← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا. تقوم بها معائشهم من التجارات وغيرها. ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام. فتارة يكون الحجر للصغر. فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجر للجنون. وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو البدن. وتارة للفلس. ومن أعطاهم ماله ببيع أو قرض ونحوه رجع بعينه إن بقي وإن تلف لم يصمنوه وإن أتلف فقال ابن القيم يضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال. وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها. فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض، وادعى الخطأ وعدم القصد. (وقال ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ﴾ فضلًا عن أن تتصرفوا فيه ﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ من حفظه وتثميره والتصرف فيه بالغبطة قال الشيخ ولا يجوز أن يولى على مال اليتيم إلا من كان قويًا خبيرًا بما ولي عليه. أمينًا عليه. والواجب إذا لم يكن الولي بهذه الصفة أن يستبدل به. ولا يستحق الأجرة المسماة. لكن إذا عمل لليتامى استحق أجرة المثل. كالعمل في سائر العقود الفاسدة اهـ. والسفيه والمجنون في معنى اليتيم. وقال الشيخ وغيره يتصرف ولي المحجور عليه في ماله استحبابًا لقول عمر وغيره اتجروا بأموال اليتامى كيلا تأكلها الصدقة. ولوليه دفع ماله مضاربة بجزء من الربح لفعل عائشة وغيرها.

стр. 1297

(وقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية) أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم. وتمامها ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ أي لضيق عليكم. وما أباح لكم مخالطتهم ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ فيما صنع من تدبيره. أباح لكم مشاركتهم في أموالهم وخلطها بأموالكم في نفقاتكم. فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم. أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم. (وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ أي تعدلوا ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ الآية) أي إذا كانت تحت يد أحدكم يتيمه وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء. قالت عائشة هي اليتيمه تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن ذلك. إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق. (وفي حديث علي) عند أحمد وغيره (رفع القلم عن ثلاثة) وهو لأحمد أيضًا عن عائشة وأبي داود وابن ماجه (وفيه والصغير حتى يبلغ) ولابن ماجه أيضًا عن علي والنسائي وعطاء بن السائب عن أبي ظبيان عنه. وللطبراني عن غير واحد و (صححه الترمذي) لمجيئه من غير وجه. وإن كان فيها مقال فيعضد بعضها بعضًا. وتدل على عدم تكليف الصبي. وفيه "والنائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق" ولا قصد لهما ما

стр. 1298

داما متصفين بتلك الصفات. (وعنه) أي عن علي ﵁ (مرفوعًا) أنه قال ﷺ (لا يتم) اليتم الانفراد. وهو فقد الصبي أباه قبل البلوغ (بعد احتلام) فإذا احتلم زال عنه اسم اليتم حقيقة وبلغ الحلم (رواه أبو داود) وفي حديث عطية "فمن كان محتلمًا" ولا نزاع على أن الاحتلام مع الإنزال من علامات البلوغ. (وعن ابن عمر) ﵄ (قال عرضت على النبي ﷺ يوم أحد) الغزوة المشهورة سنة ثلاث في شوال (وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني) أي لم يأذن لي بالخروج للقتال. وفي رواية فلم يجزني ولم يرني بلغت (وعرضت عليه يوم الخندق) وهي غزوة الأحزاب في شوال سنة خمس من الهجرة (وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) أي أمضاني أخرج للقتال. وفي رواية فأجازني ورآني بلغت (متفق عليه) فدل الحديث وما في معناه على أن بلوغ خمس عشرة سنة من الولادة يكون بلوغًا. ويزول عنه الحجر. وهو قول الجمهور. (وعن عطية) القرظي ﵁ قال (عرضت) على النبي ﷺ (يوم قريظة) سنة خمس من الهجرة. وذلك أن سعد بن معاذ لما حكم بقتلهم وسبي ذراريهم. وأنكر بعضهم البلوغ فرارًا من القتل. أمر ﷺ أن يكشف عن مؤتزرهم. فمن أنبت فهو من المقاتلة فيقتل. ومن لم ينبت فهو من الذرية

стр. 1299

يسترق قال عطية (فكان من أنبت قتل) أي من أنبت الشعر الأسود الخشن المتجعد في العانة قتل (ومن لم ينبت خلي سبيله) قال فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي. رواه الخمسة وغيرهم و (صححه الترمذي) فدل الحديث على أن الإنبات من علامات البلوغ. (وتقدم) في حكم ستر العورة (حديث: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) وحيث علق الشارع قبول صلاة الحائض بالحيض دل على اعتباره. وأنه علم على البلوغ في حقها. وقال الموفق وغيره لا نعلم فيه خلافًا. فمتى تم لصغير خمس عشرة سنة. أو نبت حول قبله شعر خشن. أو أنزل أو عقل مجنون ورشد أو رشد سفيه زال حجرهم بلا خلاف ولا ينفك حجر أحدهم قبل شروطه بحال ولو كان شيخًا كبيرًا وهو قول جمهور العلماء للآيات والأخبار ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر قبل بلوغه ليعلم رشده. ويختص الاختبار بالمراهق الذي يعرف المعاملة والمصلحة. (وعن عروة) بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء السبعة وعلماء التابعين ثقة ثبت مات سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين (قال ابتاع عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب ولد بالحبشة. وروى عن النبي ﷺ وتوفي وله عشر سنين وتوفي عبد الله سنة ثمانين. قال عروة ابتاع (بيعًا فقال علي لآتين عثمان) أي قال علي بن أبي طالب لآتين عثمان بن عفان

стр. 1300

-﵄ فيما صنعت (فلاحجرن عليك) أي أمنعك من هذا التصرف فأرد المبيع (فاعلم) عبد الله (بن جعفر الزبير) بن العوام ﵁ (فقال أنا شريكك) أي فيما ابتعت ليتم البيع ويقوى ساعد عبد الله بشركة الزبير له) (فقال عثمان: احجر على رجل شريكه الزبير) وهو بالمكانة المرموقة (رواه الشافعي) ورواه البيهقي وأبو عبيد. ولفظه قال عثمان لعلي ألا تأخذ على يد ابن أخيك وتحجر عليه. اشترى سبخة بستين ألف درهم ما يسرني أنها لي ببغلي. وللبيهقي قال الزبير أتحجران على رجل أنا شريكه فقالا لا. وذكر غيرها عن السلف. فدلت هذه القصة ونحوها على جواز الحجر على من كان سيء التصرف. وهو مذهب الجمهور وتقدم ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ فالسفهاء هم المبذرون أموالهم. ورد ﵊ صدقة الذي تصدق بأحد ثوبيه. والبيضة. والمعتق عبدًا له عن دبر لا مال له غيره. وذلك أن الأموال للانتفاع بها بلا تبذير. واستفاض النهي عن إضاعة المال. (وقال ﷺ للنساء تصدقن) وذلك أنه ﷺ خطب الناس ووعظهم. ثم أتى النساء فوعظهن وحثهن على الصدقة. ومعه بلال ﵁ (فجعلت المرأة تلقي) أي تضع في ثوب بلال (القرط) نوع من حلي الأذن (والخاتم) حلي للأصبع معروف؛ ولمسلم الفتخ والخواتم وفي رواية الخاتم

стр. 1301

والخرص والشيء فدل الحديث على جواز تصرف المرأة في مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها لعدم استفصال الشارع وهو مذهب جماهير العلماء قال البيهقي يدل عليه الكتاب والسنة والآثار والعقل. (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (كل من مال يتيمك) وذلك أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني فقير ليس لي شيء. ولي يتيم. وهو من مات أبوه ولم يبلغ. فقال "كل من مال يتيمك" وارشده ﷺ إلى الأكل بالمعروف فقال (غير مسرف) أي مجاوز الحد في الأكل منه (ولا مبذر) مفرق له في كل وجه. ويفسر أحدهما بالآخر وهذا كقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ﴾ (ولا متأثل) أي مدخر من مال اليتيم لنفسه ما يزيد على قدر ما يأكله. والتأثل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم (رواه الخمسة) وغيرهم (إلا الترمذي) وقال الحافظ إسناده قوي. وولي اليتيم وكذا المجنون والسفيه حال الحجر الأب. لكمال شفقته. ثم وصيه. ثم الحاكم. وتكون لغيرهم. كما قال الشيخ. وتقدم قوله لا يجوز أن يولى على مال اليتيم إلا من كان قويًا خبيرًا بما ولي عليه. أمينًا عليه. والواجب أنه إذا لم يكن بهذه الصفة أن يستبدل به. ودل الحديث على أن للولي الفقير الأكل من مال موليه بالمعروف وهو الأقل من كفايته. أو

стр. 1302

أجرة عمله. وهذا مذهب الجمهور. وبه قال الشيخ وغيره. وعليه أن يتصرف له بالأجرة بلا نزاع. وله أن يدفعه لمن يتجر فيه مضاربة بجزء معلوم من الربح. فعائشة أبضعت مال محمد ابن أبي بكر. وله البيع نسأ. وله القرض والرهن والإيداع. وشراء العقار وبناؤه لمصلحته. ولا يبيعه إلا لضرورة أو غبطة. أو مصلحة عامة كبناء مسجد. لقصة شراء مسجد المدينة من اليتيمين. وقال الشيخ ليس للناظر وولي اليتيم أن يسلم ما يتصرف فيه إلا بإجارة شرعية. وله شراء أضحية لموسر لأنه يوم سرور وفرح ليحصل بذلك جبر قلبه. وقال يستحب إكرام اليتيم وإدخال السرور عليه. ودفع الإهانة عنه. فجبر قلبه من أعظم مصالحه. باب الوكالة هي بفتح الواو وقد تكسر التفويض والحفظ. تقول وكلت فلانًا. إذا استحفظته ووكلت الأمر إليه بالتخفيف إذا فوضته إليه. وهي في الشرع إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا. قال الوزير اتفقوا على أن الوكالة من العقود الجائزة في الجملة. وأن كل ما جازت النيابة فيه من الحقوق جازت الوكالة فيه كالبيع والشراء والإجارة وقضاء الديون والخصومة في المطالبة بالحقوق والتزويج والطلاق وغير ذلك. ووكل عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف. وقال ابن المنذر

стр. 1303

توكيل المسلم حربيًا مستأمنًا وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا لا خلاف في جوازه، اهـ. وتصح بكل قول أو فعل دال على الإذن وتصح مؤقتة ومعلقة بشرط. قال ابن القيم كما صحت به السنة. ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه. وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. ولدعاء الحاجة إليها إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه. (قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ أي أرسلوا ﴿أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ﴾ فضتكم ﴿هَذِهِ﴾ فإنه كان معهم دراهم ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد. قيل هي طرسوس ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أطيب طعامًا ﴿فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي قوت وطعام تأكلونه. فدلت الآية الكريمة على صحة التوكيل في البيع والشراء. فكذا سائر العقود كالإجارة والقرض والمضاربة والإبراء وما في معنى ذلك. (وقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ أي قال يوسف لعزيز مصر. ولني أمر خزائن أرض مصر. والخزائن جمع خزينة. وأراد خزائن الأموال. والطعام ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾ أي حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. ويجوز للرجل مدح نفسه إذا جهل أمره للحاجة. وسؤال العمل إذا علم قدرته عليه. وفيها دليل على أن من له التصرف في شيء فله التوكيل فيه.

стр. 1304

وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إذا كان يتولاه مثله. ولم يعجزه إن لم يؤذن له فيه. فإن أذن له جاز بغير خلاف. (وقال والعاملين عليها) أي الساعين في قبض الزكاة فدلت الآية على جواز الوكالة في قبض الزكاة ولا نزاع في ذلك. (وكان ﷺ يبعث عماله في قبض الزكاة) كما هو متواتر من غير وجه وفي الصحيحين أنه ﷺ بعث عمر على الصدقة. ومعاذًا وغيرهما مما هو معلوم بالضرورة (وتفريقها) أي ويأمر بتفريق الزكاة. وقال "إن الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا طيبة به نفسه حيث يدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين" وجاء فيه أحاديث شهيرة. بل قال أبو هريرة وكلني النبي ﷺ في حفظ زكاة رمضان. ووضع يزيد دنانير عند رجل في المسجد يتصدق بها. فدفعها إلى ابنه معن. وقال النبي ﷺ "لك ما نويت يا يزيد" رواه البخاري. فتصح الوكالة في كل حق لله تعالى تدخله النيابة من قبض زكاة وتفرقتها. وصدقة ونذر وكفارة ونحو ذلك بلا نزاع. وكحج وعمرة عن الغير كما تقدم. وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث فلا يصح التوكيل فيها. لأنها تتعلق ببدن من هي عليه (ويأمر بإقامة الحدود) أي وكان ﷺ يأمر بإقامة الحدود. فقال اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فاعترفت فرجمها. ويأتي.

стр. 1305

ووكل عثمان عليًا في إقامة حد الشرب على الوليد. وغير ذلك مما هو معلوم يدل على جواز الوكالة في إقامة الحدود. ولأن الحاجة تدعو إليه. إذ الإمام لا يمكنه تولي ذلك بنفسه. وحكم القاضي في ذلك حكم الإمام. لأنه قد يؤدي ذلك إلى تعطيل مصالح الناس العامة. فأشبه من وكل فيما لا تمكنه مباشرته عادة لكثرته ويجوز في حضرة الموكل وغيبته. وتصح الوكالة أيضًا في إثبات الحدود ولا تصح في الظهار. لأنه قول منكر ولا اللعان ولا الإيمان. ولا القسامة ولا القسم بين الزوجات. والرضاع والالتقاط والاغتنام والغصب والجنابة ونحو ذلك. لتعلق ذلك بعين الفاعل. ولا تدخلها النيابة. (وأمر) ﷺ (عليًا) عام حجة الوداع بعد أن نحر من هديه ثلاثًا وستين (بنحر بقية بدنه) كما تقدم في الهدي وفيه "وأمره بقسم جلودها وجلالها" وأعطى النبي ﷺ عقبة بن عامر غنمًا أضحية يقسمها بين أصحابه. فدل على صحة التوكيل في نحر الهدي والأضحية وهو إجماع. إذا كان الذابح مسلمًا. وجواز التوكيل في قسم جلودها وجلالها. وقسم الأضاحي. وقال ابن بطال وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل لا أعلم فيه خلافًا. (واستسلف بكرًا كما تقدم) في القرض (وأمر أبا رافع أن

стр. 1306

يقضيه من إبل الصدقة) فدل الحديث على جواز التوكيل في قضاء القرض ونحو ذلك. (ووكله) أي وكل النبي ﷺ أبا رافع (وعمرو بن أمية) بن خويلد الضمري (في قبول النكاح) وذلك أن أبا رافع تولى قبول نكاح ميمونة بنت الحارث له ﷺ وهو بالمدينة قبل أن يخرج وعمرًا تولى نكاح أم حبيبة وهي بالحبشة رواه مالك وغيره. وهو دليل على جواز التوكيل في عقد النكاح من الزوج. ولا خلاف في ذلك. وكذا الطلاق كما يأتي. وفيه وما قبله صحة قبول الوكالة على الفور والتراخي. وصحة قبول الوكالة بكل قول أو فعل دال عليه. فإن قبول وكلائه ﷺ كان بفعلهم. وكان متراخيًا عن توكيله إياهم. ولأنه إذن في التصرف. والإذن قائم ما لم يرجع عنه. (وقال) يعني رسول الله ﷺ (لجابر) بن عبد الله وذلك أنه لما أراد الخروج إلى خيبر أتى النبي ﷺ فقال له (إذا أتيت وكيلي) أي عاملي (بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقًا فإن ابتغى آية) أي علامة (فضع يدك على ترقوته) وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. لأني قلت له إن العلامة التي بيني وبينك إذا جاءك أحد يطلب منك شيئًا عن لساني أن يضع يده على ترقوتك. فإن فعل ذلك فاعلم أنه يصدق فيما يقول. وقال ابن القيم نزل ﷺ هذه العلامة منزلة البينة التي تشهد أنه أذن له أن يدفع له ذلك. كما نزل الصفة للقطة منزلة

стр. 1307

البينة. بل هذا نفسه بينة. إذ البينة ما بين الحق من قول أو وصف اهـ. ولأن الأمانة طوق في الرقبة (رواه أبو داود) وغيره. وفيه دليل على صحة الوكالة فيها. وأن للإمام أن يوكل ويقيم عاملًا على الصدقة في قبضها ودفعها إلى مستحقها. وإلى من يرسله إليه بإمارة. وفيه جواز العمل بالإمارة. وقبول قول الرسول إذا عرف المرسل إليه صدقة. وقيل له الامتناع من الدفع إليه حتى يشهد عليه بالقبض. وفيه أيضًا دليل على جواز اتخاذ علامة بين الوكيل وموكله. لا يطلع غيرهما. وفي الاختيارات. والذي يجب أن يقال أن الغريم متى غلب على ظنه أن الموكل لا ينكر وجب عليه التسليم فيما بينه وبين الله تعالى كالذي بعثه النبي ﷺ إلى وكيله وعلم له علامة. فهل يقول أحد إن ذلك الوكيل لا يجب عليه الدفع؟. وأما في القضاء فقيل إن كان الموكل عدلًا وجب الدفع. لأن العدل لا يجحد. والظاهر أنه لا يستثنى فإذا دفع من عنده الحق إلى الوكيل ذلك الحق. ولم يصدقه أنه وكيل. وأنكر صاحب الحق الوكالة. رجع عليه اتفاقًا. قال الشيخ ومجرد التسليم ليس تصديقًا. (وله) أي لأبي داود وغيره (عن يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي. ويقال ابن منية قتل

стр. 1308

يوم صفين مع علي ﵄ أنه ﷺ قال له: (إذا أتتك رسلي) وكان عزم أن يرسل إليه في عارية دروع وابل. قال (فأعطهم ثلاثين درعًا) الدرع قميص من زرد الحديد يلبس وقاية من السلاح (وثلاثين بعيرًا) البعير يقع على الذكر والأنثى من الإبل. وفيه دليل على جواز التوكيل من المستعير لقبض العارية. فشمل ما تقدم جواز التوكيل فيما تدخله النيابة. وهي عقد جائز من الطرفين. لأنها من جهة الموكل إذن. ومن جهة الوكيل بذل نفع. والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط. ويقبل قوله في نفي التفريط والهلاك مع يمينه. ولا يكلف بينة. لأنه مما يتعذر إقامة البينة عليه ولئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها. قال الشيخ والوكيل في الضبط والمعرفة مثل من وكل رجلًا فيما له وما عليه كأهل الديوان. فقوله أولى بالقبول من وكيل التصرف. لأنه مؤتمن على نفس الإخبار بما له وما عليه. ونظيره إقرار كاتب الأمراء وأهل ديوانهم بما عليه من الحقوق. وإقرار كاتب السلطان بما على بيت المال. وسائر أهل الديوان ما على جهاتهم من الحقوق. ومن ناظر الوقف وعامل الصدقة والخراج ونحو ذلك. فإن هؤلاء لا يخرجون عن ولاية أو وكالة اهـ. وإن اختلفا في رد العين أو ثمنها إلى الموكل فالبينة

стр. 1309

على المدعي واليمين على من أنكر فهي كلمة جامعة شاملة لا فرق بين متطوع أو بجعل. (وقال) رسول الله ﷺ لما جهز جيش غزو مؤتة في نحو ثلاثة آلاف سنة ثمان من الهجرة إلى البلقاء من الشام (أميركم زيد) بن حارثة بن شراحيل القضاعي مولى رسول الله ﷺ (فإن قتل فجعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب. فهو ابن عم النبي ﷺ (فإن قتل فـ) عبد الله (بن رواحة) ابن ثعلبة الخزرجي الأنصاري ﵃. ولما انتهوا إلى البلقاء لقيهم جموع هرقل في نحو مائتي ألف. وانحاز المسلمون إلى قرية مؤتة. فاقتتلوا. وقتل زيد براية رسول الله ﷺ ثم أخذها جعفر فقتل. ثم ابن رواحة فقتل. ثم اصطلح الناس على خالد بن الوليد فدافع القوم. ولما أصبحوا جعل المقدمة مؤخرة. والميمنة ميسرة. فرعب العدو. وفتح على المسلمين فدل الحديث على صحة الوكالة ولو واحدًا بعد واحد معلقة على موت الأول أو مؤقته كفلان شهرًا ثم فلان واتفقوا على أنه إن عزل الوكيل انعزل. ومذهب الشافعي لا ينعزل إلا بعد العلم. وعن أحمد كذلك. واختاره الشيخ. وقال هو الصواب. لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة. وربما باع الجارية فيطؤها المشتري. ويجب ضمانه فيتضرر المشتري والوكيل. وعليه فمتى تصرف قبل علمه فتصرفاته صحيحة، وهو

стр. 1310

قول أبي حنيفة، حتى أنه لا يعزل نفسه إلا بحضرة الموكل، وقال الشيخ: وعلى القول بالعزل فتصرفاته صحيحة أيضًا. وعند الجمهور لا يبيع لنفسه ولا يشتري من نفسه لئلا تلحقه التهمة. وحيث حصلت التهمة لم يصح. وعن أحمد جوازه إذا زاد على مبلغ ثمنه. وفي الإنصاف احتمال لا يعتبر. لأن دينه وأمانته تحمله على الحق. وربما زاد خيرًا. ومحل الخلاف ما لم يأذن له وإلا جاز. ويتولى طرفي العقد. (وعن عروة) بن الجعد ويقال ابن أبي الجعد (البارقي) حضر فتوح الشام ونزلها. وسيره عثمان إلى الكوفة. قيل رؤي في داره ستين فرسًا مربوطة (أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري له به شاة) وفي لفظ أضحية (فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار) ضرب معروف من الذهب (وجاءه بدينار وشاة) وروي من حديث حكيم بن حزام نحوه (فدعا له بالبركة) في بيعه (رواه البخاري) وفيه وكان لو اشترى ترابًا لربح فيه ببركة دعائه ﷺ وفيه وفي غيره مما تقدم وغيره ما ينيف على ثلاثين حديثًا تدل على صحة الوكالة فيما تقدم وغيره وتقدم أنه إجماع. وفي هذا الحديث دليل على صحة العقد الموقوف. وهو مذهب جماعة من السلف. وأنه يجوز للوكيل إذا قال له الموكل اشتر بهذا الدينار شاة مثلًا ووصفها أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة. لأن مقصود الموكل قد حصل. وزاده الوكيل خيرًا.

стр. 1311

ومثله لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها بدرهمين. أو أن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم. وفيه دليل على صحة بيع الفضولي. وهو مذهب الجمهور. وفيه استحباب الشكر على الصنيعة ولو بالدعاء. وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه أن لم يرض موكله. فإن جهل الوكيل عيبه رده. باب الشركة بفتح وكسر وكسر وسكون. وهي لغة الاختلاط. وشرعًا اجتماع في استحقاق أو تصرف. فشركة الاستحقاق كثبوت ملك في عقاب بين اثنين فأكثر بإرث ونحوه. أو منفعة دون العين. وشركة التصرف في العقود من بيع ونحوه. وهي المقصودة هنا. وهي خمسة أنواع شركة عنان ومضاربة وشركة وجوه وشركة أبدان وشركة مفاوضة والشركة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. (قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء﴾ أي الشركاء ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي ليظلم بعضهم بعضًا ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ أي قليل هم والمراد أن الصالحين الذين لا يظلمون قليل. فدلت الآية على جواز الشركة في الأملاك والعقود. والمنع من ظلم الشريك شريكه. (وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال قال الله تعالى أنا

стр. 1312

ثالث الشريكين) أي فيحصل بتلك المعية الخاصة الحفظ والرعاية والإمداد وإنزال البركة في تجارتهما (ما لم يخن أحدهما صاحبه) فيما تشاركا فيه (فإذا خانه) أي فإذا حصلت الخيانة من أحدهما (خرجت من بينهما) فنزعت البركة من تجارتهما (رواه أبو داود) وزاد رزين "وجاء الشيطان" أي دخل بينهما "وكان ثالثًا لهما" وفيه مشروعية الشركة. والحث عليهما واستحبابها مع عدم الخيانة. لأن كل واحد من الشريكين يسعى في غبطة صاحبه. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وفيه التحذير من الشركة مع الخيانة. (وله عن السائب) بن أبي السائب المخزومي. وكان من المؤلفة قلوبهم. وممن حسن إسلامه. ومن المعمرين حتى إنه عاش إلى زمن معاوية (أنه كان شريك النبي ﷺ في الجاهلية) ولابن ماجه "كنت شريكي في الجاهلية " وفي لفظ "قبل البعثة" في التجارة (فجاء يوم القتح) يعني فتح مكة سنة ثمان في رمضان (فقال) أي النبي ﷺ (مرحبًا) أي لقيت رحبًا وسعة. أو رحب الله بك مرحبًا (بأخي) أي في الإسلام لما أسلم (وشريكي) أي في التجارة في الجاهلية "وكان لا يماري ولا يداري" أي لا يمانع ولا يحاور. وفي لفظ أن السائب أتى النبي ﷺ فجعلوا يثنون عليه ويذكرونه فقال "أنا أعلمكم به. فقال: صدقت بأبي أنت وأمي كنت شريكي فنعم الشريك لا تداري ولا تماري" رواه أبو نعيم

стр. 1313

وغيره عن ابن السائب. فدل على جواز الشركة وأنها كانت ثابتة قبل الإسلام. ثم قررها الشارع على ما كانت عليه وفيه ما كان عليه ﷺ من حسن الخلق وحسن المعاملة. والرفق قبل النبوة وبعدها وجواز السكوت من الممدوح عند سماع من يمدحه بحق. (وقال ابن عباس) ﵄ (أكره أن يشارك المسلم اليهودي) وكذا النصراني لأنهما لا يؤمنان أن يعاملا في الربا. أو يشتريا بمال الشركة خمرًا أو ميتة. أما غير الكتابي كالمجوسي والوثني فمكروهة. ولو كان المسلم يلي التصرف. (وعن المنهال) بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي (أن زيد بن أرقم والبراء) بن عازب ﵄ (كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة) وشراء الفضة بنسيئة تقدم أنه لا يجوز لخبر "الفضة بالفضة، يدًا بيد، سواء بسواء" وكذا الذهب بالذهب" (فقال النبي ﷺ ما كان بنقد فاجيزوه" لقوله ﷺ "يدًا بيد سواء بسواء" وما كان بنسيئة فردوه ولقوله: "ولا يباع منها غائب بناجز" (رواه البخاري) وكذا لا يجوز بيع أحد النقدين بالآخر إلا يدًا بيد. وتقدم موضحًا في باب الربا. فدل الحديث على جواز الشركة في الدراهم والدنانير. قال ابن بطال وهو إجماع. وذهب الجمهور إلى الصحة في غير

стр. 1314

النقدين من كل ما يتملك. ولا يشترط خلط المالين إذا عيناهما. أو أحضراهما. وهو مذهب الجمهور. ثم يتصرفان جميعًا إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه إجماعًا. ولكل منهما التصرف بما هو من مصلحة تجارتهما. وأن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا. ومتى اقتسما رجع كل منهما بماله. ثم اقتسما الربح وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما. (وخرج ابنا عمر) عبد الله وعبيد الله ﵃ (في جيش) أنفذه عمر ﵁ (فاستسلفا من أبي موسى) حين لقياه بالبصرة منصرفهما من غزوة نهاوند (مالًا) وكان اجتمع عنده مال أراد إرساله إلى عمر. فاستقرضاه منه وضمناه له (وابتاعا به متاعًا) وقدما به المدينة وباعاه (فربحا فيه). وقيل: إنه أراد عمر أخذ رأس المال والربح كله. فقالا لو كان تلف كان ضمانه علينا فكيف لا يكون ربحه لنا؟! فقال رجل يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا. فقال قد جعلته قراضًا (فأخذ منهما عمر) ﵁ (نصف الربح رواه مالك) والشافعي والدارقطني. وقال الحافظ: إسناده صحيح. وقد اعتمد الفقهاء على هذا الأثر في باب المضاربة أن الربح مما حصل من منفعة بدن هذا ومال هذا يكون بينهما. وقال الشيخ والربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة به

стр. 1315

قيل للمالك. وقيل للعامل. وقيل بينهما على قدر النفعين بمعرفة أهل الخبرة. قال وهو أصحها وبه حكم عمر. إلا أن يتجر به على غير وجه العدوان. مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيتبين مال غيره. فهنا يقتسمان الربح بلا ريب. ودلت هذه الآثار وما في معناها على جواز شركة العنان. وهي أن يشتركا بماليهما المعلوم ليعملا فيه ببدنيهما. وينفذ تصرف كل منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه. وتجوز المضاربة بالدين. قال ابن القيم وهو الراجح في الدليل. وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جوازه. ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع. ولا وقوعًا في محظور ولا غرر ولا مفسدة. وتجويزه من محاسن الشريعة. (وفي الصحيحين) وغيرهما عن أبي موسى ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال إن الأشعريين) قبيلة أبي موسى الأشعري مشهورين باليمن (إذا قل طعامهم) وفي رواية: "إذا أرملوا أو قل طعامهم (جمعوا متاعهم) وفي رواية "جمعوا عندهم ثم اقتسموا بالسوية، وفي رواية "في إناء واحد بالسوية (فهم مني وأنا منهم) قال الحافظ أي هم متصلون بي. وقيل فعلوا فعلي في هذه المواساة. وقال النووي معناه المبالغة في اتحاد طريقهما وإنفاقهما في طاعة الله. وطريقة السلف أجراؤه على ظاهره. وللبخاري من حديث جابر أن الصحابة اشتركوا في أزوادهم في غزوة الساحل. ومن حديث سلمة أنهم

стр. 1316

جمعوا ازوادهم فدعا لهم فيها بالبركة. ولهما شواهد تدل على جواز الاشتراك في جميع أنواع المال. فصل في المضاربة وهي دفع مال مضاربة لمتجر به ببعض ربحه مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر. لما كان الربح يحصل في الغالب بالسفر. أو من الضرب في المال. وهو التصرف. والعامل مضارب وتسمى المضاربة قراضًا ومعامَلَة قال ابن القيم: المضارب أمين وأجير ووكيل وشريك. فأمين إذا قبض المال. ووكيل إذا تصرف فيه. وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل. وشريك إذا ظهر فيه الربح. وقال ابن حزم كل أبواب الفقه لها أصل من الكتاب والسنة حاشى القراض فما وجد له أصل فيهما ألبتة. ولكن إجماع صحيح مجرد. والذي نقطع به أنه كان في عصره ﷺ فعلم به وأقره. ولولا ذلك لما جاز، اهـ. بل المضاربة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة. (قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ أي ذو أعذار في ترك قيام الليل ﴿يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يسافرون في الأرض ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ يطلبون من رزق الله في المكاسب والمتاجر. والمضاربة من الضرب في الأرض للاتجار. فدلت الآية على جواز المضاربة. واشتهرت في عصر النبوة وبعده. لا ينازع في ذلك منازع. وأجمعوا على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه. أو ما يجمعان عليه. بعد أن

стр. 1317

يكون ذلك معلومًا بجزء من أجزاء. فمن شرط صحتها تقدير نصيب العامل. لأنه يستحقه بالشرط. فلم يقدر إلا به. وإن قال والربح بيننا فنصفان. أو لي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح. والباقي للآخر. وإن اختلفا لمن الجزء المشروط فللعامل لاستحقاقه له بالعمل. ولا نفقة لعامل إلا بشرط. وقال الشيخ وابن القيم أو عادة. (وقارض) من القرض في الأرض وهو قطعها بالسير فيها. وهو المضاربة من الضرب في الأرض. فقد قارض (ابن مسعود وغيره) من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. فروى الشافعي أن ابن مسعود أعطى زيد بن جليدة مالاً مقارضة. يعني مضاربة يتجر فيه ببعض الربح وروى مالك عن العلاء عن أبيه أنه عمل في مال لعثمان على أن الربح بينهما. وروى البيهقي أن عمر أعطى مال يتيم مضاربة. وتقدم خبر ابني عمر وغيره مما يدل على أن المضاربة مما كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير فكان إجماعًا منهم على الجواز. ولابن ماجه من حديث صهيب "ثلاث فيهن البركة" منها المقارضة وهي دفع مال لمتجر به ببعض ربحه. (وكان حكيم بن حزام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. قال ولدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة. وقيل في جوف الكعبة. وهو من سادات قريش. وأسلم عام الفتح. وكان من المؤلفة. وأعطي مائة بعير. وفي الصحيح "من دخل

стр. 1318

دار حكيم فهو آمن" وعاش مائة وعشرين سنة وكان (يشترط على من أعطاه مالًا مقارضة) أي مضاربة بسهم معلوم للعامل (ألا يجعله في كبد رطبة) أي لا يشتري به الحيوانات لأن ما كان له روح عرضة للهلاك بطرو الموت عليه. (ولا يحمله في بحر) مخافة الغرق (ولا ينزل به بطن مسيل) فيهجم عليه السيل فيتلفه. وهذه الثلاثة من أخطر ما يكون (فإن فعل ضمن) لتعديه ما شرط عليه. وتفريطه بتعرضه لهلاك المال (رواه الدارقطني) والبيهقي. وقوى الحافظ إسناده فدل على جواز نحو هذه الشروط وعلى هذه المضاربة وفي تجويز المضاربة أيضًا آثار عن جماعة من الصحابة –﵃. وأما اشتراط النفقة فيها ففي الاختيارات لا نفقة للمضارب إلا بشرط أو عادة. فإن شرطت مطلقًا فله نفقة مثله طعامًا وكسوة. وقد يخرج لنا أن للمضارب في السفر زيادة على نفقة الحضر. كما قلنا في الولي إذا أحج الصبي اهـ. وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه. وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال. (وعن ابن مسعود) ﵁ (قال اشتركت) أي: وقعت شركة بيني (أنا وعمار) بن ياسر، (وسعد) بن أبي وقاص (فيما نصيب يوم بدر) الوقعة

стр. 1319

المشهورة في السنة الثانية من الهجرة (فجاء سعد بأسيرين) وأخفق الآخران. قال ابن مسعود (ولم أجئ أنا وعمار بشيء) وأقرت شركتهم (رواه أبو داود) والنسائي وغيرهما. قال أحمد أشرك بينهم النبي – ﷺ . فدل على صحة الشركة في المكاسب. وتسمى شركة الأبدان. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم. وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما. وما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله أو يوكل كل منهما صاحبه أن يتقبل أو يعمل عنه في قدر معلوم. ويعينان الصنعة. أو على أجرة وعمل وما يحصل لهما بعد العمل والأجرة مشترك بينهما. وتصح شركة الأبدان في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات. قال الشيخ وتصح شركة دلالين وجعلها بمنزلة خياطة الخياط. وتجارة التاجر. وموجب العقد المطلق التساوي في العمل والأجر. ومن عمل أكثر وطلبه فله بقدره. وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما وإن طالبه الصحيح أن يقيم غيره مقامه لزمه. (وله عن رويفع) بن ثابت بن السكن من بني مالك بن النجار الأنصاري ﵃ توفي ببرقة سنة ست وخمسين (إن كان أحدنا) يعني الأنصاري بالمدينة (ليأخذ نضو أخيه) النضو المهزول من الإبل فيعلفه ويركبه (على أن له النصف مما يغنم) وذلك في عهد النبي ﷺ فدل على جواز أخذ الرجل راحلة صاحبه في الجهاد على أن تكون الغنيمة بينهما. وكذا غيره

стр. 1320

من سائر المكاسب المباحة. وذكر بعض أهل العلم شركة الوجوه، وهي: أن يشتركا في ذمتيهما بجاههما فما ربحاه فبينهما على ما شرطاه. والوضيعة على قدر ملكيهما. وهي كشركة العنان. لأنها في معناهما فأعطيت حكمها. وذكروا شركة المفاوضة، وهي: أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي أو بدني من أنواع الشركة. وهي الجمع بين عنان ووجوه ومضاربة وأبدان. فتصح لأن كل واحد منها يصح منفردًا فصح مع غيره كحالة الانفراد. باب المساقاة أي والمزارعة. والمساقاة من السقي. سميت بذلك لأنه أهم أمرها بالحجاز. وهي دفع شجر له ثمر يؤكل. ولو غير مغروس. إلى آخر ليقوم بسقيه. وما يحتاج إليه بجزء معلوم من ثمر نفس الشجر للمالك. وللعامل الباقي. أو على الشطر والشطر الثاني للعامل. بحسب ما يصطلحان عليه. والمزارعة مفاعلة من الزراعة. وهي دفع أرض لمن يعمل عليها أو أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه. أو حب مزروع ينمى بالعمل لمن يقوم عليه بجزء معلوم. قال الشيخ هما أصل من المواجرة وأقرب إلى العدل والأصول. فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم اهـ.

стр. 1321

ويصحان بما يؤدي المعنى. وهما جائزتان بعموم الكتاب والسنة والإجماع. فإن المكاسب من الضرب في الأرض وابتغاء فضل الله. وكان أهل المدينة أهل حرث. وكثير من أهل الأشجار والأراضي يعجزون عن عمارتها وسقيها. ولا يمكنهم الاستئجار عليها. وكثير من الناس لا أرض لهم ولا شجر ويحتاجون إلى الثمر. والعمل فيه من ابتغاء فضل الله. وهو من أحل المكاسب والسنة طافحة بذلك. وفيه فضل إذا لم يشغل عن الأمور المطلوبة ففي الصحيحين "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كان له صدقة". (عن ابن عمر) ﵄ (قال عامل النبي ﷺ أهل خيبر) بعد أن فتحها الله عليه سنة سبع (بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع متفق عليه) ولمسلم "دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولهم شطر ثمرها" والشطر هنا بمعنى النصف. ولأحمد "دفع خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف" فدل الحديث على صحة المساقاة والمزارعة. وهو قول الخلفاء وفقهاء الحديث وعمل المسلمين في جميع الأعصار والأمصار. وأنه لا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض. وهو الذي عليه عمل الناس. وثبت أن عمر قال إن جاء عمر بالبذر من عنده فالشطر. وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. واشتهر فلم ينكر. ودل على بيان

стр. 1322

الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع أو غيرهما من الأجزاء المعلومة. فلا يجوز على مجهول. (وفي رواية نقركم بها) أي نمكنكم على ذلك (ما شئنا) أي إلى أن نشاء إخراجكم. لأنه ﷺ كان عازماً على إخراجهم من جزيرة العرب. وتقدم أنهم أقروا حتى أجلاهم عمر ﵁. فدل على صحة المساقاة والمزارعة وإن كانت المدة مجهولة. (وقال أبو جعفر) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي ثقة فاضل توفي سنة ١١٥هـ (عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بالشطر) مما يخرج منها (ثم أبو بكر) ﵁ مدة خلافته (ثم عمر) ﵁ مدة خلافته (وعثمان) ﵁ كذلك (وعلي) ﵁ كذلك (ثم أهلوهم) آل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (إلى اليوم) يعني إلى عصر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃, قال أبو جعفر (يعطون الثلث والربع) مما يخرج من ثمر أو زرع. وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع. وزارع علي وسعد بن

стр. 1323

مالك وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل علي وآل عمر. وعن طاووس أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع. فهو يعمل به إلى يومك هذا. رواه ابن ماجه. وذكر البخاري وغيره آثاراً كثيرة عن السلف توجب أنه لم ينقل خلاف في الجواز. وتمسك بذلك الجمهور. وقالوا يجوز العقد على المساقاة والمزارعة مجتمعتين. فتساقيه على النخل وتزارعه على الأرض. كما جرى في خيبر. ويجوز العقد على كل واحدة منهما منفردة. وفيه أيضاً بيان الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع أو غيرهما من الأجزاء المعلومة. وقال ابن القيم في قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع. فإنه ﷺ عامل أهل خيبر واستمر على ذلك إلى حين وفاته ﷺ ولم ينسخ البتة. واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه. وليس هذا من باب المواجرة في شيء بل من باب المشاركة وهو نظير المضاربة سواء اهـ. ومذهب أحمد وغيره أن المساقاة والمزارعة عقد جائز قياساً على المضاربة. والجمهور على أنه عقد لازم دفعاً للضرر. وقيل عليه العمل. واختاره الشيخ وغيره. وعليه فحكمها حكم الإجارة اللازمة. وعلى الأول إن فسخ المالك فللعامل الأجرة وإن فسخ العامل فلا شيء له. وفي التبصرة جائزة من قبل العامل لازمة من جهة المالك.

стр. 1324

وذكره الشيخ حمد بن معمر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وأنه عليه العمل. وقال شيخ الإسلام إذا ترك العامل العمل حتى فسد الثمر فينبغي أن يجبر عليه ضمان نصيب المالك. لأن ترك العمل من غير فسخ العقد حرام وغرر. وهو سبب في عدم الثمر. وقال إذا فسدت المساقاة أو المزارعة استحق العامل نصيب المثل. وهو ما جرت العادة في مثله. لا أجرة المثل. وقال الصحيح من قولي العلماء أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل. فيجب من الربح أو النماء إما مثله وإما نصفه كما جرت العادة في مثل ذلك. ولا يجب أجرة مقدرة. فإن ذلك قد يستغرق المال. وأضعافه. وإنما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح. ليس هو أجرة مسماة بل جزء مشاع من الربح مسمى. فيجب في الفاسد نظير ذلك. (وقال رافع بن خديج) بن رافع بن عدي بن زيد بن جشم الخزرجي الأنصاري عرض يوم بدر وأجيز يوم أحد وشهدها وما بعدها قيل مات سنة ثلاث وسبعين وقال البخاري مات زمن معاوية ﵄. قال (كراء الأرض) أي إجارتها (بالذهب والفضة) ولأبي داود وغيره عنه مرفوعاً "أما بالذهب والفضة فـ (ـلا بأس به) وما نهي عنه فلأجل الجهالة والغرر والحظر. وأما بشيء معلوم فلا. وذكر ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. ونقل

стр. 1325

ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه. قال رافع (إنما كان الناس يؤاجرون) أي يكرون أراضيهم للزرع ونحوه (على عهد رسول الله ﷺ ) فيكون لهم ما (على الماذيانات) مجاري الماء وما ينبت حول السواقي. والماذيانات الأنهار كلمة أعجمية (وأقبال الجداول) بفتح الهمزة أوائل السواقي جمع جدول. وهو النهر الصغير (وأشياء من الزرع) يعني مجهولة المقدار (فيهلك هذا) بكسر اللام (ويسلم هذا) أي ربما يهلك هذا وربما يسلم هذا دون الآخر (ولم يكن للناس كراء إلا هذا) يعني الشيء المجهول وهو غرر (فلذلك زجر عنه) يعني النبي ﷺ أو بالبناء للمجهول. والمراد رسول الله ﷺ وذلك لما فيه من الغرر المؤدي إلى التشاجر وأكل أموال الناس بالباطل. فدل الحديث وما في معناه على تحريم المساقاة والمزارعة على ما يفضي إلى الغرر والجهالة. ويوجب المشاجرة. فلأحمد وأبي داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص أن أصحاب المزارع في زمن النبي ﷺ كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي. وما سعد بالماء مما حول النبت. فجاء رسول الله ﷺ فاختصموا في ذلك فنهاهم أن يكروا بذلك (فأما شيء معلوم مضمون) الحفظ والعمل عليه حتى يسلم إلى أهل الأرض (فلا بأس به رواه مسلم) وروي من غير وجه بألفاظ متقاربة.

стр. 1326

وقال ابن المنذر قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل. وهي التي كانوا يعتادونها. قال كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه. وبهذه الروايتين يتضح المتفق عليه لفظًا وحكمًا. قال ابن القيم المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة فإن أحدهما غانم ولا بد. وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركًا فيه. وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان. فهذا أقرب إلى العدل. وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة. وذكر أن المزارعة التي فعلها النبي ﷺ وخلفاؤه لم يتناولها النهي بحال. قال الشيخ ولو دفع أرضه إلى آخر يغرسها بجزء من الغراس صح كالمزارعة. ولو كانت مغروسة فعامله بجزء من غراسها صح. ولا فرق بين أن يكون الغارس ناظر وقف أو غيره. وقال وإن غارسه على أن لرب الأرض دراهم مسماة إلى حين إثمار الشجر. فإذا أثمرت كانا شريكين في الثمر. هذه لا أعرفها منقولة وقد يقال هذا لا يجوز كما لو اشترط في المزارعة والمساقاة دراهم مقدرة مع نصيبه من الزرع والثمر. فإن هذا لا يجوز بلا نزاع. كما لو اشترطا شيئًا مقدرًا. فإنه قد لا يحصل إلا ذلك المشروط فيبقى الآخر لا شيء له. لكن الأظهر أن هذا ليس بمحرم، اهـ. ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة. وصاحب الملك ما يصلحه. والمرجع إلى العرف في هذه الأشياء. وأما

стр. 1327

الكلف السلطانية فقال الشيخ يتبع في الكلف السلطانية العرف ما لم يكن شرطًا. وما طلب من قرية من كلف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال. وإن وضع على المزارع فعلى ربه. وعلى العقار فعلى ربه. ومطلقًا فالعادة. (وعنه مرفوعًا: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم) أي غصب أرض قوم بغير إذنهم وزرعها (فليس له من الزرع شيء) الزرع لمالك الأرض لتصرفه فيها بغير إذن مالكها (وله نفقته) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه و (حسنه البخاري) والترمذي. وتكلم فيه بعضهم. وقال ابن القيم ليس مع من ضعف الحديث حجة. فإن رواته محتج بهم في الصحيح. وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم. واحتج به أحمد وأبو عبيد. وله شاهد من حديث رافع بن خديج في قصة الذي زرع في أرض ظهير بن رافع. فأمر النبي ﷺ أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته. وقال فيه: لأصحاب الأرض "خذوا زرعكم" وذكر أنه محض القياس لو لم يأت فيه حديث. فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله. وقد تأيد بالقياس الصحيح من حجج الشريعة. وقال أحمد إذا كان الزرع قائمًا فهو لصاحب الأرض. فأما إذا حصد فإنما يكون له الأجرة. * * *

стр. 1328

باب الإجارة لغة المجازاة. يقال آجره الله على عمله إذا جازاه عليه. فهي مشتقة من الأجر. وهو العوض. ومنه سمي الثواب أجرًا. وفي التنزيل ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ والإجارة عقد على منفعة مباحة معلومة. من عين معينة أو موصوفة في الذمة. مدة معلومة. أو عمل معلوم. بعوض معلوم. واتفقوا على أن العقد فيها يتعلق بالمنفعة دون الرقبة. وهي نوع من المعاوضة العامة. لا نوع من البيع عند الإطلاق. وتنعقد بلفظ الإجارة والكراء وغير ذلك مما يعرف المتعاقدان به المقصود. وتصح بثلاثة شروط. معرفة المنفعة ومعرفة الأجرة والإباحة في نفع العين. ويشترط في العين المؤجرة خمسة شروط: معرفتها برؤية أو صفة. والعقد على نفعها. والقدرة على تسليمها. واشتمالها على المنفعة وأن تكون للمؤجر أو مأذونًا له فيها. وهي عقد لازم من الطرفين عند جمهور العلماء. لأنها نوع من البيع. فليس لأحدهما فسخها لغير عيب ونحوه. وجائزة في الجملة بالكتاب والسنة والإجماع. ومن الرخص المستقر حكمها على وفق القياس. (قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي فإن أرضعن أولادكم وهن طوالق ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على إرضاعهن فمتى أرضعت استحقت أجر مثلها. ولها أن تمتنع لكن بعد أن

стр. 1329

تسقيه اللبأ الذي لا قوام للمولود إلا به. فدلت الآية على جواز الإجارة. وقال الوزير اتفقوا على أنه يجوز استئجار الظئر للرضاع. وقال الشيخ يصح أن يستأجر الحيوان لأخذ لبنه. ولو جعل الأجرة نفقته وهو مذهب مالك. وقال إذا استأجر حيوانًا لأخذ لبنه فنقص عن العادة كان كتغير العادة بتغير العادة في المنفعة يملك المستأجر الفسخ. (وقال: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ يعني الأب ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ طعامهن ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ لباسهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي على قدر الميسرة. وبما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن. من غير إسراف ولا إقتار. قال الشيخ ولا يفتقر إلى تقدير عوض. ولا إلى صيغة. بل ما جرت العادة بأنه إجارة فهو إجارة. يستحق فيه أجرة المثل في أظهر قولي العلماء ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي طاقتها. فلا يكلف الوالد من الإنفاق عليه وعلى أمه إلا بما تتسع به قدرته. وقال في الآية الأخرى ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ وسيأتي إن شاء الله. والمراد هنا مشروعية الإجارة وصحتها في الظئر بطعامها وكسوتها. وكذا الأجير. كما روي عن أبي بكر وعمر وغيرهما. ولحمل الإطلاق عليه. وقال ابن القيم فقد أجرى الشارع الشرط العرفي كاللفظي. ومنه لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة. أو عجينه لمن يخبزه أو لحمًا لمن يطبخ أو متاعًا لمن يحمله. ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك.

стр. 1330

وجب له أجرة مثله. وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند الجمهور حتى عند المنكرين لذلك فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به. وإن قال إن ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة. أو إلى أرض كذا فلك خمسة عشر. أو إن خط هذا القميص اليوم فلك درهم أو غدًا فنصف درهم. أو إن زرعت أرضي حبًا فمائة أو شعيرًا فمائتان فقال ابن القيم وغيره. هذا كله جائز صحيح لا يدل على بطلانه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. ولا نزاع فيه في عصر الصحابة ﵃. بل الثابت عنهم جوازه. كما ذكره البخاري عن عمر أنه إذا دفع أرضه إلى من يزرعها. قال إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاؤا به فله كذا. ولم يخالفه صحابي. ولا محذور فيه. ولا غرر ولا جهالة. ولا يقع إلا معينًا والخيرة إلى الأجير. (وقال) تعالى ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ أي إحدى ابنتي شعيب ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية) اتخذ أجيرًا ليرعى أغنامنا ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين﴾ أي خير من استعملت من هو قوي على العمل وأداء الأمانة ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي أن تكون أجيرًا لي إلى ثمان سنين ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ أي تفضل منك. وروي أن النبي ﷺ قال: "آجر موسى نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام

стр. 1331

بطنه" واستدلوا بهذه الآية على صحة استئجار الأجير بالطعام والكسوة. ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ﴾ أي قال موسى للخضر لو شئت يعني لو أردت على إقامتك الجدار الذي انقض ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ أي على إقامته ﴿أَجْرًا﴾ مكافأة وإثابة على عملك. فإنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرًا. فدلت الآية على صحة الإجارة على إقامة الجدار ونحوه. (واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر) ﵁ عند خروجهما من مكة إلى المدينة عام الهجرة (رجلًا من بني الديل) بكسر الدال. واسمه عبد الله بن أريقط. والديل حي من عبد القيس (هاديا) إلى سواء السبيل (خريتا) أي ماهرًا بالهداية. وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثالثة فارتحلا (رواه البخاري) وغيره في قصة الهجرة عن عائشة ﵂. وفيه دليل على جواز الإجارة. واشتراط معرفة المنفعة وجواز استئجار المسلم للكافر هداية الطريق إذا أمنه. والبخاري ترجم عليه: باب استئجار المشركين عند الضرورة. وقال ابن بطال وغيره الفقهاء يجيزون استئجار المشركين

стр. 1332

عند الضرورة وغيرها. لما في ذلك من الذلة لهم. وإنما الممتنع أن يؤجر المسلم نفسه من المشرك. لما فيه من الإذلال اهـ. والمراد ليستخدمه. وأما لغير الخدمة كإجارة نفسه منه في عمل معين في الذمة. كخياطة ثوب ونحوه. فقال الموفق يجوز بغير خلاف. ولما يأتي في خبر علي ﵁. وأما إجارته داره ونحوها. فنصوص أحمد كثيرة في النهي عن إجارة المسلم داره من أهل الذمة. وبيعها لهم. وأكثر الأصحاب على التحريم. ما لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة. فإن آجره إياها لأجل بيع الخمر أو اتخاذها كنيسة أو بيعة لم يجز قولًا واحدًا. حكاه الشيخ وغيره. وقال بعض الفقهاء يجب على المؤجر كلما يتمكن به من النفع لأن عليه التمكين من الانتفاع. وفي المغني من أكرى بعيرًا لإنسان ليركبه بنفسه وسلمه إليه لم يلزمه سوى ذلك. بخلاف ما إذا عقد ليسافر معه والجمهور أن العمل في ذلك على العرف والعادة. وتنفسخ بتلف العين المؤجرة. وموت الراكب ونحو ذلك. (وله) أي البخاري (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ قال ما بعث الله نبيًا) أي من قبلي من الأنبياء (إلا رعى الغنم) لما يحصل في رعايتها من الجلم والشفقة. فقال أصحابه وأنت "قال نعم" أي كنت أرعى الغنم. ولذا (قال: كنت أرعاها على قراريط) قال سويد بن

стр. 1333

سعيد كل شاة بقيراط نصف عشر دينار وثلث ثمنه (لأهل مكة) وللنسائي من حديث نصر افتخر أهل الإبل والغنم فقال رسول الله – ﷺ "بعث موسى وهو راعي غنم. وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت أنا راعي غنم". قال بعض أهل العلم الحكمة في الهام رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم. لأن في مخالطتها ما يحصل منه الحلم والشفقة على أمته. لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في الرعي. ونقلها من مسرح إلى مسرح. ودفع عدوها من سبع وغيره. وعلموا أن اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة. وعرفوا اختلاف طباعها. وتفاوت عقولها. فجبروا كسرها. ورفقوا بضعيفها. وأحسنوا التعاهد لها. وتكون مشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام به أول وهلة. لما يحصل لهم من التدرج بذلك. والحديث دليل على جواز الإجارة على رعي الغنم. ويلحق بها في الجواز غيرها من الحيوانات. (وعن سويد بن قيس) العبدي أبو مرحب الكوفي ﵁ (في رجل يزن بالأجر) أي بالأجرة وذلك أنه قدم مكة ببز من هجر فاشترى منه سراويل. وثم رجل يزن بالأجر (فقال له النبي ﷺ زن) أي زن ثمن السراويل (وارجح) أي رجح الميزان. رواه الخمسة وغيرهم

стр. 1334

(وصححه الترمذي) فدل على جواز الاستئجار على الوزن وجواز أخذ الأجرة عليه. وعلى الكيل. وما في معناهما كأجرة القاسم والحاسب. قال الشيخ والوزن بالقبان كالوزن بسائر الموازين إذا وزن بالعدل جاز أخذ الأجرة ممن وزن له اهـ. وفيه أن أجرة وزن الثمن على المشتري. لأن الإيفاء يلزمه. والمبيع على البائع وهو قول فقهاء الأمصار. إلا أن يكون ثم عادة مطردة في البلد. وفيه استحباب ترجيح المشتري في وزن الثمن ومثله المبيع. (وعن علي) ﵁ (قال عملت) بالأجرة ليهودية (كل ذنوب) هو الدلو الملآ (على تمرة) وقال مددت ستة عشر ذنوبًا حتى مجلت يداي أي تنفطت. ثم أتيتها فعدت لي ست عشرة تمرة (وأخبرت النبي ﷺ ) بذلك وجئته بها (وأكل معي منها) أي من تلك التمرات (رواه أحمد) ولابن ماجه من حديث ابن عباس أن عليًا آجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة. وفي الصحيح أن خبابًا عمل للعاص بن وائل بمكة قال الحافظ واطلع النبي ﷺ على ذلك وأقره. فدل على جواز إجارة المسلم نفسه في نحو ذلك. لأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلاله ولا استخدامه. وقال ابن المنير استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل

стр. 1335

لأهل الذمة. ولا يعد ذلك من الذلة. بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له. ودل أيضًا على جواز الإجارة معادة. قال ابن القيم لو آجره كل شهر بدرهم صح. وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة فقد صح عن علي أنه آجر نفسه كل دلو بتمرة. وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر. وفي الحديثين ما كان الصحابة عليه من العيش للتعفف عن السؤال وتحمل المنن. وأن تأجير النفس لا يعد دناءة. وإن كان المستأجر غير شريف أو كافرًا. والأجير من أشراف الناس وعظمائهم. وإن آجر دارًا ونحوها مدة معلومة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح. وقفًا كانت أولا. لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا. وقال الشيخ ليس لوكيل مطلق إجارة مدة طويلة. بل العرف كسنتين ونحوهما إذا رأى المصلحة في ذلك قال وتجوز إجارة العين المؤجرة في مدة الإجارة. ويقوم المؤجر الثاني مقام المالك في استيفاء الأجرة من المستأجر الثاني وتجوز بزيادة. وإن شرط أن لا يستوفيها إلا بنفسه أو أن لا يؤجرها إلا لعدل أو أن لا يؤجرها لزيد صح لكن لو تعذر على المستأجر الاستيفاء بنفسه فينبغي أن يثبت له الفسخ. كما لو تعذرت المنفعة. قال وليس له إخراج المستأجر قبل انقضاء المدة لأجل زيادة أو غيرها. وما فعله بعض متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد من التفريق بين أن يزاد قدر الثلث فهو قول
следующие страницы →