Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
باب الضمان
مشتق من الضمن فذمة الضامن في ذمة المضمون عنه وقال القاضي من التضمن. وقال الموفق من الضم. وشرعًا التزام ما وجب على غيره مع بقائه. وما قد يجب كثمن مبيع وقرض.
ويصح بلفظ ضمين وكفيل وحميل وزعيم. وتحملت دينك وضمنته ونحو ذلك. قال الشيخ وتلميذه وغيرهما قياس المذهب أنه يصح الضمان بكل لفظ فهم منه الضمان عرفًا. لأن الشارع لم يحد ذلك بحد فيرجع فيه إلى العرف. وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة. ولا يصح إلا من جائز التصرف. ولا يصح ضمان مسلم جزية على ذمي لفوات الصغار.
(قال تعالى: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ﴾) أي صواع الملك (﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾) من الطعام. وسيأتي في الجعالة إن شاء الله تعالى ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيم﴾ أي ضامن حمل الطعام لمن جاء بالصواع. فدلت الآية على صحة ضمان المجهول إذا آل إلى العلم. وكذا ما يؤول إلى الوجوب. لأن حمل البعير غير معلوم. فضمان المعلوم أولى.
وقال ابن القيم يصح ضمان ما لا يجب. كقوله ما أعطيته فلانًا فهو عليَّ عند الأكثرين. كما دل عليه القرآن. وذكر الآية. قال والمصلحة تقتضي ذلك. بل قد تدعو إليه الحاجة والضرورة اهـ.
стр. 1262
ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة فصح في المجهول. ويصح ضمان السوق. وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقبضه من عين مضمونة. كما قاله الشيخ وغيره. وقال يصح ضمان حارس ونحوه وتجار حرب بما يذهب من البلد أو البحر. وغايته ضمان مجهول وما لم يجب. وهو جائز عند أكثر أهل العلم اهـ. ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له. بل إنما يعتبر رضا الضامن.
(وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال الزعيم) أي الضمين (غارم) أي ملزم نفسه ما ضمنه فالغرم أداء شيء يلزمه. رواه أبو داود وغيره و (حسنه الترمذي) فدل على لزوم غرم ما ضمنه. وقيل له مطالبة من شاء منهما. قال ابن القيم وهو قول الجمهور. والقول الثاني: إن الضمان استيثاق بمنزلة الرهن فلا يطالبه إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه لأن الضامن فرع ولا يصار إليه إلا عند التعذر. ولم يوضع لتعدد الحق. وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من الهلاك. ويرجع إليه عند تعذر الاستيفاء. ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته. والتمكن من مطالبته. والناس يستقبحون هذا. ويعدون فاعله متعديًا. ولا يعذرونه بالمطالبة إلا إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل. وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم. وهذا القول في القوة كما ترى اهـ. ومتى برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه.
стр. 1263
(وعن سلمة بن الأكوع) ﵁ (قال أُتي بجنازة) قال الحافظ لم أقف على اسم صاحب هذه الجنازة (فقال رسول الله ﷺ هل عليه دين؟) وذلك قبل الفتح (قالوا: ثلاثة دنانير) يعني ولم يترك وفاء (فقال صلوا على صاحبكم) وفي حديث أبي هريرة "فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال: صلوا على صاحبكم" (فقال أبو قتادة هي عليَّ) أي الثلاثة الدنانير (فصلى عليه) رسول الله ﷺ (رواه البخاري) ولأحمد وأبي داود وغيرهما من حديث جابر: قلنا ديناران فانصرف فتحملهما أبو قتادة. فقال "وجب حق الغريم وبرئ الميت منهما" قال "نعم" فصلى عليه.
وللحاكم جعل إذا لقي أبا قتادة يقول "ما صنعت الديناران" حتى كان آخر ذلك أن قال قضيتها يا رسول الله.
قال "الآن بردت جلدته" وللدارقطني من حديث علي كان إذا أُتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل. ويسأل عن دينه. وللبيهقي وأنا لهما ضامن. فدل الحديث وما في معناه على صحة الضمان عن الميت وأنه لا رجوع له في مال الميت وهو مذهب الجمهور. وصحة تحمل الواجب عمن وجب عليه وعلى فضله. وللبيهقي "ما من مسلم فك رهان أخيه إلا فك الله رهانه يوم القيامة".
ودل على شدة أمر الدين فإنه ﷺ ترك الصلاة عليه. وتقدم أنها شفاعة للميت. وشفاعته ﷺ مقبولة. والدين لا
стр. 1264
يسقط إلا بالتأدية. وكان هذا في أول البعثة. ولما فتح الله عليه الفتوح كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فليسأل هل ترك لدينه وفاء وإلا قضاه. قال غير واحد من أهل العلم يلزم متولي أمر المسلمين أن يفعله فيمن مات وعليه دين. ولأحمد "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. فمن ترك دينًا فعلي" قال ابن بطال هذا ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين. وقد حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك.
فصل في الكفالة
وهي التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لربه. وتنعقد بما بنعقد به الضمان. بل هي نوع منه وتصح ممن يصح ضمانه. وإن ضمن معرفته أخذ به. قال الشيخ وغيره إذا ضمن معرفة المستدين كضمنت لك معرفته أي أعرفك من هو؟ وأين هو؟ أخذ به. فإن عجز عن إحضاره مع حياته ضمن ما عليه. ولا يكفي أن يذكر اسمه ومكانه. والفرق بين الضمان والكفالة أن الضمان أضيق منها بدليل أنه لا يبرأ الضامن من الضمان إلا بالأداء أو الإبراء. بخلاف الكفالة فإنها تسقط بموت المكفول عنه أو تلف العين مثلًا. ويعتبر رضي الكفيل لا مكفول به. وتصح بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين.
(قال تعالى) حاكيًا عن يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ أي
стр. 1265
قال يعقوب لبنيه لن أرسل بنيامين ابني معكم ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللهِ﴾ أي حتى تعطوني ميثاقًا وعهدًا من الله أي بسبب تأكده بإشهاد الله، وبسبب القسم عليه.
والميثاق العهد المؤكد بالقسم ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أي حتى تحلفوا بالله ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ جاء بلفظ عام لجميع وجوه العلة أي لا تمتنعون من الإتيان به لشيء من الأشياء إلا أن تغلبوا كلكم. ولا تقدرون على تخليصه ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم فـ ﴿قَالَ اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿وَكِيل﴾ شهيد رقيب مطلع. والمعنى أنه موكول إليه هذا العهد. فدلت الآية على جواز الكفالة.
(وعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا لزم غريمًا له) أي تعلق مدينًا له ودام معه (حتى يقضيه) أي يوفيه (أو يأتيه بحميل) كأمير أي كفيل (فجره إلى النبي ﷺ ) أي جذبه (فقال) رسول الله ﷺ (كم تستنظره) أي: تطلب منه أن ينظرك، والإنظار التأخير والإمهال (قال: شهرًا) أي: ثم أقضيه حقه (قال رسول الله ﷺ فأنا أحمل) أي أكفل لك (رواه أبو داود) والترمذي وغيرهما. ولفظة فتحمل بها النبي ﷺ وفيه فقضاها رسول الله – ﷺ . فدل على صحة الكفالة.
وقال الشيخ في سجان ونحوه ممن هو كفيل على بدن الغريم كرسول الشرع بمنزلة الكفيل عليه إحضار الخصم. فإن
стр. 1266
تعذر إحضاره ضمن ما عليه. وإن كان المكفول في حبس الشرع فسلمه إليه فيه برئ. وإن تعذر إحضار مكفول على كفيل مع بقاء حياته. أو امتنع من إحضاره لزمه ما عليه وإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى. أو سلم المكفول نفسه برئ الكفيل. وفي الاختيارات إن لم يكن الوالد ضامنًا لولده ولا له عنده مال لم يجز لمن له على الولد حق أن يطالب والده بما عليه. لكن مهما أمكن الوالد معاونة صاحب الحق على إحضار ولده بالتعريف ونحوه لزمه ذلك.
(وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (لا كفالة في حد) كحد زنا أو لواط أو سرقة أو شرب خمر (رواه البيهقي بسند ضعيف) وقال: إنه منكر. ودل على أن الكفالة لا تصح في الحدود. قال الموفق: هو قول العلماء. لأنه لا يجوز استيفاؤه من الكفيل. إلا إذا كفل السارق بسبب غرم المسروق لأنه حق مالي. ولأن مبناها على الإسقاط. والدرء بالشبهات. فلا يدخل فيها الاستيثاق. وقيل ولا ببدن من عليه حد قذف أو قصاص. لأنه لا يمكن الاستيفاء من غير الجاني.
وقال الشيخ تصح الكفالة في ذلك. واختاره غير واحد. وهو مذهب مالك. وإحدى الروايتين عن أحمد. وفي الصحيح أن حمزة الأسلمي أخذ كفلاء على رجل وقع على جارية امرأته حتى قدم على عمر. وقال جرير والأشعث لابن مسعود في
стр. 1267
المرتدين استتبهم وكفلهم فتابوا وكفلهم عشائرهم. واستدل به البخاري في الديون بطريق الأولى. ولأنه حق لآدمي فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين. وكذا إذا كفل بدن شخص لأجل مال بالعفو إلى الدية ليدفعها.
* * *
стр. 1268
باب الحوالة
مشتقة من التحول. أو من الحول. فالحوالة تحول الحق عن قولك تحول فلان من داره. وهي نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى. ثابتة بالسنة والإجماع. وإن كانت بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك. بل قواعد الشرع كما قال ابن القيم وغيره تقتضي جوازه. فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. ومما يبين أنها على وفق القياس أنها من جنس إيفاء الحق. لا من جنس البيع. ولا تصح إلا على دين مستقر. فعلى ما له في الديوان ونحوه إذن في الاستيفاء. ولا يعتبر استقرار المحال به. ويشترط رضى المحيل بلا خلاف. والمحتال عند الأكثر. ويشترط أيضًا اتفاق الدينين جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا.
(عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال مطل الغني ظلم) المطل التسويف والتأخير. من إضافة المصدر إلى الفاعل أي يحرم على الغني القادر أن يمطل صاحب الدين. والمطل في الأصل المد. وقال الأزهري المدافعة. قال الحافظ والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه من وقت إلى آخر بغير عذر مع الطلب. وهو حرام على المتمكن. والجمهور على أنه يوجب الفسق. وقيل: إنه كبيرة (وإذا اتبع أحدكم على ملي) أي جعل تابعًا للغير بطلب الحق. ولأحمد "إذا أحيل أحدكم على ملي" كغني لفظًا ومعنى، وهو القادر بماله وقوله وبدنه. فمتى أحيل عليه (فليتبع) بالتخفيف.
стр. 1269
ولفظ أحمد "فليحتل" أي فليقبل الحوالة (متفق عليه).
ولابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا "مطل الغني ظلم وإذا أحلت على ملي فاتبعه" وحكى الموفق الإجماع على ثبوت الحوالة. وتصح بلفظ أحلتك بدينك على فلان. أو خذ دينك منه. وغير ذلك مما يدل على المقصود. والحديث دليل على أن من أحيل بحقه على ملي أن يحتال. وأوجبه الحنابلة. وأهل الظاهر. والجمهور على الاستحباب. وإذا صحت الحوالة باجتماع شروطها. نقلت الحق المحال به إلى ذمة المحال عليه. وبرئ المحيل بمجرد الحوالة. قال الموفق وغيره في قوله عامة أهل العلم.
ومتى لم يكن المحال عليه قادرًا بماله وقوله وبدنه لم يلزم الاحتيال عليه. لما في ذلك من الضرر على المحال. والنبي ﷺ إنما أمر بقبولها على الملي. وإذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت أو فلس لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل. لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغنى فائدة. فلما شرط علم أنه انتقل انتقالًا لا رجوع له. كما لو عوضه عن دينه بعوض ثم تلف. وإن كان المحال عليه مفلسًا. ولم يكن المحتال رضي بالحوالة عليه رجع بدينه على المحيل. لأن الفلس عيب ولم يرض به فاستحق الرجوع وإن رضي فلا.
(وقال ابن عباس) ﵄ (يتخارج) أي لا
стр. 1270
بأس أن يتخارج (الشريكان) فيقتسمان يأخذ هذا عينًا وهذا دينًا (وأهل الميراث) أي ويتخارج أهل الميراث يعني يصطلحان (فيأخذ هذا عينًا) أي مالًا حاضرًا (وهذا دينًا) نقدًا أو غيره. سميت مخارجة لأن الشريك يعطي شريكه ما يصالح عليه ويخرج نفسه من الشركة أو الميراث (فإن توى لأحدهما) أي هلك له عين أو دين مما اقتسماه أو اصطلحا عليه (لم يرجع على صاحبه) أي لم يرجع من هلك له شيء على من لم يهلك له لاقتسامهم أو اصطلاحهم. فدل على أن المحتال إذا رضي بحوالة فهلك له شيء لم يرجع على المحيل.
* * *
باب الصلح
أي هذا باب يذكر فيه الصلح وأحكام الجواز وما يتعلق بها. والصلح اسم مصدر صالحه مصالحة وصِلاحًا بالكسر.
وهو لغة قطع المنازعة. وشرعًا معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين. وهو خمسة أنواع بين المسلمين وأهل الحرب وبين أهل عدل وبغي. وبين زوجين خيف شقاقهما. أو خافت إعراضه. وبين متخاصمين في غير مال. والخامس الصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة في الأموال. وهو الذي يذكره الفقهاء هنا في باب الصلح. وهو قسمان: صلح على إقرار. أو على إنكار. والحقوق نوعان: حق لله وحق
стр. 1271
للآدمي. وحق الله لا مدخل للصلح فيه. كالحدود والصلاة والزكاة. وإنما الصلح بين العبد وربه في إقامتها لا في إهمالها. ولهذا لا يقبل في الحدود. وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع. وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها. والصلح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾) أول الآية (﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾) أمر تعالى بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض. حتى أمر بقتال الباغية ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ أي ترجع ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي إلى الحق ﴿فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله. ثم قال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تعصوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾.
وقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقال ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وقال: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثوابًا جزيلًا. وللترمذي وغيره وصححه "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قلنا بلى! قال "إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة" وقال لأبي أيوب "ألا أدلك على تجارة"؟ قال بلى. قال "تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا" والأخبار في ذلك كثيرة.
стр. 1272
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "الصلح جائز" ليس بحكم لازم يقضي به. إن لم يرض به الخصم (بين المسلمين) شمل كل صلح قبل اتضاح حق وبعده. وتخصيصه المسلمين خرج مخرج الغالب. لأن الصلح جائز بين الكافر والمسلم وبين الكفار (إلا صلحًا حرم حلالاً) بأن يشترط شرطًا مفسدًا للصلح فيحرم عليه ما يحل له بالصلح. كمصالحة إحدى الزوجات لزوجها أن لا يبيت عند ضرتها. أو أن لا يطأها ونحو ذلك.
(أو) إلا صلحًا (أحل حرامًا) كأن يصالحه على نصرة ظالم أو باغ. أو على حل مال لا يحل له إلا بالصلح ونحو ذلك لم يصح الصلح. وقال ابن القيم كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال. أو إحلال بضع حرام. أو إرقاق حر. أو نقل نسب. أو ولاء عن محل إلى محل. أو أكل ربا أو إسقاط واجب. أو تعطيل حد. أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك. فكل هذا صلح جائر مردود.
فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضي
الله ورضي الخصمين. فهذا أعدل الصلح وأحقه. رواه
أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وغيرهم. و (صححه الترمذي) ونوقش على تصحيحه. لأن في سنده كثير بن
عبد الله. واعتذر له الحافظ وغيره بأنه اعتبر بكثرة
стр. 1273
طرقه. فرواه أبو داود من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح. وقال الحاكم على شرطهما. وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي. وأخرجه الحاكم من حديث أنس وعائشة. وأحمد من حديث سليمان بن بلال. وكتب به عمر إلى أبي موسى. ولا ريب أن الطرق الكثيرة من جهات متفاوتة يشد بعضها بعضًا. فتصلح للاحتجاج بها.
أما الصلح على الإقرار فجوازه ظاهر النصوص. وأما الصلح على الإنكار ففيه تفصيل. فإن كان المدعي يعلم أن له حقًا عند خصمه جاز له قبض ما صوالح عليه. وإن كان خصمه منكرًا. وإن كان يدعي باطلًا فإنه يحرم عليه الدعوى. وأخذ ما صولح به. والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه وإنما ينكر لغرض وجب عليه تسليم ما صولح به عليه. واتفقوا على أنه لا يحل أن يصالحه على بعض حقه. وهو يعلمه. وإن كان يعلم أن له عنده حقًا جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريم وأذيته. وحرم على المدعي أخذه. وبهذا تجتمع الأدلة.
قال ابن القيم قول من منع الصلح على الإنكار أنه يتضمن المعاوضة عما لا تصح المعاوضة عليه. وهو إنما افتدى نفسه من الدعوى واليمن. وتكليف إقامة البينة. وليس هذا مخالفًا لقواعد الشرع. بل حكمة الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك.
стр. 1274
(ولأبي داود) وغيره (عن أم سلمة) ﵂ (مرفوعًا قال اذهبا) وذلك أنه جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست. ليس بينهما بينة فقال "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه. فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها اسطامًا في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان. وقال كل واحد منهما حقي لأخي. فقال "أما إذا قلتما فاذهبا" (فاقتسما) يعني تلك المواريث التي كانت بينهما. وقد درست (ثم توَخَيا) بفتح الواو والخاء أي اقصدا (الحق) فيما تصنعان من القسمة.
(ثم استهما) أي ليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة. ليتميز سهم كل واحد منكما عن الآخر (ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه) أي ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قِبَله بإبراء ذمته. فدل على صحة الصلح بمعلوم عن مجهول. ولكن لا بد مع ذلك من التحليل. ودل على صحة التحليل من المعين المعلوم. وهو إجماع. وأن من حلل خصمه من مظلمة لا رجوع له في ذلك. أما المعلوم فلا نزاع فيه. وأما المجهول الذي يتعذر علمه من دين أو عين بمعلوم فيصح لهذا الخبر وغيره. ولئلا يفضي إلى ضياع المال. أو بقاء شغل الذمة. وإن لم يتعذر علمه فكبراءة من مجهول.
стр. 1275
فيصح على المشهور قطعًا للنزاع. وما لا يتعذر علمه كشركة باقية صالح الورثة الزوجة عن حصتها منها. فقال شريح هذا هو الريبة ولأن الصلح إنما جاز مع الجهالة للحاجة إليه لإبراء الذمم. وإزالة الخصام. فمع إمكان العلم لا حاجة إليه.
(وسأل رسول الله ﷺ غرماء عبد الله) وذلك أنه قتل يوم أحد شهيدًا وعليه دين. فاشتد الغرماء في حقوقهم. فجاء ابنه جابر إلى النبي ﷺ ليشفع له إليهم (أن يقبلوا ثمر حائطه) عن الدين الذي لهم عليه (ويحللوه رواه البخاري) ثم قال لجابر "جد لهم فأوف الذي لهم" وفي لفظ "فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة" فجددتها فقضيتهم. وبقي لنا من ثمرها. وفي لفظ سبعة عشر وسقًا. فدل الحديث على جواز المصالحة بالبعض. لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه.
ويصح ولو بمجهول عن معلوم. لأنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداء. وقال ابن القيم يصح الإسقاط والتأجيل وهو الصواب. بناء على تأجيل القرض والعارية. وهو مذهب أهل المدينة. واختاره شيخنا. وقال وإن صالحه ببعضه حالًا مع الإقرار والإنكار جاز. وهو قول ابن عباس. وإحدى الروايتين عن أحمد. واختاره شيخنا. فإن هذا عكس الربا. فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل. وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل. فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل.
стр. 1276
فانتفع به كل واحد منهما. ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفًا. والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا. ولا يخفي الفرق الواضح بينهما اهـ.
وقول بعضهم إن لم يكن بلفظ الصلح. فالصلح معناه قطع المنازعة. فإن أوفاه من جنس حقه فوفاء. أو من غير جنسه فمعاوضة. أو إبراء من بعضه فإسقاط. أو وهبه له فهبة. فالخلاف في التسمية. والمعنى متفق. ولم يخرج بذلك عن كونه صلحًا. وهذا الحديث وحديث أم سلمة مخصص للعمومات المتقدمة القاضية بوجوب معرفة مقدار كل واحد من البدلين المتساويين جنسًا وقدرًا. فيجوز القضاء مع الجهالة إذا وقع الرضا والتحليل.
(ولهما عن عبد الله بن كعب) ابن مالك الأنصاري السلمي المدني وكان قائد أبيه حين عمي ومات سنة سبع وتسعين (أن أباه) كعب بن مالك ﵁ (تقاضى ابن أبي حدرد) الأسلمي ﵄ (دينًا) كان له أي لكعب على ابن أبي حدرد. فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ فخرج إليهما ونادى كعبًا (فأشار إليه) يعني النبي ﷺ بيده الشريفة (أن ضع الشطر) من دينك" قال كعب قد فعلت يا رسول الله. قال "قم فاقضه" ولأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه. كما لا يمنع من استيفائه بلا نزاع.
ويحتمل أن يكون نزاعهما في مقدار الدين. فيكون الصلح
стр. 1277
عن إنكار. ويحتمل أن يكون في التقاضي. والأمر على جهة الوجوب. ومحل صحة الإسقاط ونحوه. أن لا يمنع من عليه الحق ربه بدون الإسقاط ونحوه. لأن منعه أكل المال الغير بالباطل. إلا إن أنكر من عليه الحق ولا بينة فإنه يصح الصلح مما ذكر ونحوه. ومتى اصطلحا ثم بعد ذلك ظهرت بينة فاختار الشيخ نقض الصلح. لأنه إنما صالح مكرهًا في الحقيقة. إذ لو علم البينة لم يسمح بشيء من حقه.
(ومن حديث عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده ﵁ (في قتل العمد) وذلك أن النبي ﷺ قال "من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وذلك عقل العمد" ولقصة ربيع في الصحيحين وغيرهما (وما صولحوا عليه) أي زائدًا عن دية العمل. وهي كما في الحديث (ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة) ثم قال: (وذلك عقل العمل) يعني الذي قدره الشارع. وما صولحوا عليه من الزيادة (فهو لهم) وذلك لتشديد العقل. والحديث رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما من طرق يشد بعضها بعضًا. و (حسنه الترمذي) والحديث دليل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من الدية. وفي الاختيارات ويصح عن دية الخطأ. وعن قيمة المتلف غير المثلي بأكثر منها من جنسها.
(وعن أبي حميد الساعدي مرفوعًا) أي أن رسول الله ﷺ قال (لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب
стр. 1278
نفس منه) أي سماحه بها (رواه الحاكم) في صحيحه وابن حبان وغيرهما. وفي معناه أحاديث كثيرة: منها ما في الصحيحين "لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه" ولأبي داود وغيره "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لا لاعبًا ولا جادًا" وهذه الأحاديث وما في معناها دالة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من نفسه. وإن قل. وتقدم "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" وهو شامل.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من كانت عنده مظلمة) أي من كانت عليه مظلمة (لأخيه من عرض) العرض موضع المدح والذم سواء كان في النفس أو السلف. أو من يلزمه أمره (أو شيء) هو من عطف العام على الخاص.
فيدخل فيه المال بأصنافه. والجراحات حتى اللطمة ونحوها (فليتحلله) أي ليسأله أن يجعله في حل (منه اليوم) أي في دار الدنيا. وفيها دينار ودرهم (قبل أن لا يكون دينار ولا درهم) أي يوم القيامة (إن كان له عمل صالح) عمله في دار الدنيا وقت العمل (أخذ منه بقدر مظلمته) أي أخذ من عمله الصالح في الآخرة.
(وإن لم تكن له حسنات) يؤخذ منها يوم القيامة بقدر مظلمة الظالم للمظلوم (أخذ من سيئات صاحبه) أي صاحب المظلمة (فحمل عليه) أي على الظالم. وفي رواية لمالك "فطرحت عليه (رواه البخاري)، ولمسلم "المفلس من
стр. 1279
أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار" وإذا حلله في حياته من ظلمه فلا رجوع فيه فيما مضى بالاتفاق. وفيما سيأتي فيه خلاف.
فصل في الجوار
وأحكامه وما يتعلق به وما يصح فيه من الصلح والجوار مصدر جاوره قرب من مسكنه.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا يمنع) بالجزم وفي لفظ لا يمنعن (جار جاره أن يغرز خشبه) بصيغة الجمع. وللبيهقي عن ابن عباس: أن يدعم جذوعه (في جداره) أي جدار جاره المالك للجدار. ثم يقول أبو هريرة وذلك أيام إمارته على المدينة زمن مروان مالي أراكم عنها معرضين. والله لأرمين بها بين أكتافكم (متفق عليه) أراد بذلك المبالغة. والأحاديث تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب في جدار جاره. ويجبره الحاكم إذا امتنع. لأنه حق ثابت لجاره. وهو مذهب أحمد وأهل الحديث وغيرهم. قال البيهقي لم نجد في السنة الصحيحة ما يعارض هذا الحكم. إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها.
стр. 1280
وقضى به عمر ﵁ في زمن وفور الصحابة.
وقال الشافعي لم يخالفه أحد من الصحابة. وإطلاق الأحاديث قاض بعدم اعتبار تضرر المالك. إلا أنه يجب على من يريد الغرز أن يتوق الضرر مهما أمكن. فإن لم يمكن إلا بإضرار وجب على الغارز إصلاحه. وذلك ما يقع عند فتح الجدار لغرز الخشب. وأما اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز فأمر لا بد منه. وإن صالح عن شيء من ذلك بعوض معلوم صح.
(ولابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا لا ضرر ولا ضرار) ورواه عن عبادة. وروي أيضًا من حديث أبي سعيد وغيره. قال ابن كثير هو حديث مشهور. ولأبي داود وغيره "من ضار ضار الله به. ومن شاق شاق الله به" ويشهد له كليات وجزئيات. وهو لا شك قاعدة من قواعد الدين. يدل على تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره. وفي حق الجار أشد لعظم حقه. والضرر قيل فعل الواحد.
والضرار فعل الإثنين فصاعدًا. وقيل الضرار أن تضره من غير أن تنتفع. والضرر أن تضره وتنتفع أنت به وقيل غير ذلك.
وقال الوزير اتفقوا على أن للرجل التصرف في ملكه ما لم يضر بجاره والمضارة مبناها على القصد والإرادة. أو على فعل ضرر عليه. فمتى قصد الإضرار ولو بالمناخ. أو فعل الإضرار من غير استحقاق فهو مضار. وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار فليس بمضار. ومنه
стр. 1281
قوله لصاحب النخلة لما طلب المعاوضة عنها بعدة طرق فلم يفعل "إنما أنت مضار" ثم أمر بقلعها. فدل على أن الضرر محرم لا يجوز تمكين صاحبه منه.
قال (وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره) فدل أيضًا على جواز وضع الخشب في جدار الجار. وإذا جاز الغرز جاز الوضع بطريق الأولى. لأنه أخف منه. قال الشيخ إذا كان الجدار مختصًا بشخص لم يكن له أن يمنع جاره من الانتفاع مما يحتاج إليه الجار. ولا يضر بصاحب الجدار. ويجب على الجار تمكين جاره من إجراء مائه في أرضه. إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن على صاحب الأرض ضرر في أصح القولين في مذهب أحمد. وحكم به عمر –﵁. وإن صالحه على أن يجري ماء على أرضه صح. قال في الإنصاف بلا نزاع. لكن يشترط معرفة الذي يجري فيه من ملكه.
ويجوز شراء ممر في ملكه. وموضع في حائطه يجعله بابا. وبقعة يحفرها بئرًا. وعلو بيت يبني عليه بنيانًا موصوفًا. ويصح فعله صلحًا أبدًا. قال والعمل عليه في كل مصر وعصر. قال الشيخ وإذا كان المسجد معدًا للصلاة ففي جواز البناء عليه نزاع بين العلماء. وليس لأحد أن يبني فوق الوقف ما يضر به اتفاقًا. وكذا إن لم يضر به عند الجمهور. وفي الاختيارات ليس للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يؤذي به جاره من بناء حمام وحانوت طباخ ودقاق. وهو مذهب أحمد. قال ومن كانت له
стр. 1282
ساحة يلقي فيها التراب والحيوانات ويتضرر الجيران بذلك فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران: إما بعمارتها أو إعطائها لمن يعمرها. أو يمنع أن يلقى فيها ما يضر بالجيران اهـ.
وإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب العلو الصعود على وجه يشرف على جاره. إلا أن يبني سترة تستره. وفي الاختيارات يلزم الأعلى التستر بما يمنع مشارفة الأسفل وإن استويا وطلب أحدهما بناء الستر أجبر الآخر معه مع الحاجة إلى السترة اهـ.
وإن انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه. أو احتاج النهر أو الدولاب أو القناة المشتركة لعمارة أجبر الشريك عليه. إزالة لضرر شريكه. قال الشيخ إذا احتاج الملك المشترك إلى عمارة لا بد منها فعلى أحد الشريكين أن يعمر مع شريكه إذا طلب ذلك منه في أصح القولين اهـ.
وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله فإن أبى لواه إن أمكن وإلا فله قلعه إزالة للضرر.
(ولهما من حديث أبي هريرة) ﵁ يعني أن رسول الله ﷺ قال (وإذا اختلفتم في الطريق) التي هي مجرى عامة المسلمين بأحمالهم ومواشيهم وفي لفظ "الميتاء" قيل أعظم الطرق أو الطريق الواسعة (فاجعلوه) أي اجعلوا سعة الطريق
(سبعة أذرع) وهذا محمول على الطريق التي هي
стр. 1283
مجرى العامة إذا تشاجر من له أرض يتصل بها مع من له فيها حق جعل عرضها سبعة أذرع بالذراع المتعارف في ذلك البلد. بخلاف بنيات الطريق. فإن الرجل إذا جعل في بعض أرضه طريقًا مسبلة للمارين كان تقديرها إلى خيرته.
والحكمة في ورود الشرع بتقدير الطريق سبعة أذرع أن تسلكها الأحمال والأثقال دخولًا وخروجًا. وتسع ما لابد منه. فما لا تسع السبعة يجعل بقدر ما تسع لوجود العلة. قال الوزير وغيره اتفقوا على أن الطريق لا يجوز تضييقها. وقال الشيخ لا يجوز لأحد أن يخرج شيئًا في طريق المسلمين من أنواع أجزاء البناء حتى أنه ينهى عن تجصيص الحائط إلا أن يدخل رب الحائط في حده بقدر غلظ الجص. فلا يجوز إخراج الدكة مطلقًا أذن فيه الأمام أو لا. قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا.
ويجوز إخراج الساباط بلا ضرر اختاره الشيخ. وقال الذي يضر بالمارة مثل أن يحتاج الراكب أن يحني رأسه إذا مر هناك وإن غفل عن نفسه رمى عمامته أو شج رأسه. ولا يمكن أن يمر هناك جمل عال أو محمل فمثل هذا الساباط لا يجوز إحداثه على طريق المارة باتفاق المسلمين. بل يجب على صاحبه إزالته. فإن لم يفعل كان على ولاة الأمور إلزامه بإزالته حتى يزول الضرر.
حتى لو كان الطريق منخفضًا ثم ارتفع على طول الزمان وجب إزالته إذا كان الأمر على ما ذكر.
стр. 1284
(وروي أن النبي ﷺ وضع للعباس) بن عبد المطلب عم النبي ﷺ (ميزابًا على طريق) رواه أحمد عن عبد الله بن عباس ﵄. قال كان للعباس ميزاب على طريق عمر ﵁ فلبس ثيابه يوم الجمعة فأصابه منه ماء بدم.
وذلك أنه ذبح للعباس فرخان فلما وافى عمر الميزاب صب ماء بدم الفرخين. فأمر عمر بقلعه. فأتاه العباس فقال إنه للموضع الذي وضعه النبي ﷺ فقال عمر للعباس وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ففعل ذلك العباس.
والحديث دليل على جواز إخراج الميازيب إلى الطرق. لكن بشرط أن لا تكون محدثة. وتضر بالمسلمين. وقال الشيخ إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة. واختاره وقدمه في النظم وغيره. ويمنع في الطريق الغرس والبناء والحفر ومرور أحمال الشوك. ووضع الحطب والذبح فيها. وطرح القمامة والرماد وقشر الموز وغير ذلك. مما فيه ضرر على المارة.
باب الحجر
في الأصل التضييق والمنع. ومنه سمي الحرام والعقل حجرًا. وفي الشرع منع إنسان من تصرفه في ماله وهو ضربان حجر لحق الغير كعلى مفلس. وحجر لحق نفس المحجور. كعلى نحو صغير. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 1285
قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني وإن كان الذي عليه الدين معسرًا ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أمر في صيغة الخبر تقديره فعليه نظرة ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إلى اليسار والسعة. وأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء. ثم ندب إلى الوضع عنه فقال: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ وفي الحديث "من سره أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه" وفي رواية "من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة" وفي الحديث القدسي "أنا أحق من ييسر أدخل الجنة" وفي فضل التيسير على المعسر وإنظاره أحاديث كثيرة.
ودلت الآية وغيرها على أن المعسر الذي لا يقدر على الوفاء شيء من دينه لا يطالب به ويجب إنظاره ويحرم حبسه وملازمته. وإن ادعى العسرة وكان الحق ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه. كأرش جناية ومهر وضمان. ولم يعرف له مال حلف وخلي سبيله قال علي ﵁ حبس الرجل بعد معرفة ما عليه من الحق ظلم. قال ابن القيم هذا الحكم عليه جمهور الأمة فيما إذا كان عليه دين عن غير عوض مالي.
قال والذي يدل عليه الكتاب والسنة وقواعد الشرع أنه لا يحبس في شيء من ذلك. إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل. سواء كان دينه عن عوض أو عن غير عوض. وسواء لزمه باختياره أو بغير اختياره.
стр. 1286
فإن الحبس عقوبة والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها. ولا تسوغ بالشبهة. بل سقوطها بالشبهة أقرب إلى قواعد الشريعة. وقال الشيخ من عرف بالقدرة فادعى إعسارًا وأمكن عادة قبل. لتعلق حق العبد بماله. وإذا كان دينه عن عوض كثمن وقرض وادعى الإفلاس. وقد علم له مال متقدم فكمن أصابته فاقة. حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه. قال ابن القيم هذا صريح في أنه لا يقبل في بينة الإعسار أقل من ثلاثة رجال وهو الصواب الذي يتعين القول به. وإذا كان في باب أخذ الزكاة وحل المسألة يعتبر العدد المذكور ففي باب دعوى الإعسار المسقط لأداء الديون ونفقة الأقارب والزوجات أولى وأحرى.
(وعن عمرو بن الشريد) بفتح الشين ابن سويد الثقفي (عن أبيه) ﵁ سمي شريدًا لأنه شرد من المغيرة لما قتل رفقته الثقفيين وقيل صحب قومًا فقتلهم فسمي الشريد (أن رسول الله ﷺ قال لي الواجد ظلم) كقوله "مطل الغني ظلم" ولي بفتح فشد. مصدر لوى يلوي. أضيف إلى فاعله. وهو الواجد من الوجد بالضم يعني القدرة. أي مطل الغني القادر على وفاء دينه ظلم (يحل عرضه) بأن يقول مطلني. ويغلظ القول عليه. ويشدد في هتك عرضه. وحرمته (وعقوبته) أي حبسه (رواه الخمسة إلا الترمذي) وحسنه الحافظ. وصححه ابن حبان. وعلقه البخاري.
стр. 1287
وهو دليل على تحريم مطل الواجد. بل أصل متفق عليه: أن كل من ترك واجبًا استحق العقوبة. فمن عليه مال يجب عليه أداؤه كوديعة أو مضاربة أو مال لبيت المال فللقاضي التغليظ عليه وحبسه تأديبًا له. فإن أبى عزره مرة بعد أخرى.
وأجاز الجمهور الحجر على القادر المماطل. وبيع الحاكم ماله. لقيامه مقامه. ودفعًا لضرر رب الدين. وهو داخل تحت لفظ عقوبته. وفي الاختيارات. ومن كان قادرًا على وفاء دينه وامتنع أجبر على وفائه بالضرب والحبس. ونص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وقال أبو العباس ولا أعلم فيه نزاعًا. لكن لا يزاد كل يوم على أكثر من التعزير إن قيل يتقدر.
وقال ولا يجب حبسه بمكان معين. فيجوز حبسه في دار ولو في دار نفسه. بحيث لا يمكن من الخروج. ولو كان قادرًا على أداء الدين وامتنع. ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل. والنكاح. فله ذلك. إذ أن التعزير لا يختص بنوع معين. وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه. وقدره إذا لم يتعد حدود الله. وللحاكم أن يبيع عليه ماله. ويقضي دينه. ولا يلزمه إحضاره. وإذا كان الذي عليه الحق قادرًا على الوفاء ومطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية. فما غرمه بسبب ذلك.
فهو على الظالم المبطل. إذا كان غرمه على الوجه المعتاد. وقال من غرم مالًا بسبب كذب عليه عند ولي الأمر فله تضمين
стр. 1288
الكاذب عليه بما غرمه اهـ. والجمهور أنه يفسق بمطله.
ومفهوم أن مطل المعسر لا يحل عرضه ولا عقوبته. وهو معنى قوله ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ولا يطالب مدين بدين مؤجل.
(وعن كعب بن مالك) ﵁ (أن النبي ﷺ حجر على معاذ) بن جبل ﵁ (ما له) أي منعه من التصرف في ماله من نحو بيع وغيره لأجل غرمائه (وباعه في دين كان عليه رواه الدارقطني) والبيهقي والحاكم. وصححه. وقال ابن الصلاح هو حديث ثابت. وعن عبد الرحمن بن كعب. قال كان معاذ بن جبل شابًا سخيًا. وكان لا يمسك شيئًا. فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين فأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه. فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله ﷺ فباع لهم ماله. حتى قام معاذ بغير شيء. رواه سعيد مرسلًا ونحوه في صحيح مسلم. قال أصيب رجل على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه. ويأتي.
فدل الحديث وما في معناه على جواز الحجر على المديون. وأنه يجوز للحاكم بيع ماله لقضاء دينه. والحجر على المديون وإعطاء الغرماء ثابت أيضًا من فعل عمر. ولم ينقل أنه أنكر ذلك عليه أحد من الصحابة. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أن الحجر على المفلس إذا طلب الغرماء ذلك وأحاطت الديون بماله مستحق على الحاكم. وله منعه من التصرف. حتى لا يضر بالغرماء. وبيع ماله إذا امتنع المفلس من بيعه ويقسمه بين
стр. 1289
غرمائه بالحصص. ويخرجه الحاكم من الحبس. ويحول بينه وبين غرمائه إلا أبا حنيفة فقال يحبس حتى يقضي الدين.
وقال ابن القيم إذا استغرقت الديون ما له لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون. سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه. هذا مذهب مالك واختيار شيخنا. وهو الصحيح. وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره. بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده. لأن حق الغرماء قد تعلق بماله. ولهذا يحجر عليه الحاكم. ولولا تعلق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه. فصار كالمريض مرض الموت. وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء. والشريعة لا تأتي بمثل هذا. فإنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق. وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها.
(ولمسلم عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (قال أصيب رجل في ثمار ابتاعها) أي اشتراها (فكثر دينه) من أجل مصيبته في تلك الثمار. ولم يقدر على الوفاء (فقال رسول الله ﷺ تصدقوا عليه) ليحصل له من الصدقة ما يفي بدينه (فلم يبلغ ذلك) أي ما تصدقوا به عليه (وفاء دينه) فيستوفي كل منهم حقه (فقال) رسول الله ﷺ (لغرمائه) أصحاب الدين (خذوا ما وجدتم) أي عند غريمكم لا غير (وليس لكم إلا ذلك) فهذا الحديث صريح في أنه ليس لهم إلا أخذ ما وجدوه. وليس لهم حبسه. ولا ملازمته.
стр. 1290
قال ابن القيم ولم يحبس ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان. ولا يحبس في الدين ولو كان في مقابلة عوض. إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل. لأن الحبس عقوبة. والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها. وهي من جنس الحدود. ولا يجوز إيقاعها بالشبهة. بل يتثبت الحاكم. ويتأمل حال الخصم. ويسأل عنه. فإن تبين له مطله وظلمه ضربه إلى أن يوفي. أو حبسه. ولو أنكر غريمه إعساره. فإن عقوبة المعذور شرعًا ظلم. وإن لم يتبين له من حاله شيء أخره حتى يتبين له حاله. وظاهر الحديث أن الزيادة ساقطة عنه. ولو أيسر بعد ذلك لم يطالب بها. وفيه دليل على انتظار الغلة ونحوها. وأن التمكن من ذلك لا يعد مطلًا.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من أدرك متاعه) وفي لفظ ماله. وظاهره سواء كان ببيع أو قرض أو غير ذلك (بعينه) لم يتغير بصفة ولا زيادة ولا نقص (عند رجل قد أفلس) أي صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا (فهو أحق به) أي بمتاعه من غيره من الغرماء (متفق عليه) وفي لفظ قال في الرجل الذي يعدم "إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه" رواه مسلم. ولأحمد عن الحسن عن سمرة مرفوعًا "من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به" حسنه الحافظ. ولها شواهد.
وقوله "بعينه" دليل على أن شرط الاستحقاق أن يكون
стр. 1291
المال باقيًا بعينه لم يتغير. ولم يتبدل "فهو أحق به" كائنًا من كان. وارثًا أو غريمًا. وهذا مذهب جمهور العلماء. وقضى به عثمان. وقال ابن المنذر لا نعلم له مخالفًا في الصحابة. وكذا روي عن علي ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة. والحديث إذا صح فليس إلا التسليم له. وكل حديث أصل برأسه ومعتبر حكمه في نفسه. فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له. أو يجترئ على إبطاله بعدم النظير له. وقلة الانتباه في نوعه. والمراد ما لم يكن اقتضى من ثمنه شيئًا كما يأتي وهو مذهب الجمهور. فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلًا. أو في صفة من صفاتها فهو أسوة الغرماء ويلتحق بالبيع القرض وغيره.
(ولأبي داود أو مات) أي وجد ماله عند رجل أفلس أو مات فهو أحق به. وقال الحافظ يتعين المصير إليه. لأنها زيادة مقبولة من ثقة. فدل على أن صاحب السلعة أحق بها. ولا يلزمه القبول لو أراد الورثة أن يعطوه ثمنها. وقال أيضًا حديث حسن يحتج بمثله. أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وصححه الحاكم ورجحه الشافعي على المرسل. قال وجزم ابن العربي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي. يعني قوله فإن مات فهو أسوة الغرماء.
وذكر ابن القيم أنه موصول عن الزهري من طرق. ولا يكون مدرجًا إلا بحجة. وخبر (أو مات) قال ابن عبد البر
стр. 1292
يرويه المعتمر وهو غير معروف بحمل العلم. ثم هو غير معمول به لجعله المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري. والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء. وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما فالله أعلم.
(ولأحمد) وأبي داود وغيرهما (ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا) وفي لفظ "ولم يقض الذي باعه من ماله شيئًا" فوجد متاعه بعينه (فهو له) وفي رواية "أحق به" أي من سائر الغرماء. وهذا مذهب الجمهور. فإن اقتضى من ماله شيئًا فهو أسوة الغرماء. كما هو لفظ حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وغيره عند أبي داود وغيره. وإن كان قضى من ثمنها. شيئًا فهو أسوة الغرماء فيها. والمراد مما تقدم قبل الحجر عليه. أو بعده. لمن جهل الحجر عليه. لأنه معذور بجهل حاله وإلا فلا رجوع له في عينه. لأنه دخل على بصيرة. ويرجع بذلك بعد فك الحجر عنه. وكذا إن تصرف في ذمته بشراء أو ضمان أو نحوهما. أو أقر بدين أو جناية توجب قودًا أو مالًا صح. ويطالب به بعد فك الحجر عنه. ولا يفك الحجر عنه إلا الحاكم. وإن وفى ما عليه انفك بدونه.
* * *
стр. 1293
فصل في حجر السفه
أي في حكم الحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم. وهذا هو القسم الثاني من أقسام الحجر. فيحجر على السفيه والصغير والمجنون وقد اتفق الأئمة على أن هذه الأسباب موجبة للحجر. إذ المصلحة تعود عليهم لحظهم. والحجر عليهم عام في ذممهم وأموالهم. ولا يحتاج لحاكم. ولا يصح تصرفهم قبل الإذن.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ﴾ جمع طفل والطفل الصبي. ويقع على الذكر والأنثى ﴿مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي الاحتلام. وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد واتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ. وقال ابن رشد أجمع العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم. والجمهور وعلى الكبار إذا ظهر منهم التبذير لأموالهم.
وقال: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم ﴿حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي بلغ اليتامى من الرجال والنساء النكاح. وهو الاحتلام المذكور في الآية قبلها وغيره مما سيأتي ﴿فَإِنْ آنَسْتُم﴾ أي رأيتم ﴿مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ عقلًا وصلاحًا في الدين وحفظًا للمال. وعلمًا بما يصلحه. فعلق تعالى زوال الحجر عن الصغير ودفع المال إليه باثنين: بالبلوغ والرشد. والبلوغ إما بالسن وهو اكتمال خمس عشرة سنة. أو بالاحتلام أو الإنبات. وتزيد الجارية بالحيض.
стр. 1294
وأما الرشد فهو أن يكون مصلحًا في دينه وماله. وهو أن لا يكون مبذرًا. أولا يحسن التصرف. وهذا مذهب جمهور العلماء. وحكي الاتفاق على أن الغلام إذا بلغ غير رشيد لم يسلم إليه ماله. وإذا طرأ عليه السفه بعد الرشد يحجر عليه عند الجمهور مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وقالوا يبتدأ بالحجر عليه ولو بعد البلوغ والرشد. قال تعالى: ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال الفقهاء وغيرهم إذا بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله إنفك الحجر عنه. فيسلم له ماله الذي تحت يد وليه. لكن بهذين الشرطين. بلوغ الحلم وإيناس الرشد.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَا﴾ معشر الأولياء، ﴿إِسْرَافًا﴾ بغير حق ﴿وَبِدَارًا﴾ أي مبادرة ﴿أَن يَكْبَرُواْ﴾ أي لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عنه ولا يأكل منه شيئًا. والعفة الامتناع عما لا يحل ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا﴾ محتاجًا إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويأتي حديث عمرو بن شعيب أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم فقال "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل" قال الشيخ وغيره لوصي اليتيم أقل الأمرين من أجرة مثله أو كفايته اهـ.
ولا يلزمه عوضه إذا أيسر. لأنه عوض عن عمله فهو فيه كالأجير والمضارب ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد بلوغهم
стр. 1295
الحلم وإيناس الرشد منهم ﴿فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وهذا عند الجمهور أمر إرشاد. لتزول التهمة وتنقطع الخصومة. قال الشيخ وإن نوزع في الرشد فشهد به شاهدان قبلا. لأنه قد يعلم بالاستفاضة. ومع عدم البينة له اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ محاسبًا ومجازيًا وشاهدًا ورقيبًا على الأولياء. ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ورد المال لأنه أمين.
(وقال: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي قيمه ﴿بِالْعَدْلِ﴾ أي بالصدق والحق. وفي الاختيارات الولاية على الصبي والمجنون والسفيه تكون لسائر الأقارب. ومع الاستقامة لا يحتاج إلا الحاكم إلا إذا امتنع من طاعة الولي. وتكون الولاية لغير الأب والجد والحاكم على اليتيم وغيره. وهو مذهب أبو حنيفة ومنصوص أحمد في الأم. وأما تخصيص الولاية بالأب والجد والحاكم فضعيف جدًا، والحاكم العاجز كالعدم.
(وقال: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ قيل النساء وقيل الأولاد. والمراد كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال. ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام. وكل من كان موصوفًا بهذه الصفات. والسفه خفة العقل. ولذلك سمي الفاسق سفيهًا. لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم. ويسمى الناقص العقل سفيهًا لخفة عقله. قال ابن كثير ينهى سبحانه عن تمكين
стр. 1296
السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا. تقوم بها معائشهم من التجارات وغيرها.
ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام. فتارة يكون الحجر للصغر. فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجر للجنون. وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو البدن. وتارة للفلس. ومن أعطاهم ماله ببيع أو قرض ونحوه رجع بعينه إن بقي وإن تلف لم يصمنوه وإن أتلف فقال ابن القيم يضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال. وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها. فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض، وادعى الخطأ وعدم القصد.
(وقال ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ﴾ فضلًا عن أن تتصرفوا فيه ﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ من حفظه وتثميره والتصرف فيه بالغبطة قال الشيخ ولا يجوز أن يولى على مال اليتيم إلا من كان قويًا خبيرًا بما ولي عليه. أمينًا عليه. والواجب إذا لم يكن الولي بهذه الصفة أن يستبدل به. ولا يستحق الأجرة المسماة. لكن إذا عمل لليتامى استحق أجرة المثل. كالعمل في سائر العقود الفاسدة اهـ. والسفيه والمجنون في معنى اليتيم. وقال الشيخ وغيره يتصرف ولي المحجور عليه في ماله استحبابًا لقول عمر وغيره اتجروا بأموال اليتامى كيلا تأكلها الصدقة. ولوليه دفع ماله مضاربة بجزء من الربح لفعل عائشة وغيرها.
стр. 1297
(وقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية) أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم. وتمامها ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ أي لضيق عليكم. وما أباح لكم مخالطتهم ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ فيما صنع من تدبيره. أباح لكم مشاركتهم في أموالهم وخلطها بأموالكم في نفقاتكم. فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم. أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم.
(وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ أي تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ الآية) أي إذا كانت تحت يد أحدكم يتيمه وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء. قالت عائشة هي اليتيمه تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن ذلك. إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق.
(وفي حديث علي) عند أحمد وغيره (رفع القلم عن ثلاثة) وهو لأحمد أيضًا عن عائشة وأبي داود وابن ماجه (وفيه والصغير حتى يبلغ) ولابن ماجه أيضًا عن علي والنسائي وعطاء بن السائب عن أبي ظبيان عنه. وللطبراني عن غير واحد و (صححه الترمذي) لمجيئه من غير وجه. وإن كان فيها مقال فيعضد بعضها بعضًا. وتدل على عدم تكليف الصبي.
وفيه "والنائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق" ولا قصد لهما ما
стр. 1298
داما متصفين بتلك الصفات.
(وعنه) أي عن علي ﵁ (مرفوعًا) أنه قال ﷺ (لا يتم) اليتم الانفراد. وهو فقد الصبي أباه قبل البلوغ (بعد احتلام) فإذا احتلم زال عنه اسم اليتم حقيقة وبلغ الحلم (رواه أبو داود) وفي حديث عطية "فمن كان محتلمًا" ولا نزاع على أن الاحتلام مع الإنزال من علامات البلوغ.
(وعن ابن عمر) ﵄ (قال عرضت على النبي ﷺ يوم أحد) الغزوة المشهورة سنة ثلاث في شوال (وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني) أي لم يأذن لي بالخروج للقتال. وفي رواية فلم يجزني ولم يرني بلغت (وعرضت عليه يوم الخندق) وهي غزوة الأحزاب في شوال سنة خمس من الهجرة (وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) أي أمضاني أخرج للقتال. وفي رواية فأجازني ورآني بلغت (متفق عليه) فدل الحديث وما في معناه على أن بلوغ خمس عشرة سنة من الولادة يكون بلوغًا. ويزول عنه الحجر. وهو قول الجمهور.
(وعن عطية) القرظي ﵁ قال (عرضت) على النبي ﷺ (يوم قريظة) سنة خمس من الهجرة. وذلك أن سعد بن معاذ لما حكم بقتلهم وسبي ذراريهم. وأنكر بعضهم البلوغ فرارًا من القتل. أمر ﷺ أن يكشف عن مؤتزرهم. فمن أنبت فهو من المقاتلة فيقتل. ومن لم ينبت فهو من الذرية
стр. 1299
يسترق قال عطية (فكان من أنبت قتل) أي من أنبت الشعر الأسود الخشن المتجعد في العانة قتل (ومن لم ينبت خلي سبيله) قال فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي. رواه الخمسة وغيرهم و (صححه الترمذي) فدل الحديث على أن الإنبات من علامات البلوغ.
(وتقدم) في حكم ستر العورة (حديث: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) وحيث علق الشارع قبول صلاة الحائض بالحيض دل على اعتباره. وأنه علم على البلوغ في حقها. وقال الموفق وغيره لا نعلم فيه خلافًا. فمتى تم لصغير خمس عشرة سنة. أو نبت حول قبله شعر خشن. أو أنزل أو عقل مجنون ورشد أو رشد سفيه زال حجرهم بلا خلاف ولا ينفك حجر أحدهم قبل شروطه بحال ولو كان شيخًا كبيرًا وهو قول جمهور العلماء للآيات والأخبار ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر قبل بلوغه ليعلم رشده. ويختص الاختبار بالمراهق الذي يعرف المعاملة والمصلحة.
(وعن عروة) بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء السبعة وعلماء التابعين ثقة ثبت مات سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين (قال ابتاع عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب ولد بالحبشة. وروى عن النبي ﷺ وتوفي وله عشر سنين وتوفي عبد الله سنة ثمانين. قال عروة ابتاع (بيعًا فقال علي لآتين عثمان) أي قال علي بن أبي طالب لآتين عثمان بن عفان
стр. 1300
-﵄ فيما صنعت (فلاحجرن عليك) أي أمنعك من هذا التصرف فأرد المبيع (فاعلم) عبد الله (بن جعفر الزبير) بن العوام ﵁ (فقال أنا شريكك) أي فيما ابتعت ليتم البيع ويقوى ساعد عبد الله بشركة الزبير له) (فقال عثمان: احجر على رجل شريكه الزبير) وهو بالمكانة المرموقة (رواه الشافعي) ورواه البيهقي وأبو عبيد. ولفظه قال عثمان لعلي ألا تأخذ على يد ابن أخيك وتحجر عليه. اشترى سبخة بستين ألف درهم ما يسرني أنها لي ببغلي.
وللبيهقي قال الزبير أتحجران على رجل أنا شريكه فقالا لا. وذكر غيرها عن السلف. فدلت هذه القصة ونحوها على جواز الحجر على من كان سيء التصرف. وهو مذهب الجمهور وتقدم ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ فالسفهاء هم المبذرون أموالهم. ورد ﵊ صدقة الذي تصدق بأحد ثوبيه. والبيضة. والمعتق عبدًا له عن دبر لا مال له غيره. وذلك أن الأموال للانتفاع بها بلا تبذير. واستفاض النهي عن إضاعة المال.
(وقال ﷺ للنساء تصدقن) وذلك أنه ﷺ خطب الناس ووعظهم. ثم أتى النساء فوعظهن وحثهن على الصدقة. ومعه بلال ﵁ (فجعلت المرأة تلقي) أي تضع في ثوب بلال (القرط) نوع من حلي الأذن (والخاتم) حلي للأصبع معروف؛ ولمسلم الفتخ والخواتم وفي رواية الخاتم
следующие страницы →