← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الصدقة (رواه أبو داود) والحاكم وغيرهما والدارقطني وصححه. وقال ابن القيم حديث عبد الله بن عمرو صريح في جواز التفاضل والنساء. وهو حديث حسن وقال الحافظ إسناده قوي. وفي السنن وصححه الترمذي أنه ﷺ اشترى عبدًا بعبدين. وللبيهقي قال عمرو بن حريث لعبد الله بن عمرو إنا بأرض ليس فيها ذهب ولا فضة أفأبيع البقرة بالبقرتين والبعير بالبعيرين والشاة بالشاتين. فقال أمرني رسول الله ﷺ الحديث. وفي لفظ لأحمد وغيره فقال لي "ابتع علينا إبلًا بقلائص الصدقة إلى محلها حتى تنفذ هذا البعث" قال فكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها. حتى نفذت ذلك البعث. فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ . والحاصل أنه أمره أن يبتاع عددًا من الإبل حتى يتم ذلك الجيش ويرد بدلها من إبل الصدقة وفي قصة وفد هوازن " ومن لم تطب نفسه فله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا" وعن علي أنه باع جملًا يدعى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل. رواه مالك والشافعي وغيرهما. واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة. ورافع بن خديج بعيرًا ببعيرين وأعطاه أحدهما. وقال آتيك بالآخر غدًا. وقال ابن المسيب وغيره لا ربا في البعير بالبعيرين

стр. 1227

والشاة بالشاتين إلى أجل. وورد في ذلك آثار كثيرة. وعلل أحمد أحاديث المنع. وأنه ليس فيها حديث يعتمد عليه. وقال أبو داود إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نظرنا إلى ما عمل به أصحابه من بعده. وذكر هو وغيره آثارًا عن الصحابة في جواز ذلك متفاضلًا ونسيئة. وذهب جمهور العلماء إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلًا. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأصح يجوز مع الحاجة. وأما مع الاختلاف في الأجناس كالعبيد بالثياب والشاة بالإبل فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنساء. وأما بيع الحيوان بالحيوان يدًا بيد متفاضلًا وغير متفاضل فلا نزاع فيه. (وعن ابن عمر) ﵄ (نهى) يعني رسول الله ﷺ (عن بيع الكالئ بالكالئ رواه الدارقطني وفيه ضعف) وقد صححه الحاكم على شرط مسلم. ولكنه تفرد به موسى بن عبده الربذي. وقال فيه أحمد لا تصلح الرواية عنه عندي. ولا أعرف هذا الحديث عن غيره. وليس في هذا أيضًا حديث صحيح. لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. قال نافع الكالئ بالكالئ هو بيع الدين بالدين. وقال أبو عبيد هو بيع النسيئة بالنسيئة. وقد دل الحديث على عدم جواز بيع الدين. وهو إجماع أهل العلم كما حكاه أحمد وابن عبد البر والوزير وغيرهم وله

стр. 1228

صور منها بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه أبو بحال لم يقبض أو جعله رأس مال سلم. وقال ابن القيم الكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض. كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر. فهذا لا يجوز بالاتفاق. وكذا لا يجوز بيع كل معدوم بمعدوم. وقال بيع الدين بالدين ينقسم إلى بيع واجب بواجب وهو ممتنع. وإلى بيع ساقط بساقط. وساقط بواجب. وواجب بساقط. فالساقط بالساقط في صورة المقاصة. والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه. وهو بيع الدين ممن هو في ذمته. وأما بيع الواجب بالساقط. فكما لو أسلم إليه في كر حنطة مما في ذمته. وقد حكى الإجماع على امتناعه. ولا إجماع فيه. واختار الشيخ جوازه. قال ابن القيم وهو الصواب إذ لا محذور فيه. وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه. ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى. فإنه المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة. وأما ما عداه من الثلاث فلكل منهما غرض صحيح. وذلك ظاهر في مسألة التقاص، فإن ذمتهما تبرأ من أسرها وبراءة الذمة مطلوب لهما. وللشارع. فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته. والآخر يحصل على الربح.

стр. 1229

وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عنه لا بلفظه ولا بمعنى لفظه. بل قواعد الشرع تقتضي جوازه اهـ. لكن المنع هو قول الجمهور. لا سيما في الاحتيال على المعسر في قلب الدين إلا معاملة أخرى بزيادة مال. وذكر الشيخ أنه حرام باتفاق المسلمين. ويحرم أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين. ومتى قال إما أن تقلب وإما أن تقوم عند الحاكم وخاف أن يحبسه لعدم ثبوت إعساره عنده وهو معسر كانت المعاملة حرامًا غير لازمة باتفاق أهل العلم. وللنهي عن بيع المضطر. (وعن فضالة بن عبيد ﵁ (قال اشتريت قلادة) وهي ما يعلق في العنق ونحوه. وذلك يوم خيبر باثني عشر دينارًا (فيها خرز) هو بالفارسية مهرة (وذهب) وفي رواية "خرز معلق بذهب" وفي رواية ذهب وجوهر (فقال النبي ﷺ لا حتى تفصل رواه مسلم) وأهل السنن وغيرهم. وصححه الترمذي وغيره. ولأبي داود قال إنما أردت الحجارة. فقال "حتى تميز بينهما" قال فرده حتى ميز بينهما. فدل الحديث وما في معناه مما تقدم وغيره من النهي عن بيع الجنس بجنسه متفاضلًا على تحريم بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ذلك الغير ويميز عنه ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره. ومثله الفضة مع غيرها بفضة. وكذلك سائر الأجناس الربوية لاتحادها في العلة. وهو بيع الجنس

стр. 1230

بجنسه متفاضلًا. لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق. كما تعذر الوقوف على التساوي في القلادة من غير فصل. وهذا مذهب جمهور أهل العلم وهو المفتي به. (وعن ابن عمر) ﵄ (قلت يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع) بالباء وللبيهقي في بقيع الغرقد وكانوا يقيمون فيه السوق قبل أن يتخذ مقبرة (فأبيع بالدنانير) ضرب من الذهب (وآخذ الدراهم) ضرب من الفضة (وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير) وفي لفظ أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير. (فقال لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء رواه الخمسة) وصححه الحاكم. فدل على جواز قضاء الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب بسعر يومها. وهو مذهب أحمد وغيره. ودل على أن جواز الاستبدال مقيد بالتقابض في المجلس. وبسعر يومها. لا يقبض البعض دون الكل. لأن ذلك من باب الصرف ومن شرطه أن لا يفترقا بينهما شيء وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا. * * *

стр. 1231

باب بيع الأصول والثمار أي باب أحكام بيع الأصول. جمع أصل وهو ما يتفرع عنه غيره. والمراد هنا الدور والأرض والشجر. وأحكام الثمار جمع ثمرة وهو حمل الشجر. وحكم الجوائح وما يتعلق بذلك. وذكر أهل العلم أن من باع دارًا شمل أرضها وبناءها وإن كانت مما فتح عنوة. كما تقدم. وإن باع أرضًا شمل غرسها وبناءها. أو بستانًا لأنه اسم للأرض والشجر. والحائط. (وعن عثمان بن عفان) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من يشتري بئر رومة) مشهورة في العقيق ليس بالمدينة ماء يستعذب غيرها بخير له منها في الجنة (يوسع بها على المسلمين) وكانت لرجل من بني غفار يبيع منها القربة بمد فبلغ ذلك عثمان قال عثمان ﵁ (فاشتريتها) من صلب مالي. ويأتي إن شاء الله في باب الوقف (حسنه الترمذي) فدل الحديث على جواز بيع البئر والعين وما في معنى ذلك. وتقدم قول الشيخ وغيره. إن من ملك ماء نابعًا كبئر محفورة في ملكه أو عين ماء في أرضه فله بيع البئر والعين جميعًا. وأنه يجوز بيع بعضها مشاعًا. وإن كان أصل القناة في أرض مباحة. فكيف إذا كان أصلها في أرضه. وأنه لا يعلم فيه نزاعًا. (وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال من ابتاع) أي اشترى (نخلًا مؤبرة) أي مشققة وملقحة. والتأبير التشقيق والتلقيح.

стр. 1232

وذلك أنه يشق طلع النخلة الأنثى ليضع فيها شيئًا من طلع النخلة الذكر. قال القاضي الحكم متعلق بالظهور دون نفس التلقيح بغير خلاف بني العلماء. واختار الشيخ أنه منوط بالتأبير. وأناطوه بالتشقيق لملازمته له غالبًا (فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع) أي المشتري بقرينة الإشارة إلى البائع. وذلك كأن يقول المشتري اشتريت الشجرة بثمرتها. وعن عبادة مرفوعًا "قضى أن ثمرة النخل لما أبرها إلا أن يشترط المبتاع". فدل الحديثان وغيرهما على أن من باع نخلًا وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع. إلا أن يشترطها المبتاع. فتكون له. ودل بمفهومه على أنها إن كانت غير مؤبرة تدخل في البيع وتكون للمشتري ودل على أنه يجوز أن يشترطها. وعلى أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا ينافي البيع. وهذا مذهب جمهور العلماء. والبيع صحيح باتفاق أهل العلم. والنهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها المراد بها المستقلة. وهنا الثمرة تابعة للنخل. فتدخل تبعًا على القاعدة المشهورة. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إذا باع أصول نخل لا ثمر فيها فالبيع صحيح. وكذا اتفقوا على صحة البيع للأصول وفيها ثمر باد. وإن كان غير مؤبر. فقال مالك والشافعي وأحمد الثمرة للمشتري. وإن كان مؤبرًا فللبائع. إلا أن يشترط المبتاع اهـ. وكذا لو صالح بالنخل أو جعله أجرة أو صداقًا أو عوض

стр. 1233

خلع. بخلاف وقف ووصية. وكذا حكم شجر عنب وتوت ورمان وجوز. وما ظهر من نوره كمشمش وتفاح. ومن أكمامه كورد وقطن. وسائر الأشجار قياسًا على النخل. قال (ومن ابتاع عبدًا) وظاهره أو أمة (له مال) أي في يده ملكه سيده إياه. أو خصه به (فماله للذي باعه) لأن مال العبد لا يدخل في المبيع. ولاختصاص البيع بالعبد دون غيره (إلا أن يشترط) أي المال (المبتاع) في العقد فله (متفق عليه) وعن عبادة "قضى أن مال المملوك لمن باعه إلا أن يشترط المبتاع" وفيها دليل على أن مال العبد لا يدخل في المبيع حتى ثياب الزينة. ونسبه الماوردي لجميع الفقهاء وصححه النووي. قال الماوردي إلا أن العادة جارية بالعفو عنها فيما بين التجار. وقوله "المملوك" ظاهر في التسوية بين العبد والأمة. فهو في الدلالة أشمل. وإن كان قصد المشتري المال الذي مع العبد اشترط علمه بالمال. وسائر شروط البيع. لأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضم إليه عينًا أخرى. ويشمل بيع دابة. كفرس لجامًا ومقودًا ونعلًا ونحوه في مطلق البيع. لجريان العادة به. فإن العمل في الغالب بالعرف في ذلك ونحوه. (ولهما عنه نهى ﷺ عن بيع الثمار) جمع ثمرة وهي أعم من الرطب وغيره (حتى يبدو) بغير همز أي يظهر (صلاحهما أي حمرتها وصفرتها. وبدو الصلاح إذا ظهر ولو في شجرة،

стр. 1234

إذا اتحد البستان، والعقد، والجنس، فيتبع ما لم يبد صلاحه بما بدا صلاحه. واكتفى ببدو صلاح بعضه. لأن الله امتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة. إطالة لزمن التفكه. فلو اعتبر في طيب الجميع لأدى إلى أن لا يباع شيء قبل كمال صلاحه. أو تباع الحبة بعد الحبة. وفي كل منهما حرج. وقال ابن القيم إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيعها جميعها. وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان. وقال شيخنا يجوز بيع البستان كله تبعًا لما بدا صلاحه. سواء كان من نوعه أولًا تقارب إدراكه وتلاحقه أو تباعد. وفي الفروع واختار شيخنا بقية الأجناس التي تباع عادة كالتفاح. والعلة عدم اختلاف الأيدي على الثمرة. ولمسلم ما صلاحه قال "تذهب عاهته" وفي لفظ "نهى عن بيع النخل حتى تزهو. وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة" الآفة تصيبه. فيفسد. (نهى البائع والمبتاع) أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل. وأما المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث. وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت "كان الناس يتبايعون الثمار فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان" وهو فساد الطلع وسواده "أصابه مراض" داء يقع في الثمر فيهلك. "أصابه قشام" أي تساقط "عاهات يحتجون

стр. 1235

بها. فقال رسول الله ﷺ فإما لا فلا تبتاعوا حتى يبدو صلاح الثمر". (ولهما عن أنس نهى) يعني رسول الله ﷺ (عن بيع الثمار حتى تزهو قيل) يا رسول الله (وما زهوها قال تحمار وتصفار)، وذلك دليل خلاصها من الآفة. وإمارة الصلاح فيها. قال الخطابي لم يرد اللون الخالص من الحمرة والصفرة. وإنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة. وقال ابن التين ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن ينضج. وللخمسة "نهى عن بيع العنب حتى يسود" أي يبدو صلاحه "وعن بيع الحب حتى يشتد ويأمن العاهة" واشتداده قوته وصلابته. والمراد بدو صلاحهما. وقال ابن المنذر لا أعلم أحدًا من أهل العلم يعدل عن هذا الحديث. وكذا لا يجوز بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه وطيب أكله. وفي الصحيحين "نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب" وفي نحو قثاء حتى يؤكل عادة. ويجوز البيع قبل بدو الصلاح بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفعًا به كالخصوم إجماعًا. وأما بيع الرطبة والبقل والقثاء والباذنجان ونحوه لقطة لقطة فيجوز. وأما ما سيوجد منها. فقال الشيخ الصحيح أن هذه لم تدخل في نهي النبي ﷺ بل يصح العقد على اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة حتى تيبس المقثاة. لأن الحاجة داعية إلى ذلك. فيجوز بيع المقاثي دون أصولها. وقال ابن القيم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول

стр. 1236

الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام ولا بلفظ خاص. بل صحح الشارع في بعض المواضع بيع الثمر. وإنما نهى عن بيع الثمار التي يمكن تأخير بيعها حتى يبدو صلاحها. فلم تدخل المقاثي في نهيه. وقال إنما نهى عن بيع الغرر. ولا يسمى هذا غررًا لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا. وأهل الخبرة يستدلون بما ظهر من الورق على المغيب في الأرض. والمرجع في ذلك إليهم. وأيضًا العلم في المبيع شرط في كل شيء بحسبه. وما احتيج إلى بيعه يسوغ فيه ما لا يسوغ في غيره. فيجيز الشارع للحاجة مع قيام السبب. كما أقام الخرص في العرايا مقام الكيل وغير ذلك. (وقال إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك) بغير حق. وقيل إنه من قول أنس. وله حكم الرفع. (ولمسلم عن جابر مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال (لو بعت) من أخيك (ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بمَ تأخذ مال أخيك بغير حق) وفيها دليل على وضع الجوائح لأن معناه أن الثمر إذا تلف كان الثمن المدفوع بلا عوض. فكيف يأكل البائع بغير عوض؟ إذ هو مال أخيه لا ماله. فلم يستحقه. وأجمعوا على أنه يفسد البيع قبل بدو الصلاح بشرط البقاء. وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على المنع من بيع الثمرة

стр. 1237

قبل بدو الصلاح وإن وقوعه في تلك الحالة باطل. كما هو مقتضى النهي. وأجمعوا على عدم جوازه قبل خروجه. وظاهر النصوص أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح سواء شُرط البقاء أو لم يشرطه. لأن الشارع قد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بدو الصلاح وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. (وفي رواية) لمسلم عن جابر ﵁ (أمر) يعني النبي ﷺ (بوضع الجوائح) جمع جائحة. وهي الآفة التي تصيب الثمار فتهلكها. من الجوح وهو الاستئصال. ولا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة. وكذلك كل ما كان من آفة سموية. وأما ما كان من الآدميين كالسرقة ففيه خلاف. ولا بد من ضمانه على المتلف. قال ابن القيم: من غير مال غيره، بحيث يفوت مقصوده عليه خير المالك بين أخذه وتضمين النقص. والمطالبة بالبدل. وهذا أعدل الأقوال وأقواها. ودلت الأحاديث وما في معناها على وجوب إسقاط ما اجتيح من الثمرة عن المشتري. وأن تلفها من مال البائع. وأنه لا يستحق على المشتري في ذلك شيئًا والجمهور من غير فرق بين القليل والكثير. وبين البيع قبل بدو الصلاح وبعده عملًا بظاهر الحديث. وقال يحيى بن سعيد لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال. وذلك في سنة المسلمين. * * *

стр. 1238

باب السلم أي هذا باب يذكر فيه أحكام السلم والتصرف في المبيع وما يتعلق بذلك. والسَلَم بفتح السين واللام السلف وزنًا ومعنى. وقيل السلف لغة أهل العراق. والسلم لغة أهل الحجاز. وقال الأزهري: السلف والسلم واحد في قول أهل اللغة. إلا أن السلف يكون قرضًا. والسلم شرعًا عقد على موصوف في الذمة مؤجل. شرع على أكمل الوجوه لأجل الارتفاق من الجانبين. هذا يرتفق بتعجيل الثمن. وهذا يرتفق برخص المثمن. بشروط زائدة على شروط البيع. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه يشترط للسلم ما يشترط للبيع. وأن السلم يصح بستة شروط. أن يكون في جنس معلوم. وصفة معلومة. ومقدار معلوم. ومعرفة مقدار رأس المال. وهذه زيادة على شروط البيع. ووجوب وفاء المُسلَم فيه مكان العقد لا بد منه. وإن لم يشترط. فقد أجرى الشارع الشرط العرفي كاللفظي. واتفقوا على مشروعية السَلَم والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع. (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ أي تعاملتم بالدين ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي مدة معلومة الأول والآخر ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية) أي اكتبوا الذي تداينتم به. إرشاد منه تعالى لهم ليكون أحفظ للدين وميقاته. وأضبط للشاهد فيه.

стр. 1239

ونبه على ذلك بقوله ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾ قال ابن عباس وغيره نزلت في السلم إلى أجل مسمى. وقال أشهد أن السلم المضمون إلى أجل مسمى. أن الله أحله. وأذن فيه. وقرأ الآية. وهذا اللفظ يصلح للسلم ويشمله. بعمومه. وقدم بز من الشام فقالت عائشة لو اشتريت منه ثوبين إلى الميسرة. وتوفي ﷺ ودرعه مرهونة بطعام لأهله. ويصح السلم بألفاظ البيع لأنه بيع حقيقة. ويصح بلفظ السلم والسلف لأنهما أيضاً حقيقة فيه. فهما اسم للبيع الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه. (وعن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ قدم المدينة) مهاجرًا من مكة. ومنها ابتدأ الناس التأريخ (وهم يسلفون) بضم الياء أي يعطون الثمن في الحال ويأخذون المثمن في المآل (في الثمار السنة والسنتين) منصوبان بنزع الخافض. أي يشترون إلى السنة والسنتين أو على الظرفية أو المصدر. وللبخاري عامين أو ثلاثة. فيجوز السلم في منقطع الجنس حالة العقد. ولا يشترط أن يكون عند المسلم إليه. لتقريره ﷺ لهم. وفي الصحيح عن ابن أبي أوفى وغيره قيل أكان لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك (فقال من أسلف في شيء) وفي لفظ "في ثمر" بالمثلثة (فليسلف) أي يسلم (في كيل معلوم) أي إذا كان ما يكال. فيعتبر تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل اتفاقًا (ووزن معلوم) إذا كان مما يوزن اتفاقًا ويصح في

стр. 1240

الموزون كيلًا وفي المكيل وزنًا. لأن الغرض معرفة قدره وإمكان تسليمه من غير منازعة. فأي قدر قدره جاز وهو مذهب الجمهور. وإن كان مما لا يكال ولا يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم. وحكاه ابن بطال إجماعًا. وكذا الزرع. فإن العدد والزرع يلحقان بالوزن والكيل للجامع بينهما. وهو ارتفاع الجهالة بالمقدار. واتفقوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشيء المسلم فيه صفة تميزه عن غيره. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أن السلم جائز في المكيلات والموزونات والمزروعات التي يضبطها الوصف. وقال الموقف وغيره المتفق عليه ثلاثة أوصاف الجنس والنوع والرداءة. وأن هذه لا بد منها في كل مسلم فيه بلا خلاف. ويضبط الحيوان بتسعة أوصاف الجنس والنوع والسن واللون والقدر والهزال والسمن والجودة والرداءة. واستدل بعض أهل العلم بآية البقرة في حصر صفاتها. حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان. كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا بدليل ما في الصحيحين "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها" وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العمد بالصفات المذكورة في الحديث. والأصل في صحة السلم فيه أنه ﷺ استسلف من رجل بكرًا رواه مسلم. ولأبي

стр. 1241

داوود "ابتاع البعير بالعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة". واتفقوا على أن السلم في المعدودات التي لا تتفاوت آحادها كالجوز والبيض جائز. إلا في رواية عن أحمد. وحكي أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز في مجهول من مكيل ولا موزون ولا غيرهما. قال (إلى أجل معلوم، متفق عليه) فيعتبر الأجل في السلم وهو مذهب الجمهور. وللآية. (ولابن ماجه عن عبد الله بن سلام) بن الحارث من ذرية يوسف من بني قينقاع سيدهم. قيل نزلت فيه (وشهد شاهد من بني إسرائيل) مات ﵁ بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (أما في حائط بني فلان فلا) أي لا يجوز السلم في بستان بعينه قال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم. وقد كانوا في المدينة حيث قَدِم النبي ﷺ يسلمون في ثمار النخيل بأعيانهم فنهاهم ﷺ عن ذلك لما فيه من الغرر. إذ قد تصاب تلك النخيل بعاهة فلا تثمر شيئًا. وقوله ﷺ "في كيل معلوم ووزن معلوم" احتراز من السلم في الأعيان. وقال ابن القيم وغيره إذا شرط دخل في حد الغرر. فمنع أن يشترط فيه كونه من حائط معين. لأنه قد يختلف فيمتنع التسليم. وإن أسلم في ذمته واشترط عليه أن يعطيه من ثمرة نخله أو زرعه فقال الشيخ وغيره يجوز.

стр. 1242

(وعن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل معلوم) ففيه اشتراط الأجل. وأن يكون معلومًا كما تقدم. وفيه جواز معاملة أهل الذمة. (وارتهن منه درعًا من حديد) وللبيهقي رهن درعًا عند أبي الشحم اليهودي. رجل من بني ظفر. بطن من الأوس. وكان حليفًا لهم. (رواه البخاري) ونحوه عند مسلم وفي رواية لهما توفي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا. وعن أنس رهن درعًا له عند يهودي بالمدينة. وأخذ منه شعيرًا لأهله رواه البخاري. فدل على جواز الرهن في السلم. وكذا الكفيل به. وهو مذهب الجمهور. واختاره الشيخ وغيره. (وعن عبد الله بن عمرو) ﵄ (نهى ﷺ عن ربح ما لم يضمن) أي ما لم يقبض. لأن السلعة قبل قبضها ليست في ضمان المشتري إذا تلفت تلفت من مال البائع. فنهى ﷺ عن أخذ ربحها وذلك مثل أن يشتري متاعًا ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع. ودل الحديث على أن البيع باطل وربحه لا يجوز. رواه الخمسة وغيرهم و (صححه الترمذي) وابن خزيمة والحاكم وغيرهم. وقال ابن القيم: المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر. أو يبيعه بمعين مؤجل. لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين وهو منهي عنه من جنس ما نهي عن بيع الكالئ بالكالئ. والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح.

стр. 1243

(ولأبي داوود) وغيره (عن أبي سعيد مرفوعًا من أسلم في شيء) من مكيل وموزون ونحوهما مما تقدم وغيره مما يجوز السلم فيه (فلا يصرفه إلى غيره) أي لا يحل له جعل المسلم فيه ثمنًا لشيء قبل قبضه. ولا يجوز بيعه قبل القبض. أي لا يصرفه إلى شيء غير عقد السلم. وقال ابن رسلان أي ليس له صرف رأس المال في عوض آخر. كأن يجعله ثمنًا لشيء آخر فلا يجوز له ذلك حتى يقبضه. وقال الموفق بغير خلاف علمناه. وقيل ولو لبائعه. قال ابن القيم: وحكي إجماعًا وليس بإجماع. فمذهب مالك جوازه. وقد نص عليه أحمد في غير موضع. وجوز أن يأخذ عرضًا بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض. ولا يربح فيه. وقيل له إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم. إذا كان دون الشيء الذي له. وذكر حديث ابن عباس "إذا أسلمت في شيء فخذ عوضًا أنقص منه ولا تربح مرتين" قال ابن المنذر وهذا قول صحابي ثبت عنه. وهو حجة ما لم يخالف. قال ابن القيم فثبت أنه لا نص فيه ولا إجماع ولا قياس. وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة. وقال ثبت عن ابن عمر: أني أبيع الإبل بالبقيع إلخ. فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه. والنهي عن بيع الطعام قبل قبضه إنما هو في المعين. أو المتعلق به حق توفية. وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء.

стр. 1244

وفائدته سقوط ما في ذمته. لا حدوث ملك له. وقال إذا فسخ العقد بإقالة أو غيرها جاز أن يأخذ عن دين السلم عوضًا من غير جنسه. وهو اختيار القاضي وشيخنا. ومذهب الشافعي. وهو الصحيح. فإن هذا عوض مستقر في الذمة. فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون. ولا نص في المنع ولا إجماع ولا قياس. وقال إذا باع ما يجري فيه الربا بثمن مؤجل فحل فاشترى جنسًا آخر مما يمنع ربا النساء فيهما. فمذهب مالك المنع. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة الجواز. واختاره الموفق وشيخنا. وغيرهما. وهو الصحيح. قال علي بن الحسين إذا لم يكن حيلة مقصودة. فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول. (وللبخاري من حديث أبي هريرة) أي أن النبي ﷺ قال (من أخذ أموال الناس) أي بالاستدانة أو حفظها أو غير ذلك (يريد أداءها) أي قضاءها في الدنيا (أدى الله عنه) أي قضاها عنه بأن يسوق إلى المستدين ما يقضي به دينه وغير ذلك. وفي الآخرة بإرضائه بما شاء تعالى وتقدس فلا يأخذ من حسناته لصاحب الدين. ولابن ماجه وغيره مرفوعًا "ما من مسلم يدان دينًا يعلم أنه يريد أداءه إلا أداه عنه في الدنيا والآخرة" (ومن أخذها) أي أخذ أموال الناس بأي طريق من طرق الاستئكال (يريد إتلافها) عليهم لا لحاجة ولا لتجارة،

стр. 1245

بل لا يريد إلا إتلاف ما أخذ على صاحبه، ولا ينوي قضاءها، إلا (أتلفه الله) إما بإهلاكه نفسه، ويشمل إتلاف طيب عيشه وتضييق أموره وتعسر مطالبه ومحق بركته. ويحتمل إتلافه في الآخرة بتعذيبه. قال ابن بطال فيه الحث على ترك استئكال أموال الناس. والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل اهـ. وفيه الحث على حسن النية. والترهيب عن خلافه. وبيان أن مدار الأعمال على النية. وأن من استدان ناويًا الإيفاء أعانه الله عليه. وللحاكم من حديث عائشة "ما من عبد كانت له نية في وفاء دينه إلا كان له من الله عون". * * *

стр. 1246

باب القرض أي هذا باب يذكر فيه فضل القرض وأحكامه وما يتعلق بذلك. وأصل القرض في اللغة القطع. سمي به القرض لأن المقرض يقطع من ماله شيئًا يعطيه ليرجع إليه مثله. وهو نوع من المعاملات على غير قياسها. لاحظها الشارع رفقًا بالمحاويج. قال ابن القيم: القرض من باب الإرفاق والتبرع. لا من باب المعاوضات. ولهذا سماه النبي ﷺ منيحة لينتفع بما يستخلف منه. ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن. وإلا فنظيره أو مثله. وإن كان المقرض ينتفع بالقرض كما في السفتجة. ولهذا كرهها من كرهها. والصحيح أنها لا تكره. وشرطه معرفة قدر القرض ووصفه. ليتمكن من رد بدله. وأن يكون المقرض ممن يصح تبرعه. ويصح بلفظ القرض والسلف. وما أدى معناهما. ويمكن بالقبض. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. (قال تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾) أي أنفقوا في طاعة الله. والقرض كلما يعطيه الإنسان ليجازى عليه مما يتعلق بالنفس والمال. وقيل المراد أقرضوا عباد الله والمحتاجين من خلقه ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ على أحسن وجه من كسب طيب بإخلاص. وفي حديث النزول "من يقرض غير عديم ولا ظلوم" وسمى تعالى ما عمله عباده المؤمنون على رجاء ما أعد لهم من الثواب قرضًا. لأنهم يعملونه لطلب ثوابه ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ

стр. 1247

خَيْرٍ﴾ كلمة من جوامع الكلم تعم كل ما يرغب فيه ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي جميع ما تقدموه بين أيديكم من خير فهو لكم حاصل ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ من الذي تؤخرونه ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ نفعًا وجزاء. فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره. وقال ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ثم قال تعالى ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما اجترحتم من السيئات ﴿رَّحِيم﴾ بكم. وعمومات الأدلة القرآنية قاضية بفضل القرض. وقضاء حاجة المسلم. وكذا السنة. وهو مباح للمقترض. وليس من المسألة المكروهة. لفعله ﷺ ، ولا يستقرض إلا ما يقدر أن يوفيه. إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذر مثله عادة. لئلا يضر بالمقرض. ولا بغيره ممن هو معروف بعدم الوفاء. لكونه تغريرًا بمال المقرض وإضرارًا به. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من نفس) بالتشديد أي فرج (عن مسلم كربة من كرب الدنيا) غمًّا أوهمًّا أو عناء أو شدة. والكرب هو الغم الذي يأخذ النفس (نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) أي فرج بذلك عنه. ولفظ البخاري من حديث أبي هريرة "ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" (ومن يسر على معسر) أي سهل على من كان له دين على فقير بإمهال وبترك بعض الدين أو كله (يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) ما كان عسيراً.

стр. 1248

وفيه "ومن ستر على مسلم" في قبح فلا يفضحه أو كساه ثوباً "ستر الله عليه في الدنيا" فلا يفضحه "و" في "الآخرة" ستر الله عيوبه يوم القيامة (والله في عون العبد) في حاجته (ما كان العبد في عون أخيه) في قضاء حاجته فكما تدين تدان والجزاء من جنس العلم. والحديث (رواه مسلم) وغيره. وفي الصحيح "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" ولابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا "ما من مسلم يقرض مسلمًا مرتين إلا كان كصدقة مرة" وله عن أنس مرفوعًا "الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر" حتى قيل: إنه أفضل من الصدقة. إذ لا يقترض إلا محتاج. وفي هذه الأحاديث وغيرها من العمومات ما يدل على فضيلة القرض. وقضاء حاجة المسلم. وتفريج كربته. وسد فاقته. ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته. وجواز سؤاله عند الحاجة. ولا نقص على طالبه. ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي ﷺ . (ولهما عن أبي رافع) ﵁ (أن النبي ﷺ استسلف) أي استقرض (من رجل بكرًا) بفتح الباء. هو الفتى من الإبل بمنزلة الغلام من الذكور (فقدمت عليه إبل الصدقة) أي قطعة إبل من إبل الصدقة (فأمره) يعني أمر النبي ﷺ أبا رافع (أن يقضي الرجل) أي أن يوفي الرجل (بكره) الذي كان استسلفه منه. فدل على جواز قرض

стр. 1249

الحيوان. وهو مذهب الجمهور (فقال) يعني أبا رافع (لا أجد) يعني في إبل الصدقة (إلا خيارًا) أي مختارًا. (رَباعيًا) بفتح الراء وهو الذي استكمل ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته. وكذلك الدين حيوانًا كان أو غيره. ففي الصحيحين عن جابر كان لي عليه دين فقضاني وزادني (فقال) رسول الله ﷺ (أعطه إياه) أي أعط الرجل الجمل الخيار الرباعي (فإن خير الناس أحسنهم قضاء) وللترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال استقرض رسول الله ﷺ سنًا فأعطى سنًا خيرًا من سنه. وقال "خياركم أحسنكم قضاء" ولفظ الصحيحين كان له عليه سن من الإبل. فدل الحديثان وما في معناهما على جواز الزيادة على مقدار القرض من المستقرض. بل إنه يستحب لمن له عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود من الذي عليه. وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة عرفًا وشرعًا. ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعًا لأنه لم يكن مشروطًا من المقرض. وإنما ذلك تبرع من المستقرض. وكذا لو أعطاه هدية بعد الوفاء بلا شرط ولا مواطأة. لأنه لم يجعل تلك عوضًا في القرض ولا وسيلة إليه. ولو علمت زيادته لشهرته بسخائه كفعله – ﷺ . ودل الحديث على أن ما صح بيعه من حيوان ونقد وغيرهما صح قرضه. وهو مذهب الجمهور إلا الأمة لغير محرم منها لإفضائه إلا ما لا يباح.

стр. 1250

(وكان عبد الله بن الزبير) ﵁ (يأخذ من أقوام بمكة دراهم) إذ كان واليًا عليها. وتسمى السفتجة (ثم يكتب لهم بها) أي بالدراهم التي أخذ (إلى أخيه مصعب بن الزبير) وذلك سنة سبع وستين (بالعراق) وكان جعله أميرًا عليها (فيأخذونها منه) أي من مصعب بن الزبير. (ولم ير ابن عباس بذلك) أي باستقراضه ذلك (بأسًا. رواه سعيد) ابن منصور في سننه. وقال ابن القيم الصحيح أن السفتجة لا تكره. وفي الاختيارات لو أقرضه في بلد ليستوفي منه في آخر جاز على الصحيح. وقال ابن القيم لو أقرضه دراهم يوفيه إياها في بلد آخر ولا مؤونة لحملها جاز لأنه مصلحة لهما. ولو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئًا معلومًا من ربحها جاز لأن المقرض لم ينفرد بالمصلحة. أو كان له عليه حنطة فأقرضه دراهم يشتري له بها حنطة ويوفيه إياها. أو أقرض فلاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها في أرضه أو بذرًا يبذره فيها. واختاره الموفق وصححه ابن القيم. وقال ذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه. ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا. فأشبه أخذ السفتجة. وإيفاءه في بلد آخر. من حيث إنه مصلحة لهما جميعًا. والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض.

стр. 1251

(وسئل معاذ) ابن جبل ﵁ (عن استقراض الخبز) ورد مثله (والخمير) يعني العجين ورد مثله عجينًا. (فقال هذا من مكارم الأخلاق) معالي السجايا والمروءات. وقال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من السلف يجوز قرض الخبز ونحوه. وقال في الاختيارات يجوز قرض الخبز ورد مثله عددًا بلا وزن من غير قصد الزيادة. وهو مذهب أحمد. ويجوز قرض المنافع. ويصح تأجيل القرض. لخبر الذي أسلف ألف دينار إلى أجل مسمى. وهو قول الأكثر. ويلزم إلى أجله. وهو مذهب مالك واختاره الشيخ. وصوبه في الإنصاف ويملك القرض بقبضه ويرد مثله. وإن كان فلوسًا أو دراهم مكسرة فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرض. وكذا سائر الديون اختاره الشيخ. (وتقدم) قوله ﷺ في باب الشروط في البيع (لا يحل سلف وبيع) أي قرض وبيع مع السلف بأن يكون أحدهما مشروطًا في الآخر. وتقدم قول أحمد أن يقرضه قرضًا ثم يبايعه بيعًا يزداد عليه. هو فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن. وقول الوزير وغيره اتفقوا على أنه لا يجوز بيع وسلف. وقول ابن القيم لأنه ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى. فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعة بثمانمائة. ليأخذ منه ألفين. وهذا هو عين الربا.

стр. 1252

(وعن أنس مرفوعًا إذا أقرض أحدكم أخاه قرضًا) أي أعطاه شيئًا من المال ليعيده إليه (فأهدى إليه) شيئًا أتحفه به (أو حمله على الدابة) من موضع إلى آخر أو غير الدابة (فلا يركبها) وكذا لو دفعها إليه ليحمل عليها ونحوه (ولا يقبله) أي لا يقبل ما أهدى إليه. ولا الحملان ونحو إلا أن يحسبه من دينه. فمنع الشارع المقرض من قبول الهدية حتى يحسبها من دينه. لئلا يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية. فيكون ربا. فإنه يعود إليه ماله وأخذ الفضل الذي استفاده. (إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) يعني الإهداء لا لأجل القرض. وله شواهد كثيرة (رواه ابن ماجه) وفيه ضعف إلا أنه يغتفر في فضائل الأعمال. وللبخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي إنك بأرض فيها الربا فاش. فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قط فلا تأخذه فإنه ربا. وللبخاري أيضًا في تأريخه عن أنس مرفوعًا "إذا أقرض فلا يأخذ هدية". وورد غير ذلك من الآثار والأصول الشرعية ما يعضد ذلك مما يدل على أن الهدية ونحوها إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين. أو لأجل رشوة صاحب الدين. أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه. فذلك محرم. لأنه إما نوع من الربا والربا محرم. أو نوع من الرشوة وهي حرام أيضًا

стр. 1253

بالنصوص المستفيضة فيها. القاضية بتحريم قبول المقرض هدية أو غيرها من المنافع. والعلة في ذلك لئلا يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأخذ هدية عليه. أو أي منفعة. فيكون ربا. لأنه يعود إليه ماله مع أخذ الفضل الذي استفاده. وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس. (وقال ابن مسعود) ﵁ (كل قرض جر نفعًا) نحو أن يسكنه داره أو يقضيه خيرًا منه أو يهدي له أو يعمل له عملًا ونحو ذلك (فهو ربا) أو رشوة وكلاهما حرام بالنصوص المستفيضة. وأبلغ في التحريم لو اشترط ما يجر نفعًا مما مر أو غيره. وهذا الأثر وإن كان إسناده متكلمًا فيه فله شواهد عن ابن عباس وعبد الله بن سلام وفضالة وغيرهم. ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وجمهور السلف أنه إذا أقرض لا ينتفع. وكل غريم حكمه حكم المقرض. وصرحوا على أن ما تبرع به المقترض لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به قبل القرض لم يجز. لأنه إنما يتبرع به من أجل القرض. إلا أن ينوي المقرض مكافأته على ذلك الشيء. بأن يفعل مثل فعله. أو يحتسبه من دينه فيجوز له قبوله. وإن استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله. وأما إذا قضى المقترض المقرض دون حقه

стр. 1254

وحلله من البقية كان ذلك جائزًا. لحديث جابر. وفيه فسألتهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي. وفي رواية سأل له غريمه في ذلك. ولو حلله من جميع الدين جاز عند جميع أهل العلم. قرضًا كان أو غيره. فكيف إذا حلله من بعضه؟!. * * *

стр. 1255

باب الرهن أي هذا باب يذكر فيه الرهن وأحكامه وما يتعلق به. والرَهْن بفتح فسكون. وهو لغة الثبوت والدوام والاحتباس. وهو المراد هنا. من قولهم رهن الشيء إذا دام وثبت. ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ وشرعًا توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها. أو من ثمنها. ويطلق الرهن على العين المرهونة. تسمية للمفعول باسم المصدر. وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. (قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾) أي فارتهنوا ممن تدينونه رهونًا مقبوضة لتكون وثيقة لكم بأموالكم. والرهان جمع رهن بمعنى مرهون. والمرهون كل عين معلومة جعلت وثيقة في حق. ولو رهن ولم يسلم فلا يجبر الراهن على التسليم. فإذا سلم لزم من جهة الراهن حتى لا يجوزَ له أن يسترجعه بلا إذن مرتهن ما دام شيء من الحق باقيًا. ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر بالجملة، وقال ابن رشد اتفقوا على أن القبض شرط في الرهن للآية. والجمهور أنه من شروط الصحة. وعلى أن من شرطه أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن. وكذا قال البغوي وغيره اتفقوا على أن الرهن لا يتم إلا بالقبض. واتفقوا على جواز الرهن في الحضر. ومع وجود كاتب. فإن الكل خرج مخرج الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط للخبر

стр. 1256

الآتي وغيره اهـ. ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو الذي عليه أكثر أهل العلم. وإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره زال لزومه. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أي فإن كان الذي عليه الحق أمينًا عند صاحب الحق ولم يرتهن منه شيئًا لحسن ظنه به فليؤد إليه حقه ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في أداء الحق عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا جحود. بل يعامله المعاملة الحسنة كما أحسن ظنه فيه. وأجمعوا على جوازه في السفر. والجمهور على جوازه في الحضر. ومع وجود كاتب. وليس بواجب إجماعًا. لأنه وثيقة بالدين فلم يجب كالضمان. وإنما ندب إليه حفظًا للأموال وسلامة من التنازع. ويصح الرهن مع الحق عند الجمهور وبعده إجماعًا. لقوله ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ بعد قوله ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا﴾ فجعله بدلًا من الكتابة فيكون في محلها. ومحلها بعد وجوب الحق. ولا يصح بدون إيجاب وقبول أو ما يدل عليهما. وتعتبر معرفة قدره وجنسه وصفته. فلا يصح إلا فيما يصح بيعه في الجملة. وكون الراهن جائز التصرف مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه. قال ابن رشد لا خلاف أنه لا بد أن يكون جائز التصرف. ومن صح أن يكون راهنًا صح أن يكون مرتهنًا.

стр. 1257

ويعتبر أن يكون بدين ثابت أو مآله إلى الثبوت. (وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي) هو أبو الشحم كما رواه البيهقي وغيره (بثلاثين صاعًا من شعير متفق عليه) وفي لفظ اشترى طعامًا من يهودي ورهنه درعًا من حديد. وللبخاري عن أنس رهن درعًا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرًا لأهله. والحديث دليل على مشروعية الرهن. ولا نزاع في جوازه. ودليل أيضًا على صحة الرهن في الحضر وهو قول الجمهور. فإن التقييد في الآية بالسفر خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. ودل على جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم العين المتعامل فيها. وجواز رهن السلاح عند أهل الذمة لا أهل الحرب باتفاق أهل العلم. وجواز الشراء بالثمن المؤجل وتقدم. (وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لا يغلق الرهن) بفتح الياء وسكون الغين أي لا يستحقه المرتهن إذا عجز صاحبه عن فكه. يقال غلق الرهن إذا خرج عن ملك الراهن واستولى عليه المرتهن بسبب عجزه عن أداء ما رهنه فيه. وكان هذا عادة العرب فنهاهم النبي ﷺ أن يغلق الرهن "من صاحبه الذي رهنه". وأبطل فعل الجاهلية. ثم قال (له غنمه) أي زيادته (وعليه غرمه) هلاكه ونفقته (رواه الدارقطني) ورواه الحاكم وغيره. وقال الحافظ وغيره رجاله ثقات. فدل على أن نماء الرهن المتصل والمنفصل ملحق بالرهن فيكون رهنًا معه وهو

стр. 1258

مذهب الجمهور. ودل على أن مؤونته على الراهن. وحكاه الوزير وغيره إجماعًا. (ويأتي قوله) ﷺ في باب العارية (على اليد ما أخذت) أسنده إلى اليد على المبالغة لأنها هي المتصرفة (حتى تؤديه أي ما أخذته اليد ضمان على صاحبها يلزم رده. والحديث دليل على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره من مرهون أو غيره). ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه. فإن تعدي المرتهن أو فرط في الرهن ضمنه بالإجماع حكاه الوزير وغيره. وإن تلف الرهن ونحوه في يد المرتهن أو غيره بغير تعدٍ ولا تفريط فلا ضمان عليه. لأنه أمانة في يده كالوديعة. ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه. وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين. وهذا مذهب الجمهور فإن الرهن يتعلق بجملة الحق المرهون فيه. وببعضه. فهو محبوس بحق فوجب أن يكون محبوسًا بكل جزء منه. وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه على أن من رهن شيئًا بمال فأدى بعضه وأراد إخراج بعض الرهن أن ذلك ليس له حتى يوفيه آخر حقه. أو يبرئه. وليس له تملكه. بل متى حل الدين لزم الراهن الإيفاء وإن امتنع فيإن كان أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفى الدين. وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن. فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى الدين. وقال ابن رشد حق المرتهن في الرهن أن يمسكه حتى يؤدي الراهن ما عليه. فإن لم يأت به عند الأجل فله أن

стр. 1259

يرفعه إلى السلطان فيبيع عليه الرهن إن لم يجبه إلى البيع. أو كان غائبًا. وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فقال ابن القيم يصح وهو رواية عن أحمد. وفعله. ولم يبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة ظاهرة. وغايته أنه بيع علق على شرط. وقد تدعو الحاجة إليه. ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه الله ورسوله. ولا ريب أن هذا خير للراهن والمرتهن من الرفع للحاكم اهـ. وإن رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما. أو أرهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه بقسطه. وإن اختلفا في قدر الدين فقول المرتهن ما لم يزد عن قيمة الرهن. قال ابن القيم وهو الراجح في الدليل. (وللبخاري عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله على وسلم- قال الظهر) أي ظهر الدابة (يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا) أي يستحق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابلة نفقته (ولبن الدَرّ) بفتح فشد أي لبن الدابة ذات الضرع (يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا) ويُركب ويُشرب بضم أوله على البناء للمجهول. وهو خبر بمعنى الأمر. وهذا الانتفاع في مقابلة النفقة. وذلك يختص بالمرتهن (وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) وهذا أيضًا خبر في معنى الأمر. فدل الحديث على أن للمرتهن أن يركب ما يركب وأن يحلب ما يحلب من الرهن بقدر نفقته متحريًا في ذلك للعدل. لأن المراد الانتفاع في مقابلة النفقة. وما فضل عن نفقته لربه.

стр. 1260

وما عدا ذلك يكون رهنًا معه وإن فضل من النفقة شيء رجع به على الراهن. وقال ابن القيم دل الحديث وقواعد الشريعة وأصولها على أن الحيوان المرهون محرم في نفسه لحق الله تعالى. وللمالك فيه حق الملك. وللمرتهن حق الوثيقة. فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلًا. فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب. ويعوض عنهما بالنفقة. فإذا استوفى المرتهن منفعته وعوض منها نفقة كان في هذا جمع بين المصلحتين وبين الحقين. وقال الوزير أجمعوا على أنه إذا أنفق المرتهن على الراهن بإذن الحاكم أو غيره مع غيبة الراهن أو امتناعه كان دينًا للمنفق على الراهن. قال الشيخ: فإن قال الراهن لم آذن لك في النفقة. قال هي واجبة عليك. وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون. قال: ومحض العدل والقياس والمصلحة وموجب الكتاب والسنة ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث وأهل السنة أن من أدى عن غيره فإنه يرجع ببدله. والصواب التسوية بين الإذن وعدمه. والمحققون من الأصحاب سووا بينهما. قال تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولم يشترط إذنًا ولا عقدًا. * * *

стр. 1261

باب الضمان مشتق من الضمن فذمة الضامن في ذمة المضمون عنه وقال القاضي من التضمن. وقال الموفق من الضم. وشرعًا التزام ما وجب على غيره مع بقائه. وما قد يجب كثمن مبيع وقرض. ويصح بلفظ ضمين وكفيل وحميل وزعيم. وتحملت دينك وضمنته ونحو ذلك. قال الشيخ وتلميذه وغيرهما قياس المذهب أنه يصح الضمان بكل لفظ فهم منه الضمان عرفًا. لأن الشارع لم يحد ذلك بحد فيرجع فيه إلى العرف. وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة. ولا يصح إلا من جائز التصرف. ولا يصح ضمان مسلم جزية على ذمي لفوات الصغار. (قال تعالى: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ﴾) أي صواع الملك (﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾) من الطعام. وسيأتي في الجعالة إن شاء الله تعالى ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيم﴾ أي ضامن حمل الطعام لمن جاء بالصواع. فدلت الآية على صحة ضمان المجهول إذا آل إلى العلم. وكذا ما يؤول إلى الوجوب. لأن حمل البعير غير معلوم. فضمان المعلوم أولى. وقال ابن القيم يصح ضمان ما لا يجب. كقوله ما أعطيته فلانًا فهو عليَّ عند الأكثرين. كما دل عليه القرآن. وذكر الآية. قال والمصلحة تقتضي ذلك. بل قد تدعو إليه الحاجة والضرورة اهـ.

стр. 1262

ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة فصح في المجهول. ويصح ضمان السوق. وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقبضه من عين مضمونة. كما قاله الشيخ وغيره. وقال يصح ضمان حارس ونحوه وتجار حرب بما يذهب من البلد أو البحر. وغايته ضمان مجهول وما لم يجب. وهو جائز عند أكثر أهل العلم اهـ. ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له. بل إنما يعتبر رضا الضامن. (وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال الزعيم) أي الضمين (غارم) أي ملزم نفسه ما ضمنه فالغرم أداء شيء يلزمه. رواه أبو داود وغيره و (حسنه الترمذي) فدل على لزوم غرم ما ضمنه. وقيل له مطالبة من شاء منهما. قال ابن القيم وهو قول الجمهور. والقول الثاني: إن الضمان استيثاق بمنزلة الرهن فلا يطالبه إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه لأن الضامن فرع ولا يصار إليه إلا عند التعذر. ولم يوضع لتعدد الحق. وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من الهلاك. ويرجع إليه عند تعذر الاستيفاء. ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته. والتمكن من مطالبته. والناس يستقبحون هذا. ويعدون فاعله متعديًا. ولا يعذرونه بالمطالبة إلا إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل. وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم. وهذا القول في القوة كما ترى اهـ. ومتى برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه.

стр. 1263

(وعن سلمة بن الأكوع) ﵁ (قال أُتي بجنازة) قال الحافظ لم أقف على اسم صاحب هذه الجنازة (فقال رسول الله ﷺ هل عليه دين؟) وذلك قبل الفتح (قالوا: ثلاثة دنانير) يعني ولم يترك وفاء (فقال صلوا على صاحبكم) وفي حديث أبي هريرة "فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال: صلوا على صاحبكم" (فقال أبو قتادة هي عليَّ) أي الثلاثة الدنانير (فصلى عليه) رسول الله ﷺ (رواه البخاري) ولأحمد وأبي داود وغيرهما من حديث جابر: قلنا ديناران فانصرف فتحملهما أبو قتادة. فقال "وجب حق الغريم وبرئ الميت منهما" قال "نعم" فصلى عليه. وللحاكم جعل إذا لقي أبا قتادة يقول "ما صنعت الديناران" حتى كان آخر ذلك أن قال قضيتها يا رسول الله. قال "الآن بردت جلدته" وللدارقطني من حديث علي كان إذا أُتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل. ويسأل عن دينه. وللبيهقي وأنا لهما ضامن. فدل الحديث وما في معناه على صحة الضمان عن الميت وأنه لا رجوع له في مال الميت وهو مذهب الجمهور. وصحة تحمل الواجب عمن وجب عليه وعلى فضله. وللبيهقي "ما من مسلم فك رهان أخيه إلا فك الله رهانه يوم القيامة". ودل على شدة أمر الدين فإنه ﷺ ترك الصلاة عليه. وتقدم أنها شفاعة للميت. وشفاعته ﷺ مقبولة. والدين لا

стр. 1264

يسقط إلا بالتأدية. وكان هذا في أول البعثة. ولما فتح الله عليه الفتوح كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فليسأل هل ترك لدينه وفاء وإلا قضاه. قال غير واحد من أهل العلم يلزم متولي أمر المسلمين أن يفعله فيمن مات وعليه دين. ولأحمد "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. فمن ترك دينًا فعلي" قال ابن بطال هذا ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين. وقد حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك. فصل في الكفالة وهي التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لربه. وتنعقد بما بنعقد به الضمان. بل هي نوع منه وتصح ممن يصح ضمانه. وإن ضمن معرفته أخذ به. قال الشيخ وغيره إذا ضمن معرفة المستدين كضمنت لك معرفته أي أعرفك من هو؟ وأين هو؟ أخذ به. فإن عجز عن إحضاره مع حياته ضمن ما عليه. ولا يكفي أن يذكر اسمه ومكانه. والفرق بين الضمان والكفالة أن الضمان أضيق منها بدليل أنه لا يبرأ الضامن من الضمان إلا بالأداء أو الإبراء. بخلاف الكفالة فإنها تسقط بموت المكفول عنه أو تلف العين مثلًا. ويعتبر رضي الكفيل لا مكفول به. وتصح بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين. (قال تعالى) حاكيًا عن يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ أي

стр. 1265

قال يعقوب لبنيه لن أرسل بنيامين ابني معكم ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللهِ﴾ أي حتى تعطوني ميثاقًا وعهدًا من الله أي بسبب تأكده بإشهاد الله، وبسبب القسم عليه. والميثاق العهد المؤكد بالقسم ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أي حتى تحلفوا بالله ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ جاء بلفظ عام لجميع وجوه العلة أي لا تمتنعون من الإتيان به لشيء من الأشياء إلا أن تغلبوا كلكم. ولا تقدرون على تخليصه ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم فـ ﴿قَالَ اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿وَكِيل﴾ شهيد رقيب مطلع. والمعنى أنه موكول إليه هذا العهد. فدلت الآية على جواز الكفالة. (وعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا لزم غريمًا له) أي تعلق مدينًا له ودام معه (حتى يقضيه) أي يوفيه (أو يأتيه بحميل) كأمير أي كفيل (فجره إلى النبي ﷺ ) أي جذبه (فقال) رسول الله ﷺ (كم تستنظره) أي: تطلب منه أن ينظرك، والإنظار التأخير والإمهال (قال: شهرًا) أي: ثم أقضيه حقه (قال رسول الله ﷺ فأنا أحمل) أي أكفل لك (رواه أبو داود) والترمذي وغيرهما. ولفظة فتحمل بها النبي ﷺ وفيه فقضاها رسول الله – ﷺ . فدل على صحة الكفالة. وقال الشيخ في سجان ونحوه ممن هو كفيل على بدن الغريم كرسول الشرع بمنزلة الكفيل عليه إحضار الخصم. فإن
следующие страницы →