بيعية فله أوكسهما أو الربا (صححهما الترمذي) والأول صححه أيضًا ابن خزيمة والحاكم. وهذا صححه ابن حبان وغيره. واتفق أهل العلم على العمل بهما. وقال الوزير اتفقوا على أنه لا يجوز بيعتان في بيعة واحدة. قال ابن القيم قيل أن يقول بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة. وهذا التفسير ضعيف. فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره. وهو مطابق لقوله "فله أوكسهما أو الربا".
وقال وقيل البيعتان في بيعة هو الشرط في البيعة. فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجله ثم اشتراها منه بثمانين حالة فقد باع بيعتين في بيعة. فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا. وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما. وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا بخلاف بمائة مؤجلة أو خمسين حالة. فليس هنا ربا ولا جهالة ولا غرر ولا ضرر. وإنما خيره بين أي الثمنين شاء، اهـ. وفسره أحمد وغيره بأن يبيعه سلعة ويقرضه قرضًا.
(وعن عائشة) ﵂ (في قصة بريرة) وكانت لناس من الأنصار. وذلك أنها جاءت إلى عائشة ﵂ فقالت إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني. فقالت عائشة إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون
стр. 1192
ولاؤك لي فعلتُ. فذهبت بريرة إلى أهلها. فقالت لهم فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس فقالت إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء. فقال "خذيها واشترطي لهم الولاء" زجرًا وتوبيخًا. يعلم منه أنه كان قد بين لهم بطلانه. ثم قال "فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت.
ثم قام في الناس خطيبًا "فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله" أي في شرعه الذي كتبه على العباد و (قال ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) أي الذي ليس في حكم الله. قال ابن القيم ليس المراد به القرآن قطعًا. فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة. فعلم أن المراد بكتاب الله حكمه. فإنه يطلق على كلامه تعالى. وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ﷺ ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له. فيكون باطلاً.
والصواب اعتبار كل شرط لم يحرمه الله. ولم يمنع منه. وإلغاء كل شرط خالف حكم الله (وإن كان مائة شرط) لمخالفته للحق. فوجوده كعدمه. والمراد لو شرطوا مائة شرط فباطل (قضاء الله أحق) بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الله (وشرط الله أوثق) وآكد. لأن الدليل قد دل على بطلان جميع الشروط التي ليست في كتاب الله. فلو كانت ما كانت كان
стр. 1193
الحكم كذلك (وإنما الولاء لمن أعتق) فلا يتعداه إلى غيره (متفق عليه) ولهما عن ابن عمر نحوه.
وروي بألفاظ في الصحيحين وغيرهما تدل على أن كل شرط يخالف حكم الله باطل. ومنه لو شرط أن لا خسارة عليه.
أو متى نفق المبيع وإلا رده. أو لا يبيع ولا يهب ولا يعتق. أو شرط البائع على المشتري أن يفعل ذلك. فيبطل الشرط وحده. كشرط الولاء للبائع. إلا إذا شرط العتق فيصح عند الجمهور. وكذا يبطل الشرط لو رهن نحو خمر أو إلى أجل مجهول.
وفي الاختيارات تصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود. فلو باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن صح البيع. والشرط. واشترط عثمان لصهيب وقف داره عليه. ومثل هذا أن يبيعه بشرط أن يعلمه أو لا يخرجه من ذلك البلد. ونحو ذلك. وإن قال إن جئتك بحقك في محله فقال ابن القيم يصح. وليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط. والحق جوازه. فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. وهذا لم يتضمن واحدًا من الأمرين. فالصواب جواز هذا العقد. وهو اختيار شيخنا.
(ولأحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة) أي من كل عيب (فأصاب به زيد عيبًا فأراد رده)
стр. 1194
على ابن عمر (فلم يقبله) لأن الشرع أقام الشرط العرفي كاللفظي. وذلك للسلامة من العيب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب. ولا يبرأ بشرط السلامة من كل عيب حتى يعين (فقال عثمان لابن عمر تحلف انك لم تعلم بهذا العيب قال لا فرده عليه) قال الشيخ الصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كل عيب. والذي قضى به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم أن البائع إذا لم يكن علم بالعيب فلا رد للمشتري. لكن إن ادعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلم. فإن نكل قضي عليه. اهـ.
وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة وتبرأ منها كلها. فقال ابن القيم لا يبرأ حتى يفرده بالبراءة. ويعين موضعه وجنسه ومقداره. بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول. ولا يقول البائع بشرط البراءة من كل عيب. وليقل وإنك رضيت بها بجملة ما فيها من العيوب التي توجب الرد أو يبين عيوبًا يدخله في جملتها. وأنه رضي بها كذلك. وفي الاختيارات وشرط البراءة من كل عيب باطل. ولا يبرأ حتى يسمي العيب.
قال أحمد يضع يده على العيب. فيقول أبرأ إليك من ذا فأما إذا لم يعمد إلى الداء ولم يوقفه عليه فلا أراه يبرأ يرده المشتري بعيبه. لأنه مجهول. قال ابن رشد وحجة من لم يجز البراءة على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه
стр. 1195
البائع. من باب الغبن والغش فيما يعلمه. قال ابن القيم وإذا أبطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له هذا هو العدل وقياس أصول الشريعة. ولمن جهل الحال من زيادة أو نقص وفات غرضه الخيار.
* * *
باب الخيار
وقبض المبيع والإقالة وما يتعلق بذلك. والخيار اسم مصدر أي طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. والخيار أقسام باعتبار أسبابه.
(عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال إذا تبايع الرجلان) أي أوقعا العقد بينهما. لا تساوما من غير عقد (فكل منها بالخيار) وفي لفظ "البيعان بالخيار" (ما لم يتفرقا) أي ببدنيهما فيثبت لهما خيار المجلس (وكانا جميعًا) أي وقد كانا جميعًا. والمعنى أن الخيار ممتد زمن عدم تفرقهما. وللبيهقي وغيره "ما لم يتفرقا عن مكانهما" وذلك صريح في المقصود. وقال أبو برزة وابن عمر إن التفرق بالأبدان. قال الحافظ ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة. وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
стр. 1196
قال النووي ومن قال بعدمه ترد عليه الأحاديث الصحيحة. والصواب ثبوته كما قال الجمهور. قال ابن القيم أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضى الذي شرطه تعالى فيه بقوله (عن تراض منكم) فإن العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروى فيه المتبايعان. ويعيدان النظر. ويستدرك كل واحد منهما اهـ. ومثل البيع الصلح بمعنى البيع. وكالإجارة والصرف والسلم. لا المساقاة والحوالة والوقف والرهن والضمان ونحو ذلك مما ليس في معنى البيع. وقال الوزير اتفقوا على أن خيار المجلس لا يثبت في العقود التي هي غير لازمة كالشركة والوكالة والمضاربة. واتفقوا على أنه لا يثبت في العقود اللازمة التي لا يقصد فيها العوض. كالنكاح والخلع والكتابة.
قال (أو يخير أحدهما الآخر) أي يشترط أحدهما الخيار مدة معلومة. أو يشترطاه معًا. ويقال إلا بيعًا شرط فيه الخيار.
أو إلا أن يكون البيع بشرط الخيار. فإن الخيار لا ينقضي بالتفرق بل يبقى حتى تنقضي مدة الخيار التي شرطها أحدهما أو كلاهما. لقوله "المسلمون على شروطهم" وإذا مضت مدته لزم البيع بلا خلاف. وحكاه الوزير اتفاقًا. وقال الشيخ ويثبت خيار الشرط في كل العقود. ولو طالت المدة اهـ.
ولمن له الخيار الفسخ إن رد الثمن جزم به الشيخ وغيره.
стр. 1197
ولو مع غيبة الآخر وسخطه. والملك مدة الخيارين للمشتري.
وله نماؤه المنفصل وكسبه. ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع ولا في عوضه المعين فيها بغير إذن الآخر (١). فإن فعل أو مات سقط خياره. ولا يقبل من بائع أو مشتر أنه اختار أو رد إلا ببينة. وإن اختارا أو أحدهما إمضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذٍ وبطل اعتبار التفرق. قال ابن القيم إذا أسقطا الخيار قبل التفرق سقط على الصحيح ودل عليه النص. ولأنهما عقدًا العقد على هذا الوجه. ولأن الخيار حق لهما فيسقط بإسقاطهما أو أحدهما. ويبقى خيار من لم يسقطه.
(فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك) أي بأن خير أحدهما الآخر (فقد وجب البيع) أي لزم وتم ونفذ على ما تبايعا عليه (وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع متفق عليه)، وفي رواية "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا" وعن حكيم بن حزام نحوه. وقال الوزير اتفقوا على أنه إذا وجب البيع وتفرقا من المجلس من غير خيار فليس لأحدهما الرد إلا بالعيب ويستثنى من البيع الكتابة كما تقدم. لكونها تراد للعتق. وتولي طرفي العقد لانفراد العاقد بالعقد. وشراء من يعتق عليه لعتقه بمجرد الانتقال. أو اعترف بحريته
стр. 1198
قبل الشراء لكونه استنقاذًا لا حقيقة.
(وللخمسة من حديث عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ نحو حديث ابن عمر وفيه (ولا يحل له) أي لأحد المتبايعين (أن يفارقه) أي أن يفارق صاحبه (خشية أن يستقيله) أي يفسخ البيع. وقال الترمذي وغيره أي خشية أن يختار فسخ البيع. فالمراد بالاستقالة فسخ النادم. وما روي عن ابن عمر أنه كان إذا بايع رجلًا فأراد أن يتم بيعته قام يمشي هنيهة فمحمول على أنه لم يبلغه النهي.
(وعن ابن عمر قال ذكر لرسول الله ﷺ رجل) هو حبان بن منقذ (يخدع في البيوع فقال من بايعت فقل لا خلابة) أي لا خديعة (متفق عليه) ومعناه البيع بشرط إن أرد الثمن وتسترد المبيع إذا ظهر لي غبن. لقنه ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع. ليطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها ليرى له البائع كما يرى لنفسه. وكان الناس إذا ذاك أحقاء لا يغبنون أخاهم المسلم. وكانوا ينظرون له كما ينظرون لأنفسهم.
فدل الحديث على خيار الغبن في البيع والشراء إذا حصل الغبن. وهو مذهب أحمد وغيره أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة. وشرط نحو هذا الشرط. ولابن ماجه وغيره "ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاثة أيام" والمراد إذا
стр. 1199
ظهر غبن. لأنه شكا في رواية ما يلقاه من الغبن. وفي معنى الحديث أيضًا مما سيأتي وغيره دليل على ثبوت خيار الغبن.
وهو ثلاثة: أحدها المسترسل وهو من جهل القيمة ولا يحسن يماكس. بل يقول أعطني هذا. والثاني زيادة الناجش.
والثالث التلقي. قال ابن القيم وفي الحديث غبن المسترسل ربا وهو الذي لا يعرف قيمة السلع أو الذي لا يماكس بل يسترسل إلى البائع. واختار الشيخ وغيره ثبوت خيار الغبن لمسترسل لم يماكس. وقال لا يربح على المسترسل أكثر من غيره. وكذا المضطر الذي لا يجد حاجته إلا عند شخص ينبغي أن لا يربح عليه إلا كما يربح على غيره.
(ولهما عنه مرفوعًا نهى عن النَجْش) بفتح فسكون. قال ابن قتيبة هو الختل والخديعة وهو لغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد. وشرعًا الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع.
لا ليشتريها بل ليغر بذلك غيره. سمي الناجش في السلعة ناجشًا لأنه يثير الرغبة فيها. ويرفع ثمنها. فيثبت له الخيار إذا غبن غبنًا يخرج عن العادة. أو يزيد البائع بنفسه. والمشتري لا يعلم. قال الشيخ فإنه يكون ظالمًا ناجشًا. وكذا لو أخبره أنه اشتراها بكذا وهو زائد عما اشتراها به. فيثبت له الخيار. لأنه باعه مساومة.
وأجمع أهل العلم على تحريم النجش لأنه غرر. وقال ابن
стр. 1200
أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن. والإثم يختص بالناجش إن لم يعلم به البائع. فإن واطأه على ذلك أثما جميعًا. ولا ريب أنه يحرم تغرير مشتر بأن يسومه كثيرًا ليبذل قريبًا منه. كأن يقول في سلعة ثمنها خمسة أبيعها بعشرة. وجزم به الشيخ وغيره. وأعظم من ذلك أن يقول أعطيت بها كذا وهو كاذب.
(وعن ابن عباس مرفوعًا لا تلقوا الركبان) جمع راكب ولهما عن ابن مسعود "نهى عن تلقي البيوع" ولمسلم عن أبي هريرة "نهى أن يتلقى الجلب" فالتنصيص على الركبان خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام وغيره يكون في الغالب راكبًا. وحكم الجالب الماشي حكم الراكب بلا نزاع. وفيها دليل على أن التلقي محرم. وفي رواية لابن عمر "لا تلقوا السلع حتى يهبط بها السوق" وفي رواية كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهى عن تلقي الركبان الذين يجلبون إلى البلد أرزاق العباد للبيع. والمراد من خارج السوق الذي تباع فيه السلع. وبيعه منهم كالشراء. لأن العلة التي هي مراعاة نفع الجالب. أو أهل السوق حاصلة في ذلك.
قال (ولا بيع حاضر لباد) والحاضر المقيم في المدن والقرى. والباد المقيم بالبادية. وفسره ابن عباس بقوله: لا يكون له سمسارًا أي دلالًا يتوسط بين البائع والمشتري. وهو في الأصل المقيم الحاضر. ثم استعمل في متولي البيع والشراء (متفق عليه) وللبخاري عن ابن عمر "نهى أن يبيع حاضر
стр. 1201
لباد" ولمسلم عن جابر "لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ولهما عن أنس "نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه لأبيه وأمه".
فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي من غير فرق أن يكون البادي قريبًا له أو أجنبيًا. وسواء كان في زمن الغلاء أو لا. وسواء كان يحتاج إليه أهل البلد أم لا. وسواء باعه له على التدريج أو دفعة واحدة. والحكم منوط بالبادي. ومن في معناه. وإنما ذكر البادي لكونه الغالب. فألحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضرين. وكما أنه لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي كذلك لا يجوز أن يشتري له. لأنه قوله لا يبع كلمة جامعة تطلق على الشراء. وفي رواية "أن تبيعوا أو تبتاعوا" يشهد لذلك قوله "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" وإن خالف وباع صح مع الإثم. وهذا مذهب الجمهور الشافعي وأحمد وجماعة من المالكية وغيرهم.
(ولمسلم من حديث أبي هريرة) ﵁ أنه
قال "نهى النبي ﷺ أن يتلقى الجلب" مصدر بمعنى اسم
المفعول أي المجلوب. يقال جلب الشيء جاء به من بلد إلى بلد للتجارة. فإن تلقاه إنسان فابتاعه (فإذا أتى) صاحب
السلعة (سيده السوق) الذي تعرف فيه قيم السلع (فهو بالخيار) أي بين أن يمضي البيع أو يفسخ. ففيه أن ابتدأ التلقي من خارج السوق الذي تباع فيه السلع. ومن حديث ابن عمر
стр. 1202
"نهانا أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام" وفي رواية "فإذا ورد السوق فهو بالخيار" فدل على انعقاد البيع. وهو مذهب الجمهور. وقالوا لا يجوز تلقي الركبان ويثبت له الخيار مطلقًا. وهو ظاهر النص.
وقال الشيخ أثبت النبي ﷺ للركبان الخيار إذا تلقوا. لأن فيه نوع تدليس وغش وخديعة. وقال ابن القيم نهي عن ذلك لما فيه من تغرير البائع. فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة. ولذلك أثبت له النبي ﷺ الخيار مع الغبن. فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل فيكون المشتري غارًا له. ومنه تلقي سوقة الحجيج الجلب من الطريق. وسبقهم إلى المنازل يشترون الطعام والعلف. ثم يبيعونه كما يريدون. فيمنعهم والي الحسبة.
(وعنه) أي أبي هريرة ﵁ (مرفوعًا: لا تصروا الإبل) بضم ففتح أي لا تربطوا أخلافها ليجتمع لبنها فيكثر. فيظن المشتري أن ذلك عادتها. فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. وأصل التصرية حبس الماء. وقال أبو عبيد التصرية حبس اللبن في الضرع. حين يجتمع. اهـ. وفيه "والغنم" واقتصر على ذكر الإبل والغنم دون البقر. لأن غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم. والحكم واحد. ولحديث "نهي عن التصرية للحيوان".
стр. 1203
(فمن ابتاعها بعد ذلك) أي اشتراها بعد التصرية (فهو بخير النظرين) أي الرأيين (بعد أن يحلبها) جعله قيدًا في ثبوت الخيار. لكونها لا تعرف غالبًا إلا بعد الحلب. والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور. ولو لم يحلبها (إن رضيها امسكها) وفي رواية: إن شاء أمسكها (وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر متفق عليه) وللبخاري (وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر" ولمسلم "فهو بالخيار ثلاثة أيام" ودل الحديث على أنه لا يجوز رد اللبن ولو كان باقيًا على صفته. لم يتغير لاختلاطه بالحادث وتعذر معرفة قدره.
ودل الحديث على أنه لا يلزم قبوله لذهاب طراوته واختلاطه بما تجدد عند المشتري. وأخذ الجمهور بظاهر الحديث وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة. ولا يعلم لهما مخالف في الصحابة. ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلًا أو كثيرًا. لتقدير الشارع لدفع التشاجر وقطع النزاع. وذكر ابن القيم أن حديث المصراة أصح من حديث الخراج بالضمان بالاتفاق. مع أنه لا منافاة بينهما. فإن الخراج ما يحدث في مالك المشتري. وهنا اللبن كان موجودًا في الضرع. فصار جزءًا من المبيع. ولم يجعل الصاع عوضًا عما حدث. بل عن اللبن الموجود في الضرع. وقت العقد. وتقديره بالشرع لاختلاطه بالحادث. وتعذر معرفة قدره. فقدر قطعًا للنزاع. وبغير الجنس لأنه بالجنس قد يفضي إلى الربا.
стр. 1204
ودل الحديث أيضًا على صحة البيع مع التصرية. وهو وما في معناه دليل على ثبوت خيار التدليس بما يزيد به الثمن.
وأصول الشريعة توجب الرد به وبالغش. والرد بها أولى من الرد بالعيب. ومنه تسويد شعر الجارية وتجعيده. وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها للبيع. وغير ذلك مما فيه تدليس وغش. وإظهار ما ليس معتادًا ليغر المشتري قال في الإنصاف وتحسين وجه الصبرة وتصنع النساج وجه الثوب. وصقال الإسكاف وجه المتاع ونحوه. يثبت للمشتري خيار الرد بلا نزاع. وقال الشيخ وإن دلس مستأجر على مؤجر وغيره حتى استأجره بدون القيمة فله أجرة المثل. وإذا دلس على المشتري رجع المشتري بالثمن على الأصح.
(ولمسلم عنه أن النبي ﷺ مر برجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه) أي في الطعام (فإذا هو مبلول فقال من غشنا فليس منا) الغش ضد النصح. من الغشش وهو المشرب الكدر.
وفي لفظ مر بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام" قال أصابته السماء يا رسول الله قال "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس. من غشنا فليس منا".
وهذا وعيد شديد يدل على تحريم الغش. وكتم العيب وهو إجماع. وأحاديث الوعيد تجري على ظاهرها ليكون أوقع في النفس. وأبلغ في الزجر. قال الشيخ لا يجوز بيع المغشوش ولا
стр. 1205
عمله إذا لم يعلم قدر الغش. لأن المشتري لا يعلم قدر الخلط. فيبقى المبيع مجهولًا. وكذا كل ما كان من الغش في المطعوم والملبوس وغيره.
(وعن عقبة) بن عامر ﵁ (مرفوعًا لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه) له (رواه أحمد) وابن ماجه وغيرهما وفيه "المسلم أخوالمسلم" وجاء نحوه من غير وجه. مما يدل على تحريم الغش وكتم العيب. ووجوب تبيينه للمشتري. ولا نزاع في ذلك ويثبت الفسخ بالإجماع. قال ابن رشد وبالجملة خيار الرد بالعيب ثابت للمشتري. ولما كان ذلك يختلف اختلافًا كثيرًا كاختلاف المبيعات في صفاتها وجب إذا اتفقا على جهل صفة العيب المؤثر في الثمن. وحجة من لم يجز البراءة على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلم البائع. ومن باب الغبن والغش فيما يعلمه.
والعيب هو ما ينقص قيمة المبيع عادة عما طلب من الثمن كمرض وفقد عضو وزنا الرقيق ونحو ذلك. فما عده التجار في عرفهم منقصًا أنيط به الحكم ومالا فلا. قال الشيخ لا يطمع في إحصاء العيوب. لكن يقرب من الضبط ما قيل إن ما يوجد بالبيع مما ينقص العين أو القيمة نقصًا يفوت به غرض صحيح يثبت الرد إذا كان الغالب في جنس المبيع عدمه. قال الوزير اتفقوا على أن للمشتري الرد بالعيب الذي لم يعلم به حال العقد ما لم يحدث عنده عيب آخر. وأن له إمساكه إن شاء بعد
стр. 1206
عثوره عليه. اهـ. وإن علم العيب فأخر الرد لم يبطل خياره إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضى من التصرف ونحوه.
وإن اختلفا عند من حدث العيب فقال بعضهم قول بائع مع يمينه. وقال ابن القيم قول من يدل الحال على صدقه. فإن احتمل صدقهما فقول بائع لأن المشتري يدعي ما يسوغ فسخ العقد بعد تمامه ولزومه والبائع ينكره. وإن مات المبيع أو أبق ونحوه وكان البائع علم العيب وكتمه عن المشتري فقال ابن رشد وغيره فقهاء الأمصار على أنه فوت. ويرجع المشتري على البائع بقيمة العيب. ومذهب أحمد وغيره يذهب المبيع على البائع.
(وللخمسة) عن ابن مسعود وغيره (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (إذا اختلف المتبايعان) وفي لفظ "البيعان" أي البائع والمشتري. ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف فيعم المبيع والثمن. وكل أمر يرجع إليهما. وفي سائر الشروط المعتبرة (وليس بينهما بينة) تثبت قول أحدهما. وكذا لو تعارضت بينتاهما (فالقول ما قال البائع) إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد ولكن مع يمينه كما جاء أمره البائع أن يستحلف. وهذا مذهب أحمد وغيره (أو يترادان البيع) فإن تراضيا على ذلك جاز بلا خلاف فلا يكون لهما خلاص من النزاع إلا التفاسخ أو حلف البائع. والحديث صححه الحاكم وغيره. وذكر ابن عبد البر. أنه مشهور الأصل
стр. 1207
عند جماعة تلقوه بالقبول. وبنوا عليه كثيرًا من فروعه. وقال الخطابي قد اصطلح الفقهاء على قبوله. وذلك يدل على أن له أصلًا. وإن كان في إسناده مقال. فدل على إثبات الخيار لاختلاف المتبايعين.
(وفي لفظ إذا اختلفا) أي المتبايعان في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد (ولا بينة لهما) تبين ما اختلفا فيه (تحالفا) فيحلف بائع أولًا ما بعته بكذا. وإنما بعته بكذا. ثم يحلف مشتر ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا. وكذا في عين المبيع أو صفته ونحو ذلك. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة فإنهما يتحالفان ويترادان وإن رضي أحدهما بقول صاحبه أو حلف أحدهما ونكل الآخر أقر العقد. وذكروا الخيار في البيع بتخبير الثمن متى بان أقل أو أكثر. وفي التولية والشركة والمرابحة والمواضعة.
والخلف في الصفة. وتغير ما تقدمت رؤيته. وفقد شرط صحيح أو فاسد، وفوات غرض. وظهور عسر ونحو ذلك. ومطل اختاره الشيخ.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال من ابتاع) أي اشترى (طعامًا) مكيلًا كان أو موزونًا أو معدودًا (فلا يبعه حتى يقبضه متفق عليه) من غير وجه عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وحكاه الشيخ وغيره إجماعًا
стр. 1208
ولمسلم عن ابن عباس "حتى يكتاله" أي حتى يأخذه بالكيل ولهما من غير وجه عن ابن عباس وغيره "حتى يستوفيه" وقال ابن المنذر أجمع العلماء على أن من اشترى طعامًا فليس له أن يبيعه حتى يقبضه. وقال الوزير اتفقوا على أن الطعام إذا اشترى مكايلة أو موازنة أو معادة فلا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه من آخر. أو يعاوض به حتى يقبضه الأول. فإن القبض شرط في صحة هذا البيع.
وتواتر النهي عن بيع مطلق الطعام حتى يقبضه من غير فرق بين الجزاف وغيره. وهو مذهب الجمهور. وفي نص حديث ابن عمر السابق كان الناس يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق. فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه متفق عليه. ولمسلم "يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه" ولأحمد من حديث حكيم "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه" وللبيهقي من حديث أبان "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه" ولأبي داود من حديث زيد بن ثابت "نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على أنه لا يجوز بيع أي سلعة اشتريت إلا بعد قبض البائع لها. واستيفائها. إن كان المبيع طعامًا يكال فبكيله. أو يوزن فبوزنه. أو يعد فبعده. وإن كان المبيع يذرع فبذرعه أو ينقل فبنقله. أو غيره فبتخليته.
стр. 1209
وعلة النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسليمه. لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسمله. لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فإنه يسعى في رد البيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ. قال ابن القيم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى تنقل. لأنه ذريعة إلى جحد البائع البيع، وعدم إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها. فيغره الطمع. وشح نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكده بالنهي عن ربح ما لم يضمن سدًا للذريعة. وهذا من محاسن الشريعة. وألطف باب سد الذرائع. وقال الصحيح أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال. وهو مذهب ابن عباس حيث يقول ولا أحسب كل شيء إلا مثل الطعام. وهو إحدى الروايتين عن أحمد. لحديث حكيم بن حزام وأبان وزيد بن ثابت.
وقال ثبوت المنع في الطعام بالنص. وفي غيره إما بقياس النظر كما صح عن ابن عباس أو بقياس الأولى. لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه فغيره بطريق الأولى فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك. ويلحق بالبيع التصرفات بعوض فيكون فعلها قبل القبض غير جائز كالبيع. ويجوز التصرف في المبيع بغير البيع. ويجوز بيعه لبائعه والشركة فيه. وكل ما ملك بعقد سوى البيع فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره. لعدم قصد
الربح. وإذا تعين ملك إنسان في موروث أو وصية أو غنيمة
لم يعتبر لصحة تصرفه قبضه بلا خلاف وينتقل
стр. 1210
الضمان إلى المشتري بتمكنه من القبض. قال الشيخ ويملك المشتري المبيع بالعقد. ويصح عتقه. قبل القبض إجماعًا فيهما.
(وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قضى) أي حكم (أن الخراج) أي الدخل والغلة والكراء (بالضمان رواه الخمسة) وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وغيرهم. وضعفه البخاري.
لأن فيه مسلم بن خالد الزنجي. والباء متعلقة بمحذوف تقديره الخراج مستحق بالضمان. فما يحصل من غلة العين المبتاعة للمشتري كأن يشتري عينًا ويستغلها زمانًا ثم يعثر على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه. أو لم يعرفه فله رد العين وأخذ الثمن. وللمشتري مستغله.
فإن أصل الحديث أن رجلًا اشترى غلامًا في زمن رسول الله ﷺ وكان عنده ما شاء الله. ثم رده من عيب وجده. فقضى رسول الله ﷺ برده بالعيب. فقال المقضي عليه قد استعمله. فقال رسول الله ﷺ "الخراج بالضمان" أي أن المبيع إذا كان له دخل وغلة فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها لضمان أصلها. ولا شيء عليه. لما انتفع به لضمان أصله. فلو كان المبيع تالفًا في يده صار من ضمانه. ولم يكن له على البائع رد.
وله النماء المتصل لتعذر انفصاله. ولا يرد المشتري نماء
стр. 1211
منفصلًا إلا لعذر كولد الأمة. قال ابن رجب وهو الأصح. وإن حملت أمة أو بهيمة بعد الشراء فالحمل نماء متصل. يتبعها في الفسخ. فإن حملت بعد الشراء وولدته فمنفصل. ويرد ولد الأمة لتحريم التفرق على كلا القولين.
(وعن أبي هريرة مرفوعًا من أقال مسلمًا) وللبزار من أقال نادمًا (بيعته) أي فسخ عقد البيع لندم المشتري (أقال الله عثرته) أي غفر زلته وخطيئته (رواه أبو داود) رواه ابن ماجه وغيره. وصححه ابن حبان والحاكم. وفيه "أقال الله عثرته يوم القيامة" وفي فضل الإقالة أحاديث أخر. وأجمعوا على مشروعيتها. وحقيقتها رفع العقد الواقع بين المتعاقدين. وصورتها أنه اشترى أحد شيئًا من رجل ثم ندم على شرائه إما لظهور الغبن فيه. أو لزوال رجاحته أو لانعدام الثمن أو غير ذلك. فرد المبيع على البائع. وقيل البائع رده.
أزال الله مشقته وعثرته. لأنه إحسان منه على المشتري. لأن البيع قد ثبت فلا يستطيع المشتري فسخه فاستحبت لذلك وكذا لو ندم البائع فأقاله المشتري وتجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن. وهي فسخ لا بيع فلا خيار فيها ولا شفعة. ولا تصح بزيادة على ثمن أو نقصه أو غير جنسه. لأن مقتضاها رد الأمر على ما كان. فإن طلب أحدهما الإقالة وأبي الآخر فاستأنفًا بيعًا جاز.
стр. 1212
باب الربا
أي باب ما يذكر فيه أحكام الربا والصرف. والربا لغة عبارة عن الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد. ومنه (اهتزت وربت) أي زادت. وأربى الرجل إذا عامل في الربا ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ أي ليكثر. وشرعًا زيادة في شيء مخصوص. وهو الكيل والوزن. ويطلق الربا على كل بيع محرم. وهو نوعان: ربا نسيئة، وربا فضل. والأول جلي. والثاني خفي. فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم. والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصدًا. وتحريم الثاني وسيلة وتحريمه من باب سد الذرائع. لكونه أخذ مال من غير عوض. ومال الإنسان متعلق حاجته. وله حرمة عظيمة فقد قال ﷺ "حرمة ماله كحرمة دمه" فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرمًا.
(قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وذلك أن المشركين لما اعترضوا على أحكام الله في شرعه. وذلك الذي حل بهم أنهم قالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ لا فرق إن زدنا في الثمن في أول البيع أو عند محله. فلم أحل هذا وحرم هذا فأكذبهم الله وأبطل قولهم. وأول الآية ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي يعاملون به ﴿لاَ يَقُومُونَ﴾ أي يوم القيامة من قبورهم مما يصيبهم بسبب أكل الربا ﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي إلا كما يقوم المصروع حال صرعه
стр. 1213
وتخبط الشيطان له. وهذا رد على ما قالوه من الاعتراض. مع علمهم بتفريق الله بين البيع والربا حكمًا.
وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه. العالم بحقائق الأمور ومصالح العباد. وما ينفعهم فيبيحه لهم. وما يضرهم فينهاهم عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي بلغه من ربه تذكير وتخويف عن الربا ﴿فَانتَهَىَ﴾ عن أكل الربا حال وصول الشرع إليه ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي مضى من ذنبه بسبب المعاملة بالربا. لقوله تعالى: عفا الله عما سلف ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم إلى أكل الربا مستحلًا له ﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ وهذا أبلغ وعيد.
﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا﴾ أي ينقصه ويهلكه أو يذهب ببركته من يد صاحبه. أو يحرمه بركة ماله. ويعاقبه عليه يوم القيامة.
وفي الخبر "الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل" ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي يثمرها ويبارك فيها في الدنيا. ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى. ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾ فاجر بأكل الربا وقد بالغ تعالى في الزجر عن الربا.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ﴾ أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي اتركوا
стр. 1214
ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس أموالكم بعد هذا الإنذار والإعذار ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك. لما بين تعالى أن من انتهى عن الربا (فله ما سلف) فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة الغريم فقال ﴿اتَّقُواْ اللهَ﴾ واتقاؤه ترك ما نهى عنه ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وبين به الفرق بين المقبوض وما لم يقبض، فالزيادة تحرم، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم.
وإنما شدد في ذلك لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال ﴿اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يعني إن كنتم قد قبضتم شيئًا فمعفو عنه وإن لم تقبضوه أولم تقبضوا بعضه فذلك الذي لم تقبضوه من الربا، كل كان أو بعضًا، فإنه محرم قبضه فذروه إن كنتم مؤمنين ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ أي إذا لم تذروا ما بقي من الربا ﴿فَأْذَنُواْ﴾ أي فاعلموا أنتم واستيقنوا ﴿بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا. قيل حرب الله النار وحرب رسوله السيف.
﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾ أي تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الزيادة ﴿وَلاَ تُظْلَمُون﴾ بوضع رؤوس الأموال. بل لكم ما بذلتم من غير
стр. 1215
زيادة عليه ولا نقص منه. قال ابن عباس هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ .
وفي الحديث أنه قال في حجة الوداع "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع" أي مبطل (لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ لا تزيدوا زيادات مكررة ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ في أمر الربا فلا تأكلوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال اجتنبوا) أبعدوا وهو أبلغ من لا تفعلوا ودعوا واتركوا (السبع الموبقات) أي المهلكات جمع موبقة. سميت بذلك لأنها تهلك فاعلها في الدنيا لما يترتب عليها من العقوبات. وفي الآخرة من العذاب (وذكر منها) أي من السبع الموبقات (أكل الربا) وهو: فضل مال بلا عوض، وأكله تناوله بأي وجه كان. ولفظه قالوا وما هن يا رسول الله قال "الشرك بالله" بدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به "والسحر" وحد الساحر القتل عند الجمهور "وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق" وفيه الوعيد الشديد بأن جزاءه جهنم. ثم عطف عليه أكل الربا "وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات" (متفق عليه) وأجمعوا على أنها من الكبائر.
стр. 1216
ومر ﷺ ليلة أسري به على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقال "من هؤلاء يا جبرئيل" قال أكلة الربا. وقال ﷺ "الربا سبعون حوبًا أيسرها" أي في الإثم "مثل أن ينكح الرجل أمه علانية" شبهة به لاستقباحه في العقل. والأحاديث في النهي عنه وذم فاعله مشهورة كثيرة جدًا.
(ولهما) من حديث أبي جحيفة وجابر ﵄. وأهل السنن من حديث ابن مسعود (أنه ﷺ قال لعن الله آكل الربا) أي آخذه وإن لم يأكله. وإنما خص الأكل لأنه أعظم أنواع الانتفاع. وسبب إتلاف أكثر الأشياء وإلا فالوعيد حاصل لكل من عامل به سواء أكل منه أو لا (وموكله) أي معطيه لمن يأخذه فيأكله أو يبيعه وغير ذلك. والحديث دليل على تحريم تعاطيه وكاتبه أي كاتب الربا.
(وشاهديه) وقال "هم في الإثم سواء" وللنسائي "ملعونون على لسان محمد – ﷺ " وفيه التصريح بتحريم الكتابة للمترابين والشهادة عليهما وتحريم الإعانة على الباطل. وقال الشيخ وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام.
(وعن عبادة بن الصامت) ﵁ (أن رسول
الله ﷺ قال الذهب بالذهب) بجميع أنواعه من
стр. 1217
مضروب ومنقوش وجيد ورديء. ومكسر وحلي وتبر وخالص ومغشوش مثلًا بمثل يدًا بيد ونقل النووي وغيره الإجماع على ذلك (والفضة بالفضة) أي مثلًا بمثل يدًا بيد إجماعًا. ويدخل في ذلك أنواع الفضة مضروبة أو غير مضروبة (والبر بالبر) بضم الباء وهو الحنطة بجميع أنواعها ومنه السلت. وفي لفظ "مدًا بمد" أي مكيالًا بمكيال (والشعير بالشعير) فيه أنه صنف غير البر.
(والتمر) بجميع أنواعه (بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل) في المقدار (سواء بسواء) لقصد التأكيد أو للمبالغة. فلا يباع موزون بجنسه إلا وزنًا. ولا مكيل بجنسه إلا كيلا اتفاقًا. حكاه الوزير وغيره. لعدم تحقق التماثل بغير معياره الشرعي. وما لا يتهيأ فيه الكيل كالتمور التي تغشاها المياه فالوزن. فإن النبي ﷺ لما ثبت عنده كيل التمر بالمدينة استفيد منه تأصيل المماثلة. وفي الاختيارات وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا ووزنًا (يدًا بيد) أي حالًا مقبوضًا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر.
وحكى الوزير وغيره الإجماع على أنه لا يجوز بيع جنس منها بجنسه إلا مثلًا بمثل يدًا بيد. وأنه لا يباع غائب منها بناجز. وقد حرم في هذا الجنس الربا من طريق الزيادة والنساء. ولهما عن عمر "إلا ها وها، أو هات وهاك". ومن
стр. 1218
حديث أبي هريرة "يدًا بيد" وزيد بن أرقم والبراء "نهى عن بيع الذهب بالفضة دينًا" وأجمع العلماء على تحريمه. وإنما يشترط التقابض في الشيئين المختلفين جنسًا، المتفقين تقديرًا، كالذهب بالفضة والبر بالشعير إذ لا يعقل التفاضل والاستواء إلا فيما كان كذلك. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ "اشترى من يهودي طعامًا بنسيئة".
وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا أو مؤجلًا. كبيع الذهب بالحنطة. وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل قال الجمهور العلة في الدراهم والدنانير الثمنية. وصوبه ابن القيم وغيره. فإنهم أجمعوا على إسلامها في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما. فلو كان النحاس والحديد ربويًا لم يجز بيعها إلى أجل بدراهم نقدًا. والتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة. وذكر نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول.
والمكيلات خصته طائفة بالقوت. وما يصلحه وهو قول مالك. قال ابن القيم وهو الصواب. وفي الاختيارات العلة في تحريم ربا الفضل الكيل مع الطعم. وهو رواية عن أحمد. وقال غير واحد إذا اتفقا في العلة واختلفا في الجنس منع النساء. وجاز التفاضل. وإن اختلفا أيضًا في العلة جاز النساء والتفاضل. واستثنى النقدان من الموزونات لئلا ينسد باب السلم
(فإذا اختلفت هذه الأصناف) الستة. وكذا ما في
стр. 1219
معناها (فبيعوا كيف شئتم) أي بيعوا بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات.
(إذا كان يدًا بيد، رواه مسلم) وللترمذي وغيره "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد. وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد" قال والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون أن يباع البر بالبر إلا مثلًا بمثل. والشعير بالشعير إلا مثلًا بمثل. فإذا اختلفت الأصناف فلا بأس أن يباع متفاضلًا إذا كان يدًا بيد. وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال الوزير اتفقوا على أنه يجوز الذهب بالفضة وعكسه متفاضلين. وكذا التمر بالحنطة أو الشعير أو الملح.
ولا بد في بيع بعض الربويات ببعض من التقابض. ولا سيما في الصرف وهو بيع الدراهم بالذهب وعكسه. فإنه متفق على اشتراطه. فلو افترق المتصارفان قبل قبض البعض أو الكل بطل العقد فيما لم يقبض. واتفقوا على أنه لا يجوز بيع الجيد بالرديء من جنس واحد إلا مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد.
والمراد بالصنف الجنس وهو ما له اسم خاص يشمل أنواعًا كبر ونحوه. وفروع الأجناس أجناس باختلاف أصولها.
(ولهما من حديث أبي سعيد نحوه) أي نحو حديث عبادة في "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل" وهو أصل في باب الربا (وفيه
стр. 1220
فمن زاد أو استزاد) أي أعطي الزيادة أو طلب الزيادة (فقد أربى) أي أوقع نفسه في الربا أو أتى الربا وتعاطاه. والمراد أخذ أكثر مما أعطاه وهو ربا (الآخذ والمعطي فيه سواء) أي في الإثم.
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على تحريم ربا الفضل. وهو مذهب جمهور العلماء. للأخبار المستفيضة في ذلك الثابتة عن جماعة من الصحابة. القاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض متفاضلًا. وقال ﷺ في الذي أتاه بتمر جنيب "أكل تمر خيبر هكذا"؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا".
فيحرم التفاضل ولو اختلفا في الجودة والرداءة. ولا يجوز بيع شيء منها ببعضه على التحري على الإطلاق. وقال ابن القيم حرم التفريق في الصرف وبيع الربوي بمثله قبل القبض لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا. فحماهم عن قربانه باشتراط التقابض في الحال. ثم أوجب عليهم فيه التماثل. وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد. حتى لا يباع مد جيد بمدين رديئين. وإن كانا يساويانه.
سدًا لذريعة ربا النساء الذي هو حقيقة الربا. وأنه إذا
منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في
стр. 1221
مقابلة جودة صفة ونحوها. فمنعهم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى. فهذه حكمة تحريم ربا الفضل التي خفيت على كثير من الناس اهـ.
ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه. ولا نيئه بمطبوخه ولا أصله بعصيره. ولا خالصه بمشوبه. واتفقوا على أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص عليها. وأنه متعد منها إلى كل ملحق بشيء منها. ولا ربا فيما لا يوزن عرفًا لصناعته كفلوس. ومعمول صفر ونحاس ورصاص عند الجمهور مالك وأبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. وغير ذهب وفضة فلا يصح مطلقًا. ولا ربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كبيض وجوز.
(وللأربعة) وغيرهم (عن سعد) يعني ابن أبي وقاص ﵁ أنه قال (نهى النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر) وفي رواية سمعته "يسأل عن اشتراء التمر بالرطب" فقال: "أينقضي الرطب إذا يبس" قالوا نعم "فنهى عن ذلك" صححه ابن المديني والترمذي. وقال العمل عليه عند أهل العلم. ولأن أحدهما أزيد من الآخر قطعًا بلينته فهو أزيد أجزاء من الآخر زيادة لا يمكن فصلها وتمييزها. ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به.
فدل على أن الشرط تحقق المماثلة حال اليبوسة. فلا يكفي
стр. 1222
تماثل الرطب والتمر على رطوبته. ولا على فرض اليبوسة. لأن تخمين فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر. وهذا قول أكثر أهل العلم. وجوز أبو حنيفة بيع الرطب بالتمر إذا تساويا كيلًا. وحمل الحديث على البيع نسيئة. كما جاء في بعض الروايات. وصرح الحافظ المنذري وغيره أنها غير محفوظة.
وفي الصحيحين عن ابن عمر "نهى عن بيع الرطب بالتمر كيلًا" وعن بيع العنب بالزبيب كيلا وعن بيع الزرع بالحنطة كيلا" والعلة في ذلك هو الربا لعدم التساوي. ويدل على تحريمه أيضًا النهي عن بيع المحاقلة والمزابنة الآتي. وفيه دليل على جواز بيع الرطب بالرطب، وهو مذهب الجمهور.
(ولمسلم عن جابر) ﵁ (نهى) يعني رسول الله ﷺ (عن بيع الصبرة) وهي ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن (من التمر لا يعلم كيلها) يعني الصبرة. وهذه صفة كاشفة للصبرة. لأنه لا يقال لها صبرة إلا إذا كانت مجهولة الكيل فلا يجوز بيعها (بالكيل المسمى من التمر) فدل الحديث أنه لا يباع جنس بجنسه وأحدهما مجهول المقدار. لأن العلم بالتساوي مع الإتفاق في الجنس شرط لا يجوز البيع بدونه. ولا ريب أن الجهل بكلا البدلين أو بأحدهما مظنة للزيادة والنقصان. وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه. والقاعدة أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
стр. 1223
(وفي الصحيحين) من حديث جابر وزيد بن أبي أنيسة وغيرهما عن النبي ﷺ أنه (نهى عن بيع المحاقلة) من الحقل وهو بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا وبيع العنب بالزبيب كيلاً وبيع الزرع بالحنطة كيلاً. والعلة في ذلك هو الربا. لعدم التساوي (و) أنه نهى عن بيع (المزابنة) مفاعلة من الزبن وهو الدفع الشديد. قيل للبيع المخصوص مزابنة. لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه. أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع لفسخه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع.
وفي خبر زيد ""المحاقلة أن يبيع الحقل بكيل من الطعام معلوم. والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر" وقال الترمذي المحاقلة بيع الزرع بالحنطة. والمزابنة بيع التمر على رؤوس النخل بالتمر. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا بيع المحاقلة والمزابنة وألحق الشافعي وغيره بذلك كل بيع مجهول أو معلوم من جنس يجري الربا في نقده. وهو قول الجمهور.
(ولهما عن زيد بن ثابت) ﵁ (أن النبي ﷺ رخص في العرايا) أي في بيع تمر العرايا جمع عرية. والعرية هي النخلة. وفي الأصل عطية ثمر النخلة. سميت بذلك لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة. فرخص لأهل الحاجة الذي لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم. والترخيص في الأصل
التسهيل والتيسير. وفي العرف ما شرع من الأحكام
стр. 1224
لعذر مع بقاء دليل الإيجاب والتحريم. لولا ذلك العذر (أن تباع بخرسها كيلًا) أي أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. وللبخاري عن رافع وغيره أن النبي ﷺ "نهى عن المزابنة بيع التمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم".
(وفي لفظ يأخذها أهل البيت) يعني الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم (بخرصها) أي بقدر ما فيها إذا كان تمرًا والخرص هو التخمين والحدس كما تقدم (يأكلونه رطبًا) وفي لفظ "رخص في بيع العرية بالرطب أو الثمر. ولم يرخص في غير ذلك" ولهما عن سهل "نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن تشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبًا" قال غير واحد العرية أن يشتري الرجل تمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا. يقول هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يحصل منه ثلاثة أوسق مثلًا. فيبيعه بثلاثة أوسق تمرًا ويتقابضان في المجلس. فيسلم المشتري التمر. ويسلم البائع النخل. ولا يجوز في غير الرطب والعنب من الثمار.
وأخرج الشافعي عن زيد بن ثابت أنه سمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبًا ويأكلون مع الناس وعندهم فضول قوتهم من التمر. فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها. من التمر. فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على أن حكم العرايا مخرج
стр. 1225
من بين المحرمات مخصوص بالحكم. وللبخاري من حديث جابر "نهى عن بيع الثمر حتى يطيب. ولا يباع شيء منه إلا بالدنانير والدراهم إلا العرايا".
(ولهما من حديث أبي هريرة فيما دون خمسة أوسق) أو في خمسة أوسق فيبقى الشك ويعمل بالمتيقن وهو الأربعة فما دونها. وهذا مذهب الجمهور. قال ابن حبان الاحتياط أن لا يزيد على الأربعة. قال الحافظ يتعين المصير إليه. فيشترط للعرية خمسة شروط: أن تكون بمثل ما يؤول إليه. وفيما دون خمسة أوسق. ولمحتاج لرطب ولا ثمن معه. بشرط الحلول والتقابض. وزيد أن يكون الرطب على رؤوس النخل. فلو كان على وجه الأرض لم يجز لأن الرخصة وردت في بيعة على رؤوس النخل ليؤخذ شيئًا فشيئًا وأن يكون التمر معلومًا بالكيل. والثامن الحلول على قول أنهما شرطان.
(وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا) أي أن يهيء ما يحتاج إليه العسكر من مركوب وسلاح وغيره (فنفدت الإبل) بفتح فكسر أي فنيت أو نقصت.
والمعنى أنه أعطى كل رجل جملًا وبقيت بقية من الناس بلا مركوب. فقال يا رسول الله قد نفدت الإبل. وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم أي ليس لهم إبل (فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) أي مؤجلًا إلى أوان حصول إبل
стр. 1226
الصدقة (رواه أبو داود) والحاكم وغيرهما والدارقطني
وصححه.
وقال ابن القيم حديث عبد الله بن عمرو صريح في جواز التفاضل والنساء. وهو حديث حسن وقال الحافظ إسناده قوي. وفي السنن وصححه الترمذي أنه ﷺ اشترى عبدًا بعبدين. وللبيهقي قال عمرو بن حريث لعبد الله بن عمرو إنا بأرض ليس فيها ذهب ولا فضة أفأبيع البقرة بالبقرتين والبعير بالبعيرين والشاة بالشاتين. فقال أمرني رسول الله ﷺ الحديث. وفي لفظ لأحمد وغيره فقال لي "ابتع علينا إبلًا بقلائص الصدقة إلى محلها حتى تنفذ هذا البعث" قال فكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها. حتى نفذت ذلك البعث. فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ .
والحاصل أنه أمره أن يبتاع عددًا من الإبل حتى يتم ذلك الجيش ويرد بدلها من إبل الصدقة وفي قصة وفد هوازن " ومن لم تطب نفسه فله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا" وعن علي أنه باع جملًا يدعى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل. رواه مالك والشافعي وغيرهما. واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة.
ورافع بن خديج بعيرًا ببعيرين وأعطاه أحدهما. وقال آتيك بالآخر غدًا. وقال ابن المسيب وغيره لا ربا في البعير بالبعيرين
стр. 1227
والشاة بالشاتين إلى أجل. وورد في ذلك آثار كثيرة. وعلل أحمد أحاديث المنع. وأنه ليس فيها حديث يعتمد عليه.
وقال أبو داود إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نظرنا إلى ما عمل به أصحابه من بعده. وذكر هو وغيره آثارًا عن الصحابة في جواز ذلك متفاضلًا ونسيئة. وذهب جمهور العلماء إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلًا. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأصح يجوز مع الحاجة. وأما مع الاختلاف في الأجناس كالعبيد بالثياب والشاة بالإبل فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنساء. وأما بيع الحيوان بالحيوان يدًا بيد متفاضلًا وغير متفاضل فلا نزاع فيه.
(وعن ابن عمر) ﵄ (نهى) يعني رسول الله ﷺ (عن بيع الكالئ بالكالئ رواه الدارقطني وفيه ضعف) وقد صححه الحاكم على شرط مسلم. ولكنه تفرد به موسى بن عبده الربذي. وقال فيه أحمد لا تصلح الرواية عنه عندي. ولا أعرف هذا الحديث عن غيره. وليس في هذا أيضًا حديث صحيح. لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. قال نافع الكالئ بالكالئ هو بيع الدين بالدين. وقال أبو عبيد هو بيع النسيئة بالنسيئة.
وقد دل الحديث على عدم جواز بيع الدين. وهو إجماع أهل العلم كما حكاه أحمد وابن عبد البر والوزير وغيرهم وله
стр. 1228
صور منها بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه أبو بحال لم يقبض أو جعله رأس مال سلم. وقال ابن القيم الكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض. كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر. فهذا لا يجوز بالاتفاق. وكذا لا يجوز بيع كل معدوم بمعدوم.
وقال بيع الدين بالدين ينقسم إلى بيع واجب بواجب وهو ممتنع. وإلى بيع ساقط بساقط. وساقط بواجب. وواجب بساقط. فالساقط بالساقط في صورة المقاصة. والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه. وهو بيع الدين ممن هو في ذمته.
وأما بيع الواجب بالساقط. فكما لو أسلم إليه في كر حنطة مما في ذمته. وقد حكى الإجماع على امتناعه. ولا إجماع فيه. واختار الشيخ جوازه. قال ابن القيم وهو الصواب إذ لا محذور فيه. وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه. ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى. فإنه المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة. وأما ما عداه من الثلاث فلكل منهما غرض صحيح. وذلك ظاهر في مسألة التقاص، فإن ذمتهما تبرأ من أسرها وبراءة الذمة مطلوب لهما. وللشارع. فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته. والآخر يحصل على الربح.
стр. 1229
وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عنه لا بلفظه ولا بمعنى لفظه. بل قواعد الشرع تقتضي جوازه اهـ. لكن المنع هو قول الجمهور. لا سيما في الاحتيال على المعسر في قلب الدين إلا معاملة أخرى بزيادة مال. وذكر الشيخ أنه حرام باتفاق المسلمين. ويحرم أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين. ومتى قال إما أن تقلب وإما أن تقوم عند الحاكم وخاف أن يحبسه لعدم ثبوت إعساره عنده وهو معسر كانت المعاملة حرامًا غير لازمة باتفاق أهل العلم. وللنهي عن بيع المضطر.
(وعن فضالة بن عبيد ﵁ (قال اشتريت قلادة) وهي ما يعلق في العنق ونحوه. وذلك يوم خيبر باثني عشر دينارًا (فيها خرز) هو بالفارسية مهرة (وذهب) وفي رواية "خرز معلق بذهب" وفي رواية ذهب وجوهر (فقال النبي ﷺ لا حتى تفصل رواه مسلم) وأهل السنن وغيرهم.
وصححه الترمذي وغيره. ولأبي داود قال إنما أردت الحجارة. فقال "حتى تميز بينهما" قال فرده حتى ميز بينهما.
فدل الحديث وما في معناه مما تقدم وغيره من النهي عن بيع الجنس بجنسه متفاضلًا على تحريم بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ذلك الغير ويميز عنه ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره. ومثله الفضة مع غيرها بفضة. وكذلك سائر الأجناس الربوية لاتحادها في العلة. وهو بيع الجنس
стр. 1230
بجنسه متفاضلًا. لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق. كما تعذر الوقوف على التساوي في القلادة من غير فصل. وهذا مذهب جمهور أهل العلم وهو المفتي به.
(وعن ابن عمر) ﵄ (قلت يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع) بالباء وللبيهقي في بقيع الغرقد وكانوا يقيمون فيه السوق قبل أن يتخذ مقبرة (فأبيع بالدنانير) ضرب من الذهب (وآخذ الدراهم) ضرب من الفضة (وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير) وفي لفظ أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير. (فقال لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء رواه الخمسة) وصححه الحاكم. فدل على جواز قضاء الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب بسعر يومها. وهو مذهب أحمد وغيره. ودل على أن جواز الاستبدال مقيد بالتقابض في المجلس. وبسعر يومها. لا يقبض البعض دون الكل. لأن ذلك من باب الصرف ومن شرطه أن لا يفترقا بينهما شيء وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا.
* * *