراب. والأجرة حرام. لأن ماء الفحل غير متقوم. ولا معلوم. ولا مقدور على تسليمه. وهذا مذهب الجمهور. وأما عارية ذلك فلا خلاف في جوازه. وللترمذي إنا نطرق الفحل فنكرم "فرخص له في الكرامة" ولابن حبان "من أطرق فرسًا فأعقب كان له كأجر سبعين فرسًا" فينبغي إطراق الفحل جملًا كان أو غيره. (وعن حكيم بن حزام مرفوعًا قال لا تبع ما ليس عندك) وذلك أنه قال يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ثم ابتاعه من السوق. فقال "لا تبع ما ليس عندك" (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وأخرجه ابن حبان في صحيحه. وقد روي من غير وجه. ولهم

стр. 1163

عن عمرو بن شعيب مرفوعًا "لا يحل سلف وبيع. ولا بيع ما ليس عندك" وصححه الترمذي وغيره. والمعنى ما ليس في ملكك وحوزتك وقدرتك. كالعبد الآبق. والطير في الهواء والسمك في الماء. قال ابن القيم كنهيه عن بيع الغرر. لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله. قد يحصل له وقد لا يحصل فيكون غررًا. اهـ. وعند: لغة تستعمل في الحاضر القريب. وما في حوزتك. وإن كان بعيدًا. فالمراد ليس حاضرًا عندك ولا غائبا في ملكك. وتحت حوزتك. وقال البغوي وغيره النهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان التي لا يملكها. أما بيع شيء موصوف في ذمته فيجوز فيه السلم بشروطه. فظاهر النهي تحريم ما لم يكن من الأعيان في ملك الإنسان. ولا داخلًا تحت مقدرته. سوى الموصوف في الذمة. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده. ولا في ملكه. ثم يمضي فيشتريه له. وأنه باطل. قال الشيخ إنما يفعله لقصد التجارة والربح فيبيعه بسعر ويشتريه بأرخص ويلزمه تسليمه في الحال. وقد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه. وقد لا تحصل له تلك السلعة إلا بثمن أعلى مما تسلف فيندم. وإن حصلت بسعر أرخص ندم المسلف. إذا كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك السعر.

стр. 1164

فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة. وأما مخاطرة التجارة فيشتري السلعة بقصد أن يبيعها بربح ويتوكل على الله في ذلك. فهذا الذي أحله الله. اهـ. وإن باع ملك غيره بغير إذنه أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصح وحكي اتفاقًا. وقال الشيخ: من وكل في بيع أو استئجار أو شراء فلم يسم الموكل في العقد فضامن. ومن ادعى بعد البيع أن البيع لغيره وأنه فضولي أو غاصب لم يقبل منه. ولا تسمع بينته على ذلك. فإن أقام المقر له البينة بالملك سمعت. فإن لم تكن له بينة حلف المشتري أنه لا يعلم مالكًا سوى البائع. وفي قصة: أصحاب الغار. وتنميته أجرة المستأجر لأجيره دليل على جواز تصرف الرجل في مال الغير. الأجير وغيره بغير إذنه. وهو تصرف الفضولي وما فتح عنوة فقال بعض أهل العلم لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة كأرض الشام ومصر العراق. لأن عمر وقفها على المسلمين. وفي الاختيارات يصح بيع ما فتح عنوة ولم يقسم من أرض الشام ومصر والعراق. ويكون في يد مشتريه بخراجه. قال الشيخ: ومعنى وقفها إقرارها على حالها وضرب الخراج عليها مستمرًا في رقبتها. وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة. بل يجوز بيعها كما هو عمل الأمة. ومن اشتراها صارت عنده خراجية. وذكر أنها تنتقل بالبيع في أصح قولي العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي

стр. 1165

الشافعي والمؤثر بها أحق بها بلا خلاف. اهـ. بخلاف ما فتح صلحًا فيصح عند الجمهور. ويجوز بيع رباع مكة. وهو أظهر في الحجة. واختيار الشيخ وتلميذه. لأنه إنما يستحق التقدم على غيره بهذه المنفعة. واختص بها لسبقه وحاجته. وجواز البيع لوروده على المحل الذي كان البائع اختص به عن غيره. وهو البناء. فلو زال لم يكن له أن يبيع الأرض كما أنه ليس له أن يؤجرها وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت وهو أحق بها يسكنها ويسكن فيها من شاء. وكانوا يتبايعونها قبل الإسلام وبعده بلا نزاع. بخلاف بقاع المناسك فلا يجوز قال في الإنصاف بلا نزاع. (وعن أبي هريرة) ﵁ (نهى ﷺ عن بيع الحصاة) قيل هو أن يقوم ارم بهذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت عليه فهو لك بدرهم. وقيل أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة. أو أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول أي شاة أصابتها فهي لك بكذا. وكل هذا ونحوه متضمن لبيع الغرر. لما في الثمن أو المبيع من الجهالة. ولفظ الغرر يشملها. وإنما أفردت لكونها كانت مما يبتاعها أهل الجاهلية. فنهى ﷺ عنها. وأضيف البيع إلى الحصاة للملابسة لاعتبار الحصاة فيه. (و) نهى (عن بيع الغرر) وهو ما لا تعلم عاقبته من

стр. 1166

الخطر الذي لا يدري أيكون أم لا. بمعنى مغرور اسم مفعول. وإضافة المصدر إليه من إضافته إلى المفعول. ومعناه أيضًا الخداع الذي هو مظنة أن لا يرضى به عند تحققه. فيكون من أكل المال بالباطل (رواه مسلم) وجاء النهي عنه في أحاديث كثيرة ومن جملة بيع الغرر المنهي عنه بيع السمك في الماء والطير في الهواء. وهو مجمع عليه. ما لم يألف الرجوع. وفي الفنون هو قول الجماعة ومن شروط البيع القدرة على التسليم. وعدم القدرة على التسليم غرر. قال الخطابي أصل الغرر ما طوي عنك علمه وخفي عنك باطنه. وكل بيع كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم. أو معجوزًا عنه غير مقدور عليه. فهو غرر. وإنما نهي عنه تحصينًا للأموال أن تضيع. وقطعًا للخصومة بين الناس. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه لا يجوز بيع الغرر كالشارد والآبق والطير في الهواء والسمك في الماء ونحو ذلك. وقال النووي وغيره النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدًا. وقال الشيخ كل بيع غرر مثل الطير في الهواء والشارد والآبق والثمرة قبل بدو صلاحها. وبيع الحصاة من الميسر الذي حرمه الله لأنه إن قدر عليه كان المشتري قد قمر البائع حيث أخذ ماله بدون قيمته. وإن لم يقدر عليه كان البائع قد قمر المشتري وفي كل منهما أكل مال بالباطل فهو قمار. اهـ. ويستثنى منه ما يدخل في المبيع تبعاً بحيث لو أفرد لم يصح

стр. 1167

بيعه. وما يتسامح بمثله: إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه كأساسات البنيان. واللبن في ضرع الدابة. والحمل في بطنها. والقطن المحشو في الجبة. فإن ذلك مجمع عليه. وكإجارة الدار والدابة شهراً. مع أنه قد يكون الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين. ودخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء. وقدر مكثهم. وعلى جواز الشرب في السقاء بالعوض مع الجهالة. (ولهما عن ابن عمر) ﵄ (نهى) يعني رسول الله ﷺ (عن بيع حبل الحبلة) بفتح الحاء والباء فيهما. قال أحمد والترمذي وأكثر أهل اللغة هو بيع ولد الناقة الحامل. قال والعمل عليه عند أهل العلم. لكونه معدومًا ومجهولًا وغير مقدور على تسليمه. فهو من بيع الغرر. وفسر بما وقع في بعض الروايات لابن عمر أو نافع كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج ثم تنتج التي في بطنها. وذهب إليه جماعة من أهل العلم. وأما بيع اللبن في الضرع فقال الشيخ إن كان موصوفًا في الذمة واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة صح. واستدل بخبر نهي أن يسلم في حائط إلا أن يكون قد بدا صلاحه. واختار هو وابن القيم جواز بيع المسك في فأرته. لأنها وعاء له يصونه أشبه بيع ما مأكوله في جوفه كرمان. وتجاره يعرفونه. وجواز بيع فجل ونحوه مغروس في الأرض يظهر ورقه. وصوباه

стр. 1168

لوجوه: منها أنه ليس من التغرير. وأهل الخبرة يستدلون بظواهره على بواطنه. (وفيهما عن أبي سعيد نهي) يعني رسول الله ﷺ (عن الملامسة) يعني في البيع. ولمسلم من حديث أبي هريرة "أن يلمس كل منهما ثوب صاحبه من غير تأمل" وللنسائي "هي أن يقول الرجل للرجل أبيعك ثوبي بثوبك. ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر" ولكنه يلمسه. وأخرج أحمد عن عبد الرزاق عن معمر: الملامسة أن يلمس الثوب بيده ولا ينشره ولا يقلبه فإذا مسه وجب البيع. قال الحافظ وتفسير أبي هريرة اقعد بلفظ الملامسة. لأنها مفاعلة فتستدعي وجود الفعل والعلة الغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس. (و) نهى عن (المنابذة) في البيع قال أبو هريرة "أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه" وللنسائي "أن يقول أنبذ ما معي وتنبذ ما معك فيشتري كل واحد من الآخر. ولا يدري كم مع الآخر". وتمام حديث أبي سعيد "والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بالليل أو بالنهار ولا يقلبه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض" والعلة الغرر. وأجمعوا على تحريمه وهو ظاهر الخبر. وقال الوزير اتفقوا على أن بيع الحصاة والملامسة والمنابذة باطل. وفيه أنه لا

стр. 1169

يصح بيع الغائب. ومذهب مالك وأحمد وجماعة إن وصفه صح. قال الشيخ وهذا أعدل الأقوال. وقال الوزير إذا رأياها ثم تبايعا جاز ولا خيار للمشتري إذا رآها على الصفة التي كان عرفها. فإن تغيرت فله الخيار. وكذا الأعمى إن وصف له صح. (وللترمذي وصححه عن جابر: ونهى) يعني رسول الله ﷺ (عن الثنيا) أي الاستثناء المجهول. كأن يقول بعتك هذه الصبرة إلا بعضها أو هذه الأشجار أو الأغنام أو الثياب ونحوها إلا بعضها. لم يصح البيع للجهالة (إلا أن تعلم) يعني الثنيا فيصح البيع. قال في الإنصاف بلا نزاع. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم. ورواه مسلم بلفظ "نهى عن الثنيا" وزادوا "إلا أن تعلم" والمراد بها الاستثناء في البيع. نحو أن يبيع الرجل شيئًا ويستثني بعضه. فإن كان الذي استثناه معلومًا نحو أن يستثنى واحدة من الأشجار معلومة أو منزلاً من المنازل معلومًا أو موضوعًا معلومًا من الأرض أو شاة معلومة من القطيع صح باتفاق أهل العلم. وإن كان مجهولًا نحو أن يستثني شيئًا غير معلوم لم يصح البيع لما فيه من الجهالة والغرر وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه صح. قال الشيخ ويصح بيع جلده وحده وبيعه مع جلده جميعًا كما قبل الذبح. لا استثناء الشحم ونحوه للجهالة.

стр. 1170

ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كبطيخ ورمان وحمص ونحوه في قشره. وطلع قبل تشققه. وحب منعقد في سنبله. وأما الجهالة في الثمن فغرر. واشترط أهل العلم أن يكون الثمن معلومًا. وإن باعه بما ينقطع به السعر أو كما يبيع الناس فقال الشيخ يصح وهو أطيب لنفس المشتري من المساومة. وصوبه ابن القيم. وذكر أنه عمل الناس. وليس في الشرع ما يحرمه والمانعون منه يفعلونه. ولا تقوم المصالح إلا به. (وعن ابن عمر) ﵄ (قال كانوا يتبايعون الطعام جزافًا) بتثليث الجيم والكسر أفصح. والجزاف هو ما لم يعلم قدره على التفصيل (فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه متفق عليه) ويأتي الكلام في نقله والتصرف فيه قبل قبضه جزافًا كان أو غيره. طعامًا أو غيره. والحديث دل على جواز بيع الصبرة جزافًا مع جهل المتبايعين بقدرها. وقال الموفق لا نعلم فيه خلافًا ولأنه معلوم بالرؤية فصح بيعه كالثياب والحيوان. ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة. فإن ذلك يشق ولكون الحب ونحوه يعلم برؤية ظاهره. ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو الرؤية. وكذا لو قال بعتك نصفها أو جزءًا منها معلومًا لأن ما جاز بيعه جملة جاز بيع بعضه. كالحيوان. ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافًا عند الجمهور.

стр. 1171

فإن كان يعلم قدر الصبرة لم يجز بيعها جزافًا. وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما من السلف. قال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك. قال القاضي وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافًا حتى يبينه" ولأن البائع لا يعدل إلى البيع جزافًا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير. وأجاز بعضهم بيع صبرة علما كيلها. وإن أعلمه البائع بالكيل فقال رسول الله ﷺ : "إذا سميت الكيل فكل" وإن باع الأدهان ونحوها في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز لأن أجزاءه لا تختلف فهو كالصبرة. * * * فصل فيما نهي عنه يعني من البيوع. ووقته والبيع على بيع أخيه والتسعير والاحتكار وغير ذلك. (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ﴾ أذن لها ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وهو النداء الثاني الذي عقب جلوس الإمام على المنبر لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ فاختص به الحكم ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ اهتموا في سيركم إليها. وليس المراد المشي السريع كما تقدم ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع يعني المعاملة. فإنها حينئذ حرام إذا نودي للصلاة.

стр. 1172

نهى تعالى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضور الجمعة. والنهي يقتضي الفساد. وكالبيع الشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعًا. وخص لأنه من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش. وكذا يحرم البيع قبل النداء لمن منزله بعيد في وقت وجوب السعي عليه. وهو الوقت الذي يمكنه إدراكها فيه. وتحرم المساومة والمناداة إذًا. وكذا لو تضايق وقت مكتوبة. وتقييده بالجمعة يفهم منه صحته لغيرها. ويحرم إذا فاتته الجماعة وتعذر عليه جماعة أخرى ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من المبايعة ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ مصالح أنفسكم. (وعن بريدة مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (من حبس العنب) ثمر الكرم أيام القطاف التي يقطف فيها الثمر (حتى يبيعه ممن يتخذه خمرًا) أي: عصير العنب (فقد تقحم النار على بصيرة) أي على علم بالسبب الموجب لدخول النار. وهذا وعيد شديد يوجب تحريم الفعل (حسنه الحافظ) ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان. ولفظه "ممن يُعلم أنه يتخذه خمرًا" وفي السنن وغيرها "لعن بائع الخمرة" ولعنت على عشرة وجوه. وتحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرًا مع القصد محرم إجماعًا. ويكره مع عدم القصد إذا شك في اتخاذه خمرًا وإلا جاز بلا كراهة. ويقاس على ذلك كل ما يستعان به في معصية لقوله

стр. 1173

تعالى ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وأما ما لا يفعل إلا في المعصية كالمزامير والطنابير ونحوها فلا يجوز بيعها ولا شراؤها إجماعًا. ولا يجوز بيع السلاح والكراع من الكفار والبغاة إذا كانوا يستعينون به على حرب المسلمين أو من قطاع الطريق. ولا بيع سلاح في فتنة. لنهيه ﷺ عنه. ولا يجوز بيع مأكول ومشموم لمن يشرب عليها الخمر. ولا قدح لمن يشربه به. ولا جوز وبيض لقمار. ويحرم أكله ونحو ذلك. قال الشيخ وغيره لا يصح ما قصد به الحرام. أو ظن في أحد القولين للنهي عن بيع القينات المغنِّيات. وقال ابن القيم القصود في العقود معتبرة تؤثر في صحة العقد وفساده. وفي حله وحرمته. فعصر العنب بنية أن يكون خمرًا معصية. وخلًا ودبسًا جائز. والسلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل. ولمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله طاعة وقربة ا. هـ. ولا يصح بيع عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه. وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه عنه. لقوله تعالى:. ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾. (وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لا يبعْ الرجل على بيع أخيه) ولهما أيضاً "لا يبع بعضكم على بيع بعض" والبيع يشمل البيع والشراء ومعنى بيع الرجل على بيع أخيه أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أعطيك مثلها بتسعة, وشرائه على شرائه أن يقول لمن باع سلعة بتسعة عندي فيها عشرة ليفسخ المقول

стр. 1174

له العقد. ويعقد معه. ومحل ذلك إذا وقع في زمن الخيارين عند بعض أهل العلم. وقال الشيخ ولو بعده. لأنه ربما أشغله واحتج عليه بشيء. وقال ابن رجب يحرم مطلقاً. وهو ظاهر النص. واتفق أهل العلم على كراهته. وأبطله مالك. وقال الحافظ لا خلاف في التحريم. قال الشيخ يحرم الشراء على شراء أخيه. وإذا فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة. وأخذ السلعة أو عوضها (ولا يسم) بضم السين وروي بإثبات الواو وإثبات الياء. في يبع ويسم (على سومه. متفق عليه) والمراد بعد الرضى صريحاً واستقرار الثمن. وركون أحدهما إلى الآخر. ويأخذه ليشتريه. فيقول للمستام رده لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص. أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر. وإن كان تصريحاً فقال الحافظ لا خلاف في التحريم. والجمهور على أنه يصح البيع. واشترط الركون. لأنه لا بد من أمر بين لموضع التحريم في السوم. لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم بالاتفاق لما في السنن "من يزيد على درهم" وفي الصحيحين في خبر المدبر "من يشتريه مني" عرضه للزيادة. ولا بعد رد لعدم المحذور. والإجارة ونحوها كالبيع لأنه ذريعة إلى التباغض والتعادي. (وعن العالية) جدة إسرائيل وزوجة أبي إسحاق إحدى

стр. 1175

التابعيات. سمعت من عائشة وغيرها. قال ابن القيم امرأة معروفة لا يعرف أحد قدح فيها (أن أم ولد زيد بن أرقم) الأنصاري (باعت غلامًا منه) أي من زيد بن أرقم (بثمانمائة إلى العطاء) وللدارقطني نسيئة (ثم اشترته) أي من زيد بن أرقم (بستمائة درهم) نقدًا وأخبرت عائشة بذلك (فقالت عائشة) –﵂ (بئسما شريت وبئسما اشتريت) أي ملكت بهذا البيع (رواه أحمد) وعمل به والدارقطني. وقال ابن القيم محفوظ وآثار الصحابة موافقة له. مشتقة منه. مفسرة له. وتمامه "أخبريه أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل. إلا أن يتوب" فدل على أنه لا يجوز لمن باع شيئًا بثمن نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدًا قبل قبض الثمن الأول. فإن كان المقصود التحيل لأخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أيام فلا ريب أن ذلك من الربا المحرم وهو صورة من صور العينة. ولذلك صرحت بأن هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد لثبوت تحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة. وقول عائشة –﵂ يدل على أنها قد علمت ذلك بنص رسول الله ﷺ إما على وجه العموم كالآيات والأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة أو على الخصوص كأحاديث العينة. ولأبي داود وغيره عن ابن عمر مرفوعًا "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى

стр. 1176

دينكم" قال الحافظ رجاله ثقات وقد ورد النهي عن العينة من طرق. وهي بيع السلعة بثمن إلى أجل ثم اشتراؤها منه بأقل من ذلك سميت عينة لحصول النقد لصاحب العين لأن العين هو المال الحاضر. والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ليصل به إلى مقصوده. ومذهب جمهور العلماء تحريمها واستدل ابن القيم وغيره أيضًا على عدم جواز العينة بقوله ﷺ "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع" قال وإن كان مرسلًا فله من المسندات ما يشهد له. وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة. ولو لم يأت فيها أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة: تحريمها أعظم من تحريم الربا فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل. فإنه من المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها بيعًا. وقد اتفقوا على تحريم الربا الصريح قبل العقد. ثم غير اسمها إلى المعاملة. وصورتها إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة. وإنما هو حيلة ومكر وخديعة الله تعالى. فمن أسهل الحيل على من أراد فعله أن يعطيه مثلًا ألفًا إلا درهمًا باسم القرض. ويبيعه خرقة تساوي درهمًا بخمسمائة درهم. وقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" أصل في إبطال الحيل وتحريم كل بيع بنقد دون ما باع به نسيئة. وقال ابن القيم إذا

стр. 1177

كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصود المشروعة التي لا خداع فيها ولا تحريم. لم يصح أن يلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته. وإنما قصد التوصل إلى استحلال ما حرمه الله. قال وجماع الأمر أنه إذا باعه ربويًا بثمن وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من جنسه: فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظًا. أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك. أو لا يكون. فإن كان الأول فباطل. فإن هذا لم يقصد ملك الثمن. ولا قصد هذا تمليكه. وإنما قصد تمليك المثمن بالثمن. وجعلا تسميته الثمن تلبيسًا وخداعًا. ووسيلة إلى الربا. وإن لم تجرِ بينهما مواطأة. لكن قد علم المشتري أن البائع يرد أن يشتري منه ربويًا بربوي. فكذلك لأن علمه بذلك مواطأة. وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان به من قصد الربا. وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشتري فكرهه أحمد وغيره. والمتقدمون حملوا المنع على التحريم.؟ قال الشيخ ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه. ولا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربويًا لا يباع بالأول نسأ. لأن أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض. فإذا لم يحصل صار ذلك ذريعة إلى الربا. اهـ. والآثار المتظاهرة عن النبي ﷺ في تحريم العينة وعلى الصحابة تدل على المنع من عود السلعة إلى البائع. وإن لم يتواطآ على الربا. سدًا للذريعة. وإن اشتراه بغير جنسه أو بعد

стр. 1178

قبض ثمنه أو من غير مشتريه. أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز إن لم يكن حيلة إلى التوصل إلى فعل مسألة العينة. وإن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر قليلًا ليتوسع بثمنه فقيل لا بأس. وتسمى هذه الصورة مسألة التورق. قيل لأحمد إن ربح الرجل في العشرة خمسة يكره ذلك: قال إذا كان أجل إلى سنة أو أقل بقدر الربح فلا بأس به. وقال بيع النسيئة إن كان مقاربًا فلا بأس. قال الشيخ وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل. لأنه نسيئة كبيع المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند شخص. وينبغي أن لا يربح عليه إلا كما يربح على غيره. وله أن يأخذ منه بالقيمة المعروفة من غير اختياره. قال ابن القيم عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض. حتى يربح عليه في المائة ما أحب. وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة. وإن باعها لغيره فهو التورق. وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا. والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق. وكان شيخنا يمنع منها وروجع فيها مرارًا فلم يرخص فيها. وقال المعنى الذي لأجله حُرم الربا موجود فيها بعينه. مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها. (وفي حديث النعمان) ابن بشير ﵁ (من اتقى الشبهات) جمع شبهة بالضم الالتباس ما يلتبس فيه الحق

стр. 1179

بالباطل والحلال بالحرام (فقد استبرأ لدينه) أي طلب البراءة لدينه (وعرضه) وهو الخليقة المحمودة أي طلب ما يصونه، يقال هو نقي العرض أي بريء من أن يعاب (متفق عليه) ولفظهما أن النبي ﷺ قال "الحلال بين" فما كان أصله الحل فتمسك به "والحرام بين" فما كان أصله الحرمة فتمسك بالأصل واجتنب المحرم. وهذا أصل كبير من أصول الأحكام "وبينهما أمور مشتبهات" أي تشتبه على بعض الناس دون بعض. ليس المراد أنها في ذاتها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة. فإن الله لم يترك شيئًا إلا وقد جعل فيه بيانًا. ونصب عليه دليلًا. ولذا قال "لا يعلمهن كثير من الناس" فدل بفحواه أن بعض الناس يعرفها "فمن اتقى الشبهات" فلم يقدم إلا على بصيرة "استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات" اعتادها واستمر عليها أدته إلى أن "وقع في الحرام" تجاسر عليه فواقعه "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" فليتق الشبهات ليسلم من الوقوع في الحرام. "ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب" وفي لفظ "فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك. ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان" فقسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام الأول الحلال البين الواضح. والثاني الحرام البين

стр. 1180

الواضح. فلا يفارقهما المرء باعتراض الشك حتى يزيل عنه يقين العلم. والثالث المشتبه لخفائه فلا يدري أحلال هو أم حرام؟!. وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه. لأنه إن كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من التبعة. وإن كان حلالًا فقد استحق الأجر على الترك. لهذا القصد. لأن الأصل مختلف فيه حظرًا وإباحةً. والمراد أن كل واحد من القسمين الأولين بين لا يحتاج إلى بيان. أو مما يشترك في معرفته كل أحد. وأما الثالث فأمور مشتبهة اشتبهت بغيرها. مما لم يتبين. وللترمذي "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام" وقيل الشبهات هي ما تعارضت فيه الأدلة. أو ما اختلف فيه العلماء. وقيل قسم المكروه. وقيل المباح. وقال الحافظ لا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا. ورجح الأول. وقد يختلف باختلاف الناس. فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم. فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح. أو المكروه. ومن دونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر. بحسب اختلاف الأحوال. ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في الجملة. أو يحمله اعتياده لارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم أو يكون ذلك لسر فيه. وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان الورع. فيقع في الحرام. ولو لم يختر الوقوع فيه. وهذا الحديث من الأربعة التي تدور عليها الأحكام. ويؤيده حديث "لا يبلغ

стр. 1181

العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس" وحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وما شككت فيه فالورع اجتنابه. والشبهات تقع كثيرًا في المعاملات فعلى المرء اجتنابها. ويدخل في ذلك معاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربا. (وعن أنس) ﵁ (قال غلا السعر) أي ارتفع على معتاده. والسعر القيمة أي ارتفع السعر في المدينة. وفي لفظ على عهد رسول الله ﷺ (فقالوا يا رسول الله سعر لنا) أمر من التسعير. والتسعير أن يأمر ولي الأمر أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمر أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا. فيمنع من الزيادة عليه. أو النقصان لمصلحة (فقال) رسول الله ﷺ (إن الله هو المسعر) أي: يفعل ذلك وحده بإرادته (القابض) الممسك رزقه (الباسط) الموسع على من يشاء قال تعالى: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (الرزَّاق) (يبسط الرزق) ويقدره. (وأرجو أن ألقى الله – وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي) وابن حبان وأخرجه الدارمي والبزار وأبو يعلى وغيرهم. ولأحمد من حديث أبي هريرة جاء رجل فقال يا رسول الله سعر فقال "بل ادعو الله" ثم جاء آخر فقال يا رسول الله سعر فقال "بل الله يخفض ويرفع" ولهما شواهد حسنها الحافظ

стр. 1182

وغيره دلت على تحريم التسعير. وأنه مظلمة، وإذا كان مظلمة فهو محرم. ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم. والتسعير حجر عليهم. والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين. وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن. وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم. وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ وهو مذهب جمهور العلماء. ولا فرق بين حالة الغلاء والرخص ولا بين المجلوب وغيره. ومال إلى ذلك الجمهور. ولا بين القوت وغيره. وحكي تحريم التسعير في غير القوت اتفاقًا. وقال الوزير وغيره اتفقوا على كراهة التسعير. وقال ابن القيم التسعير منه ما هو محرم. ومنه ما هو عدل جائز. فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق بشيء لا يرضونه. أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل. ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل. فهو جائز. بل واجب. فالأول مثل ما روى أنس وذكر الحديث. ثم قال فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء أو

стр. 1183

لكثرة الخلق فهذا إلى الله. فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. والثاني مثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة. فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل. ولا معنى للتسعير إلا لإلزامهم بقيمة المثل. والتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به. قال ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم لا تبيعوا إلا بكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به. قال ومنع الجمهور أن يحد لأهل السوق حدًا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب. ومن الظلم أن يلزم الناس أن لا يبيعوا الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون. فلا تباع تلك السلع إلا لهم. ثم يبيعونها هم بما يريدون. فلو باع غيرهم عوقبوا. فهذا من البغي في الأرض والفساد. وهؤلاء يجب التسعير عليهم. وأن لا يبيعوا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. والتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته إلزامهم بالعدل. ومنعهم من الظلم قال الشيخ إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب. ويعاقبون على تركه. وكذا كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع. قال ابن القيم وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط. وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل.

стр. 1184

(وعن معمر) ابن عبد الله ويقال معمر بن أبي معمر أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة وتأخرت هجرته إلى المدينة. ثم هاجر إليها وسكنها ﵁ (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (لا يحتكر إلا خاطئ رواه مسلم) ولأحمد من حديث معقل "من دخل في شيء من أسواق المسلمين ليغليه عليهم كان حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار" وله من حديث أبي هريرة "من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ" ولان ماجه من حديث عمر "ضربه الله بالجذام". جاء غير ذلك مما يدل على عدم جواز الاحتكار. وهو الشراء للتجارة وحبسه مع حاجة الناس إليه. ولا فرق بين القوت وغيره. والمحتكر هو الذي يتلقى القافلة فيشتري الطعام منهم يريد إغلاءه على الناس. وهو ظالم لعموم الناس. خاطئ والخاطئ المذنب العاصي. من خطئ إذا أثم في فعله. والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند شخص طعام واضطر الناس إليه أجبر على بيعه. قال ابن القيم ولهذا كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند الضرورة إليه. مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة أو سلاح لا يحتاج إليه والناس محتاجون إليه للجهاد أو غير ذلك. وقال الشيخ وإذا اتفق أهل السوق على أن لا يتزايدوا في السلعة وهم محتاجون إليها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها. فإن

стр. 1185

ذلك فيه من غش الناس ما لا يخفى. وإن كان ثم من يزيد فلا بأس. وقال وإذا كان لا يبيع إلا هو بما يختار صار كأنه يكره الناس على الشراء منه فيأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم. وقال ابن القيم وإذا احتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبنائين وغيرهم فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم. قال والمقصود أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص صارت فرضًا معينًا عليه. فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم. يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل. ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل. ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم. وهذا من التسعير الواجب. فهذا تسعير في الأعمال. وأما التسعير في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلاته فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن. والله قد أوجب الجهاد بالنفس والمال. فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذلة بقيمته وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. وهو الصواب. قال ويكره أن يتمنى الغلاء. ولا يكره ادخار قوت أهله ودوابه. لفعله – ﷺ . وينبغي الإشهاد على البيع إلا في قليل الخطر.

стр. 1186

باب الشروط في البيع الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم. والشرط هنا إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة. وهي غير شروط صحة البيع. ومحل المعتبر منها صلب العقد. وهي ضربان: صحيح يوافق مقتضى العقد. وفاسد يناقضه. قال ابن القيم الصحيح أن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن مسعود –﵁ إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فأرع سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. والعقود جمع عقد وهو ما يتعاقد الناس عليه مطلقًا. من عقد بيع أو شركة أو نكاح أو يمين أو غير ذلك. ويشترط في وجوب الوفاء به أن لا يكون على معصية ثبتت بالنص. فدلت الآية ونحوها على لزوم العقد وثبوته. ووجوب الوفاء به. وإثبات خيار المجلس ليس منافيًا للزوم العقد. بل هو من مقتضياته شرعًا. فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. (وعن عمرو بن عوف) ابن زيد المزني مات في زمن معاوية ﵄ (مرفوعًا المسلمون على شروطهم) أي ثابتون عليها لا يرجعون عنها مقتضية الوفاء بها. والمراد الجائزة لقوله (إلا شرطًا حرم حلالًا) فباطل (أو أحل حرامًا) فباطل

стр. 1187

(صححه الترمذي) وفي حديث بريرة "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" وحديث "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وقال الشيخ اتفق المسلمون على أن من شرط في عقد من العقود شرطًا يناقض حكم الله ورسوله فهو باطل. مثل أن يستأجر الأجير بشرط أن لا يصلي الصلوات الخمس. أو لا يصوم شهر رمضان. اهـ. وكل شرط صحيح وافق مقتضى العقد لم يبطله الشارع. ولم ينه عنه جائز. كشرط التقابض وحلول الثمن. وكالرهن والضمان. وتأجيل بالثمن أو بعضه إلى مدة معلومة. وصفة في المبيع ككون العبد مسلماً أو كتابيًّا ونحو ذلك. وقال واشتراك صفة مباحة مقصودة في المعقود عليه مثل صفة في المبيع, ومثل الأجل في الثمن. أو نقد غير نقد البلد جائز باتفاق المسلمين. واختار صحة العقد والشرط في كل عقد. وكل شرط لم يخالف الشرع. لأن إطلاق الاسم يتناول المنجز والمعلق والصريح والكناية. كالنذر. وكما يتناوله بالعربية والعجمية وقال ابن القيم أجمعت الأمة على جواز الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام. ونقد غير نقد البلد ونحو ذلك فيصح الشرط. فإن وفَّى وإلا فلصاحبه الفسخ. (وعن جابر) ابن عبد الله ﵁ (أنه كان يسير

стр. 1188

على جمل له قد أعيا) أي تعب وعجز عن السير فأراد أن يسيبه. قال ولحقني النبي ﷺ فدعا لي قال (فضربه النبي ﷺ فسار سيرًا لم يسر مثله) وفي رواية كنت معه في غزاة فأبطأ بي جملي فتخلفت فنزل رسول الله ﷺ يحجنه بمحجنه. ثم قال "اركب" فركبت. فلقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ (فقال: بعنيه) فيجوز طلب المبيع من المالك قبل عرض المبيع للبيع (فبعته) وفي رواية بأوقية. قال البخاري وقول الشعبي بأوقية أكثر (واستثنيت حملانه إلى أهلي متفق عليه) وللبخاري وشرطت ظهره إلى المدينة. وتمام الحديث فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه. ثم رجعت فأرسل في أثري فقال "أتراني ما كستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك". وللخبر ألفاظ كثيرة قال بعضهم رواه بعض الرواة بالمعنى وهو جائز. وقد دل على جواز البيع مع استثناء الركوب إلى موضع معين. وهو مذهب جمهور أهل العلم. ومثله سكنى الدار المبيعة شهرًا أو نفعًا معلومًا في مبيع. غير وطء ودواعيه فلا يصح الشرط وإن تعذر انتفاع بائع بسبب مشترٍ بأن أتلفت العين ونحوه فعليه أجرة المثل له. (وعن ابن عمر مرفوعًا لا يحل سلف) أي قرض (وبيع) أي مع السلف بأن يكون أحدهما مشروطًا في الآخر. قال أحمد أن يقرضه قرضًا ثم يبايعه بيعًا يزداد عليه. وهو فاسد

стр. 1189

لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن. وكل قرض جر نفعًا فهو ربا. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه لا يجوز بيع وسلف وهو أن يبيع الرجل السلعة على أن يسلفه سلفًا أو يقرضه قرضًا. وقال ابن القيم نهى عن سلف وبيع لأنه ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى. فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه العين. وهذا هو عين الربا. وقال إذا أقرضه مائة إلى سنة ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل. قال (ولا) يحل (شرطان في بيع رواه الخمسة) وغيرهم. واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان ليسا من مقتضى البيع. ولا من مصلحته. وقيل الشرطان في البيع هو أن يقول بعتك هذا العبد بألف نقدًا أو بألفين نسيئة. وأن هذا بيع واحد تضمن شرطين يختلف المقصود فيه باختلافهما. وأنه كالبيعتين في بيعة وقال ابن القيم عاملَ عمرُ الناسَ على أنهم إن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وإلا فلهم كذا. قال وهذا صريح في جواز بعتكه بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة. قال والصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس. وذكر أمثلة يصح تعليقها بالشروط. ثم قال والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من الفقهاء. ثم قال والصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل،

стр. 1190

وما لم يخالف حكمه فهو لازم. والشرط الجائز بمنزلة العقد بل هو عقد وعهد. وكل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط. وقال تفسيره نهيه عن صفقتين في صفقة. وعن بيعتين في بيعة. وفسر بأن يقول خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا. وآخذها منك بعشرين نسيئة. وهي مسألة العينة بعينها. وهذا هو المعنى المطابق للحديث. فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله. وهو أوكس الثمنين. ولا يحتمل غير هذا المعنى. وهذا هو الشرطان في بيع. وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى. فتأمل نهيه عن بيعتين في بيعة. وعن سلف وبيع. ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع. وعن سلف وبيع. وكلا الأمرين يؤول إلى الربا. اهـ. وقيل أن يقول بعتك ثوبي بكذا وعليَّ قصارته وخياطته. وقال أحمد يصح. والذي عليه العمل أن الشرطين الصحيحين لا يؤثران في العقد كما هو اختيار الشيخ تقي الدين وغيره. وما روي نهى عن بيع وشرط. فقال ابن القيم لا يعلم له إسناد مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس والإجماع. وقال أحمد إنما النهي عن شرطين في بيع. وهذا بمفهومه يدل على جواز الشرط الواحد. (ولهم) أي للخمسة (عن أبي هريرة) ﵁ (نهى ﷺ عن بيعتين في بيعة) ولأبي داود من باع بيعتين في

стр. 1191

بيعية فله أوكسهما أو الربا (صححهما الترمذي) والأول صححه أيضًا ابن خزيمة والحاكم. وهذا صححه ابن حبان وغيره. واتفق أهل العلم على العمل بهما. وقال الوزير اتفقوا على أنه لا يجوز بيعتان في بيعة واحدة. قال ابن القيم قيل أن يقول بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة. وهذا التفسير ضعيف. فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره. وهو مطابق لقوله "فله أوكسهما أو الربا". وقال وقيل البيعتان في بيعة هو الشرط في البيعة. فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجله ثم اشتراها منه بثمانين حالة فقد باع بيعتين في بيعة. فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا. وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما. وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا بخلاف بمائة مؤجلة أو خمسين حالة. فليس هنا ربا ولا جهالة ولا غرر ولا ضرر. وإنما خيره بين أي الثمنين شاء، اهـ. وفسره أحمد وغيره بأن يبيعه سلعة ويقرضه قرضًا. (وعن عائشة) ﵂ (في قصة بريرة) وكانت لناس من الأنصار. وذلك أنها جاءت إلى عائشة ﵂ فقالت إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني. فقالت عائشة إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون

стр. 1192

ولاؤك لي فعلتُ. فذهبت بريرة إلى أهلها. فقالت لهم فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس فقالت إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء. فقال "خذيها واشترطي لهم الولاء" زجرًا وتوبيخًا. يعلم منه أنه كان قد بين لهم بطلانه. ثم قال "فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت. ثم قام في الناس خطيبًا "فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله" أي في شرعه الذي كتبه على العباد و (قال ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) أي الذي ليس في حكم الله. قال ابن القيم ليس المراد به القرآن قطعًا. فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة. فعلم أن المراد بكتاب الله حكمه. فإنه يطلق على كلامه تعالى. وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ﷺ ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له. فيكون باطلاً. والصواب اعتبار كل شرط لم يحرمه الله. ولم يمنع منه. وإلغاء كل شرط خالف حكم الله (وإن كان مائة شرط) لمخالفته للحق. فوجوده كعدمه. والمراد لو شرطوا مائة شرط فباطل (قضاء الله أحق) بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الله (وشرط الله أوثق) وآكد. لأن الدليل قد دل على بطلان جميع الشروط التي ليست في كتاب الله. فلو كانت ما كانت كان

стр. 1193

الحكم كذلك (وإنما الولاء لمن أعتق) فلا يتعداه إلى غيره (متفق عليه) ولهما عن ابن عمر نحوه. وروي بألفاظ في الصحيحين وغيرهما تدل على أن كل شرط يخالف حكم الله باطل. ومنه لو شرط أن لا خسارة عليه. أو متى نفق المبيع وإلا رده. أو لا يبيع ولا يهب ولا يعتق. أو شرط البائع على المشتري أن يفعل ذلك. فيبطل الشرط وحده. كشرط الولاء للبائع. إلا إذا شرط العتق فيصح عند الجمهور. وكذا يبطل الشرط لو رهن نحو خمر أو إلى أجل مجهول. وفي الاختيارات تصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود. فلو باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن صح البيع. والشرط. واشترط عثمان لصهيب وقف داره عليه. ومثل هذا أن يبيعه بشرط أن يعلمه أو لا يخرجه من ذلك البلد. ونحو ذلك. وإن قال إن جئتك بحقك في محله فقال ابن القيم يصح. وليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط. والحق جوازه. فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. وهذا لم يتضمن واحدًا من الأمرين. فالصواب جواز هذا العقد. وهو اختيار شيخنا. (ولأحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة) أي من كل عيب (فأصاب به زيد عيبًا فأراد رده)

стр. 1194

على ابن عمر (فلم يقبله) لأن الشرع أقام الشرط العرفي كاللفظي. وذلك للسلامة من العيب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب. ولا يبرأ بشرط السلامة من كل عيب حتى يعين (فقال عثمان لابن عمر تحلف انك لم تعلم بهذا العيب قال لا فرده عليه) قال الشيخ الصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كل عيب. والذي قضى به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم أن البائع إذا لم يكن علم بالعيب فلا رد للمشتري. لكن إن ادعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلم. فإن نكل قضي عليه. اهـ. وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة وتبرأ منها كلها. فقال ابن القيم لا يبرأ حتى يفرده بالبراءة. ويعين موضعه وجنسه ومقداره. بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول. ولا يقول البائع بشرط البراءة من كل عيب. وليقل وإنك رضيت بها بجملة ما فيها من العيوب التي توجب الرد أو يبين عيوبًا يدخله في جملتها. وأنه رضي بها كذلك. وفي الاختيارات وشرط البراءة من كل عيب باطل. ولا يبرأ حتى يسمي العيب. قال أحمد يضع يده على العيب. فيقول أبرأ إليك من ذا فأما إذا لم يعمد إلى الداء ولم يوقفه عليه فلا أراه يبرأ يرده المشتري بعيبه. لأنه مجهول. قال ابن رشد وحجة من لم يجز البراءة على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه

стр. 1195

البائع. من باب الغبن والغش فيما يعلمه. قال ابن القيم وإذا أبطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له هذا هو العدل وقياس أصول الشريعة. ولمن جهل الحال من زيادة أو نقص وفات غرضه الخيار. * * * باب الخيار وقبض المبيع والإقالة وما يتعلق بذلك. والخيار اسم مصدر أي طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. والخيار أقسام باعتبار أسبابه. (عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال إذا تبايع الرجلان) أي أوقعا العقد بينهما. لا تساوما من غير عقد (فكل منها بالخيار) وفي لفظ "البيعان بالخيار" (ما لم يتفرقا) أي ببدنيهما فيثبت لهما خيار المجلس (وكانا جميعًا) أي وقد كانا جميعًا. والمعنى أن الخيار ممتد زمن عدم تفرقهما. وللبيهقي وغيره "ما لم يتفرقا عن مكانهما" وذلك صريح في المقصود. وقال أبو برزة وابن عمر إن التفرق بالأبدان. قال الحافظ ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة. وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
следующие страницы →