Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
بطنه" واستدلوا بهذه الآية على صحة استئجار الأجير بالطعام والكسوة.
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ﴾ أي قال موسى للخضر لو شئت يعني لو أردت على إقامتك الجدار الذي انقض ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ أي على إقامته ﴿أَجْرًا﴾ مكافأة وإثابة على عملك. فإنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرًا. فدلت الآية على صحة الإجارة على إقامة الجدار ونحوه.
(واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر) ﵁ عند خروجهما من مكة إلى المدينة عام الهجرة (رجلًا من بني الديل) بكسر الدال. واسمه عبد الله بن أريقط. والديل حي من عبد القيس (هاديا) إلى سواء السبيل (خريتا) أي ماهرًا بالهداية. وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثالثة فارتحلا (رواه البخاري) وغيره في قصة الهجرة عن عائشة ﵂. وفيه دليل على جواز الإجارة. واشتراط معرفة المنفعة وجواز استئجار المسلم للكافر هداية الطريق إذا أمنه. والبخاري ترجم عليه: باب استئجار المشركين عند الضرورة.
وقال ابن بطال وغيره الفقهاء يجيزون استئجار المشركين
стр. 1332
عند الضرورة وغيرها. لما في ذلك من الذلة لهم. وإنما الممتنع أن يؤجر المسلم نفسه من المشرك. لما فيه من الإذلال اهـ. والمراد ليستخدمه. وأما لغير الخدمة كإجارة نفسه منه في عمل معين في الذمة. كخياطة ثوب ونحوه. فقال الموفق يجوز بغير خلاف.
ولما يأتي في خبر علي ﵁. وأما إجارته داره ونحوها. فنصوص أحمد كثيرة في النهي عن إجارة المسلم داره من أهل الذمة. وبيعها لهم. وأكثر الأصحاب على التحريم. ما لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة. فإن آجره إياها لأجل بيع الخمر أو اتخاذها كنيسة أو بيعة لم يجز قولًا واحدًا. حكاه الشيخ وغيره.
وقال بعض الفقهاء يجب على المؤجر كلما يتمكن به من النفع لأن عليه التمكين من الانتفاع. وفي المغني من أكرى بعيرًا لإنسان ليركبه بنفسه وسلمه إليه لم يلزمه سوى ذلك. بخلاف ما إذا عقد ليسافر معه والجمهور أن العمل في ذلك على العرف والعادة. وتنفسخ بتلف العين المؤجرة. وموت الراكب ونحو ذلك.
(وله) أي البخاري (عن أبي هريرة) ﵁
(أن النبي ﷺ قال ما بعث الله نبيًا) أي من قبلي من الأنبياء
(إلا رعى الغنم) لما يحصل في رعايتها من الجلم والشفقة.
فقال أصحابه وأنت "قال نعم" أي كنت أرعى الغنم.
ولذا (قال: كنت أرعاها على قراريط) قال سويد بن
стр. 1333
سعيد كل شاة بقيراط نصف عشر دينار وثلث ثمنه (لأهل مكة) وللنسائي من حديث نصر افتخر أهل الإبل والغنم فقال رسول الله – ﷺ "بعث موسى وهو راعي غنم. وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت أنا راعي غنم".
قال بعض أهل العلم الحكمة في الهام رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم. لأن في مخالطتها ما يحصل منه الحلم والشفقة على أمته. لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في الرعي. ونقلها من مسرح إلى مسرح. ودفع عدوها من سبع وغيره.
وعلموا أن اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة. وعرفوا اختلاف طباعها. وتفاوت عقولها. فجبروا كسرها. ورفقوا بضعيفها. وأحسنوا التعاهد لها. وتكون مشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام به أول وهلة. لما يحصل لهم من التدرج بذلك. والحديث دليل على جواز الإجارة على رعي الغنم. ويلحق بها في الجواز غيرها من الحيوانات.
(وعن سويد بن قيس) العبدي أبو مرحب الكوفي
﵁ (في رجل يزن بالأجر) أي بالأجرة وذلك
أنه قدم مكة ببز من هجر فاشترى منه سراويل. وثم رجل
يزن بالأجر (فقال له النبي ﷺ زن) أي زن ثمن
السراويل (وارجح) أي رجح الميزان. رواه الخمسة وغيرهم
стр. 1334
(وصححه الترمذي) فدل على جواز الاستئجار على الوزن وجواز أخذ الأجرة عليه. وعلى الكيل. وما في معناهما كأجرة القاسم والحاسب.
قال الشيخ والوزن بالقبان كالوزن بسائر الموازين إذا وزن بالعدل جاز أخذ الأجرة ممن وزن له اهـ. وفيه أن أجرة وزن الثمن على المشتري. لأن الإيفاء يلزمه. والمبيع على البائع وهو قول فقهاء الأمصار. إلا أن يكون ثم عادة مطردة في البلد. وفيه استحباب ترجيح المشتري في وزن الثمن ومثله المبيع.
(وعن علي) ﵁ (قال عملت) بالأجرة ليهودية (كل ذنوب) هو الدلو الملآ (على تمرة) وقال مددت ستة عشر ذنوبًا حتى مجلت يداي أي تنفطت. ثم أتيتها فعدت لي ست عشرة تمرة (وأخبرت النبي ﷺ ) بذلك وجئته بها (وأكل معي منها) أي من تلك التمرات (رواه أحمد) ولابن ماجه من حديث ابن عباس أن عليًا آجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة. وفي الصحيح أن خبابًا عمل للعاص بن وائل بمكة قال الحافظ واطلع النبي ﷺ على ذلك وأقره.
فدل على جواز إجارة المسلم نفسه في نحو ذلك. لأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلاله ولا استخدامه. وقال ابن المنير استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل
стр. 1335
لأهل الذمة. ولا يعد ذلك من الذلة. بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له. ودل أيضًا على جواز الإجارة معادة. قال ابن القيم لو آجره كل شهر بدرهم صح. وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة فقد صح عن علي أنه آجر نفسه كل دلو بتمرة. وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر.
وفي الحديثين ما كان الصحابة عليه من العيش للتعفف عن السؤال وتحمل المنن. وأن تأجير النفس لا يعد دناءة. وإن كان المستأجر غير شريف أو كافرًا. والأجير من أشراف الناس وعظمائهم. وإن آجر دارًا ونحوها مدة معلومة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح. وقفًا كانت أولا. لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا. وقال الشيخ ليس لوكيل مطلق إجارة مدة طويلة. بل العرف كسنتين ونحوهما إذا رأى المصلحة في ذلك قال وتجوز إجارة العين المؤجرة في مدة الإجارة. ويقوم المؤجر الثاني مقام المالك في استيفاء الأجرة من المستأجر الثاني وتجوز بزيادة.
وإن شرط أن لا يستوفيها إلا بنفسه أو أن لا يؤجرها إلا لعدل أو أن لا يؤجرها لزيد صح لكن لو تعذر على المستأجر الاستيفاء بنفسه فينبغي أن يثبت له الفسخ. كما لو تعذرت المنفعة. قال وليس له إخراج المستأجر قبل انقضاء المدة لأجل زيادة أو غيرها. وما فعله بعض متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد من التفريق بين أن يزاد قدر الثلث فهو قول
стр. 1336
مبتدع لا أصل له عند أحد من الأئمة. لا بسبب تفاوت وقت ولا وقف ولا غيره.
وإذا التزم المستأجر بهذه الزيادة على الوجه المذكور لم تلزمه اتفاقًا. كخوفه من الإخراج. بل له استرجاعها. ولا عبرة بما يحدث في أثناء المدة من ارتفاع الكراء أو انخفاضه. وقال فيمن احتكر أرضًا بنى فيها مسجدًا أو بناء وقفه عليه. متى فرغت المدة وانهدم البناء زال حكم الوقف. وأخذوا أرضهم. فاستنفعوا بها. وما دام البناء قائمًا فيها فعليه أجرة المثل. كوقف علو ربع أو دار مسجدًا. ووقف البناء لا يسقط حق ملاك الأرض. وذكر في الفنون معناه. وقال في الإنصاف هو الصواب. ولا يسع الناس إلا ذلك. وإن شرط قلعه لزمه بلا نزاع. وإن كان إبقاؤه بتفريط المستأجر فللمالك أخذه بالقيمة. وقيل بنفقته. أو تركه بالأجرة بلا نزاع. وبغير تفريط له أجرة مثله لما زاد بلا نزاع.
(وله عن أبي سعيد) الخدري ﵁ قال
(نهى ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره) ولفظ
عبد الرزاق "من استأجر أجيرًا فليسم له أجره" ففيه النهي
عن استعمال الأجير حتى يسمي له أجره. وهو أحد
شروط الإجارة. لئلا يكون مجهولًا فيؤدي إلى التشاجر
والخصام. ولا يجب عند مالك وأحمد وغيرهما للعرف. واستحسان المسلمين قال الشيخ وإذا ركن المؤجر إلى شخص
стр. 1337
ليؤجره لم يكن لغيره الزيادة عليه. فكيف إذا كان المستأجر ساكنًا في الدار. فإنه لا تجوز الزيادة على ساكن الدار اهـ. ومثله من يعمل له عملًا.
(وعن أنس أن النبي ﷺ احتجم) حجمه أبو طيبة واسمه نافع (وأعطي الحجام أجره) صاعين من طعام (رواه البخاري) وفي لفظ أعطاه أجره صاعًا أو صاعين. وقال ابن عباس لو كان حرامًا وفي لفظ سحتًا لم يعطه. وفي لفظ لو علم كراهيته لم يعطه. فدل على أنه حلال. وذهب جمهور العلماء إلى أنه حلال. محتجين بهذا الخبر وغيره. وقالوا هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يجوز ويباح للحر. ولأنها منفعة مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة.
(ولمسلم عن رافع مرفوعًا: كسب الحجام خبيث) وكره أحمد وجمهور السلف للحر الاحتراف بالحجامة والانفاق على نفسه من أجرتها. ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب. لحديث محيصة أنه سأل رسول الله ﷺ عن كسب الحجام فنهاه فذكر له الحاجة فقال "أعلفه نواضحك" وأباحوه للعبد مطلقًا. وقال الشيخ اتخاذ الحجامة صناعة يتكسب بها هو مما نهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه. فإنه يفضي إلى كثرة مباشرة النجاسات والاعتناء بها. لكن إذا عمل ذلك العمل بالعوض استحقه. وإلا فلا يجتمع عليه استعماله في مباشرة النجاسة وحرمانه
стр. 1338
أجرته ونهى عن أكله مع الاستغناء عنه مع أنه ملكه وإذا كان محتاجًا إلى هذا الكسب ليس له ما يغنيه عنه إلا مسألة الناس فهو خير له من سؤال الناس. قال بعض السلف كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس.
(وعن عمران بن حصين) ﵁ (أن النبي ﷺ قال اقرؤا القرآن) وفضله وفضل قراءته معلوم (واسألوا الله به) حاجات الدنيا والآخرة فهو كلام الله وصفة من صفاته. ولا يسأل إلا بالله وأسمائه وصفاته (فإن من بعدكم) و "لا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه" (يقرؤون القرآن) وجاء لا يجاوز حناجرهم (يسألون الناس به) يتأكلون بالقرآن (رواه الترمذي) وغيره ولأبي داود عن عبادة علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلى رجل منهم قوسًا فقلت ليست بمال وارمي عليها في سبيل الله فقال "إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها" ولأحمد عن عبد الرحمن ابن شبل: "اقرؤا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به".
وفيه دليل على أنه لا تصح الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة. كتعليم القرآن. وكالحج والأذان. لأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة. بخلاف العمل الذي يكون قربة ويكون غير قربة. كبناء مسجد وتعليم خط. ونحو ذلك. وقال الشيخ لا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى
стр. 1339
الميت. لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن في ذلك. وقد قال العلماء إن القارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له. فأي شيء يهدي إلى الميت. وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح، والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة.
وقال لا يجوز أن يستأجر من يصلي عنه نافلة. ولا فريضة في حياته. ولا بعد وفاته باتفاق الأئمة. وأما ما يؤخذ من بيت المال فقال ليس عوضًا وأجرة بل رزق للإعانة على الطاعة. فمن عمل منهم لله أثيب. وما يؤخذ رزق للإعانة على الطاعة. وكذلك الموقوف على أعمال البر. والموصي به كذلك. والمنذور له ليس كالأجرة. وجوز أخذ الأجرة مع الحاجة. وذكره وجهًا في المذهب وهو مذهب مالك في غير الإمامة.
(وعن ابن عباس في قصة اللديغ) وذلك أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ فقالوا هل فيكم من راق؟ فرقى أحدهم بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله أجرًا و (إن رسول الله ﷺ قال إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا) أي مكافأة (كتاب الله رواه البخاري) ولفظ حديث أبي سعيد لم يرقه حتى شرط عليه قطيعًا من غنم فتفل عليه وقرأ عليه (الحمد لله رب العالمين) ولما ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال "قد أصبتم واضربوا لي معكم سهمًا".
стр. 1340
فدل الحديث على جواز أخذ العوض على الرقية بالفاتحة. والذكر. وأنها حلال لا كراهية فيها. فإن هذا عوض في مقابلة قراءة القرآن. وبها استدل الجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وأما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فقال الشيخ وغيره هو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله. وقوله "اضربوا لي معكم سهمًا" من باب المروآت والتبرعات ومواساة الأصحاب. وإلا فجميعها ملك للراقي. لكن قاله تطييبًا لأنفسهم.
(ويأتي) في كتاب النكاح (أنه) ﷺ (زوج رجلًا) قال الحافظ لم أقف على اسمه (على سور من القرآن) وفي لفظ "فعلمها من القرآن" ولأبي داود "عشرين آية" وجاء بألفاظ تدل على جواز جعل تعليم الرجل لامرأته من القرآن مهرًا. وهذا الخبر يؤيد حديث ابن عباس وأبي سعيد وما في معناهما على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن. ولأنه يجوز أخذ الرزق والجعل عليه فجاز أخذ الأجرة كبناء المساجد ولحاجة الاستنابة في الحج عمن وجب عليه. وعجز عن فعله. وجوزه شيخ الإسلام للحاجة. وقال من جوزه لأنه نفع يصل إلى المستأجر كسائر النفع. وجوز إيقاعها عبادة في هذه الحال لما فيها من النفع.
واستثنى الأكثر الإمامة. وتقدم ما في الحج عن الغير. وعن أحمد التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين. أو
стр. 1341
لرجل من عامة الناس في ضيعة. ومن أن يستدين ويتجر. لعله لا يقدر على الوفاء. فيلقى الله بأمانات الناس. واختار الموفق والشيخ وغيرهما جواز أخذ الأجرة على تعليم الفقه والحديث ونحوهما. ويجوز أخذ رزق على ذلك من بيت المال.
(وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده ﵁ (مرفوعاً) إلى النبي ﷺ أنه قال (من تطبب) أي تعاطى علم الطب (ولم يعلم منه طب) أي لم يعلم منه معرفة جيدة للطب ومداواة الجسم. وقيل ولا شهادة له بعلم الطب (فهو ضامن) أي غارم جنايته (رواه أبو داود) والترمذي والحاكم وغيرهم. وله أيضاً عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز "أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت فهو ضامن" وفيه مجهول.
فدل على أن تعاطي الطب يضمن ما حصل من الجناية بسبب علاجه. لأنه لا يباح له مباشرته إذًا. وإما من علم منه أنه طبيب فلا ضمان عليه. وهو من يعرف العلة ودواءها. وله مشائخ في هذه الصناعة شهدوا له بالحذق فيها. وأجازوا له المباشرة. ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ. ولا حجام ونحوه عرف ححذقه. وراع ونحوه لم يتعد. ولم يفرط. وحكى الوزير الاتفاق على أن الراعي لا يضمن ما لم يتعد. وإن اختلفا في التعدي ولا بينة فقوله. وإن تعدى ضمن بلا خلاف.
стр. 1342
ويضمن الأجير المشترك ما تلف بفعله عند الجمهور. لا من حرزه ونحوه. لأن العين أمانة في يده كالمودع. وإن حبسها على أجرته فتلفت فقال ابن القيم له حبسها حتى يتسلم الأجرة. وعلله بأن العمل يجري مجرى الأعيان. فكأنه شريك لصاحب العين. وله ذبح مأكول. ويقبل قوله أنه لم يذبحه إلا خوفًا من موته. قال ابن القيم ما لم يثبت بينهما عداوة وحقد.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال يقول الله تعالى (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) ومن كنت خصمه خصمته. وهو تعالى خصم لجميع الظالمين. لكنه أريد التشديد على هؤلاء بالتصريح (منهم: رجل استأجر أجيرًا) أي استخدمه بعوض (فاستوفى منه) العمل الذي استأجره فيه بعوض (ولم يوفه أجره) فهو تعالى خصمه لأجل ظلمه الأجير (رواه البخاري) وأهل السنن وغيرهم والثاني "رجل أعطي بي ثم غدر" أي حلف بي أو أعطى الأمان بي ثم غدر. أي نكث العهد. والثالث "رجل باع حرًا فأكل ثمنه" وتقدم. ومن استأجر أجيرًا ولم يوفه أجره فهو كمن باع حرًا فأكل ثمنه. لأنه استوفى منفعته بغير عوض. فكأنه أكلها فمن استخدمه بغير أجرة فكأنه استعبده. ولهذا عطفه عليه.
(ولابن ماجه من حديث ابن عمر وفيه ضعف) وله شواهد ضعاف أيضًا بمعنى (أعطوا الأجير أجره) أي عوض عمله (قبل أن يجف عرقه) مبالغة في تعجيله أجره وتحذيرًا من
стр. 1343
مطلة حقه. حتى أن من العلماء من يقدمه على الغرماء مع الفلس. ولأحمد من حديث ابن عمر في ذكر آخر ليلة من رمضان أهي ليلة القدر قال "لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله" فدل الحديث على تعجيل أجر العامل ما لم يكن مؤخرًا بشرط. لاستحقاقه إياه بعمله.
وتجب الأجرة بالعقد عن لم تؤجل. وتستحق بتسليم العمل لا قبله. وتستقر كاملة باستيفاء المنفعة وتسليم العين. ومضي المدة مع عدم المانع. ونحو ذلك. لا الفاسدة فلا تجب بالعقد. وتجب بالاستيفاء. وإذا تسلم عينًا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل. وإذا عمل الأجير بعض العمل فقال الشيخ يعطى من الأجرة بقدر ما عمل.
باب السبق
هو بفتح الباء العوض الذي يبذل ليسابق عليه. وبسكونها المجارات بين حيوان وغيره. وهو مشروع أو جائز بالكتاب والسنة والإجماع بحسب الباعث.
قال تعالى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا﴾ أي سرنا ﴿نَسْتَبِقُ﴾ نترامى بالسهام أو نتجارى على الأقدام أينا أشد عدوًا. وأصل السبق في الرمي بالسهم. وهو أن يرمي اثنان ليتبين أيهما يكون أسبق سهمًا، وأبعد غاية، ثم يوصف المتراميان بذلك. فيقال استبقا وتسابقا إذا فعلا ذلك. ليتبين أيهما أسبق سهمًا ويشمل الرمي بالبنادق.
стр. 1344
ومشروعية التدرب فيه. لأن الإعداد إنما يكون مع الاعتياد. إذ من لا يحسن الرمي لا يسمى معدًا للقوة. وأما الإستباق على الأقدام فكالاستباق على الخيل. وكانوا يجربون بذلك أنفسهم. ويدربونها على العدو. لأنه كالآلة في محابة العدو. وتقدم أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وفي الحديث "ألا إن القوة الرمي" وقال "فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" وقال "من علم الرمي ثم تركه فليس منا" وقال الشيخ السبق والصراع ونحوهما طاعة إذا قصد به نصرة الإسلام. وأخذ السبق عليه أخذ بالحق اهـ. وكان الرمي بالقوس في الجاهلية وصدر الإسلام وصنفوا في الرمي به المصنفات المشهورة. وسموها بالفروسية والفروسية أربعة أنواع ركوب الخيل والكر والفر بها. والثاني الرمي بالقوس. ويذكرون صفته. والرمي به وغير ذلك واستعمل الآن آلات أنكى منه وأبعد مدى. فيعتبر لها ما تقرب الإصابة فيه غالبًا. والثالث المطاعنة بالرماح. والرابع المداورة بالسيوف. ومن استكملها استكمل الفروسية.
وقال ابن القيم في المفاضلة بين ركوب الخيل والرمي بالنشاب كل واحد منهما يحتاج في كماله إلى الآخر. والرمي أنفع في البعد. وإذا اختلط الفريقان قامت سيوف الفروسية. والأفضل منهما ما كان أنكى في العدو. وأنفع للجيش. ويختلف
стр. 1345
باختلاف الجيش ومقتضى الحال.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا: لا سبق) بفتح الباء أي لا جعل للسابق (إلا في خف) كناية عن الإبل أي ذي خف (أو نصل) أي سهم من نشاب ونبل (أو حافر) أي ذي حافر وهو للخيل (رواه الخمسة) وغيرهم. ولم يذكر ابن ماجه النصل. وصححه ابن حبان والحاكم وابن القطان وابن دقيق. والحديث دليل على جواز السباق على جعل. وجواز بذلك العوض في ذلك وأخذه لأنه من آلات الحرب المأمور بتعلمها وإحكامها. ومفهومه لا يجوز فيما سواها وحكى ابن عبد البر تحريم الرهن في غير الثلاثة إجماعًا. ونوقش.
وذكر الخطابي وغيره أن البغال والحمير في معنى الخيل. لأنها كلها ذات حوافر. وقد يحتاج إلى سرعة سيرها ونجاتها. لأنها تحمل أثقال العساكر. فتكون معها في المغازي. وفسره بعضهم أنه لا سبق كاملًا ونافعًا ونحوه. وقالوا أيضًا الحديث يحتمل أن يراد به أن أحق ما بذل فيه السبق هذه الثلاثة. لكمال نفعها وعموم مصلحتها. فيدخل فيها كل مغالبة جائزة ينتفع بها في الدين. لقصة ركانة وأبي بكر. وقال ابن القيم الرهان على ما فيه ظهور الإسلام ودلالته وبراهينه من أحق الحق. وأولى بالجواز من الرهان على النضال وسباق الخيل اهـ.
والسبق قيل جعالة لكل واحد فسخه، لأنه عقد على ما لا تحقق القدرة على تسليمه، إلا أن يظهر الفضل لأحدهما فله
стр. 1346
الفسخ دون صاحبه. وهذا المشهور عند أصحاب أحمد ومذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. وقال الشيخ الجعالة تجوز على العمل المباح. لكن المقصود بالجعل هنا أن يظهر أنه الأقوى والجعالة الغرض بها العمل من العامل. وقال ابن القيم هو عقد مستقل بنفسه له أحكام يختص بها ويتميز بها عن الإجارة والجعالة والنذور والعدات ونحوها. وليس من باب الجعالة ولا الإجارة. ومن أدخله في أحد هذين البابين تناقض. إلا أن يقصد الباذل تمرين من يسابقه كولده والمعلم للمتعلم. فهذا هو الجعالة المعروفة. وهو نادر والغالب فيها مسابقة النظراء بعضهم لبعض.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ
أجرى) أي سابق يقال أجراه وجاراه وجرى معه (ما ضمر)
أي اعلف حتى سمن وتقوى ثم قلل عليه بعد بقدر القوت
حتى خف لحمه وقوي على الجرى (من الخيل) أي المعدة
للغزو فيجوز لذلك. (من الحفياء) بفتح فسكون قيل إنها
خارج السور قرب مسجد الراية على مقربة من البركة
وقيل بأدنى الغابة لخبر من الغابة (إلى ثنية الوداع) ثنية مشهورة شامي المدينة بين مسجد الراية ومسجد النفس الزكية قرب سلع وسميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها. وكان بينهما خمسة أميال أو ستة (وما لم يضمر) أي سابق
بين الخيل التي لم تضمر (من الثنية) أي ثنية الوداع (إلى
стр. 1347
مسجد بني زريق) وكان بينهما ميل (رواه البخاري) ولهما بلفظ سابق بالخيل التي قد ضمرت من الحفياء. وكان أمدها ثنية الوداع. وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق.
ولأحمد وأبي داود سابق بين الخيل وفضل القرح في الغاية. وله أيضًا سابق بالخيل وراهن. وفي لفظ وأعطى السابق. والحديث دليل على مشروعية السباق. وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو. والانتفاع بها في الجهاد. وقال القرطبي لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب. وعلى الأقدام. وكذا الترامي بالسهام. واستعمال الأسلحة. لما في ذلك من التدريب على الحرب.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس به) بل هو كأحدهما. وجعله بعض الفقهاء شرطًا إذا كان السبق منهما. وأن المراد به الخروج عن شبه القمار. والشرط الثاني تعيين المركوبين بالرؤية. وهذا بلا نزاع. والثالث اتحادهما في النوع.
والرابع تعيين الرماة ولا نزاع فيه. وإذا كان السبق من غير المتسابقين فلا نزاع فيه. ومن أحدهما عند الجمهور. وأما إذا كان السبق منهما فقال ابن القيم ما علمت في الصحابة من اشترط المحلل. وإنما هو معروف عن سعيد بن المسيب. وعنه
стр. 1348
تلقاه الناس (فإن أمن فقمار) ولفظه "فإن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار" أي مقامر (رواه أحمد) ورواه أبو داود وغيره. وتكلم فيه أهل العلم.
وقال ابن القيم خبر من أدخل فرسًا بين فرسين ليس من كلام النبي ﷺ بل من كلام سعيد بن المسيب. وجوازه بغير محلل هو مقتضى المنقول عن أبي عبيدة بن الجراح. وقال رجل عند جابر بن زيد بأن صحاب محمد ﷺ لا يرون بالدخيل بأسًا. فقال هم كانوا أعف من ذلك. قال ابن القيم ونحن نقول كما قال جابر. وذكر المذاهب. ثم قال: ونتولى علماء المسلمين. ونتخير من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة. ونزنها بهما. وبهذا أوصانا أئمة الإسلام. وقال في الخبر على تقدير صحته الذي يدل عليه لفظه أنه إذا أسبق اثنان وجاء ثالث دخل معهما. فإن كان تحقق من نفسه سبقهما كان قمارًا. لأنه دخل على بصيرة أنه يأكل ما لهما. وإن دخل معهما وهو لا يتحقق أن يكون سابقًا بل يرجو ما يرجوانه ويخاف ما يخافانه. فإنه كان كأحدهما. ولم يكن أكل سبقهما قمارًا.
وأما اشتراط الدخيل الذي هو شريك في الربح برئ من الخسران فكالمحلل في النكاح. والخبر يدل على جواز حل السبق من كل باذل. وإذا كان منهما لم يختص أحدهما ببذل ماله لمن يغلبه. بل كل منهما باذل مبذول له باختيار. فهما سواء في البذل والعمل. ويسعد الله بسبقه من شاء من خلقه. وقال العقد
стр. 1349
المشتمل على الإخراج منهما أحل من العقد الذي انفرد أحدهما فيه بالإخراج.
(وله) أي لأحمد في مسنده (سئل أنس) بن مالك ﵁ قال السائل (أكنتم) يعني أصحاب رسول الله ﷺ (تراهنون) أي تسابقون على الخيل وغيرها (على عهد رسول الله – ﷺ ) فقالوا نعم أي كنا نراهن على عهده ﷺ قال (أكان يراهن) يعني رسول الله ﷺ (قال نعم) والله: لقد راهن على فرس يقال له سبحة فسبق الناس فبش لذلك وأعجبه، وسابق على العضباء فيجوز على سائر الحيوانات والسفن والأقدام والسهام والمناجيق والمقاليع ونحو ذلك. وهو قول الجمهور.
وفي الاختيارات وغيرها الصراع والسبق بالأقدام ونحوها طاعة إذا قصد به نصر الإسلام. وأخذ السبق عليه أخذ بالحق والمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينفع في الدين. كما في مراهنة أبي بكر. وظاهره جواز الرهان في العلم. وهو مذهب الحنفية. لقيام الدين بالعلم. واختاره الشيخ. قال ابن القيم والصديق أخذ رهنه بعد تحريم القمار. وقال الدين قيامه بالحجة والجهاد. فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد ففي العلم أولى بالجواز. هذا القول هو الراجح. فإن القصد الأول إقامته بالحجة والسيف منفذ.
(وعن عقبة) بن عامر ﵁ (مرفوعًا: كل شيء
стр. 1350
يلهو به ابن آدم) أي يلعب به. يقال لهوت بالشيء ألهو لهوًا وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وتغافلت به عن غيره (فباطل) والباطل ضد الحق. فما لهوت به وشغلك من هوى وطرب ونحوهما فغير جائز (إلا رميه عن قوسه) القوس آلة منحنية كان يرمى بها العدو وغيره في العصور الماضية (وتأديبه فرسه) يقال أدب فرسه إذا براضها على السير (وملاعبته أهله) وقال "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" الثلاث جائزة فإنهن من الحق رواه الخمسة وغيرهم و (حسنه الترمذي) فدل الحديث على أن كل ما صدق عليه اسم اللهو فهو داخل في حيز البطلان إلا هذه الثلاثة الأمور. فإنها وإن كانت في صورة اللهو فهي طاعات مقربة إلى الله . مع الالتفات إلى ما يترتب على ذلك الفعل من النفع الديني.
(وعن عمرو بن عبسة) ﵁ (مرفوعًا من رمى بسهم) أي نبل واحد السهام يرمي به (في سبيل الله) إذا أطلق فالمراد به الجهاد (فهو عِدل) بكسر العين وفتحها مثل (محرر) زاد الحاكم ومن بلغ بسهم فله درجة في الجنة (صححه الترمذي) أي من رمى بسهم بنية الجهاد في سبيل الله كان له ثواب تحرير رقبة أي عتقها وقد ورد في الترغيب في الرمي أحاديث كثيرة. وتقدم أنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ وقال الشيخ السباق بالخيل والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب مما أمر الله به ورسوله. لأنه مما
стр. 1351
يعين على الجهاد في سبيل الله.
(وصارع رسول الله ﷺ ركانة) بن عبد يزيد بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف المشهور بالقوة (على شاة) جعلها سباقًا (فصرعه) رسول الله ﷺ أي طرحه على الأرض فأخذها أي الشاة. وذلك أنه قال هل لك أن تصارعني قال "ما تسبقني" قال شاة من غنمي فصارعه فصرعه فأخذ الشاة. فقال ركانة هل لك في العود (ثم عاد مرارًا) فصرعه فقال يا محمد ما وضع جنبي أحد إلى الأرض. وما أنت بالذي تصرعني (فأسلم) يعني ركانة لما صرعه مرارًا.
(فرد عليه غنمه) أي رد رسول الله ﷺ غنم ركانة عليه (رواه البيهقي) قال الحافظ وإسناده صحيح إلى سعيد بن جبير. ولأبي داود أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ وله طرق وفيها مقال. وقال الشيخ عبد الغني هي أمثل ما روي في مصارعة النبي ﷺ فدل على جواز المصارعة وجوازها بين المسلم والكافر.
(ولمسلم) وغيره (سابق سلمة) يعني ابن الأكوع. وذلك في مسيره إلى المدينة (أنصاريًا) وكان الأنصاري لا يسبق شدًا. فجعل يقول ألا مسابق قال سلمة فسبقته (على عهد رسول
الله ﷺ ). ولأحمد وأبي داود سابق رسول الله ﷺ عائشة.
ولفظ أبي داود أنها كانت معه في سفر. قالت فسابقته
стр. 1352
فسبقته على رجلي. فلما حملت اللحم سابقته فسبقني. فقال هذه بتلك السبقة. وفي هذه الأحاديث وغيرها الدلالة على جواز السبق على الأقدام. ولا نزاع في ذلك.
ويجوز اللعب بما فيه مصلحة بلا مضرة. ويكره بأرجوحة ونحوها. وظاهر كلام الشيخ لا يجوز اللعب المعروف بالطابة والنقلة. وقيل هي اللعب بالودع. وكلما أفضى إلى المحرم. إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة. لأنه يكون سببًا للشر والفساد وقال الشيخ ما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه. وإن لم يحرم جنسه كالبيع والتجارة. وأما سائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به في حق شرعي فكله حرام.
باب العارية
بتشديد الياء وتخفيفها. من عار إذا ذهب أو من العري وهو التجرد لتجردها عن العوض. وقيل من العار. وفيه شيء لأنه ﷺ فعلها. وهي في الشرع إباحة عين بغير عوض. قال ابن رشد تكون في الدور والأرضين والحيوان. وجميع ما يعرف بعينه إذا كانت منفعته مباحة الاستعمال، اهـ. وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها اتفاقًا بشرط أهلية المعير والمستعير. واتفقوا على أنها قربة مندوب إليها. وأن للمعير فيها ثوابًا جزيلًا ومشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 1353
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾، فالعارية داخلة في عموم الآية. فإن البر الإحسان والإعارة منه.
وقال: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون﴾ عارية القدر والفأس والدلو والملح والنار وأمثال ذلك. وشدد فيها قوم من السلف لهذا الآية. وإنه المتاع في البيت يتعاطاه الناس. وقال الشيخ تجب مع غنا المالك. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. وتجب إعارة مصحف لمحتاج لقراءة مع عدم غيره. وخرج ابن عقيل وجوب الإعارة في كتب علم للمحتاج لها من القضاة والحكام وأهل الفتاوى.
(وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ هذا الخطاب يشمل جميع الأمانات. وورودها على سبب لا ينافي ما فيها من العموم. فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بإجماع أهل العلم. فدلت الآية على وجوب رد الأمانات إلى أهلها. واستدل بعضهم بهذه الآية على وجوب ضمان العارية. والأمر بالتأدية لا يلزم منه الضمان إذا تلفت.
(واستعار رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة متفق عليه) من حديث أنس قال كنا فزع بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب فركب. فلما رجع قال "ما رأينا من شيء. وإن وجدناه لبحرًا " فدل على جواز الاستعارة. وأبو طللحة هو زيد بن سهل بن الأسود ابن حرام الأنصاري
стр. 1354
الخزرجي. مشهور بكنيته. وهو زوج أم سليم. يقول لرسول الله ﷺ يوم أحد نحري دون نحرك لا يصيبك بعض سهامهم. خير من ألف رجل. مات سنة أربع وثلاثين. وقيل سنة خمسين فالله أعلم.
(واستعار) يعني رسول الله ﷺ (من صفوان) يعني ابن أمية قرشي من أشراف قريش. هرب يوم الفتح. واستؤمن له. وحضر حنينًا والطائف. ثم أسلم وحسن إسلامه (أدراعًا) قمصان زرد الحديد تلبس وقاية من سلاح العدو. وذلك يوم خيبر فقال صفوان اغصبا أي هي غصب يا محمد (قال) بل عارية (مضمونة) وحكى الحافظ عن الجمهور ضمانها إذا تلفت في يد المستعير. إلا فيما إذا كان على الوجه المأذون فيه. قال فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له. فقال أنا اليوم في الإسلام أرغب (رواه أبو داود) فدل على ضمانها بالتعدي لما يأتي في الرواية الثانية. وقال الشيخ هي مضمونة بشرط ضمانها. وهو رواية عن أحمد.
(وله عن يعلى) أي ولأبي داود وأحمد والنسائي
وغيرهم عن يعلى بن أمية. ويقال منية صاحبي مشهور
(نحوه) أي نحو حديث صفوان. ولفظه "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا" قلت أعارية مضمونة أو عارية مؤداة (قال) بل (مؤداة) بدل مضمونة. والمؤداة التي تجب تأديتها مع بقاء عينها. فإن تلفت لم تضمن بالقيمة. فدل على أنها لا تضمن
стр. 1355
العارية إذا لم يجر منه تعد. وروري "لا ضمان على مؤتمن" ومنه المستعير. وهو مذهب الحنفية والمالكية. واستظهره ابن القيم لأوجه.
أحدها هذه الرواية. فإنها تبين أنه أراد بقوله مضمونة يعني بالرد. والثاني أنه لم يسأله عن تلفها. وإنما سأله هل تأخذها مني أخذ غصب أو أخذ رد. فقال "بل عارية مضمونة" أي أؤديها إليك وأردها لك.
والثالث أنه جعل الضمان صفة لها نفسها. ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها. فلما وقع الضمان على ذاتها دل على أنه ضمان أداء. ولو كان ضمان تلف لكان لما ضاع بعضها لم يعرض عليه أن يضمنها. ولقال هذا حقك. كما لو كان الذاهب بعينه موجودًا. فإنه لا يعرض عليه رده.
(وعن أبي أمامة مرفوعًا: العارية مؤادة) موصلة إلى صاحبها. قال الحافظ ليس فيه دلالة على التضمين. لأن الله يقول ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وإذا تلفت الأمانة لم يلزم ردها. والحديث رواه أبو داود و (حسنه الترمذي) وصححه ابن حبان وغيره.
فدل على أنها لا تضمن إلا بالتعدي. وهو أوضح الأقوال. وأفتى عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنها لا تضمن إلا بالتفريط فيها. وإن تلفت في انتفاع بمعروف لم تضمن. لأن
стр. 1356
الإذن في الاستعمال تضمن الإذن في الإتلاف. وله استيفاء المنفعة بنفسه ووكيله. وليس له أن يعيرها أو يؤجرها.
(وعن سمرة مرفوعًا على اليد ما أخذت) أي ما أخذته اليد ضمان على صاحبها (حتى تؤديه) من غير نقص عين ولا صفة وأسند إلى اليد لأنها المتصرفة فمن أخذ مال غيره لزمه رده (رواه الخمسة) وصححه الحاكم وحسنه الترمذي والحديث دليل على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره. وعليه مؤونة الرد. ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه. وهم يعم العارية والغصب.
ولو سلم شريك شريكه دابة فتلفت بلا تعد لا تفريط لم يضمن. ولا ضمان عند الجمهور في أربع إذا كانت العارية وقفًا. وإذا أعارها المستأجر أو بليت فيما أعيرت له. أو أركب دابة منقطعًا للثواب فتلفت تحته ما لم يفرط. وللمعير الرجوع متى شاء بلا نزاع. ما لم يأذن في شغله بشيء يضر المستعير برجوعه فيه. كما لو أعاره أرضًا للزرع أو جدارًا ليضع عليه خشبه.
(ولأبي داود) وغيره (عن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (أد الأمانة) أي ادفع الأمانة
وهي كل حق لزمك أداؤه وحفظه (إلى من ائتمنك) عليها والائتمان إيداع الشيء لحفظه حتى يعاد إلى المؤتمن (ولا تخن
стр. 1357
من خانك) أي لا تكافئ الخائن بمثل فعله. فلا يجازى بالإساءة من أساء وهذه مسألة الظفر وتأتي. والحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم. وتكلم فيه أحمد وغيره. وله طرق متعددة فيها مقال. وقال في نيل الأوطار ينتهض للاحتجاج به.
وهو شامل للعارية والوديعة ونحوهما وأنه يجب أداء الأمانة كما تقدم في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ولا نزاع في ذلك.
وإن اختلفا في الإعارة فقال المالك آجرتك فقبل مضي مدة يقبل قول مدعي الإعارة. وبعد مدة لها أجرة قول المالك. وإن قال أعرتك قال بل أجرتني فقول المالك. لأن الأصل عدم عقد الإجارة. وإن قال أعرتني أو أجرتني وقال المالك بل غصبتني فقوله. لأن الأصل عدمهما. وإن قال أعرتك وقال بل أجرتني والبهيمة تالفة فقول المالك. وإن اختلفا في الرد فقول المالك للخبر.
باب الغصب
أي باب ذكر أحكام الغصب وجناية البهائم وما في معنى ذلك من الاتلافات. والغصب مصدر غصب يغصب غصبًا.
وهو لغة أخذ الشيء ظلمًا. تقول غصبه منه وغصبه أو قهره عليه. واصطلاحًا الاستيلاء عرفًا على حق غيره قهرًا بغير حق
стр. 1358
من عقار ومنقول. وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض ﴿بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ أي من غير الوجه الذي أباحه الله والغصب من أكل أموال الناس بالباطل وأصل الباطل الشيء الذاهب فالأكل بالباطل أنواع قال بعض المفسرين قد يكون بطريق الغصب والنهب وقد يكون بطريق اللهو والقمار.
(وقال ﷺ فيما رواه عنه ابن عباس وأبو بكرة وغيرهما في خطبته يوم النحر عام حجة الوداع بمنى ومسلم عن جابر بعرفة (إن دماءكم) أي إن دماء بعضكم على بعض حرام (وأموالكم) أي وإن أموال بعضكم على بعض حرام (وأعراضكم) وهي موضع الذم والمدح (عليكم حرام) وقال الحافظ على حذف المضاف أي سفك دمائكم وأخذ أموالكم (كحرمة يومكم هذا) أي يوم النحر، ويوم عرفة أو هما وكلاهما له حرمة أكيدة وثلب أعراضكم عليكم حرام (في بلدكم هذا) أي بلد مكة وتقدم أنه حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة (في شهركم هذا) أي ذي الحجة وفيه ثم قال ألا هل بلغت؟ قالوا اللهم نعم فقال ﷺ اللهم اشهد الحديث (متفق عليه).
قال الحافظ فيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير
стр. 1359
ليكون أوضح للسامع وقال مناط التشبيه ظهوره عند السامعين لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتاً في نفوسهم متقرراً عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض فكانوا في الجاهلية يستبيحونها فأخبر الشارع أن تحريم دم الإنسان وماله وعرضه أعظم من ذلك فدل الحديث على آكدية تحريم مال المسلم.
(وعن أنس) بن مالك ﵁ (مرفوعاً لا يحل مال امرئ مسلم) اخرج الكافر غير المستأمن (إلا عن طيب نفسه) رواه الدارقطني و (رواه ابن ماجه) وغيره ومعناه صريح في الكتاب والسنة ومجمع على تحريمه.
(وعن ابن السائب) عبد الله بن السائب بن يزيد بن سعيد ثمامة الكندي عن أبيه عن جده يزيد (أنه ﷺ قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه) منفعة كان أو سلعة مما يتمتع به من الحوائج (لا لاعباً) أي لا في حالة اللعب فلا يجوز له أخذ متاع على جهة المزح والهزل فدل على تحريم أخذ متاع الإنسان على جهة المزح (ولا جاداً) أي ولا في حال الجد فيحرم أخذه على جهة الجد أيضاً وفي النهاية وغيرها أن يأخذه. ولا يريد سرقته ولكن يريد المزح وإدخال الهم والغيض عليه فهو لاعب في السرقة جاد في الأذية. وهذا كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وكقوله ﷺ "إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام" ولا نزاع في تحريم ذلك لا شرعاً ولا عقلاً بل تطابق على
стр. 1360
ذلك الشرع والعقل إلا ما استثنى كالزكاة وغيرها من الحقوق المالية الموضحة في مواضعها.
(ومن أخذ عصا أخيه) تنبيهًا على ما هو أعلى منها وجاء ولو قضيبًا من أراك (فليردها إليه رواه أبو داود) وأقره المنذري وحسنه الترمذي فدل على تحريم أخذ مال المسلم بغير حق وليس المراد العصا بل المراد منه كل شيء حتى العصا فدل الحديث على تحريم الغصب ووجوب رد المغصوب بعينه إن أمكن أو مثله وإلا فقيمته كما سيأتي.
(ولهما) أي البخاري ومسلم (عن سعيد بن زيد مرفوعًا من غصب شبرًا من الأرض) وفي لفظ "من أخذ شبرًا" وفي لفظ "شيئًا" من الأرض (طوقه) أي حمله طوقًا على رقبته (من سبع أرضين) ولهما من حديث عائشة "من ظلم شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين" ولأحمد من حديث أبي هريرة "من اقتطع شبرًا من الأرض بغير حق طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين" ولأبي عوانة "جاء به مقلده".
وفيها دليل على تغليظ عقوبة الغصب وأنه من الكبائر. ودليل على أن من ملك أرضًا ملك قرارها. وله منع من يحفر تحتها بئرًا أو سربًا بغير رضى المالك. وأن ملك ظاهر الأرض ملك لباطنها بما فيه من حجارة وأبنية ومعادن وغير ذلك. وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره.
стр. 1361
(وعنه مرفوعًا ليس لعرق ظالم حق) قال الحافظ رواية الأكثر بتنوين عرق. وغلط الخطابي من رواه بالإضافة. وظالم نعت له. أي ليس لذي عرق ظالم حق (رواه الخمسة) وحسنه الحافظ وله شواهد. وتمام الحديث ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر. فقضى لصاحب الأرض بأرضه. وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. قال فلقد رأيتها وإنما لتضرب أصولها بالفؤس. وإنها لنخل عم. يعني طوالًا.
وحكى ابن رشد الإجماع على أن من اغترس نخلًا أو شجرًا. وبالجملة نباتًا في غير أرضه أنه يؤمر بالقلع اهـ. ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه فلزمه تفريغه. ويلزمه ارش نقصها وتسويتها وأجرة مثلها إلى وقت التسليم. وأكثر الفقهاء على أن صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على قلعه.
(وعن رافع مرفوعًا: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء)، وكذا من بنى أو حفر في أرض غيره بغير حق. ولا شبهة فلا شيء له (وله نفقته) أي للغاصب ما أنفقه على الأرض من المؤونة في الحرث والسقي وقيمة البذر ونحو ذلك رواه الخمسة إلا النسائي. (وحسنهما الترمذي) وحسن البخاري حديث رافع. وله شواهد. وتقدم. وفيه دليل
стр. 1362
على أن غاصب الأرض إذا زرعها لا يملك الزرع. وأنه لمالكها. وله ما غرم على الزرع من النفقة والبذر.
ويقال من بذر في أرض غيره بلا إذنه فلا يخلو: إما أن يسترجعها مالكها بعد حصاد الزرع أو قبله. فإن أخذها مستحقها بعد حصاد الزرع فالزرع لغاصب الأرض. قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا. وذلك إنه نماء ماله وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص الأرض. وإن أخذها صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها فعند الجمهور أن الزرع لمالك الأرض وعليه نفقته. واختاره الشيخ. ويخير المالك بين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له. أو يترك الزرع للغاصب ولم يملك إجباره على قلعه. لأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمن. فلم يجز إتلافه.
وفارق الشجر لطول مدته. وحديث ليس لعرق ظالم حق محمول عليه. وهذا الحديث في الزرع. فحصل الجمع بين الخبرين. وأما من زرع بلا إذن شريكه والعادة بأن من زرع فيها له نصيب معلوم. ولربها نصيب معلوم. فقال الشيخ يقسم ما زرعه في نصيب شريكه كذلك اهـ. ولو طلب أحدهما من الآخر أن يزرع معه أو يهاييه فأبي فللأول الزرع في قدر حقه بلا أجرة. كدار بينهما فيها بنيان سكن أحدهما عند امتناعه مما يلزمه. وصوبه في الإنصاف. وأنه لا يسع الناس غيره.
стр. 1363
وإن كان المغصوب على خلقته كولد الجارية فقال ابن رشد: لا خلاف أعلمه أن الغاضب يرده كالولد مع الأم المغصوبة. قال والقياس أن تجرى المنافع والأعيان المتولدة مجرى واحدًا. وقال الشيخ المتوجه فيما إذا غصب شيئًا كفرس وكسب به مالًا كالصيد أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعها. بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس. ثم يقسم الصيد بينهما. وأما إذا كسب العبد فالواجب أن يعطى المالك أكثر الأمرين من كسبه أو قيمة نفعه.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال من اعتق) أي حرر من الرق (شركًا له) وفي رواية شقصًا وفي رواية نصيبًا له (في عبد) ذكرًا كان أو أنثى (قوم) أي العبد (عليه قيمة عدل) وفي رواية قوم العبد عليه قيمة عدل (متفق عليه) ورواه غيرهما من غير وجه عن النبي ﷺ وفيه "فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا" أي وإن لم يكن له مال "فقد عتق منه ما عتق" فدل على تقويم حصة الشريك. ولعله مع تعذر المثل.
قال ابن القيم إذا اتلف نقدًا أو حبوبًا. أمكن ضمانها بالمثل. وإن كان ثيابًا أو آنية أو حيوانًا فمثله. وقد يتعذر فالقيمة. واحتج الشيخ بقوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ وقال يضمن المغصوب بمثله مكيلًا كان أو موزونًا أو غيرهما حيث أمكن. وإلا فالقيمة. واختار اعتبار المثل بكل ما
стр. 1364
يثبت في الذمة. والتشابه في غير المكيل والموزون ممكن. فلا مانع منه. وكذا ما انقسم بالأجزاء بين الشريكين من غير تقويم مضافًا إلى هذا النوع. لوجود التماثل وانتفاء التخالف.
(وللبخاري) في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ (أن إحدى نساء النبي – ﷺ ) وللترمذي أنها عائشة ﵂ (كسرت قصعة الأخرى) هي زينب بنت جحش. كما رواه ابن حزم وغيره والقصعة إناء من خشب (فدفع) يعني رسول الله ﷺ (قصعة الكاسرة) وهي لعائشة ﵂ (وحبس المكسورة) في بيت التي كسرت، وقال "طعام بطعام وإناء بإناء" وللنسائي عن أم سلمة أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي ﷺ وأصحابه فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة. ووقع مثل ذلك لحفصة مع عائشة. وصفية مع عائشة. فلأبي داود قالت ما رأيت صانعًا طعامًا مثل صفية، صنعته فبعثت به، فأخذني: أفكل –رعدة- فكسرت الإناء. فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال "إناء مثل إناء. وطعام مثل طعام".
ولا ريب أن إتلاف مال الغير عدوانًا من أنواع الغصب. ودلت الأحاديث وما في معناها على أن من استهلك على غيره شيئًا كان مضمونًا بمثله. وهو إجماع في المثلي. حكاه الحافظ وغيره. وأن القيمي يضمن بمثله. ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل. وقال الوزير اتفقوا على أنه يجب على الغاصب
стр. 1365
للمغصوب منه رد العين إن كانت عينية. ولم يخف من ردها إتلاف نفس. وأن العروض والحيوان وكل ما كان غير مكيل ولا موزون يضمن إذا غصب وتلف بقيمته. والمكيل والموزون بمثله إذا وجد مثله. وقال ابن عبد البر كل مطعوم من مأكول ومشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته.
وقال الشيخ وغيره يضمن المغصوب بمثله مكيلًا كان أو موزونًا أو غيرهما. حيث أمكن. وإلا فالقيمة. وقال إذا تغير السعر وفقد المثل فينتقل إلى القيمة وقت الغصب. وهو أرجح الأقوال. وقال في الثوب والعصا والقصعة ونحوها يضمنه بالمثل مراعيًا للقيمة. وقال ولو شق ثوب شخص خير مالكه بين تضمين الشاق نقصه وبين شق ثوبه.
(وعن سمرة) ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من وجد عين متاعه) ما ينتفع به من عروض الدنيا وفي لفظ "عين ماله" أي ما غصب أو سرق أو ضاع من ماله (عند رجل فهو أحق به) فيأخذه وفي لفظ ويتبع البيع بكسر الياء مشددة من باعه رجلًا كان أو امرأة (وفي لفظ إذا سرق من الرجل متاعه) يعني ماله المسروق (أو ضاع) أي متاعه
(فوجده بيد رجل) أي عند رجل (بعينه) أي بعين ماله
المسروق أو الضائع والمراد إذا ثبت ببينة أو إقرار (فهو
أحق به) يأخذه.
стр. 1366
وقال الموفق وغيره أجمع العلماء على وجوب رد المغضوب إذا كان بحاله لم يتغير ولم ينشغل بغيره (ويرجع المشتري) إن كان اشتراه (على البائع بالثمن) الذي دفعه (رواه أبو داود) والنسائي ورواه أحمد وابن ماجه. وفي لفظ "ويرجع المشتري" أي للمغصوب ونحوه "على من باعه" أي وأخذه منه الثمن. فإن له أن يخاصمه ويأخذ عين ماله منه. ويرجع مشتري الشيء المأخوذ من يده على من باعه إياه.
فمتى ظهر المبيع مستحقاً فللمشتري أن يرجع بالثمن على من قبضه منه أو ببدله. فإن كان القابض غائباً حكم عليه إذا قامت الحجة. وسلم للمحكوم له حقه من مال الغائب مع بقائه على حجته.
وإن اختلطت الغصوب واشتبه ملك بعضهم ببعض فقال الشيخ إن عرف قدر المال تحقيقًا قسم الموجود عليهم على قدره وإن لم يعرف إلا عدده على قدر العدد. لأن المالين إذا اختلطا قسما بينهم. وإن كان كل منهم يأخذ عين ما كان للآخر. لأن الاختلاط جعلهم شركاء. وسواء اختلط غنم أحدهما بالآخر عمداً أو خطأ. يقسم المالان على العدد إذا لم يعرف الرجحان. وإن عرف وجهل قدره أثبت منه القدر المتيقن. وأسقط الزائد المشكوك فيه. لأن الأصل عدمه.
قال وقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عمل فيه بالاجتهاد
стр. 1367
كما يعمل في قيمته بالاجتهاد. إذ التقويم والخرص واحد. فإن الخرص الاجتهاد في معرفة مقدار الشيء. وتقويمه الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه. بل قد يكون الخرص أسهل. وكلاهما يجوز مع الحاجة. قال ومن ندم ورد المغصوب بعد موت المغصوب منه كان للمغصوب منه مطالبته في الآخرة لتفويته الانتفاع به في حياته. كما لو مات الغاصب فرده وارثه. وقال ومن كانت عنده غصوب وودائع وغيرها لا يعرف أربابها صرفت في المصالح. وقاله العلماء.
ولو تصدق بها جاز. وله الأكل منها. ولو كان عاصيًا إذا تاب. وكان فقيرًا. وقيل يدفعه إلى الإمام إن كان عادلًا. أو له نائب كذلك. الأسلم لرجل عالم معروف موثوق به. وأعلمه بالحال ليصرفه في مصارفه. وللعالم أن يصرفه إليه إن كان ممن يجوز الصرف إليه. وله أن يصرفه من نفسه لنفسه إن كان بهذه الصفة. وهو عالم بالأحكام الشرعية. وقال من مات معدمًا يرجى أن الله يقضي عنه ما عليه.
(وعن أبي هريرة مرفوعًا: العجماء) البهيمة لأنها لا تتكلم (جبار) بضم الجيم أي جناية البهائم هدر. قال أهل اللغة الجبار الهدر والباطل. وقال الشيخ كل بهيمة عجماء كالبقر والشاة وغيرهما. فجناية البهائم غير مضمونة إذا فعلت بنفسها. كما لو انفلتت ممن هي في يده وأفسدت فلا ضمان على أحد. ما لم تكن عقورًا ولا فرط صاحبها في حفظها في الليل أو في أسواق
стр. 1368
المسلمين ومجامعهم. وكذا قال غير واحد أنه إنما يكون جبارًا إذا كانت منفلتة ذاهبة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق إلا الضارية. وكذا الجوارح وشبهها يلزم مالكها وغيره ضمان ما أتلفت.
وفي الفصول من أطلق كلبًا عقورًا أو دابة رفوسًا أو عضوضًا على الناس وخلاه في طريقهم ومصاطبهم ورحابهم فأتلف مالًا أو نفسًا ضمن لتفريطه. وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس وحيواناتهم. وقال الشيخ فيمن أمر رجلًا بإمساك الضارية فجنت عليه يضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموصًا.
(والبئر جبار) وذلك أن يحفر شخص في ملك نفسه فيتردى فيها إنسان). فإنه هدر. وإن حفر في فناء داره لنفسه ضمن. وكذا إن حفرها في طريق ضيق. وإن حفرها بطريق واسع لنفع المسلمين بلا ضرر في سابلة لم يضمن ما تلف بها لأنه محسن (والمعدن جبار) وذلك أن يستأجر من يستخرجها. فإذا انهارت عليهم فدماؤهم هدر. لأنهم أعانوا على أنفسهم فزال العتب عمن استأجرهم (متفق عليه) فدل الحديث على أن هذه الثلاثة هدر على ما فصل.
(ولأبي داود والرجل جبار) أي لا ضمان فيما جنته
стр. 1369
الدابة برجلها. لكن بشرط أن لا يكون بسبب مالكها. كأن يجذبها باللجام زيادة على العادة أو يضرب وجهها فيضمن ما نفحته برجلها. وإن كانت هذه الزيادة فيها مقال فيشهد لها قوله في الحديث الصحيح "جرحها جبار" فإن عمومه يقتضي عدم الفرق بين جنايتها برجلها أو بغيرها.
(وعن النعمان) بن بشير ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من أوقف دابة) بعيرًا كان أو حمارًا أو غيرهما (في طريق المسلمين) المسلوك وقيده بعضهم بالضيق (أو سوقهم) أو مجامعهم (فأوطأت) أي داست (بيد أو رجل) فأتلفت شيئًا (فهو ضامن) لأن من طبع الدابة الجناية برجلها أو يدها أو فمها (رواه الدارقطني) قال المجد هذا إذا أوقفها في طريق ضيق أو حيث تضر المار اهـ. وكجعلها في الأسواق والمجامع طردها في تلك الأمكنة. فيضمن جنايتها حيث كانت لسببه. وأن لا يكون في الأوقات التي يجب على المالك حفظها فيها كالليل. وبقرب ما تتلفه عادة.
قال الشيخ ولو كان معها قائد أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه. لأنه تفريط. قال الحارثي والبهيمة النزقة التي لا تضبط بكبح ولا نحوه ليس له ركوبها بالأسواق. فإن ركب ضمن لتفريطه. وكذا الرموح التي تضرب برجلها.
(وللخمسة) وغيرهم؛ (إلا الترمذي عن البراء) ابن
стр. 1370
عازب ﵁ قال (قضى رسول الله عليه وسلم أن حفظ الحوائط) وهي البساتين إذا كانت محاطة بالجدر. وكذا المزارع حفظها (بالنهار على أهلها) فلا يضمن مالك البهيمة ما جنت بهيمته بالنهار ما لم يرسلها بقرب ما تتلفه عادة. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم (وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها) ومطلقًا عما تتلفه عادة لخبر "لا ضرر ولا ضرار" (وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل) لتفريطهم بإرسالها كما لو أرسلوها قرب الزرع قاله الشيخ وغيره.
وقال أيضًا هذا إذا كانت ترعى في المراعي المعتادة فانفلتت نهارًا من غير تفريط من صاحبها حتى دخلت اصطبلًا فأفسدته أو أفسدت زرعًا لم يكن على صاحبها ضمان عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد لقصة سليمان بن داود والنفش. ولحديث ناقة البراء. فإنها دخلت حائطًا فأفسدته فقضى فيها رسول الله – ﷺ بما تقدم. وأما إن كان صاحبها اعتدى وأرسلها في زرع قوم أو بقرب زرع أو ادخلها إلى اصطبل الحمار بغير إذن صاحبه فأتلفت فهنا يضمن لعدوانه.
وقال البغوي ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها. وما أفسدت بالليل ضمنه مالكها. لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار. وأصحاب المواشي بالليل. فمن خالف هذه
следующие страницы →